Полный текст (146 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ذكر القوادح في العلة
منها النقض
قال ابن الأنباري في جدله
"وهو وجود العلة، ولا حكم على مذهب من لا يرى تخصيص العلة"
وقال في أصوله:
الأكثرون على أن الطرد شرط في العلة، وذلك أن يوجد الحكم عند وجودها في كل موضع، كرفع كل ما أسند إليه الفعل في كل موضع؛ لوجود علة الإسناد، ونصب كل مفعول وقع فضلةً؛ لوجود علة وقوع الفعل عليه، وجر كل ما دخل عليه حرف الجر، لوجود عامله، وكذلك وجود الجزم في كل ما دخل عليه حرف الجزم؛ لوجود عامله.
وإنما وجب أن يكون الطرد شرطا في العلة هاهنا؛ لأن العلة النحوية كالعلة العقلية، ولا خلاف في أن العلة العقلية لا تكون إلا مطردة، ولا يجوز أن يدخلها التخصيص فكذلك العلة النحوية.
وقال قوم: إن الطرد ليس بشرط في العلة، فيجوز أن يدخلها التخصيص، وذلك لأن هذه العلة دليل على الحكم بجعل جاعل، فصارت بمنزلة الاسم العام، فكما يجوز تخصيص الاسم العام فكذلك ما كان في معناه، وكذلك إذا جاز التمسك بالعموم المخصوص، فكذلك بالعلة المخصوصة.
وعلى الأول قال في الجدل:
مثال النقض أن يقول: إنما بنيت حذامِ وقطامِ ورقاشِ لاجتماع ثلاث علل، وهي التعريف والتأنيث والعدل.
فتقول هذا ينتقض بـ (أذربيجان) فإن فيه ثلاث علل بل أكثر وليس بمبني.
قال: والجواب عن النقض أن يمنع مسألة النقض، إن كان فيها منع، أو يدفع النقض باللفظ أو بمعنى في اللفظ.
فالمنع مثل أن تقول: إنما جاز النصب في نحو يا زيد الظريفَ حملا على الموضع؛ لأنه وصف لمنادى مفرد مضموم.
стр. 107
فيقال: هذا ينتقض بقولهم: يا أيها الرجل؛ فإن الرجل وصف لمنادى مفرد مضموم، ولا يجوز فيه النصب.
نسلم أنه لا يجوز فيه النصب.
ويمنع على مذهب من يرى جوازه.
والدفع [ينتقض] باللفظ مثل أن يقول في حد المبتدأ "كل اسم عريته من العوامل اللفظية لفظا أو تقديرا"
فيقال: هذا ينتقض بقولهم: إذا زيد جاءني أكرمته، فـ (زيد) قد تعرى من العوامل اللفظية ومع هذا فليس مبتدأ.
فيقول: قد ذكرت في الحد ما يدفع النقض لأني قلت لفظا أو تقديرا.
وهو وإن تعرى لفظا لم يتعر تقديرا فإن التقدير إذا جاءني زيد.
والدفع بمعنى في اللفظ مثل مثل أن يقول إنما ارتفع يكتب في نحو: مررت برجل يكتب لقيامه مقام الاسم وهو كاتب.
فيقول: هذا ينتقض بقولك: مررت برجل كتب فإنه فعل قد قام مقام الاسم وهو كاتب وليس بمفروع.
فنقول قيام الفعل مقام الاسم إنما يكون موجبا للرفع إذا كان الفعل معربا وهو الفعل المضارع نحو يكتب, و (كتب) فعل ماض والفعل الماض لا يستحق شيئا من الإعراب فلما لم يستحق من جنس الإعراب منع الرفع الذي هو نوع منه فكأنا قلنا هذا الفعل المستحق للإعراب قام مقام الاسم فوجب له الرفع فلا يرد النقض بالفعل الماضي الذي لا يستحق شيئا من الإعراب.
أما على من يرى تخصيص العلة فإن النقض غير مقبول ".
ومنها (تخلف العكس)
بناء على أن العكس شرط في العلة وهو رأي الأكثرين وهو" أن يعدم الحكم عند عدم العلة " كعدم رفع الفاعل لعدم إسناد الفعل
стр. 108
إليه لفظا أو تقديرا وعدم نصب المفعول لعدم وقوع الفعل عليه لفظا أو تقديرا.
وقال قوم: إنه ليس بشرط لأن هذه العلة مشبهة بالدليل العقلي والدليل العقلي يدل وجوده على وجود الحكم ولا يدل عدمه على عدمه.
ومثال تخلف العكس قول بعض النحاة في نصب الظرف إذا وقع خبرا عن المبتدأ نحو (زيد أمامك): إنه منصوب بفعل محذوف غير مطلوب ولا مقدر بل حذف الفعل واكتفى بالظرف منه وبقي منصوبا بعد حذف الفعل لفظا وتقديرا على ما كان عليه قبل حذف الفعل.
فذكر المقصورة حشو لأنه لا أثر له في العلة لأن ألف التأنيث لم تستحق أن تكون سببا مانعا من الصرف لكونها مقصورة بل لكونها للتأنيث فقط ألا ترى أن الممدودة سبب مانع أيضا؟
واستدل على عدم الجواز بأنه لا إخالة فيه ولا مناسبة وإذا كان خاليا عن ذلك لم يكن دليلا لم يجز إلحاقه بالعلة.
стр. 109
وقال قوم: إذا ذكر إذا ذكر لدفع النقض لم يكن حشوا لأن الأوصاف في العلة تفتقر إلى شيئين.
أحدهما: أن يكون لها تأثير.
والثاني: أن يكون يفها احتراز فكما لا يكون ما له تأثير حشوا فكذلك ما فيه احتراز حشوا ".
وقال ابن جني في الخصائص:
قد يزاد في العلة صفة لضرب من الاحتياط بحيث لو اسقطت لم يقدح اسقاطها فيها كقولهم في همز أوائل:
أصله: أواول فلما اكتنف الألف واوان وقربت الثانية منهما من الطرف ولم يؤثر إخراج ذلك على الأصل تنبيها على غيره من المغيرات في معناه وليس هناك ياء قبل الطرف مقدرة وكانت الكلمة جمعا ثقل ذلك فأبدلت الواو همزة فصار (أوائل)
فهذه علة مركبة من خمسة أوصاف محتاج إليها إلا الخامس.
فقولك: ولم يؤثر ... إلى آخره احتراز من نحو قوله:
تسمع من شذانها عواولا
وقولك: وليس هناك ياء مقدرة لئلا يلزمك نحو قوله:
وكحل العينين بالعواور
لأن أصله (عواوير)
وقولك: وكانت الكلمة جمعا غير محتاج إليه لأنك لو لم تذكره لم يخل
стр. 110
ذلك بالعلة ألا ترى أنك لو بنيت من قلت (قلت) و (بعت) واحدا على فواعل أو أفاعل لهمزت كما تهمز في الجمع لكنه ذكر تأنيسا من حيث كان الجمع في غير هذا مما يدعو إلى قلب الواو ياء في نحو: حقي ودلي فذكر هنا تأكيدا ووجوبا ".
