← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95695

الشفاعة في الحديث النبوي

عبد القادر المحمدي

Полный текст (310 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الشفاعة في الحديث النبوي -دراسة وتخريج تأليف الدكتورعبد القادر مصطفى عبد الرزاق المحمدي أستاذ الحديث النبوي في الجامعة الإسلامية -بغداد

стр. 2

أصل هذا الكتاب رسالة ماجستير قدمت إلى الجامعة الإسلامية في بغداد المحروسة عام ١٩٩٨م، ونالت درجة الإمتياز.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإهداء إلى صاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود رسول الله ... ﷺ . والى الذين ﵁ ورضوا عنه "السابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان". ثم إلى ... والدتي الحبيبة التي أعطت وبذلت، وضحت وما بخلت. لكم جميعاً أهدي هذه الثمرة.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي بيده ملكوت السموات والارض، الذي يجير ولا يجار عليه، الحمد لله "الأول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" (١)، "الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والارض وهو العزيز الحكيم" (٢). ربنا لك الحمد والنعماء لما جعلتنا من خير أمة واتباعا لسيد الأنبياء والمرسلين وبعد. فإن لموضوع "اليوم الاخر" في حياة المسلم، وفي عقيدة المسلم المكان العظيم فهو حجر الزاوية في العقيدة الاسلامية، وقد اولى القرآن الكريم هذا الركن -"ليوم الاخر"- اهتماما كبيرا. وفي الأعم الأغلب ياتي ذكر اليوم الاخر عقب الإيمان بالله تعالى فمثلاً ((ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر)) (٣) و ((ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الاخر)) (٤). و"الشفاعة" هي من ابحاث اليوم الاخر، وتنبعث اهمية الشفاعة من اهمية "الإيمان باليوم الاخر". ولقد حظي موضوع "الشفاعة" باهتمام العلماء -سلفا وخلفا- فحرروا فيه وبحثوا بحثا جيدا، ورغم الاختلاف الواضح بين الفرق الاسلامية فيها، إلا انهم متفقون على اصل الشفاعة يوم القيامة وذلك لانه مقرر في القرآن الكريم. فقد ثبتت فيه منطوقا ومفهوما وخاصة للنبي ﷺ ومن تلك الايات:- ((ولسوف يعطيك ربك فترضى)) (٥)، وقوله ((عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا)) (٦). وتفسير المقام المحمود بالشفاعة ثابت في الصحيحين وغيرهما (٧). وقال تعالى: ((من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه)) (٨)، و ((يومئذ لا

стр. 5

تنفع الشفاعة إلا من اذن له الرحمن ورضي له قولا)) (١). ومنشأ الخلاف بين تلك الفرق اختلافهم في قبول خبر الواحد ورده، وكل له أدلته. ولما كانت ثمة أمور تتعلق بموضوع الشفاعة غامضة. كثر الجدل حولها حتى بلغ بالكثير من الجهلة التواكل والتسويف حتى تركوا العمل لفهمهم الخاطئ لمفهوم الشفاعة فيفهمون مثلا قوله ﷺ : ((شفاعتي لاهل الكبائر من امتي)) (٢)، انه مهما عصى فإنه لن يدخل النار لان النبي ﷺ سيشفع له؟!!. ومثل ذلك في قوله ((لكل أمة عذاب في الآخرة إلا امتي جعل الله عذابها بين ايديها .. )) (٣). وفي المقابل فإنه لا شفاعة لصاحب كبيرةٍ يوم القيامة، بل إن فاعل الكبيرة الذي مات مصراً عليها هو كافر خالداً في جهنم يلوون النصوص حسب أهواءهم. فمن هنا كان من الضروري جداً وضع النقاط على الحروف وبيان الحق. ولا أقول أنني لم أسبق في هذا الأمر -أبداً- وإنما إعادة لتلك المعلومات وصياغتها بصيغة جديدة ليس إلا. سوى بعض المسائل التي هي إجتهاد معرض للقبول أو الرد. وأما خطتي فكانت على النحو الاتي: قسمت الرسالة على بابين، فكان الباب الأول: دراسة احاديث الشفاعة دراسة موضوعية، وجعلته فصلين: الفصل الأول: بينت فيه مفهوم الشفاعة وفيه سبعة مباحث: ١ - تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا. ٢ - أدلة الشفاعة من النقل والعقل. ٣ - أقسام الشفاعة. ٤ - شروط الشفاعة. ٥ - مواضع الشفاعة. ٦ - حكمة الشفاعة. ٧ - مناقشة منكري الشفاعة.

стр. 6

والفصل الثاني: بينت فيه أنواع الشفاعة، وفيه مبحثان: المبحث الأول: شفاعة الأعيان وتحته مطالب عدة. ١ - شفاعة الأنبياء ﵈. وفيه مسألتان: المسألة الاولى: شفاعة النبي ﷺ وتحته أنواع. المسألة الثانية: شفاعة بقية الأنبياء ﵈. ٢ - شفاعة الملائكة ﵈. ٣ - شفاعة الشهداء. ٤ - شفاعة المؤمنين. ٥ - شفاعة الزمن. ٦ - الشفاعة الالهية. المبحث الثاني: بينت فيه شفاعة الأعمال وتحته سبعة (*) مطالب: الأول: فيه شفاعة كلمة التوحيد، والثاني: شفاعة الانتماء إلى أمة محمد ﷺ . والثالث: شفاعة القران والصيام، والرابع: شفاعة دعاء الوسيلة عقب الاذان. والخامس: شفاعة شهود بعض الوقائع، والسادس: شفاعة الصبر على الشدائد وتحته أنواع: ١ - شفاعة الصبر على لأواء المدينة المنورة وشدتها. ٢ - شفاعة الصبر على تربية الاناث. ٣ - شفاعة الصبر على موت الاولاد. ٤ - شفاعة الصبر على بعض الامراض. والباب الثاني تخريج الأحاديث وقد رقمت الأحاديث ترقيما عدديا ١،٢،٣ ... . وراعيت تقديم الحديث الصحيح اولا ثم اردفته بالشواهد الحسنة ثم الضعيفة، وراعيت ايضا اولية الباب في الدراسة فكان كل باب في الدراسة امامه ما يقابله من الأحاديث في الباب الثاني التخريج بنفس الترتيب -تقريبا-. ثم ذكرت خلاصة البحث وأهم النتائج. وفي الملحق ترجمت لبعض الأعلام وبعض الفرق ممن تدعو الحاجة الى ترجمتهم.

стр. 7

وكان منهج العمل في البحث على النحو الآتي: إنه لما كان بحثي ذا بابين "دراسة موضوعية، وتخريج حديثي نقدي" فكان هناك منهجا عاما -لكلا البابين- ومنهجا خاصا لكل باب. أولا: المنهج العام:- لما كان موضوع البحث "الشفاعة في الحديث النبوي، دراسة وتخريج" فانه كان لزاما علي ان اقوم باستقصاء كل الأحاديث التي تتعلق بالشفاعة، سواء صرحت بلفظها أم تضمنت معناها، وسواء اكانت شفاعة دنيوية أم شفاعة أخروية، وسواء أكانت الأحاديث في الكتب والمصنفات والمسانيد المطبوعة أم المخطوطة، المتوفرة بين ايدينا ام تلك الموجودة خارج البلاد. وهذا مما لا يقدر عليه أحد إلا ذو حظ عظيم!! لذا فإني قمت بالخطوات الآتية:- أولا: قصرت الموضوع على "الشفاعة الأخروية" فخرجت بهذا القيد شفاعة الدنيا وأبقيت العنوان على إطلاقه لأن المتعارف عليه في لفظة الشفاعة إذا أطلقت اريد بها الأخروية. ثانيا: حددت الأحاديث بما هو موجود في الكتب المطبوعة من أمهات المصادر الحديثية "المصنفات، المسانيد ... " (١) .. فكانت على قسمين:- القسم الأول: ما جاءت مصرحة بلفظة "شفع" أو مشتقاتها، فانني استقصيتها من تلك المصادر بشكل تام أو قريب من التام. القسم الثاني: ما جاءت متضمنة معنى الشفاعة فقط فإننا أخذنا بعض الأحاديث كأمثلة. ثانيا: منهج الباب الثاني (التخريج): لقد قدمت منهج التخريج -الباب الثاني- على الأول هنا وذلك لأنه لا يمكن دراسة الأحاديث والاعتماد عليها قبل تحرير الحكم فيها (٢) فكان علي أولا تخريج

