بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يقول العبد الفقير إلى الله تعالى , عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي:
الحمد لله الذي أرشد لابتكار هذا النمط وتفضل بالعفو عما صدر عن العبد على وجه السهو والغلط، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , شهادة لا وكس فيها ولا شطط , وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله , أفضل من عليه جبرئيل بالوحي هبط , ﷺ , وعلى آله وصحبه الذين هم لأتباعهم خير فرط , وبعد ..
فهذا كتاب غريب الوضع , عجيب الصنع , لطيف المعنى , طريف المبنى , لم تسمح قريحة بمثاله , ولم ينسج ناسج على منواله , في علم لم أسبق إلى ترتيبه , ولم أتقدم إلى تهذيبه , وهو أصول النحو , الذي هو بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى الفقه , وإن وقع في متفرقات كلام بعض المؤلفين , وتشتت في أثناء كتب المصنفين , فجمعه وترتيبه صنع مخترع , وتأصيله وتبويبه وضع مبتدع , لأبرز في كل حين للطالبين , ما تبتهج به أنفس الراغبين.
وقد سميته بـ (الاقتراح في علم أصول النحو)
ورتبته على مقدمات وسبعة كتب.
واعلم أني قد استمديت في هذا الكتاب كثيرا من كتاب الخصائص لابن جني , فإنه وضعه في هذا المعنى , ليس مرتبا , وفيه الغث والسمين , والاستطرادات , فلخصت منه جميع ما يتعلق بهذا المعنى , بأوجز عبارة , وأرشقها , وأوضحها , معزوا إليه , وضممت إليه
стр. 2
نفائس أخر , ظفرت بها في متفرقات كتب اللغة , والعربية , والأدب , وأصول الفقه , وبدائع استخرجتها بفكري.
ورتبته على نحو ترتيب أصول الفقه في الأبواب والفصول والتراجم , كما ستراه واضحا بينا , إن شاء الله تعالى.
ثم بعد تمامه رأيت الكمال ابن الأنباري قال في كتابه (نزهة الألباء في طبقات الأدباء):
" علوم الأدب ثمانية: اللغة , والنحو, والتصريف , والعروض , والقوافي , وصنعة الشعر , وأخبار العرب , وأنسابهم ".
ثم قال: " وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما: علم الجدل في النحو , وعلم أصول النحو , فيعرف به القياس وتركيبه وأقسامه , من قياس العله , وقياس الشبه , وقياس الطرد , إلى غير ذلك على حد أصول الفقه , فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به , لأن النحو معقول من منقول , كما أن الفقه معقول من منقول ".
هذه عبارته.
فتطلبت هذين الكتابين , حتى وقفت عليهما فإذا هما لطيفان جدا , وإذا في كتابي هذا من القواعد الفقهيه والفوائد , ما لم يسبق إليه أحد , ولم يعرج في واحد منهما عليه.
فأما الذي في أصول النحو , فإنه في كراستين صغيرتين , سماه (لمع الأدلة) ورتبه على ثلاثين فصلا:
الأول: في معنى أصول النحو وفائدته.
الثاني: في أقسام أدلة النحو.
الثالث: في النقل.
الرابع: في انقسام النقل.
الخامس: في شرط نقل المتواتر.
السادس: في شرط نقل الآحاد.
стр. 3
السابع: في قبول نقل أهل الأهواء.
الثامن: في قبول المرسل والمجهول.
التاسع: في جواز الإجازة.
العاشر: في القياس.
الحادي عشر: في تركيب القياس.
الثاني عشر: في الرد على من أنكر القياس.
الثالث عشر: في حل شبه تورد على القياس.
الرابع عشر: في أقسام القياس.
الخامس عشر: في قياس الطرد.
السادس عشر: في كون الطرد شرطا في العله.
السابع عشر: في كون العكس شرطا في العله.
الثامن عشر: في جواز تعليل الحكم بعلتين فصاعدا.
التاسع عشر: في إثبات الحكم في محل النقل , بماذا يثبت: بالنقل أم بالقياس؟
العشرون: في العلة القاصرة.
الحادي والعشرون: في إبراز الإخالة والمبارزة عند المطالبة.
الثاني والعشرون: في الأصل الذي يرد إليه الفرع , إذا كان مختلفا فيه.
الثالث والعشرون: في إلحاق الوصف بالعلة مع عدم الإخالة.
стр. 4
الرابع والعشرون: في ذكر ما يلحق بالقياس , ويتفرع عليه من وجوه الاستدلال.
الخامس والعشرون: في الاستحسان.
السادس والعشرون: في المعارضة.
السابع والعشرون: في معارضة النقل بالنقل.
الثامن والعشرون: في معارضة القياس بالقياس.
التاسع والعشرون: في استصحاب الحال.
الثلاثون: في الاستدلال بعدم الدليل بالشيء على نفيه.
وأما الذي في جدل النحو , فإنه في كراسة لطيفة , سماه بـ (الإغراب في جدل الإعراب) ورتبه على ثني عشر فصلا:
الأول: في السؤال.
الثاني: في وصف السائل.
الثالث: في وصف المسئول به.
الرابع: في وصف المسئول منه.
الخامس: في وصف المسئول عنه.
السادس: في الجواب.
السابع: في الاستدلال.
الثامن: في الاعتراض علىلاستدلال بالنقل.
التاسع: في الاعتراض على الاستدلال بالنقل.
العاشر: في الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال.
الحادي عشر: في ترتيب الأسئلة.
стр. 5
الثاني عشر: في ترجيح الأدلة.
انتهى.
وقد أخذت من الكتاب الأول اللباب وأدخلته معزوا إليه في خلل هذا الكتاب , وضممت خلاصة الثاني في مباحث العلة.
وضممت إليه من كتابه الثاني (الأنصاف في مباحث الخلاف) جملة.
ولم أنقل من كتابه حرفا إلا مقرونا بالعزو إليه ليعرف مقام كتاب من كتابه ويتميز عند أولي التمييز جليل نصابه.
وإلى الله الضراعة في حسن الختام والقبول , فلا ينفع العبد إلا ما من بقبوله , والسلام.
стр. 6
الكلام في المقدمات
فيها مسائل
المسألة الأولى
(في حد أصول النحو)
أصول النحو: علم يبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية , من حيث هي أدلته , وكيفية الاستدلال بها , وحال المستدل.
فقولي (علم) , أي صناعة فلا يرد ما أورد على التعليل به في حد أصول الفقه , من كونه يلزم عليه فقده , إذا فقد العالم به , لأنه صناعة مدونة , مقررة وجد العالم به , أم لا.