قال: ولا يجوز زيادة صفة لا تأثير لها أصلا البتة كقولك في رفع (طلحة) من نحو جائني طلحة:: إنه لإسناد الفعل إليه ولأنه مؤنث وعلم فذكر التأنيث والعلمية لغو لا فائدة له ".
انتهى.
ومنها (القول بالموجب)
قال ابن الأنباري: في جدله:
" وهو أن يسلم للمستدل منقطعا فإن توجه في بعض الصور مع عموم العلة لم يعد منقطعا.
مثل أن يستدل البصري على جواز تقديم الحال على العامل في الحال إذا كان العامل فيها فعلا متصرفا وذو الحال اسما ظاهرا نحو راكبا جاء زيد فيقول: جواز تقديم معمول الفعل المتصرف ثابت في غير حال فكذلك في الحال.
فيقول له الكوفي: أنا أقول بموجبه فإن الحال يجوز تقديمها عندي إذا كان ذو الحال مضمرا.
والجواب: أن يقدر العلة على وجه لا يمكنه القول بالموجب بأن يقول: عنيت به ما وقع فيه الخلاف فيه وعرفته بالألف واللام فتناوله وانصرف إليه.
وله أن يقول: هذا قول بموجب العلة في بعض الصور مع عموم العلة في جميع الصور فلا يكون قولا بموجبها ".
стр. 111
ومنها (فساد الاعتبار)
قال ابن الأنباري:
" وهو أن يستدل بالقياس على مسألة في مقابلة النص عن العرب.
كأن يقول البصري: الدليل على أن ترك صرف ما لا ينصرف لا يجوز لضرورة الشعر أن الأصل في الاسم الصرف فلو جوزنا ترك صرف ما لا ينصرف لأدى ذلك إلى أن نرده عن الأصلا إلى غير أصل فوجب أن لا يجوز قياسا على مد المقصور.
فيقول له المعترض: هذا استدلال منك بالقياس في مقابلة النص عن العرب وهو لا يجوز فإنه قد ورد النص عنهم في أبيات تركوا فيها صرف المنصرف للضرورة.
والجواب: الطعن في النقل المذكور إما في أسناده وذلك من وجهين:
أحدهما: أن يطالبه بإثباته وجوابه: أن يسنده أو يحيله على كتاب عند أهل اللغة.
والثاني: القدح في راويه وجوابه: أن يبدي له طريقا آخر
وإما في متنه وذلك من خمسة أوجه:
стр. 112
أحدها: التأويل بأن يقول الكوفي: الدليل على ترك صرف المنصرف قوله:
وممن ولدوا عامـ ... ـر ذو الطول وذو العرض
فيقول له البصري: إنما لم يصرفه لأنه ذهب به إلى القبيلة والحمل على المعنى كثير في كلامهم.
والثاني: المعارضة بنص آخر مثله فيتساقطان ويسلم الأول كأن يقول الكوفي: الدليل على أن إعمال الأول في (باب التنازع) أولى قول الشاعر:
وقد نغني بها ونرى عصورا
فيقول له البصري:
هذا معارض بقول الآخر:
لوكن نصفا لو سببت وسبني بنو عبد شمس من مناف وهاشم
والثالث:
اختلاف الراوية كأن يقول الكوفي: الدليل على جواز مد المقصور في الضرورة قوله:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء
стр. 113
فيقول له البصري:
الراوية (غناء) بفتح الغين وهو ممدود.
الرابع: منع ظهور دلالته على ما يلزم منه فساد القياس كأن يقول البصري الدليل على أن المصدر أصل للفعل أنه يسمى مصدرا والمصدر هو الموضع الذي تصدر عنه الإبل فلو لم يصدر عنه الفعل لما سمي مصدرا.
فيقول له الكوفي: هذا حجة لنا في أن الفعل أصل للمصدر فإنه إنما يسمى مصدرا لأنه مصدور عن الفعل كما يقول:
مركب فاره ومشرب عذب أي مركوب ومشروب
ومنها (فساد الوضع)
قال ابن الأنباري:
" وهو أن يعلق على العلة ضد المقتضي كأن يقول الكوفي:
إنما جاز التعجب من السواد والبياض دون سائر الألوان لأنهما أصلا من الألوان.
فيقول له البصري: قد علقت على العلة ضد المقتضي لأن التعجب إنما امتنع من سائر الألوان للزومها المحل وهذا المعنى في الأصل أبلغ منه في الفرع فإذا لم يجز مما كان فرعا لملازمته المحل فلأن لا يجوز مما كان أصلا وهو ملازم للمحل أولى.
والجواب: أن يبين عدم الضدية أو يسلم له ذلك ويبين أنه يقتضي ما ذكره أيضا من وجه آخر ".
стр. 114
ومنها (المنع للعلة)
قال ابن الأنباري: " وقد يكون في الأصل والفرع
وأما المنع في الأصل فمثل أن يقول البصري: إنما ارتفع المضارع لقيامه مقام الاسم وهو عامل معنوي فأشبه الابتداء في الاسم المبتدأ والابتداء يوجب الرفع فكذلك ما أشبهه.
فيقول له الكوفي: لا أسلم أن الابتداء يوجب الرفع في الاسم المبتدأ.
والمنع في الفرع مثل أن يقول البصري: الدليل على أن فعل الأمر مبني أن دراك ونزال وتراك وما أشبه ذلك من أسماء الأفعال مبنية لقيامها قيامه ولولا أنه مبني وإلا لما بنى ما قام مقامه.
فيقول له الكوفي: لا أسلم أن نحو دراك ونزال وتراك إنما بني لمقامه مقام فعل الأمر وإنما بني لتضمنه لام الأمر.
والجواب عن منع العلة أن يدل على وجودها في الأصل أو الفرع بما يظهر به فساد المنع ".
ومنها (المطالبة بتصحيح العلة)
قال ابن الأنباري:
" والجواب أن يدل على ذلك بشيئين: التأثير وشهادة الأصول.
فالأول: وجود الحكم لوجود العلة وزواله لزوالها كأن يقول: إنما بنيت (قبل) و (بعد) على الضم لأنها اقتطعت عن الإضافة.
فيقال: وما الدليل على صحة هذه العلة؟
فيقول: التأثير وهو وجود البناء لوجود هذه العلة , وعدمه لعدمها ألا ترى أنه إذا لم يقتطع عن الإضافة يعرب فإذا اقتطع عنها بني فإذا عادت الإضافة عاد الإعراب.