стр. 8

الأحاديث ثم بيان صحيحها من ضعيفها. وكانت الأحاديث الصحيحة في باب التخريج ٩٥ حديثا، والحسنة ٢٠ حديثا والضعيفة ٦٠ حديثا. وهذا لا يعني انني استوعبت كل الأحاديث ولم يفتني منها شيء، -ابدا- وانما حاولت ذلك بما اوتيت من معرفة وجهد، ويشفع لي انني استنفذت كل قواي في ذلك -والله يعلم-. وكانت خطواتي في تخريج الحديث كالاتي:- الخطوة الاولى:- وهي معرفة مظان الحديث واماكنه في المصنفات فاعتمدت في ذلك على الجامع الصغير للحافظ السيوطي، والمعاجم التي صنفت على الاحرف كالمعجم المفهرس لالفاظ الحديث، الذي رتبه مجموعة من المستشرقين وفهارس المسند الجامع لأستاذنا الدكتور بشار عواد معروف، ومجموعة من طلبة العلم ومفتاح كنوز السنة لمحمد فؤاد عبد الباقي. الخطوة الثانية:- جمع طرق الحديث من مظانه الاصلية وهي "مسند الطيالسي، ومصنف عبد الرزاق، ومسند الحميدي، ومسند الإمام احمد بن حنبل، ومسند عبد بن حميد، والكتب الستة، والادب المفرد للبخاري، والسنن الصغرى، والكبرى، وعمل اليوم واليلة للنسائي، وصحيح ابن خزيمة، ومسند البزار، ومسند أبى يعلى، وصحيح ابن حبان، والمعجم الكبير للطبراني، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، وشرح السنة للبغوي". وأما الأحاديث التي تضمنت معنى الشفاعة ولم يرد فيها لفظ الشفاعة -أو مشتقاتها- فقد اتيت بالاحاديث الصحيحة كامثلة لكل نوع، وان كنت قد اوردت معها بعض الأحاديث الضعيفة للانتفاع من عللها، أو لان بعض أهل العلم -المحدثين- صححها أو حسنها فاردت بيان العلة والاشارة اليها (١). الخطوة الثالثة:- جعلت الحديث عن الصحابي الواحد حديثا واحدا حتى ولو رواه عنه عشرة من التابعين أو اكثر .. وذلك لان جعل حديث كل تابعي حديثا مستقلا

стр. 9

يعني ان تكون هذه الرسالة اربعة اضعاف ما عليه الان -تقريبا- وقد جمهرت موارد الحديث عن طريق كل تابعي أو من يقوم مقامه إلى الصحابي من غير تفصيل لمن رواه عن التابعي من اتباع التابعين إلى الشيوخ اصحاب المصنفات، لان ذلك يعني دراسة الرواة والمفاضلة بينهم وهذه الطريقة شاقة وطويلة وان كانت عظيمة النفع (١) وان كنت ذكرت مواضع تلك الطرق وتشعباتها في موضعها من تحفة الاشراف والمسند الجامع. الخطوة الرابعة: تحديد موضع التفرد في السند وذلك بالرجوع إلى تحفه الاشراف، والمسند الجامع هذا إذا كان الحديث مما خرج فيها، أما اذا وجدت طرقا اخرى في الكتب التي لم تخرج فيهما كالمصنف، لعبد الرزاق، أو المستدرك، للحاكم، ... الخ. فإنني أجمع الطرق وأضم بعضها إلى بعض، فقد ينتقل موضع التفرد، وقد يتفق معهما. وحينئذ نكون قد حددنا موضع التفرد في الأسانيد وثمرة ذلك هو معرفة المتابعات التامة والقاصرة والمزيد في متصل الأسانيد ومعرفة علل الحديث ... الخ. فإذا كان الحديث مخرجا في صحيح البخاري أو مسلم فأني لا أحكم عليه لأن الأمة أجمعت على صحة ما فيهما على الجملة. الخطوة الخامسة: أما إذا لم يكن الحديث مخرجا فيهما فاقوم بدراسة رجال السند من موضع التفرد فما علاه - دون الصحابي -. فان كان الاسناد ضعيفا اكتفيت بالحكم على الحديث بالضعف، وان كان حسنا أو صحيحا توقفت لانظر إلى الطرق دون موضع التفرد. فأن صح منها طريق واحد إلى موضع التفرد المدار ... فأنني اجزم بصحة الاسناد اليه، والطرق الأخرى بمثابة زيادة اطمئنان. وإن كان فيها طريق حسن وبقية الطرق حسنة أو ضعيفة معتبرة حكمت بصحة الاسناد اليه المدار ... .وأما ان لم يكن فيها طريق صحيح أو حسن بل كانت ضعيفة معتبرة أو فيها حسن ولم يتابع فالإسناد يكون حسنا إلى المدار. فإن صح ما تحت المدار فأنني الاحظ ما فوقه ان كان حسنا يحسن الحديث وان

стр. 10

كان ما فوقه صحيحا حكمت بصحة الاسناد والخص مامر بالاتي: تحت المدار ... فوق المدار ... الحكم صحيح ... ضعيف ... ضعيف حسن ... صحيح ... حسن ضعيف ... صحيح ... ضعيف حسن ... حسن ... حسن صحيح ... حسن ... حسن صحيح ... صحيح ... صحيح وإنني قد اكتفيت بإثبات دراسة المدار فما علاه في المبيضات من هذه الرسالة ان لم يكن مادون المدار معلولا. أما اذا كان معلولا فأني اثبت وجه الإعلال (١). وقد حذفت دراسة كل الرجال والطرق ما دون المدار - ان لم تكن هي علة الحديث - خشية الاطالة والاسهاب، ولان كل تلك الطرق قد جمعت على النحو المطلوب - غالبا - في تحفة الاشراف أو السند الجامع لذا فانني قد احلت القارىء إلى مواضعها هناك. وسأذكر مثالا واحدا اوضح فيه التشعب والاطالة فيما لوابقيت تلك الطرق فمثلا حديث رقم (١١) عن انس بن مالك ﵁. فهذا الحديث رواه عن انس اربعة (قتادة السدوسي، ومعبد بن هلال، وعمر بن أبى عمر، وثابت االبناني). فمن طريق قتادة: ١ - أخرجه عبد بن حميد (١١٨٧)، والبخاري (٧٥١٦)، قالا: حدثنا مسلم بن ابراهيم. والبخاري (٧٤١٠) قال: حدثني معاذ بن فضالة. ومسلم في الإيمان (٣٢٤) قال: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا معاذ بن هشام. والنسائي -في الكبرى - تحفة الاشراف

стр. 11

١/ (١٣٥٧) عن ابراهيم بن الحسن، عن الحارث بن عطية. أربعتهم (مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن فضالة، ومعاذ بن هشام، والحارث بن عطية) عن قتادة السدوسي. ٢ - أخرجه احمد ٣/ ١١٦ قال: حدثنا يحيى بن سعيد. والبخاري (٤٤٧٦) قال: قال لي خليفة حدثنا يحيى بن زريع. ومسلم في الإيمان (٣٢٤) قال حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا إبن أبي عدي. وابن ماجة (٤٣١٢) قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا خالد بن الحارث. والنسائي - في الكبرى- تحفة الاشراف ١/ (١١٧١) عن أبى الاشعث عن خالد أربعتهم (يحيى بن سعيد، ويزيد، وابن أبى عدي، وخالد بن الحارث) عن سعيد بن أبى عروبة. ٣ - أخرجه البخاري (٦٥٦٥) قال: حدثنا مسدد. ومسلم في الإيمان (٣٢٢) قال: حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري ومحمد بن عبيد الغبري. ثلاثتهم (مسدد، وابو كامل، والغبري) قالوا حدثنا ابو عوانه. ٤ - أخرجه احمد ٣/ ٢٤٤ قال: حدثنا عفان، قال حدثنا همام. واربعتهم (هشام وسعيد وهمام وابو عوانه) عن قتادة به أنظر تحفة الاشراف ١/ (١١٧١، ١٣٥٧)، والمسند الجامع ٣/ (١٦٤٢). وعن معبد بن هلال: أخرجه البخاري (٧٥١٠) قال: حدثنا سليمان بن حرب. ومسلم في الإيمان (٣٢٦) قال: حدثنا ابو الربيع العتكي ح وحدثناه سعيد بن منصور. والنسائي -في الكبرى- تحفة الاشراف ١/ (١٥٩٩) عن يحيى بن حبيب بن عربي. وإبن خزيمة -في التوحيد- ص٢٩٩ قال: حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا حماد بن زيد. خمستهم (سليمان بن حرب، والعتكي وسعيد ويحيى، وحماد) عن معبد بن هلال العنزي. أنظر تحفة الاشراف ١/ (١٥٥٩)، والمسند الجامع ٣/ (١٦٤٣). وعن عمرو بن أبى عمرو:

стр. 12

أخرجه احمد ٣/ ١٤٤ قال: حدثنا يونس. وحدثنا ابو سلم الخزاعي. والدارمي (٥٣) قال: اخبرنا عبد الله بن صالح. والنسائي - في الكبرى - تحفة الاشراف ١/ (١١١٩) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب بن الليث. اربعتهم (يونس، والخزاعي، وابن صالح، وشعيب) عن الليث، قال: حدثني يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عمرو بن أبى عمرو. أنظر تحفة الاشراف ١/ ١١١٩، والمسند الجامع ٣/ ١٦٤٤. وعن ثابت البناني: أخرجه احمد ١/ ١٩٦ وفي ٣/ ٢٤٧ قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا ثابت بنحوه. أنظر المسند الجامع ٣/ (١٦٤٥). كلهم (قتادة ومعبد وعمرو وثابت) عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : الحديث. فهذه الشجرة المتفرعة لها مخرج واحد ... أنس بن مالك ﵁ ولما كان هذا التطويل يرهق البحث ويمكن الاسغناء عنه فقد اختصرته.- كما هو مثبت - فأثبت لفظة تابعي واحد وجعلته اصل الحديث، ثم جئت ببقية الطرق عن بقية التابعين متابعات له - وان كان هناك اختلاف في اللفظ - لذا قلت عن الطريق الأصلي به يعني باللفظ نفسه، وعن بقية الطرق بنحوه يعني بنحو اللفظ. المنهج في ترجمة الرجال:- إذا كان الحديث مما خرج في الصحيحين فأني اكتفيت بالترجمة المعرفية للرجال غير المشاهير فالمشاهير لافائدة في ترجمتهم، -وخاصة ونحن لانريد التطويل -. وأما المختلف فيهم فأني تحاشيت الخوض في نقدهم، اذ لافائدة تجنى منه مادام الحديث مخرجا في الصحيحين. فذكرت موضع ترجمتهم في التقريب أو التحرير. وأما اذا كان الحديث خارج الصحيحين فأني نظرت في حال رجال الاسناد فأن كان الرجل متفق على توثيقه كالزهري والسفيانين وامثالهم اكتفيت بالاشارة إلى التقريب لان التقريب يعد خلاصة جهد الاسبقين - وفي الأعم الأغلب أحكامه سديدة -.

стр. 13

وأما في الرجال المتفق على تضعيفهم كعلي بن زيد بن جدعان (١)، وحارث الاعور (٢) فاني اكتفي بهما ايضا - الاماندر-. وأما في الرجال المختلف فيهم كحماد بن سلمة واضرابه فأني ارجع إلى أمهات الكتب كالتاريخ الكبير للبخاري، والجرح والتعديل لابن أبى حاتم، والضعفاء للعقيلي، والثقات والمجروحين لإبن حبان. وتهذيب الكمال للمزي، وتذكرة الحفاظ، والكاشف، وميزان الاعتدال، وديوان الضعفاء، والسير، والعبر للذهبي. وتهذيب التهذيب، ولسان الميزان، وتعجيل المنفعة لابن حجر. والخلاصة للخزرجي. فإذا كانت النتائج التي توصلت إليها موافقة لحكم ابن حجر في التقريب اكتفيت بالتقريب وذكرت اهم المراجع في الهامش. وأن كانت تخالف حكمه فأني ذكرت قول ابن حجر ثم ذكرت وجه الخلاف معه. وحكمت على الرجل - اجتهادا - بماتوصلت اليه بتوفيق من الله. ثم رجعت إلى تحرير التقريب الذي الفه استاذنا الدكتور بشار عواد معروف والشيخ الارنؤوط فأن وافقت حكم التحرير قلت " وقد نص على ذلك صاحبا التحرير " واشرت إلى موضعه. وإن خالفتهما ثبت قولهما بعد قول ابن حجر ثم اشرت إلى وجه الخلاف. ورجحت ما توصلت اليه. الحكم على الحديث وهذه المرحلة أعدها من اصعب مراحل دراستي حيث انني اقف حائرا امام تصحيح حديث ربما هو في حقيقته ضعيف أو العكس. وهي مسالة خطرة جدا فأنت تتعامل مع " دين " تتعامل مع كلام النبي ﷺ . لذا فإنني كنت أبحث جاهدا عن أحكام الأئمة السالفين كالامام البخاري (٣)، والترمذي، وابن أبى حاتم، وأمثالهم ممن يصرح بالحكم على الحديث أو في كتب العلل وكتب التخريجات وفي كتب الرجال لعلي اجد حكما يتناسب مع النتائج - الاجتهادية -

стр. 14

في هذا الحديث. وأما إن لم أجد ذلك فاني انتقل إلى المشايخ المعاصرين كالشيخ احمد شاكر، أو أستاذنا الدكتور بشار عواد معروف، أو الشيخ الالباني، أو الشيخ الأرنؤوط،، مما هو مطبوع من مؤلفاتهم. وكنت أحكم على الإسناد الذي رجاله ثقات فاقول: إسناده صحيح. وان كان فيه صدوق أو اكثر اقول: اسناده حسن، واذكر سبب التحسين وعلة السند. وان كان فيه ضعيف اقول: اسناده ضعيف واذكر العلة. وإنما أقول "اسناده" لأني لم اتمكن من مراجعة كل مظان الحديث فاحكم على إسناد الحديث بالطرق التي توصلت إليها. ولم أحسن أو اصحح بالشواهد، بل اذكر الشواهد متتالية فان كان في الاسناد رجل لا يصلح للاعتبار بالشواهد والمتابع فأذكر ذلك وإلا فإن الاحاديث التي حكمت على سندها بالضعف قد تكون صحيحة أو حسنة المتن. المنهج في ترتيب المسانيد والمصنفات والصحاح. قد لا يخفى أن هناك اشاكلاً مختلفة في كيفية ترتيب المصادر الحديثية في التخريج فالبعض يرتبها على الوفاة، والآخر على الصحة، والاخر على الصحة اولا ثم الوفاة ... وقد اعتمدت منهج "الوفاة" في كل المصادر سوى الكتب الستة فقد رتبتها على الشكل المعتاد "البخاري، ومسلم، وابو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة". وقد اعتمدت الطبعات المذكورة في قائمة المراجع. فاعتمدت: ١ - "موطا الإمام مالك ت ١٧٩ هـ:- اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ٢ - "مسند الطيالسي" ت ٢٠٤هـ: اعتمدت رقم الحديث بين القوسين. ٣ - "مصنف عبد الرزاق" ت٢١١هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ٤ - " مسند الحميدي" ت ٢١٩ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين القوسين. ٥ - "مسند الإمام احمد بن حنبل" ت ٢٤١ هـ: اعتمدت الجزء والصفحة. ٦ - "مسند عبد بن حميد" ت ٢٤٩ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين.

стр. 15

٧ - " مسند الدارمي" ت ٢٥٥ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ٨ - "صحيح البخاري" ت ٢٥٦ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ٩ - " الادب المفرد للبخاري" ... : اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ١٠ - "صحيح مسلم" ت ٢٦١ هـ: اعتمدت اسم الكتاب ورقم الحديث في كل باب. ١١ - "سنن ابن ماجة" ت ٢٧٥ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ١٢ - "سنن ابي داود" ت ٢٧٥ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ١٣ - "سنن الترمذي" ت ٢٧٩هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ١٤ - "مسند البزار" ت ٢٩٢ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ١٥ - "سنن النسائي الصغرى" ت ٣٠٣ هـ: اعتمدت الجزء والصفحة. ١٦ - "سنن النسائي الكبرى": اعتمدت رقم الحديث إذا كان في المطبوع ورقم الجزء/رقم الحيث بين قوسين إذا كان في تحفة الاشراف. ١٧ - "عمل اليوم والليلة للنسائي": اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ١٨ - "مسند ابي يعلى" ت ٣٠٧ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ١٩ - "صحيح ابن خزيمة": اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ٢٠ - "التوحيد لابن خزيمة": اعتمدت رقم الصفحة. ٢١ - "صحيح ابن حبان" ت ٣٦٠:: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. ٢٢ - "المعجم الكبير للطبراني "ت ٣٦٠ هـ: اعتمدت رقم الجزء / رقم الحديث بين قوسين. ٢٣ - "المستدرك للحاكم" ت ٤٠٥ هـ: اعتمدت الجزء والصفحة. ٢٤ - "السنن الكبرى للبيهقي" ت ٤٥٨ هـ: اعتمدت الجزء والصفحة. ٢٥ - "شرح السنة للبغوي" ت ٥١٦ هـ: اعتمدت رقم الحديث بين قوسين. وكنت اختار لفظ البخاري او مسلم ان كان الحديث مخرجا فيهما اما اذا لم يخرج فيهما فكنت اختار لفظ أصح الأسانيد -غالبا -. واما ان كانت الرواية ضعيفة فاني اختار اطول الالفاظ. مع انني كنت اشير الى الاختلاف في الالفاظ اذا كان هذا الاختلاف فيه نفع على تقديري.

