← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95681

أحصاه الله ونسوه

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (98 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بواعث الغيبة لا شك أن هناك بواعث للغيبة منها: ١ - من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم لقطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا منه. ٢ - ومنهم من يخرج الغيبة في مواكب شتى تارة في قالب ديانة وصلاح، ويقول ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخير، ولا أحب الغيبة والكذب، وإنما أخبركم بأحواله ويقول: والله إنه مسكين ورجل جيد، ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه الله يغفر لنا وله، وقصده من ذلك استنقاصه. ٣ - ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد. ٤ - ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تسخر ولعب، ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به. ٥ - ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول: تعجبت من فلان، كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت. ٦ - ومنهم من يخرج الغيبة في قالب الاغتمام فيقول مسكين فلان، غمني ما جرى له، وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به وربما يذكره عند أعدائه ليتشفوا به.

стр. 37

٧ - ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، وقصده غير ما أظهر (١). أخي الكريم: هذه بواعث للنفوس الضعيفة والقلوب المريضة وإلا فالمؤمن لا يترك لنفسه هواها بل يراعي في ذلك حدود الله وما نهى عنه. ذكر عن إبراهيم بن أدهم ﵀ أنه أضاف أناسا فلما قعدوا على الطعام، جعلوا يتناولون رجلا، قال إبراهيم: إن الذين كانوا قلنا، كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم، وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز (٢). وفي ذلك إشارة إلى أنهم يأكلون لحم أخيهم المسلم .. وانظر إلى أثر ذلك في دين الرجل. قال الحسن: والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الآكلة في جسده (٣). وقال سفيان بن عيينة: الغيبة أشد من الدين، الدين يقضى والغيبة لا تقضي (٤). ولكي لا يكون عليك دين لا يقضى إلا يوم القيامة .. ليكن حظ المؤمن منك ثلاثًا إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا

стр. 38

تغمه وإن لم تمدحه فلا تذمه (١). قال سفيان بن الحصين: كنت جالسا عند إياس بن معاوية فمر رجل، فنلت منه، فقال: اسكت، ثم قال لي سفيان: هل غزوت الروم؟ قلت: لا، قال: غزوت الترك؟ قلت: لا، قال: سلم منك الروم وسلم منك الترك، ولم يسلم منك أخوك المسلم، قال: فما عدت إلى ذلك بعد (٢). ولعلنا نكون مثله فيسلم المسلمون منا ونسلم منهم وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه .. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن بعض الناس لا تراه إلا منتقدا داء ينسى حسنات الطوائف والأجناس ويذكر مثالبهم، فهو مثل الذباب يترك موضع البرء والسلامة ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج. أخي الحبيب: هل تقبل أن تكون كذلك؟ أم تقبل أن تكون مستمعًا لما حرم الله من الغيبة؟ وأنت تعلم أن المغتاب لو لم يجد أذنًا صاغية لما اغتاب واسترسل في الحديث .. فأنت باستماعك تكون مشجعا وعونا له على المعصية فلا تكن شريكًا في الإثم. قال الإمام الشافعي: قبول السعاية أضر من السعاية، لأن السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل

стр. 39

وأجاز، والساعي ممقوت إذا كان صادقًا لهتكه العورة وإضاعته الحرمة، ومعاتب إن كان كاذبًا لمبارزته الله بقول البهتان وشهادة الزور (١). واعلم أخي: أن مجالس الغيبة ليست بمجالس خير وهي مجالس تؤكل فيها لحوم المسلمين. روي عن حاتم الزاهد رحمه الله تعالى أنه قال: ثلاثة إذا كن في مجلس فالرحمة عنهم مصروفة: ذكر الدنيا، والضحك، والوقيعة في الناس (٢). وقال بكر بن عبد الله: إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس، ناسيًا لعيبه، فأعلموا أنه قد مكر به (٣). أخي: اعلم أن أحسن أحوالك أن تحفظ ألفاظك من جميع الآفات وتتكلم فيما هو مباح لا ضرر عليك فيه ولا على مسلم أصلاً، إلا أنك تتكلم بما أنت مستغن عنه ولا حاجة لك إليه فإنك تضيع به زمانك، وتحاسب على عمل لسانك وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .. ولو هللت الله سبحانه وسبحته لكان خير لك، فكم من كلمة يبني بها قصرًا في الجنة، ومن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز، فأخذ مكانه قذرة لا ينتفع بها كان خاسرًا خسرانًا مبينًا، وهذا مثال من ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه، فإنه

стр. 40

وإن لم يأثم فقد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر الله تعالى، فإن المؤمن لا يكون صمته إلا فكرًا ونظره إلا عبرة ونطقه إلا ذكرًا، بل رأس مال العبد أوقاته، ومهما صرفها إلى ما لا يعنيه ولم يدخر بها ثوابًا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله (١). وذكر ذلك عون بن عبد الله في قوله: ما أحسب أحدا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه (٢). وهل هناك أكثر من غفلة عن جلب الحسنات واستبدالها بسيئات؟ والمغتاب إذا أطلق لسانه قد لا يسلم منه حتى من قد رحلوا إلى الدار الآخرة، بل للأحياء نصيب وللأموات. قال يحيى بن معين: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة (٣). دع عنك ذكر فلانة وفلان ... واجنب لما يلهي عن الرحمن واعلم بأن الموت يأتي بغتة ... وجميع ما فوق البسيطة فان فإلى متى تلهو وقلبك غافل ... عن ذكر يوم الحشر والميزان (٤) ذكر عن إبراهيم بن أدهم .. أنه دعي إلى طعام فلما جلس قالوا: إن فلانا لم يجئ فقال رجل منهم: إن فلانا رجل ثقيل، فقال إبراهيم: إنما فعل هذا بي بطني حين شهدت طعامًا، اغتبت فيه

