Полный текст (580 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
أحيي أنساب العرب بنظمه (عمود النسب). وقد أجاد فيه، ومن تأمل نظمه، علم سعة اطلاعه، واقتداره في ذلك الفن، ولا يقدح فيه أنه غلط في مواضع منه، فأي إمام ما وقع في الغلط قط، وخصوصا من أقدم على مثل ذلك الفن، لما فيه من الاشتباك والغموض. ولم أقف له على شعر. لكن سلاسة نظمه، تدل على جودة شعره. ومن ذلك قوله في أول نظم الأنساب:
حمداً لمن رفع صيت العرب ... وخصهم بين الأنام بالنبي
وعمهم إنعامه بنسبته ... فدخلوا بيمنها في زمرته
ودوَّخوا بسيفه غُلْبَ العجم ... إذ هم بنو أب وأم بالحرم
إذ الخيول البلق في فتوحهم ... والرعب والظفر في مسوحهم
هم صفوة الأنام من أحبهم ... بحبه أحبهمْ وودهمْ
كذاك من أبغضهم ببغضه ... أبغضهمْ تباً له من معضه
أئمة الدين عماد السنه ... لسانهم لسان أهل الجنه
ونظم أيضا، غزوات النبي ﷺ نظما جيدا، يدل على تبحره في السيرة، وأوله:
حمدً لمن أرسلَ خير مرْسلِ ... لخيرِ أمةٍ بخيرِ المِلل
وأفضلُ الصلاةِ والسلامِ ... على لبابِ صفوةِ الأنام
وآلهِ أفنان دوحة الشرفْ ... وصحبهِ وتابعي نعم السَّلفْ
ما أرهفتْ وأرعفتْ براعهْ ... في مُهرَقٍ ينابِعُ البرَاعهْ
وجَلجلَ الرعدُ وسَحَّ مُزْنُهُ ... وهَبَّ شمألٌ وماسَ غُصْنُهْ
وبعدُ فالعلمُ أهمُ ما الهِممْ ... تنافَسَتْ فيهِ وَخَيرُ مُغتنَمْ
وخيرُهُ والعلمُ تسمو رُتبتُهْ ... مِن فضلِ ما دلَّ عليهِ سِيرَتُهْ
فهاكَ منها نُبذَةً ليستْ تُمِلْ ... ولم تكنْ بمعظمِ القصْدِ تُخِلْ
أُرجوزةً على عيونِ الأثرِ ... جُلُّ اعتمادي نظمها في السيرِ
стр. 352
وشذّ ما اجترأت في ذا الهدفِ ... إذْ لم أكُنْ أهْلاً لصوغ النُّتَفِ
وانظر إلى حسن نظمه، حيث يقول في غزوة الخندق:
تُمَّتَ لما أجليتْ يهودُ ... وأوغرتْ صدورها الحقُودُ
وحزبتْ عساكرا عناجُها ... إلى ابن حربٍ وقريش تاجُها
وجعلوا كي يتروا خيرَ الوَرى ... لغطفانَ نصفَ تمْرِ خيْبرَا
خندقَ خير مرسل بأمر ... سلمان والحروب ذات مكر
وكان الأحسن أن يقول: بإشارة سلمان، لكن ألجأته القافية إلى ذلك، وإلى قوله في غزوة حنين:
ثمَّ إلى وادي حنين انحدَرْ ... عن مكة من الألوفِ اثنا عَشرْ
فوجدوا هوازناً تأهبُوا ... بكلِّ مِخذَمٍ لهم وألبّوا
وبينما الجيشُ إليهمْ ينحدِرْ ... بِفَلسٍ شدُّوا إليهِ وهو غِرْ
فاستنفرتْ بهمْ لذلك الركابْ ... وأدبرَتْ تخدى بهم غُلْبُ الرقابْ
واستنزلوا وادَّرَعُوا وهيَ تَمُرْ ... مَرَّ سَحَابٍ بالبهاليلِ نُفُرْ
فاقتحموا عنها وآبوا للنبيّ ... وزَحزحوا عنه زحوفَ العربِ
حماد المجلسي
ثم البوحمدي. هو العالم المتفنن، واللغوي المتقن، وما وقفت على اسم والده، بل اشتهر بفضله. وهو ابن أخت الذي قبله، وشرح نظميه، اللذين تقدما بعضهما في مجلدين. وقد أجاد في شرحه، إلا أنه وقعت له أغلاط كثيرة، خصوصا في شرح الأنساب، وذلك لا يضر، وأي عالم لم يقع له مثل ذلك. ورأيته ذكر في شرح
عمود النسب، جدا له اسمه: محمد. قال في كلامه على عمرو بن العاص، وألغز عبد الله بن القاضي العلوي الزاوي القبلة في عمرو وابنه عبد الله، فقال:
أتيناك نَوْكى مُرْملين فواسنا ... عن إسلام صحبي على يد تابِعي
стр. 353
وسبق أبٍ ميلاده مولد ابنه ... بخمس وست ما عززن بسابع
فأجابه جدنا محمد ﵀، فقال:
هما عمرو السهمي أسلم مخلصاً ... بأصْحِمَةَ المَلْكِ النجاشي المتابع
مع ابنهِ عبد الله قد جاء قبله ... بخمس وست ما عززن بسابع
قوله: على يد تابع، فيه نظر. لان التابعي خاص بمن جاء بعد الصحابة. وأما من كان في زمن النبي ﷺ ، ولم يره. فإنما يقال له: مخضرم، كالنجاشي، وأمثاله. اهـ.
صاحب اللغز، هو ابن دازك، أول من ترجم في هذا الكتاب. وما وقفت له على شعر يذكر، سوى أرجوزة، يوصى بها ابنه وهي:
بُنيِّ إنَّ البرَّ شيء هيّنُ ... دُونَكَ منهُ ذا الذي أبيّنُ
نصيحةَ مِنْ وَالدٍ حَفيِّ ... بكَ هُدِيتَ الرُّشْدَ مِنْ بُنيّ
شمّر إلى مكارِمِ الأخلاقِ ... وخلّصِ الأعمالَ مِنْ نِفَاقِ
الأدَبَ الأدَبَ ثمَّ الأدبا ... وَهُوَ أَنْ تَبُرَّ أُمًّا وَأَبا
وَالعَمَّ وَالعَمّةَ والأخ الكبيرْ ... والشيخَ إِنَّ الشيخ بالبِرّ جديرْ
وكلُّ من سما عَليكَ تُكْرِمُهْ ... وكلُّ من صَغُرَ عنك تَرْحُمهْ
أَمَا رَوَيتَ قِدْماً أو حديثاً ... ولا تزالُ أُمَّتي الحديثا
والخالُ فيه لكَ من كفايَهْ ... آوي إليهِ أَبَويْهِ الآيه
هوَ الذي منهُ تنالُ المفْخَرَا ... قال الزبيرُ من أراد الأثرا
стр. 354
ولا تكنْ على المَوالي فاحِشا ... واحْذرْ على الحقيرِ أن تُناقِشا
وإن إلى النادي انتدبْتَ فاسْكِنْ ... عنِ الخَنا أصَمَّ للخيرِ فِطنْ
وإنْ يخوضوا في الهدى فانتبِهَنْ ... ولا تصاخِبَنْ ولا تُقَهْقِنْ
والصَّبرَ فالصبرُ مريرُ المزدرَدْ ... مُدْمنه حَرٍ بنيلٍ ما قصدْ
أخْلِقْ بذِي الصَّبرِ رولهُ وارتضى ... رُمْتُ المعالي فامْتَعْنَ للرّضى
وإنْ أسا أو أحسن ابن العمّ ... فانشد له إذ أحسن ابنُ العمّ
بالشيء جُدْ على العشيرِ عِفَّا ... عَنْ شيئهمْ وعنْ أذاهم كُفًّا
لستُ لقَوْمي للزبيديْ انْشُدِ ... ثم إلى الحِلم ازْدَلفِ لِتَرشُدُ
فالحلمُ خيرُ ما ارْتداهُ السَّيدُ ... لنْ يُدْرِكَ المجدَ لذاك يشهدُ
فازْدَنْ به والعلمُ زينُ الظُّرَفا ... فالعِلمُ نعمَ المقتنى والمقتفى
طَلبَهُ فرِيضةٌ وأفرَضُهْ ... عِلمُ مُهِمّكَ به ابدأ تَقْبضُهْ
فقُوتُهُ الفقهُ وَمِلْحُهُ الذي ... يُصلِحُهُ النحوُ جَهُولَهُ انبِذِ
стр. 355
وأُسُّهُ إدامُهُ تحقيقُهُ ... سَيرَةُ خيرِ واجبٍ تصديقُهُ
لهُ تغَرَّبْ وتواضَعْ وانَّبعْ ... وهُنْ وجُعْ واعْصِ هواك واتّرِعْ
حتى تُرى حالُكَ حالَ المنشدِ ... لوَ انّ سَلْمى أبْصرَتْ تَخدُّدِ
وَدِقَّةً في عَظمِ ساقي ويدي ... وبعُدَ أهلي وجفَاَء عُوَّدي
عضَّتْ من الوجدِ أنامِلَ اليدِ
واقصدْ بهِ وجْهَ الذي أنشاكا ... ولا نمار فيه مَنْ ناوَاكا
لِلضيفَ هَيئ مَنزِلا رَحِيبا ... ولاقِينْهُ البشرَ والترْحِيبا
عَنهُ اكْتمِ الأسرارَ والمصائبْ ... وازْجُرْ أهاليكَ عنِ التَّصاخُبْ
إلى ارتحالِهِ وَشيعْ زَوِّدِ ... بما تيسَّرَ وفي السُّؤْرِ أزْهُدِ
واخْدِمْهُ نفْسَكَ رُوِّى أنّ الخليلْ ... أوْحى بذا إليهِ رَبُّهُ الجليلْ
واجْمِلْ إذا أرَدْتَ أنْ تَموَّلا ... أجملَ مَنْ تَجمُّلاً تَجمَّلاَ
وإنْ أبتْ عَنكَ فأنْتَ الأعْلى ... ليِهنْكَ الإِبا وهيَ النزْلي
قَوْلُ الزمخشرِ وَمُذْ أفلَحَ لا ... تَعدِلْ بهِ فهوَ يُضاهي المَثَلا
أوْ ساعَدَتْكَ فاقْتِصدْ في المالِ ... وَحِدْ عَنِ الشُّبَهِ لِلحَلالِ
واصْرِفهُ في حُقوقِهِ مُمْتَثِلاَ ... لِقَوْلِهِ سُبحانهُ وَلا ولا
قبلَ السؤالِ أعْط لمن أتاكا ... وإن يكنْ عَجِلَ فاستعطاكا
فهلْ جوابُ هاتِ غيرُ هاكَ
стр. 356
وله نظم في أسماء من هاجر إلى الحبشة من الصحابه ومنه في بني سهم:
همْ مَعْمَرٌ وحارث سعيدُ ... وبشرهم والسائبُ الشهيد
كذا أبو قيسٍ كذا سعيدُ ... أخ لهم من أمهمْ شهيدُ
مولود بن أغشممت المجلسي
وليس أغشممت اسم والده، وإنما هو لقب اشتهر به. وكان أبوه عالما، وعلمه عند الناس، امرابط اغشممت، واغشممت اسم منهل كان يألفه كثيرا، فغلب عليه وبه عرف، حتى أن اسمه قل من سعرفه. كان مولود عالما جليلا وفقيها نبيلا، وكان دينا كثير الطهارة، وكانت أهل ناحيته التي يقيم بها، أكثر أهل الصحراء تيمما، فنظم نظما أثر فيهم، وصار كثير منهم يتوضأ، ومن ذلك النظم:
هذا وقد شاع بأقصى المغرب ... هجر الوضوء لا لخوف العطب
ولست أحفظه، وكان يشرب الدخان كثيرا على علمه وصلاحه، وله من قصيدة يستسقي بها:
أيا من تعالى أن يكون له شرك ... ومن جائز في حقه الفعل والترك
إلى أن يقول:
إليك شكونا ما دهانا فأشكنا ... فما إن لنا مشك سواك له نشكوا
وأنزل علينا الماَء ماءً مباركا ... كدرّ ترامى عند ما انقطع السلك
فتحيا الزروعُ والضزوعُ ويستوي ... لذي حاله وسع ومن حاله ضنك
وله نظم كفر فيه من لا يعرف أبنية الكعبة، لأنها عنده مما علم من الدين ضرورة، ولا يخفى على أحد أن هذا من التشديد المستغنى عنه، لان أكثر العلماء لا يعرفها، فضلا عن العوام، ولأن النبي ﷺ ، لم يفارق الدنيا حتى
стр. 357
أكمل الله به الدين، وبين للناس ما يجب عليهم، وما يحرم. ولم يعهد إليهم بوجوب معرفة أبنية الكعبة. ومنه:
هذا وجهل رما من الدين علم ... ضرورة كفر وذا نظم مهمْ
أبياته قليلةٌ إذا تُلِي ... لكنها ضأنٌ كما في المثل
أبنية الكعبةِ فبما شهَّرَهْ ... حَمَّادُ سَبْعةَ وقيلَ عَشرَهْ
أوَّلُها الأملاك ثمَّ آدمُ ... ثمَّ الخليلُ فابْنُهُ فَجُرْهُم
ثم قريش بعدهمْ نجل الزبيرْ ... عبدُ الإله ثم حجاج المُبِيرْ
وبعدما من الجنان نزلا ... آدمُ واشتاق إليها أنزلا
رَبُّ الورى الحجرَ الأسود له ... يؤنسهُ لمّا اعتراهُ الوَلهُ
هذا ما تذكرت منه الآن. ومن نظمه:
حدثنا محمد ابن أبتِ ... قال خرَجْنا مَغرِبا من جَدَّةِ
على جمالٍ وانياتِ الأرجل ... تمشى كمشي الجمل المنسْفَل
حتى إذا ما تمت المنازِلُ ... فحبسوا مطيهم ونزلوا
حتى إذا ما طلع الذَّكاءُ ... فطفقوا يمشون ثم جاءوا
مكة بيتَ الله الاصفرَارَا ... طوبى لمن طاف به وزارا
ومن أعجب ما سمعته يقول: أنه ضلت له أباعر، فسار يطلبها، فبعد أن تعب وكاد ييأس، مر على بلال الولي، وهو رجل صالح، كان مملوكا، فظهرت عليه أشياء تدل على صلاحه، فأعتقه سيده، قال: فأنخت عنده، فأخرج إلى صرة
стр. 358
من
تبغ، وسألته أن يدعو لي بتيسير وجدان الأباعر. قال: فأنشدني بيتين للولي الصالح أحمد بن العاقل الديماني، يهجو بهما قبيلة من الزوايا. يقال لهم: الطَّلاَبين. وقال لي: كررهما حتى تجد أباعرك قال: فلما خرجت من عنده، ترددت في امتثال ما أمرني به، لأن هذا في هجاء المسلمين، ثم قلت: لأجربنَّ، قبينا أنا أسير في الظلام أنشدهما، إذ نفرت مني أباعر، فإذا هي أباعري. وضاع من حفظي أول البيتين، وثانيهما هو:
لا يوجد الخير في أرض يرون بها ... ما إن أصلهم حمر العزازين
وكان حيا، بعد العشر من القرن الرابع عشر، ﵀.
محمد عثمان ابن أغشممت المجلسي
كان أخوه المتقدم، يبالغ في الثناء عليه، وما رويت له إلا أبياتا، قالها لما قدم فاس، ملغزا لأهل مدارسها. وهي:
إلى مدارسِ فاسَ الغُرّ أسئلةٌ ... عيالِمِ العِلمِ أهلِ الحفْظِ والمَلَكهْ
عن حَاضِرٍ قَسْمَ متروك لِوَلِدِهِ ... صار البكاءُ لهُ حَظًّا من التَّرِكهْ
وما بهِ مانعٌ في القسم يمنعهُ ... وحاز إلا بعد عنه كلما تركهْ
وعَنْ طوامِثَ لا يُمنَعْنَ أو جُنُبٍ ... من مسجِدٍ وفروع الفقهِ مشْتَبكهْ
واسم في الإفراد والتذكيرِ تذكرُهُ ... وفرْعَ ذين بِنَوْعٍ واحدٍ سلكهْ
أريدُ منكم جوابا رائقاً حسناً ... نَظماً وإلا فما أعطتكمُ الشبكهْ
سيدي أحمد بن الصبار المجلسي
عالم موصوف بالأدب، وقد
стр. 359
رأيته، ومن شعره قوله:
لئنْ طالَ ليلي وصبري وهَنْ ... بحيّيْ إدَوْدَنْ وإيدَكبهَنْ
لقدْ مرَّ دهرٌ بإِنْياشَوَنْ ... تَمُرُّ الليالي كأنْ لا زَمَنْ
وله:
فائدةٌ أفادَها المفيدُ ... حُقَّ لها بالذهبِ التقْييدُ
وهي ما في الطبقات رُويا ... مِن انْ بعْضَ الشرَفاءِ الاوليا
قال رأيْتُ المصطفى من بعدِ ما ... قدْ قلتُ يَوْماً مَرَّةً ما لَظما
من راقَهُ البشيرُ والنذيرُ ... وهوَ هذا الرجزُ الشهيرُ
محمد بشرُ لا كالبَشرِ ... بلْ هوَ كالياقوتِ بين الحجرِ
قال لهُ قدْ غفرَ الله لكا ... وكلُّ مَنْ قدْ قالها فمثلكا
ولم يزلْ هذا الشريف يكثِرُ ... مِنْ ذكرها بُشْرَى بها فبشروا
وكان بعد العشر من القرن الرابع عشر.
لِحْرَاكاتْ
هؤلاء قبيلة اشتهروا بنظم الكلام العامي، ويقال لذلك النظم لغن كما تقدم، والناس يقولون: إن أصلهم قيون، على أن هذا ليس نسبا يرجع إليه عند أهل الشرق، وهم محقون في ذلك، بل هو من باب الحرف، والصنائع التي تجب على الكفاية، وهذا شيء انفرد به أهل صحراء المغرب، وهو خطأ محض، إذا أرادوا أن يضعوا من قدر شخص. قالوا: هوا معلم، وهذا بعينه مدح في مراكش، وفاس. فإني رأيت بعض أشياخ الطرق، يشتغل بصناعة الحديد، وكذلك لا فرق
стр. 360
عند المشارقة بين صانع الحديد وبائع القمح، ومن يبيع الخيل أو القماش، أو يخيط الثياب أو غير ذلك، بل المذموم عندهم، أن يكون الشخص لا حرفة له تغنيه عن الناس، وكان الوليد بن المغيرة القرشي المشهور حدادا، ولم تذمه قريش ذلك، بل هو المراد بقولهم المحكي في القرآن، (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) والثاني عروة بن مسعود الثقفي، والقريتان مكة والمدينة، ولعل أهل الصحراء أخذوا ذلك من هجو جرير للفرزدق، فأنه كان يعيره بأن جده كان حداداً. فمنهم:
باباه الأحراكي
كان شاعراً مجيداً، وله قصيدة حسنة مطلعها:
إنَّ ربعا بجانب البَصّارا ... هاج للقَيْن لوعة وادكارا
ولا أحفظ منها غيره.
امحمد بن هَدَّارْ
اشتهر بالغناء، وكان صديقاً لامحمد ابن الطلب المتقدم، ومما ينسب إليه:
لعمري وفي ترك النساء مزيَّةٌ ... ومنْ يتَّبعْ أهْوَاَءهُ يُمسِ نادِما
لهمت بحدادية منذُ أزْمُنٍ ... وقد علمتْ أني بها صرت هائما
ولم أر فيها خيرَ ذلك مرة ... فلا خيرَ في الحدَّادِ لو كان عالما
стр. 361
باب الأفراد
هذا باب جعلناه للأفراد
وهم من لم ترو لأكثر من واحد من قبيلته
الشيخ سيدي المختار
بن أبي بكر الكنتي. وقفت على سلسلة نسبه متصلة بعقبة بن نافع الفهري الصحابي، الذي فتح بلاد المغرب، وهذا يعارضه ما ثبت عند النسابين، في أرض الصحراء، من أن كنت من بني أمية، لكن يمكن الجمع بينهما، بأن الشيخ من كنت، بطريق الموالاة لا من طريق النسب، كما يوجد في كثير من الناس. كان الشيخ المذكور، من أفراد عصره علما وصلاحا ولم نر أحدا يطعن في ولايته، وما تقدم من أن ابن بون كان ينكر عليه، يجاب عنه بأنه رجع عن ذلك كما تقدم، على أنه لا يوجد وليّ إلا وله من ينكر عليه من العلماء، ويكفيه أن الشيخ سيدي المتقدم، حسنة من حسناته، روى انه قال: جئته وقد انتهيت من تحصيل العلوم، فردني مبتدئا.
ومن نظر في كتبه، تبين له فضله، سواء كانت في الحقائق أو غيرها، ويكفيه أن ابن الحجاج إبراهيم المتقدم، كان يعتقده ويثنى عليه. أما كراماته، فليس هذا موضع ذكرها، وما رأيت من شعره إلا قصيدة، بقى في ذهني منها ما يتعلق ببيت قبله، وقد ضاع من ذهني، وهو:
من فتنة غَشَتْ بظلمائها ... أضحى بها العالم كالجاهل
وضلَّ فيها المرء عن رشده ... زيغاً عن الحق إلى الباطل
فاجعل لنا يا ربنا مخرجا ... من هولها المقتحم الهائل
وهي طويلة، وكان حيا في أوائل القرن الثالث عشر.