стр. 16

أما اذا كان الاختلاف بين الوصل والارسال او الوقف فأني أرجح رواية الاحفظ والاتقن وارى والله اعلم -ان الرواية المرسلة -مثلا- تعل المتصلة اذا كان راوي المرسلة احفظ واضبط. واما قبول زيادة الثقه على اطلاقها فهو كلام فيه نظر (١). ملاحظات هامة: ١ - كل رقم بين قوسين فهو رقم الحديث. وما خلا منهما فهو رقم صفحة. ٢ - اعتمدت في تحفة الاشراف، والمسند الجامع على الجزء / رقم الحديث بين قوسين. ٣ - ذكرت بعض المصادر في التخريج غير المصادر الاصلية المذكورة -سلفا- وانما ذكرت ما وقع لي خلال البحث دون استقصاء فيها او ربما لم يخرج الحديث الا فيها فكنت مضطرا الى ذكرها. وأخيرا: فكل الاحاديث التي حكمت بصحتها او حسنها او ضعفها إنما هي على سبيل الاجتهاد فإن اصبت فمن الله وإن اخطأت فمن نفسي. ثالثا:- منهج الباب الاول: الدراسة الموضوعية:- بعد ان تبين لي من الباب الثاني "تخريج الاحاديث" كانت على انواع ثلاثة: صحيحة، وحسنة، وضعيفة. فاعتمدت الأحاديث الصحيحة في اصل المسائل الرئيسية - في الاغلب - مالم أجد حديثا صحيحا يسعفني فأني بحثت عن حسن - وان كان هوصحيحا لغيره بالشواهد المعتبرة -. واما في الاحاديث الضعيفة فاني لااذكرها الا شواهد للاحاديث الاصول. وقمت بدراسة هذه الاحاديث دراسة واسعة من شروحات الصحاح والمسانيد، ومن كتب العقائد، والرقائق، والتفاسير ..... الخ. فأنتفعت أيما انتفاع من هذه المراجع العظيمة كتفسير الامام الطبري، وتفسير الفخر الرازي، والآلوسي .... وكشرح صحيح الامام مسلم للامام النووي /وشرح صحيح

стр. 17

البخاري للعلامة العسقلاني، والعلامة العيني، والقسطلاني، وكشرح سنن ابي داود المسمى عون المعبود للعظيم ابادي الهندي وعارضة الاحوذي لابن العربي المالكي ..... وغيرها من الشروحات الكثيرة. فكل ما قدمته من نتائج في هذه الرسالة هو"عالة" على اولئك الجهابذة. ولقد عانيت أيما معاناة كيما أحصل على كتاب " الاكمال " للقاضي عياض فهو شرح عظيم لصحيح الإمام مسلم ولكن دون جدوى، فأني كنت انقل ما نسب اليه من شرح مسلم للنووي، او الفتح للعسقلاني وأشر اليهما. فجمعت الاقوال وناقشتها وحاولت الجمع بين المتعارضة منها وتأويل ما يمكن تأويله بما يتناسب وعقيدة المسلمين. وحاولت ابطال بعض الاقوال الفاسدة مثل " تفسير المقام المحمود بالاقعاد على العرش " وغيرها. ثم أقول لقد جاءت الشفاعة في السنة النبوية الصحيحة عن عدة صحابة يبلغون حوالي اكثر من ستة وثلاثين صحابياً فهي متواترة، وأما أنواعها ومفرداتها فبعضها متواتر المعنى وبعضها آحاد مؤيدة بنصوص من القرآن، وبعضها آحاد مجردة. ففي أحاديث الشفاعة اخبار احاد يمكن تحصيل العلم بها اما لتواترها تواتراً معنويا كالشفاعة لاهل الكبائر، واما لموافقتها لاصل في كتاب الله كشفاعة المقام المحمود. وثبوت بعض هذه الاحاديث على سبيل القطع لا يعني وجوب الاعتقاد بكل ما ورد فيها من اخبار لان فيها ما لم يصح من جهة السند، وما لم يصح من جهة المتن لمخالفتها الادلة القاطعة -وقد حاولت استيعاب تخريج كل المروريات التي جاءت فيها لفظة "شفع" على سبيل الاستقصاء التام او القريب من التام من امهات الكتب من الكتب الستة، والمسانيد والمصنفات وغيرها، وقمت بتخريج تلك المروريات تخريجاً علمياً نقدياً. بالاعتماد على كتب الرجال والتراجم. وقسمت الاحاديث الى صحيحة، وحسنة، وضعيفة. لذا فالواجب هو الايمان والاعتقاد باصل الشفاعة اما تفصيلاتها ودقائقها فلا يجب ذلك ولايكفر جاحده -والله اعلم-. لأن في بعض هذه التفصيلات اخباراً آحاداً صحت من جهة السند ولم تخالف

стр. 18

قطيعاً ولم تصل التصديق دون الاعتقاد الجازم. وقد يثبت لأحد تواتر مسألة معينة ولم يثبت لغيره تواترها فلا يكفر اذا ما جحدها كانكار المعتزلة النبي ﷺ لاهل الكبائر. وأخيرا: فلا أكون مبالغا إذا قلت إني لمست الرعاية الألهية والتيسير الرباني طوال فترة كتابتي هذا البحث، والذي اعده بحثا اتقرب به إلى الله . واي عقبة تقف امامك وانت محاط بالعناية الالهية:- اذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن امان كيف لا أشعر بهذا الشعور وانا اكتب في شفاعة صفوة الخلق، وحبيب الحق أبى القاسم محمد ﷺ . أسال الله العلي القدير أن اكون قد وفقت الى ما هدفت إليه بعون الله ورحمته وإن هفوت فالكمال لله وحده وقد يشفع لي ما بذلته من جهد وما سعيت اليه من قصد، وأسأله أن يقبل هذا العمل المتواضع، وان يجعله سببا لصحبة النبي ﷺ يوم القيامة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 19

الباب الأول دراسة النصوص دراسة موضوعية وتحته فصلان الفصل الأول: مفهوم الشفاعة عند علماء المسلمين الفصل الثاني: أنواع الشفاعة

стр. 20

المبحث الاول تعريف الشفاعة الشفاعة في اللغة: مصدر شفع، يشفع شفاعة، والشَفْع: ما كان من العدد ازواجاً (١). والشَفْع: خلاف الوتر، يقول تعالى ((والشفع والوتر)) (٢). والشفاعة: هي المطالبة بوسيلة أو ذمام (٣). وعرفها الفخر الرازي بقوله: أنْ ((يستوهب احد لاحد شيئاً، ويطلب له حاجة، ... كأنّ صاحب الحاجة كان فرداً، فصار يشفع له شفعاً، أي صار زوجاً)) (٤). ومن معاني كلمة ((الشفاعة)) في اللغة:- ١ - الدعاء (٥): قال تعالى: ((مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بإذنه)) (٦). ٢ - الاعانة: يقال فلان يشفع لي بالعداوة: أي يعين علىّ، ويضادني (٧). وفي الاصطلاح: عرفها القاضي عبد الجبار بقوله هي: ((مسألة الغير ان ينفع غيره أو يدفع عنه مضرة)) (٨). وعرفها الراغب الاصبهاني: ((هي الانضمام إلى آخر ناصراً له سائلاً عنه، واكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو ادنى)) (٩). وعرفها إبن الاثير بقوله: ((هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم)) (١٠).

стр. 21

وعرفها إبن تيمية بقوله: ((إعانة على خير يحبه الله ورسوله، من نفع من يستحق النفع، ودفع الضر عمن يستحق دفع الضرر عنه)) (١).وعرفها الجرجاني بقوله: ((هي السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقعت الجناية في حقه)) (٢). والذي يلاحظ من هذه التعريفات (٣)، انها مقتصرة على الشفاعة الحسنة، واغفلت السيئة منها. وإلاّ فالشفاعة تكون في فعل الخير، وتكون ايضاً في فعل الشر، يقول تعالى: ((مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصيبٌ مِنْها، ومَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها)) (٤). ولعل مقصودهم من هذه التعريفات ((الشفاعة الاخروية))، فهي تختص بالحسنة فقط. فالشفاعة الاخروية إذن: هي طلب من الله ﷻ لنفع محتاج، أو دفع ضرٍ عنه.