стр. 115
والثاني: كأن يقول: إنما بنيت (كيف) و (أين) و (متى) لتضمنها معنى الحرف
فيقال وما الدليل على صحة هذه العلة؟
فيقول: إن الأصول تشهد وتدل على أن كل اسم تضمن معنى الحرف وجب أن يكون مبنيا.
ومنها (المعارضة)
قال ابن الأنباري:
" وهو أن يعارض المستدل بعلة مبتدأة.
والأكثرون على قبولها لأنها دفعت العلة وقيل: لا تقبل لأنها تصد لمنصب الاستدلال وذلك رتبة المسئول لا السائل.
مثلها ان يقول في الإعمال: إنما كان إعما لالول أولى لأنه سابق وهو ثالح للعمل فكان إعماله أولى لقوة الابتداء والعناية به.
فيقول البصري: هذا معارض بأن الثاني أقرب إلى الاسم وليس في إعماله نقص معنى فكان إعماله أولى.
تنبيه
(في ترتيب الأسئلة)
قال ابن الأنباري
" اعلم أن علماء الجدل اختلفوا في ذلك فذهب قوم إلى أنه لا يجب على السائل ترتيب الأسئلة بل له أن يوردها كيفما شاء لأنه جاء مستفهما مستعلما.
وذهب آخرون إلى أنه يجب ترتيبها فعلى هذا أول الأسئلة فساد الاعتبار وفساد الوضع والقول بالموجب والمنع ثم المطالبة ثم النقض ثم المعارضة.
وإنما وجب تقديم فساد الاعتبار وفساد الوضع لأن المعترض يدعي أن ما يظنه قياسا ليس مستعملا في موضعه فقد صادم أصل الدليل والقول بالموجب لأنه يبين أنه لم يدل في موضع الخلاف ولا حاجة إلى الاعتراض والمنع ثم المطالبة لأن المنع إنكار العلة والمطالبة إقرار بالعلة والإقرار بعد الإنكار يقبل والإنكار بعد الإقرار لا يقبل.
стр. 116
ثم النقض لما فيه من تسليم صلاحية العلة لو سلمت من النقض فكان تأخيره عن المطالبة أولى من تقديمه عليها لأن المطالبة لا تتوجه على علة منقوضة.
ثم المعارضة لأنها ابتداء دليل مستقبل في مقابلة دليل المستدل فهي بمنصب الاستدلال أشبه منها بالسؤال ولهذا ذهب من ذهب إلى أنها ليست بسؤال ".
تذنيب
(في السؤال والجواب)
قال ابن الأنباري:
" السؤال طلب الجواب بأداته ومبناه على سائل ومسئول به ومسئول منه ومسؤل عنه.
فالسائل: ينبغي له أن يقصد قصد المستفهم ولهذا قال قوم: إنه ليس له مذهب
والجمهور على أنه لابد له من مذهب لئلا ينتشر الكلام فتذهب فائدة النظر.
وأن يسأل عما يثبت فيه الاستفهام فقد قيل: ما ثبت فيه الاستبهام صح عنه الاستفهام كأن يسأل عن حد النحو وأقسام الكلام فإن سأل عن وجود النطق والكلام كان فاسدا.
وأن لا يسأل إلا عن ما يلائم مذهبه فإن سأل عما لا يلائم مذهبه لم يسمع منه كأن يسأل الكوفي عن الابتداء لم كان عمله الرفع دون غيره؟ فإنه لايرى أنه عامل البتة.
وأن لا ينتقل من سؤال إلى سؤال فإن انتقل عد منقطعا.
والمسئول به أدوات الاستفهام المعروفة وليكن مفهوما غير مبهم كأن يقول ما تقول في اشتقاق الاسم؟
فإن كان مبهما غير مفهوم لم يستحق الجواب كأن يقول: ما تقول في الاسم؟
стр. 117
لأنه لا يدري: أسأل عن حده؟ أن اشتقاقه؟ أم غير ذلك؟.
المسئول منه شرط كونه أهلا بأن يكون السؤال من أهل فن السؤال كانحوي عن النحو والتصريفي عن التصريف.
وعليه أن يأخذ في ذكر الجواب بعد تعيين السؤال فإن سكت بعده كان قبيحا وكذلك إن ذكر الجواب وسكت عن ذكر الدليل زمنا طويلا كان قبيحا ولم يعد منقطعا لاحتمال أن يكون سكوته لتفكره في إيراد الدليل بعبارة أدل على الغرض.
وقيل يعد منقطعا لأنه تصدى لمنصب الاستدلال فينبغي أن يكون الدليل معدا في نفسه.
والمسئول عنه ينبغي أن يكون مما يمكن إدراكه كأنواع الحركات فإن كان لا يمكن إدراكه كأعداد جميع الألفاظ والكلمات الدالة على جميع المسميات كان فاسدا لتعذر إدراكه فلا يستحق الجواب عنه.
والجواب: هو المطابق للسؤال من غير زيادة ولا نقصان فإن كان السؤال عاما وجب أن يكون الجواب عاما.
وقال قوم: يجوز الفرض في بعض الصور كأن يسأل عن جواز تقديم خبر المبتدأ فله أن يفرض في المفرد وله أن يفرض في الجملة لأن من سأل عن الكل فقد سأل عن البعض.
وقال آخرون لا يجوز في الجواب وإنما يجوز في الدليل لئلا يكون الجواب غير مطابق للسؤال ". انتهى.
مسألة في الدور
قال في الخصائص:
" وذلك أن تؤدي الصنعة إلى حكم ما مثله أن يقتضي التغيير فإن أنت غيرت صرت إلى مراجعة مثل ما منه هربت فحينئذ يجب أن تقيم على أول رتبة.
стр. 118
وذلك كأن تبني من (قويت) مثل (رسالة) فإنك تقول:
قِواءة ثم تكسرها على (رسالة) ثم تبدل من الهمز الواو , لتطرفها بعد ألف ساكنة فتقول (قواو) فتجمع بين واوين مكتنفي ألف التكسير ولا حاجز بين الأخير والطرف.
فإن أنت فررت من ذلك وقلت أهمز كما همزت في (أوائل) لزمك أن تقول: (قواء) كما كان أولا وتصير هكذا تبدل من الهمزة واو ثم من الواو همزة إلى مالا نهاية له.
فإذا أدت الصنعة إلى نحو هذا وجبت الإقامة على أول رتبة ولا يعدل عنها.
مسألة
في اجتماع ضدين
قال في الخصائص:
" اعلم أن التضاد في هذه اللغة جار مجرى التضاد عند أهل الكلام فإذا ترادف الضدان في شيء منها كان الحكم للطارىء ويزول الأول وذلك كلام التعريف إذا دخلت على المنون يحذف لها تنوينه لأن اللام للتعريف ولاتنوين للتنكير فلما ترادفا على الكلمة تضادا فكان الحكم للطارىء وهو اللام.