стр. 41

مسلما، فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام (١). أخي الحبيب أين نحن من هؤلاء؟ قال مالك بن دينار: لو كلف الناس الصحف لأقلوا من المنطق (٢). والله لاحتاج البعض إلى من يحمل معه تلك الصحف. وأذكر أن إحدى قريباتي ذهبت لزيارة امرأة بها صمم فلا تسمع وكانت طريقة التفاهم معها هي الكتابة وذلك لعدم إجادتها لغة الإشارات فحملت قلمًا وأوراقًا وعندما عادت بدأت تقلب ماذا كتبت فإذا الأمر مهول .. ولو قامت بإحصاء حديث الغيبة لطال الحساب وهي زيارة لم تدم سوى فترة زمنية قصيرة .. أما الحديث الذي لا فائدة فيه فهو كثير. فكيف إذا أحصى حديث اللسان وهو أسرع من الكتابة خاصة أن انتظار الجواب كتابة أيضا وهذا يعني ضياع جزء من الوقت في نفس الكتابة فحسب. فكيف لو كان اللسان منطلقًا والأذن تسمع، فكم من حديث يحاسب عليه الإنسان وهو لا يدري من سرعة مروره وتهاونه فيه ولكن الأمر كما قال أبو بكر بن عبد الرحمن: لا يلهينك الناس عن ذات النفس، فإن الأمر يخلص إليك دونهم ولا

стр. 42

تقطع نهارك بكيت وكيت، فإنه محفوظ عليك ما قلت (١). ومحاسب على ما قلت .. في يوم أنت أحوج فيه إلى جلب حسنة وإلى دفع سيئة. مر الحسن بشاب وهو مستغرق في ضحكه وهو جالس مع قوم في مجلس، فقال له الحسن: يا فتى هل مررت بالصراط؟ قال: لا، قال فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا، قال: فما هذا الضحك؟ فما رؤي ذلك الفتى بعدها ضاحكًا (٢). وكان الربيع بن خثيم إذا قيل له كيف أصبحتم؟ قال: ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا (٣). أخي: والحال هذه، أعمارنا تجري، وألسنتنا تنطق وصحائفنا تسجل، كيف الخلاص من تلك الآفة التي تفتك بالحسنات وتأتي بالحسرات، هذا أحد من حرص على مجاهدة لسانه ومحاسبته، يروي لنا كيف تخلص من هذه الآفة. قال ابن وهب: نذرت إني كلما اغتبت إنسانا أن أصوم يوما، فأجهدني فكنت أصوم وأغتاب، فنويت إني كلما اغتبت إنسانا أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم، تركت الغيبة (٤).

стр. 43

أخي المسلم: لو هللت الله وذكرته وسبحته لكان خيرا لك فكم من كلمة يبني بها قصرًا في الجنة، ومن قدر أن يأخذ كنزًا من الكنوز فأخذ مكانه مدرة لا ينتفع بها كان خاسرًا خسرانًا مبينًا، وهذا مثال من ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه، فإنه وإن لم يأثم فقد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر الله تعالى، فإن المؤمن لا يكون صمته إلا فكرا ونظره إلا عبرة ونطقه إلا ذكرا (١). وعن الأحنف قال: قال لي عمر بن الخطاب: يا أحنف من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه (٢). ولو تأمل القارئ كيف تدرج الأمر حتى وصل إلى موت القلب وتساوي الأشياء لنزه نفسه عن هذا وحرص على منطقه وحفظ جوارحه. اغتاب رجل عند معروف الكرخي فقال: اذكر القطن إذا وضع على عينيك (٣). فمن تذكر تلك اللحظات ... ومصيره بعدها لتراجع عن غيبته وأعاد لسانه قبل أن يتحدث.

стр. 44

هذا عبد الله بن أبي زكريا: يقول: مكثت اثنتي عشرة سنة أتحفظ من لساني (١). فمثل نفسك يا مغرور وقد حلت بك السكرات، ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلانا قد أوصى وماله قد أحصى، ومن قائل يقول: إن فلانًا ثقل لسانه، فلا يعرف جيرانه ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب ولا تقدم على رد الجواب، ثم تبكي ابنتك وهي كالأسيرة وتتضرع وتقول: حبيبي أبي، من ليتمي بعدك؟ من لحاجتي؟ وأنت والله تسمع الكلام ولا تقدر على رد الجواب: وأقبلت الصغرى تمرع خدها ... على وجنتي حينًا وحينًا على صدري وتمسك خديها وتبكي بحرقة ... تنادي: أبي إني غلبت على الصبر حبيبي أبي من لليتامى تركتهم ... كأفراخ زغب في بعيد من الوكر (٢) ورحل بك من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة .. حملت أوزارك معك .. ورحلت وحيدًا حيث الحساب والجزاء، فرحم الله من حفظ لسانه ليوم فقره .. ورحم الله من استبدل مكان الشر خيرا فسرته صحيفته إذا رآها غدا. قال سفيان الثوري: أقل من معرفة الناس تقل غيبتك (٣).