وقولي (عن أدلة النحو) يخرج كل صناعة سواه , وسوى النحو.
وأدلة النحو الغالبة أربعة.
قال ابن جني في الخصائص: " أدلة النحو ثلاثة: السماع , والإجماع , والقياس ".
وقال ابن الأنباري في أصوله:" أدلة النحو ثلاثة: نقل , وقياس،
стр. 7
واستصحاب حال ".
فزاد الاستصحاب ولم يذكر الإجماع , فكأنه لم ير الاحتجاج به في العربية , كما هو رأي قوم.
وقد تحصل مما ذكراه أربعة , وقد عقدت لها أربعة كتب.
وكل من الإجماع والقياس لا بد له من مستند من السماع كما هما في الفقه كذلك , ودونها الاستقراء والاستحسان , وعدم النظير , وعدم الدليل , المعقود لها الكتاب الخامس.
وقولي (الإجمالية) احتراز في البحث عن التفصيلية , كالبحث عن دليل خاص بجواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار , وبجواز الإضمار قبل
الذكر في باب الفاعل والمفعول , وبجواز مجيء التمييز مؤكدا , ونحو ذلك , فهذه وظيفة علم النحو نفسه , لا أصوله.
وقولي (من حيث هي أدلته) بيان لجهة البحث عنها , أي البحث عن القرآن بأنه حجة في النحو , لأنه أفصح الكلام , سواء كان متواترا أم آحادا , وعن السنة كذلك بشرطتها الآتي , وعن كلام من يوثق بعربيته كذلك وعن إجماع أهل البلين كذلك , أي إن كلا مما ذكر يجوز الاحتجاج به دون غيره , وعن القياس وما يجوز من العلل فيه وما لا يجوز.
стр. 8
وقولي (وكيفية الاستدلال بها) , أي عند تعارضها ونحوه , كتقديم السماع على القياس واللغة الحجازية على التميمية إلا لمانع , وأقوى العلتين على أضعفهما , وأخف الأقبحين على أشدهما قبحا , إلى غير ذلك.
وهذا هو المعقود له من الكتاب السادس.
وقولي (وحال المستدل) , أي المستنبط للمسائل من الأدلة المذكورة , أي صفاته وشروطه , وما يتبع ذلك من صفة المقلد والسائل.
وهذا هو الموضوع له الكتاب السابع.
وبعد أن حررت هذا الحد بفكري وشرحته , وجدت ابن الأنباري قال: " أصول النحو أدلة النحو التي تفرعت منها فروعه وأصوله , كما أن أصول الفقه أدلة الفقه التي تنوعت عنها جملته وتفصيله.
وفائدته التعويل في إثبات الحكم على الحجة والتعليل والارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع الاطلاع على الديل , فإن المخلد إلى التقليد لا يعرف وجه الخطأ من الصواب , ولاينفك في أكثر الأمر عن عوارض الشك والارتياب ".
هذا جميع ما ذكره في الفصل الأول بحروفه.
المسألة الثانية
(حدود النحو)
للنحو حدود شتى , وأليقها بهذا الكتاب قول ابن جني (في الخصائص):
" هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية , والجمع , والتحقير , والتكسير , والإضافة , والنسب , والتركيب , وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة , فينطق بها , وإن لم يكن منهم , وإن شد بعضهم عنها رد به إليها.
وهو في الأصل مصدر شائع , أي نحوت نحوا , كقولك , قصدت قصدا ثم خص به انتحاء هذا هذا القبيل من العلم , كما أن الفقه , في الأصل مصدر فقهت الشيء , أي عرفته , ثم خص به علم الشريعة من التحليل والتحريم , وكما أن بيت الله خص به الكعبة , وإن كانت البيوت كلها لله , وله نظائر في قصر ما كان شائعا في جنسه على أحد أنواعه. وقد استعملته العرب ظرفا , وأصله المصدر. انتهى.
وقال صاحب (المستوفى):" النحو صناعة علمية ينظر لها أصحابها في ألفاظ
стр. 9
العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم لتعرف النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى , فيتوصل بإحداهما إلى الأخرى ".
وقال الخضراوي:
" النحو علم بأقيسة تغيير ذوات الكلم وأواخرها بالنسبة إلى لغة لسان العرب ".
وقال ابن عصفور:
" النحو علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها ".
وانتقده ابن الحاج بأنه ذكر ما يستخرج به النحو وتبيين ما يستخرج به الشيء ليس تبيينا لحقيقة النحو , وبأن فيه المقاييس شيء غير النحو , وعلم مقاييس كلام العرب هو النحو.
وقال صاحب (البديع):
" النحو صناعة علمية يعرف بها أحوال كلام العرب من جهة ما يصح ويفسد في التأليف ليعرف الصحيح من الفاسد ".
وبهذا يعلم أن المراد بالعلم المصدر به حدود العلوم: الصناعة , ويندفع الإيراد الأخير على كلام ابن عصفور.
وقال ابن السراج في (الأصول):
" النحو علم استخرجه المتقدمون من استقراء كلام العرب ".
стр. 10
المسألة الثالثة
(حد اللغة , وهل هي بوضع الله أو البشر)
قال في (الخصاص):
" حد اللغة: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ".
واختلف هل هي بوضع الله أو البشر؟ على مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الأشعري أنها بوضع الله.
واختلف على هذا: هل وصل إلينا علمها بالوحي إلى نبي من أنبيائه , أو بخلق أصوات في بعض الأجسام تدل عليها , واسماعها لمن عرفها ونقلها , أو بخلق العلم الضروري في بعض العباد بها؟
على ثلاثة مذاهب , أرجحها الأول , ويدل له ولأصل المذهب قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها , أي أسماء المسميات.
قال ابن عباس: علمه اسم الصحفة , والقدر , حتى الفسوة والفسية.
وفي رواية عنه: عرض عليه أسماء ولده إنسانا إنسانا , والدواب فقيل: هذا الحمار , هذا الجمل , هذا الفرس.
أخرجهما ابن أبي حاتم في تفسيره.
وتعليمه تعالى دال على أن الواضع دون البشر , وأن وصولها بالوحي إلى آدم.
ومال إلى هذا القول ابن جني , ونقله عن شيخه أبي علي الفارسي , وهما من المعتزلة.
والمذهب الثاني: أنها اصطلاحية , وضعها البشر , ثم قيل: وضعها آدم.
وتأول ابن جني الآية على أن معنى (علم آدم): أقدره على وضعها.
