← Тараджим

Тараджим · id 95696

الوسيط في تراجم أدباء شنقيط

أحمد بن الأمين الشنقيطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

منها مجلد، وذلك قبل أن يجتاز ببلاد الواسطة والجريد وتونس والبلاد المشرقية. ثم قال بعد كلام تقدم بعضه في ترجمة والده باب: وكان الناظم ﵀، من أعاجيب الدهر في الذكاء والفطنة ومكارم الأخلاق وحسن الشيم وعلو الهمة عن الخلق، والتجافي عن سفاسف الأمور، مع ما هو عليه من الجد والاجتهاد في طاعة رب العباد. وكان اجتيازه بنا بمكناسة الزيتون، عام سبعة وخمسين ومائتين وألف، ومكث عندنا ثلاثة أشهر، صحبناه فيها وذاكرناه، واستفدنا منه ما نرجو الله تعالى أن ينفعنا به في الدين والدنيا والآخرة. وكانت وفاته رحمه الله تعالى أوائل العشرة التي بعد الستين ومائتين وألف، ذلك قبل وفاة والده بما يزيد على العشرة أعوام بالمدينة المنورة، على مشرفها أفضل الصلاة والسلام. اهـ الغرض منه. وحدثني العلامة عبد الجليل براده رحمه الله تعالى، سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف بالمدينة المنورة، أن له في ذلك العام ستين سنة وهو متوفى، وأبرز لي ورقة صغيرة فيها مقطعة من نظم صاحب الترجمة وقد كتبتها منه ثم ضاعت مني قبل أن أحفظها وأولها: الدَّهرُ يأتي بأفراح وأحزان ... وكلّ شيء على ظهر البرَا فانِ والموت بئر جميع الناس وارده ... ولا حبٌ فيه يمشي كل إنسان لو كان بالموت من عارٍ مننقصةٍ ... ما ماتَ أحمد عالي القدرِ والشأنِ أو كان في غيرِه عز ومنقبة ... ما عاش من بعده يوماً فُلانانِ قلْ للذين هُما بموتهِ شَمَتا ... قد مات جاراً لطه خير عدنانِ وهي أكثر من هذا، وقال: أن أحمد المذكور، كان صديقا لصاحب الترجمة، فشمت به اثنان من شنقيط، كانا في المدينة المنورة، وكانا يحسدان صاحب الترجمة. قال: ومدة إقامته بالمدينة سنة، وتزوج بها إحدى بنات أهل المدينة. وأخبرني إنه مات، هو وصديق له اسمه المختار، في يوم واحد، ودفنا بالبقيع

стр. 72

رحمهما الله تعالى، ولم أعرف المختار ولا أحمد، الذي ذكر في أبياته. وقد رأيت قصيدة رائية له عند العبد اللاوي الفاسي، فكنت أريد أن أنسخها منه، فوقع مانع منع من ذلك. وأول منظومته التي شرحها سيدي العربي بن السائح رحمه الله تعالى: قال ابن باب العلويّ نسبه ... المغربيّ المالكيّ مذهبهْ الحمد للجاعل الأوْلياءِ ... ورثه الكُمّل الأنبياءِ والجاعل النبيّ خيرَ الأنبيا ... وشيخنا أحمد خير الأوليا حمداً يدومُ بدوام النعم على الخلائق وكل مسلم الهادي بن محمد المتفدم، وشقيق محمد المتقدم أيضا. كان فقيها محققا وخنذيدا مفلقا، رزق فهما ثاقبا ورأيا صائبا، أحد الرواة المتقنين والعُبَّاد الناسكين، كان موجودا في أيامنا هذه، وبلغنا موته ونحن بدمشق، سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف. وكان غاية في الظرف ومعرفة آداب المجالس، له اليد الطولى في نسج الشعر ونظم الأزجال العامية، وقلما تساويا عند شخص، بل لابد أن يكون الشخص أتقن لأحدهما من الآخر. وكان الظلمة من قبائل حسّان يخافون من لسانه، لأنه كان يذكر قبائحهم في أزجاله فتحفظها العامة، وكانوا يتأثرون منها أكثر مما لو كان نظمها بالشعر الحقيقي. فمن ذلك قوله فيهم: مَذَ مِنْ وَخْشِ: فينا يتْمَشَّ ... مَاهُ آمْخَلِّ شِ: آلاهُ امْخَلِّ شَ قوله: مذ: أصله ماذا، فساقها على عرف العامة هناك. والوخش: رذال الناس وسقاطهم وهي عربية خالصة. وقوله ماه امخل ش: معناه إنه لا يترك شيئا. وقوله ألاه امخل ش: اصله شاة، وهو من عطف الخاص على العام، وهذا النظم يسمونه كاف (بكاف معقودة) وضابطه أن يكون الشطران مختومان بحرف

стр. 73

واحد بشكل واحد، أعني الأول والثالث، وكذلك الأخيران، أعني الثاني والرابع، وأقله أربعة أشطار كما تقدم، ولا حد لأكثره. مَذَ مِنْ عَلاّلْ ... مَعْدُودْ افْلِعْيَالْ أنْكُلْ أنَوَالْ ... أسْرَ مِنْ حَنْشَ ما خَلَّ سِرْوَالْ ... إلاَ خَلّ فَشَّ قوله مذ: أصله ماذا كما تقدم، وعلال: فعال من العل، يعني إنه يحلب نوق الناس بعد أن تذهب للرعي من عند أهلها، وهذا عندهم وصف في غاية الذم، ومعنى معدود افلعيال: إنه كل على الناس، فيعدونه في عيالهم، وافلعيال: أصله في العيال، إلا أنا كتبناها على ما يتلفظون به، ولأن بحرهم الذي ينظمون في ميزانه لا يصلح فيه إلا هكذا، لأنا لو قلنا في العيال، ينكسر الوزن في اصطلاحهم، إذا المعتبر عندهم فيه قدر المتحركات، ولا يبالون بالسواكن قلَّت أو كثُرت، وكذلك لا يعدون الهمز المتحرك الواقع في أوائل الأشطار، ويسمون المصراع تافلويت، وما أدرى اشتقاقها، وهذا يسمونه طلعة، وضابطها أن تكون على ستة أشطار، ثلاثة هي الأولى على روى واحد، وبعدها واحد على روى آخر الكاف الذي تقدمها، وبعدها شطران أحدهما مساو للثلاثة التي تقدمته، والآخر على آخر ما قبله وهكذا، وأقل الطلعة ستة، كما تقدم، ولا حد لأكثرها، وقوله أفكل أنوال: أصله في كل، وأنوال عندهم تقال لبيوت من الشعر غير كثيرة، وقوله: أسر من حنش: اصله أسرى، أي أكثر منها سرى، أو حنش هي الحية الأنثى، ومذكرها إحنش عندهم، وهذا غير المعروف في لغة العرب، لأن الحنش تقال للذكر والأنثى من الأنواع التي اختلف فيها عندهم، ومعنى ما خل: ما ترك، وسروال: هو المعروف عند المشارقة أيضا، مع أن الصحيح سراويل، وهو مفرد ملحق بالجموع، وقيل: هو جمع، ومفرده سروالة، وأنشدوا عليه قوله: عليه من اللؤم سروالة ... وليس يرق لمستعطف

стр. 74

ومنها: ما فَمْ اتْمَغْفِيرْ ... وِبْلاَخِيْم اكْبِيرْ اتْشُوُفْ البِنْدِيرْ ... مِنْ عِزِّتْ لِعْشَ يوكَلْ لَيْنْ الخَيْر ... يَبكَ يِدَّشَّ قوله: فم، أصله ثم. وهي لغة معروفة في ثم، وليست دخيلة ولا عامية، واتمغفير: معناه التخلُّق بأخلاق بني مغفر، قبيلة كبيرة، وهذه التسمية تطلق على كثير من الترارزة، كما يقال: تمعدد الرجل: إذا صار جسمه كأجسام بني معد، قال: ربَّيتهُ حتى إذا تمعددا ... وآض نهداً كالحصان أجردا كان جزائي بالعصى أن أجلدا وبنو مغفر: قبيلة كبيرة في نواحس فاس، وهم أخوال ملوك الغرب، إذ أمهم أي ملوك الغرب، السيدة خنائي بنت الشيخ بكار العالمة المشهورة، ذكرها صاحب الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصا، وذكر أن لها حواش في هامش نسخة من كتاب الإصابة لابن حجر بخطها، والخيم عندهم حسن السجية، وقريب منه ما في التاج. قال وفي المحكم: هو الخلق، وقيل سعة الخلق، فارسي معرب. وتشوف، بمعنى ترى، والبندير عندهم بمعنى صاحب العظمة والكبرياء، ولعش، أصله العشاء، ويوكل، أصله يأكل، وهذه اللغة هي الدارجة هنالك، وهي صحيحة، مثل أكد ووكد ويبك (بكاف معقودة) بمعنى يبقى، ويدش، بمعنى يتجشأ بذمه بالشره، وبالجملة، فقد أثر فيهم زجله، أكثر مما لو كان نظم فيهم شعرا من أضراب، قفا نبك: لانهم لا يفهمونه. ومما اتفق، إنه كان يوما راكبا مقبلا من جهة، فرآه أحدهم وهو راكب أيضا يقصده، فعرفه قبل أن يقرب منه، وكان تحت ذلك الراكب شيء من اللحم معلق، فقطعه ورمى به خوفا أن يراه عنده فيظنه ممن وصف، وهذا الزجل يسمونه