عبد الله بن سيدي محمود
بن المختار بن عبد الله بن أبج الحاجي. كان والد عبد الله المذكور، من أهل الصلاح والفضل، وكانت الناس تعتقد فيه،
стр. 362
وكانت بين قبيلته وقبيلة كنت، خصومة قديمة، فلما وقعت الحرب بين إدولحاج - وهم إذ ذاك مقيمون بمدينتهم المعروفة بوادان - وبين العلويين المقيمين بمدينة شنقيط، انتصرت لهم كنت، فانتصفوا بعد فشلهم، فصارت كنت ترى لها منة عظيمة على إدو لحاج، وأفرطوا في الدالة، حتى صاروا يقتلونهم وتذهب دماؤهم هدرا. وكان سيدي محمود هو رئيس قومه، ولا تطلب منه قبيلة كنت طلبا الا فعله كائنا ما كان، حتى إنهم كانوا يقتلون القتيل من قومه، فيترحى منهم العفو، وحتى أخذوا سلاح قومه كله، وكان إذا أناخ عندهم بطلب الأمان لقومه يقولون: صوت نويقة سيدي محمود.
فلما نشأ عبد الله، غاظه أمرهم، وصار يفكر في حربهم، وكانت لكنت شوكة عظيمة. فاشتغل في أوَّل أمره بالعلم، وانكب عليه، وكان لا ينام لشدة جده واجتهاده، فكان كما قال الشاعر:
أعاذلتي على إتعاب نفسي ... ورعيى في الدجى روض السهاد
إذا شام الفتى برق المعالي ... فأهونُ فائتٍ طيبُ الرقاد
وروى أن نسانا كلمه في ذلك، فقال له: أنا أفكر في ثلاث مسائل، لا يمكنني أن أنام قبل أن أنالها، وهي أن أحج، ثم أتزوج بنت محمد بن محمد شين رئيس أهل تكانت، ثم أحارب كنت، وقد نال هذه الثلاث. ولما توجه إلى الحج مر على الوليّ الصالح، الشيخ سيدي المختار الكنتي المتقدم، وكان أبوه أوصاه أن لا يصير تلميذا له، من شدة موجدته على كنت، فلما قرب منه، قال: لامتحننه بثلاث مسائل. فإن فعلها من تلقاء نفسه، صدَّقت ما يحكى عنه أولا: أن يأخذ هذا الجمل ويقيده مع جماله، فإني نويت أن أهديه إليه. ثانيا: أن يأتيني بدواء من امرأته فلانة، ونسيت
الثالثة. فلنا أناخ عنده، قال لأحد تلامذته خذ ذلك الجمل، وقيده مع جمالنا، ثم أتاه بالدواء الذي أضمر في نفسه، وقال له: هذا من عند فلانة، ثم فعل الثالثة على وفق ما أضمر، فسلم له، ولم يتلمذ له لأجل
стр. 363
وصاة أبيه، ثم توجه إلى الحج، فحج وزار رسول الله ﷺ ، وقال:
ما كنتَ مذْ زمن ترجوهُ هذَاؤهْ ... هذا شفيعُ الورى بُشرى هذاؤهْ
هذا العتيقُ وذا أبو الفتوح وذي ... أهلُ البقيعِ أهبَّاهُ وأبناؤهْ
فسلْ بهِ وبهمْ ما كنتَ تطلبُهُ ... هناك تُقْضى لذي الحوْجاءِ حَوْجاؤهْ
حاشاهُ أن يستغيثَ المستغيثُ به ... وتستطيلَ عليه الدهرَ أعداؤهْ
ومما قال، وهو بالمدينة المنورة:
يا سيدَ الناسِ ابنَ عبد المطلبْ ... وخيرَ مدْعُوٍّ وخيرَ منتدبْ
إليكَ جُبْنا كلَّ غوْرٍ وحَدَبْ ... وكلّ هوْلٍ يشتكي وَبُرْ تَهَبْ
وليس يا سيدنا ليس الأرَبْ ... منا لديكَ فِضةً ولا ذهبْ
وإنما أرَبنا كشف الحجبْ ... وحفظُ الإيمان لنا من السَّلَبْ
ولما رجع إلى بلاده قال:
بان الرسولُ وبانتْ عنكَ طيْبتُهُ ... إنّ الأحبةَ والأوْطانَ أعداءُ
ومن شعره أيضا:
حَبذا أربعٌ لدى أتفيتناتِ ... بعد لأي عرفتها مقفرات
ظلتُ أذرو الدموعَ فيها وقلّتْ ... لربوعٍ عرفتها عبرَاتِي
وخشِيتُ احتراق الأربع لولا ... دِيمُ الدمعِ من لظى زفرَاتي
فعلى الأرْبع المحيلةِ مِني ... وعلى الحي أطيبُ التحياتِ
وقال أيضا:
قدْ توالتْ زفراتي ... واسْبَطرَّتْ عَبَراتي
حين أبصرْتُ ربوعا ... بتلاعِ الفْيتناتِ
وتذكرْتُ سميراً ... عِندَ تِلكَ السَّمُراتِ
стр. 364
ولما رجع من الحج، أقبلت عليه الناس، واعتقدت فيه، وصار يعاكس كنت، ولا يقبل لهم ضيما، وكان يحرض الناس على التألب عليهم، ويبدي مساويهم نظما ونثرا، ومن ذلك قوله:
ألا يا عباد اللهِ هلاّ تلوتموا ... ودَبَّرْتموا قولَ الإله فإن بغتْ
وقاتلتموا كنت البغاة فإنهمْ ... بقية أحلاف اليزيد التي طغتْ
ومن ذلك قوله:
كان لنا مخاطبٍ قد اسْنِدَا ... كان لِجُلِّ الناسِ جُلهمْ مُدَى
قد نسخوا السنة بعد أحمدا ... كنسخها الخبر بعد المبتدا
ولما انتصر على كنت في وقائع عديدة، أقبلت عليه قبائل اللحمة، التي كانت تظلمها كنت وإدوعيش، فصار لهم كهفا، وهم له جند، وكذلك الثياب، ويقال لهم: المهاجريون. على اصطلاح الناس في غير القبلة، وهؤلاء قوم كانوا من حسان، فتخلقوا بأخلاق الزوايا، وصاروا يشتغلون بالعلم وتنمية المال، وحسان يظلمونهم لرغبتهم عنهم، والناس ينحلون عبد الله المذكور، كلما وجدوا فيه حماسة من الشعر، سواء كان قديما، أو حديثا، ولما أفرط في قتال كنت، ذكره إنسان صنيع كنت مع قومه، في حرب أهل شنقيط، فقال له:
ظفرنا بحمد الله بالله لا كنتا ... فمن كُنْتَ لا كانوا ومن أنت لا كنتا
فإن كنت كنتياً كبت بكبتهم ... وإن لم تكنْ منهم أراك إذا متا
قالوا: ولما أنشد البيتين، وقع ذلك الشخص ميتا من غير سبب، والله اعلم بصحة ذلك. ولا يخفى أن عجز البيت الثاني، ضعيف بالنسبة إلى صدره، وإلى ما قبله.
وقال يتوسل بالعالم الناسك، محمذ فال بن متالي التندغي، الذي تقدمت ترجمته
أنَحْتُ نضو همومي أشتكي حالي ... إلى الوليّ النقي محمَّذٍ فالِ
стр. 365
باللهِ عَفّرْ لوجهِ اللهِ وجهك لي ... جِنحَ الدياجي لحاجي يا بن متَّالي
وقال أيضا، يهجو إدابلحسن:
قِراكُم الضيفَ وهناً يا بني الحسَنِ ... بالمذقِ في الخصبِ فعلٌ ليس بالحسَن
وليستِ السُّنةُ الغرَّاءُ تأمرُكمْ ... بجعل ماء الأضا للضيف في اللبن
ومما ينسب إليه:
كان يصبو إلى الحسان الكعاب ... كل آبٍ عن الخنا وابن آب
شامخُ الأنف ضامرُ الكشح قَرمٌ ... وعليهِ الوقارُ صَعْبُ الجنابِ
فغدَتْ لِلزعانِفِ اليوْمَ نَهْباً ... فرأيتُ الصوابَ ترك التصابِ
إنّ ظبياً عزَّ الأسودَ اصْطِياداً ... لم تصده مجلَّحات الذئابِ
وكان ﵀ حيا في صدر القرن الثالث عشر.
الشيخ ماء العينين
هذا علم اشتهر به، واسمه مصطفى بن الشيخ محمد فاضل بن مأمين. هو العلامة الوحيد، له معرفة بعلوم الشرائع من الحديث، والتفسير والفقه، وغير ذلك.
وما جاء بعد الشيخ سيدي مثله، في إقبال الناس عليه وإنفاقه. حج في أيام السلطان مولاي عبد الرحمن ﵀ وتردد على السلطان مولاي سيدي محمد. وكان حظه في أيام السلطان مولاي الحسن، أحسن منه في أيام أبيه وجده، وهو في أيام مولاي عبد العزيز، أحسن من أيام مولاي الحسن، وصارت له مراكش أملاك طائلة، من زوايا، ودور، وبساتين، ومزارع، وكان هذا الشيخ فاضلا كريما، لا يوجد أحسن منه أخلاقا، وقد اجتمعت به حين خروجي من مدينة شنقيط إلى مراكش، في توجهي إلى الحجاز. ورأيت منه ما حيرني، لأني أقدّر من معه في وادي اسمار من الساقية الحمراء، بعشرة آلاف
стр. 366
شخص، ما بين
أرملة ومزمن، وصحيح البنية، وكل أصناف الناس، وكل هؤلاء في أرغد عيشة، كاسيا من ذلك الشيخ، ويزوج الشخص ويدفع المهر من عنده، ويجهز المرأة من عنده، مع حسن معاشرته لهم، لا فرق عنده بين ولده والمحسوب عليه، ولا يمضي عليه يوم، إلا وقد بعث قافلة تأتيه بالميرة، وقدمت إليه أخرى تحملها، ومتى بلغ الإنسان قريبا منه، يسمع دوى مريديه يذكرون الله، وينشدون الأدعية، ورأيته في تلك الأيام التي أقمت عنده، لا تفوته صلاة الجماعة في أول الوقت، مع كبر سنه، وضعف جسمه، وبعد صلاة العصر، يسردون له الحديث، وهو يسمع، ثم يشرح لهم بعض المواضع منه، وكان الموضع الذي هو فيه صعبا، بعيدا من الأماكن التي تجلب منها الأرزاق، إلا أنه نفعه مرسى لُبيظ، إذ كان السلطان يملأ له البابور في كل أربعة أشهر، أو ستة، فينزله بها، وهي تبعد عن محله بأربعة أيام، أو نحوها، ولكن معظم المئونة، يأتيه من أكليميم وهو نحو عشرة أيام، ومن لحنيكات، ومسافتها اثنا عشر يوما، ومن آدرار، وهو قريب من العشرين، ومن سانكال. ويقال له: اندر. وهو قريب من شهر، وكثيرا ما تعدو عليه شياطين العرب، فينتهبون قوافله من جهة سوس وغيرها. وإنما كان الشيخ سيدي، أشد احتراما عند حسان منه، لان العرب الذين يحوطون بالشيخ سيدي، لهم رؤساء يطيعونهم، وهم أحسن دينا وأخلاقا من الذين في أرض الشيخ ماء العينين. ولم يزل نافذ الكلمة في المغرب. إلى أن وقعت الفتن، وازدادت الشرور.