стр. 22

المبحث الثاني أدلة الشفاعة من النقل والعقل أولاً:- أدلة الشفاعة من القرآن الكريم: - تقدم القول بأنّ بحثنا يقتصر على الاحاديث النبوية، الشريفة، ولا يتعرض إلى الآيات القرآنية إلاّ استتشهاداً فقط. فالقران الكريم لا تنقضي عجائبه، لا تنفذ كنوزه، ومجال بحثنا يقصر عن ذلك كثيراً، فهو يتخصص بالاحاديث النبوية فحسب. وعلى الرغم من هذا فاني أرى من المناسب التوقف برهه عند الايات القرانية، على الاجمال لا التفصيل، تبركاً به اولاً، وحتى تكتمل صورة ((الشفاعة)) الاخروية. ومن خلال العرض القراني لايات الشفاعة كانت على النحو الاتي:- اولاً: الايات التي جاءت بلفظة الشفاعة، وهي على اقسام:- أ- الآيات التي حصرت الشفاعة به تعالى، ونفتها عمَنُ سواه، فلا اخ ولا اب ولا حميم مطاع. فالله ﷻ -حينما يقول: ((وأنْذِرْ بِهِ الَّذينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيّ وَلا شَفِيعٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون)) (١). فلا ناصر، ولا معين، الا الله -تعالى- ((وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ)). (٢) وكذا قوله: ((ما لكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونْ))، (٣) وقوله: ((قلْ لِلّهِ الشَفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَمَواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُون)). (٤) فالشفاعة المنفية هنا هي شفاعة الأنداد والاوثان. فقصر الشفاعة في الاخرة على الله ﷻ ((لا ينافي مذهبنا في اثبات الشفاعة للمؤمنين، لأن شفاعة الملائكة للمؤمنين انما تكون باذن الله تعالى لقوله ((مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُإلا بإذْنِهِ))،

стр. 23

(١) فلما كانت تلك الشفاعة باذن الله كانت في الحقيقة من الله تعالى)). (٢) ب- الايات التي تثبت الشفاعة لبعض الخلق وهي مشروطة ((بالاذن والرضى)). قال تعالى ((مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بإذنِهِ ... )) (٣)، وقوله: ((ما مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ ذلِكُمْ الله رَبُّكُمْ فاعبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونْ)) (٤). وقوله ((يعلمُ ما بينَ أيدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ، ولا يَشْفعُونَ إلاّ لِمَنْ ارْتَضى وهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونْ)) (٥). وفيه دليل على عزة الجليل وكبريائه وتصرفه (٦)، فلا يملك احدٌ الشفاعة الا بعد صدور الامر والموافقة من مَلِكِ النّاس إله الناس، يقول ﷻ ((لا يَملِكُونَ الشفاعةَ إلاّ مَن اتَّخَذَ عنْدَ الرحمن عهداً)) (٧). والعهد: هو كلمة الشهادة (٨)، أي لا تنفعهم الشفاعة شفائهم اذا لم يكونوا من اهل التوحيد. يقول الفخر الرازي في تفسير الاية ((دَلَّت الآية على حصول الشفاعة لاهل الكبائر لأنه قال عقيبه ((إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً، والتقدير أن هؤلاء لا يستحقون أنْ يشفع لهم غيرهم الا اذا كانوا قد اتخذوا عند الرحمن عهداً التوحيد والنبوة فوجب أن يكون داخلا تحته .. )) (٩) ومنها قوله تعالى ((يوْمَئِذٍ لا تَنْفعُ الشَّفاعَةُ إلاّ لِمَنْ أذِنَ لَهُ الرحمنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلاً)) (١٠) أي: لا تنفع الشفاعة كلها إلا شفاعة من اذن له الرحمن، ورضي له قولا (١١). فكأنه قال: لا تنفع الشفاعة احداً من الخلق إلاّ شخصاً مرضياً - ((وهذه الاية من اقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق لأن قوله ((ورضي له قولاً)) يكفي في صدقه أن يكون الله تعالى قد رضي له قولاً واحداً من اقواله، والفاسق قد

стр. 24

ارتضى الله تعالى قولاً واحداً من اقواله وهو: شهادة أن لا اله الا الله ... )) (١). ومنها قوله تعالى ((لا يملكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعةَ إلاّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْمَلُونْ)). (٢) ومنها قوله تعالى ((وكمْ مِنْ ملكٍ في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)). (٣) ولا وجه للتعارض بين النصوص هذه، فانه ما مِنْ اية الا وهي مرتبطة بنفي متقدم واستثناء عقيب، والاستثناء تخصيص فيكون المنفي من الآيات هي الاصل العام، والاثبات استثناء خاص فيخص العام بالخاص (٤). جـ- الايات التي تدل على نفي الشفاعة مطلقاً أو في يوم القيامة أو عن طائفة معينة. قال تعالى ((واتّقوا يوْماً لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ... )) (٥). وكقوله ((واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ... )) (٦) وانما اراد الله ((تحذير عن المعاصي واقوى ترغيب في تلافي الانسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لانه إذا تصور انه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة، ولا فدية علم انه لا خلاص له الا بالطاعة ... )). (٧) فالله تعالى قد نفى الشفاعة عن الكافرين، يقول تعالى: ((يا ايها الذين امنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ياتي يومٌ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون)). (٨) فانه تعالى: ﴿لما قال ((ولا خله ولا شفاعة)) أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقاً فذكر تعالى عقيبة ((والكافرون هم الظالمون)) ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين،

стр. 25

وعلى هذا التقدير تصير الاية دالة على اثبات الشفاعة في حق الفساق﴾. (١) ومنها قوله تعالى: ((وما نرى من شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء ... )). (٢) وقوله : ((فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا انفسهم ... )) (٣). وقوله ((فما لنا من شافعين)). (٤) فهؤلاء لا شفاعة لهم، ولا ينفعهم شفيع لانهم ليسوا من اهل العهد. (٥) فهم مشركون بالله، يقول تعالى ((ولم يكن لهم من شركائهم من شفعاء ... )). (٦) ويقول تعالى ((ام اتخذوا من دون الله شفعاء قل اولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون)). (٧) فالشفاعة كلها بيد الله تعالى والامر كله بيده، وليس لشركائهم من الامر شيئاً. يقول تعالى ((أن يردني الرحمن بضرٍ لا تغني عني شفاعتهم شيئاً)). (٨) فالكافر، الظالم لنفسه ليس له حميم ولا شفيع: يقول الله تعالى ((ما الظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)). (٩) فالكافر لا يشفع له أحد مهما علتْ رتبته ورقى منزله، سوى النبي ﷺ لمّا شفع لعمه أبي طالب وهي خاصية من خصائصه. (١٠) فالكفار ((فما تنفعهم شفاعة الشافعين)) (١١). يقول الزمخشري: ((أي لو شفع لهم الشافعون جميعاً من الملائكة والنبيين وغيرهم لم تنفعهم شفاعتهم لان الشفاعة لمن ارتضاه الله وهم مسخوط عليهم، وفيه دليل على انّ الشفاعة تنفع يومئذ ... )). (١٢) واحتج الرازي بالاية على ثبوت الشفاعة للفساق فقال: ((واحتج اصحإبنا على ثبوت الشفاعة للفساق بمدلول هذه الاية وقالوا: أن تخصيص هؤلاء بانهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على انّ غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين)). (١٣)

стр. 26

د- الايات التي صرحت بإثبات الشفاعة في الدنيا أو الاخرة. يقول تعالى: ((من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها)). (١) ومقتضاها: انه من يسعى في امرٍ فيترتب عليه خيرٌ كان له نصيب من ذلك ومن يشفع شفاعة سيئة يترتب عليه وزر من ذلك الامر الذي ترتب عليه سعيه ونيته. (٢) ثانياً:- الآيات التي اشتملت على معنى الشفاعة ((ضمناً)) وهي على قسمين: قسم ينفي الشفاعة كقوله تعالى: ((والذين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى الله زلفى أن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هم كاذب كفار)) (٣). وهذا النفي هو عن الكافرين كما مر معنا في الايات السابقة. وقسم يثبت شفاعة الشافعين كقوله تعالى: ((عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)) (٤)، وقد ذهب جمهور المفسرين كالطبري (٥) والزمخشري (٦)، والرازي (٧)، والسيوطي (٨)، وغيرهم (٩). إلى انّ مراد الاية أن المقام المحمود هو الشفاعة كما سنبينه في موضعه (١٠). ومنها قوله تعالى ((ولسوف يعطيك ربك فترضى)). (١١) والملاحظ في ايات الشفاعة: انّ القران الكريم عرض موضوع الشفاعة، عرضاً عاماً فلم يبين لنا اصناف الشفعاء، ولا اصناف المُشّفع لهم بصورة مفصلة. لذا فقد يسأل سائل ويقول: في أي نوع من الذنوب تكون الشفاعة؟ وما هي أنواع الشفاعة؟ ومن هم الشفعاء؟.