وقيل: لعله كان يجتمع حكيمان , أو ثلاثة فصاعدا , فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة , فوضعوا لكل واحد منها لفظا , إذا ذكر عرف به.
وقيل: أصل اللغات كلها من الأصوات المسموعات , كدوي الريح والرعد ,
стр. 11
وخرير الماء , ونعيق الغراب , وصهيل الفرس , ونهيق الحمار , ونحو ذلك , ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.
واستحسنه ابن جني.
والمذهب الثالث: الوقف , أي لا يدري: أهي من وضع الله أو البشر لعدم دليل قاطع في ذلك.
وهو الذي اختاره ابن جني أخيرا.
تنبيهان:
الأول: زعم بعضهم أنه لا فائدة لهذا الخلاف. وليس كذلك , بل ذكر له فائدتان:
الأولى: فقهية , ولذا ذكرت هذه المسألة في أصوله.
والأخرى: نحوية , ولهذا ذكرها في أصوله تبعا لابن جني في (الخصائص) , وهي جواز قلب اللغة , فإن قلنا: أنها اصطلاحية جاز , وإلا فلا.
وإطباق أكثر النحاة على أن المصحفات ليست بكلام ينبغي أن يكون في هذا الأصل.
الثاني: قال ابن جني:
الصواب , وهو رأي أبي الحسن الأخفش , سواء قلنا بالتوقيف أن بالاصطلاح - أن اللغة لم توضع كلها في وقت واحد , بل وقعت متلاحقة متتابعة.
قال الأخفش: اختلاف لغات العرب إنما جاء من قبل أن أول ما وضع منها وضع على خلاف , وإن كان كله مسوقا على صحة وقياس , ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة لا حاجة إليها , غير أنها على قياس ما كان وضع في الأصل مختلفا.
стр. 12
قال: وبجوز أن يكون الموضوع الأول ضربا واحدا , ثم رأى من جاء من بعد أن خالف قياس الأول إلى قياس ثان جار في الصحة مجرى الأول.
قال وأما أي الأجناس الثلاثة: الاسم , والفعل , والحرف , وضع قبل؟ فلا يدرى ذلك , ويحتمل في كل من الثلاثة وضع قبل.
وبه صرح أبو علي.
قال: وكان الأخفش يذهب إلى أن ما غير لكثرة استعماله , إنما تصورته العرب قبل وضعه , وعلمت أنه لابد من كثرة استعمالها إياه , فابتدءوا بتغييره , علما بأن لابد من كثرته الداعيه إلى تغييره.
قال: ويجوز أن يكون كانت قديما معربة , فلما كثرت غيرت فيما بعد.
قال: والقول عندي هو الأول , لأنه أدل على حكمتها وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها , فتركوا بعض الكلام مبنيا غير معرب , نحو: أمس , وأين , وكيف , وكم , وإذا , وحيث , وفبل , علما بأنهم سيستكثرون منها فيما بعد , فيجب لذلك تغييرها.
المسألة الرابعة
في مناسبة الألفاظ للمعاني
قال في (الخصاص):
هذا موضع شريف , نبه عليه الخليل , وسيبويه , وتلقته الجماعة بالقبول.
قال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة , فقالوا: صر , وفي صوت البازي تقطيعا , فقالوا: صرصر.
وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنها تأتي للضطراب والحركة , نحو: الغليان , والغثيان , فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال.
قال ابن جني: وقد وجدت أشياء كثيرة من هذا النمط.
стр. 13
من ذلك المصادر الرباعية المضعفة , تأتي للتكرير , نحو: الزعزعة , والقلقلة , والصلصلة , والقعقعة , والقرقرة.
والفعلي تأتي للسرعة , نحو: الجمزي , والولقي.
ومن ذلك باب استفعل , جعلوه للطلب , لما فيه من تقدم حروف زائدة على الأصول , كما يتقدم الطلب الفعل , وجعلوا الأفعال الواقعة من غير طلب إنما تفجأ حروفها الأصول أو ما ضارع الأصول , نحو: خرج , وأكرم.
وكذلك جعلوا تكرير العين دالا على تكرير الفعل , نحو , فرح , وكسر , فجعلوا قوة اللفظ لقوة المعنى وخصوا بذلك العين , لأنها أقوى من الفاء واللام , إذ هي واسطة لهما , ومكنوفة بهما فصارا كأنهما سياج لها ومبذولان للعوارض دونها , ولذلك تجد الإعلال بالحذف فيهما دونها.
ومن ذلك قولهم: الخضم لأكل الرطب , والقضم لأكل اليابس , فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب , والقاف لصلابتها لليابس.
والنضح للماء ونحوه , والنضخ أقوى منه , فجعلوا الحاء لرقتها للماء الخفيف , والخاء لغلظتها لما هو أقوى.
ومن ذلك قولهم: القد طولا , والقط عرضا , لأن الطاء أحصر للصوت , وأسرع قطعا له من الدال المستطيلة , فجعلوها لقطع العرض لقربه وسرعته , والدال المستطيلة لما طال من الأثر , وهو قطعه طولا.
وهذا الباب واسع جدا , لايمكن استقصاؤه.
стр. 14
المسألة الخامسة
الدلالات النحوية
الدلالات النحوية ثلاث: لفظية , وصناعية , ومعنوية.
قال في (الخصائص):
" وهي في القوة على هذا الترتيب ".
قال:
" وإنما كانت الصناعية أقوى من المعنوية من قبل أنها , وإن لم تكن لفظا , فإنها صورة يحملها اللفظ , ويخرج عليها , ويستقر على المثال المعتزم بها.
فلما كانت كذلك لحقت بِحُكْمِهِ , وجرت مجرى اللفظ المنطوق به , فدخلا بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة.
وأما المعنى فدلالته لاحقة بعلوم الاستدلال , وليست في حيز الضروريات.
مثال ذلك الأفعال , ففي كل واحد منها الدلالات الثلاث فإنه يدل بلفظه على مصدره وببنائه وصيغته على زمانه , وبمعناه على فاعله. فالأولان مسموعان , والثالث إنما يدرك من جهة أن كل فعل لابد له من فاعل , لأن وجود فعل من غير فاعل محال.
قال الخضراوي في (الإفصاح):
"ودلالة الصيغة هي المسماة دلالة التضمن , والدلالة المعنوية هي المسماه دلالة اللزوم ".