стр. 75

الغناء، ويسمون صاحبه مغنيا، سواء كان عالما أو جاهلا، شريفا أو وضيعا، وليس هو بمنزلة المغنى عند المشارقة، فإن ذلك من يغنى للناس ليأخذ منهم أجره، فإن هذا في بلاد شنقيط، لا يتعاطاه إلا طائفة يسمونها إيكاون (بكاف معقودة) ومفردهم إيكو، وعادة أولئك، أن من يحب السماع يذهب إليهم في بيوتهم فيغونه ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، لا يستحيي بعضهم من بعض، أعني إيكاون، ولهم أوتار يضربونها ولها أعصاب، فإذا حرَّك أحدهم وتره، علم الماهر من الحاضرين يضرب في أي ظهر، وهو ما يقابل البحر الذي أنشده منه بيتا يكون طويلا أو بسيطا، أما الذي يطرب بصوته من غير هذه الطائفة، فيسمونه نشاداً، ويزعم أهل تلك البلاد، أن إيكاون أصلهم يهود أسلموا، ولم أر ما يصحح زعمهم. ولنرجع لصاحب الترجمة فنقول: إنه كان راوية لأشعار العرب، عالما بسيرة النبي ﷺ ، ظريفا لا تمل مجالسته، ولا يسمع في مجالسه إلا ما يعلى الهمم، ويحض على التقوى والدين، ومن جيد شعره قوله يرثى الشيخ سيدي: الأرضُ بعد الشيخ ثَكلاَ يالها ... قد زُلْزِلَتْ من فَقْدِهِ زِلْزَالَها أنَّى لها تجِدُ السُّلُوَّ وَرَاَءه ... عزَّ السُّلُوُّ وَرَاَءهُ أنَّى لها يا لِلْحَوَائج والخطوبِ إذا دَهَتْ ... ذهَبَ المُعَدُّ لهنًّ كان فيالها رُزْءٌ أصاب العالمين جميعَها ... أطفالها ونساَءها ورجالَها كهفُ البرِيَّةِ حاملٌ أَعْبَاَءها ... دون الورى ومصدّق آمالّها غوثُ الأنام إذا السُّنون تتايَعَتْ ... والأرضُ أَصْبَحَ ماؤُهَا صَلْصَالَها كم كاعِبٍ أو فارضٍ أو يافعٍ ... أو عائل قَدِمَتْ إليه فعالَها كم عصبة ضربت إليه جيادَها ... وَعِصَابَةٍ ضَرَبت إليه جِمَاكها تَبْغي حوائج من يديهِ كثيرة ... حطت لهنَّ سرُوجَها وَرِحَالهَا

стр. 76

الواهبُ الجردَ العتاق وقد حَمَتْ ... قَصَب الرهان إذا تجول مَجَالها إِنَّ العَطِيَّةَ لا يَتِمُّ نفاذُها ... إلا وَأَرْدَفَ بعدَها أمثالَها دارٌ رأى إقبالها إدبارَها ... ورأى الورى إدْبَارَها إقبالَها ومنها: مَأوَى الورى قطبُ الرحى مَنْ جاَءهُ ... يَجِدَ الرَّحى أبداً تحكّ ثِفَالَهَا ويجدْ كريمة شولهِ معقولةً ... بالباب قد خَضَبَ النَّجيعُ عِقالَها تخشى المساء أو الصباح سوامهُ ... فكلاهما انتظرت بهِ آجالهَا فالناسُ ينتجعونَ سَيْبَ يمينهِ ... لا سيفَها وسنانَها وبلالَها كم ليلة أو بلدةٍ أحياهما ... بالذكرِ والحَفْرِ المفيض زُلالَها لمَّا رأى سُبُل الرِّفاقِ مَضَلّةً ... عَمَرَ البلادَ وهادَها ورِمالهَا منَع البلادَ مِنْ أن تُصابَ بَسَيئٍ ... حَتى أجارَ من الرُّعاةِ سَيالَها وإذا العُدَاةُ مَعَ العُدَاةِ تَقابَلَتْ ... وضَعَ العُداةُ عن العُداةِ نِبالَها وحَمى جميعَ العالمينَ حِمايةٍ ... لَمْ تحمها أسد الشَّرَى أشبالَها لكنَّما المولى رحيمٌ بالوَرى ... فالتَحمَدِ المولى الذي أبْقى لها مَنْ كان وارث سِرِّهِ ومقامِهِ ... حَذْوَ الرِّجالِ على النّعالِ نعالَها أتَتِ الخِلاَفَةُ مَرْبعاً قد طالما ... سَحِبتْ بهِ منْ قبلِ ذا أذْيالَها وتَسنمتْ أرآمُها أرآمَها ... وتكَنَّستْ أطْلاَؤها أطْلالها وهذا ما بقى في خاطري منها وهي طويلة. ومن جيد شعره، قوله في موعظة ذكر فيها ثلاثة تجار من النصارى، مشهورين بكثرة المال، اسم أحدهم ويتْ، واسم الآخر ججم، واسم الآخر كزبار (بكاف معقودة). اجْعَلْ جميعَ السَّعْي في الإِلِه ... لا في التّجارَةِ ولا المَلاَهِ مُغْتبِطُ الدُّنيا حَرٍ بالنّدَمِ ... وغيْرُ فاطِرِ السمّا لم يَدُم

стр. 77

فَلْتَسْرَع العِبادُ بالسّباقِ ... لِرّبها الحيّ القيُّومِ الباقِي فإنما الدُّنيا كمحْضِ العَدِم ... لا هِيَ بالبقا ولا بالقِدَمِ عَنْ جِجَمٍ زَالتْ وقَّلَ عَجَمي ... وعَرَبيّ في الغِنا كجِجَم بَعْدَ اشْترائِه لِكلّ عِيرِ ... عَدَلَ للخُلُودِ في السّعِيرِ بَعْدَ اشتِراءِ كُنْدَرِ الأغْلالِ ... أصَبَحَ في القُيُودِ والأغْلالِ خَلاّ قِلاَلَ الشّهْدِ في انتظامِ ... وهْوَ أعُوذُ بالإِلهِ ظامِ وقَعَ في عظامِهِ العِظامِ ... تَزَلّعُ اللّحْم عَنِ العِظام مِنْ قَصْرِه ولَجَّ في الجحيم ... ولَمْ يَلِجْ في رحْمةِ الرَّحيم ولمْ تُفِدْ فِيما إليهِ صَارا ... يا ويْحهُ مَكائدُ النّصارى حَلَّ بهِ يا ويْحَهُ الوَبارُ ... ويَقتَفى سَبيلُه كَزْبارُ قَبلهُما قَدْ هَلكَتْ وبارُ ... وأُمَمٌ تَنَعّمُوا وبارُوا لباسُهُمْ لمّا مَضَوا غُبارُ ... ودَمُهُمْ إذ قُتلوُا جُبارُ وأصْبَحتْ مِنْ بَعدِها الدّيارُ ... وهْيَ يبابٌ ما بها دَيّارُ لَمْ يَقٍ وِيتاً وهْوَ حَيٌّ مَيتٌ ... فُلْكٌ ولا حُصْنٌ ولا كُمَيتُ ولا دَجَاجةٌ ولا حَمامُ ... لَمّا عَليه أشْرَفَ الحِمامُ يَرَى الخنَازِيرَ تُداسُ بالعَمَدْ ... مَا كانَ ذاك ظنَّهُ طُولَ الأمَدْ تَقْتُلها أرَاذِلُ الرُّعاةِ ... وكانَ جَبَّاراً قَوِيًّا عَاتِ كانَ القَتَادُ دُوُنَها والضّالُ ... حَتى أتاهُ دَاؤُهُ العُضَالُ تَبًّا لهُ مِنْ مَعْشَرٍ إفْرَنْجِ ... يَلْعَبُ بالبَّرْدِ وبالشّطْرَنْجِ فَمالهُ في اللهِ دَمْعٌ ذَارِفُ ... شَغَلَهُ النَّعيمُ والزَّخارِفُ

стр. 78

مَنْ لاحَظ الأشْياَء في المآلِ ... وجدَها معدومَةً كالآلِ مَنْ لَزِمَ الدُّنْيا وَربّ زَمْزَمِ ... لَزِمَ ما لزُوُمُهُ لَمْ يَلْزَمِ وكان ترك الشعر ﵀، قبل موته بمدة. وقال في ذلك: مَنْ يصَوْغِ الشّعْرِ أصْبَحَ مولَعاً ... فالمرْءُ يُسْئَلُ عَنْ مَقاصِدِ شِعْرِه فَلْيَذْكُرَنّ المرْءُ عِنْدَ سُؤالِهِ ... وليذكُرَنّ قِيامَهُ منْ قَبْرِهِ هَذِي الثلاثةُ لا ارْتجالَ وَراَءها ... فَطَوَيْتُ رَقّ الشّعْرِ خيفَةَ نَشْرِهِ قوله: فليذكرن المرء الخ. المرء فاعل ليذكرن، وقوله عند، ظرف توسع فيه فنصبه على المفعول به، ليذكرن. والمعنى: أن المرء إذا تذكر ذينك الوقتين، ينبغي له أن لا يشتغل بغير ما يجدي عليه نفعا هناك. حرم بن عبد الله المعروف بلكنيز بن عبد الله بن عثمان. يجتمع فيه مع باب المتقدم، وباقي النسب هناك، فقيه ورع متواضع نحوي سليم الذوق، يتدفق ذكاء وفطنة، تطربه الأشعار الحسان. وكان في زمننا هذا ﵀، ولم تشتهر له قصائد كبار، وإنما له مقطعات حسان، ولم يعلق بخاطري منها الآن إلا أبيات، كتب بها إلى أبناء احمد بن اعمر أكداش (بكاف معقودة ودال بعدها ألف وشين، بطن من بني عمر أكداش) وكان شاعرهم المشهور، المختار ابن المعلى، قال قصيدة يمدح بها العلويين، تشتمل على ثلاثة بحور، فأجابها شاعر العلويين، أبد بن سيدي أحمد بن محمود ابن أخي أبد المتقدم، بقصيدة تشتمل على عشرة بحور ومطلعها: دُرَرُ البهاءِ رمَى بِهِنَّ غَطْمْطمُ ... حارَ البليغُ بِها فَبلغَ طِمْطِمُ فأجابها ابن المعلى بأربعة أبيات، تقرأ في كل البحور أوجلها، فرد عليه أبد ببيتين يقرآن في كل البحور، وساقا هذا الشعر في معرض المدح، وإنما المراد به التعجيز لما بين الحيين من المنافرة القديمة، ولم يزل هذان الشاعران موجودين فيما أظن، أما أبد، فعن تحقيق ولله الحمد. فقال حرم المذكور:

стр. 79

ابني أحمد بن اعمر كنتم ... لمن اعْتَرَّ مأمناً وربيعا إن يكن من صنيعكم أن رفعتمْ ... عاليَ الناس فوقكم والوضيعا لا يضرْ كم ذاكم فأنتم الأعْلَوْ ... نَ اتَّضعْتمْ تأدُّباً وخُشوعا ضَمنَ البِرُّ والتُّقى لكم أن ... لا تَزالوا فوقَ الأنامِ جميعا في مكانٍ لا يطمَعُ الناس فيهِ ... وكفاهم ما دونهُ ترفيعا فمساميكم والمسابقُ كابٍ ... قاصرٌ عَمْا لم يكن مُسْتَطيعا فدعُوا عنكمُ التأنقَ في المدْ ... حِ والإِعجاز فيهِ والتنويعا ليس بعد النور المنزل إعجا ... زٌ فما الحُسْنُ بعدهُ ممنُوعا وعَلَيكم مِنَّا السَّلامُ سَلامٌ ... كشَذَا المِسْكِ بَعدَ هَدْءِ أذِيعا محمد الحسن بن محمد عبد الجليل بن الحسن بن الأمين بن الحاج. يجتمع فيه مع حرم الذي تقدمت ترجمته في أول الكتاب، ومع غيره ممن تقدم في الطالب، وبقية النسب واحدة، نحوي متقن، وفقيه متبحر، راوية لأشعار العرب، مكب على المطالعة، جواد الكف، حسن الطباع، تقيٌّ نقيٌّ، رحم الله روحه الطاهرة. طلب النحو على سيبويه تلك البلاد من غير دفاع، أستاذنا يخطيه بن عبد الودود، أطال الله حياته، ثم على خليلها، محمد عالي بن سيدي بن سعيد، والفقه على أهل محمد سالم المشهورين هناك بهذا الفن. وكان رقيق الشعر، سهل العبارة، أمون من الغلط، كأنما الشعر في جيبه، يأخذ منه في أي وقت شاء، مع قلة ما حفظت له، لزهد الناس في معاصريهم ولعمري إنها لبلية. ومما في ذهني من شعره بعض أبيات، كتب بها إلى شقيقنا محمد سالم ﵀، وكان صديقا له يسأله إعارة التصريح على التوضيح: منى سلامٌ إلى ذي المحتد السام ... محمد سالم الأعراض من ذام فإنني ارتجني التصريح عارية ... من راحتيهِ مدى عامين أو عام

стр. 80

وله من قصيدة، يمدح بها أحمد بن امحمد ابن عيدَّ أمير ادرار، وقد ضاع منى أولها: أميرٌ فارِسٌ بَطلٌ جَوَادُ ... خَليفَةُ فارِسٍ بَطلٍ جوَادِ وغيثٌ لا يملّ إذا تمادى ... وكان الغيثُ يسأمُ بالتمادِ وبحرٌ ترتوي منهُ الرَّوايا ... بما يشفى الغليلَ لكلِّ صادِ شرابٌ أن أتوهُ بلا شرابٍ ... وزاد أن أتوه بغير زادِ لنعم الجَلْد أنت إذا تبدَّتْ ... نواصي الخيلِ مقبلةٍ بَدادِ وبداد: حال، وقعت معرفة، وقد نص عليها في كتب النحاة، فهي من الألفاظ المسموعة من العرب، لكن لا يقاس عليها ما يشابهها. وله من أبيات يقولها في المشاعرة، التي تقدم ذكرها، في ترجمة الذي تقدمه، وقد ضاع مني أولها: فإنْ تَكُ الأزْمُنُ النسوانُ نِيطَتْ ... عليها من مآثركم رِعاثُ قد أنبثَّتْ مناقِبُكم وشاعَتْ ... كما في الناس للمثلِ انْبثات ومن ظريف أخباره، إنه كان مع العلامة المتقن، وليُّ الله أحمد بن محمد، في حي ينتجعون المراعي بإبلهم، فوصل إليهم مكتوب من العلامة الشهير، صاحب القدر الكبير، الشيخ سعد أبيه ابن محمد فاضل، أخي الشيخ ماء العينين، فيه أبيات من الرجز، وكتب قبلها أسطرا من النثر، معناها أن هذه كرامة أكرمني الله بها، ولا يقدر عليها أحد، وكانت تلك الأبيات من الحروف المقطعة، فأخذ هو تلك الأبيات، ونظم اثني عشر بيتا من الحروف المقطعة، فيما بين الظهر والعصر، وكتب بها إلى الشيخ المذكور، وكتب إليه في مقدمة الكتاب إني لست وليا، ولا من أهل الكرامات، وها هي الأبيات، لم يتخلف عن ذهني منها إلا بيت واحد، وهي في مدح الشيخ أحمد بن محمد المذكور: أَرَأَى زَوْرَهُ دَوَاَء أُوَارِ ... ذُو دَوًى زَارَ أَدْؤرًى وأوارِى

стр. 81

آلُ أرْوَى أوْدَى وَرَاَء رَدَاحٍ ... دُورَهُ أَرْىُ وَادِقٍ وَذَارِ وَرِثالٌ إِزَاَء دَوْحِ أَرَكٍ ... وَأَرَاوٍ وَرَدْنَ دُونَ ازْوِرَارِ وَدَعِ اذْذكَ وِرْدَ دُرَّسٍ دُورٍ ... أَجَّ داَء أَرَبَّ دُونَ إِزَارِ وَإِذَا ذُو وُدِّ أَرَادَ أذىً دَعْ ... وَأَزِلْ وِزْرَهُ وَوَاسِ وَوَارِى وَإِذَا زَارَهُ وَرَاَءكَ واشٍ ... رُمْ وِدَادًا وَدَاوِ ذَاك ودَارِى ذَادَ دَاَءى أن زرتُ ذَا أَدَبٍ إِذْ ... زورُهُ رَادِعٌ إِذًا أَوْزَارِى وَرِعٌ راقٍ ذِرْوَة وَقٍ ارْوَا ... حَ ذَوِى ذُلٍّ وُرَّدٍ زُوَّارِ وَرَدَتْ وَارِدُوهُ آذِىَ رَامٍ ... دُرَراً زِنَّ دَارَة وَدَرَارِ أَرَؤفٌ ذُدْوِرْدَ وِزْرِيَّ وَارْأفْ ... ذارَِءى إذْ أَرَاكَ أرْأفُ ذَارِ وَارْأبَ ارْ آبَ ذَا ودَاوِ أذَاهُ ... وَأَزل وزْرُهُ وَوَارِ أوَارِ إجْدُودْ واسمه عبد الوهاب بن اكتوشن بن السيد العلوي. يجتمع مع الذين في أوَّل الكتاب في أبيج، وبقى فخذه بالنسبة إليه دون اخوتهم.

стр. 82

عالم نحرير، اشتهر علمه في تلك البلاد، وله صيت حسن في قبيلته وفي غيرها. وطلب عليه كثير من الزوايا، مثل تاكنيت (بكاف معقودة) وأولاد أبيير وغيرهم، واشتهر بالفقه واللغة والنحو، ووقعت بينه وبين باب بن أحمد بيب المتقدم، مخالفات في مسائل فقهية، وانبنت عليها وحشة بينهما زمانا. وكان أهل بيته أكثر العلويين كتبا، وكانت تحت يد باب جملة من كتبهم، فأخذها منه بسبب ما تقدم. ثم أن باب أكبّ على شراء الكتب، بأي ثمن طلب صاحبها، واستجلب النساخ من الخارج، فما مر بضع سنين عليه، إلا وهو أكثر منهم كتبا. وكان يقول: جزى الله عنى إجدود خيرا، لأنه لما أخذ كتبه، أحدث ذلك فيه همة بتحصيل الكتب حتى صار أكثر منه. ثم أن إجدود رجع عن تلك المسائل التي كان يخالف فيها باب، ولهما مشاعرة في ذلك ولم أحفظ منها شيئا، ولم أحفظ لأجدود غير قوله في الغزل: كأَنَّ الدَّلال على خدّها ... جناح غراب على سوسنم وسو: بمعنى سواء. والسنم: الموضع المرتفع. وقال يرد على أحمد بابا التينبكتي صاحب ذيل الديباج. وكان يقول: أن الفاعل يجب أن يخصص بإحدى مسوغات الابتداء: وقول من يستوجب التخصيصا ... بفاعل ليس يرى منصوصا وإن يكن أحمد بابا قد جزمْ ... بِه فما تخصيصهُ بملتزمْ مثل قوله تعالى (أن تقولَ نفسٌ يا حَسْرَتا على ما فرَّطتُ في جنْبِ اللهِ) وله بيت استدراك على ما يقال، أن أحد العلماء سأل أبا الطيب المتنبي: كم من الجموع ورد على فعلى - بكسر فسكون - فأجاب على البديهة: ظِرْبيَ وحِجْلىَ، قال ذلك العالم: فسهرت ثلاث ليال أفتش الكتب، فما وجدت لهما ثالثاً. وبيت أجدود: وثالث اللفظين لفظ يعزى ... إلى الدماميني وهو معزى وهذا وارد في أشعار العرب. قال امرؤ القيس:

стр. 83

ألا أن لم تكن إبل فمعزى ... كأنَّ قرون جلتها العصيُّ وقال الآخر: بتنا بحسان ومِعْزاه تَئِطْ ... مازلت أسعى بينهم وأخْتبِطْ حَتى إذا جنّ الظلام واختلطْ ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قطْ محمد محمود بن اكتوشنِ أخو الذي قبله: وهو فقيه مشهور وعابد مذكور، ما وقفت له على شعر يذكر، إلا قصيدة يرثي بها باب بن أحمد بيب المتقدم وهذا مطلعها: سهم المنون رمى به فأصابا ... حسن الخليقة والمحامد بابا يا حاسدون إذ السنون تتابعت ... ومن الشماتة نابكم ما نابا لا تحسبوا أنا أصبنا وحدنا ... كلّ الورى أضحى بباب مصابا سل الآيَ والخبر الصحيح كليهما ... والفقه والتاريخ والأنسابا والغُسْلَ في ظُلَلِ الشتاءِ كأنهُ ... ما مَسَّ قطّ برَاحَتَيْهِ تُرابا وجواب الأمر في عجز بيت ضاع مني أوله، وهو: تُخْبِركَ بَاكية عليه جوابا سيدي محمد بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم المتقدم، عالم نحرير ولغوي شهير، من نظر إلى قوله المسدد، علم إنه كما قيل: هذا الشبل من ذاك الأسد، ومن آثاره الحميدة، ومصنفاته المفيدة: نظمه سواطع الجمان، وشرحه نجم الحيران، وقد نسخت منه نسختين بيدي، أعطيت إحداهما لبعض أقاربي، وتركت الأخرى في كتبي، وما أدرى ما فعل الله بها، ما ترك شاذة ولا فاذة في نظمه هذا وشرحه، إلا جمعها، وهو في الأفعال جمع ما في التسهيل، ولامية الأفعال، كلاهما لابن مالك، وقد احتوى على أكثر مما في شرح بحرق اليماني المعروف هنا بالحضرمي، وناهيك به، ولم يحضرني الآن شيء من ذلك النظم،

стр. 84

ولصاحب الترجمة منظومة، يكفر بها أبناء حسان على ما أداه إليه اجتهاده، وقامت عليه الأدلة عنده، وهي: حمداً لمن رفع جهلَ العَالمينْ ... وكفرَهم بِبَعْثِ خَيْرِ المُرْسَلين مبشراً ذوى الصلاح والهدى ... ومنذراً من حادَ عنهُ واعتدى صلى عليهِ الله ما نِيلَ الأرَبْ ... وما أرادَ المكسَ ظالِمُ العَرَبْ وبعد ذا أن بني حَسَّانِ ... في منتهى الضلالِ، والخسرانِ لم يسأموا ظلماً وفسقاً جهرا ... بل همْ فَرَاعِينُ البَرايا طُرًّا والبعض منهم مؤمنون مسلمونْ ... مثل ابن باهَ والكثيرُ كافرُونْ ففعْلُهُمْ دَلَّ عَلَى إنكار ما ... وجبَ الإيمانُ به فلتعلما لو أيقْنُوا السؤالَ والحسابا ... يوم الجزا ما ظلموا ذُبابا وقد روى الندب أبي الحبر الهمامْ ... عن مالكٍ إمامنا خيرِ إمامْ تكفيره قوماً يقومون الصلاهْ ... وهم يصومون ويؤتون الزكاهْ ويظلمون وألاءِ تَركوا ... تِلك الثلاثَ والخنا لم يتركوا فالجل بالخنا مصرحونا ... ومنهمُ قوم منافقونا يسبحون يركعون يسجدونْ ... وَيَفْعلُون بالوَرى ما يَفْعلُونْ بل هم شرارهم ولبس يعلمونْ ... واللهُ عالِمٌ بما هم يكتمونْ وضابط النفاق عند من دراه ... إظهار الإسلامِ وإضمارُ سواه كما ترى في بعض هؤُلاءِ ... فاحكم بكُفْرِهمْ بلا امْترَاءِ وزادَهمْ في ذا بُعَيْضُ الطّلبهْ ... لا غفرَ اللهُ لهُ ما ارْتكبهْ

стр. 85

والغرس منهم عندنا غير صواب ... لأنَّ خبثَ الماءِ من خبث التراب وجاَء في المَثَل عنهم صرَّا ... لا يَلدُ الشِّهَابُ إلا الجمرا أما نكاحُهم فليس بنكاح ... وإنما هو سِفَادٌ وسِفاحْ والله قال والذي خَبُثَ لا ... يَخْرُجُ إلا نكِداً فامْتَثِلاَ أما الذي حازوا من أمْوَال الأنام ... فبعضُهُ حِلٌّ وَبعضُهُ حَرَامْ وقيل بل حل وقيل بل حَرَامْ ... والجُل خذه دون إذن والسلام تمَّ مكفر بني حَسَّان ... والحمدُ للهِ على الإحسانِ العمُّ بنْ أحْمَدُّ فَالْ بن أحمد بن عم، ويقال له: لعميم، وبه اشتهر في قبائل تندغ، ومن بجوارهم، يجتمع مع أكثر من تقدم في أبيج، كان شاعرا مقتدرا على نظم الشعر في أي روى، وعلى أي أسلوب، مع رقة ألفاظ وانسجام، وكان ممن جمع بين الشعر والأزجال على حد سواء، ويكفيه إنه ساجل محمد بن هدار الأحراكي، وكان غاية في ذلك الفن فكاد يغلبه، ثم إنه أسر إليه وقال له: لا تفضحني في هذه البلدة، فإني لا أعيش إلا باعتقاد الناس أني منفرد في هذا الفن، فقال فيه ما يدل على تقدمه عليه. وكان من أفراد عصره في معرفة البيان، وله يد في النحو والفقه، وأكثر من أخذ عنه، العالم النحرير أحمد بابا التندغى، واتفق إنه أنشد بيتين لنفسه، فبلغه أن أحد الأدباء ادَّعى إنه اشتراهما منه بثمانية أبيات، فقال: أخيراً هاجَكَ البَرْقُ اليَمانيِ ... وَتَذْكارُ المَعَاهِدِ وَالمَغَانِ مَغَانٍ طَالَ لَهْوُكَ في رُبَاهَا ... بِآنِسَةٍ مُخَضَّبَةِ البَنَانِ إِذَا بَرَزَتْ تَبَخْتَرُ بَيْنَ بيض ... حِسَانٍ يَنْتَمينَ إلى حِسَانِ يُخَلْنَ إذَا يَرَزْنَ نِعَاجَ رَمْلٍ ... لدَى مَحْنا جَآذِرِهَا حَوَانِ تَخَالُ الفَرْعَ لَيْلاً وَالمُحَيّا ... سِرَاجاً وَالقَوَامَ قَضِيبَ بَانِ فبينا تنشدُ الأشْعَارَ قصْراً ... وَنأْخُذُ في المقابِسِ وَالمَبَانِ

стр. 86

وننحو النحوَ والتصريفَ طَوْراً ... وَأطْوارًا نِميلُ إلى البَيَانِ إذا بِفَتًى سَقُولُ شَرَى فُلاَنٌ ... بِذِي الأبْيَاتِ ذَيْنِكَ مِنْ فُلانِ فقلتُ وَهَلْ صَدَقْتَ فقال قَوْلاً ... لَعَمرُ اللهِ ليسَ بمُسْتَبَانِ فقلْتُ سَلِ الصّحَابَ فَلَسْتُ أصْغى ... إلى أقْوَال ذِي الجدَلِ المُعَانِ أليس الشعرُ طوْعْ يَدِي وقلبي ... وَسَهْلَ الصَّوغِ وَيْكَ عَلَى لسَان أَصُوغُ البيتَ مِنْهُ بلا عَرُوض ... على أقْوَى وأَقْوَمِ الاتزَانِ وَأَنْفِ اللَّحْنِ والتَّعْقيدَ عَنْهُ ... بِذَوْقِي والقَرِيحَةِ وَالجَنَانِ وَأَرْتَقِبُ المَحَاسِنَ من بعيدٍ ... وَأَقْتَنِصُ الشَّرُودَ مِنَ المَعَانِ فأَكْسُو اللفْظَ بالأفطارِ حَلْياً ... يُذَمُّ له اليْمينُ مِنَ الجُمَانِ فلم تَحْسُنْ مُشاعرَتي لمَنْ لا ... لَهُ بِمَدَى مُشَاعَرَتي يَدان وقال أيضا: وكان نزل بدكانه (بكاف معقودة، قرية لفرانس على شاطئ بحر يقال له أبجك، بألف وباء وجيم وكاف معقودة) وهو نهر يقرب من نيل مصر، وهذه القرية معدة للتجارة مع العرب، وأكثر ما يباع فيها العلك المعروف عند المشارقة بالصمغ، وكلاهما لغة صحيحة، ومن عادة أهلها أن صاحب العلك يفرش له ويقرى، اعتناء به، أما غيره فلا يلتفون إليه، وأبياته هي: أمَا واليَعْمَلاَتِ منَ المَطايا ... ومكنونِ المحاسنِ منْ حَذامِ لمِنْ رَيْبِ الزمان ومُعْتَدَاهُ ... مُقامِي في دَكان بلا مقامِ كأني في المحافلِرو ... وهَمْزُ الوَصْلِ في دَرَج الكلام وهذا المعنى أخذه من قول القائل: أيها المدّعي سليما سفاها ... لست منها ولا قلامَةَ ظُفرِ إنما أنت في سليم كواو ... ألحقت في الهجاء ظلماً بعمرو لكنه زاد عليه همز الوصل في درج الكلام، وكساه رونقاً بسلاسة ألفاظه. ومن نظمه:

стр. 87

ضُحّى زُرْت الحبيبَةً لا فقالَتْ ... مَتى تسعى وهَلْ لكَ من رُجُوعِ فلمْ يَسْطعْ إجابتَها لساني ... فبادَرْتُ الإجابَةَ بالدُّموعِ قوله - لا - معناه قدر - لا - فلا، هنا ظرف، وهذا المعنى أخذه من قول ذي الرمة: تريك بياض لبتها ووجهاً ... كقرن الشمس أفتق حين زالا أصاب خصاصة فبدا كليلاً ... كلاَ وانْغَلَّ جانُبُه انْغِلالا أي، فظهر بقدر ما يقول القائل لا. ومن نظمه قوله: سَتُدْنينيَ اليْومَ منْ نُزْهَتي ... أمَيْمَةَ ذَاتِ الهوى الخالدِ ثَلاثٌ تُقَرِّبُ ما قدْ نأى ... زمامي ورَحْاي وذو الشَّاهِد وسافر من بلده، إلى الأمير أحمد بن الحاج عمر الفوتي في سَيْكُ (بكاف معقودة مضمومة من أرض السودان) فحظي عنده، وله في مدحه قصيدة ميمية سمعتها وهي في غاية الحسن، ولم أحفظ منها شيئا. وتوفي هناك في صدر القرن الرابع عشر بجدري أصابه ﵀. وله من أبيات: سلا خِلّي سالبتي سَلاها ... لِمهْ سَلَت الفؤادَ وما سَلاها سلا عن كلّ فاترة رَداح ... من البيض النّواعم ما خلاها فتىً بنُ الحاج بن سيدي أحمد لخليف بن الفغ سيدي أحمد، يجتمع فيه مع محمد المتقدم، وبقية النسب هاك: فقيه متقن ثاقب الذهن، مدرك لدقائق الفقه، مع فصاحة لسان وحسن أخلاق، وهو ممن أدرك أوائل القرن الرابع عشر. وكان العلاّمة عبد الرحمن بن محمد فال (بذال معجمة) حكم في قضية بين بني باب أحمد، وبني سيدي الفال: بطنين من بني ديمان، فنقض فتى المذكور حكمه، وبين خطأه في المسألة، فبعث إليه بقصيدة ميمية، فرد عليه بأخرى مثلها. وقد رأيتهما

стр. 88

وهما في غاية الحسن، إلا أني ما حفظت منهما شيئا لضيق الوقت، ثم بلغه بيتان ضاديان، من قصيدة لعبد الرحمن المذكور وهما: تعلم شروط النقض يا مولعا به ... ولا تُبْقِ منها أن هممْتَ به بَعضا ولا تحسبنّ النقض لفظَ نقضتهُ ... فما كلُّ حُكم شيد يستوجب النقضا فقال فتىً المذكور: تَعلّمْ شرُوطَ الحكم يا مُوَلَعاً بهِ ... ولا تُبْقِ مِنها أن هَمَمْتَ بهِ بَعْضا وَلا تَقْضِ إلا ذَاكِراً أن للِقضا ... عَلى الخَلْقِ والخَلاّقِ في مَلإِ عَرْضا فما كُلُّ تَسْجِيلٍ لَقوْلٍ مُسَجَّعٍ ... تَضمَّن لَفظ الحُكم يَستَوْجِبُ الأمْضا وما كان لفْظي قَدْ نَقَضْتُ وإنهُ ... أرَى نقْضَهُ حَتماً عَلى أهْلهِ فَرْضا نَعَمْ كلُّ حُكمٍ مِنْ غيرِ حاكمٍ ... ولا ثابتِ التّحكِيم يَستَوْجبُ الرَّفْضا ولا يَستقيمُ الحكمُ من غيْرِ ذَيْنِكم ... ولا سِيما أن بَعْضُهُ أكْذَبَ البَعضا ومَنْ أرْسَلَ الأشْعَارَ نحْوي نَدَامَةً ... على ما أتاهُ عَضَّ إصْبَعهُ عَضا أجَازِ بهِ أن لم يَلْقَ مِني تَحلُّماً ... قَوافيَ تُفْنى اللَّحْمَ والعَظْمَ والعِرْضا قَوافَي تُبقيهِ نُمَيْرَ بنَ عَامِر ... وتَتْرُكُ ما قدْ كان مِن رَفْعِهِ خَفْضا قَوافيَ لا المُحْتالُ يَسطيعُ صَرْفَها ... بحَوْلٍ ولم يَسْطْع قَوِيٌّ بها نَهْضا قَوافيَ لا تَنْفَكُّ عُرْضةَ مِذْوَدِي ... وتأبى الذي يأبى وترْضى الذي يَرْضا وكُنْتُ معَمًّى مُخْوَلاً في ارْتجالِها ... وقِدْماً عَليْها بالوِلايةِ لِي يقُضْى وقَبَلكَ يا ذا اللّسَانَيْنِ هابَنا ... وأغْضى حَياءً منْ مَهابَتِنَا غَضَّا

стр. 89

وَوَالدُكَ البَرُّ الأجلُّ يُجلّنا ... ويَمْنَحُنا أن نَلْقَهُ وُدّهُ المَحْضا سيدي أحمد بن محمد الصُّغير المعروف بابن أنبوج - وهي أمه - من شرفاء تيشيت، يقال إنه علوي، أي من القبيلة المسماة بادوعل، المنسوبة إلى يحيى المعروف، ولا يطلق هناك لفظ علوي، إلا على من كان هذه من القبيلة دون غيرها من الأشراف. والصحيح أن له خؤولة فيهم، وأما أبوه، فإنه من قبيلة أخرى شرفاء غير هذه، وهو علاّمة نحرير محقق. قال في البغية في ترجمة بانم بن حم ختار: وممن تخرَّج على يد الشيخ بانم المذكور، الشيخ سيدي محمد بن الصغير، مؤلف الجيش الكبير، وناهيك به رحمه الله تعالى ورضي عنه. وممن تخرَّج على يد سيدي محمد بن الصغير، العالم الكبير العارف بالله تعالى سيدي عبيدة، مؤلف كتاب ميزاب الرحمة، كذا قال محمد بن الصغير، والذي كنت أظن أن اسم هذا المؤلف، هو الشيخ سيدي أحمد الصغير. بغير ابن، والله أعلم، ولم نعرف له شعرا، إنما له منظومة في غاية الانسجام، يرد بها على ادييج الكمليلى، وكان نظم أرجوزة ينكر بها على سيدي الشيخ أحمد التجاني، فشرح له منظومته شرحا مضمونه رد ما فيها، ثم نظم هو في حقه منظومة طويلة يقول فيها: وزاد في استحكام ذلك الصمم ... صدوره من قلب غافل أصم إذ كلُّ قول يتحلى بحلا ... كسوَة قلبه الذي منهُ جلا وهلْ ترَون يا عباد الله ... في الجوّ ناعقاً كهذا اللاّهى إذ قام ينكر على من لم يرهْ ... ولم يحقق عن ثقات خبرهْ لكن بنى جميع ما تَقَوَّلَهْ ... على التسامعُ الذي لا أصل لهْ ثم اهْوَ أن كان على طريقِ ... فقهٍ فمبناهُ على التحقيقِ فيجبُ البحثُ على ذا الناعق ... إذ قد يكون نبأ من فاسق وإن يك الناعق صوفيَّ السَّنَنْ ... فأمره يُبْنى على الظنّ الحَسَنْ

стр. 90

وحقٌّ من ليس له علم يقيه ... سكوته ولا كلامَ السفيهْ فالصَّمْتُ جُنَّةٌ لكلّ جَاهِلِ ... بل هو زينَةٌ لكلّ فاضلِ وإن تمشينا على تحقيقِهِ ... لما نَفاهُ مِنْ هُدَى طريقهِ فشاهِدُوا إثباتهِ مبرزونْ ... على شهود نفيهِ مُقَدَّمونْ وكلما أثبتهُ عدلان ... لا ينتفي ولو نفى ألفانِ وهي تزيد على أربعمائة بيت، ويقال لكتابة هذا الجواب، المسكت أيضا، ويقال أن ادييج، رجع عما كان يقول، لما اطلع عليه والله اعلم. محمد لحبيبْ بن لمرابط بن سيدي بُبكر بن الطالب جد الغلاوي. وهو معدود في العلويين، لأن أمه علوية، واسمها بيبَّ بنت زَرَّوق ابن الطالب أحماد، وولد فيهم ومات فيهم، وسيأتي في ترجمة النابغة أيضا، أن الأغلال وأيد وعل، كالشيء الواحد. كان ظريفا رحمه الله، حسن الأخلاق نحويا، وله يد في الفقه، وله شعر مليح، وله معرفة تامة بديوان ذي الرمة، يحفظه حفظا متقنا، وأعرف شرح ابن خروف له عنه. وكان موجودا في هذه السنين الأخيرة، أعني إلى قريب من العشرين وثلاثمائة وألف، وقد زار أهله في تكانت فأرادوا أن يقيم فيهم ليتعلموا منه، فلم توافقه طباعهم وكانوا يكثرون التيمم، فقال متشوقا إلى أخواله: منع الإقامة يا كريمُ من اكرم ... كلّ الأنام من الفصيح والأعجم قوم إذا وضع المسافر رحله ... بازائهم مما يحاذر يسلم ويرى المسجد كلها مملوأة ... من عابد ومُعَلّمٍ ومَعَلَّمِ الدَّافعون لكلّ أمرٍ اعْظم ... والعارفون بسرّ الاسم الأعظم والطاهرون جلودهم لصلاتهم ... لا يلعقون يُدِيَّهُمْ لِتَيَمُّم