стр. 27

فنقول: القران قد يعرض المسائل بشكل مجمل، لاهداف مقصودة وعرض ايات الشفاعة بهذا الشكل لهدف مقصود فالذي يظهر أن القران الكريم ((اراد من عبده الاحجار أن يفكروا أن هذه الاحجار لن تنفعهم في الدنيا ولن تنفعهم في الاخرة، واراد من المؤمنين أن يعملوا ويجدوا فالاصل: أن لا شفاعة، بل ((وانْ ليس للانسان الا ما سعى)) (١)، ثم يتلطف القران بهم ليدفعهم إلى العمل والجد ايضاً، ولكن بطريق الترغيب فياتي الاستثناء بتحفظ ليحافظ المؤمن على الموازنة المطلوبة)). (٢) وهكذا نجد أن القران الكريم جاء وهو يهدف إلى قضية عملية بقدر ما يثمر عملاً صالحاً - والله اعلم- ثانياً: دليل الشفاعة عقلاً: - إن مذهب أهل السُنة جواز الشفاعة عقلاً ووجوبها سمعاً (٣). وإن العقل السليم لا يرفض فكرة الشفاعة يوم القيامة, فالإنسان مهما بلغت ذنوبه من صغائر وكبائر, واتى ربه بقلب سليم غير شاك, فإنه قد يشمل بالعفو الإلهي قال تعالى ((إن الله لا يغفرُ أنْ يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) (٤) وإذا كان العفو الإلهي عن الذنوب هو مقرر بالنصوص القطعية كقوله تعالى ((وأني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثُمّ اهتدى)) (٥) , وقوله ((وهو الذي يقبلُ التوبة عن عبادهِ ويعفو عن السيئات ... )) (٦) , فلماذا يعترض على وقوع الشفاعة؟ وهل هي إلا مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية؟! (٧) فمذهب أهل الحق ((أن الشفاعة حق, وقد أنكرها مُنكرو الغفران, ومن جّوز العفو والصفح بدءاً من الله تعالى فلا يمنع الشفاعة, ومنهم من يمنعها على مصيره إلى تجويز الغفران وذلك نهاية في الجهل لا يلتزمها ذو تحصيل)) (٨) والشفاعةُ لا تعني إهمال جانب العمل العبادي والتواكل على الشفاعة يوم القيامة - قطعاً - يقول تعالى ((تلكم

стр. 28

الجنة أورثتموها بما كُنتم تعملون)) (١) , وفي المقابل فإن العمل بذاتهِ لا يُدخل الجنة يقول ﷺ : ((سددوا وقاربوا وابشروا فانّه لن يُدخل احد الجنة عملُهُ, قالوا:- ولا انت يا رسول الله؟ قال: ولا انا الا يتغمدُني الله برحمتِهِ)) (٢) فكيف التوفيق بين النصوص؟ أقول: إنّ العمل له مفهومان:-مفهوم الاداء ومفهوم الجزاء، فأداؤك العمل لا يدخلك الجنة أصلاً، فمهما تعمل من صالحات وطاعات، فإنّ عملك بذاته لا يبلغك الجنة، وانما يكون دليلاً على خضوعك وانقبادك لامر الله تعالى، وإنما يدخلك الله -تعالى- الجنة جزاء على عملك. أما قوله: تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون، (٣) فيقول إبن كثير - رحمة الله - ((أي اعمالكم الصالحة كانت سبباً لشمول رحمة الله إياكم. فانه لا يدخل احد عمله الجنة ولكن برحمة الله وفضله وانما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات)). (٤) وبالإضافة إلى ما مرَّ: فإن الشفاعة في الدنيا قد حثَّ عليها الشارع، فقد اخرج البخاري من حديث أبي موسى الاشعري عن النبي ﷺ أنه قال: ((إشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء)). (٥) فإنْ جازت في الدنيا في مسائل فانية ومصالح زائلة، فكيف بها في الاخرة في الخلود التام؟! ولما كان النبي ﷺ يشفع لامته بدعائه أو استسقائه أو استغفاره، وما كان شفاعة منه لهم، فكذلك في عرصات يوم القيامة يشرح الله له ويفتح عليه في الدعاء والتوسل فيشفع ويُشَفَّع (٦)،كما جاء في الاحاديث الصحيحة (٧). وقد أجمع المسلمون علماء وعامة على جواز الشفاعة عقلاً ونقلاً وعلى الرغبة في

стр. 29

أن يرزقهم الله تعالى شفاعة الشفعاء يوم القيامة، ولم ينكر ذلك أحد (١)، حتى ظهر المبتدعة الذين منعوا ذلك على الله مستدلين بالآيات القرآنية فيؤلونها وفق مذهبهم المنحرف ومن ذلك قوله تعالى ((فما تنفعهم شفاعة الشافعين)) (٢)، وهذا ناتج عن هوى وجهل مطبق فإنّ الآية تثبت الشفاعة ولا تنكرها!! وهذه من الاخطاء التي تنجت عن تفسير أيات القران مستقلة بعضها عن البعض الاخر فهو ضرب لايات الله بعضها ببعض، وهذا قتل لروح القرآن وحلاوته، فالآية السابقة كانت تتكلم عن المجرمين ... ما سلككم في سقر؟ ((قالوا لم نَكُ من المصلين ولم نَكُ نُطعمُ المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكُنّا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين)) (٣) فاجابهم القران ((فما تنفعهم شفاعة الشافعين)) (٤) أي إنه من كان متصفاً بمثل تلك الصفات فإنه لا تنفعه الشفاعة يوم القيامة. ومن وافى الله كافراً فإن مصيره إلى النار خالداً فيها (٥). يقول القرطبي في التذكرة:- (فإن قيل: قال الله تعالى ((فما تنفعهم شفاعة الشافعين)) قيل له: لا، تنفع في الخروج من النار كعُصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة). (٦)

стр. 30

المبحث الثالث مناقشة منكري الشفاعة يمكننا القول أن اصل الشفاعة تُقرّبه الفرق الاسلامية باجمعها، ولكن الاختلاف يبدو واضحاً في أنواع الشفاعة، وخاصة الشفاعة للعصاة من اهل الايمان، وهنا سأتعرض لأبرز الفرق الاسلامية التي انكرت بعض أنواع الشفاعة التي اتفق عليها جمهور الامة وأبرزها الخوارج والمعتزلة (١) (١) الخوارج: الخوارج هم طائفة مبتدعة معرفة وقد انكرت شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من المؤمنين (٢).يقول الحافظ إبن حجر:- ((أن الخوارج الطائفة المشهورة المبتدعة كانوا ينكرون الشفاعة وكان الصحابة ينكرون انكارهم ويحدثون بما سمعوا من النبي ﷺ في ذلك)) (٣). يقول السالمي- وهو من الخوارج الاباضية-: ((اثبتت الاشاعرة الشفاعة لاهل الكبائر تعويلا على حديث رووه: ((شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي)). ويجاب من وجه: احداها انه خبر واحد يعارض القطعي. ثانيها: انه عارضته رواية مثلها ونصها: ((لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي)) فهذه بتلك)) (٤). (٢) المعتزلة: اثبتت المعتزلة اصل الشفاعة (٥) فاقروا بعض انواعها وانكروا البعض الآخر. نص