ولما أراد الفرنسيون احتلال شنقيط وصحراءه، أرسل إليهم الشيخ ماء العينين، يحضهم على الدفاع، ويمنيهم بمساعدة السلطان لهم، وكانوا يعتقدون ان السلطان أقوى من الفرنسيين، فبعض القبائل سالمهم، وبعضهم جعل يقطع عليهم الطريق، ويحاربهم من بعيد بالهجوم ليلا ونحو ذلك. ثم إن الشيخ بعث إليهم أحد أشراف فاس، وأخبرهم بأنه هو خليفة السلطان عليهم، فقدموا إليه من كل
стр. 367
الجهات، وكان
ذلك الشريف حازما مدبرا، فوقعت بينه أيام مع الفرنسيين، انتصر في بعضها، وخذل في بعض، فلولا قلة الفرنسويين، وكثرة الصحارى والجبال، لقهروهم في أوَّل وهلة، ولولا رداءة سلاح أهل الصحراء، وعدم انتظامهم في أنفسهم، لدافعوهم سنين كثيرة، على أنهم ما دخلوا ادرار، منذ دخلوا تيججك، الا بعد سنين، وهما كالشيء الواحد، ولولا ما بعدهم الشيخ ماء العينين به من إنجاد السلطان، لسلموا لهم أيضا، فطال الروغان، فلما علم الشريف بعدم الفائدة، رجع إلى فاس، لان العرب لما طال عليهم الأمر، فنيت مواشيهم، وكابدوا كثيرا من الشدائد، فصاروا يهربون إلى افرانس ويصالحونهم، ثم بقيت تلاميذ الشيخ ماء العينين، وما انضم إليهم من شذاذ الناس وصعاليكهم، يناوشون الفرنسيين، حتى احتلوا مدن آدرار، فتركوا محاربتهم، ولجأ الشيخ إلى تيزنيت، من أرض سوس، وتوفى ﵀ سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف.
مبايعته للسلطان مولاي الحفيظ
قدم الشيخ ماء العينين من السافية الحمراء، في جموع كثيرة، ليأخذ لهم المئونة والسلاح، من السلطان مولاي عبد العزيز، وكان إذ ذاك برباط الفتح. فلما وصل إلى نواحي مراكش، بلغه أن أهله بايعوا مولاي الحفيظ، وأن أهل المغرب، ناقمون على أخيه السابق، وتعرض بينه وبين مولاي عبد العزيز، وما أمكنه إلا أن يبايع مولاي الحفيظ، فقدم مراكش بجموعه، وبايع واحتفل به السلطان وأكرمه، والناس يخوضون فيما لا يعرفون حقيقته. فإن السلطان الحالي، كان يطفئ الفتن الداخلية، التي التهمت نارها المغرب، ولا يمكنه أن يلتفت إلى غيرا، ويكفي الشيخ ماء العينين، انه لم يعارضه في شيء مما يملك. أما أمره له بالرجوع عن فاس، فإنه لم يكن عن نية سيئة، بل لأن السلطان، كان محتاجا إلى أن يستنجد بافرانس، وهم يعادون الشيخ المذكور، وكان
стр. 368
السلطان يتوقع مجيئهم، فلو دخلوا فاس، وقع
السلطان بين أمرين، إما أن يتركهم وشأنهم به، فإن السلطان لا تسمح له مروءاته بذلك، وإما أن يحدث ذلك ضغائن بينهم وبينه. فذلك مما يضر بصالحه، فأمره بالرجوع. وللشيخ المذكور ديوان شعر، وهو لا يوجد عندي، ومن شعره:
تغافلْ عن الإخوان في كل زَلةٍ ... وإياك والتبصير في زَلةِ الأخِ
وكنْ راحمَ المسكين واصل رحمه ... وإِياك أن تبدو له بالتبلُّخِ
وإياك والتقصيرَ فيما أحبه ... وساوِ زمانَ العسر في ذاك والرخِي
وداومْ على تقوَى الإلهِ وعلمهِ ... أفزْ وتنلْ مما رجوت بَخٍ بَخ
إدْيَيْجَ بن عبد الله الكمليلي
عالم كبير، ولغوي شهير، اشتهر في الفقه والبيان، والعروض والنحو، وكان شاعرا مجيدا، وما بقيت قبيلة إلا هجاها إلا ما قل، واشتهر من ذاك هجوه لإدَوَعْلِ، لما بلغه فشو الطريقة التيجانية فيهم، فكان يبعث لهم القصائد يهجوهم بها، فلا يردون عليه، لأن الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن لحبيب العلوي، كان يأمر بذلك. فلما توفى وأكثر من هجوهم، تصدى له باب بن أحمد بيب، الذي تقدمت ترجمته في هذا الكتاب، ومحمد الذي تقدمت ترجمته ايضا، وقد نضى قليل مما قالوا له، وما أحفظ شيئا من شعر إدييج، وتقدم بعض ما قال فيه باب، ومحمد، ورأيت له قصيدة في باب مطلعها:
أيها الراكبُ المغذُّ ذهابا ... حَيّ عني بابَ الهدايةِ بابا
باب عندي منزه عن أمور ... بلغتني فقلتُ فيها صوابا
ولما وقعت مسألة الحُبُس التي تقدم ذكر ما جرى فيها، بين باب المذكور
стр. 369
وحرم الذي تقدمت ترجمته، وانضم إلى باب محنض، باب بن اعبيد الذي تقدمت ترجمته، وانضم إلى حرم، إدييج هذا. وكانت بينهما موالاة، واستثناه هو وأكتوشن بن السيد، لما رمى العلويين كلهم بالضلال، في قصيدة يقول فيها:
شربَ الضلال صغيرهم وكبيرهم ... إلا اكتوَشْنِ وحرمةَ الرحمنِ
وهجا أيضا أحمد الصغير ابن انبوج، الذي تقدمت ترجمته، وهجاه هو، ونظم فيه منظومة طويلة، وألف كتابه (الجيش) في الرد عليه، وقد طبع هذا الكتاب بفاس وبمصر، وهجا أيضا، اعبيد ابن أنبوج، وكان حسن الخط، فقال فيه من قصيدة:
ولما رأينا حُسنَ خَطّ عبدةٍ ... علمنا بأنَّ الخطَّ يُحسنهُ الوغدُ
وقال يخاطب باب، ومحنض باب المذكورين، ويأمرهما بالرجوع إلى قول حرم في مسألة الحُبُس:
يا صاحبيَّ قفا بالمنهلِ الصافي ... وسلّما الحكم للقاضي بإنصافِ
ووافِقا حُرْمَ فيما قال ويْحكما ... فإنّ شيخكما أدرى بالأوْقافِ
فحجة الشيخ في بهرامَ ناهضةٌ ... لو كان يكفيكما ما كان في الكافي
وقال باب مجيبا له في أبيات، وتقدم بعضها في ترجمته:
أرْشدتَنا للهُدى والله يعلمُ أنّ ... اقائلون بحقٍّ غيرِ سَفْسافِ
ودون ما قلتَهُ في الوقف سوفُ فلاً ... خوْفَ التنائفِ تُعيي كل سَوَّاف
فحجتي وَصِحَابي غيرُ داحِضةٍ ... مِنْ نَصّ بهرامَ والتَّوضيح والكافي
فمالكٌ إن تصف عما يقولُ فإني ... لستُ عَنْ قولهِ يوما بصيافِ
إني أوافقهُ حقاً وأتبعه ... هل مهتد ناعلٌ كالحائر الحافي
بلْ أنت رِدْ ما ورَدْناهُ على قَرَبِ ... واشربْ فهذا زُلالٌ بارِدٌ صافي
стр. 370
صَدعْتُ بالحق لكن من يقلهُ لكم ... يَدْيَيجَ يوطأ بأخفافٍ وأظلافِ
فالحق أمسى فوالهفا وواحَزَنا ... مثلَ الديارِ التي يسفو بها الساق
وقال محنض باب، يجيب إدييج أيضا:
إذا تأملتَ مكتوبي بإنصافِ ... ألفيتَ فيه زُلالا عذبهُ صافِ
هو المصيبُ لصوب الفهم يعضده ... نقلُ الشيوخ بنص واضح شاف
رووه عن مالك نصاً ووافقهُ ... نصَّ الإمام ابن عبد البر في الكافي
دعْ عنك دَعوى تقاييد تقولُ بها ... شيوخنا بدَليلٍ وجهُهُ خافِ
وما ادّعَوهُ من التقييد يمنعهُ ... ألا تراهُ بلا شرطٍ في الأوْقاف
والأصلُ في القيدِ نفيٌ والمفيد لهُ ... لم نلفه بعد بحث شامل وافي
والانقِراضُ الذي يحجوهُ حجته ... أتى في الأمّ لامّ نسلها ضافي
وإن تفهمت في القاموس فانقرضوا ... ماتوا وليس لِنَسلٍ موتُهمْ نافي
أما الدروجُ ففيه المعنيانِ كما ... ذا في الصحاح بإيضاح له شافي