стр. 91

وفي هذا تعريض بهم. وله وقد مرَّ بدار، بمحل يقال له الصبيبير، كان يألفها في أيام صباه: مروري بالصُّبَيبْرِ دَارِ لَيلى ... ولا أهْوَى المُقامَ بهِ هَواَء ولستُ أذِيلُ دَمْعيَ في رُباهُ ... ولم أنشد لا مكنهِ ثناَء يُخَبّرُ أن خالقنا تعالى ... يُصَرِّفُ في الحوادِثِ كيفَ شاَء عبدُ الله بنُ أحمد بن الحاج أحماه الله الغلاوي البكري أحد أفراد وقته في العلم، له في كل فن اليد الطولى، ولم يكن في ارض الحوض مثله في زمنه، وكان إذا أفتى في مسألة، تلقتها الناس بالقبول. ووقعت بينه وبين القصري صاحب النوازل، مخالفة في مسألة فقهية، فغلبه القصري، فقيل له في ذلك، فقال مثلي كمثل من عنده أنواع عديدة مما يستطاب، فيتناول من أيها شاء. ومثله كمن ليس عنده إلا نوع واحد، يعني أن القصري فقيه لا غير، وأما هو، فله في كل فن أعلى منزلة. وكان سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، يشدد النكير على من يتعاطى طبق، سواء بالتدخين أو النشوق، ولا يجسر أحد أن يتناولها أمامه، فاجتمعا يوما في مسجد، فتناول حق النشوق ونشق، يريد أن ينكر عليه، فتقع المباحثة ففهمها ابن الحاج إبراهيم. فقال له: مالك تتحكك كأنك جمل أجرب، ولم يزد على ذلك. ومما نقم الناس عليه قوله في حق أهل الحوض: ولم يجز لأحد وعمم ... في الحوض مطلقاً سوى التَّيَمُّم ضَرَرُ ماء صحَّ عن تجريب ... بخبر العالم الطبيب وقد رد عليه العالم الصالح، الشيخ ابن حامن، احد قبيلته، وانتفعت بلاد الحوض بأنظامه، فإنه سهل عليهم الرسالة لابن أبي زيد، لأنه نظمها نظما سلسا وأوله: قال أبو محمد عبد الإله ... لينظم النثر الذي جَلا حُلاه

стр. 92

إلى أن يقول: ولم أكُنْ جُذَيْلَ هذا الفنِّ ... وما عَلىَّ لَوْمُهُ لأنّي شُغِلْتُ بالنَّحْوِ وبالبيانِ ... وإنَّ هذانِ لَسَاحرانِ إلى أن يقول في صفة نظمه: وربما أخلت فيه الناظرا ... أني وزَّانٌ ولستُ شاعِرا فتارة يرقصُ من تذكير ... بابن نباتَةَ وبالحريرِي طوراً أخو جد وطوراً عابث ... حتى كأني للأنام وارثُ وكذلك نظم (الأخضري) تأليف عبد الرحمن الجزائري المشهور صاحب السلم، أول نظمه له: عبد الإله الشنجيطيّ يشتري ... بعقده المنظوم تبرَ الأخضر ورُبَّ مَنْ عقدُ الطرار حَسَّنهْ ... لَعلّني أنال الأجْرَ والزنه فالحمد لله مُرَبى العالمينْ ... ثمَّ الصلاة والسلامُ للأمينْ سيدنا محمد أمامِ ... رُسُلِنَا والأنبيا الختام ونظم أيضا (الخزرجية) في العروض، وسمى نظمه لها (بالحوار) وأوله: الحمد لله على تخريج ... مسائل العلوم بالتدريج ثم الصلاة والسلام الوافي ... لساكن العَروض والقواف هذا وإني قد نظمتُ نظما ... يُركب بِكر دونه ويَظما الخزرجية له في المطلب ... إذ هي كالزنج وذا كالصُّقْلب والزنج حر غير الأجسادا ... حتى كسا جلودها سوادا والصقلب اكتسبت ابيضاضا ... حتى كسا جلودها بياضا وبدأ رحمه الله تعالى، بنظم مختصر خليل، فنم منه بيتا واحدا من كتاب البيع، ثم صرفه عن ذلك صارف، وكان موجودا في أوائل القرن الثالث عشر.

стр. 93

النابغة الغلاوي البكري لا أعرف اسم والده، والأغلب في ظني إنه ابن أخت الذي قبله، وهو من قبيلته أيضا. هو العالم الوحيد الذي اشتهر في قطره بالعلم والورع، سافر من ارض الحوض، يريد من يصحبه ليتعلم عليه، فكان كلما اجتمع بعالم وعرض عليه طلبه. يسأله العالم: أي فن تريد أن تقرأ، فلا يراجعه الكلام بعد ذلك. حتى لقي العلامة الشهير، وليّ الله أحمد بن العاقل الديماني، فقال له مش، كلمة يقولها العالم هناك للتلميذ، إذا أمره أن يبتدئ في درسه، فألقى عصا التسيار عنده، وجعل يعله من معينه الجاري، حتى تضلع منه. وكان لا يعجبه الشيخ خليل ولا شراحه، وله نظم تسمه: بو اطليحيه ينتقد به كتب الفقهاء ومنه: فطرَّةُ ابن بونَ والخطاط ... كلاهما في غاية انحطاط ولكن طرَّة ابن بون في النحو، ولا بأس بها، وقد طبعت بمصر. ولم نسمع له بطرة في الفقه، ولما مات شيخه المذكور، رثاه بأرجوزة أشطارها الأخيرة من الألفية. وهذا بعض ما أتذكر منها: يا أسفَ الدين وكلّ عاقل ... على وفاة شيخِنا ابن العاقلِ يا أسفَ المنطقِ والكلامِ ... كم بها أصْبَحَ مِنْ كِلامِ لموتهِ قد رِيعت ألف رَوْع ... على أصول الفقه والفروعِ من ذا الذي يعرف سر الحرف ... فذاك ذو تصرُّفٍ في العُرف من ذا الذي من بعده يقول مَنْ ... يِصِلْ إلينا يستعن بنا يُعَنْ لما نَعوهُ وذكرت فضله ... كِلى بُكىً بكاَء ذاتِ عَضْلَهْ وبتُّ ساهراً بليلٍ أليل ... مروع القلب قليل الحيل قلت لجلد مُضْمَرٍ أيَّ جَزَعْ ... فلا تكنْ جَلْداً وتُضمرَ الجزَعْ وقلتُ لما قال لي أين المفرْ ... أيا ابن أمي يا بن عميّ لا مفرْ حياته عارضة وصفيّهْ ... فالغينَّ عارض الوصفيَّهْ لو كان غير الله حيٌّ قد بقا ... لكان أولى من سواه بالبقا

стр. 94

أو كان يفدى بكذا ما ذهبا ... لو كان مثل ملء الأرض ذهبا لكن مثل الشيخ عند مَنْ غيرْ ... ملتزم فيه تقدّم الخبر وهي طويلة من هذا النوع. وربما انتقد عليّ منتقد إدراجي لهذا، والذي قبله في شعراء العلويين، مع أنهما بكريان، والجواب: أن الأغلال وإدوعل منذ قرون كالشيء الواحد، وسمتهم واحدة. ومن عادتهم: أن كل مكان وجدا فيه، ينسبان للأكثرية. ولذلك لم يزالا إلى يومنا هذا كذلك. فإن العلوي إذا وصل اركيب وما بعدها لا ينتسب إلا غلاويا، وكذلك الغلاوي، إذا وصل تكانت أو آدرار، لا ينتسب إلا علويا، وما وقع بين بعض من الطائفتين في هذه الأزمنة الاخيرة، لم يغير السواد الأعظم. قبيلة إديقُب ويقال لهم اليعقوبيون امحمد بن محمد بن المختار بن الفغ موسى اليعقوبي، المعروف بـ أمحمد ابن الطلب ينتهي إلى سيدنا جعفر بن أبي طالب ذي الجناح شهيد مؤتة، وأظن إنه من ولد عون بن عبد الله بن جعفر الجواد المشهور، فاق أقرانه في العلم والكرم وجودة الشعر. قال فيه العلامة الكبير محمد فال بن متالي التندغي: هذا عربي أخره الله، ولا تكاد تعد طبقة، إلا بدأت به في أولها، إذا عد الكرام فهو حاتمهم، أو العلماء اللغويون، فما هو بدون ابن سيده، وكل أخباره يكتب بالذهب. وإنما لقب بيته بالطلب، لأنهم كانوا أعلم أهل ناحيتهم، فكانت الناس ترحل إليهم في طلب العلم، وكان مولعا بالعربية، لا يفتر من التنقيب عنها والتحرير، يقال: إنه إذا سافر ونزل بحيّ من الزوايا نهارا، أول ما يسألهم عنه القاموس. فإن كان