стр. 31

على ذلك إبن بطال (١) فقال: ((سلم بعض المعتزلة وقوع الشفاعة ولكن خصها بصاحب الكبيرة الذي تاب منها وبصاحب الصغيرة الذي مات مصر عليها (٢) وانكر إبن حجر العسقلاني على القاضي عياض قوله أن المعتزلة مقرة بشفاعة النبي ﷺ في رفع الدرجات (٣). ويرى القارئ لمذهب المعتزلة في الشفاعة انهم يثبتونها ولكن في اطار ضيق جدا، يقول القاضي عبد الجبار:- ((فعندنا أن الشفاعة للتائبين من الموئمنين)) (٤) ويبدو أن سبب تبني المعتزلة هذا المذهب المتشنج من الشفاعة بناءً على موقف المرجئة (٥) من أنَ ((الأيمان هو: المعرفة بالله والخضوع له وترك الأستكبار عليه والمحبة بالقلب فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى المعرفة من الطاعة فليس من الأيمان، ولا يضر تركها حقيقة الأيمان ولا يعذب على ذلك إذا كان الأيمان خالصا واليقين صادقا،)) (٦) فعندهم - ((المرجئة)) - أن كل عبد مات على التوحيد لم يضره ما فعل من المعاصي (٧) وكذا فأن إقرار المعتزلة بالشفاعة لأهل الكبائر يعني نقض أصولهم في الوعد والوعيد والعدل (٨). ويستقبح المعتزلة الشفاعة لأهل الكبائر حيث "أن شفاعة الفساق الذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا تتنزل منزلة الشفاعة لمن قتل ولد الغير وترصد للآخر حتى يقتلهُ، فكما أن ذلك يقبح فكذلك ههنا " (٩) ووجه استدلالهم في إنكارها مبني على ((أن العقوبة تستحق على طريق الدوام فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة النبي ﷺ والحال ما تقدم ومما يدل على ذلك قوله تعالى " واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً " (١٠)،

стр. 32

وقوله تعالى " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " (١) فالله تعالى نفى أنْ يكون للظالمين شفيع البتة ورد القاضي عبد الجبار حديث " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (٢) بأنهُ خبر أحاد فلا يحتج به في العقيدة، ولو صح لعارض نصوصاً قطعية من السنة كقوله ﷺ "لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق ولا منان" (٣) وهكذا نرى أن شبههم تدور حول امور ثلاثة هي:- أولا:- انه لم يثبت حديث صحيح في الشفاعة لاهل الكبائر، وكل ما جاء فهو اخبار احاد ثانيا:- الشفاعة المرجوة يوم القيامة هي خاصة بالمحسنين دون غيرهم، لقوله تعالى ((لا يشفعون الا لمن ارتضى)) (٤) ثالثا:- القول بالشفاعة لأهل الكبائر يعارض أدلة قطعية. كقوله تعالى ((ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع))، وغيرها. وكذا يعارض نصوصا من السنة، كقوله ﷺ :- ((لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي))،وحديث ((لا يدخل الجنة نمام ولا مدمن خمر ولا عاق ... )) وأجيب عليها من وجوه:- الوجه الأول:-حديث ((شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي)) (٥) حديث صحيح عن انس بن مالك ﵁. وله شواهد تقويه (٦) وكونه آحادا: فان مسالة الاحتجاج به أمر خلافي بين العلماء وكل له أدلته. وهذا الحديث وان كان آحادا في روايته الا أن له حكم المتواتر من حيث كثرة الاحاديث التي تناولت هذا النوع من الشفاعة وقد: ((أطبق سلف الأمة على تسليم هذه الرواية وصحتها مع ظهورها وانتشارها والعلم بأنها مروية في الصحابة والتابعين ولو كانت

стр. 33

مما لم تقم الحجة بها لطعن طاعن فيها بدفع العقل والسمع لها على ما يقوله المعتزلة، ولكانت الصحابة اعلم بذلك واشد تسرعا إلى انكارها، ولو كانوا قد فعلوا ذلك -أو بعضهم- لظهر ذلك وأنتشر، ولتوفرت دواعي على اذاعته، وابدائه، حتى ينقل، لأن هذه العادة ثابتة في الاخبار، وفي العلم بفساد ذلك دليل على ثبوت خبر الشفاعة)) (١). وصح عن أبي ذر ﵁ مرفوعاً ((أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من امتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة قلت وان زنى وأن سرق؟ قال وأن زنى وأن سرق)). (٢) فهو يشهد لحديث انس - الماضي - وسنبين ذلك مفصلا في شفاعة كلمة التوحيد. (٣) الوجه الثاني:-هذه الشفاعة لا تتقاطع مع النصوص القطعية بتخليد أهل النار فألاية ((وأتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل من شفاعة)) (٤)، والآية ((ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)) (٥) وغيرها تتعلق بالكفار لا بالعصاة، يقول إبن حزم ﵀: ((فالشفاعة التي ابطلها الله- هي الشفاعة للكفار الذين هم مخلدون في النار)) (٦)،أو قد يكون النفي منتقضاً بالشروط كالرضى، والاذن والعهد (٧) كقوله تعالى ((مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ الا باذنه)) (٨) وغيرها. الوجه الثالث:- أما قولهم: أن الشفاعة خاصة بالمحسنين من الامة (٩)، وأستدلوا بقوله تعالى ((لا

стр. 34

يشفعون إلا لمن أرتضى)) (١)، فهذا قصور في الحجة فكما بينّا في أنواع الشفاعات من كونها كثيرة ومختلفة، فمنها ما هو للناس كافة، ومنها ما هو للمؤمنين فقط. ومنها للمذنبين فحسب، وغيرها من الشفاعات. أما حصرها في هذه البوتقة فهو قصور في الفهم وتعطيل للكثير من النصوص. وهب أنا سلمنا بهذا القول، فأنه جزماً سيتعارض مع أصحاب المذهب أنفسهم وإلاّ فشفاعة الموقف - وهم يعدونها ويقرون بها- اليست تشمل البّر والفاجر؟ عابد الرحمن وعابد الشيطان؟ !! ومعنى الشفاعة يتجسد بشكل اكبر عند الشفاعة لمن سقط في النار، منه في رفع الدرجات لأهل الأحسان وأن كانت الأخيرة نعمة عظيمة بيد أنها في المؤمنين ممن أخذته النار أكبر (٢) -يقول إبن حزم:- ((وهذا لا حجة لهم فيه لأن من اذن الله في أخراجه من النار وأدخله الجنة وأذن للشافع في الشفاعة له في ذلك فقد أرتضاه)) (٣). وقال التفتازاني: ((لا نسلم أن من ((ارتضى)) لا يتناول الفاسق فأنه مرضي من جهة الايمان والعمل الصالح وأن كان مبغوضاً من جهة المعصية)) (٤) وأقول: أن شرط الأذن بالشفاعة متعلق بالله تعالى -قال تعالى ((مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُإلا باذنه)) (٥) ... وشرط الرضى متعلق بالشافع وليس بالمشفوع له قال تعالى: ((يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)). (٦) وشرط العهد متعلق بالمشفوع له قال تعالى ((لا يملكون الشفاعة إلا من أتخذ عند الرحمن عهداً)). أذن فالرضى ليس له علاقة بالمشفوع له، ول كان مرضي عنه فلماذا اذن يدخل النار؟!! - والله اعلم-. الوجه الرابع:- الآثار التي ذكروها ((لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من امتي)) حديث لا اصل له.

стр. 35

يقول الباقلاني ﵀ أنها رواية غير معروفة ولا ثابته عند عند أهل العقل)) (١). وكذا حديث ((لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق ولا منّان)) (٢)، وغيرها من الأحاديث مما كانت على شاكلته، فمقصودها أنه لا يدخل الجنة من أول الأمر، فهو أن مات مصراً عليها ولم يتب فانه سيدخل جهنم، وسيخرج منها بشفاعة الشافعين أو مع اهل الرحمة الاهية، وحديث أبي ذر - رض الله عنه- ((أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه مِنْ مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة قلت. وان زنى وأن سرق؟ قال وأن زنى وأن سرق)) (٣). فقد ثبت عن أربعة وثلاثين صحابياً (٤). وهو يقرر الشفاعة لأهل الكبائر وهو متواتر؟!! وغيرها من الاحاديث الأخرى. (٥)