وهذا جار مجرى الضدين المترادفين على المحل الواحد كالأبيض يطرأ عليه السواد والساكن تطرأ عليه الحركة.
وكذلك أيضا حذف التنوين للإضافة وحذف تاء التأنيث لياء النسب.
مسألة
في التسلسل
قال الأندلسي في شرح المفصل:
" من قال بأن العامل في الصفة مقدرا أجاز الوصف على زيد من قولك: جائني زيد العاقل وابتداء (العاقل) لأن تقديره عنده جاءني العاقل فكان جملة والجملة مستقلة فوجب أن يوقف ويبتدأ بها.
стр. 119
وهذا فاسد يؤدي إلى التسلسل إذا قدر: جاءني العاقل والصفة لابد لها من موصوف فيكون التقدير: جاءني زيد العاقل ثم يقدر أيضا: جاءني العاقل ويكون التقدير أيضا: جاءني زيد العاقل وهكذا أبدا متى أولى العامل الصفة قدر بينهما موصوف ومتى استقل العامل بموصوف قدر مع الصفة عامل آخر إلى مالا يتناهى وذلك محال.
فالمختار الذي عليه الجماعة والجمهور أنه لا يجوز الوقف على الموصوف دون الصفة " انتهى.
مسألة
القياس جلي وخفي
فمن الأول: قياس حذف النون من المثنى في صلة الألف واللام على حذف النون من الجمع فيها فإن الأول لم يسمع بخلاف الثاني.
قال أبو حيان: وقياس المثنى على الجمع قياس جلي.
خاتمة
اجتماع السماع والإجماع والقياس دليلا على مسألة
قد يجتمع السماع والإجماع والقياس دليلا على مسألة
قال في شرح التسهيل:
يجوز دخول الباء في خبر (ما) التميمية خلافا للفارسي والزمخشري ويدل عليه السماع والقياس والإجماع أما السماع فلوجود ذلك في أشعار بني تميم ونثرهم.
стр. 120
وأما القياس فلأن الباء دخلت الخبر لكونه منفيا لا لكونه منصوبا بدليل دخولها بعد (ما) وبعد (هل) وأما الإجماع فنقله أبو جعفر الصفار ".
стр. 121
الكتاب الرابع
في الاستصحاب
قال ابن الأنباري:
" هو إبقاء حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل عند عدم دليل النقل على الأصل ".
قال: " وهو من الأدلة المعتبرة كاستصحاب حال الأصل في الأسماء وهو الإعراب حتى يوجد دليل البناء وحال الأصل في الأفعال وهو البناء حتى يوجد دليل الإعراب ".
وقال في الأنصاف:
" احتج البصريون على عدم تركيب كم بأن الأصل الإفراد والتركيب فرع ومن تمسك بالأصل خرج عن عهدة المطالبة بالدليل.
ومن عدل عن الأصل افتقر إلى إقامة دليل لعدوله عن الأصل واستصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة ".
وقال في موضع آخر منه:
" احتج البصريون على أنه لا يجوز الجر بحرف محذوف بلا عوض بأن قالوا: أجمعنا على أن الأصل في حروف الجر أن لا تعمل مع الحذف وإنما تعمل معه في بعض المواضع إذا كان لها عوض ولم
стр. 122
يوجد هنا فبقي فيما عداه على الأصل والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال وهو من الأدلة المعتبرة ".
وقال ابن مالك:
" من قال: أن كان وأخواتها لا تدل على على الحدث فهو مردود بأن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين فلا يقبل إخراجها عن الأصل إلا بدليل ".
قلت: والمسائل التي استدل فيها النحاة بالأصل كثيرة جدا لا تحصى كقولهم: الأصل في البناء السكون إلا لموجب تحريك والأصل في الحروف عدم الزيادة حتى يقوم الدليل عليها من الاشتقاق ونحوه والأصل في الأسماء الصرف والتنكير والتذكير وقبول الإصافة والإسناد.
وقال الأندلسي في شرح المفصل:
استدل الكوفيون على أن الضمير في لولاك ونحوه مرفوع بأن قالوا: أجمعنا على أن الظاهر الذي قام الضمير مقامه مرفوع فوجب أن يكون كذلك في الضمير بالقياس عليه والاستصحاب "
وقال ابن الأنباري في أصوله:
" استصحاب الحال من أضعف الأدلة ولهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل ألا ترى أنه لا يجوز التمسك به في إعراب الاسم مع وجود دليل البناء في شبه الحرف أو تضمين معناه وكذلك لا يجوز التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب من مضارعته للاسم ".
وقال في جدله:
" الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال بأن يذكر دليلا على زواله كأن يدل الكوفي على زواله إذا تمسك البصري به في بناء فعل الأمر فيبين أن فهل الأمر مقتطع من المضارع ومأخوذ منه والمضارع قد أشبه الأسماء وزال عنه استصحاب حال البناء وصار معربا بالشبه فكذلك فعل الأمر
والجواب: أن يبين أن ما توهمه دليلا لم يوجد فبقي التمسك باستصحاب الحال صحيحا ".
стр. 123
الكتاب الخامس
في أدلة شتى
قال ابن الأنباري:
" اعلم أن أنواع الاستدلال كثيرة لا تحصر منها (الاستدلال بالعكس) كأن يقال: لو كان نصب الظرف في خبر المبتدأ بالخلاف لكان ينبغي أن يكون الأول منصوبا لأن الخلاف لايكون من واحد من اثنين فلو كان الخلاف موجبا للنصب في الثاني لكان موجبا للنصب في الأول فلما لم يكن الأول منصوبا دل على أن الخلاف لا يكون موجبا للنصب في الثاني.
стр. 124
ومنها (الاستدلال ببيان العلة)
قال ابن الأنباري وهو ضربان:
أحدهما: أن يبين علة الحكم ويستدل بوجودها في موضع الخلاف ليوجد بها الحكم.
والثاني: أن يبين العلة ثم يستدل بعدمها في موضع الخلاف ليعدم الحكم
فالأول: كأن يستدل من أعمل اسم الفاعل في المضي , فيقول: إنما عمل اسم الفاعل في محل الإجماع لجريانه على حركة الفعل وسكونه وهذا جار على حركة الفعل وسكونه فوجب أن يكون عاملا.
والثاني كأن يستدل من أبطل عمل (إن) المخففة من الثقيلة فيقول إنما عملت (إن) الثقيلة لشبهها بالفعل وقد عدم بالتخفيف فوجب ألا تعمل.
