← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95695

الشفاعة في الحديث النبوي

عبد القادر المحمدي

Полный текст (310 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الرابع أقسام الشفاعة تنقسم الشفاعة باعتبار زمانها إلى قسمين:- القسم الأول: شفاعة الدنيا، والقسم الثاني:- شفاعة الاخرة. فشفاعة الدنيا هي مجموع ما صَحَّ من الاحاديث النبوية بخصوص شفاعة النبي ﷺ لأمته في الدنيا، كأستقسائه، ودعائه لهم، ومن طلبه للمغفرة والنصر والتوسل به حال حياته، كدعاء الأعمى (١) وغيرها من الاثار. وكذا ما وروي من شفاعات بعض المسلمين لبعض، كقوله ﷺ (إشفعوا الي فلتأجروا ولَيقضِ الله على لسان نبيه ما كان)) (٢) وغيرها. وهذه الشفاعة لم ينكرها احد من اهل القبلة. (٣) ولما كانت تلك الشفاعة - الدنيوية- تحتاج إلى بحث طويل فقد آثرت أن أقتصر في بحثي هذا على القسم الثاني ((الشفاعة الاخروية)) عسى الله أن يمكنني من الكتابة فيها في بحثٍ قادم -بعون الله تعالى- أو أنْ ييسر له باحثاً آخر. وأما الشفاعة الاخروية فهي غير محددة الزمان فهي تمتد من وفاة المسلم وحتى بعد دخوله الجنة، أو النار- أعاذنا الله منها-، وبعبارة اخرى: تمتد من وفاة الانسان والصلاة عليه وحتى شفاعة الشافعين في رفع الدرجات في الجنة أو إخراج أهل النار من النار. وتنقسم الشفاعة الآخروية إلى قسمين:- أولا:- الشفاعة المنفية:- وهي التي نفاها القرآن الكريم مطلقاً كقوله تعالى ((من قبل أن ياتي يوم لابيعُ فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون)) (٤)

стр. 37

وقد نفاه القرآن الكريم رداً على المشركين ومن ضاهاهم من جُهّال هذه الأمة (١). فالآية تخبرهم أنْ ليس للذين آشركوا بالله من قريب منهم ولا أخٍ، ولا ابٍ، ولا صديق ينفعهم، ولا شفيع يُشَفّعُ فيهم، بل تقطعت بهم الأسباب من كل خير (٢). وهذه الشفاعة المردودة (لا يريدها لا الشافع ولا المشفوع له ولا المشفوع إليه، ولو علم الشافع والمشفوع له أنهّا ترد لم يفعلوها) (٣). ثانيا:- الشفاعة المثبتة:- وهي المقبولة، التي يشفع بها لأهل التوحيد، وهي مُعلقة بشرطين:- هما (الأذن، والرضى) (٤). والايات جاءت تترا تقرر هذين الشرطين فمنها قوله تعالى: ((مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُإلا باذنه ... )) (٥)، وقوله ((يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا مِنْ أذن له الرحمن ورضي له قولاً)) (٦). يقول إبن الالوسي: ((والشفاعة المثبتة ما تكون بعد الأذن يوم القيامة ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى فهذه الشفاعة من التوحيد ومستحقها أهل التوحيد، فمن كان موحداً مخلصاً قطع رجاءه عن غير الله تعالى، ولم يجعل له ولياً ولا شفيعاً من دون الله سبحانه)). (٧) وهذه الشفاعة متفق عليها عند أهل الحق من المسلمين، وقد انكرت بعض انواعها بعض الفرق المبتدعة كالخوارج والمعتزلة (٨)، وقد مر الكلام فيها، وسيأتي الكلام على شروط الشفاعة لاحقا.

стр. 38

المبحث الخامس حكمة الشفاعة عرفنا أنّ الشفاعة هي التوسط وطلب الرحمة والمغفرة من قبل العبد لربه على اختلاف عين ذلك العبد. فالعبد ((الشافع)) يقوم بين يدي مولاه ﷻ فيشفع لأهله أو لأمته ... فيقف أمام الملك ﷻ ويتذلل له، فيأذن ملك الملوك له، أو قد ينادي الجبار:- يا فلان: قم فاشفع. أي إن الشافع أيّاً كان- لا يملك من الامر شيئاً، فلا يستطيع أنْ يشفع لأي مخلوق إلا من بعد ان يأذن الله تعالى ويرضى، ((يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)) (١). يقول إبن تيمية:- ((والله تعالى وتر لا يشفعه احد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فالامر كله إليه وحده، فلا شريك له بوجه ولهذا ذكر سبحانه نفي ذلك في أية الكرسي التي فيها تقرير التوحيد فقال ((له ما في السماوات وما في الارض مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُإلا بإذنه)) (٢) وسيد الشفعاء ﷺ يوم القيامة إذا سجد وحمد ربه، يقال له ((إرفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع، فيحد له حداً فيدخلهم الجنة)) (٣)، فامر كله لله كما قال تعالى: ((قل إن الامر كله لله)) (٤)، وقال لرسوله ﷺ ((ليس لك من الامر شيء)) (٥)، وقال ((ألا له الخلق والامر)) (٦)). (٧) وإذا كان ((حقيقة الشفاعة المأذون فيها: انّ الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الأخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافعين، الذين أذنَ لهم في المشفوع له)) (٨) وإذا كان الله ﷻ ((هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد

стр. 39

فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأنّ الله خالق كلِّ شيءٍ)) (١)، فلماذا الشفاعة إذن؟! أقول: أولاً: من المقرر أنّ الله تعالى يوفق الشافع للشفاعة على شكل إقرار الشفاعة والشافع هو الذي يختار المشفوع لهم- إذا كان من أهل العهد- ومثال ذلك: الشهيد يشفع لسبعين من اهله، فالله هو الذي أذن وقرر انّ الشهيد يشفع ولولا ذلك لما استطاع الشهيد أنْ يشفع، والذي يختار أولئك السبعين هو الشافع بشرط أنْ يكون ذلك المشفوع له من أهل التوحيد-والله اعلم-. ثانياً:- صحيح أن الشفاعة هي نوع من الرحمة والمغفرة الالهية، ولكن يتجلى معناه من عدة وجوه:- الوجه الاول: إكرام الشافع (٢):- إنّ الله تعالى إذا أراد أنْ يأذن لفلان بالشفاعة ناداه على رؤوس الخلائق واذن له امام العالمين ان يشفع لمن يشاء، أليس هذا إكرام؟ بلى وأيُّ إكرامٍ أعظمُ من ذلك؟ وهذا الشافع ما هي منزلته في قلوب تلك الحشود؟! ما مقدار الافتخار الذي سيحل باهله واخوته ومن شفع لهم؟! فهو صاحب مكانة خاصة وعظيمة عند الله ﷻ . ويستنبط من بعض النصوص أنْ هناك تفاوت في المنازل والدرجات في الدنيا كذلك هو في الحياة الأخرة، يقول تعالى:"يامريم إنّ الله يبشرك بكلمة منه أسمه المسيح عيسى إبن مريم وجيها في الدنيا والأخرة ومن المقربين " (٣). وكقوله:" ... . وللآخرة أكبر درجاتٍ وأكبر تفضيلاً " (٤)، وكقوله ﷺ :" الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (٥) وسيد الشهداء حمزة ... ." (٦)، وغيرها من

стр. 40

الاثار الأخرى. فهذه النصوص تُفهم أنْ في الجنة منازل متفاوتة بتفاوت الدرجات وبتفاوت الحسنات وأنّ فيها أناساً متميزين فهُم سادة ووجهاء. يقول إبن كثير في تفسير الاية " وجيها في الدنيا والآخرة ... " التي مرت أعلاه: "أي له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بأخوانه من أولي العزم " (١) وهذا لا يعني أنّ كل الشفاعة سادة، فقد يشفع الشفيع إكراما له وتقديرا، وليس بالضرورة أنْ يكون وجيها أو سيدا في ذلك المقام، ومن ذلك شفاعة المؤمنين لأخوانهم، فقد صح من حديث إبن عباس ﵄ مرفوعاً:" ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" (٢). فليست هذه الشفاعة إكراما للمشفوع له، وليست لإبراز الوجهاء والسادة، وإنما إكراما لانتمائهم إلى الاسلام. وقد يشفع الشافع لتطييب خاطرِهِ، وليست مغفرة للمشفوع له، كشفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب، فقد اخرج البخاري وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : ((ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:"هو في ضِحضاحٍ من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل من النار)) (٣). قال العلامة العيني: ((هذا النفع من بركة رسول الله ﷺ وخصائصه)) (٤). الوجه الثاني:- حث المسلم على العمل الصالح في الحياة الدنيا:- إن الخالق العظيم أعلم بمخلوقاتهِ -حتى من أنفسهم- فهو يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، وما يدفعهم إلى العمل، وما يبطئهم، ولما كان هذا الانسان - المسلم - يعلم أنّ هناك ثوابا وعقابا في زمنٍ معلوم وفي مكانٍ معلومٍ، فإنه بالتاكيد سوف يندفع إلى العمل الصالح وينتهي عن المنكرات، فلما كان ذلك من عقيدة - المسلم- الثواب والعقاب- فإن الأنسان العاقل سيبادر إلى الطاعة والعمل الصالح ويتجنب المعاصي والآثام. فالله ﷻ أخبرنا بطريق القران أو السنة أن هناك شفاعة لبعض الأعمال