ولادييج المذكور، مهاجاة مع قبيلة إديقُبْ، ولم أحفظ منها شيئا. ورأيت له شينية، يهجو بها أبناء اعمر أكداش، وهي عجيبة ومطلعها:
يا خابطَ البيدِ خبطاً فوقَ وشواشِ ... يواصلُ السيرَ في ضوْءِ وإغباش
بَلِّغْ لديكَ مني نفسي إذا بلغتْ ... بك المطيةُ أبن أعمر اكداشِ
وقلْ لها إنني من بعدها دَنِفٌ ... والعين جادت بتوكاف وتطشاش
لمْ أنس أيامَنا حوْلَ الكُلَيْم وإن ... شط المزارُ وْرَاءتْ قَوْلةَ الواشي
وهي طويلة، وسمعت شيخا فاضلا من قبيلة صاحب الترجمة، يحدث أنه رآه مضطجعا على قفاه يترنم، وعند رأسه ثلاثة من تلامذته، يملى لكل واحد منهم
стр. 371
بيتا، يجيب ثلاث قصائد وروت عليه من إدوعل في هجوه، وكلما أتم واحد بيتا يسرد له غيره، وهكذا حتى أتم ثلاث قصائد في وقت واحد، وهذا عجيب، وكتب إلى محمد بن المختار المجلسي في رفعه بالنشوز:
يا من تأمل مكتوبي بما نقلا ... سلم لنا حكمنا أو بيّن الخللا
الله يعلم أني ما أردت به ... إلا بيانَ الهدى في معضِلٍ نزَلا
وذاكَ أن فتاةً زانها حسَبٌ ... رامتْ نُشُوزًا ولم تَعبأ بمنْ عذلا
فقامَ بعضُ رجال الحيّ إذ رفعتْ ... إليهمُ أمرَها يقضي بما انتَخلا
فطلقَ الخود عن ظلمٍ وموْدعُها ... نَجلُ الوديعةِ لمُ يتْحَفْ بما بذَلا
ما كنتُ أحسِبُ أن الزوج مغتفرٌ ... في حَلّ عصمتهِ لو كان مختبَلا
ولسْتُ أعرِفُ تطليقاً لمن نَشَزتْ ... إلا بخلعٍ يراهُ الزوجُ منتحلا
وقال أيضا:
نفسي الفدَاءُ لحبيبٍ هاجرِ ... قاسِي الفؤادِ ليّنِ الخواصِرِ
ظبيٍ أحَمِّ المقلتين حُمَّ لي ... ما حُمَّ من جواهُ في المقادِرِ
من كان في الوعد كعُرْقوب ومن ... في البُخلِ إن طالبتَهُ كمادرِ
كأنَّ طعم ريقها بعد الكرى ... طعْمُ المعتقة عندَ التاجِرِ
تبسِم عن نورِ الأقاحي أصبحت ... بقَفْزةٍ ممطورة الظواهرِ
لو كلمتْ ميتاً لأحياه الهوى ... واستبدَلَ الإِحيا من المقابرِ
ولو بدتْ لراهبٍ في دَيْرِهِ ... لصدَّ عنها بفؤادٍ حائرِ
فإن حماني وصلها وغيره ... لم يحمني طيفَ الخيالِ الزائرِ
طيفٌ يبيت في الكرى مسامري ... طيفي إذا نانأتُ عن مسامري
وقد مضت لي أعصُرٌ في وصلها ... ما إن مضت في سالف الأعاصر
أيامَ كان السعدُ جاراً مسعدا ... وكان صرفُ الدهرِ غيرَ جائر
стр. 372
لا بُرْدةُ الشباب أنهجتْ ولا ... جَدُّ المحبّ في الهوى بالعاثرِ
وكم ليالٍ بتُّها في جنةِ ... الهوى بأمثال الدُّمى السوامر
في خَلقها وخُلقها ما تشتهي ... نفسي وما يلذ كلَّ ناظرِ
بيضِ الترائبِ حسانٍ خُرَّدٍ ... هيْفِ الخصورِ رجَّحِ الأواخر
أمسى فؤادي من هواه مُدْنَفاً ... وفاض دمع العينِ كالمواطر
أرومُ كِتمانَ الهوى وأدْمعي ... تبُوحُ بالمكنونِ في الضمائرِ
وكيف إخفائي الغرامَ بعدَما ... أبديتُ من مستْودِع السرائر
لا حَبذا من لامني في حبهِ ... وحبذا منْ في هواه عاذري
فإن يكنْ عنْ ناظرِي مغيباً ... فشخصُهُ مصوَّرٌ في خاطري
يا منْ يلومُ في الهوى مهلا فما ... لوْمُكَ يُسليني ولا يضائري
داءُ الهوى صعْبُ الشفاء مالَهُ ... غيرُ الحبيبِ من طبيبٍ ماهر
هيهاتَ أن تشفيك من داءِ الهوى ... فُتَيَّةٌ نَقيةُ المآزر
لطيفةُ الكشحينِ خَوْدٌ خَدْلةٌ ... رَوْدٌ رَداحٌ بضّةُ النّواشر
ريا الروادف أباةٌ طفلةٌ ... مِلءُ الحجا والعين والأساور
فإنْ مشَتْ فغُصنُ بانٍ ناعمٍ ... وإن رنَتْ ترنو بطرْفٍ ساحر
لها مُحّيا مشرقٌ ومنِطقٌ ... كقهوةٍ في مسمع المحاورِ
وبَشرٌ مثلُ الحريرِ ليّنٌ ... وجيدُ ظبيٍ من ظِبا المشاقِرِ
يلوح صبحُ وجهها إذا بدتْ ... في ليلِ قرْعٍ أسحمِ الغدائر
زانَ الجواهِرَ بهاءُ نحرِها ... وغيرها يزانُ بالجواهرِ
وكان في أواسط القرن الثالث عشر.
غالي بن المختار فال البُصاري
كان من أعيان علماء شنقيط، وهو عقد قبيلته الوسيط، اشتهر باللغة والسيرة، وكان فاضلا دينا، وفيه يقول حرم بن عبد الجليل العلوي أبياتا، أوُّلها:
стр. 373
للهِ درك ما أغلاك من غالي ... يا ذا البُصاري وما أعلاك من عالي
ومن نظمه.
وبعد فاللغة من عَدانا ... يمكث بين أهلها عَدَانا
يسائلُ الصميمَ والدَّدانا ... والحشمَ الخوَلَ والعِبْدانا
ومن بليغ شعره:
أبى الشعرُ إلا أن يكون ارتجاله ... عزيزاً إذا لم ترتجله رجالُهُ
فكم جال في ميدانِه متشاعِرٌ ... يَري أنهُ سهل السبيل مجالُهُ
فحادت به الألحان عن صوب قصده ... وألقتْهُ في الجَفرِ المُجَوَّخ جالهُ
ومما يستظرف، أن بعض الأدباء، قال له شخص: أريد أن أسمعك أبياتا قلتها. فقال: هات. فلما أنشده إياها، سكت. فقال له: كيف وجدت أبياتي؟ فأعرض عنه. فلما ألح عليه، قال له: أشعر منك غالي، وأنشد الأبيات. ورأيت له مقطعة أوَّلها:
ألا ليت شعري هل أرى بين فتية ... حليفاً لراحولات قَيْن التأنُّق
عليه فتان كالفآمِ وشرخه ... مُحَلّى بشبهٍ كالشذور مُنمَّقِ
وأنشد يوما في مسجد قومه، أبياتا حسانا من شعره، فلم يطربوا لها، لأنهم ليسوا من أهل ذلك الفن. فقال لهم: ليتني لم أكن منكم. وله نظم جيد في بعوث النبي ﷺ وأوله:
أَوَّل من بعثه النبيّ ... عبيدةُ بن الحارث البَدْرِيُّ
стр. 374
مَرْجَعَهُ من غزوة الأبواءِ ... صلى عليه رافع السماء
وجيشهُ سِتُّونَ أو يزيد ... عشرونَ كلُّ فاضلٌ مجيدُ
وكان معاصرا لحرم، الذي تقدمت ترجمته في أول الكتاب، ولا أدرى أيهما مات قبل الآخر.
عبد الودود بن عبد الَّ بن انجبنان الألفغي
نسبة إلى قبيلة أبناء ألفغ حبيب أل، نحوي شهير، انفرد به من غير نكير، وأوضح للناس أسراره وأعلى مناره. تلقى عن بُلاّ الشقراوي، وسبب ذلك أنه خرج في عير، فنزلوا عند بلا، فرأى عبد الودود تلامذته يكررون دروسهم، فسمع تحريرا لم يعهده في بلاده. فلما وصل إلى أهله، رجع إلى بلا المذكور ولازمه، حتى أتقن النحو وبرز فيه، وبلغ مبلغا لم يبلغه غيره في عصره، وهو شيخ محمد علي بن سيدي بن ساعيد بن عمه، ويعرف بمعى. وقد رأيت هذا الشيخ، وكان لا يبارى
في النحو، وتخرَّج عليه الحسن بن زين القناني، وهو احد فطاحل تلك البلاد، وعلى الحسن تخرّج أستاذنا سيبويه زمانه، بحظيه بن عبد الودود - حفظه الله - وهو وإن كان أصغرهم سنا، فقد اتفقت الناس على أنه فاق الكل في النحو، وانفرد عنهم بإتقان الفقه، وغيره من العلوم.
ما ترك عبد الودود المذكور عويصة من النحو، إلا نظمها أسلس نظم، وأتقنه. وله (روض الحرون من طرة ابن بون) صغير الحجم، إلا أنه كبير الفائدة، ولا يستغنى عنه نحوي هناك.