وقال أبو حيان في (تذكره):
"في دلالة الفعل ثلاثة مذاهب:
أحدها: إنما يدل على الحدث بلفظه , وعلى الزمان بصيغته , أي كونه على
стр. 15
شكل مخصوص , ولذلك تختلف الدلالة على الزمان باختلاف الصيغ ولا تختلف الدلالة على الحدث باختلافها.
والثاني: أنه يدل على الحدث بالصيغة , واختلافها من كونه واقعا , أو غير واقع , وينجر مع ذلك الزمان , فيدل عليه الفعل باللزوم دلالة السقف على الحائط.
والثالث: عكسه , أنه يدل على الزمان بذاته , لأن صيغته تدل على الزمان الماضي والمستقبل بالذات ودلالته على الحدث بالانجرار."
المسألة السادسة
أقسام الحكم النحوي
الحكم النحوي ينقسم إلى: واجب , وممنوع , وحسن , وقبيح , وخلاف الأولى , وجائز على السواء.
فالواجب: كرفع الفاعل , وتأخره عن الفعل , ونصب المفعول , وجر المضاف إليه , وتنكير الحال والتمييز , وغير ذلك.
والممنوع كأضداد ذلك.
والحسن: كرفع المضارع الواقع جزاء بعد شرط ماض.
والقبيح: كرفعه بعد شرط مضارع.
وخلاف الأولى: كتقديم الفاعل في نحو: ضرب غلامه زيدا.
стр. 16
والجائز على السواء: كحذف المبتدأ , أو الخبر , أو إثباته حيث لا مانع من الحذف , ولا مقتضى له.
وقد اجتمعت الاقسام الستة في عمل الصفة المشبهة فإنها إما أن تكون بـ (أل) , أو لا , ومعمولها إما مجرد , أو مقرون بـ (أل) أو إلى ضمير , أو إلى مضاف ضمير , أو إلى مجرد. فهذه اثنا عشر قسما.
وعملها: إما رفع أو نصب , أو جر , فتلك ستة وثلاثون.
والجر ممنوع في أربع صور: أن تكون بـ (أل) والمعمول خال منها , ومن إضافة لما هي فيه: بأن يكون مجرد , أو مضاف إلى ضمير.
وخلاف الأولى في صورتين: أن تكون الصفة مجردة والمعمول مضاف إلى ضمير , أو إلى مضاف إلى ضمير.
стр. 17
والرفع قبيح في أربع صور: أن يكون المعمول مجردا , أو مضافا إلى مجرد , سواء كانت الصفة بـ (أل) أم دونها.
والحسن فيها النصب أو الجر , والنصب خلاف الأولى في أربع صور: أن تكون الصفة مجردة والمعمول بـ (أل) , أو مضاف إلى ما فيه (أل) , أو إلى ضمير أو إلى مضاف إلىضمير.
وواجب في صورتين: أن تكون الصفة بـ (أل) , والمعمول مجرد أو مضاف إلى مجرد.
وتجوز الأوجه الثلاثة على السواء في صورتين: أن تكون الصفة بـ (أل) والمعمول مقرون , أو مضاف إلى معرف بها.
المسألة السابعة
تقسيم الحكم النحوي إلى رخصة وغيرها
ينقسم الحكم النحوي أيضا إلى رخصة وغيرها [وغيره].
والرخصة: ما جاز استعماله لضرورة الشعر ويتفاوت حسنا وقبحا.
وقد يلحق بالضرورة ما في معناها وهو الحاجة إلى تحسين النثر بالزدواج.
فالضرورة الحسنة: ما لا يستهجن , ولا تستوحش منه النفس , كصرف ما لا
стр. 18
ينصرف , وقصر الجمع الممدود , ومد الجمع المقصور.
وأسهل الضرورات: تسكين عين (فعلة) في الجمع بالألف والتاء حيث يجب الإتباع كقوله:
فتستريح النفس من زفراتها
والضرورة المستقبحة: ما تستوحش منه النفس , كالأسماء المعدولة وما أدى إلى التباس جمع بجمع , كرد مطاعم إلى مطاعيم , او عكسه فإنه يؤدي إلى التباس مطعم بمطعام
قال حازم في (منهاج البلغاء):
" وأشد ما تستوحش منه النفس تنوين (أفعل من) "
قال: وأقبح ضرائر: الزيادة المؤدية لما ليس أصلا في كلامهم , كقوله:
من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور
أي أنظر.
أو الزيادة المؤدية لما يقل في الكلام , كقوله:
طأطأت شيمالي
أراد: شمالي.
وكذلك يستقبح النقص المجحف كقول لبيد:
стр. 19
درس المنا بمتالع فأبان
أراد المنازل.
وكذلك العدول عن صيغة لأخرى كقول الحطيئة:
جدلاء محكمة من نسج سلام
أراد سليمان.
وقد اختلف الناس في حد الضرورة , فقال ابن مالك: هو ما ليس للشاعر عنه مندوحة.
وقال ابن عصفور: الشعر نفسه ضرورة , وإن كان يمكنه الخلاص بعبارة أخرى.
قال بعضهم: وهذا الخلاف هو الخلاف الذي يعبر عنه الأصوليون بأن التعليل بـ (المظنة): هل يجوز أم لابد من حصول المعنى المناسب حقيقة؟
وأيد بعضهم الأول بأنه ليس في كلام العرب ضرورة إلا ويمكن تبديل تلك اللفظة , ونظم شيء مكانها.
المسألة الثامنة
تعلق الحكم بشيئين فأكثر
قد يتعلق الحكم بشيئين فأكثر , فتارة يجوز الجمع بينهما , وتارة يمتنع.
стр. 20
فالأول: كمسوغات الابتداء بالنكرة , فإن كلا منها مسموع على انفراده , ولايمتنع اجتماع اثنين منها فأكثر.
و (أل) والتصغير من خواص الأسماء , ويجوز اجتماعهما , و (قد) والتاء من خواص الأفعال , ويجوز اجتماعهما.
والثاني كاللام من خواص الأسماء , وكذا الإضافة ولا يجوز الجمع بينهما.
وكذا التنوين مع الإضافة خاصتان ولا يجتمعان.
والسين و (سوف) من أداة الاستقبال , ولا يجتمعان.
والتاء والسين خاصتان ولا يجتمعان.
ومن القواعد المشتهرة قولهم: البدل والمبدل منه , والعوض والمعوض عنه , لايجتمعان.
ومن المهم الفرق بين البدل والعوض.
قال أبو حيان في تذكرته:
" البدل لغة: العوض , ويفترقان في الاصطلاح
فالبدل أحد التوابع , يجتمع مع المبدل منه , وبدل الحرف من غيره لا يجتمعان أصلا , ولا يكون إلا في موضع المبدل منه.