(ومنها بعدم الدليل في الشيء على نفيه)
قال ابن الأنباري:
" وهذا إنما يكون فيما إذا ثبت لم بخف دليله فيستدل بعدم الدليل على نفيه كأن يستدل على نفي أن الكلمات أربعة وعلى نفي أن أنواع الإعراب خمسة فيقول: لو كانت الكلمات أربعة وأنواع الإعراب خمسة لكان على ذلك دليل لعرف مع كثرة البحث وشدة الفحص.
فلما لم يعرف ذلك دل على أنه لا دليل فوجب ألا تكون الكلمات أربعة ولا أنواع الإعراب خمسة ".
стр. 125
قال: وقد زعم بعضهم ان النافي لا دليل عليه وليس كذلك لأن الحكم بالنفي لا يكون إلا عن دليل كما أن الحكم بالإثبات لا يكون عن دليل فكما يجب الدليل على المثبت يجب أيضا على النافي ".
ومنها (الاستدلال بالأصول)
قال ابن الأنباري:
" كأن يستدل على إبطال أن رفع المضارع لتجرده من الناصب والجازم بأن ذلك يؤدي إلى خلاف الأصول لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم وهذا خلاف الأصول لأن الأصول تدل على أن الرفع قبل النصب لأن الرفع صفة الفاعل والنصب صفة المفعول فكما أن الفاعل قبل المفعول فكذلك الرفع قبل النصب وكذلك تدل الأصول أيضا على أن الرفع قبل الجزم.
فإن قيل:
فهب أن الرفع في الأسماء قبل الجزم في الأفعال فلم قلتم: إن الرفع في الأفعال قبل الجزم؟
قلنا: لأن إعراب الأفعال فرع على إعراب الأسماء وإذا ثبت ذلك في الأصل فكذلك في الفرع , لأن الفرع يتبع الأصل ".
ومنها (الاستدلال بعدم النظير)
ولم يذكره ابن الأنباري وذكره ابن جني وهو كثير في كلامهم وإنما يكون دليلا على النفي لا على الإثبات.
وقد استدل المازني ردا على من قال: إن السين وسوف ترفعان الفعل المضارع بأنا لم نر عاملا في الفعل يدخل عليه اللام وقد قال الله تعالى: " ولسوف يعطيك ربك ".
قال في الخصائص:
" وإنما يستدل بعدم النظير على النفي حيث لم
стр. 126
يقم الدليل على الإثبات فإن قام لم يلتفت إليه لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس لا للحاجة.
مثاله (أندلس) فإن همزته ونونه زائدتان فوزنه (أنفعل) وهو مثال لا نظير له لكن قام الدليل على ما ذكرنا لأن النون زائدة لا محالة إذ ليس في ذوات الخمسة شيء على (فعللل) فتكون النون فيه أصلا لوقوعها موقع العين وإذا ثبت زيادة النون بقي في الكلمة ثلاثة أحرف أصول: الدالو اللام والسين وفي أولها همزة ومتى وقع ذلك حكمت بزيادة الهمزة.
ولا تكون النون أصلا والهمزة زائدة لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو: مدحرج وبابه.
فقد وجب إذن أن الهمزة والنون زائدتان وأن الكلمة بهما على أنفعل وإن كان مثالا لا نظير له.
فإن اجتمع النظير والدليل فهو الغاية كنون (عنبر) فالدليل يقتضي كونها أصلا لأنها مقابلة لعين (جعفر) والنظير موجود وهو (فعلل) ". انتهى.
وقال الخضراوي:
" إذا ورد شيء حمل على القياس وإن لم يوجد له نظير ".
ومنها (الاستحسان)
قال في الخصائص:
" ودلالته ضعيفة غير مستحكمة إلا أن فيه ضربا من الاتساع والتصرف.
من ذلك تركك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة نحو: الفتوى والتقوى فإنهم قلبوا الياء هنا واومن غير علة قوية بل أرادوا الفرق بين الاسم والصفة في أشياء كثيرة لا يوجبون على أنفسهم الفرق بينهما فيها.
من ذلك قولهم في تكسير حسن: حسان فهذا كجبل وجبال
стр. 127
وفي غفور غُفُر كعمود وعُمُد.
ولسنا ندفع أن يكونوا فصلوا بين الاسم والصفة في أشياء غير هذه إلا أن جميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علة فليس بجار مجرى رفع الفاعل ونصب المفعول لأنه لو كان واجبا لجاء في جميع الباب مثله.
ومن الاستحسان ما يخرج تنبيها على أصل بابه نحو: استحوذ و:
أطولت الصدود
ومطيبة للنفس
ومنه ما يبقى الحكم فيه مع زوال علته كقوله:
ولا تسأل الأقوام عقد الميثاق
فإن الشائع في جمع ميثاق مواثق برد الواو إلى أصلها لزوال العلة الموجبة لقلبها ياء وهي الكسرة لكن استحسن هذا الشاعر ومن تابعه إبقاء القلب وإن زالت العلة من حيث إن الجمع تابع لمفرده إعلالا وتصحيحا.
قال ابن جني: " وقياس تحقيره على هذه اللغة أن يقال: مييثيق ".
ومنه ما ذكره صاحب البديع قال: " إذا اجتمع التعريف العلمي والتأنيث السماعي أو العجمة في ثلاثي ساكن الوسط كـ (هند) و (نوح) فالقياس منع الصرف والاستحسان الصرف لخفته ".
وقال ابن الأنباري:
" اختلفوا في الاخذ بالاستحسان فقال قوم إنه غير مأخوذ به
لما فيه من التحكم وترك القياس.
стр. 128
وقال آخرون: إنه مأخوذ به واختلفوا فيه:
فقيل: هو ترك الأصول لدليل.
وقيل: هو تخصيص العلة.
فمثال ترك قياس الأصول ما تقدم في الكلام على رفع المضارع.
ومثال تخصيص العلة أن تقول: إنما جمعت أرض بالواو والنون فقيل أرضون عوضا من حذف تاء التأنيث لأن الأصل أن يقال في أرض: أرضة فلما حذفت التاء جمعت بالواو والنون عوضا عنها , وهذه العلة غير مطردة لأنها تنقض بـ (شمس) و (دار) و (قدر) فإن الأصلا فيها: شمسة ودارة وقدرة ولا يجوز أن تجمع بالواو والنون " انتهى.
ومنها (الاستقراء)
استدلوا به في مواضع:
منها: انحصار الكلمات الثلاث في الاسم والفعل والحرف.
ومنها (الدليل المسمى بالباقي)
كقولنا: الدليل يقتضي أن لا يدخل الفعل شيء من الإعراب لكون الأصل فيه البناء لعدم العلة المقتضية للإعراب.
وقد خولف هذا الدليل في دخول الرفع والنصب على المضارع لعلة اقتضت ذلك فبقي الجر على الأصل الذي اقتضاه الدليل من الامتناع.