стр. 45

سوى الهذيان من قيل وقال لقاء الناس ليس يفيد شيئًا فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ علم أو إصلاح حال (١) قال رجل للفضيل بن عياض: إن فلانًا يغتابني قال: قد جلب لك الخير جلبا (٢). وكتب أشهب بن عبد العزيز: إلى رجل كان يقع فيه: أما بعد: فإنه لم يمنعني أن أكتب إليك أن تتزايد مما أنت فيه إلا كراهية أن أعينك على معصية الله، وأعلم أني أرتع في حسناتك كما ترعى الشاة الخضر والسلام (٣). وقال: عبد الرحمن بن مهدي: لولا أني أكره أن يعصى الله تمنيت أن لا يبقى في هذا العصر أحد وإلا وقع في واغتابني فأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها (٤). ويظن البعض أن الغيبة تقتصر على أناس دون آخرين وعلى مجتمع دون آخر بل هي تشمل الجميع وإنها لعمري في العلماء أعظم وأشنع كما أنها في غيرهم سواء .. يتساوى في ذلك من ارتفعت به درجات الدنيا ومن قصرت ممن ولاهم الله أمور المسلمين. قال سفيان: لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان،

стр. 46

أكنتم تتكلمون بشيء؟ قلنا: لا، قال: فإن معكم من يرفع الحديث .. يعني الملكان الموكلان: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أخي الحبيب: إن من تغتابه غالبا تكرهه وتحمل عليه، ولكن انظر ماذا يصنع معك .. إنه يأخذ منك أكثر مما تأخذ منه. وأين؟ إنه في وقت الشدة وزمن الحاجة: يشاركك المغتاب في حسناته ... ويعطيك أجري صومه وصلاته ويحمل وزرا عنك ضن بحمله ... عن النجب من أبنائه وبناته فلا تعجبوا من جاهل ضر نفسه ... بإمعانه فينفع بعض عداته ويحمل من أوزاره وذنوبه ... ويهلك في تخليصه ونجاته (١) من تريد تحقيره في هذه الدنيا .. ها هو الفوز اليوم .. أخذ من حسناتك. فهلا ضننت بحسناتك لنفسك. قال ابن مسعود: أنذرتكم فضول كلامكم، حسب امرئ من الكلام ما بلغ به حاجته (٢). وقال الحسن: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بها ملكان كريمان يكتبان أعمالك فاعمل ما شئت وأكثر أو أقل (٣).

стр. 47

دخل على أبي دجانة: وهو مريض وكان وجهه يتهلل، فقيل: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: أما أحدهما فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا. والمؤمن كما قال إبراهيم التيمي: إذا أراد أن يتكلم نظر فإن كان له تكلم وإلا أمسك، والفاجر إنما لسانه رسلا رسلا (١). وفي حال الدنيا يتحرز بعض الناس في المجالس ... والسؤال ما دافع هذا التحرز؟ لم يكن هذا الدافع هو الخوف من الله. بل إنه حضور شخص له مكانته وهيبته، فلا تسمع في المجلس إلا خيرًا .. فأين هم من حساب الله يوم القيامة؟ وهم الذين يتحرزون عند حضور هذا الرجل ولا يخافون من الله وهو مطلع على السرائر؟ عن حاتم الأصم قال: لو أن صاحب خير جلس إليك لكنت تتحرز منه، وكلامك يعرض على الله فلا تتحرز منه (٢). أخي الحبيب: لا يكن الله أهون الناظرين إليك .. وإياك الغيبة فإنها كما قال عنها علي بن الحسين: إدام كلاب

стр. 48

الناس (١). ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا ... وللناس قال بالظنون وقيل (٢) قال جبير بن عبد الله: شهدت وهب بن منبه وجاءه رجل فقال: إن فلانا يقع منك فقال وهبك أما وجد الشيطان أحدا يستخف به غيرك؟ فما كان بأسرع من أن جاء الرجل فرفع مجلسه وأكرمه (٣). وقال رجل للفضل بن بزوان: إن فلانًا يقع فيك، قال: لأغيظن من أمره، غفر الله له، قيل له: من أمره؟ قال الشيطان (٤). وهذا رجل قال لبكر بن محمد: بلغني أنك تقع في، قال أنت إذا أكرم علي من نفسي. وقصد من هذا أن الحسنات التي يعملها تذهب له إذا اغتابه فجعله بهذا العمل أكرم من نفسه ومقدم عليها في جلب الحسنات. وروى الربيع بن صبيح أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد إني أرى أمرًا أكرهه، قال: وما ذاك يا ابن أخي، قال: أرى أقواما يحضرون مجلسك يحفظون عليك سقط كلامك ثم يحكونك ويعيبونك فقال: يا ابن أخي، لا يكبرن هذا عليك، أخبرك بما هو أعجب، قال: وما ذاك يا عم؟ قال: أطعت نفسي في جوار الرحمن

стр. 49

وملوك الجنان والنجاة من النيران، ومرافقة الأنبياء ولم أطع نفسي في السمعة من الناس، أنه لو سلم من الناس أحد لسلم منهم خالقهم الذي خلقهم فإذا لم يسلم خلقهم فالمخلوق أجدر أن لا يسلم (١). وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار، ويوم بارد، ولقد رؤي بعض الأكابر من أهل العلم في النوم فسئل عن حاله، فقال أنا موقوف على كلمة قلتها، قلت: ما أحوج الناس إلى غيث، فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي (٢). قال محمد بن سيرين: يحدث رجلاً: ما رأيت الرجل الأسود ثم قال: استغفر الله، ما أراني إلا اغتبت الرجل (٣). والإمام البخاري صاحب الكتاب المعروف الذي جاب الآفاق يجمع حديث الرسول ﷺ يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبن باغتياب أحد (٤). وعقب على هذا الأمر أبو عبد الله الحافظ بقوله: يشهد لهذه المقالة كلامه في الجرح والتعديل فإن أبلغ ما يقول في الرجل المتروك أو الساقط: فيه نظر، سكتوا عنه ولا يكاد يقول فلان كذاب، وفلان يضع الحديث وهذا من شدة ورعه (٥).