стр. 41

وبعض الأمور الدنيوية، وهذا سيدفع المسلم إلى العمل الصالح، وسيجنبه الكثير من المعاصي، فكل صغيرة، وكبيرة عملت بها هنا ستجازى عليها يوم القيامة، قال تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومنْ يعمل مثقال ذرةٍ شرا يره)) (١). لذا فإن الشفاعة تدفع المسلم إلى العمل الصالح، وفعل الطاعات، واليك الأمثلة على ذلك: الصبر على تربية الإناث، كانت البنت في المجتمع الجاهلي تقتل خشية المؤنة وخوفاً من العار والى ذلك أشار القرآن في زجرهم: ((ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ... )) (٢)، فالبنت كانت محتقرة مهانة، فهي كلّ، وعار على ذويها ... ولكنْ لما جاء الاسلام دين العدل والمساواة، واعطى الأنثى حقها الكامل، كان من الطبيعي أنْ يجعل ثواباً عظيماً لمن تكفل عناء تربية الإناث، وخصوصة تميزه عن غيره، لذا فقد جاء في الحديث الصحيح: ((من ابتلي بشيء من هذه البنات، فأحسن صحبتهنّ كنَّ له ستراً من النار)) (٣). وقلْ مثل ذلك في الشهيد: فالموت تكرهه النفس البشرية وقد جاء في الحديث القدسي: ((إنّ الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ... وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفسِ عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)) (٤). وفي مقابل ذلك: نجد انّ الأسلام يحث على التضحية بالنفس والمال في سبيل الله، يقول سبحانه ((إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم واموالهم بأن لهم الجنة ... )) (٥). فكيف يضحي المسلم بنفسه ((الغالية))؟ لا بد له من مرغبات اخروية تدفعه إلى التضحية وطبيعة الانسان مجبولة على حب الخير لها، فتصور ذلك المقاتل وقد اشتد بالمعركة الوطيس وعمل السيف في صفوفهم، والشيطان يسول له ويمنيه: إن الله سيغفر لك ... باب التوبة مفتوح فرَّ من الزحف، وبعدها تب إلى الله ... المعركة خاسرة ... تذكرْ إبناءك واهلك انج بنفسك قبل فوات الاوان، كل تلك الوساوس ستأتي ذلك المسلم، ألا يحتاج إلى مثبتات؟ فياتيه مناد الحق ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل احياء عند ربهم يرزقون)) (٦). ويصدح فيه ((للشهيد عند

стр. 42

الله ست خصال ... )) (١) الحديث، وتلك الوالدة الثكلى والزوجة الأرمل، والإبناء الأيتام عزاؤهم الأكبر في تلك المصيبة ((يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)) (٢). وهكذا تتجلى حكمة الشفاعة في حث المسلم على العمل الصالح. (ثم لا يغيب عن التأمل: ذلك الود الذي يعقده القرآن بين المؤمنين وبين أولئك الصفوه إنه ودّ يقود إلى الحياء من مخالفتهم أو التنحي عن ركبهم، إن محمداً ﷺ سينادي غداً .. ((يا رب أمتي)) (٣)، ستحبه انت الان من أعماق قلبك وسيقودك هذا الحب إلى الاتباع حتماً) (٤). الوجه الثالث:- إفاضة الكرم الألهي والرحمة على المشفوع لهم. فلما كان الله ﷻ هو الرحمن الرحيم، الرؤف، الحنان، الكريم، العفو، الغفور ... فمن المؤكد أنه سيتفضل على عباده بواسع الرحمات والمكرمات، وهذه المكرمات تأخذ اشكالا مختلفة، فقسم من الناس رغم اعمالهم الصالحة وإكثارهم من الطاعات، إلا أن الله ﷻ يفيض عليهم من كرمهِ وفضلهِ برفع درجاتهم أو تحقيق رغباتهم في اخوانهم مثلاً، فيشفعون لهم - بفضل من الله- وغيرها من الاقسام الكثيرة المختلفة ومنها أنْ يشفع الشافع في المشفوع فيرحمهم جميعاً.

стр. 43

المبحث السادس شروط الشفاعة ذكر أهل العلم شرطين للشفاعة اعتماداً على قوله تعالى ((وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً الا من أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)) (١) وقوله ((يومئذٍ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضى له قولاً)) (٢) وغيرها وهذا العموم لم اجد له مخصصاً -فيما علمت- فالشرطان هما: (الرضى، والاذن) (٣) وجاءت الاثار النبوية تؤيد هذا فمنها ما صح من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً ((فاتي فاخرُ تحت العرش ساجدا فيقول الرب جل وعلا: يا محمد: ارفع راسك وسل تعطه ... )) (٤). الشرط الأول: الإذن:- ويتعلق هذا الشرط بالله-تعالى- وهو سماح رب العزة ﷻ في مباشرة الشفاعة، ولا يمكن لاي مخلوق مهما علا منزله أن يشفع لاحد الا من بعد أن يستأذن رب العزة ﷻ فيسمح له بذلك، قال تعالى ((مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُالا بإذنه ... )) (٥). فالله تعالى هو الذي يأذن للشافع بان يشفع، وللمشفوع له بان يُشفّع وللشفاعة أن تحل في أي وقت شاء، وذهب إبن تيميه إلى أن الاذن ((هو اذن للمشفوع له)) وقصره عليه. يقول في قوله تعالى ((يومئذٍ لا تنفع الشفاعة الاّ شفاعة من اذن له الرحمن ورضي له قولا)) (٦). وفيه قولان ((قيل: لاتنفع الشفاعة الا لمن اذن له الرحمن فهو الذي تنفعه الشفاعة وهذا هو الذي يذكره طائفة من المفسرين لا يذكرون غيره، لأنه لم يقل ((لاتنفع الشفاعة الاّ من اذن له)) فهي لا تنفع، ولا ينتفع بها

стр. 44

ولا تكون نافعة الا للمأذون لهم ... وهو سبحانه إذا اذن للمشفوع له فقد اذن للشافع فهذا الاذن هو الاذن المطلق بخلاف ما اذا اذن للمشفوع له فقد اذن للشافع فقط فانه لا يلزم أن يكون قد أذن للمشفوع له اذ قد يأذن له إذناً خاصاً ... )) (١). ويفهم من كلام إبن تيميه أنّ الاذن من الله يكون للمشفوع له حصراً - حتى يخرج المشركين من الشفاعة، فلو قلنا أن الاذن فقط للشافع لتبادر إلى الذهن أن الشافع قد يشفع للمشرك، وهذا قول مردود بنص القرآن ((لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهداً)) (٢) وغيرها من الآيات. ولا يريد إبن تيميه رحمة الله بهذا القول أن الاذن من الله- بالنسبة للشفاعة في المؤمنين للمشفوع له فقط - بل على العكس فهو يقول: (فقوله ((إلا من اذن له الرحمن)) يتناول النوعين: من اذن له الرحمن ورضى له قولاً من الشفعاء. ومن اذن له الرحمن ورضى له قولاً من المشفوع له وهي تنفع المشفوع له فتخلصله من العذاب وتنفع الشافع فتقبل منه، ويكرم بقبولها، وثياب عليه. والله تعالى وتر لا يشفعه احد. فلا يشفع عنده احد إلا بإذنه فالامر كله اليه وحده فلا شريك له بوجود ولهذا ذكر سبحانه نفي ذلك في آية الكرسي التي فيها تقرير التوحيد فقال: له ما في السموات وما في الارض مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ الا باذنه؟) (٣). وقد يكون هذا الاذن بلفظ من الله بان يقول ((قم فاشفع)) أو قد يكون الاذن بالشفاعة منصوصا عليه بنص مسبق، كشفاعة المصلين المؤمنين على جنازة اخيهم: ((ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته اربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً الا شفعهم الله فيه)) (٤) فهذا الاذن قد اخبرنا به النبي ﷺ ، فهو نوع آخر من الإذن. وقد قسم إبن تيميه الاذن إلى نوعين: إِذن بمعنى المشيئة والخلق، كقوله تعالى ((وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله)) (٥). فالله تعالى هو خالق الافعال،