ومن شعره، يخاطب تلامذة له، كانوا كفروا نعمة تعليمه، قصيدة مطلعها:
أبى ليَ سلوانَ الربابِ أبي لِيا ... خيالٌ متى هومتُ وهنا سمالِيا
ومنها:
لقد مزقتْ قلبي سهامُ جفونها ... كما مزقتْ مَيْجات عمداً كتابيا
стр. 375
وعيرني ميجاتُ بالجهل ضلة ... فقلت لهم لم تقذفوني بدائيا
ومنها:
ولست بشيخكم ولستم تلامذي ... لكم دينكم ذاكم ودينيَ ذاليا
وقال مقطعة، يعارض بها اخرى لشاعر أهل المبارك، وأظن اسمه محمد مولود ابن أحمد فال أو العكس، وهاهما القطعتان من غير تحقيق للتمييز بينهما. قال أحد الشاعرين:
ما لسليمى من شبيه في الأممْ ... كأنها شمسُ الضحى أو بدر تمْ
أو درة قد أخرجت من قعريمْ ... غاصَ لها غوَّاصها تم ارتسمْ
حتى إذا ما رَاءها بعد ابتسم ... أو أمَّ خِشفٍ خذلت على عَلمْ
ترعى الخُزامي والبشامَ والسلمْ ... بجانبِ الملحَسِ أو فرد الأجَمْ
توجستْ ركز ابن داة من أممْ ... فَرَاعَها صوت القنيص ذي القرمْ
أبى ثلاثٍ كمهازيل الغنمْ ... قد كان من عاداته إذا احتزمْ
أنْ يضعَ اللحمَ لها على وضمْ
فقال الثاني منهما:
هلْ وجدُ أسماَء القديمُ تاركي ... من قبلِ أن أهلِكَ في الهوالكِ
ليسَ لها في الحسنِ من مشارك ... كظبيةٍ تَرْعى برملٍ عانكِ
توجَّسَتْ رِكزَ ابن عبد المالكِ ... فراعها صوت القنيص الفاتكِ
يصيبها لابُدَّ في المهالكِ ... إذا رَماها في النسا والحاركِ
وله قصيدة في المصادر الغريبة، وهي غزلية، ومطلعها:
أخشى على القلب من عرفانه خبلا ... ربعاً بمَرْيَمِهِ قد كان مزدانا
خَشْياً وخَشْيَا وخَشّاةً ومخشِيةً ... وخَشْيةً وخَشاةً ثم خشْيانا
стр. 376
أما أنظامه، فإنها أجود من شعره. ومنها:
ومدُّ مقْصُورٍ خلافه اشتهرْ ... وفصل الفراء تفصيلا بهرْ
فجوَّزَ المَدَّ لِمَا لم يَذهَبِ ... بالمَدّ عنْ نهْج لسانِ العربِ
فَمِرْمى آلةً يقيسُ مَدَّهُ ... وفي اللّحا اللحاءُ جاز عندَهُ
إذ شابها المفتاحَ والرِّماحا ... بمدَّةٍ فالاحتجاجُ لاحا
ولم يجز مداً لما كالمرمى ... مفتوحةً ولا اللُّحى إنْ ضْمَّا
لفقدِ ذا الوزن ولم يحفل بما ... قال سِوَاهُ من فحولِ العلما
وكان يكتب لتلميذه، وابن عمه محمد على المتقدم، الألغاز ليمرنه، وكان محمد على لا يحسن النظم، فكان يجيبه نثرا. ومن ذلك:
قل للذي كان بالتصريف مشتغلا ... لم يخلُ من درسه يوما وتكرار
ما وزن نَكْتَلْ وآرام وأثفية ... وأينق وعريبٍ ثم ديَّار@
стр. 377
محمد مولود بن أحمد فال
هو الذي تقدمت مقطعته في ترجمة عبد الودود، وهو من أهل المبارك، وكان مجيدا. ومن شعره:
حَنَانَكَ ذا الحَنانِ لمن يرُوم ... شفاء حيث تطلعُ النُّجُومُ
أرَجّى من زُبيدَ شِفاَء قلبٍ ... تياسَرَهُ الوساوسُ والهمومُ
إذا ابتسمَتْ بُعَيْدَ النّوْمِ وهناً ... وقد خَلَفَتْ مَباسمُ من يَنُومُ
يفوح المسك ثمَّ يلوح بَرْقٌ ... فحسبُكَ ما تَشَمُّ وما تَشِيمُ
ولما رأى امحمد ابن الطلب أبياته هذه، وكان معاصرا له. قال: يغتفر لحنه لحسن أبياته، لأن نام: مضارعه ينام. ولا يقال فيه ينوم. ويقال: إنه كان عند شيخ يقرأ عليه العلم، فبلغ الشيخ عنه، إنه يحادث النساء، فأرسل إليه بأن يذهب إلى أهله، فكتب إليه هذين البيتين، فتركه:
همنا العلم لأمراض الجفون ... لا تظنوا مرجمات الظنونِ
إن هزلا أقوله في المجون ... لمعين على صِعابِ الفنُونِ
ويقال: إن بعض الأفاضل المتقدمين، كان يقول: إني لاجم نفسي بشيء من الباطل، لأستعين به على الحق.
الحسن بن زين بن سيد اسليمان القناني
هو العالم النحوي الذي يجيد النظم، وما أظن أن له شعرا يذكر، وهو الذي تخرج على يديه سيبويه تلك البلاد، أستاذنا يحظيه بن عبد الودود - حفظه الله تعالى - وتخرج هو على عبد الودود كما تقدم، وله استدراك على لامية الأفعال مزجه بها، فلولا إنه كتبه بالحمرة، لا التبس بنظم ابن مالك، وله أنظام كثيرة مفيدة. ومنها:
ورفع ما بعد لولا قيل هو بها ... أصلا وقيل بأن نابت عن انعدما
وضعفوا رفعه بها بأنّ به ... خروجها عن مدى أشباهها لزما
وقيل رافعه بوجَدْ مقدرة ... وذا بهِ كلُّ ناحى كوفة حكما
стр. 378
ومنها:
إن الفتى لَبات بالفتاتِ ... حيرَانَ مشرفا على الوفات
وإن دمعه لعندماً حكى ... شوقاً فما أطْوَل ما كان بكى
جاز لدى الأخفش والأوَلُّ ... قال به هشامٌ الأجَلُّ
ومنها:
آءٌ كعاعٍ تمَرٌ لشجر ... لا شَجَرٌ كما حكاهُ الجوهَرِي
ومات ﵀، قريبا من العشرين بعد ثلاثمائة وألف. وكان حديد الذهن بعيد الغور، كان يوما مع جماعة من طلبة العلم، وبأيديهم الدماميني على التسهيل، فإذا هو يقول في باب الإضافة: قال ابن هشام: وقد سألني سائل من أين تهب الصبا، فأنشدته:
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل
وإني لا أخزى إذا قيل مملق ... سخي وأخزى أن يقال بخيل
ولم يبن استخراج الجواب من هذين البيتين اللذين أنشدهما، وفيه غموض انتهى. فلم يفهم الحاضرون مراد ابن هشام، فتفكر هو قليلا. وقال: والله لقد فهمت مراده. فقالوا له: بينه لنا. فقال لهم يشير إلى قول الشاعر:
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يَطّلعُ الفجر
فقوله: حين الكرام قليل. مماثل لقوله: من حيث يطلع الفجر، إذ كل من حين وحيث، ظرف مضاف على جملة. ونظير هذه المسألة القريبة العهد، ما حكاه أبو حيان في شرح التسهيل، من أن ابن الأخضر، سأله طالب بحضرة الأبرش، عن فتح مقالة في قول النابغة:
مقالة أن قلت سوف أنا له ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
فقال له ابن الأخضر:
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
стр. 379
فقال له: يا أستاذ، ما فهمت. فقال له ابن الأبرش: قد أجابك. قال أبو حيان: وتوجيه ما سئل عنه، أن هذا البيت قبله:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع
والبيت الذي بعده.
مقالة أن قد قلت
. . . الخ
وذلك ان قوله: إنك لمتني، في موضع الفاعل بأتاني، ومقالة، ضبط بالفتح والرفع، وفي كلا الحالين هو بدل من قوله: انك لمتني، فالرفع ظاهر، وأما الفتح فإنه بنى عليه لإضافته إلى مبنى. وذكر السيوطي في الأشباه والنظائر: أن هذا الجواب حكى عن الأعلم، وهو أقدم من أبي حيان: قال: وفي هذا الجواب نظر، فإنهم نصوا على إنه ليس كلما يضاف إلى مبنى يجوز بناؤه، وإنما ذلك مخصوص بما كان مبهما، نحو: غير، ومثل، وبين، ودون، وحين، ونحوها. فان كان ابن الأخضر، أراد ذلك، ففيه ما ذكرناه، وإن كان أراد غيره، فيفكر في وجهه. ومن جيد أنظامه قوله:
تفسيرُ ما شذَّ وما فشا وما ... ندرَ معْ ما بالضعيفِ وُسِما
فذو الشذوذ ما عن القياس قدْ ... حادَ قليلا وكثيراً ما وَرَدْ
والنادِرُ القليلُ قيسَ أو لم ... يُقَسْ وما فشا بعكسهِ نُمِى
آخرها الضعيف وهو كلما ... ثبُوتُهُ فيه نزاعُ العلما
وقوله:
الجوْهرِي حَدَّثَ عن شيخِه ... الفارسيّ الأقدمِ اللَّوْذعِ
стр. 380
أن سِوَى خَضّمَ أو بَقّمٍ ... أو بَذّرٍ أو شلّمٍ مَوْضعِ
خامسها عَثَّرُ منْ فعّلٍ ... اسْماً منَ الأعرابِ لم يُسمع
يا ليتَ شعرِي ما الذي شمَّرٌ ... خلفهُ عنْ ذائهِ المنزع
اعمر مولود بن شيبة الأنتابي
ليس عندي شيء من خبره، وما وقفت له الا على هذه القصيدة، يقولها فيمن لحنه بغير حق:
أمنْ شأنك التلحينُ لا حَبَّذا اللحن ... تلحنني طعناً ولم تدر ما اللحنُ
تأمَّلْ صَنيع الشعر واضبط شروطه ... ليمكنك التلحين والنقد والطعْنُ
فلا تغترِرْ في الشعرِ بالحدّ وحدَهُ ... وبالحفظ كي لا يستخف بك القِرْنُ
فللشعرِ تحسينٌ يزيد اعتبارُهُ ... على حده المعروف في فوته غَبنُ
فمنْ رَامَ فنَّ الشعرِ بالحدّ وحدَهُ ... ولم يأتِ بالتحسينِ ما حسنَ الفنُّ
إذِ الحدُّ معنىً مُحكَمٌ بصناعَةٍ ... وقافيةٍ وَزْن إذا يقصَدُ الوزْنُ
ولم تخل هذي من محاسن سنّها ... رعاةُ رقيقِ الشعِرِ يا نِعمَ ما سَنُّوا
إذ اختلَّ منها البعض في الشعرْ شانه ... فَحسْنُ نظام الشعرِ في كلها رَهنُ
فما هي إلا الشرطُ والركنُ حدُّهُ ... ووهن يُرَى في الشرطِ في ركنه رهن
فما الركن يجدي دون إحكام شرطِه ... وأقلِلْ بجدوى الشرطِ إذ ضَعُفَ الركن
ولكن إذا ما استحكما عند شاعرٍ ... وكان صفت منه القريحة والذهنُ
وحاك على نيرِ البلاغةِ نسجَهُ ... وم ن حيث راعى الحسن ساعده الحسن
فيجنى ثمار الحسن من هامِ دوحهِ ... عليه طوالُ الدوْح عاطفةً تَحنُو
ويسقى المعاني من مُدامِ بديعهِ ... وَرَاح بديع اللفظِ شعشعَها المزنُ
стр. 381
فطوْراً إلى الرصادِ لم ين راصداً ... وطوْراً إلى التجنيس أعينُه تَرْنو
وطوراً يحليه بحلواء حِكمةٍ ... ومن غُرر الأمثال لهجته تدنو
فجاء جمانا باليواقيتِ فصلتْ ... فما شانه خبل وقد زانه خَبنُ
إذا شنّفَ الآذان شذر انسجامه ... يودُّ سِوَى الآذان لوْ إنه أذن
يحقُّ له أن يُتَّقى لَمْزُ شِعرِهِ ... فتْوهينُهُ وَهْنٌ وتلحينُهُ لَحْنُ
محمد محود بن التلاميد التركزي
التلاميذ (بالدال المهملة) مصحف التلاميذ، بالذال المعجمة، انفرد في المشرق باللغة والأنساب. لازم العلامة أجدود ابن أكتوشن العلوي، وعليه تخرج، ورحل إلى المشرق، ومر بابن بلعمش الجكني بتيندوف، وتلقي عليه جملا من الحديث. ثم قدم مكة المكرمة، واتصل بالشريف عبد الله أمير مكة، وكان من أهل العلم والكرم، فأكرمه واختصه. ولبث عنده زمانا، وكان يعجبه ويحرش بينه وبين علماء مكة، حتى حصلت البغضاء التامة، وفي أثناء إقامته بمكة، قدم عكاش اليمنى مكة. فقدم شرحا له على لامية العرب للشريف، فقال الشريف لمحمد محمود: أيمكنك أن تغلطه؟ فقال: نعم. فعمل عليه انتقادا وجهله، ونقصه فيه، فلم يحصل عكاش على شيء من الشريف. وكان محمد محمود، يراوح في الإقامة بين مكة والمدينة المنورة، وحصلت بينه وبين المرحوم أديب الحجاز، وعلله عبد الجليل برادة، محبة، وكان عبد الجليل المذكور، يبالغ في الثناء على محمد محمود ويكرمه، فاستمر على ذلك مدة طويلة، ثم وقعت عداوة بين محمد محمود وعلماء المدينة، كلهم عدا عبد الجليل المذكور.