стр. 50

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟ رأى عمر بن عتبة مولاه مع رجل وهو يقع في آخر: فقال له: ويلك نزه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه نفسك عن القول به، فالمستمع شريك القائل، وإنما نظر إلى شر ما في وعائه فافرغه في وعائك، ولو رددت كلمة سفيه في فيه لسعد بها رادها كما شقي بها قائلها (١). تزود من الدنيا فإنك ميت وإنك مسئول فما أنت قائله (٢). ووالله إن الزاد هو زاد الآخرة .. فبماذا تزودنا وكيف تجهزنا؟ عن أبي ذر قال: مالي وللناس وقد تركت لهم بيضاءهم وصفراءهم (٣). لقد ترك الناس وسلم منه المسلمون .. ترك أعراضهم فلم يتناولها وهجر ذهبهم وفضتهم. ماله وللناس ﵀ استعد لنزل دائم وظل لا يزول، في جنات عرضها السموات والأرض. قال: أبو عاصم النبيل ﵀: ما اغتبت مسلمًا منذ علمت أن الله حرم الغيبة (٤). أدبت نفسي فما وجدت لها ... من بعد تقوى الإله من أدب في كل حالاتها وإن قصرت ... أفضل من صمتها عن الكذب

стр. 51

نفس فإن السكوت من ذهب (١) إن كان من فضة كلامك يا والغيبة محرمة بنص كلام الله جل وعلا وعلى لسان نبيه ﷺ فما هذا التجرؤ على محارم الله وحدوده .. ألا نكون وقافين عندها، طائعين لما فيها؟ قال عبد الله بن محمد بن زياد: كنت عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله قد اغتبتك، فاجعلني في حل، قال: أنت في حل إن لم تعد، فقلت له: أتجعله في حل يا أبا عبد الله وقد اغتابك؟ قال: ألم ترني اشترطت عليه (٢). وجاء ابن سيرين أناس فقالوا: إنا نلنا منك فاجعلنا في حل، قال: لا أحل لكم شيئا حرمه الله (٣). أخي الحبيب: إذا شئت أن تحيا ودينك سالم ... وحظك موفور وعرضك صين لسانك لا تذكر به عورة امرئ ... فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك معايبا ... لقوم فقل يا عين للناس أعين (٤) قال طوق بن منبه: دخلت على محمد بن سيرين فقال: كأني أراك شاكيًا؟ قلت: أجل، قال: أذهب إلى فلان الطبيب فاستوصفه ثم قال: اذهب إلى فلان فإنه أطب منه، ثم قال: استغفر الله أراني قد

стр. 52

اغتبته (١). وانظر أخي إلى العاقبة الدنيوية لزلات اللسان. قال ابن سيرين عيرت رجلاً وقلت: يا مفلس، فأفلست بعد أربعين سنة (٢). يمنعني من عيب غيري الذي ... أعرفه عندي فوق العيب عيبي لهم بالظن مني لهم ... ولست من عيبي في ريب إن كان عيبي غاب عنهم فقد ... أحصى عيوبي عالم الغيب (٣) قال بعضهم: أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس (٤). أخي الحبيب: هذه نصيحة من الفاروق عمر بن الخطاب. عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء، وإياكم وذكر الناس فإنه داء (٥). وبما أن ذكر الناس داء فإن له دواء، أفلا نبحث عنه لنعالج نفوسنا ونبرأ جراح ألسنتنا، ونرفع في الآخرة درجاتنا.

стр. 53

بيان العلاج الذي يمنع اللسان عن الغيبة أولاً: أن يعلم أنه بغيبته تعرض لسخط الله تعالى مقته وشديد عقابه. ثانيًا: لا بد أن يدرك أن عمله هذا محبط لحسناته يوم القيامة. ثالثًا: أن يتدبر في نفسه ويصلح عيوبه ويتدارك نفسه. رابعًا: إن كان ما اغتاب في المسلم من عيب غير موجود فيه فليحمد الله وليشكره على نعمته. خامسًا: من اغتابه على سبيل التنقيص والاحتقار، فاز بحسنات يوم القيامة فهو يأخذ الحسنات والمغتاب يكسب السيئات والأوزار. سادسًا: أن يتصور حين يغتاب أخاه المسلم أنه كمن يأكل لحمه وهو ميت. سابعًا: أن يتذكر وهو يغتاب أنه يأكل وينهش في لحم أخيه المسلم. تاسعًا: أن يتذكر موقفه يوم القيامة عند الحساب ذليلا كبلته الذنوب وأحاطت به الأوزار.