стр. 45

فالسحر لا يضر إِلا بإذن الله -أي بمشيئة الله-. والنوع الثاني الاذن بمعنى الإباحة والإجازة. ومثاله قوله تعالى ((انا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً)) (١) وقوله ((وما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على اصولها فبأذن الله)) (٢) فان هذا يتضمن اباحته لذلك واجازته تعالى له ورفع الجناح والحرج عن فاعله مع كونه بمشيئته وقضائه. (٣) ((فالشفاعة مرهونة باذن الله والله لا يأذن في الشفاعة في غير المؤمنين به المستحقين لرحمته. فاما الذين يشركون به فليسوا اهلا لأن ياذن بالشفاعة فيهم لا للملائكة ولا غيرهم من المأذونين بالشفاعة منذ الابتداء)) (٤). الشرط الثاني: الرضى:- يقول تعالى ((يومئذٍ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضي له قولاً)) (٥) ويتعلق هذا الشرط بالشافع، وهو أن يكون العبد الشافع مرضياً عنه، يقول إبن تيميه في تفسير الآية ((أن الله يشفع المؤمنين بعضهم لبعض)) (٦) ويقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ((وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)) (٧)، أي ((لاتنفع شفاعتهم عند الله لمن شفعوا له شيئاً الا أن يشفعوا له من بعد أن يأذن الله لهم بالشفاعة لمن يشاء منهم أن يشفعوا له ويرضى، يقول: ومن بعد أن يرضى لملائكته الذين يشفعون له أن يشفعوا له، فتنفعه حينئذٍ شفاعتهم)) (٨) فالرضى: هو أن يرضى الجليل -سبحانه- عن الشافع، فلا يحق لاي مخلوق أن يشفع لاحد قبل أن يكون مرضياً عنه من قبل الله ﷻ . يقول الشيخ عبد الرحمن حبنكه الميداني: ((يومئذٍ لا تنفع الشفاعة احداً الا شفاعة من اذن له الرحمن بالشفاعة ورضي له قولاً، فان شفاعته قد تنفع إذا شاء الله

стр. 46

استجابتها)) (١) واقتران شرط الرضى بالاذن فيه فائدة الارشاد، وذلك ((لانه لما قال (لمن يشاء) كان المكلف متردداً لا يعلم مشيئته فقال (ويرضى) ليعلم انه العابد الشاكر لا المعاند الكافر فانه تعالى قال ((أن تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم)) (٢) فكأنه قال (لمن يشاء) ثم قال (ويرضى) بياناً لمن يشاء)) (٣). وقد يراد من الرضى أن يرضى الله عن المشفوع له (٤)، يقول تعالى ((يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى)) (٥). وحمله على المعنى الأول أولى -والله اعلم-. الشرط الثالث: العهد:- لم اقف - بحدود اطلاعي- على من صرح باعتبار ((العهد)) شرطاً من شروط الشفاعة، وإنما اكتفى من ذكر شروطها بـ ((الاذن، والرضى)) - وان ذُكِرَ ضمناً. وشرط العهد مسطور في كتاب الله تعالى قال تعالى ((لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً)) (٦)، وقد فسر إبن عباس ﵄ العهد انه: ((شهادة أن لا اله الا الله ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو الا الله)) (٧). والتقدير: أن هولاء المذنبين لا يستحقون الشفاعة الا اذا كانوا من اهل العهد وهو التوحيد والنبوة فوجب أن يكون منضوياً تحته (٨) وذكر صاحب الظلال أن هذه الكلمة -العهد- عامة تشمل أنواع الطاعات فقال ((ولا شفاعة يومئذ الا من قدم عملاً صالحاً فهو عهد له عند الله يستوفيه وقد وعد الله من آمن وعمل صالحاً أن يجزيه الجزاء الاوفى ولن يخلف الله وعداً)) (٩).

стр. 47

وهذا نوع من الترغيب في الطاعات والا فالنصوص صريحة في أن الشفاعة تشمل من مات موحداً، وان لم يعمل صالحا قط يقول الله تعالى ((أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) (١) ويقول ﷺ ((اخرجو من النار من قال لا اله الا الله ولم يعمل خيراً قط .. )) (٢). ولا ارى تفسيرا لقول صاحب الظلال الذي مر إلا انه اعتبر الشهادتين من ضمن العمل الصالح -والله اعلم-. وهذا ما يفهم من صنيع الامام الطبري - في تفسيره-فإنه لما ذكر القول السابق لإبن عباس -رض الله عنهما -اردف كلامه بقوله ﷺ :- ((أن شفاعتي لمن مات من امتي لا يشرك بالله شيئاً)) (٣). وقد جاءت الاثار مستفيضة تقرر أن الشفاعة مشروطة بالعهد (٤)، وحرص النبي ﷺ لعمه على القول بلا اله الا الله- حتى يستطيع أن يشفع له (٥) خير دليل على ذلك. ثم أن العهد لو كان يعني العمل الصالح لما تمكن النبي من التشفع لعمه لعدم استطاعته العمل لأنه في سكرات موته! فلماذا علق النبي ﷺ الشفاعة على الشهادتين أن لم تكن شرطاً فيها فلا شفاعة لمن لم يكن من اهل العهد. فمن وافقت شهادته وحدانية الله شهد الله له بالمغفرة والعفو (٦) وقد استدل الفخر الرازي على صحة القول بأن العهد يعني ((لا اله الا الله محمد رسول الله)) من وجوه منها: الأول: أن قوله الا من اتخذ عند الرحمن عهداً نكرة في ظرف الثبوت وذلك لا تفيد الا تفيد الا عهداً واحداً ... فوجب أن يكون ذلك العهد الواحد الذي يفيد تلك الشفاعة هو الايمان وقول لا اله الا الله. الثاني: إن جماعة من المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى ((واوفوا بعهدي اوفِ

стр. 48

بعهدكم)) (١) هو عهد الايمان بدليل أن لفظ العهد مجمل فلما اعقبه بقوله ((وآمنوا بما انزلت مصدقاً لما معكم)) (٢). علمنا أن المراد من ذلك العهد هو الايمان وهو قوله لا اله الا الله محمد رسول الله. والثالث: أن اول ما وقع من العهد قوله تعالى ((الست بربكم قالوا بلى)) (٣) وذلك في الحقيقة هو قول لا اله الا الله فكان لفظ العهد محمولاً عليه)) (٤). وخلاصة ما مضى: انّ الاذن بالشفاعة من الله تعالى، والرضى منه عن الشافع، والعهد: استحقاق المشفوع له لتلك الشفاعة بصفته من أهل التوحيد.