стр. 129
الكتاب السادس
في التعارض والترجيح
فيه مسائل
(المسألة الأولى)
" إذا تعارض نقلان "
قال ابن الأنباري:
إذا تعارض نقلان أخذ بأرجحهما والترجيح في شيئين:
أحدهما: الإسناد , والآخر المتن.
فأما الترجيح بالإسناد فبأن يكون رواة أحدهما أكثر من الآخر أو أعلم أو أحفظ وذلك كأن يستدل الكوفي على النصب بـ (كما) بقول الشاعر:
اسمع حديثا كما يوما تحدثه عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
стр. 130
فيقول له البصري:
الرواة اتفقوا على أن الرواية:
كما يوما تحدثه
بالرفع ولم يروه أحد بالنصب غير المفضل بن سلمة ومن رواه بالرفع أعلم منه وأحفظ وأكثر فكان الأخذ بروايتهم أولى.
وأما الترجيح في المتن فبأن يكون أحد النقلين على وفق القياس والآخر على خلافه وذلك كأن يستدل الكوفي على إعمال (أن) مع الحذف بلا عوض بقول الشاعر:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
فيقول له البصري:
قد روي (أحضر) بالرفع أيضا وهو على وفق القياس فكان الأخذ به أولى وبيان كون النصب على خلاف القياس أنه لا شيء من الحروف يعمل مضمرا بلا عوض.
(المسألة الثانية)
" تقوية لغة على أختها "
قال في الخصائص:
" اللغات على اختلافها حجة , ألا ترى أن لغة أهل الحجاز في إعمال (ما) ولغة بني تميم في تركه كل منهما يقبلها القياس فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها لأنها ليست أحق بذلك من الأخرى لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسا بها فأما رد إحداهما بالأخرى فلا ألا ترى إلى قوله ﷺ :
стр. 131
" نزل القرآن بسبع لغات كلها شاف كاف "
هذا إن كانت اللغتان في القياس سواء أو متقاربتين.
فإن قلت إحداهما جدا وكثرت الأخرى جدا أخذت بأوسعهما رواية وأقواهما قياسا ألا ترى أنك لا تقول: المال لك ولا مررت بك قياسا على قول قضاعة المال له ومررت به ولا أكرمتكش قياسا على قول من قال: مررت بكش.
فالواجب في مثل ذلك استعمال ما هو أقوى وأشيع ومع ذلك لو استعمله إنسان لم يكن مخطئا لكلام العرب فإن الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطيء لكنه مخطيء لأجود اللغتين فإن احتاج لذلك في شعر أو سجع فإنه غير ملوم ولا منكر عليه ". انتهى
وفي شرح التسهيل لأبي حيان:
" كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه ".
(المسألة الثالثة)
" اللغة الضعيفة أقوى من الشاذ "
إذا تعارض ارتكاب شاذ ولغة ضعيفة فارتكاب اللغة الضعيفة أولى من الشاذ ذكره ابن عصفور.
(المسألة الرابعة)
" الأخذ بأرجح القياسين عند تعارضهما "
قال ابن الأنباري:
" إذا تعارض قياسان أخذ بأرجحهما وهو ما وافق دليلا آخر من نقل أو قياس.
فأما الموافقة للنقل فكما تقدم.
стр. 132
وأما الموافقة للقياس فكأن يقول الكوفي: إن (أن) تعمل في الاسم النصب لشبه الفعل ولا تعمل في الخبر الرفع بل الرفع فيه بما كان يرتفع به قبل دخولها.
فيقول البصري:
هذا فاسد لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الاسم النصب إلا ويعمل الرفع فما ذهبت إليه يؤدي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة وذلك لا يجوز ".
(المسألة الخامسة)
" في تعارض القياس والسماع "
قال في الخصائص:
" إذا تعارض القياس والسماع نطقت بالمسموع على ما جاء عليه ولم تقسه في غيره نحو: (استحوذ عليهم الشيطان) فهذا ليس بقياس لكنه لابد من قبوله لأنك إنما تنطق بلغتهم وتحتذي في جميع ذلك أمثلتهم , ثم أنك من بعد لا تقيس عليه غيره فلا تقول في استقام: استقوم ولا في استباع: استبيع ".
(المسألة السادسة)
" تقديم كثرة الاستعمال على قوة القياس "
قال في الخصائص:
" إذا تعارض قوة القياس وكثرة الاستعمال قدم ما كثر استعماله ولذلك قدمت اللغة الحجازية على التميمية لأن الأولى أكثر استعمالا ولذا نزل بها القرآن وإن كانت التميمية أقوى قياسا فمتى رابك في الحجازية ريب من تقديم أو تأخير فزعت إذ ذاك إلى التميمية ".
стр. 133
(المسألة السابعة)
" في معارضة مجرد الاحتمال للأصل والظاهر "
قال في الخصائص:
" باب في الشيء يرد فيوجب له القياس حكما ويجوز أن يأتي السماع بضده أنقطع أم نتوقف إلى أن يرد السماع بجلية حاله؟
قال: وذلك نحو: نون (عنبر) فالمذهب أن نحكم في نونه بأنها أصل لوقوعها موضع الأصل مع تجويزنا أن يرد دليل على زيادتها كما ورد في (عنسل) ما قطعنا به على زيادة نونه وكذلك ألف (آءة) حملها الخليل على أنها منقلبة عن واو حملا على الأكثر ولسنا ندفع مع ذلك أن يرد شيء من السماع نقطع معه بكونها منقلبة عن ياء ".
وقال في موضع آخر:
" باب في الحمل على الظاهر , وإن أمكن أن يكون المراد غيره حتى يرد ما يبين خلاف ذلك:
إذا شاهدت ظاهرا يكون مثله أصلا أمضيت الحكم على ما شاهدت من حاله وإن أمكن أن يكون الأمر في باطنه بخلافه ولذلك حمل سيبويه (سيدا) على أنه مما عينه ياء فقال في تحقيره (سييد) عملا بظاهره مع توجه كونه فعلا مما عينه واو كـ (ريح) و (عيد) ".
(المسألة الثامنة)
" في تعارض الأصل والغالب "
إذا تعارض أصل وغالب في مسألة جرى قولان والأصح العمل بالأصل كما في الفقه.
ومن أمثلته في النحو ما ذكره صاحب الإفصاح: إذا وجد فعل العلم ولم يعلم أصرفوه أم لا؟ ولم يعلم له اشتقاق ولا قام عليه دليل
стр. 134
ففيه مذهبان:
مذهب سيبويه صرفه حتى يثبت أنه معدول لأن الأصل في الأسماء الصرف وهذا هو الأصح.
ومذهب غيره المنع لأنه الأكثر في كلامهم.