стр. 54

باب ما يباح من الغيبة (١) قد يفاجأنا أخ كريم بقوله إن هذه غيبة مباحة .. فنعرض قوله على شروط إباحة الغيبة .. فإن وافقت فقد أصاب وإلا فلا. تباح الغيبة لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهي ستة أسباب: الأول: التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول ظلمني فلان بكذا. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر، فلان يعمل كذا فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا. الثالث: الاستفتاء فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي ودفع الظلم؟ ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص، أو زوج، قال أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين ومع ذلك فالتعيين جائز. الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، مثل جرح

стр. 55

المجروحين من الرواة والشهود، ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو غير ذلك، فله أن يبين حاله بنية النصيحة. الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر وتولي الأمور الباطلة فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكر. السادس: التعريف فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب، كالأعمش والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول، جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى. أخي الحبيب: إن ضعفت عن ثلاث، فعليك بثلاث، إن ضعفت عن الخير فأمسك عن الشر، وإن كنت لا تستطيع أن تنفع الناس، فأمسك عنهم ضرك، وإن كنت لا تستطيع أن تصوم فلا تأكل لحوم الناس (١). روي عن الحسن أن رجلاً قال: إن فلانًا قد اغتابك، فبعث إليه طبقًا من الرطب، وقال: بلغني أنك أهديت إليَّ حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها، فأعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام (٢). وذكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن

стр. 56

العبد ليعطى كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم يكن عملها فيقول يا رب، من أين لي هذا؟ فيقول: هذا بما اغتابك الناس وأنت لا تشعر (١). فيا عجبا ندري بنار وجنة ... وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر إذا لم يكن خوف ولا شوق ولا حيا ... فماذا بقي فينا من الخير يذكر ولسنا صابرين ولا بلى ... فكيف على النيران يا قوم نصبر وفوت جنات الخلد أعظم حسرة ... على تلك فليتحسر المتحسر روى خالد الربعي قال: كنت في المسجد الجامع، فتناولوا رجلاً، فنهيتهم عن ذلك، فكفوا وأخذوا في غيره، ثم عادوا إليه، فدخلت معهم في شيء من أمره، فرأيت تلك الليلة في المنام كأني أتاني رجل أسود طويل، ومعه طبق عليه قطعة من لحم خنزير، فقال لي: كل، فقلت: آكل لحم خنزير؟ والله لا آكله فانتهرني انتهارًا شديدًا، وقال: قد أكلت ما هو شر منه، فجعل يدسه في فمي، حتى استيقظت من منامي، فوالله لقد مكثت ثلاثين يومًا أو أربعين يومًا، ما أكلت طعامًا، إلا وجدت طعم ذلك اللحم ونتنه في فمي (٢). وذكر عن إبراهيم بن أدهم، أنه قال: يا مكذب، بخلت بدنياك على أصدقائك وسخوت بآخرتك على أعدائك، فلا أنت فيما بخلت به معذور، ولا أنت فيما سخوت به محمود (٣).

стр. 57

أخي الحبيب: خل جنبيك لرام ... وأمض عنه بسلام مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام (١) والكثير بحمد الله، تتحرك الكلمة على لسانه وتضطرم في صدره ولكنه يمنعها مخافة من الله ورغبة فيما عنده أولئك الأحبة الذين قدموا الباقية على العاجلة، جعلنا الله منهم ورزقنا نصيبًا من صمتهم وسكوتهم عما حرم الله. ذكر عن عيسى ابن مريم ﵇: أنه قال لأصحابه: أرأيتم لو أتيتم على رجل قائم، قد كشف الريح عند بعض عورته كنتم تسترون عليه؟ قالوا: نعم قال: بل كنتم تكشفون البقية، قالوا: سبحان الله، كيف نكشف البقية. قال: أليس يذكر عندكم الرجل، فتذكرونه بأسوأ ما فيه، فأنتم تكشفون بقية الثوب عن عورته. حمانا الله وإياكم كشف عورات المسلمين وهتك أعراضهم والخوض فيها، باللسان وغيره. اعلم أخي أن الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة،

стр. 58

وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام. فمن ذلك قول عائشة ﵂ دخلت علينا امرأة فلما ولت، أومأت بيدي أنها قصيرة، فقال ﵇ "اغتبتيها" ومن ذلك المحاكاة يمشي متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة، بل هو أشد من الغيبة، لأنه أعظم في التصوير والتفهيم، وكذلك الغيبة بالكتابة فإن القلم أحد اللسانين (١). روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: هاجت ريح منتنة على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "إن أناسا من المنافقين، قد اغتابوا أناسا من المسلمين فلذلك هاجت هذه الريح النتنة" (٢). وقيل لبعض الحكماء: ما الحكمة في أن ريح الغيبة ونتنها كانت تتبين على عهد رسول الله ﷺ ولا تتبين في يومنا هذا؟ قال: لأن الغيبة قد كثرت في يومنا، فامتلأت الأنوف منها، فلم تتبين الرائحة، وهي النتن، ويكون مثال هذا، مثال رجل دخل الدباغين، لا يقدر على القرار فيها من شدة الرائحة، وأهل تلك الدار، يأكلون فيها الطعام، ويشربون الشراب ولا تتبين لهم الرائحة لأنه قد امتلأت أنوفهم منها، كذلك أمر الغيبة في يومنا هذا (٣). ولننظر إلى صفاء النفوس، ورفعة النفس وقبل ذلك طاعة الله