стр. 49

المبحث السابع مواضع الشفاعة الشفاعة مظهر من مظاهر الرحمة الالهية، ولما كانت كذلك فالرحمة لا تختص بمكان واحد ولا زمان واحد ولا شخص واحد والادلة على ذلك موفورة، والمواضع التي تحل الشفاعة بها هي ستة: الموضع الأول:- عند الموت: واعني بالموت موت المشفوع له، وتكون الشفاعة هنا بشكل الدعاء الغيبي - وهي على قسمين: القسم الاول: الشفاعة عند الاحتضار:- والاحتضار هو احتضار الروح للانتقال من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ وهذه الشفاعة هي اول أنواع الشفاعات الاخروية فقد صح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ((لقنوا موتاكم لا اله الا الله فانه من كان اخر كلامه لا اله الا الله عند الموت دخل الجنة يوماً من الدهر وان اصحابه قبل ذلك من اصحابه)) (١). فهذه الشفاعة التي تحل على المسلم -شفاعة كلمة التوحيد- يكون نفعها في اخراجه من النار مهما عذب، هذا فضلاً على انها قد تشفع لصاحبها فتنفذه من النار اصلاً، ((أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (٢)). القسم الثاني: الشفاعة لمن مات ولم يدفن بعد:- وهي عند الصلاة عليه، فالمسلم الذي يصلي عليه امة من الناس، هذه الامة مسلمة وهي مؤهلة لان تشفع، وقصدوا شفاعتهم للميت، فإن الله تعالى يشفعهم فيه، فقد جاء من حديث انس بن مالك ﵁ مرفوعاً: ((ما من ميت يصلي عليه امة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعوا له الا شفعوا)) (٣)، ولعل الصلاة تكون على الميت وهو في

стр. 50

قبره فيكون الموضع عند القبر. الموضع الثاني: عند القبر:- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ مرفوعاً: ((ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة الا وقاه الله فتنة القبر)) (١). الموضع الثالث: عند الحشر:- وهذا الموضع جاءت الاحاديث تترا تؤيد الشفاعة عنده، فمنها حديث أبي هريرة مرفوعاً ((انا سيد الناس يوم القيامة، يجمع الله الناس الاولين والاخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس)) (٢) ... الحديث، وهنا تحل الشفاعة العظمى لكل الناس في الاذن بالشروع بالحساب كما ستأتي لاحقاً. الموضع الرابع: عند الصراط:- جاء ذكر الشفاعة عند الصراط في اكثر من حديث منها: " ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون انا وامتي اول من يجيز" (٣) وفي رواية اخرى " ... ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم ... ". (٤) ويشهد لهذا الموضع ما اخرجه الامام أحمد في مسنده في حديث انس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ "اني لقائم انتظر امتي تعبر على الصراط اذ جاءني عيسى فقال: هذه الانبياء قد جاءتك يا محمد يشتكون، أو قال يجتمعون اليك ويدعون الله أن يفرق جمع الامم إلى حيث يشاء الله لغم ما هم فيه والخلق ملجمون في العرق ... " (٥) الموضع الخامس: عند الجنة:- وتحتها اقسام: ١ - الشفاعة قبل الحساب: جاء من حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁ عن النبي ﷺ " وعدني ربي أن يدخل

стр. 51

الجنة امتي سبعين الفاً لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل الف سبعون الفاً وثلاث حثيات من حثياته" (١). ٢ - الشفاعة بعد الحساب: أعني بعد أن يحاسب أهل الموقف ويتوجه الناس إلى الجنة يجتمعون عند الباب فلا يؤذن لهم بالدخول حتى يشفع لهم النبي ﷺ ، كما جاء في حديثه ﷺ "أنا أول شفيع في الجنة" (٢)، و "فآخذ بحلق الجنة فاقعقعه" (٣). ٣ - الشفاعة في رفع الدرجات في الجنة (٤): لم اجد لها مستنداً رغم أن الكثير من اهل العلم عدوها من شفاعات النبي ﷺ (٥) إلا انهم لا يذكرون مستندها (٦). ٤ - الشفاعة لمن تساوت حسناته وسيأته: واكثر من يذكرها يعد مستندها حديث إبن عباس ﵁ "السابق يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد برحمة الله والظالم لنفسه واصحاب الاعراف يدخلون بشفاعة النبي" (٧). الموضع السادس: عند النار -نعوذ بالله منها-:- ١ - الشفاعة قبل دخول النار: وهي في قوم استوجبوا النار فيشفع لهم فلا يدخلوها. ولم اقف على مستندها- في حدود اطلاعي - يقول إبن قيم الجوزية رحمة الله تعالى: وهذا النوع لم اقف إلى الان على حديث يدل عليه" (٨).

стр. 52

وقد عد الحافظ إبن حجر ﵀ حديث "ونبيكم على الصراط يقول رب سلم" (١) مستنداً لها (٢). ٢ - الشفاعة بعد دخول النار في اخراج اهلها منها: أي أن الشفاعة تدركه بعد دخوله النار وقبل أن يكمل المدة المقررة عليه وهي خاصة باهل التوحيد والاثار في ذلك كثيرة منها ما رواه عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال:"يخرج من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين" (٣). ٣ - الشفاعة بعد دخول النار في التخفيف عن اهلها:- وهي خاصة بالنبي محمد ﷺ في عمه أبي طالب فقد ذكر عنده عمه أبو طالب فقال "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه" (٤).

стр. 53

الفصل الثاني أنواع الشفاعة وتحته مبحثان

стр. 54

اختلف العلماء وشراح الحديث النبوي في عد أنواع الشفاعات يوم القيامة، والسبب الاساس في اختلافهم عدم وجود الدليل القطعي الواضح في نوع الشفاعة وغالبية -أن لم اقل كل- من عد أنواع الشفاعات انما قصرها على شفاعات النبي محمد ﷺ وشفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين. فترى احدهم يزيد على الآخر بحسب ما يتوصل اليه اجتهاده على انها من أنواع الشفاعات الاخروية، وقد عد القاضي عياض وتبعه الامام النوري -رحمها الله - أنواع شفاعات الاخرة خمسة أنواع، الأول: شفاعة الاراحه من هول الموقف والثاني تعجيل الحساب، وادخال قوم الجنة بغير حساب، والثالث: الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا ﷺ ومن شاء الله تعالى، والرابع: فيمن دخل النار من المذنبين، والخامس في زيادة الدرجات في الجنة لاهلها (١). واستدرك القاضي عياض نوعاً سادساً وهو التخفيف عن أبي طالب في العذاب (٢). واما إبن تيمية فذهب إلى انها ثلاث شفاعات: الاولى: في اهل الموقف، والثانية: يشفع في اهل الجنة، والثالثة: فيمن استحق النار أن لا يدخلها وفيمن دخلها أن يخرج منها وهذه الثالثة يشترك معه غيره فيها (٣). وعدها شارح العقيدة الطحاوية ثمان شفاعات، فزاد على القاضي عياض: شفاعته ﷺ في اقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم" (٤).

стр. 55

يقول الحافظ إبن حجر: "وظهر لي بالتتبع شفاعات اخرى وهي شفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة وشفاعة اخرى وهي شفاعة فيمن قال لا اله الا الله ولم يعمل خيراً قط" (١). قلت: لقد سبق إبن أبي العز إبن حجر في عد شفاعة من تساوت حسناته وسيئاته من ضمن شفاعات النبي ﷺ كما اسلفنا القول، وقد ذكر الخفاجي انواعاً اخرى من شفاعة النبي ﷺ وهي "شفاعته لمن مات بالمدينة ومن صبر على لاوائها وشفاعته ﷺ لمن صلى عليه بعد الاذن وغيرها مما ورد في الاحاديث الصحيحة" (٢). واما ما وجدناها من خلال استقرائنا لاحاديث الشفاعة بصورة متخصصة فانا وجدناها تدور على النحو الآتي:- النوع الأول: شفاعة الاعيان:- وهي كل شفاعة الشافع فيها شخص معين كالملائكة والرسل والشهداء والمؤمنين. النوع الثاني: شفاعة الأعمال:- آ- شفاعة ((كلمة التوحيد)): لا اله الا الله محمد رسول الله. ب-شفاعة الانتساب إلى امة محمد ﷺ . ج-شفاعة القرآن الكريم. د-شفاعة الصيام. هـ شفاعة الصبر على الشدائد: ١ - الصبر على لأواء المدينة وجهدها. ٢ - الصبر على بعض الامراض. ٣ - الصبر على تربية الإناث. ٤ - الصبر على موت الاولاد. ٥ - شفاعة بعض الوقائع.