стр. 95

موجودا عندهم، طلب منهم الإتيان به لينظر إليه يومه. فإن لم يكن فيهم، ارتحل عنهم، ولا يترك يومه ضائعا. وكان يبرى النبال، فيصطاد بها الوحش، لشغفه باقتفاء العرب. وكان مولعا بأرض تيرس، ولا تكاد تجد موضعا منها، إلا وله ذكر في شعره. وكان له شهرة عظيمة عند الزوايا، وحسَّان صاحب وجاهة فيهم، وهو من الحلماء المشهورين. وكان يوما في مسجد قومه ومعه رجالهم، فقدم عليهم ناس من أبناء دُليم، فطلبوا منهم جملا، وهذا الطلب يسمى مداراة في عرفهم، فكل الناس أحب أن يتولى دفع الجمل غيره، وإن كان بحسب العرف يقسم على الحاضرين، فيدفعون قيمته لصاحبه من الغنم واللباس، فدفع هو جملا عنده لا يملك غيره. فقال له أحد أقاربه: عن أي شيء تدارى؟ فقال: عن مائة ناقة هنا، وضرب صدره، يشير إلى إنه غنى النفس. وقال له: يا فلان، أن فقري قطعت به غنا فلان وفلان؛ وسأقطع به غناك أنت. وكلمهم يوما في مسجدهم، رجل غريب يطلب جملا يبلغ عليه بلاده، فلم يجبه أحد، فأعطاه هو جملا ليس له غيره. كان أعطاه إياه أحد أقاربه، فلامهُ بعض الناس، فقال له: أبا لا أعجز أن أعطي شيئا أعطاه فلان. وبالجملة فامحمد هذا، حسنة من حسنات الدهر، لا نزاع في ذلك. أما جودة شعره، وكونه لا يقل عن شعر العرب العرباء. فإنها محسوسة لا تحتاج إلى تصديق فلان وفلان. وقال يوما بعد ما نظم جيميته الآتية، وأبرزها للناس: أرجو من الله أن أقعد أنا والشماخ بن ضرار، في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصيدتينا، لنعلم أيهما أحسن، وهاهي جيميته: تَطاوَلَ ليلُ النازعِ المُتهيّج ... أما لضياءِ الصُّبح مِنْ مُتبلَّجِ

стр. 96

ولا لظلامِ اللّيْل مِنْ مُتَزَحْزَحٍ ... وليسَ لنجم من ذَهابٍ ولا مَجي فيا مَنْ لِليل لا يزولُ كأنَّما ... تُشَدُّ هَوادِيهِ إلى هَضْبَتْي إج كأنَّ بهِ الجوْزاَء والنَّجْمَ رَبْرَبٌ ... فَرَاقِدُها في عُنَّةٍ لَمْ تُفَرِّج وتَحْسِبُ صِبيْان المَجَرَّةِ وسْطَها ... تَنَاوِيرَ أَزْهارٍ نَبَتْنَ بِهَجْهَج كأن نُجُومَ الشِّعرَيَيْنِ بمَلْكِها ... هَجَائِنُ عَقْري في حِبِ مَنهَج فَبَاتَ يُمانِي الهَمّ ليْلى كأنهُ ... بِبَرْحِ مُقامِ الهَمِّ في أَضْلُعي شَج فلو كان يفْنى الهمُّ أفنى مِطالهُ ... هُمُومِي ولكن لَجَّ في غيْرِ مَلْجَج إذا ما انتَحاها مِنْهُ قِطْعٌ سَمَتْ لهُ ... أفانينُ همٍّ مُزْعِجٍ بعدَ مُزْعِج

стр. 97

أعِنِّي عَلَى الهَمّ للَّجوجِ المُهَيّج ... وَطَيْفٍ سَرى في غَيْهبيّ مُدَجْدِج سَرى يَخْبِطُ الظلْماَء من بطنِ تِيرِسٍ ... إليَّ لدى ابْرَبْبِيرَ لمْ يَتَعرَّج فلمْ أرَ مثلَ الهَمّ هَمًّا ولا أرَى ... كليلةَ مَسْررَى الطَّيْفِ مُدْلجَ مُدلج وذِكرةَ أظْعانٍ تَرَبّعْنَ باللّوَى ... لوى المَوج فالخبْتَين من نَعْفِ دُوكج إلى البئرِ فالحَواءِ فالفُج فالصُّوَى ... صُوى نَشِلَ فالأجْوادِ فالسَّفْح من إج نَحُلُّ بأكنافِ الزقال فتيرس ... إلى زيزَ فالأَرْوِيَّتَيْن فالاعْوَج إلى أبْلَقَىْ وَنْكارَ فالكَرْبِ ترتعي ... به حيْثُ شاَءتْ من حُزوزٍ وحُنْدُج تَربَّعُها حتى إذا ما تنَجْنَحَتْ ... جَوازئُها تَعْدُو إلى كلّ تَوْلَج وصَرَّتْ على الظُّهْرَانِ مِن وهَج الحصا ... جَنادِبُها مِن لافِح مُتَوَهَّج

стр. 98

بيوْم من الجوْزاءِ تشوى سَمُومُهُ ... جُلودَ حَوَانى الرّبْرَبِ المُتوَلج وغَرّدَ مُكَاءُ الأخِرَّةِ بالضحى ... تغَردَ مُنزوفِ الشَّروب المُزَرَّج ولَفّتْ نِصيّ الليف هَيْفٌ تسوقُهُ ... ونَشَّتْ=تناهى غَيْثِهَا المُتبعّج وَزَفَّتْ إلى الأعدادِ من كلّ وِجْهةٍ ... أعاريبُها من كُلّ صِرْمٍ مُنَجْنج ونادى مُنادي الحيِّ مُسْياً وقَوَّضوا ... نَضائِدَهم يا أدِيَ الحيّ أدْلِج

стр. 99

وقُرّبتِ الأجْمالُ حتى إذا بدَتْ ... نجومُ الثريا في الدُّجا كالسمرَّج تكنّسْنَ أحْدَاجا على كل ناعج ... عَبَنٍّ بأنواع التهاويلِ مُحْدَج من القُمْع أو منْ نحْرِ نَكجيرَ يَمَّمَتْ ... مَعاطِنَ جَلوى لا تْرِيعُ لمن وجى جَواعلَ ذاتٍ الرّمْتِ فالوادِ ذي الصَّفا ... يميناً وعن أيْسَارها رِأمَّ هَوْدَج وتَزْورُّ عن ذِي المرّسِيطِ فورَّكتْ ... لِمُسْيٍ ثلاثٍ جُبّهُ لم تُعَرّج وصَبَّحنَ جَلوي طاميَ الجَمّ وارْتَوَوْا ... ولم يُنزِلوا عن هَوْدَج خِدْرَ هَوْدَج وقالوا الرحيلُ غُدْوَةً ثم صمّمُوا ... على مَدْرَجٍ عَوْدٍ لهمْ أيَّ مَدْرَج

стр. 100

أو احتْملَتْ مِنْ صُلْبِ لِحْرَيْشَ تنتَحى ... رُغَيْوِيَّةَ الأمْلاح لم تَتَجْلَج أو السُّهْب سُهْبِ التَّوْأَمَين فغلَّسَتْ ... بَوَاكِرُها والصُّبْحُ لم يتبلَج ومرَّتْ على قلْبِ الظليمِ كأنها ... خناطِيلُ زَوْزَتْ مِنْ نعام مُهَيّج وأمْسى على كَرِّ المُزَيْرِيف منهمُ ... لِكاكٌ كضوْضاءِ الحجِيج نعام المُعَجْعِج ومنهمْ بأوْشلِ الثُّدِيّ منازِلٌ ... وحَيٌّ على أوشالِ هَضْبِ الأُنيرِج مَنازلُ قد كان السُّرُورُ مُحالِفي ... بها هِيَ عِندي بيْن سَلْمى ومَنْعج ألا ليتَ شِعْري هلْ إليهنَّ عَوْدَةٌ ... وهلْ أبا منْ غَمّ التَّنائي بمخْرَج وهلْ ليَ في أوْدائِهَا منْ مُعَرَّسٍ ... وهلْ ليَ في أطلالها من مُعَرَّج

стр. 101

فإمَّا تَرَيْني خمّرَ الشَّيْبُ لِمَتي ... وأصْبَحْتُ نِضْواً عنْ شبابٍ مُبَهَّج فيارُبّ يومٍ قدْ رصدتُ ظَعَائِنَا ... بأبْطح بَرْثٍ بيْنَ قُوزٍ وَحَشْرَج ظعائنُ بيضٌ قَدْ غَنِينَ بنَضرَةٍ ... ترُوقُ على غَضّ النضيرِ المُبَهَّج طعائنُ يَنْميها إلى فَرَعِ العُلا ... لعامرِ يَعْلى كل أَزْهَرَ أَبْلَج عليها سُموطٌ منْ محالٍ مُلوَّبٍ ... مِنَ التِّبْرِ أو مِنْ لُؤْلُؤٍ وزبرْدَج يُفَصّلُ بالمَرْجانِ والشّذْرِ بَيْنَهُ ... وَقَدْ غَصَّ مِنها كلُّ حِجْل ودُمْلج ظعائنُ لم تألَفْ عَصِيداً ولم تَبِتْ ... سَوَاهِرَ ليلِ الجرْجسِ المُتَهزّج ولكنْ غِذَاها رِسْلُ عُوذٍ بَهَازِرٍ ... مُوَرَّثةٍ منْ كلّ كَوْماَء ضِمْعج

стр. 102

مُعَوّدَةٌٍ عَقْراً وبذْلاً كِرامُها ... لِضَيْفٍ وعافٍ من مُقِلّ ومُلْفَج مَرَاتِعُهَا مَرْعى المَهى ورِباعُها ... تُلاعِبُ من أذْراعِها كلّ بَحْزَج ويُحْدِجْنَ مما قد نجَلْنَ نجائِباً ... نَوَاعِجَ أُدْماً من نجائِبَ نُعّج ويَحْلُلْنَ منها كل مَيْثاَء سَهْلَةٍ ... وأجْرَعَ سَهْلاً بالحيا مُتَبرِّج فما أنْسَ لا أنْسَ الحُدوجَ رَوائِحاً ... مِنَ أوْديةِ البَطحاءِ فالمًتمَوّج عَوامدَ للِسّطْلَينِ أو هَضْبِ مادِسٍ ... نَوَاكِبَ عَنْ وَادِ الخَليج وعَفْلَج يُعَالينَ مِنْ عَقْلٍ وَرَقْمٍ مُنمّقٍ ... ويُسْدِلْنَ حُرَّ الأرْجُوانِ المُبَرج قَطيناً قَطيناً فَوْقَ أُدْمٍ كأنها ... هَوَادِي صِوَُارٍ بالدّماءِ مُضَرَّج