ما وقع بينه وبين الشيخ الدراج المغربي
كان الشيخ الدراج رئيسا للمالكية هناك. وفائدة هذه الرئاسة، أن يأخذ قدرا معلوما من وقف المغاربة، لا يناله غيره. فقال محمد محمود. إنه أحق منه
стр. 382
بالرئاسة، لأنه أعلم منه، وكان أهل المدينة، ما عدا عبد الجليل، يساعدون الدراج، لأن محمد
محمود كان ينقصهم، فلم يحصل محمد محمود على طائل
ما وقع بينه وبين السيد علي ظاهر الوتري
وكان هذا الأستاذ البخاري. فكان محمد محمود يقعد بحيث يسمع ما يقول ولا يراه، فإذا شرع في درسه يصيح عليه: أخطأت. فيأخذ محفظته ويخرج فاشتدت العداوة بينهما.
ما وقع بينه وبين السيد أحمد البرزنجي
كان محمد محمود يشنع على القاضي عياض في (مشارق الأنوار) ويلحنه ويغلطه في بعض تفسيره لشيء من الحديث. وكان السيد أحمد البرزنجي، يغلط الإمام مالكا في الموطأ، في قزوله في كتاب الأيمان والنذور: (وعليه هدى بدنة أو بقرة أو شاة، إن لم يجد إلا هي) قال: فإلا هي لحن. ووافقه على ذلك الشيخ حبيب الرحمن الهندي اللكنوي وغيره، وألف محمد محمود رسالة انتصر فيها للإمام مالك، وأطال فيها واعتمد على أن يجد فعل لازم بمعنى يستغني. وجعل إلا هي، مبتدأ حذف خبره، وجواب الشرط محذوف أيضا، وتقديره فهي عليه، وخبر إلا هي، هو عليه المتقدم: ولا يخفى أن البرزنجي، ما أحسن في تغليطه للإمام مالك، وأن جواب محمد محمود فاسد، لأن المعنى يصير: إنه إذا لم يكن غنيا، فليس عليه إلا شاة. فعلى هذا لو كانت لد بُدُنٌ، ولا يصدق عليه، إذا إنه غنى، فلا يلزمه ان ينحر منها واحدة. وهذا خلاف الواقع، والتحقيق: أن نظير إلا هي، مستعمل عند العرب، وهو إنابة ضمير عن ضمير. وقد أفردت ذلك برسالة مستقلة، نقلت فيها كلام النحاة معزوا، وقد صحح أبو حيان هذا المذهب في شرح التسهيل، فليرجع إليه.
стр. 383
أغلاطه في رحلته
وقعت لمحمد محمود المذكور، أغلاط كثيرة، منها ما يتعلق بالعربية، ومنها ما يتعلق بالدين. فمن ذلك قوله في قصيدته الأولى.
لطيفة طيِّ الكشح حمصانة الحشا ... روادفها ملأى من اللحم والشحم
فإن روادف: مبتدأ. وهو جمع ردف نادرا، قاله في المخصص، وملأى: خبره. وهو مفرد، والجمع لا يخبر عنه بالمفرد، إلا إذا كان على فعيل، كقوله تعالى (والملائكة بعد ذلك ظهير). وقال الشاعر:
يعادين من شيبة قد بدا ... وهن صديق لمن لم يشب
ومن ذلك مسألة عمر، فإنه جازف فيها مجازفة شديدة، وادعى أن النحاة غلطوا فيها منذ اثني عشر قرنا، ولم ينتبه لذلك غيره، وأن أولهم في ذلك سيبويه فإنه غلط فيما ادعى سماعه من العرب من منعه، وأن غيره تابعه على ذلك، كتقليد الأعمى. وحجته في ذلك، إنه وجد مائة بيت للعرب مصروف فيها عمر. وأنه صرف في البخاري ومسلم. وأن العرب لم تمنعه نظما ولا نثرا، وقال في ذلك:
كما خرقوا للعرب ذا المنع مفترى ... عليهم بلا نثر رووه ولا نظم
وقال في ميميته التي مدح بها أُسكار النصراني:
ولو كان ذاك الميت حياً وجاءني ... لتاب وخص الرجل مني باللثم
وأشياء كثيرة تشمئز منها النفس، ثم إنه ادعى أن النحاة غفلوا عن كونه جمع عمرة. لأنه لما سمع عامر الذي ادعوا إنه معدول عنه تقديرا، سمع عمر جمع عمرة. فهو منقول عن الجمع، وليس بمعدول عن عامر، وقد ألفت رسالة وطبعت في مصر في حياته، فأرعد وأزبد ونشر في المؤيد: إنه ألف في صرفه كتابا، يتضمن مائة شاهد، لم يبق فيه حجة لأحد، وأنه سيطبعه. ثم انكشف الغيب ان ذلك الكتاب لا حقيقة له، لأن كتبه أفرزت ورقة ورقة، وقيدت أسماؤها في
стр. 384
الكتبخانة الخديوية. كما إنه نوه باسم مؤلف له اسمه (البنيان المرصص، في أوهام
المخصص) ولا حقيقة له ايضا، الا ما كتب على هوامش المخصص. ولا يخفى إنه أخطأ في أكثرها. وبالجملة فإن كلما نقل مما يصرف عمر لا حقيقة له كما تقدم. ومن ذلك أيضا قوله:
ففي سائر الأمثال إثبات صرفه ... وإبطال منع الصرف والعدل بالوقم
فإن هذا البيت، يقتضي أن عمر صرف في سائر الأمثال، ومن أجل كتبها: أمثال الميداني. وهذا نصه في شرح المثل المشهور: أحمق من جحا. قلت: جحا اسم لا ينصرف، لأنه معدول عن جاح. مثل عمر: من عامر. فكيف لنا أن نصدقه فبما نقل بعد هذا، فتراه يحرف ما نقل من الكتب المتداولة بين الناس فما بالك بالتي لا توجد لو نقل عنها.
أما قوله: إنه وجد مائة بيت، فهذا على تقدير صحته، لا يثبت صرفه، لأن النحاة جعلوا معتمدهم في ذلك سماع العرب، يمنعونه نثرا. وأجابوا عن ذلك: بأن الأبيات ضرورة، وقد بينت في الرسالة التي تقدم ذكرها، أن الضرورة ما وقع في الشعر، لا مالا محيد عنه للشاعر. ولعله عد من هذه الشواهد بيت الكميت الذي حرفه، لما قرئ عليه في قصائده الهاشميات، وادعى إنه أقوى فيه، لأن القافية منصوبة، والبيت هو:
أهوى عليا أمير المؤمنين ولا ... أرضى بشتم أبي بكر ولا عمرا
فادعى إن الرواية عمر بالجر، مع إنه لم يرو ذلك عن شخص واحد. ومن ذلك البيت المشهور، وهو:
لا تلسمنَّ أبا عمران حجتهُ ... ولا تكوننْ له عوْناً على عُمَرا
فإن لسان العرب، وتاج العروس، روياه عمرا بالألف. وكذلك ابن جني في الخصائص. وابن سيده في المخصص. ولما طبع المخصص في مصر، وكان محمد محمود مشرفا على طبعه، حرف هذا البيت فيه، وقال: إنه عمر بالجر.
وإن
стр. 385
النساخ حرفوه، كما هو مبسوط على هامشه، وأما قوله: إنه مصروف في مسلم والبخاري، فهذا الشيء قاله من تلقاء نفسه، وهو خلاف ما عليه جميع المحدثين. ولاشك أن الحديث لا يعتمد فيه على غير الرواية. وأما قوله: إن النحاة غفلوا عن كونه جمع عمرة. فهذا غير صحيح، كما بينت في الرسالة المذكورة. وقد نقلت كلام ابن مالك بلفظه في عمدته، فليرجع إليه. وكلام عبد القادر البغدادي، وابن الحاجب في شرح المفصل، وغير هؤلاء. فدعواه الغفلة لا تتأتى. فإن كان اعتنى بالتنقيب، فلا عذر له في عدم مراجعة كتب هؤلاء الأعلام، لأنهم أئمة اللسان، وإن كان تركها ازدراء لها، فقد عرض نفسه لاستهزاء الناس به، وأورد على نفسه ما قال أبو حيان في الزمخشري:
وينسب إبداء المعاني لنفسه ... ليوهم أغماراً وإن كان سارقا
وقال ابن عصفور في المقرب: وإذا كان فُعَلُ علما، فإن كان له أصل في النكرات، فاقض عليه بأنه مصروف غير معدول، نحو لبد، اسم نسر لقمان. لأنه يقال: مال لبد. إلا أن يقوم دليل سمعي على عدله، يمنع صرفه، نحو: عمر، فهو معدول عن عامر، وليس منقولا عن عمر: جمع عمرة. وإن لم يكن له أصل في النكرات. نحو: قثم، فاقض عليه، بأنه ممنوع الصرف معدول، الا ان يقوم دليل بصرفه، على إنه ليس بمعدول نحو أدد. اهـ. فهل يصدق على ابن عصفور هذا، قوله في ميميته؟
وقد غفلوا عن كونه جمع عمرة ... له الصرف قبل النقل للعلم الاسم
بل الأشبه أن يقال: إنه هو غفل عن انتباههم لذلك كلهم، ولو لم ينص على هذا غير ابن عصفور، لعذرناه بعدم الاطلاع على كتبه. لكن يبعد أن يكون أراد التنقيب عن هذه المسألة، ولم ينظر في كتب ابن الحاجب وابن مالك على الأقل. وأما طعنه في علة العدل بقوله:
فدعواهُم منع وعدل مقدر ... وعن عامر محض التقول بالفم
стр. 386
فلا يخفى إنه تحامل محض، فلا هو أبدى قاعدة للنحاة، يبنى عليها الطعن في علة العدل، ولا اخترع من نفسه شيئا يستحق أن يصغي إليه، وهذا الذي وقع له وقع لقاصري النظر، فتراهم يطعنون في تعاليل النحاة، ويقولون: إن العرب لم يقصدوا ذلك.