стр. 59

عز وجل ورسوله. ذكر عن وهب المكي أنه قال: لأن أدع الغيبة أحب إلي من أن تكون لي الدنيا وما فيها، منذ خلقت إلى أن تفنى، فأجعلها في سبيل الله تعالى ولإن أغض بصري عما حرم الله تعالى أحب إلي من أن تكون لي الدنيا وما فيها فاجعلها في سبيل الله ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (١). ومع الأسف انتشر في مجالس بعض القوم من جعل الغيبة مصدر رزق له فيسأل عن فلان .. فيتحدث حديثًا بين الجد والهزل تتبعه ضحكات القوم .. ويسترسل في الغيبة ونهش أعراض المسلمين على سبيل الإضحاك .. فلا يبقى لحما لمسلم لم يأكله، ولا يبقى عظما لآخر لم ينهشه .. ويكافأ على ما حرم الله بملئ بطنه أو بملئ كمه .. يستظرف حديثه .. ويستخف دمه .. ليعيث غيبة في أعراض المسلمين. وكان جزاؤه في ما سبق إسكاته أو إخراجه من المجالس لكي لا يفسدها بمعصية الله جل وعلا، وفي بعض المجالس الآن يسأل عن غيابه ولماذا لم يأت فسبحان الله. ولربما رأيته في مجلس آخر ينهش أعراض من تعشى معهم مساء البارحة.

стр. 60

فانظر إلى العدل في المعاملة .. أما في مجتمع بعض النساء .. فالحديث لا يمل .. والإنصات مستمر .. ولو تأملت المتحدثة لرأيتها تجول وتصول في الأعراض. عن يحيى بن معاذ قال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال لتكون من المحسنين. إحداها: إنك لم تنفعه فلا تضره. والثانية: إن لم تسره فلا تغمه. والثالثة: إن لم تمدحه فلا تذمه (١). أخي الحبيب: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم" رواه أبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" متفق عليه. وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرا وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم (٢).

стр. 61

أخي الحبيب: هذا اللسان الكريه، العاصي لربه .. هل نتركه يلوث مجالسنا ويحبط أعمالنا. انظر لعظم أجر إسكات المغتاب والرد عليه والدفاع عن أعراض المسلمين وعرضك من أعراضهم ولسان المغتاب ربما افترى عليك في مجلس أنت غائب عنه. عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" رواه الترمذي وقال حديث حسن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، بعث الله تعالى إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد سبه حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال". وعن النبي ﷺ أنه قال: "ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرئ ينصر امرءًا مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته" تفرد به أبو داود. قال كعب الأحبار: قرأت في كتاب الأنبياء ﵈ أن من مات تائبا من الغيبة كان آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرا

стр. 62

عليها كان أول من يدخل النار (١). وروي أن رجلا أتى ابن سيرين فقال: إني اغتبتك فاجعلني في حل فقال: وكيف أحل ما حرم الله؟ فكأنه أشار إليه بالاستغفار، والتوبة إلى الله تعالى مع استحلال منه (٢). وقال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعته يغتاب عدوا له قط، فقال: هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها. أخي: هذه أعراض المسلمين فكما أنك لا تقبل أن يكون عرضك حديث المجالس فكيف تقبل هذا لمسلم مثلك .. فربما إذا استمعت للمغتاب اليوم استمع لغيبتك غدا، ولكن رد عن أعراض المسلمين ليرد الله عنك، ولا تقبل أن يكون مجلسك مجلس سوء وشر.

стр. 63

كفارة الغيبة تؤرقنا تلك الهنات .. وتزل ألسنتنا .. فكيف الطريق إلى محو السيئات وإقالة العثرات. تنازع العلماء في كفارة المغتاب ولكنهم اتفقوا جميعا على توبته كخطوة أولى. وقال العلماء: إن التوبة واجبة من كل ذنب. وشروط توبة المغتاب أربعة: أولاً: أن يقلع عن الغيبة. ثانيًا: أن يندم على فعلها. ثالثًا: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدا. رابعًا: استحلال من وقع في غيبته، فإن لم تبلغ إلى صاحبه تلك الغيبة أو خشي أن يصيبه ضرر من إخباره، فتوبته أن يستغفر الله تعالى. أخي الكريم: هذه شروط التوبة .. وهذا طريق الطاعة .. وإذا كان من الصعوبة استحلال من نغتابهم فإن الأمر الأسهل حفظ ألسنتنا وجوارحنا. هيا نبادر وخيرنا من إذا سمع وعى وإذا ذكر ذكر .. وإذا عوتب أناب وعاد. فاللهم سلم المسلمين منا وسلمنا من المسلمين يا أرحم الراحمين.

стр. 64

النميمة

стр. 65

النميمة حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. وأمتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (١). وكل أمر يقطع وشائج المحبة وينقض عرى الأخوة فهو مما حذر الله منه، فإن المؤمنين أخوة يجمعهم الخير والتآزر والتآلف. ولهذا المعنى حرم المشي بالنميمة لما فيها إيقاع العداوة والبغضاء وإحلال التدابر والتفرق مكان المحبة والاجتماع. والنميمة: من آفات اللسان وتطلق في الغالب على نقل قول إنسان في إنسان. مثل أن يقول: قال فيك فلان كذا وكذا، وليس مخصوصة بهذا. بل حدها: كشف ما يكره كشفه سواء كان من الأقوال أو