стр. 103

دَلَحْنَ بأبكارٍ وعُونٍ كأنها ... عَقائِلُ عِينٌ مِن مَطافيلِ تِخْرِج كأنهمُ إذْ ضَحْضَح الآلُ دُونَهُمْ ... خَلايا سَفينٍ مُثقَلٍ مُتَعمّج صَوادِرَ مِن ميناءِ جُورَ تَحُثُهَا ... نَوَاتِيُّها في زاخرٍ مُتَمَوّج أو العُمُّ من نخلِ ابنِ بوصٍ تمايَلَتْ ... شَمارِيخها من مُرْطبٍ ومُنَضّجِ مجانِينُ رَقْل مِن كَناوال ناوحَتْ ... فُرُوعَ الثُريَّا لا تُنَالُ بمَعْرَج لها شرباتٌ قد نَصَفْنَ جُذوعَها ... رِوَاءُ الأعالي حَمْلُهَا غيرُ مُخدَج وفي الظُّعْنِ مِجْوالُ الوِشاح كأنها ... صَبيرُ حَياً في بارِقٍ مُتَبَوّج تراَءت وقد جَدَّ الرحيلُ بمشْرِف ... هِجَانٍ وَوَضَّاح أَغَرّ مُفَلّج

стр. 104

فَدَبَّتْ حُمَيا الشَّوقِ في النفْسِ واصْطلَتْ ... تَباريحُ إلا تُودِ بالنَّفْسِ تُلْعِج عَشِيّةَ لا أسْطِيعُ صَبْراً ولا بُكا ... فأشْفى غليلي والبُكا مَفْزَع الشجى وقد أعْسِفُ الخرْقَ المَهيبَ اعتسافُهُ ... بخرْقاَء من سرّ الهِجانِ عَفَنْجَج مُبينَةِ عِتْقِ الحُرَّتينِ وخَطْمًُهَا ... يُبَارِى السّنان غيرَ أمن لم يُزَجّج عَجَمْجَمَةٌ رَوْعَاءُ زيَّافَةُ السُّرى ... أمُونٌ كبُرْج الأندَرىّ المُؤَرَّج إذا زُعْنَها بعْدَ الكلالِ تَغْشمَرتْ ... وَحَطتْ حِطاطَ الجَنْدَلِ المُندَحْرج كأني إذا أخْلَيْتُها الخرْقَ وارتمتْ ... يَدَاها بِرَضْراض الحصَا المتأجّج

стр. 105

على لُؤْلؤانِ اللّوْنِ سَفْعَاَء لاعَها ... تَشَمُّمُ أشْلاء بمصْرَع بحْزَج منْ لبخُنْسِ قد باتَتْ وأضْحَت تَعُلّهُ ... بعَمْياَء لا تخشى بها من مُهَيّج فلما رَمتْهُ في المَفاصِلِ نَعْسَةٌ ... إلى بَطنِ حِفْفٍ بالصّريمةِ أعْوَج تراختْ بها عنهُ المَراعي فأحْدَقَتْ ... به بؤَّسٌ ما إن لها منْ مُهَجْهِج بَنُوَ قْفرَةٍ طُسَ المُلامِنْ عِصابةٍ ... إذا أقدَمَتْ في غِرَّةٍ لم تُحَجْحِجِ شرابُهُم دَمُّ العَبيطِ وزادُهمْ ... فَرِيسٌ طِريدٌ لحمُهُ غيْرُ مُنْضَج فراحتْ لعَهْدٍ كان منهُ فلم تجدْ ... سِوى جلَدٍ أو رَأْسِ عَظمٍ مُشَجّج فجالتْ قليلاً وانثنَتْ تَستخِيرُهُ ... ولم تَدْرِ أَنْ منْ يَعْلَق الحتْف يُخلج فطافتْ له سَبْتاً تُرَجّى إيابَهُ ... وأنى لها هَيْهَاتَ ما هي تَرْتجي فلما ذَوتْ قِرْدَانُ دَرَّتِها طَوَتْ ... على عَلِّهِ يأساً مُبيناً لمنْ شَجِي

стр. 106

فباتَتْ على فرْدٍ أجَمَّ كأنها ... تلأْلُؤُ مِقْبَاسٍ يُشَبُّ لِمُدْلِج تُقَطعُ مِن عَزْفِ الفَلا جِرَراً لها ... حِذاراً فمْهمي يَعْزِفِ الدَوُّتَمْعَج تَغصُّ بها ما إن تكادُ تُسيغُها ... فتُلقى لُفاظاً من لُغامٍ ورِجْرِج فلما سرَى عنها الدُّجى الصبحُ آنستْ ... به جَرْسَ ذي طِمْرين بالصيد مُلْهج أخي سَبعةٍ أو تسعةٍ قدْ أعدَّها ... لأمثالها من كل شهْم محرّج يَحُثُّ ضِراءً كالحاتٍ كأنها ... قِدَاحُ مُفيضٍ بالمغاليقِ مُفلج مَصَارِيعَ وحْشٍ ضارياتٍ تعَوَّدتْ ... مُغارَ الصَّباح من ضِراء ابن الاعْوج فما ذرَّ قَرْنُ الشمس حَتى غَشينَها ... وجدَّتْ نجاَء غير نُكدٍ ولا وج

стр. 107

فألَقتْ معاً أرْواقَها وتمَطرَتْ ... على إثرِها مُسْتَضرماتٍ بَعرْفَج فأقصرْنَ عنها بعدَ شأوٍ مُغرّبٍ ... ومرَّتْ كمصْباح السمَّاءِ المُدَحْرَج تَساقطن حَسْرى بين وانٍ مغَوّرٍ ... وكابٍ بمكنُونِ الحشا مُتَضرّج كأني إذا مل شبّتِ المُعْزُ نُورُها ... على تلك أوْهَيقٍ هِجَفٍّ هَزَلّج أزَجّ من الزُّعرِ الظنابيبِ مُعْرِسِ ... بخرْجاَء هَوْجاَء البُرايةِ عَوْهَج

стр. 108

يُعودانِ زُعْراً بالخميلةِ دَرْدَقاً ... ومرْصُوصَ بَيْضِ حَوْلها لم يُنتَّج يَظلاَنِ في آه وشرْىٍ طَباهُما ... بأقرَحَ مِن أرْى الرَّواعدِ أدعَج تُزايلُهُ طوْراً وتأوِي فأمْسيا ... بمُنْتزحٍ والشمْسُ بالمُتعرّج فهاجَهمَا جُحَ الظلام ادّكارُهُ ... فزفا لهُ في أنْفِ نكْباَء سَيْهج وقدْ أصحبُ القومَ الكريمَ نِجارُهم ... وخيمهُمُ من كلّ أرْوعِ مِعْنَج يَحُوط المداعي والمساعي مُرَزَّءٌ ... تقيٌّ نقيٌّ اللْونِ غيرُ مُزلّج عليهِ قبولٌ يغمرُ الحيّ سَيْبُهُ ... إذا لم يكنْ في الحيْ مَلجاً لمُلتج كِرامٌ صَفتْ أخلاقُهمْ وتمحَّضَتْ ... وليس الصريحُ المحضُ مثلَ المُمزّج

стр. 109

أولائك أخداني فأصْبحتُ بعدَهْم ... أسايرُ خلفاً نهْجُهمْ غيرُ مَنهَج يرون جميلا ماتْوا من قبيحهمْ ... فيَالَلإِلهِ للسّفَاهِ المُروّج إلى هنا انتهت الجيمية، وحيث إنه عارض بها جيمية الشماخ بن ضرار الغطفاني الصحابي، أحببنا ذكرها تتميما للفائدة، والشيء بالشيء يذكر. (وهي): ألا نادِيا أظْعان ليْلى تُعَرِّج ... فقد هِجْنَ شوْقا ليْتَهُ لم يُهيَّج أقولُ وأهلي بالجنابِ وأهلُها ... بنجْدَبْن لا تَبْعدْ نَوى أمّ حَشْرَج وقد يَنْتأي مَنْ قد يَطولُ اجتماعهُ ... وتَخلجُ أشْطانَ النَّوى كلَّ مخلج صَبا صَبْوَةً من ذي بحارٍ فجاوَزتْ ... إلى آل ليلى بطنَ غَوْلٍ فمَنْعَج

стр. 110

كِنانِيَّةٌ إنْ لم أنَلْها فإِنها ... على النأي من أهلِ الدلالِ المُولّج وَسيطةُ قْومٍ صالِحِينَ يَكُنُّها ... مِن الحَرِّ في دار النّوى ظِلُّ هوْدَج مُنعَّمةٌ لم تَلْقَ بُؤْسَ مَعِيشةٍ ... ولم تَغتزِلْ يوْما على عُودِ عَوْسَج هضيمُ الحشى لا يَملأ الكفَّ خَصْرُها ... ويُملأ منها كلُّ حِجْلٍ ودُمْلُج تَميحُ بِمسْواكِ الأراكِ بنَانَها ... رُضابَ النَّدى عن أقْحُوَانٍ مُفلَّج وإنْ مَرَّ من تخشى اتّقَتْهُ بِمعصَم ... وسبٍّ بنضْح الزَّعْفرانِ مُضَرَّج
следующие страницы →