والعوض لا يكون في موضعه , وربما اجتمعا ضرورة.
وربما استعملوا العوض مرادفا للبدل في الاصطلاح ".
وقال ابن جني في (الخصائص):
" الفرق بين العوض والبدل أن البدل أشبه بالمبدل منه من العوض بالمعوض منه , وإنما يقع البدل في موضع المبدل منه , والعوض لا يلزم فيه ذلك , ألا تراك تقول في الألف من (قام) إنها بدل من الواو التي هي عين الفعل , ولا تقول إنها عوض منها؟
وكذلك تقول في لام (غازي) و (داعي): إنها بدل من الواو ولا تقول إنها عوض منها.
وكذلك الحرف المبدل من الهمزة.
وتقول في التاء في (عدة) و (زنة): إنها عوض من فاء الفعل , ولا تقول إنها بدل منها.
وكذلك ميم (اللهم) عوض من (يا) في أوله.
وتاء (زنادقة) عوض من ياء (زناديق) ولا يقال: بدل وياء (أينق) عوض من عين (أنوق) فيمن جعلها (أيفل) , ومن جعلها عينا مقدمة مغيرة إلى الياء جعلها بدلا من الواو.
فالبدل أعم تصرفا من العوض , فكل عوض بدل , وليس كل بدل عوضا ".
انتهى.
стр. 21
المسألة التاسعة
هل بين العربي والعجمي واسطة
اختلف: هل بين العربي والعجمي واسطة؟
فقال ابن عصفور: نعم. قال في (الممتع):
" إذا نحن تكلمنا بهذه الألفاظ المصنوعة , كان تكلمنا بما لا يرجع إلى لغة من اللغات "
ورده الخضراوي بأن كل كلام ليس عربيا , فهو عجمي , ونحن كغيرنا من الأمم.
وقول أبو حيان في (شرح التسهيل):
"العجمي عندنا: هو كل ما نقل إلى اللسان العربي من لسان غيره , سواء كان من لغة الفرس , أو الروم , أو الحبش , أو الهند , أو البربر , أو الإفرنج , أو غير ذلك ". _ يوافق رأي ابن عصفور , حيث عبر بالنقل , ولا نقل في المصنوعة.
قال النحاة: وتعرف عجمة الاسم بوجوه (١):
أحدها: أن ينقل ذلك عن أحد الأئمة.
الثاني: خروجه عن أوزان الأسماء العربية , نحو: إبريسم , فإن مثل هذا الوزن مفقود في أبنية اللسان العربي (٢).
الثالث: أن يكون في أوله نون ثم راء , نحو نرجس , فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية.
الرابع: أن يكون آخره زاي بعد دال , نحو: المهندز , فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية.
الخامس: أن يجتمع فيه الصاد والجيم , نحو: الصولجان , والجص.
السادس: أن يجتمع فيه الجيم والقاف , نحو: المنجنيق.
السابع: أن يكون خماسيا أو رباعيا عاريا من حروف الذلاقة , وهي
стр. 22
الباء , والراء , والفاء , واللام , والميم ,والنون , فإنه متى كان عربيا , فلابد أن يكون فيه شيء منها , نحو: سفرجل , وقذعمل , وقرطعب , وجحمرش.
المسألة العاشرة
أقسام الألفاظ
قسم ابن الطراوة الألفاظ إلى: واجب ,وممتنع , وجائز.
قال:
" فالواجب: رجل , وقائم , ونحوهما مما يجب أن يكون في الوجود , ولا ينفك الوجود عنه.
والممتنع: لا قائم , ولا رجل , إذ يمتنع أن يخلو الوجود من أن يكون لا رجل ولا قائم.
واجاز: زيد وعمرو , لأنه جائز أن يكون , وأن لا يكون ".
قال فكلام مركب من واجبين لا يجوز , نحو: رجل قائم , لأنه لا فائدة فيه.
وكلام مركب من ممتنعين أيضا لا يجوز , لا رجل لا قائم , لأنه كذب , ولا فائدة فيه.
وكلام مركب من واجب وجائز صحيح , نحو: زيد قائم.
стр. 23
وكلام مركب من ممتنع وجائز لا يجوز ولا من واجب وممتنع نحو: زيد لا قائم , ورجل لا قائم , لأنه كذب , إذ معناه: لاقائم في الوجود.
وكلام مركب من جائزين لا يجوز , نحو: زيد أخوك , لأنه معلوم , لكن بتأخيره صار واجبا , فصح الإخبار به , لأنه مجهول في حق المخاطب.
فالجائز يصير بتأخيره واجبا.
ولو قلت: زيد قائم , صح , لأنه مركب من جائز وواجب , فلو قدمت وقلت: قائم زيد , لم يجز , لأن زيدا صار بتأخيره , واجبا , فصار الكلام مركبا من واجبين فصار بمنزلة: قائم رجل ".
قال أبو حيان: " وهذا مذهب غريب ".
قال:
" وما قاله أن الجائز يصير بتأخيره واجبا ممنوع , لأن معناه مقدما ومؤخرا واحد ".
стр. 24
الكتاب الأول
في السماع
وأعني به ما ثبت في كلام من يوثق بفصاحته , فشمل كلام الله تعالى , وكلام نبيه ﷺ , وكلام العرب , قبل بعثته , وفي زمنه , وبعده , إلى أن فسدت الألسنة بكثرة المولدين , نظما ونثرا , عن مسلم أو كافر.
فهذه ثلاثة أنواع , لابد في كل منها من الثبوت.
أما القرآن فكل ما ورد أنه قريء به جاز الاحتجاج به في العربية , سواء كان متواترا , أو آحادا , أم شاذا.
وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسا معلوما , بل ولو خالفته يحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه , وإن لم يجز القياس عليه , كما يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه , ولا يقاس عليه , نحو: استحوذ , ويأبى.
وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة لا أعلم فيه خلافا بين النحاة , وإن اختلف في الاحتجاج بها في الفقه.
ومن ثم احتج على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء
стр. 25
الخطاب بقراءة (فبذلك فلتفرحوا) , كما احتج على إدخالها على المبدوء بالنون بالقراءة المتواترة (ولنحمل خطاياكم).
واحتج على صحة قول من قال: إن (الله) أصله (لاه) بالاسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعن فيها , وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية , وقد رد المتأخرون منهم ابن مالك , على من عاب عليهم ذلك بأبلغ رد , واختار جواز ما وردت به قراءاتهم في العربية , وإن منعه الأكثرون مستدلا به من ذلك احتجاجه على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار بقراءة حمزة: (تساءلون به والأرحام).