стр. 56

المبحث الأول شفاعة الاعيان المطلب الأول شفاعة الأنبياء ﵈ المسألة الاولى: شفاعة النبي محمد ﷺ -:- من تمام رحمة النبي ﷺ ورأفته وشفقته بأمته وأهتمامه بأحوالهم وشؤنهم أخّر ﷺ دعوته المستجابة إلى يوم القيامة شفاعة لهم. ذلك أنه لكل نبي دعوة مستجابة لامته أو عليهم، فقد جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً: ((أن لكل نبي دعوة قد دعاها في امته فأستجيب له واني أختبأت دعوتي شفاعةلامتي يوم القيامة)) (١). وقد إستُشْكِلَ ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الدعوات المجابة ولا سيما لنبينا ﷺ فهل يعني ذلك أن لكل نبي دعوة واحدة مستجابة فقط؟ ذكر الحافظ إبن حجر الاختلاف في ذلك فنقل مثلاً عن إبن التين (٢) في معنى لكل نبي دعوة القول "أي افضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل لكل منهم دعوة عامة مستجابة في امته باهلاكهم واما بنجاتهم، واما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب، وقيل لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه كقول نوح "لا تذر على الارض" (٣) وقول زكريا "فهب لي من لدنك ولياً يرثني" (٤) وقول سليمان " وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي" (٥). والذي يبدو من خلال ظاهر النصوص: أن دعوة الانبياء بصورة عامة ليست كلها مستجابة لقوله ﷺ ((سألت الله ثلاثاً فاعطاني اثنين ومنعني واحدة)) (٦) فمنها ما يستجاب

стр. 57

ومنها ما يرد، ولكن هناك دعوة واحدة يعطيها رب العزة ﷻ لنبييه اكراماً له، ويحق له استخدامها انى شاء، واستجابتها حتمية. فأن أرادها في الدنيا أو الاخرة يعطيها، ويعضد هذا ما جاء عن أبي هريرة ﵁ عند البخاري مرفوعاً: ((لكل نبي دعوة مستجابة ... )) (١)، أي دعوة واحدة محققة الاجابة وما عداها فهو متروك للمشيئة الالهية، هذا ما ذهب اليه الامام النووي وإبن حجر، يقول النووي: ((أن لكل نبي دعوة متيقنة الاجابة وهو على يقين من اجابتها اما باقي دعواته فهم على طمع من اجابتها وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب)) (٢). والمراد بالامة هنا امة الاجابة لا امة الدعوة وسنبينه في موضوع المطرودين من امة محمد ﷺ (٣) وقد جاء في حيث عوف بن مالك ﵁ مرفوعاً ((إنه أتاني من ربي آتٍ فخيرني بان يدخل نصف امتي الجنة وبين الشفاعة واني اخترت الشفاعة)) (٤) وقد اختلف في هذا الآتي من هو؟ فذهب المباركفوري إلى انه ملك أخر غير جبريل (٥). وهذه دعوى تحتاج إلى دليل؟! بل على العكس فان الملك ما دام لم يعرف فان الأمر ينصرف إلى جبريل ﵇ لأنه أقرب الملائكة إلى النبي ﷺ وكذا فانه لم يرد نص صحيح يخبر بتلقي النبي ﷺ الوحي سوى من جبريل ﵇ والأمرهنا كذلك وحيُ. ويشهد لهذا الرأي حديث أبي ذر ﵁ ((أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك ... )) (٦) الحديث. فإدخار النبي ﷺ دعوته لأمته لا على امته ... أدخر دعوته لأمته وكان بمقدوره أن يدعو لنفسه دعوة دنيوية أو آخروية. فيا للهِ ما هذه الرأفة وهذه الشفقة. (٧)

стр. 58

ولقد اسلفنا القول أن شفاعات النبي ﷺ متنوعة (١) وهي على قسمين:- قسم خاص به ﷺ لا يشركه فيه احد، وقسم ثانٍ يشاركه فيه غيره، فاما شفاعات القسم الأول فهي:- شفاعته العظمى لجميع الخلائق، وشفاعتة في ادخال سبعين الفاً من امته بغير حساب، وشفاعته في التخفيف عن بعض اهل النار (٢). وأما شفاعات القسم الثاني فهي:- شفاعته في زيادة الدرجات في الجنة، شفاعته في قوم من المؤمنين استوجبوا النار أن لا يدخلوها وشفاعته فيمن تساوت حسناته وسيئاته (٣). وينبغي لنا قبل الشروع في شرح هذه الشفاعات أن نفصل القول في قضية ذات بالٍ وهي قضية المقام المحمود - فماذا يعني المقام المحمود؟! النوع الأول: شفاعة المقام المحمود: - لقد وعد الله تعالى نبيه محمداً ﷺ المقام المحمود بقوله "عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً (٤) " وثبت المقام في صحيح السنة النبوية فقد صح عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ انه قال "من قال حين يسمع النداء "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة (٥) ". وغيرها من الاثار الاخرى (٦). وقد اختلف اهل العلم في معنى المقام المحمود وذهبوا فيه إلى مذاهب عدة اهمها: ١ - المقام المحمود: هو الشفاعة:- هذا مذهب جمهور اهل العلم وهو ثابت بالسنة النبوية الصحيحة منها ما اخرجه البخاري وغيره من حديث إبن عمر ﵄ مرفوعاً:

стр. 59

((إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينما هو كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى ياخذ بحلقة الباب فيومئذٍ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده اهل الجمع كلهم)) (١)، ويشهد له ماجاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً في قوله تعالى ((عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)) فسئل عنها قال: هي الشفاعة (٢). وقد نقل الإمام الطبري في تفسيره أن المقام المحمود هو "المقام الذي هو يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليرحمهم ربهم من عظيم ما هو فيه من شده ذلك اليوم" (٣) ونقل انه مذهب الجمهور (٤) وذهب اليه الرازي فقال: ((المقام هو الشفاعة في اسقاط العقاب على ما هو مذهب اهل السنة)) (٥)،وكذا فعل القرطبي حيث انه ذكر الاقوال ورجح انها الشفاعة بل عقد باباً في التذكرة" وقال "باب ما جاء انه هذه الشفاعة هي المقام" (٦)، وبه جزم إبن كثير (٧) والآلوسي (٨). وممن جزم به من اهل الحديث: إبن خزيمة (٩) والقاضي عياض (١٠) والنووي (١١) يقول الحافظ إبن حجر في الفتح:" والجمهور على أن المراد به الشفاعة، ... والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة (١٢).

стр. 60

٢ - المقام المحمود: هو الإقعاد على عرش الرحمن:- نقل الامام الطبري في تفسيره قال ((حدثنا عباد بن يعقوب الاسدي، قال حدثنا إبن نفيل عن ليث عن مجاهد في قوله "عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً" (١) قال: يجلسه معه على عرشه)) (٢)، ونقل ايضاً ذلك أبو بكر إبن العربي المالكي فقال في تفسير قوله تعالى: ((وتخفي في نفسك ما الله مبديه)) (٣): ((فهذا محمد ﷺ ما عصى ربه لا حال الجاهلية ولا بعدها تكرمة وتفضيلاً واجلالاً احله به المحل الرفيع ليصلح أن يقعد معه على كرسيه)) (٤). وقد أول الطبري والقرطبي هذا الحديث على الرغم من انهما يرجحان أن معنى المقام المحمود هو الشفاعة كما مر معنا. فقالا: ((هو ليس بمدفوع لا من جهة العقل ولا النقل)) (٥) وممن اقره من المفسرين ايضاً الآلوسي اذ دافع عنه دفاعاً واضحاً حتى انه رد الواحدي "﵀" وناقش ادلته واحداً تلو الاخر، ثم ختم نقاشه بقوله ((والصوفية يقولون أن لله الظهور فيما يشاء على ما يشاء وهو سبحانه في حال ظهوره باق على اطلاقه حتى عن قيد الاطلاق فانه العزيز الحكيم ومتى ظهر جل وعلا في صورة اجريت عليه سبحانه احكامها من حيث الظهور فيوصف عز مجده عندهم بالجلوس ونحوه من تلك الخشية وينحل بذلك امور كثيرة إلا انه بنى على مادون اثباته خرط القتاد)) (٦) وقد اختار ذلك من المحدثين القاضي أبو يعلى وذكر أن احد المحدثين -هو سعيد الجريري- (٧) قال ((إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم فاقعد بين يدي الله على كرسيه فقال الحاضرون: إذا كان الكرسي هو معه؟ قال: نعم، ويلكم هو معه، هو معه)) (٨) ونسب