стр. 66

الأعمال حتى لو رآه يدفن مالا لنفسه فذكره .. فهو نمام (١). وحقيقة النميمة: إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، بل كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره، فينبغي أن يسكت عنه إلا في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية، كما إذا رأى من يتناول مال غيره، فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود له، فأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء للسر. فإن كان ما ينم به نقصا وعيبا في المحكي عنه، كان قد جمع بين الغيبة والنميمة (٢). والباعث على النميمة: قلة الخوف من الله جل وعلا وعدم مراقبته. وكذلك إما إرادة السوء للمحكي عنه أو إظهار الحب والتقرب للمحكى له. أو لتفرج بالحديث والخوض في الفضول والباطل. كما أن التشفي والحسد والغيظ من أهم دوافع النميمة. والنميمة خصلة ذميمة قال الله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال عبد الله بن المبارك: الزنيم ولد الزنا الذي لا يكتم الحديث وأشار به إلى كل من لم يكتم الحديث ومشي بالنميمة دل

стр. 67

على أنه ولد زنا استنباطا من الآية الكريمة (١). وقال ﷺ : "لا يدخل الجنة قتات" وهو النمام. فإذا لم يدخل الجنة لم يكن مأواه إلا النار لأنه ليس هناك إلا الجنة أو النار فإذا ثبت أنه لا يدخل الجنة ثبت أن مأواه النار (٢). وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مر النبي ﷺ بقبرين جديدين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين وغرز في كل قبر واحدة" فقالوا يا رسول الله لم صنعت هذا؟ فقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا" رواه البخاري. ومعنى قوله: "وما يعذبان في كبير" يعني ليس بكبيرة عندكم ولكنه كبيرة عند الله (٣). وقال الله تعالى: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ قال أكثر المفسرين: إن الحطب أراد به النميمة وإنما سميت النميمة حطبا، لأنها سبب للعداوة والقتال فصار بمنزلة إيقاد النار (٤). والنميمة حرام لما فيها من السعي بالوشاية بين الناس وإفساد قلوبهم وتغيير أخلاقهم وطبائعهم.

стр. 68

كان بكر بن عبد الله يقول: عليكم بأمر إن أصبتم أجرتم، وإن أخطأتم لم تأثموا، وإياكم وكل أمر إن أصبتم لم تؤجروا وإن أخطأتم أثمتم قيل: وما هو؟ قال: سوء الظن بالناس، فإنكم لو أصبتم لم تؤجروا، وإن أخطأتم أثمتم (١). وكان سليمان بن عبد الملك جالسا وعنده الزهري، فجاءه رجل فقال له سليمان: بلغني أنك وقعت في وقلت كذا وكذا فقال الرجل: ما فعلت ولا قلت فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق، فقال له الزهري: لا يكون النمام صادقا، فقال سليمان: صدقت ثم قال للرجل: اذهب بسلام (٢). فانظر إلى نتيجة عمل النمام ومقام الرجل بين يدي ولي الأمر، فلربما كان سببا في هلاكه أو سجنه أو إيذائه، وأقل ما يأتيه ترويعه بهذا الأمر ولا يجوز ترويع المسلم بشيء. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئا فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وإن شئت عفونا عنك؟ فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدا (٣).

стр. 69

وكان يقال: عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة وثلث من البول وثلث من النميمة (١). فهل منا من يطيق عذاب القبر ونار الآخرة .. ؟ وقال رجل لعمر بن عبيد: إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر، فقال له عمرو: يا هذا، ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره، ولكن أعلمه أن الموت يعمنا والقبر بضمنا والقيامة تجمعنا والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. مثل لقلبك أيها المغرور ... يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وصغفت ... حرًا على رأس العباد تفور وإذا الجبال تقلعت بأصولها ... فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت عن أهلها ... خلت الديار فما بها مغرور وإذا الجنين بأمه متعلق ... خوف الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله ... كيف المقيم على الذنوب دهور (٢) رفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته فوقع على ظهرها: السعاية قبيحة، وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أفضل من الربح، ومعاذ الله أن نقبل مهتوكا في مستور، ولولا

стр. 70

أنك في خفارة شيتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك فتوق العيب، فإن الله أعلم بالغيب الميت ﵀ واليتيم جبره الله والمال ثمرة الله والساعي لعنه الله (١). هذه النميمة لو لقيت بابا مفتوحا لتعدت على مال يتيم والله تعالى يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. فانظر إلى أين يصير وأين مستقره، والعياذ بالله ولكن رحم الله من ردة مثل الصاحب ذليلا فهذا أقل ما يقابل به. قال أكثم بن صيفي: الأذلاء أربعة: النمام والكذاب والمديون واليتيم (٢). فالواجب على النمام أن يتوب إلى الله تعالى فإن النمام ذليل في الدنيا وهو في عذاب القبر بعد موته وهو في النار يوم القيامة. آيس من رحمة الله تعالى فإن تاب قبل موته تاب الله عليه (٣). قال يحيى بن أكثم: النمام شر من الساحر، ويعمل النمام في ساعة ما لا يعمل الساحر في شهر (٤). بكلمة واحدة يفرق بين زوج وزوجته وبأخرى يقطع الأرحام ويسبب العداوات وهو في كل ذلك ينم لك اليوم وينم