وعلى جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعوله بقراءة ابن عامر:
(قتل أولادهم شركائهم).
وعلى جواز سكون لام الأمر بعد (ثم) بقراءة حمزة:
(ثم ليقطع)
стр. 26
فإن قلت فقد روي عن عثمان أنه قال: لما عرض عليه المصاحف: إن فيه لحنا ستقيمه العرب بألسنتها.
وعن عروة قال: سالت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: (إن هذان لسحران).
وعن قوله: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة)
وعن قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون)
فقالت يا ابن أختي , هذا عمل الكتاب , أخطأوا في الكتاب.
أخرجهما أبو عبيد , في فضائله فكيف يستقيم الاستدلال بكل ما فيه بعد هذا؟
قلت: معاذ الله كيف يظن أولا بالصحابة أنهم يلحنون في الكلام , فضلا عن القرآن وهم الفصحاء اللد؟!
فقلت: كيف يظن بهم ثانيا في القرآن الذي تلقوه من النبي ﷺ كما أنزل وضبطوه وحفظوه وأتقنوه؟!
ثم كيف يظن بهم ثالثا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته؟!
ثم كيف يظن بهم رابعا عدم تنبههم ورجوعهم عنه؟!
ثم كيف يظن بعثمان أن يقرأه ولا يغيره؟!
ثم كيف يظن أن القراءات استمرت على مقتضى ذلك الخطأ , وهو مروي بالتواتر خلف عن سلف؟!
هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة عديدة , بسطتها في كتابي (الإتقان في علوم القرآن).
وأحسن ما يقال في أثر عثمان _ ﵁ _ بعد تضعيفه بالاضطراب الواقع في إسناده والانقطاع: أنه وقع في روايته تحريف , فإن ابن أشته أخرجه في
стр. 27
كتاب (المصاحف) من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر , قال: "لما فرغ من المصحف , أتي به عثمان , فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم , أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا ".
فهذا الأثر لا إشكال فيه فكأنه لما عرض عليه , عند الفراغ من كتابته , رأى فيه شيئا غير لسان قريش , كما وقع لهم في (التابوت) و (التابوه) , فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريش , ثم وفى بذلك , كما ورد من طريق آخر , أوردتها في كتاب (الإتقان).
ولعل من روى ذلك الأثر حرفه , ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان فلزم ما لزم من الإشكال , وأما أثر عائشة فقد أوضحنا الجواب عنه في (الإتقان) أيضا.
стр. 28
فصل
الاستدلال بكلام الرسول ﷺ
وأما كلامه ﷺ فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي , وذلك نادرا جدا , إنما يوجد في الأحاديث القصار , على قلة أيضا , فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى , وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها , فرووها بما أدت إليه عبارتهم فزادوا ونقصوا , وقدموا وأخروا , وأبدلوا ألفاظا بألفاظ , ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويا على أوجه شتى بعبارت مختلفة , ومن ثم أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث.
стр. 29
قال أبو حيان في (شرح التسهيل):
" قد أكثر هذا المصنف من الاستدلال بما وقع في الاحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب , وما رأيت أحدا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره.
على أن الواضعين الأولين لعلم النحو , المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمر بن العلاء , وعيسى بن عمر , والخليل , وسيبويه من أئمة البصريين , والكسائي , والفراء , وعلي بن المبارك الأحمر , وهشام الضرير من أئمة الكوفيين _ لم يفعلوا ذلك , وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد , وأهل الأندلس.
وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء , فقال:
إنما ترك العلماء ذلك , لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول ﷺ , إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية. وإنما كان ذلك لأمرين:
أحدهما: أن الرواة جوزا النقل بالمعنى , فتجد قصة واحدة جرت في زمانه ﷺ لم تقل بتلك الألفاظ جميعها , نحو ما روي من قوله: "زوجتكها بما معك من القرآن " " ملكتكها بما معك" " خذها بما معك".
وغير ذلك من الألفاظ الواردة في هذه القصة، فتعلم يقينا أنه ﷺ لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ؛ بل لا تجزم بأنه قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظا مرادفا لهذه الألفاظ غيرها، فأتت الرواة بالمرادف ولم تأت بلفظه، إذ المعنى هو المطلوب ولا سيما مع تقادم السماع، وعدم ضبطه بالكتابة، والاتكال على الحفظ والضابط منهم من ضبط المعنى وأما من ضبط اللفظ فبعيد جدا، لا سيما في الأحاديث الطوال.
وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني؛ إنما هو المعنى.
ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم علم اليقين أنهم إنما يروون بالمعنى.
الأمر الثاني أنه وقع اللحن كثيرا فيما روي من الحديث؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب، ولا يعلمون لسان العرب لصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم، وهم لا يعلمون ذلك، وقد وقع في كلامهم وروايتهم غيرُ الفصيح من لسان العرب، غير شك، أن رسول الله ﷺ كان أفصح الناس، فلم يكن ليتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها وإذا تكلم بلغة
стр. 30
غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز وتعليم الله ذلك له من غير معلم.
والمصنف قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر متعقبا بزعمه على النحويين وما أمعن النظر في ذلك ولا صحب من له التمييز، وقد قال لنا قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة وكان ممن أخذ عن ابن مالك:
((قلت له: يا سيدي هذا الحديث رواية الأعاجم، ووقع فيه من روايتهم ما يعلم أنه ليس من لفظ الرسول فلم يجب بشيء))
قال أبو حيان:
((وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول مبتدئ: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما؟ فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث))
انتهى كلام أبي حيان بلفظه
وقال أبو الحسن ابن الضائع في (شرح الجمل):
" تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة , كسيبويه وغيره , الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي ﷺ , لأنه أفصح العرب ".
وقال: " وابن خروف يستشهد بالحديث كثيرا , فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن وإن كان يرى أن من قبله أغفل شيئا وجب عليه استدراكه , فليس كما رأى ".
انتهى
ومثل ذلك قول صاحب (ثمار الصناعة):
" النحو علم يستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب الله وكلام الفصحاء العرب ".
فقصره عليهما ولم يذكر الحديث.
نعم اعتمد عليه صاحب (البديع) فقال في (أفعل التفضيل):
стр. 31
" لايلتفت إلى قول من قال: إنه لايعمل لأن القرآن والأخبار والأشعار نطقت بعمله " ثم أورد آيات ومن الأخبار حديث:
" ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيها الصوم ".