стр. 36

المبحث الرابع أقسام الشفاعة تنقسم الشفاعة باعتبار زمانها إلى قسمين:- القسم الأول: شفاعة الدنيا، والقسم الثاني:- شفاعة الاخرة. فشفاعة الدنيا هي مجموع ما صَحَّ من الاحاديث النبوية بخصوص شفاعة النبي ﷺ لأمته في الدنيا، كأستقسائه، ودعائه لهم، ومن طلبه للمغفرة والنصر والتوسل به حال حياته، كدعاء الأعمى (١) وغيرها من الاثار. وكذا ما وروي من شفاعات بعض المسلمين لبعض، كقوله ﷺ (إشفعوا الي فلتأجروا ولَيقضِ الله على لسان نبيه ما كان)) (٢) وغيرها. وهذه الشفاعة لم ينكرها احد من اهل القبلة. (٣) ولما كانت تلك الشفاعة - الدنيوية- تحتاج إلى بحث طويل فقد آثرت أن أقتصر في بحثي هذا على القسم الثاني ((الشفاعة الاخروية)) عسى الله أن يمكنني من الكتابة فيها في بحثٍ قادم -بعون الله تعالى- أو أنْ ييسر له باحثاً آخر. وأما الشفاعة الاخروية فهي غير محددة الزمان فهي تمتد من وفاة المسلم وحتى بعد دخوله الجنة، أو النار- أعاذنا الله منها-، وبعبارة اخرى: تمتد من وفاة الانسان والصلاة عليه وحتى شفاعة الشافعين في رفع الدرجات في الجنة أو إخراج أهل النار من النار. وتنقسم الشفاعة الآخروية إلى قسمين:- أولا:- الشفاعة المنفية:- وهي التي نفاها القرآن الكريم مطلقاً كقوله تعالى ((من قبل أن ياتي يوم لابيعُ فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون)) (٤)

стр. 37

وقد نفاه القرآن الكريم رداً على المشركين ومن ضاهاهم من جُهّال هذه الأمة (١). فالآية تخبرهم أنْ ليس للذين آشركوا بالله من قريب منهم ولا أخٍ، ولا ابٍ، ولا صديق ينفعهم، ولا شفيع يُشَفّعُ فيهم، بل تقطعت بهم الأسباب من كل خير (٢). وهذه الشفاعة المردودة (لا يريدها لا الشافع ولا المشفوع له ولا المشفوع إليه، ولو علم الشافع والمشفوع له أنهّا ترد لم يفعلوها) (٣). ثانيا:- الشفاعة المثبتة:- وهي المقبولة، التي يشفع بها لأهل التوحيد، وهي مُعلقة بشرطين:- هما (الأذن، والرضى) (٤). والايات جاءت تترا تقرر هذين الشرطين فمنها قوله تعالى: ((مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُإلا باذنه ... )) (٥)، وقوله ((يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا مِنْ أذن له الرحمن ورضي له قولاً)) (٦). يقول إبن الالوسي: ((والشفاعة المثبتة ما تكون بعد الأذن يوم القيامة ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى فهذه الشفاعة من التوحيد ومستحقها أهل التوحيد، فمن كان موحداً مخلصاً قطع رجاءه عن غير الله تعالى، ولم يجعل له ولياً ولا شفيعاً من دون الله سبحانه)). (٧) وهذه الشفاعة متفق عليها عند أهل الحق من المسلمين، وقد انكرت بعض انواعها بعض الفرق المبتدعة كالخوارج والمعتزلة (٨)، وقد مر الكلام فيها، وسيأتي الكلام على شروط الشفاعة لاحقا.

стр. 38

المبحث الخامس حكمة الشفاعة عرفنا أنّ الشفاعة هي التوسط وطلب الرحمة والمغفرة من قبل العبد لربه على اختلاف عين ذلك العبد. فالعبد ((الشافع)) يقوم بين يدي مولاه ﷻ فيشفع لأهله أو لأمته ... فيقف أمام الملك ﷻ ويتذلل له، فيأذن ملك الملوك له، أو قد ينادي الجبار:- يا فلان: قم فاشفع. أي إن الشافع أيّاً كان- لا يملك من الامر شيئاً، فلا يستطيع أنْ يشفع لأي مخلوق إلا من بعد ان يأذن الله تعالى ويرضى، ((يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)) (١). يقول إبن تيمية:- ((والله تعالى وتر لا يشفعه احد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فالامر كله إليه وحده، فلا شريك له بوجه ولهذا ذكر سبحانه نفي ذلك في أية الكرسي التي فيها تقرير التوحيد فقال ((له ما في السماوات وما في الارض مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُإلا بإذنه)) (٢) وسيد الشفعاء ﷺ يوم القيامة إذا سجد وحمد ربه، يقال له ((إرفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع، فيحد له حداً فيدخلهم الجنة)) (٣)، فامر كله لله كما قال تعالى: ((قل إن الامر كله لله)) (٤)، وقال لرسوله ﷺ ((ليس لك من الامر شيء)) (٥)، وقال ((ألا له الخلق والامر)) (٦)). (٧) وإذا كان ((حقيقة الشفاعة المأذون فيها: انّ الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الأخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافعين، الذين أذنَ لهم في المشفوع له)) (٨) وإذا كان الله ﷻ ((هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد

стр. 39

فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأنّ الله خالق كلِّ شيءٍ)) (١)، فلماذا الشفاعة إذن؟! أقول: أولاً: من المقرر أنّ الله تعالى يوفق الشافع للشفاعة على شكل إقرار الشفاعة والشافع هو الذي يختار المشفوع لهم- إذا كان من أهل العهد- ومثال ذلك: الشهيد يشفع لسبعين من اهله، فالله هو الذي أذن وقرر انّ الشهيد يشفع ولولا ذلك لما استطاع الشهيد أنْ يشفع، والذي يختار أولئك السبعين هو الشافع بشرط أنْ يكون ذلك المشفوع له من أهل التوحيد-والله اعلم-. ثانياً:- صحيح أن الشفاعة هي نوع من الرحمة والمغفرة الالهية، ولكن يتجلى معناه من عدة وجوه:- الوجه الاول: إكرام الشافع (٢):- إنّ الله تعالى إذا أراد أنْ يأذن لفلان بالشفاعة ناداه على رؤوس الخلائق واذن له امام العالمين ان يشفع لمن يشاء، أليس هذا إكرام؟ بلى وأيُّ إكرامٍ أعظمُ من ذلك؟ وهذا الشافع ما هي منزلته في قلوب تلك الحشود؟! ما مقدار الافتخار الذي سيحل باهله واخوته ومن شفع لهم؟! فهو صاحب مكانة خاصة وعظيمة عند الله ﷻ . ويستنبط من بعض النصوص أنْ هناك تفاوت في المنازل والدرجات في الدنيا كذلك هو في الحياة الأخرة، يقول تعالى:"يامريم إنّ الله يبشرك بكلمة منه أسمه المسيح عيسى إبن مريم وجيها في الدنيا والأخرة ومن المقربين " (٣). وكقوله:" ... . وللآخرة أكبر درجاتٍ وأكبر تفضيلاً " (٤)، وكقوله ﷺ :" الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (٥) وسيد الشهداء حمزة ... ." (٦)، وغيرها من

стр. 40

الاثار الأخرى. فهذه النصوص تُفهم أنْ في الجنة منازل متفاوتة بتفاوت الدرجات وبتفاوت الحسنات وأنّ فيها أناساً متميزين فهُم سادة ووجهاء. يقول إبن كثير في تفسير الاية " وجيها في الدنيا والآخرة ... " التي مرت أعلاه: "أي له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بأخوانه من أولي العزم " (١) وهذا لا يعني أنّ كل الشفاعة سادة، فقد يشفع الشفيع إكراما له وتقديرا، وليس بالضرورة أنْ يكون وجيها أو سيدا في ذلك المقام، ومن ذلك شفاعة المؤمنين لأخوانهم، فقد صح من حديث إبن عباس ﵄ مرفوعاً:" ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" (٢). فليست هذه الشفاعة إكراما للمشفوع له، وليست لإبراز الوجهاء والسادة، وإنما إكراما لانتمائهم إلى الاسلام. وقد يشفع الشافع لتطييب خاطرِهِ، وليست مغفرة للمشفوع له، كشفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب، فقد اخرج البخاري وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : ((ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:"هو في ضِحضاحٍ من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل من النار)) (٣). قال العلامة العيني: ((هذا النفع من بركة رسول الله ﷺ وخصائصه)) (٤). الوجه الثاني:- حث المسلم على العمل الصالح في الحياة الدنيا:- إن الخالق العظيم أعلم بمخلوقاتهِ -حتى من أنفسهم- فهو يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، وما يدفعهم إلى العمل، وما يبطئهم، ولما كان هذا الانسان - المسلم - يعلم أنّ هناك ثوابا وعقابا في زمنٍ معلوم وفي مكانٍ معلومٍ، فإنه بالتاكيد سوف يندفع إلى العمل الصالح وينتهي عن المنكرات، فلما كان ذلك من عقيدة - المسلم- الثواب والعقاب- فإن الأنسان العاقل سيبادر إلى الطاعة والعمل الصالح ويتجنب المعاصي والآثام. فالله ﷻ أخبرنا بطريق القران أو السنة أن هناك شفاعة لبعض الأعمال
следующие страницы →