ومنها ما ذكره أبو حيان في (شرح التسهيل): أن رحمان ولحيان هل يصرف أو يمنع؟
مذهبان والصحيح صرفه لأنا قد جهلنا النقل فيه عن العرب والأصل في الأسماء الصرف فوجب العمل به.
ووجه مقابله أن ما يوجد من فعلان الصفة غير مصروف في الغالب والمصروف منه قليل فكان الحمل على الغالب أولى. هذه عبارته.
(المسألة التاسعة)
"في تعارض أصلين "
قال في الخصائص:
والحكم في ذلك مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد.
من ذلك قولهم في ضمة الذال من قولك: ما رأيته مذ اليوم فإن أصلها السكون فلما حركت لالتقاء الساكنين ضموها ولم يكسروها لأن أصلها الضم في منذ وإنما ضمت فيها لالتقاء الساكنين إتباعا لضمة الميم.
فأصلها الأول وهو الأبعد السكون وأصلها الثاني وهو الأقرب الضم فضمت الذال من (مذ) عند التقاء الساكنين ردا إلى إلى الأصل الأقرب وهو ضم منذ دون الأبعد الذي هو سكونها قبل أن تحرك المقتضي مثله للكسر لا للضم
стр. 135
ومن ذلك قولهم بعت وقلت فهذه معاملة على الأصل الأقرب دون الأبعد لأن أصلهما فعل بفتح العين: بيع وقول ثم نقلا من فعَل إلى فعِل وفعُل ثم قلبت الواو والياء في فعلت ألفا فالتقى ساكنان: العين المعتلة المقلوبة ألفا ولام الفعل فحذفت العين للالتقائهما فصار التقدير: قلت وبعت ثم نقلت الضمة والكسرة إلى الفاء لأن أصلهما قبل القلب فعلت وفعلت فصار بعت وقلت مراجعة الأصل الأقرب ولو روجع الأبعد لقيل: قلت وبعت بفتح الفاء لأن أول أحوال هذه العين إنما هو الفتح الذي أبدل منه الضم والكسر ".
(المسألة العاشرة)
"تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر "
إن تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس فلا عبرة به.
ذكره ابن الأنباري في كتابه.
(المسألة الحادية عشر)
"في تعارض قبيحين "
قال في الخصائص:
" إذا حضر عندك ضرورتان لابد من ارتكاب إحداهما فأت بأقربهما وأقلهما فحشا
стр. 136
وذلك كواو (ورتل) أنت فيها بين ضرورتين:
إما أن تدعي كونها أصلا والواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة إلا مكررة كـ (الوصوصة) و (والوحوحة).
وإما أن تتدعي كونها زائدة والواو لا تزاد أولا.
فجعلها أصلا أولى من جعلها زائدة لأنها لا تكون أصلا في ذوات الأربعة في حالة ما وهي حالة التكرير وكونها زائدة أولا لا يوجد بحال.
وكذلك إذا قلت: (فيها قائما رجل) لما كنت بين أن ترفع (قائما) فتقدم الصفة على الموصوف وهذا لايكون بحال وبين أن تنصبه حالا من النكرة وهو على قلته جائز حملت المسألة على الحال فنصبت ". انتهى.
(المسألة الثانية عشر)
"المجمع عليه أولى من المختلف فيه "
إذا تعارض مجمع عليه ومختلف فيه فالأول أولى.
مثال ذلك: إذا اضطر في الشعر إلى قصر ممدود أو مد مقصور فارتكاب الأول أولى لإجماع البصريين والكوفيين على جوازه ومنع البصريين الثاني.
(المسألة الثالثة عشر)
"تقديم المانع على المقتضي عند تعارضهما "
إذا تعارض المانع والمقتضي قدم المانع
стр. 137
من ذلك ما وجد فيه سبب الإمالة ومانعها لا تجوز إمالته و (أي) وجد فيها سبب البناء وهو مشابهة الحرف ومنع منها لزومها للإضافة التي هي من خصائص الأسماء فامتنع البناء.
والمضارع المؤكد بالنون وجد فيه سبب الإعراب ومنع منه النون التي هي من خصائص الأفعال.
واسم الفاعل إذا وجد شرط إعماله وهو الاعتماد وعارضه المانع من تصغير أو وصف قبل العمل امتنع إعماله.
(المسألة الرابعة عشر)
"في القولين لعالم واحد "
قال في الخصائص:
"إذا ورد عن عالم في مسألة قولان فإن كان أحدهما مرسلا والآخر معللا أخذ بالمعلل وتؤول المرسل كقول سيبويه في غير موضع في التاء من (بنت وأخت) إنها للتأنيث.
وقال في باب ما لا ينصرف إنها ليست للتأنيث وعلله بأن ما قبلها ساكن وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنا إلا أن يكون ألفا كفتاة وقناة وحصاة والباقي كلع مفتوح كرطبة وعنبة وعلامة ونسابة.
قال فلو سميت رجلا بـ (بنت) و (أخت) لصرفته.
قال ابن جني: فمذهبه الثاني وقوله للتأنيث محمول على التجوز لأنها لا توجد في الكلمة إلا في حال التأنيث وتذهب بذهابه لا أنها في نفسها
стр. 138
زائدة للتأنيث بل أصل كتاء (عفريت وملكوت) فإنها بدل لام (أخ وابن) إذ أصلهما: أخو وبنو.
وإن لم يعلل واحدا منهما نظر إلى الأليق بمذهبه والأجرى على قوانينه فيعتمد ويتأول الآخر إن أمكن كقول سيبويه: (حتى) الناصبة للفعل وقوله: إنها حرف جر فإنهما متنافيان إذ عوامل الأسماء لا تباشر الأفعال فضلا عن أن تعمل فيها وقد عد الحروف الناصبة للفعل ولم يذكر فيها (حتى) فعلم بذلك أن (أن) مضمرة عنده بعد (حتى) كما تضمر مع اللام الجارة في نحو (ليغفر لك الله).
وإن لم يمكن التأويل فإن نص فإن نص في أحدهما على الرجوع عن الآخر علم أنه رأيه والآخر مطرح وإن لم ينص بحث عن تاريخهما وعمل بالمتأخر والأول مرجوع عنه.
فإن لم يعلم التاريخ وجب سبر المذهبين والفحص عن حال القولين فإن كان أحدهما أقوى نسب إليه أنه قوله إحسانا للظن به وأن الآخر مرجوع عنه.
وإن تساويا في القوة وجب أن يعتقد أنهما رأيان له وأن الدواعي إلى تساويهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن اعتقد كلا منهما.
وكان أبو الحسن الأخفش يقع له ذلك كثيرا حتى أن أبا علي ﴿الفارسي﴾ كان إذا عرض له قول عنه يقول: لابد من النظر في إلزامه إياه لأن مذاهبه كثيرة.