ومما يدل لصحة ما ذهب إليه ابن الضائع أن ابن مالك استشهد على لغة (أكلوني البراغيث) بحديث الصحيحين:
"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ".
وأكثر من ذلك حتى صار يسميها (لغة بتعاقبون)
وقد استدل به السهيلي ثم قال:
" لكنني أقول: إن الواو فيه علامة إضمار لأنه حديث مختصر رواه البزاز مطولا مجردا فقال فيه: إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم , ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ".
وقال ابن الأنباري في (الإنصاف) في منع (أن) في خبر كاد:
" وأما حديث: كاد الفقر أن يكون كفرا فإنه من تغييرات الرواة لأنه أفصح من نطق بالضاد ".
стр. 32
فصل
القبائل التي نقلت عنه اللغة العربية
وأما كلام العرب فيحتج منه بما ثبت عن الفصحاء الموثوق بعربيتهم قال أبو نصر الفرابي في أول كتابه المسمى بـ (الألفاظ والحروف):
"كانت قريش أجود العرب انتقادا للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعا وإبانة عما في النفس.
والذين عنهم اللغة العربية وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من بين كلام العرب هم:
قيس وتميم وأسد فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه وعلهيم اتكل في الغريب وفي الأعراب والتصريف ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم.
فإنه لا يؤخذ لا من لخم ولا من جذام فإنهم كانو مجاورين لأهل مصر القبط , ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد فإنهم كانو مجاورين لأهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون في صلاتهم بغير العربية , ولا من تغلب ولا
стр. 33
النمر فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين للنبط والفرس ولا من عبد القيس لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند والحبشة ولولادة الحبشة فيهم , ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وسكان الطائف لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم , ولا من حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادتفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم.
والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب وصيرها علما وصناعة هم أهل الكوفة والبصرة فقط من بين أمصار العرب.
وكانت صناعة هؤلاء التي بها يعيشون الرعاية والصيد واللصوصية وكانوا اقواهم نفوسا وأقساهم قلوبا وأشدهم توحشا وأمنعهم جانبا وأشدهم حمية وأحبهم لأن يغلِبوا ولا يُغلَبوا وأعسرهم انقيادا للملوك وأجفاهم أخلاقا وأقلهم احتمالا للضيم والذلة ". انتهى
ونقل ذلك أبو حيان في (شرح التسهيل) معترضا به علىبن مالك حيث عني في كتبه بنقل لغة لخم وخزاعة وقضاعة وغيرهم وقال: " ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن ".
ثم الاعتماد على ما رواه الثقات عنهم بالأسانيد المعتبرة من نثرهم ونظمهم وقد دونت دواوين عن العرب العرباء كثيرة مشهورة كديوان امريء القيس والطرماح وزهير وجرير والفرزدق وغيرهم.
ومما يعتمد عليه في ذلك مصنفات الإمام الشافعي ﵁ فقد قال ابن شاكر في (مناقبه):
" حدثنا أحمد بن غالب حدثنا عمر بن الحسن الحراني , حدثنا محمد بن أحمد الهروي , حدثنا زكريا بن يحيى الساجي , حدثنا جعفر بن محمد , قال: قال الإمام أحمد بن حنبل: كلام الشافعي في اللغة حجة ".
стр. 34
فروع
أحدها:] انقسام المسموع إلى مطرد وشاذ [
ينقسم المسموع إلى مطرد وشاذ. قال في (الخصائص):
" وأصل مواضع (ط ر د) في كلامهم: التتابع والاستمرار ومنه مطاردة الفرسان بعضهم بعضا واطرد الجدول: إذا تتابع ماؤه بالريح.
ومواضع (ش ذ ذ): التفرق والتفرد ثم قيل ذلك في الكلام والأصوات على سمته في غيرهما.
فجعل أهل علم العربية ما استمر من الكلام من الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطردا وما فارق ما عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذ ".
قال:
" ثم الاضطراد والشذوذ على أربعة أضرب:
مطرد في القياس والاستعمال معا وهو الغاية المطلوبة نحو: قام زيد وضربت عمرا ومررت بسعيد.
ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال نحو الماضي من (يذر) و (يدع) وقولهم: مكان مقبل , هذا هو القياس والأكثر في السماع باقل والأول مسموع أيضا.
ومنه أيضا مجيء مفعول (عسى) اسما صريحا نحو:
عسى زيد قائما
стр. 35
فهو القياس غير أن الأكثر في السماع كونه فعلا والأول مسموع أيضا
ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس نحو قولهم: استحوذ واستنوق الجمل واستوصبت الأمر وأبى يأبى والقياس الإعلال في الثلاثة وكسر عين الأخير.
وشاذ في القياس والاستعمال معا كقولهم: ثوب مصون وفرس مقوود ورجل معوود من مرضه ".
انتهى ملخصا.
وقال الشيخ جمال الدين بن هشام:
" اعلم أنهم يستعملون غالبا وكثيرا ونادرا وقليلا ومطردا.
فالمطرد لا يتخلف.
والغالب أكثر الأشياء ولكنه يتخلف.
والكثير دونه.
والقليل دونه.
والنادر أقل من القليل.
فالعشرون بالنسبة بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالب والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب والثلاثة قليل والواحد نادر فاعلم بهذا مراتب ما يقال فيه ذلك ".
انتهى.
стр. 36
الفرع الثاني
] الاعتماد على أشعار الكفار من العرب [
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام من كبار أصحابنا الشافعية:
" اعتمد في العربية على أشعار العرب وهم كفار لبعد التدليس فيها كما اعتمد في الطب وهو في الأصل مأخوذ عن قوم كفار لذلك ".
فعلم أن العربي الذي يحتج بقوله لا بشترط فيه العدالة نعم تشترط في رواي ذلك.
وكثيرا ما يقع في (كتاب سيبويه) وغيره: " حدثني من لا أتهم " و " من لا أثق به " وينبغي الاكتفاء بذلك.
وعدم التوقف في القبول ويحتمل المنع.
وقد ذكر المرزباني عن أبي زيد النحوي قال: " كل ما قال سيبويه في كتابه (أخبرني الثقة) فأنا أخبرته ".