стр. 61

النقاش (١) ذلك إلى أبي داود السجستاني صاحب السنن انه قال: ((من أنكر ذلك فهو عندنا متهم)) (٢)، وذهب اليه إبن قيم الجوزية ونقله عن بعض أهل العلم كالدارقطني وغيره (٣) - وان كان السقاف قد انكر نسبتها إلى الدارقطني وقال ((في سندها اليه كذابان وهما إبن كادش (٤) والعشاري (٥)) (٦). واما موقف إبن حجر فانه لم ينكر ذلك على الرغم من انه يرجح الشفاعة إلا انه يؤول لمجاهد قوله فيقول ((فيحتمل أن تكون الاضافة اضافة تشريفية وعلى ذلك يحمل ما جاء عن مجاهد وغيره والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة)) (٧). ونجده في اكثر من موضع يكرر ذلك ولا ينكره فمثلاً قال: ((ويمكن رد الاقوال كلها إلى الشفاعة العامة فان اعطاه لواء الحمد وثناءه على ربه وكلامه بين يديه وجلوسه على كرسيه واقرب من جبريل كل ذلك صفات المقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضى بين الخلق ... )) (٨) ووجوه بطلان هذا القول هي: الوجه الأول: في سند الخبر رجل متهم هو "عباد بن يعقوب" قال عنه الذهبي ((كان داعياً إلى الرفض ومع ذلك كان يروي المناكير عن المشاهير)). (٩) وضعف هذا الرجل يضعف الرواية، وعلى فرض صحة سند الرواية- جدلاً- وتوثيق عبادا هذا فانه قد خالف من هواوثق منه في روايته عن مجاهد نفسه فقد اخرج الطبري في تفسيره، من طريقين عن إبن أبي نجيح (١٠) عن مجاهد القول في تفسير " مقاماً محموداً" قال: ((شفاعة

стр. 62

محمد يوم القيامة (١)) ومن طريق إبن جريح (٢) عن مجاهد مثله (٣)، والمخالفة ضعف في الرواية، فضلاً عن قول الامام الذهبي: ((ومن انكر ما جاء عن مجاهد في التفسير قوله "عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً" قال: يجلسة معه على العرش)) (٤). وقد أنكر الرازي هذا القول فقال: ((أن هذا القول رذل ساقط لا يميل اليه إلا انسان قليل العقل عديم الدين)) (٥)، وكذا أبو حيان الاندلسي (٦) وغيره، ويقول إبن عبد البر: ((ولكن قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ ،وأقاويل الصحابة، وجمهور السلف وهو قول عند أهل السنة مهجور والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم ﷺ وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله ﷺ ،ومجاهد وان كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن فإن له قولين في تأويل اثنين هما مهجوران عند العلماء، مرغوب عنهما أحدهما هذا، والآخر قوله في قول الله عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ... قال يوسع له على العرش فيجلسه معه وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة ومن بعدهم فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود الشفاعة)) (٧). قال الشيخ الالباني:" وان عجبي لا يكاد ينتهي من تحمس بعض المحدثين السالفين لهذا الحديث الواهي والاثر المنكر ومبالغتم في الانكار على من رده واساءتهم الظن بعقيدته ... وهب أن الحديث في حكم المرسل فكيف تثبت به فضيلة؟! بل كيف يبنى عليه عقيده أن الله يقعد نبيه ﷺ معه على عرشه)) (٨). الوجه الثاني: ذكر الواحدي (٩) "رحمه الله تعالى" وجوهاً لفساد قول مجاهد (١٠) اجملناها بما يأتي: ١ - أن البعث ضد الاجلاس تفسير الضد بالضد وهو فاسد. ٢ - انه -تعالى- لو كان جالساً على العرش يجلس عنده محمد " ﷺ " لكان محدوداً

стр. 63

متناهياً ومن كان حاله فهو محدث. ٣ - أن الله تعالى: قال: مقاماً محموداً، ولم يقل مقعداً محموداً. والمقام موضع القيام لا موضع القعود. ٤ - يقال أن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير اعزاز لأن هولاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وانهم يجلسون معه وانه تعالى يسألهم عن احوالهم التي كانوا منها في الدنيا واذا كان الامر كذلك فما وجه تفضيله به؟! ٥ - إذا قيل أن السلطان بعث فلاناً فهم منه انه ارسله إلى قوم لاصلاح مهماتهم ولا يفهم منه انه اجلسه مع نفسه. الوجه الثالث: قال الإمام القرطبي: ((هذا القول مرغوب عنه، وان صح الحديث فيتأول على انه يجلسه مع انبيائه وملائكته)) (١). ومما مر نستخلص بطلان هذا القول، ولا حجة في تأويله، لأن التاويل فرع التصحيح فلما تبين بطلانه فسد تأويله. لأنه لما لم يثبت عن المعصوم، بطل الاستدلال به، حتى ولو قال من قاله أو تلقاه جماعة من اهل العلم بالقبول. (٢) وأخيراً: فإن عجبي لايكاد ينقطع من اللجؤ إلى تأويل هذا الحديث أو جبر الامة بحد السيف على القول به (٣) على الرغم من نكارته وأنِ ما ورد في الاحاديث الصحيحة يكفي للجزم بأن المراد من المقام المحمود هو الشفاعة (٤). هذان القولان اشهر الاقوال في معنى المقام المحمود وهناك اقوال ليست من الاهمية بمكان اكتفى بالاشارة إليها وهي:- القول بأن معناه اعطاه لواء الحمد يوم القيامة، وهذا لا يغاير القول الأول (٥)، والقول بأن معناه انه ﷺ يكون بين الجبار وبين جبريل فيغبطه بمقامه ذلك اهل الجمع. (٦)

стр. 64

والقول بما اقتضاه حديث حذيفة بن اليمان ﵁ مرفوعاً: "يجمع الناس في صعيد واحد فيقال يا محمد، فاقول لبيك وسعديك والخير في يديك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك واليك تباركت وتعاليت، سبحانك لا ملجأ ولا منجأ منك إلا اليك" (١). وهذا لا يغاير الأول (٢)، ونقل إبن حجر اقولاً اخرى فلتنظر هناك (٣). وذكر الآلوسي قولاً آخر في تفسيره نقلاً عن الشيخ شهاب الدين السهروردي (٤) " أن يكون المقام المحمود هو اعطاؤه "﵊" مرتبة من العلم لم تعط لغيره من الخلق اصلاً فإنه ذكر في رسالة له في العقائد أن علم عوام المؤمنين يكون يوم القيامة كعلم علمائهم ... ) (٥) ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة العامة ((فإن اعطاءه لواء الحمد وثناءه على ربه وكلامه بين يديه وجلوسه على كرسيه وقيامه اقرب من جبريل كل ذلك صفات المقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضي بين الخلق وأما شفاعته في إخراج المذنبين من النار فمن توابع ذلك)) (٦). وهكذا نخلص ان المراد من قوله تعالى: ((عسى ان يبعثك ربك مقامًا محمودا)) (٧) هو اعطاءه ﷺ الشفاعة، وتبين بجلاء بطلان القول بان المراد من المقام: اجلاسه على عرش الرحمن. وبعد أن بينا هذا يعترضنا سؤال هو:- أيكون المقصود من الشفاعة مطلقها؟ ام الشفاعة العظمى؟ ام شفاعة الإخراج من النار؟ سؤال مهم تجب الاجابة عليه، فنقول: ذهب اهل العلم في محل شفاعة المقام المحمود إلى اقوال مختلفة هي: أولاً:- المقام المحمود: هو الشفاعة مطلقاً. نقل الإمام الطبري في تفسيره نصوصاً بعضها يصرح بمطلق الشفاعة، فقد اخرج عن إبن عباس قوله: المقام المحمود: مقام الشفاعة، وكذا عن الحسن البصري ومجاهد

стр. 65

وقتادة (١). ويؤيد هذا القول ما اخرجه الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ "سئل عنها قال: هي الشفاعة" (٢). وممن ذهب إلى ذلك من المتأخرين الشيخ الحكمي (٣) في كتابه "معارج القبول"، فقال فيه: "فيكون المقام المحمود عاماً لجميع الشفاعات كما في التي أويتها نبياً محمد ﷺ ... " (٤). ثانياً: هو الشفاعة العظمى. نقل الامام الطبري: أن هذا هو قول جمهور أهل العلم وأورد عدة احاديث تؤيد ذلك وقال "﵀" "هو المقام الذي يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليرحمهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم" (٥). ويقول الامام القرطبي: "إن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الانبياء ﵈ حتى ينتهي الامر إلى نبينا محمد ﷺ فيشفع هذه الشفاعة العامة لاهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ليراحوا من هول موقفهم" (٦) واليه ذهب الآلوسي كذلك (٧)، وقال إبن حجر " والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى التي اختص بها ﷺ وهي إراحة أهل الموقف من أهوال القضاء بينهم والفراغ من حسابهم" (٨)، وقد يبدو أن هذا هو ما رجحه إبن حجر وهذا وهم، وقد وقع فيه شيخنا العلامة عبد الكريم المدرس في كتابه "نور الاسلام"، حيث رجحه اعتماداً على قول الحافظ اعلاه (٩) - وهذا وهو وهم كما قلت-