стр. 71

عليك غدا. قال الشافعي: من نم لك نم عليك (١). وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته، لأنه لا يخاف من الله فهذا ديدنة وتلك مهنته يحب الفرقة ويزرع الشتات، لا يهنأ بعيش وهو يرى الاجتماع والائتلاف. مل عن النمام وأزجره فما ... بلغ المكروه إلا من نقل روي عن علي ﵁ أن رجلا سعى إليه برجل فقال له: يا هذا نحن نسأل عما قلت، فإن كنت صادقا مقتناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين (٢). ويقال: عمل النمام أضر من عمل الشيطان لأن عمل الشيطان بالخيال والوسوسة، وعمل النمام بالمواجهة والمعاينة (٣). أخي الحبيب: من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه كالسيل بالليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه الويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للود منه كيف ينعيه (٤) قال رجل لعبد الله بن عمر وكان أميرا بلغني أن فلانا أعلم الأمير أني ذكرته بسوء قال: قد كان ذلك، قال: فأخبرني بما قال لك حتى أظهر كذبه عندك؟ قال: ما أحب أن أشتم نفسي بلساني، وحسبي أني لم أصدقه فيما قال، ولا أقطع عنك الوصال (٥). أما البهتان على البريء: فأثقل من السموات، وويل لمن سعى بوشاية بريء عند صاحب سلطان .. فصدقه فربما جنى على هذا المسلم بأمر يسوءه وليس له ذنب إلا وشاية كاذبة. قال مصعب بن الزبير: نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية، لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء فأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي، فلو كان صادقا في قوله لكان لئيما في صدقه حيث لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة. والسعاية هي النميمة إلا أنها إذا كانت إلى من يخاف جانبه سميت سعاية (٦). والنميمة يا أخي مبنية على الكذب والحسد والنفاق وهي أثافي الذل. قال بعضهم: لو صح ما نقله النمام إليك لكان هو المجترئ

стр. 72

بالشتم عليك والمنقول عنه أولى بحلمك لأنه لم يقابلك بشتمك (١). وقد ذكر أن حكيما من الحكماء زاره بعض إخوانه فأخبره بخبر عن بعض أصدقائه فقال له الحكيم: قد أبطأت في الزيارة وأتيت بثلاث جنايات: بغضت أخي إلي، وشغلت قلبي الفارغ، واتهمت نفسك الأمينة (٢). هذه ثلاث مساوئ من أثر النميمة وهناك شرور أشد ومساوئ أكبر، وإليك قصة تحكي شرا من شرور النميمة وأثرا من آثارها. روي عن حماد بن سلمة أنه قال: باع رجلا غلاما فقال للمشتري. ليس فيه عيب إلا أنه نمام، فأستخفه المشتري فاشتراه على ذلك العيب، فمكث الغلام عنده أياما، ثم قال لزوجة مولاه: إن زوجك لا يحبك وهو يريد أن يتسرى عليك، أفتريدين أن يعطف عليك؟ قالت: نعم، قال لها: خذي الموسى وأحلقي شعرات من باطن لحيته إذا نام، ثم جاء إلى الزوج وقال: إن امرأتك تخادنت (يعني اتخذت خليلاً) وهي قائلتك: أتريد أن يتبين لك ذلك؟ قال: نعم، قال فتناوم لها، فتناوم الرجل، فجاءت امرأته بموسى لتحلق الشعرات فظن الزوج أنها تريد قتله، فأخذ منها الموسى فقتلها،

стр. 73

فجاء أولياؤها فقتلوه، فجاء أولياء الرجل ووقع القتال بين الطرفين (١). أخي المسلم: يجب على كل من حملت إليه النميمة وقيل له: إن فلانا قال فيك كذا وكذا، أو فعل في حقك كذا، أو هو يدبر في إفساد أمرك، أو في ممالأة عدوك أو تقبيح حالك أو ما يجرى مجراه، فعليه ستة أمور: الأول: أن لا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الشهادة. الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله. الثالث: أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من يبغض الله تعالى. الرابع: أن لا تظن بأخيك الغائب السوء. الخامس: أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس والبحث للتحقق. السادس: أن لا ترضى لنفسك، ما نهيت النمام عنه، ولا تحكي نميمته فتقول: فلأن قد حكى لي كذا وكذا، فتكون به نماما ومغتابا وقد تكون أتيت ما عنه نهيت (٢).

стр. 74

أعظم من الغيبة والنميمة وأعظم أخي الكريم من الغيبة والنميمة هذا الذي يتردد من المتعاديين، ويكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه قال ﷺ : "من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانًا من نار يوم القيامة" (١). وقال ﷺ : "تجدون من شر عباد الله يوم القيامة ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بحديث وهؤلاء بحديث" أخرجه الشيخان نحوه وهو عند أبي الدنيا بهذا اللفظ. فإن قلت: بماذا يصير الرجل ذا لسانين وما حد ذلك؟ فأقول إذا دخل على متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقا فيه لم يكن منافقا ولا ذا لسانين، فإن الواحد قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوة، إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معاداة الأعداء، نعم لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من النميمة (٢). ومن ذي الوجهين: من يمدح الإنسان في وجهه ويبالغ في ذلك لقصد دنيوي ثم في غيبته يذمه عند الناس ويعيبه وهكذا يفعل مع أغلب من لا يناسبه. فلا تكن أخي المسلم عونا للشيطان بتفريق وتمزيق المحبة

стр. 75

والألفة بينهم بل كن صاحب خير ورسول صلح إلى المتخاصمين تنال بذلك الأجر وكن صدوقا تظهر ما تبطن لا تكن متزلفا ثم مغتابا. أخي ها هو ذو الوجهين: يسعى عليك كما يسعى إليك فلا ... تأمل غوائل ذي الوجهين كياد (١)
следующие страницы →