وقد وضع المولدون اشعارا ودسوها على الأئمة فاحتجوا بها ظنا أنها للعرب وذكر أن في (كتاب سيبويه) منها خمسين بيتا وأن منها قول القائل:
أعرف منها الأنف والعينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا
ومن الأسباب الحاملة على ذلك: نصرة رأي ذهب إليه وتوجيه كلمة صدرت منه
وقال ابن النحاس في (التعليقة):
" حكي الحريري في (درة الغواص):
стр. 37
ورى خلف الأحمر أنهم صاغوا (فعال) متسقا من أحاد إلى عشار وأنشد ما عزي فيه إلى أنه موضوع منه أبياتا من جملتها:
وثلاثا ورباعا ... وخماسا فاطعنا
وسداسا وسباعا ... وثمانا فاجتلدنا
وتساعا وعشارا ... فأصبنا وأصبنا
الفرع الثالث
(أحوال المسموع الفرد والاحتجاج به)
المسموع الفرد: هل يقبل ويحتج به؟ له أحوال لخصتها من متفرقات كلان ابن جني في (الخصائص)
أحدها: أن يكون فردا بمعنى أنه لا نظير له في الألفاظ المسموعة مع إطباق العرب على النطق به فهذا يقبل ويحتج به ويقاس عليه إجماعا كما قيس على قولهم في شنوءة: شنئي مع أنه لم يسمع غيره لأنه لم يسمع ما يخالفه وقد أطبقوا على النطق به.
الحال الثاني: أن يكون فردا بمعنى أن المتكلم به من العرب واحد ويخالف ما عليه الجمهور. قال ابن جني:
" فينظر في حال هذا المنفرد به فإن كان فصيحا في جميع ما عدا ذلك القدر الذي انفرد به وكان مما أورده مما يقبله القياس إلا أنه لم يرد به استعمال إلا من جهة ذلك الإنسان فإن الأولى في ذلك أن يحسن الظن به ولا يحمل على فساده.
стр. 38
فإن قيل: فمن أين ذلك وليس مسوغا أن يرتجل لنفسه لغة أخرى؟
قيل: قد يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة طال عهدها وعفا رسمها فقد أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: قال لي ابن عون عن ابن سيرين قال: قال عمر بن الخطاب:
" كان الشعر علم قوم ولم يكن لهم علم أصح منه ".
فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ولهت عن الشعر وروايته فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحظوا أقل من ذلك وذهب عنهم كثيره.
ثم روى بسنده عن أبي عمرو بن العلاء قال: " ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جائكم وافرا لجائكم علم وشعر كثير ".
وعن حماد الراوية قال: " أمر النعمان فنسخت له أشعار العرب في الطنوج _ وهي الكرايس _ ثم دفنها في قصره الأبيض فلما كان المختار بن أبي عبيد قيل له إن تحت القصر كنزا فاحتفره فأخرج تلك الأشعار فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة ".
قال ابن جني:
"فإذا كان كذلك لم يقطع على الفصيح يسمع منه ما يخالف الجمهور بالخطأ ما دام القياس يعضده فإن لم يعضده كرفع المفعول
стр. 39
والمضاف إليه وجر الفاعل أو نصبه فينبغي أن يرد لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع جميعا.
وكذا إذا كان الرجل الذي سمعت منه تلك اللغة الخالفة مضعوفا في قوله مألوفا منه اللحن وفساد الكلام فإنه يرد عليه ولا يقبل منه.
وإن احتمل أن يكون مصيبا في ذلك لغة قديمة فالصواب رده وعدم الاحتفال بهذا الاحتمال ".
الحال الثالث: أن ينفرد به المتكلم ولا يسمع من غيره لا ما يوافقه ولا ما يخالفه.
قال ابن جني:
" والقول فيه أنه يجب قبوله إذا ثبت فصاحته لأنه إما أن يكون شيئا أخذه عمن نطق به بلغة قديمة لم يشارك في سماع ذلك منه على حد ما قلناه فيمن خالف الجماعة وهو فصيح أو شيئا ارتجله فإن الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرف وارتجل ما لم يسبق إليه فقد حكي عن رؤبة وأبيه أنهم كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولا سبقا إليها.
أما لو جاء عن متهم أو من لم ترق به فصاحته ولا سبقت إلى الأنفس ثقته فإنه يرد ولا يقبل فإن ورد عن بعضهم شيئ يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها فإنه لا يقنع في قبوله أن يسمع من الواحد ولا من العدة القليلة إلا أن يكثر من ينطق به منهم فإن كثر قائلوه إلا أنه مع هذا ضعيف الوجه في القياس فمجازه وجهان: أحدهما أن يكون من نطق به لم يحكم قياسه.
والآخر: أن تكون أنت قصرت عن استدراك وجه صحته.
ويحتمل بأن يكون سمعه من غيره ممن ليس فصيحا وكثر استماعه له فسرى في كلامه إلا أن ذلك قلما يقع فإن الأعرابي الفصيح إذا عدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عدل عنها ولم يعبأ بها.
فالأقوى أن يقبل ممن شهرت فصاحته ما يورده ويحمل أمره على ما عرف من حاله لا على ما عسى أن يحتمل كما أن على القاضي قبول شهادة من ظهرت عدالته وإن كان يجوز كذبه في الباطن إذ لو لم يؤخذ بذلك لأدى إلى ترك الفصيح بالشك وسقوط كل اللغات.
стр. 40
الفرع الرابع
اختلاف اللغات وكلها حجة
قال ابن جني:
" اللغات على اختلافها كلها حجة. ألا ترى أن لغة الحجازين في إعمال (ما) ولغة التميمين في تركه كل منها يقبله القياس فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها ".
وسيأتي في ذلك مزيد كلام في (الكتاب السادس).
الفرع الخامس
(علة امتناع الأخذ عن أهل المدر)
قال ابن جني:
"علة امتناع الأخذ عن أهل المدر كما يؤخذ عن أهل الوبر ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم لم يعرض للغتهم شيء من الفساد أوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر وكذلك لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من الخلل والفساد لوجب رفض لغتها ".
قال:
" وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا لأنا لا نكاد نرى بدويا فصيحا.
وإذا كان قد روي أنه ﷺ سمع رجلا يلحن فقال: (أرشدوا أخاكم فقد ضل) وسمع عمر رجلا يلحن وكذلك علي حتى حمله ذلك على وضع النحو إلى أن شاع واستمر فساد الألسنة مشهورا ظاهرا فينبغي أن يستوحش من الأخذ عن كل أحد إلا أن تقوى لغته وتشيع فصاحته ".
وقد قال الفراء في بعض كلامه: " إلا أن تسمع شيئا من بدوي فصيح فتقوله ".