стр. 66

فان الحافظ إبن حجر قال استدراكاً على كلامه " وسيأتي بقية الكلام على المقام المحمود في تفسير سورة سبحان، إن شاء الله تعالى" (١). وقال في الموضع الذي أشار اليه:" المقام المحمود نوعان: الأول العامة في فصل القضاء، والثاني الشفاعة في إخراج المذنبين من النار" (٢). ومقتضى هذا الرأي: أن المقام المحمود هو شفاعته ﷺ لجميع الناس وجميع الامم، وانما سمي محموداً، لان اهل الجمع كلهم يحمدونه (٣). ثالثاً: هو الشفاعة الخاصة بالامة المحمدية في الإخراج من النار:- أخرج الإمام مسلم بسنده عن يزيد الفقير، قال: كنت قد شغفني رأي من رأى الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة فاذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالس على سارية عن رسول الله ﷺ قال: فاذا هو ذكر الجهنميين قال فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: " انك من تدخل النار فقد اخزيته" (٤)، و ((كلما ارادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها)) (٥) فما هذا الذي تقولون؟ قال فقال: اتقرأ القران؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ " يعني الذي يبعثه الله فيه" قلت: نعم. قال: فانه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج ... " (٦). ونقل هذا القول الطبري عن سليمان وقتادة، وكذا نقله إبن خزيمة عن أبي هريرة " ﵁" مرفوعاً في قوله "عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً" (٧). قال: هو المقام الذي اشفع فيه لامتي" (٨) وكثير من النصوص التي جاءت بلفظ امتي .. امتي .. تشعر أن المراد من المقام المحمود الشفاعة الخاصة للامة، (٩) وباخراجها من النار وادخالها الجنة. ويرد إشكال هنا: أن كان المقام خاصاً بالامة المحمدية .. فما معنى طواف الناس

стр. 67

على الانبياء على آدم .. نوح .. ابراهيم .. وغيرهم، حتى يصل الامر إلى النبي ﷺ فيقول: أنا لها؟ ثم صح من حديث إبن عمر ﵁: "إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن، فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد، فيشفع ليقضي بين الخلق حتى ياخذ بحلقه الباب فيؤمئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده اهل الجمع كلهم" (١). ولفظة كلهم تشمل امة محمد وغيرهم -والله اعلم-. الرأي الراجح في المقام المحمود:- لم أقف -بحد اطلاعي- على أي رأي للجمهور في مسألة تحديد شفاعة المقام المحمود وان كان الجمهور متفقين على أصل المعنى، أي أنّ المقام المحمود هو الشفاعة، كما سلف، وإذا أردنا أنْ ننصف الاقوال فان القول بان الشفاعة كلها مقام محمود اقربها إلى الصواب، واوفرها ادلة، فلفظه المقام المحمود تكررت في الموقف (٢)،وعند الإخراج من النار (٣)،وفي الاذن بدخول الجنة (٤)، وإن كان الشيخ الحكمي إدعى أن رأي جمهور المفسرين أنّ المقام المحمود هو شفاعتان: "شفاعة الموقف وشفاعة دخول الجنة " (٥)، ولا ادري من يعني بجمهور المفسرين؟ فلم اقف على صحة نسبه هذه الدعوى؟ بل لو قصرها على شفاعة الموقف لكان اقرب إلى الصواب -والله اعلم-. ومن أهم التفسيرات الاخرى ما ذهب إليه الشيخ سعيد حوى من أنّ شفاعة الموقف، وشفاعة المرور على الصراط، وشفاعة دخول الجنة هذه ((الشفاعات الثلاث تدخل تحت ما يسمى المقام المحمود)) (٦). وجعل الشيخ حوى هذه الشفاعات الثلاث مقابل الفزعات الثلاث التي جاءت في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر ... قال ... فيفزع الناس

стр. 68

ثلاث فزعات فيأتون أدم ... )) (١). وهذه الشفاعات ((تكون بعد أن يلجأ الناس إلى بعض الانبياء فيميل كل منهم على اخر حتى يصل الامر إلى رسولنا ﵊) (٢). فالفزعة الاولى هي للفصل بين العباد بعد طول الموقف وصعوبته، وقد صح من حديث إبن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل امة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفعْ، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)) (٣). يقول الشيخ حوى: ((المقام المحمود هو الذي يشفع فيه رسول الله ﷺ لاهل الموقف بعد طول الموقف ليفصل الله في شأنهم وهذه الشفاعة هي التي تسمى شفاعة فصل الخطاب)) (٤). وهو مذهب جمهور اهل العلم، أن شفاعة الموقف من شفاعات المقام المحمود كما مر معنا (٥). واستدل الشيخ حوى على أن الشفاعة التي تصاحب الفزعة الثانية من شفاعات المقام المحمود: بما اخرجه الامام مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ((يجمع الله ﵎ الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة ... فيأتون محمداً ﷺ فيقوم فيؤذن له وترسل الامانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً فيمر أولكم كالبرق" قال: قلت بأبي وامي: أي شيء كالبرق قال:" الم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين كمر الريح، ثم كمر الطير وشدّ الرجال تجري بهم اعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم حتى تعجز اعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير الا زحفاً)) (٦).

стр. 69

ويشهد له حديث انس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : ((اني لقائم انتظر امتي تعبر على الصراط اذ جاءني عيسى ﵇ فقال: هذه الانبياء قد جاءتك يا محمد يسألون ويدعون الله أن يفرق جميع الامم إلى حيث يشاء الله ... )) (١). يقول الشيخ حوى: ((ويفزع أهل الايمان إلى الانبياء ليؤذن للناس بالمرور على الصراط فيعتذرون إلا محمداً ﷺ فيشفع ويُشفّع)) (٢). واستدل على الشفاعة الثالثة للمقام بحديث إبن عمر ﵁ الذي اخرجه البخاري بسنده عنه مرفوعاً: ((إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم)) (٣). ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه الا تحت لوائي وانا اول من تنشق عنه الارض ولا فخر"، قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون انت أبونا آدم فأشفع لنا إلى ربك فيقول اني اذنبت ذنباً ... ولكن إئتو محمداً ﷺ فيأتوني فانطلق معهم" قال إبن جدعان قال انس: فكأني انظر إلى رسول الله ﷺ قال: ((فآخذ بحلق باب الجنة فاقعقعها فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد فيفتحون لي، ويرحبون، فيقولون: مرحباً، فأخر ساجداً، فيعلمني الله من الثناء والحمد فيقال لي: ارفع رأسك سل تعط، واشفع تشفع، وقل يسمع قولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى "عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)) (٤). وهكذا فلا يخفى أن جمهور اهل العلم متنفعون على أن شفاعة الموقف هي من شفاعات المقام المحمود ثابت للرسول ﷺ يوم القيامة ولا يسع -مسلماً- انكاره أو تأويله، وهذا هو الاصل.

стр. 70

وأما الجزم بتحديد المكان الذي هو المقام المحمود فأنه امر غيبي، ولم يرد دليل قطعي به وإنما تكرر باكثر من مكان - وبينّا الاختلاف فيه - فعليه كل من حدد مكانه فانما هو على سبيل الاجتهاد لا على سبيل القطع والجزم - وعليه فلا أجزم به ولا ارى مسوغاً للجزم به -والله اعلم- وهذا لا يضر ما دام الاعتقاد بأصل المقام موجوداً، يقول الشيخ حوى:" ولا يكلف المسلم أن يعرف كيف يحمل كل نصٍّ من هذه النصوص على مقم بعينه بل يخشى عليه من الخطأ فيكيفه أن يعرف اصل المسألة مع التسليم والتفويض والجدّ والتشمير" (١). النوع الثاني: شفاعة النبي ﷺ العظمى في فصل القضاء . ثبت بالمتواتر من الحديث عن النبي ﷺ شفاعته لأهل الموقف (٢). فقد جاءت عن اثني عشر صحابياً بألفاظ متقاربة، وان إجماع أهل الحق معقود على شفاعة رسول الله ﷺ (٣). وان أصرح الاحاديث الصحيحة التي تقرر شفاعته ﷺ بفصل القضاء هو ما اخرجه البخاري بسنده عن عبد الله إبن عمر ﵁: ((أن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذٍ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم)) (٤). فهذا الحديث يثبت شفاعة الفصل بين العباد كغيره من الاحاديث الاخرى (٥) وهذه الشفاعة تكون بعد سجود النبي ﷺ لربه ليفصل في القضاء ولم أجد -في حدود اطلاعي- حديثاً واحداً صحيحاً في أن النبي ﷺ بعد أن يخر ساجداً ويقول يا رب امتي .. امتي .. أو ربي شفعني في امتي أو وعدك الذي وعدت "مثلاً" ولم اجد حديثاً: فيقول له الله جل