وقد ذكر ابن جني في الخصائص، حكاية معناها إن أحدهم قال: فلان لغوب أتته كتابي فاحتقرها، فقال له آخر كيف تقول: احتقرها والكتاب مذكر؟ فقال له: أليس بصحيفة؟ فهذا يدلك على أن النحاة بنوا تعاليلهم على أمور معقولة عن العرب، ولنذكر لك ما يثلج صدرك. قال ابن برهان في اللمع: والمثال الكاشف لك عن مغزاهم العدل، هو أن تتصورهم بصورة، من غدا سائرا في الطريق لغاية رفعت له، ونظر إليها ثم عدل عنها إلى غاية أخرى، لا على السمت المستطرق، ففتح بذلك طريقا فصار إلى المراد. إلا أن العدول إنما كان في الأصل لغرض زائد، فالأولى: عامر علما، والثانية قولهم: عمر. ومثل هذا في قول العرب: زيد قام. في قلم ضمير لا يظهر البتة. وإذا قلت: الزيدان قاما. والزيدون قاموا. ظهر الضمير، فجعلوا الضمير بمنزلة السيف، يغمد تارة، وينتضى أخرى. فإن قيل: ومن أين علمهم العدل؟ قلنا لما صرفوا عمرا تكسير عمرة، وصرفوه معرفة، وتركوا صرف عمر. ولم يكن ذلك لمجرد التعريف، دلنا ذلك على ما قلناه. وقال سعيد: انهم نووا في هذا المعدول أن يبنوه على الأصل، ثم عرض له هذا البناء بعد النية، فعمر لم يقع في كلامهم صفة. وزفر وقع في كلامهم مثل عمر. ووقع أيضا مثل حطم. فتقول زفر، فهو زافر، والزفر بهذا بمنزلة عمر، لا ينصرف إن كان علما. قال ابو علي: كان ينبغي أن يقع الاشتقاق لعمر، من المصدر الذي اشتق عامر منه، فلما اشتق عمر من عامر، سمى معدولا، ولو كان على القياس
لسمى مشتقاً. والتغيير في الأعلام أوجد. فلذلك كان باب
стр. 387
العدول، إنما هو في الأعلام. قال. العبد عمر، أبلغ من عامر، كما أن الرحمن أبلغ من راحم، والجاري على الرحمن راحم، وعلى عمر عامر. فالفرع للفرع، والأصل للأصل.
وأما قوله: إنه لم يسمع في نظم ولا نثر، فإن النظم تقدم منه بيتان، ونزيد على ذلك قول ذي الرمة، يمدح عمر بن هبيرة:
أقول للركب إذ مالت عمائمهم ... شارفتموا نفحات الجود من عمرا
وقول الفرزدق:
إن الأرامل والأيتام إذ هلكوا ... والخيل إذ هزمت تبكي على عمرا
وقوله أيضا يمدح بشر بن مروان:
كنا أناساً اللأواء فانفرجت ... عن مثل مروان بالمصرين أو عمرا
وسئل الخليل بن أحمد، عن العلل التي يعتل بها في النحو. فقيل له: أعن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: ان العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقامت في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، وعللت أنا بما عندي إنه علة لما عللته منه، فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن يكن هناك علة غير ما ذكرت، فالذي ذكرته محتمل إنه علة له، ومثلى في ذلك مثل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق والبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل الداخل الدار، على شيء منها. قال: إنما فعل هذا هكذا، لعلة سنحت له وخطرت، محتملة أن تكون علة لتلك، فجائز ان يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز ان يكون فعله بغير تلك العلة، إلا أن ما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة كذلك، وقد نص كثير من النحاة، على أن سبب تشبثهم بالعدل في فعل المعدول عن فاعل، أنهم لما سمعوه ممنوعا عن
العرب، أرادوا أن يتكلفوا علة، لئلا يمنع كثير من الأعلام
стр. 388
سبب واحد، فكلما قدروا علة مع العلمية، وجدوها غير مستقيمة، فلذلك اتفقوا على العدل.
فغلطه في مسألة عمر، مسألة لغوية تتعلق بالدين، لأنها يلزم عليها صرف عمر الوارد في الحديث، وكذلك تكفيره للبرزنجيين في رحلته، بإضافة الاسم إلى الذات، فإن تكفير المسلم كفر، وقد جعلهم ملحدين في أسامي الله تعالى، وهذا نص عبارته، قال في رحلته: وهذا كله من صغائر ذنوب البرزنجيين، بالنسبة إلى ذنبيهما العظيمين اللذين لا يغتفران، أولهما: إلحادهم في اسم الله تعالى، واجتنابهم إياه في ابتداء مولدهم النثري بقولهم:
ابتدئ الإملاء باسم الذات العلية
وابتداء مولدهم النظمي على زعمهم بقولهم:
بدأت باسم الذات عالية الشان
فقد خرقوا إجماع المسلمين والجاهلين بذلك، ونسخوا اسم الله تعالى، ولقبوه بالذات المؤنثة، التي هي في الوزن كاللات والعزى، ووصفوه بالعلية، والعالية المؤنثتين. فكأنهم لا يحمدون ولا يعبدون الله ﷻ ، وإنما يحمدون ويعبدون الذات. الخ كلامه، ولا يخفى ان ادعاءه الإجماع، يعد من الغرائب، بل أطلقها عليه كثير منهم، وليس هو أبو عذر هذا الاعتراض، بل سبقه إليه ابن برهان وابن الخشاب النحوي، وقد أجاب العلماء عن ذلك الاعتراض، ويكفى في ذلك، بيت خبيب بن عدى الصحابي، ﵁. وهو:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يباركْ على أوصال شلو مُمزع
وفي صحيح البخاري (باب ما يذكر من الذات والنعوت وأسامي الله تعالى) قال الإمام القسطلاني: قال القاضي عياض: ذات الشيء نفسه وحقيقته. وقد استعمل أهل الكلام الألف واللام، وغلطهم النحاة، وجوزه بعضهم. لأنها ترد بمعنى النفس،
وحقيقة الشيء، وجاء في الشعر ولكنه شاذ. واستعمال
стр. 389
البخاري لها على ما تقدم، من ان المراد بها نفس الشيء، على طريقة المتكلمين في حق الله تعالى، ففرق بين النعوت والذوات.
وقال ابن برهان: إطلاق المتكلمين الذات في حق الله تعالى من جهلهم، لأن ذات تأنيث ذو، وهو جلت عظمته لا يصلح له إلحاق تاء التأنيث. قال: وقولهم الصفات الذاتية جهل منهم أيضا. لأن النسب إلى ذات ذوى، وأجيب بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة. أما إذا قطعت عن هذا المعنى، واستعملت بمعنى الاسمية فلا محذور. كقوله تعالى (إنه عليم بذات الصدور) أي بنفس الصدور. وقال خبيب ﵁:
وذلك في ذات الإله الخ
وفي الحديث (أخشين في ذات الله تعالى).
وقال ابن الحاجب في أماليه. قال: ابن الخشاب النحوي: لا يقال ذات الله. لأن ذات بمعنى صاحبة، ولا يقال صاحبة الله، والجواب عن ذلك، ان العرب تضيف المسمى إلى اسمه في قولهم، ذات يوم وذات ليلة، وشبهه. فالذات هاهنا المراد بها المدلول، والمضاف إليه المراد به اللفظ، وكأنه قيل مسمى هذا اللفظ، وأما ذات الله، فلاشك إنها لا تطلق لفساد المعنى، وإنما الكلام في إطلاق لفظة ذات مضافة إلى الله، وهو صحيح بمعنى المذكور، ومثله من كلام العرب قليل، والله أعلم بالصواب.
وروى البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن محجوب، حدثنا حماد عن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁. قال: لم يكذب إبراهيم ﵊ إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن: في ذات الله . قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، إلى آخر الحديث، وقالت أم المؤمنين عائشة
﵂ في صفة أبيها: فما برحت شكيمته في ذات الله تشتد، حتى اتخذ بفناء بيته مسجدا، يحيى فيه ما أماته المبطلون.
стр. 390
وقال الغزالي في (فيصل التفرقة) نقلا عن الأشعري: الكلام صفة زائدة قائمة بذات الله تعالى.
فإذاً ينبغي له أن ينسب الخليل، وعائشة، وأبا هريرة، والبخاري. ﵃، إلى إلحاد في اسم الله تعالى، لأن العبارة واحدة. ونعوذ بالله من ذلك، ومن ذلك قوله:
يا عجم برزنج آذيتمْ أبا حسن ... إيذا أبي الجهل عمرو أو أبي لهب
فإن أبا جهل في الأصل، لقب لعمرو بن هشام، فصار علما له، ولمح الأصل في الأعلام. كالعباس، والحارث، والفضل، بابه السماع.
ما وقع بين محمد محمود المذكور
وشيخ المالكية الأستاذ سليم البشرى
قدم محمد محمود من القسطنطينية، ونزل عند فضيلة السيد عبد الباقي البكري ﵀، ووافق ذلك عيدا من أعياد المسلمين، فقدم شيخ المالكية المذكور، يهنئ السيد البكري، ومعه جمع من العلماء، فيهم الأستاذ الرافعي، فلما جلسوا، واطمأن بهم المجلس. قال الرافعي لمحمد محمود، وكان يعرفه، وقصد أن يوقع بينه وبين البشرى: شنآنا يا مولانا، تنصرت بعدنا حيث لبست الخف الأسود؟ فرد عليه بأن قال له: ما فعلت إلا السنة، فقال البشرى: أجمع على كراهة لبس الخف الأسود. فقال له محمد محمود: ثبت في الصحيح ان النجاشي أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين، فلبسهما، ومسح عليهما، فما لونهما؟ فقال: لا أدري. فقال محمد محود: عجبا لك: تدعى الإجماع، ثم تقول لا أدرى. فقال الشيخ بسيوني، الذي كان إماما للحضرة الخديوية: أن هذا، وأشار إلى الأستاذ السيد الببلاوي،
يزعم أن عليا ﵁، لبس خفين أصفرين، فقال له: ذلك خارج عن موضوع المسألة، فسكت الجميع. وكان في المجلس أحد الأفندية من
следующие страницы →