وكان أبو علي يقول في (هيهات): أنا أفتي مرة بكونها اسما للفعل كـ (صه ومه) وأفتي مرة بكونها ظرفا على قدر ما يحضرني في الحال.
قال أبو علي: وقلت لأبي عبد الله البصري يوما: أنا أعجب من هذا الخاطر في حضوره تارة ومغيبه أخرى وهذا يدل على أنه لابد من تقديم النظر النظر ".
انتهى كلام (الخصائص) ملخصا.
стр. 139
(المسألة الخامسة عشر)
"فيما رجحت به لغة قريش على غيرها "
قال الفراء: كانت العرب تحضر الموسم في كل عام وتحج البيت في الجاهلية وقريش يسمعون جميع لغات العرب فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به فصاروا أفصح العرب وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ.
من ذلك الكشكشة وهي في ربيعة ومضر يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينا فيقولون رأيتكش وبكش وعليكش.
فمنهم من يثبتها حال الوقف فقط وهو الأشهر ومنهم من يثبتها في الوصل أيضا ومنهم من يجعلها مكان الكاف ويكسرها في الوصل ويسكنها في الوقف فيقول منش وعليش.
ومن ذلك الكسكسة وهي في ربيعة ومضر يجعلون بعد الكاف أو مكانها في المذكر سينا على ما تقدم وقصدوا بذلك الفرق بينهما.
ومن ذلك العنعنة وهي في كثير من العرب في لغة قيس وتميم يجعلون الهمزة المبدوء بها عينا فيقولون في إنك: عنك وفي أسلم: عسلم وفي إذن: عذن.
стр. 140
ومن ذلك الفحفحة في لغة هذيل يجعلون الحاء عينا.
ومن ذلك الوكم في لغة ربيعة وقوم من كلب يقولون عليكم عليكم وبكم حيث كان قبل الكاف ياء أو كسرة.
ومن ذلك العجعجة في قضاعة يجعلون الياء المشددة جيما يقولون في تميمي: تميمج.
ومن ذلك الاستنطاء لغة سعد بن بكر وهذيل والأزد وقيس والانصار يجعلون العين الساكنة نونا إذا جاورت الطاء كـ (أنطى) في (أعطى).
стр. 141
ومن ذلك الوتم في لغة اليمن تجعل السين تاء كـ (النات) في (الناس).
ومن ذلك الشنشنة في لغة اليمن تجعل الكاف شينا مطلقا كـ (لبيش اللهم لبيش) أي لبيك.
ومن العرب من يجعل الكاف جيما كـ (الجعبة) يريد الكعبة. أورده ياقوت في معجم الأدباء.
(المسألة السادسة عشرة)
"في الترجيح بين مذهب الكوفيين والبصريين "
اتفقوا على أن البصريين أصح قياسا لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا يقيسون على الشاذ والكوفيين أوسع رواية.
قال ابن جني:
" الكوفيون علامون بأشعار العرب مطلعون عليها ".
وقال أبو حيان في مسألة العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار: الذي يختار جوازه لوقوعه في كلام العرب كثيرا نظما ونثرا ".
وقال: " ولسنا متعبدين باتباع مذهب البصريين بل نتبع الدليل ".
стр. 142
وقال الأندلسي في (شرح المفصل):
" الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه بخلاف البصريين ".
قال:
" ومما افتخر به البصريون على الكوفيون أن قالوا: نحن نأخذ اللغة من حوشة الضباب وأكلة اليرابيع وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواء وباعة الكواميخ ".
стр. 143
الكتاب السابع
في أحوال مستنبط هذا العلم ومستخرجه
فيه مسائل
المسألة الأولى
في أول من وضع النحو والتصريف
اشتهر أن أول من وضع النحو علي بن أبي طالب ﵁ لأبي الأسود.
قال الفخر الرازي في كتابه (المحرر في النحو):
" رسم علي ﵁ لأبي الأسود باب (إن) وباب الإضافة وباب الإمالة ثم صنف أبو الأسود باب العطف وباب النعت ثم صنف باب التعجب وباب الاستفهام.
وتطابقت الروايات على أن أول من وضع النحو أبو الأسود وأنه أخذه أولا عن علي.
стр. 144
واتفقوا على أن معاذا الهراء أول من وضع التصريف وكان تخرج بأبي الأسود.
ثم خلف أبو الأسود خمسة: عنبسة الفيل وميمون الأقرن ويحيى بن يعمر وابنا أبي الأسود: عطاء وأبو حرب.
ثم خلف هؤلاء عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمر بن العلاء.
ثم خلفهم الخليل بن أحمد ففاق من كان قبله ولم يدركه أحد بعده , أخذ عن عيسى وتخرج بابن العلاء ثم أخذ عنه سيبويه وجمع العلوم التي استفاد منه في كتابه فجاء كتابه أحسن من كل كتاب صتف فيه.
وأما الكسائي فقد خدم أبا عمرو بن العلاء نحو من سبع عشرة سنة لكنه لاختلاطه بأعراب الأبلة فسد علمه ولذلك احتاج إلى قراءة كتاب سيبويه
стр. 145
على الأخفش وهو مع ذلك إمام الكوفيين وما ظنك برجل إمامه الفراء؟!
ثم صار الناس بعد ذلك فرقتين: بصريا وكوفيا " انتهى.
وقال ثعلب في (أماليه):
" قال أبو المنهال: أئمة البصرة في النحو وكلام العرب ثلاثة: أبو العمر بن العلاء وهو أول من وضع أبواب النحو , ويونس بن حبيب , وأبو زيد الأنصاري وهو أوثق هؤلاء كلهم وأكثرهم سماعا من فصحاء العرب سمعته يقول: ما أقول: قالت العرب إلا إذا سمعته من عجز هوازن. وفي رواية أخرى: إلا إذا سمعته من هؤلاء: بكر بن هوزان , وبني كلاب , وبني هلال , أو من عالية السافلة , أو من سافلة العالية , وإلا لم أقل: قالت العرب.
المسألة الثانية
شرط المستنبط
شرط المستنبط لشيء من مسائل هذا العلم , المرتقي عن رتبة التقليد أن يكون عالما بلغة العرب , محيطا بكلامها , مطلعا على نثرها ونظمها, ويكفي في ذلك الرجوع إلى الكتب المؤلفة في اللغات والأبنية, وإلى الدواوين الجامعة لأشعار العرب, وأن يكون خبيرا بصحة نسبة ذلك إليهم, لئلا يدلس عليهم شعر مولد, أو غير مصنوع عالما بأحوال الرواة, ليعلم المقبول روايته من غيره, وبإجماع النحاة كيلا يخرق وبالخلاف , كيلا يحدث قولا زائدا خارقا, إذا قلنا بامتناع ذلك.
следующие страницы →