стр. 71

جلاله سأفصل بين العباد أو سآتي لأقضي بينهم أو غيرها من الألفاظ ... بل على العكس فان جمهرة الأحاديث فيها أنه بعد سجوده لله ليفصل بين العباد يقال له: ((قلْ يسمع لك، واشفعْ تشّفعْ. فارفع رأسي فأحمد ربي بتحميدٍ يعلمني ثم اشفع فيحد لي حداً ثم اخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ... )) (١)، أو ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((أتي رسول الله ﷺ بلحم فدفع إليه منها الذراع ... والحديث طويل وفيه ((يا محمد ارفع راسك سل تعطه، اشفعْ تشفَعْ فاقول يا رب امتي .. امتي فيقال: ادخل من امتك من لا حساب عليه من الباب الايمن من أبوب الجنة ... )) (٢) الحديث ... وغيرها من الأحاديث الأخرى. فلم يرد حديث صحيح يبين أن النبي ﷺ بعد السجود يشفع لفصل القضاء، في حين أن اصل سجوده هو ليشفع للناس، بعد أن طافوا على الانبياء ... وهذا اشكال قوي فكيف الخروج منه؟ بل لقد اعترض الحافظ إبن كثير في كتابه- النهاية في الفتن والملاحم- بقوله: ((والعجب كل العجب من ايراد الائمة بهذا الحديث من اكثر طرقه لا يذكرون امر الشفاعة الأولى في أن يأتي الرب لفصل القضاء، كما ورد هذا في حديث الصور كما تقدم وهو المقصود، ومقتضى سياق الحديث أن الناس انما يستغيثون إلى آدم طمعاً في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم ذلك كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه ... )) (٣). وهذا الحديث -حديث الصور- حديث ضعيف (٤) وان كان لبعض الفاظه شواهد صحيحة (٥). ونقل الحافظ إبن حجر عن الداودي (٦) القول: ((كأن راوي هذا الحديث ركب شيئاً

стр. 72

على غير اصله)) (١). ووافق الإمام النووي القاضي عياضاً في قوله: ((وقد جاء في حديث حذيفة بعد هذا الحديث نفسه قال)) فياتون محمداً ﷺ فيقوم ويؤذن له وترسل الامانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً فيمر أولهم كالبرق، وساق الحديث. وبهذا يتصل الحديث، لان هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس اليه فيها، وهي الاراحة من الموقف والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في امته ﷺ وفي المذنبين، وحلت الشفاعة للانبياء والملائكة وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم كما جاء في الاحاديث الاخرى. وجاء في الأحاديث المتقدمة في الرؤيا وحشر الناس اتباع كل امة ما كانت تعبد ثم تمييز المؤمنين من المنافقين ثم حلول الشفاعة ووضع الصراط. فيحتمل أن الأمر باتباع الامم ما كأنت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف، وهو أول المقام المحمود وان الشفاعة التي ذكر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط وهو ظاهر الأحاديث ومنها لنبينا محمد ﷺ ولغيره كما نص عليه في الأحاديث ثم ذكر بعدها الشفاعة في من دخل النار وبهذا تجتمع متون الحديث. (٢) وقد علل الإمام القرطبي ذلك بقوله: ((يدل على انه شفع في ما طلب من تعجل حساب أهل الموقف فانه لما امر بادخال من لا حساب اليه من امته فقد شرع في حساب من عليه حساب من امته وغيرهم)) (٣). وقال إبن كثير تعليقاً على هذا الاشكال: ((وكأن مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة، الذين أنكروا خروج احدٍ من النار بعد دخولها)) (٤). والراجح في هذه المسألة ما قاله إبن حجر: ((كأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الاخر)) (٥)، وعلى أية حال فان اصل شفاعة الموقف متفق عليه كما قدمنا. وقد أخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: ((أتي رسول الله ﷺ

стр. 73

بلحم فرفع اليه الذراع -وكانت تعجبه- فنهس منها نهسة ثم قال أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الناس -الأولين والاخرين- في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس الا ترون ما بلغكم؟ إلا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فياتون ادم فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ إلا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وأنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فياتون نوحاً فيقولون يا نوح انك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبداً شكورا اشفع لنا إلى ربك الا ترى إلى ما نحن فيه؟. فيقول: أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وانه كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فياتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قد كذبتُ ثلاث كذبات - فذكرهن أبو حيان في الحديث-، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري أذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى، فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبياً، اشفع لنا إلا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى أن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنباً- نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتون محمداً ﷺ فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك إلا ترى ما نحن فيه؟ فانطلق فأتى تحت العرش فاقع ساجداً لربي ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد

стр. 74

قبلي ثم يقال: يا محمد أرفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فاقول: أمتي يا رب أمتي يا رب، أمتي يا رب. فيقال يا محمد أدخل من امتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال: ((والذي نفسي بيده أن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى)) (١). وبعد أن ينشر الناس ويحشروا في صعيد واحد ((وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً)) (٢). وتدنوا الشمس من رؤوس الخلائق فيغشى العرق الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يبلغ العرق رجليه ومنهم كعبيه ومنهم ركبتيه ومنهم من يلجمه العرق ويطول المقام ويأخذ الناس هول الموقف ((وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا)) (٣) ويتلفت الناس يبحثون عن ممثل عنهم -إن صح التعبير - يبحثون عن وسيط بينهم وبين الجبار، فمن هو هذا الشفيع؟. لا يخطر ببال أحد آنذاك سوى الأنبياء فهم صفوة الله من خلقه، فيسارعون إلى أبي البشر، أول الانبياء آدم ﵇ الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وامر الملائكة أن تسجد له. فيفاجون بقوله "نفسي، نفسي، نفسي"، لست لها، اذهبوا إلى غيري ويذكر خطيئته وهي عصيانه لامر ربه واكله من الشجرة. يقول القاضي عياض في اعتذار آدم ﵇: ((كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة قالها تواضعاً واكباراً لما يسألونه، وقد يكون فيه اشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري)) (٤) وقد ايده الحافظ إبن حجر (٥). ثم يقول لهم اذهبوا إلى نوح ... فيأتونه فيقولون له: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبداً شكورا، فيعتذر نوح ﵊ ويقول نفسي، نفسي، نفسي.

стр. 75

وهنا يعترضنا إشكال: هو هل كان نوح ﵇ أول الرسل؟ وهل كان آدم وإدريس ﵉ رسولين؟. فأما كون نوح ﵇ أول رسول بالنسبة لآدم وإدريس فلا إشكال فيه، لأنهما قد يكونان نبيين، وان كان الإمام العيني جزم بأنهما رسولان (١). وإنما وجه الإشكال في كونه أول رسول بالنسبة للرسول محمد ﷺ فهو معارض بقوله ﷺ : ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)). (٢) هذا الإشكال أجاب عنه الحافظ إبن حجر بعد عرضه لاحتمالات التأويل فقال: ((ولا يعترض بأن نوحاً ﵇ كان مبعوثاً إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمناً معه وقد كان مرسلاً إليهم، لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق من الموجودين بعد هلاك سائر الناس وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك. وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: ((أنت أول رسول إلى أهل الأرض)) فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية ارساله وعلى تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه في عدة ايات على أن ارسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر انه ارسل إلى غيرهم (٣) قال تعالى: ((إنّا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذِرْ قومَكْ ... )) (٤) ويحتمل انه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قومه (٥) ورجح هذا القول الأخير الشيخ عبد العزيز بن باز في تحقيقه للفتح (٦). وهو ما نراه -والله اعلم-. وأما اعتذار سيدنا نوح ... وأنه كانت لي دعوى قد دعوت بها على قومي ... وقد جاء في الرواية الاخرى ((ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم)) (٧)، فهذان اعتذاران أحدهما ((نهى الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من
следующие страницы →