← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9569

تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (137 стр.). Показаны 106–137 · переход к 111.

стр. 106

وَمن الْأَمْثِلَة الْأُخْرَى عَلَى ذَلِك ذهيل بن عَوْف بن شماخ التَّمِيمِي أَشَارَ الذَّهَبِيّ إِلَى جهالته بقولته فِي الْمِيزَان: مَا رَوَى عَنهُ سُوَى سليط بن عبد الله الطهوي، وَصرح بذلك الْحَافِظ فَقَالَ فِي التَّقْرِيب: مَجْهُول من الثَّالِثَة. وَمن ذَلِك أَيْضا زُرَيْق بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن الْمدنِي، أَشَارَ الذَّهَبِيّ أَيْضا إِلَى جهالته. وَقَالَ الْحَافِظ: مَجْهُول. والأمثلة عَلَى ذَلِك تكْثر وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة، فَأَنت ترَى أَن هَؤُلَاءِ قد عرف اسْم جد كل مِنْهُم، وَمَعَ ذَلِك حكمُوا عَلَيْهِم بالجهالة. الثَّالِث: قَوْله: شُعْبَة يَقُول عَنهُ: إِنَّه ابْن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة، فَأَقُول: لَيْسَ هَذَا من قَول شُعْبَة، وَإِنَّمَا هُوَ من قَول أبي عون كَمَا مر فِي إِسْنَاد الحَدِيث، وَشعْبَة إِنَّمَا هُوَ راو عَنهُ. . وَهُوَ فِي هَذِه الْحَالة لَا ينْسب إِلَيْهِ قَول مَا جَاءَ فِي رِوَايَته، حَتَّى وَلَو صحت عِنْده، لِأَنَّهُ قد يَقُول بِخِلَاف ذَلِك، وَلذَلِك جَاءَ فِي علم المصطلح: وَعمل الْعَالم وفتياه عَلَى وفْق حَدِيث رَوَاهُ لَيْسَ حكما بِصِحَّتِهِ، وَلَا مُخَالفَته قدح فِي صِحَّته وَلَا فِي رُوَاته. كَذَا فِي تقريب النَّوَوِيّ (ص٢٠٩) بشرح التدريب. وَكَأن الكوثري تعمد هَذَا التحريف وَنسبَة هَذَا القَوْل لشعبة - وَلَيْسَ لَهُ - ليقوي بِهِ دَعْوَى كَون الْحَارِث بن عَمْرو وَهُوَ ابْن أخي الْمُغيرَة لِأَن أَبَا عون - واسْمه مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ الْأَعْوَر - وَإِن كَانَ ثِقَة، فَإِنَّهُ لَا يزِيد عَلَى كَونه رَاوِيا من رُوَاة الحَدِيث، وَأما شُعْبَة فإمام نقاد. عَلَى أننا لَو سلمنَا بِأَنَّهُ من قَوْله، فَذَلِك مِمَّا لَا يُفِيد الكوثري شَيْئا من رفع الْجَهَالَة كَمَا سبق بَيَانه. ٢ - قَوْله: وَلَا مَجْهُول الْوَصْف من حَيْثُ أَنه من كبار التَّابِعين فِي طبقَة شُيُوخ أبي عون.

стр. 107

فَأَقُول: الْجَواب من وَجْهَيْن: الأول: بطلَان هَذِه الدَّعْوَى من أَصْلهَا، لِأَن شُيُوخ أبي عون لَيْسُوا جَمِيعًا من كبار التَّابِعين حَتَّى يلْحق بهم الْحَارِث هَذَا، فَإِن من شُيُوخه أَبَا الزبير الْمَكِّيّ وَقد مَاتَ سنة (١٢٦) وَلذَلِك جعله الْحَافِظ من الطَّبَقَة الرَّابِعَة، وهم الَّذين جلّ روايتهم عَن كبار التَّابِعين، وَمن شُيُوخه وَالِده عبيد الله بن سعيد، وَلَا تعرف لَهُ وَفَاة، وَلَكِن ذكره ابْن حبَان فِي اتِّبَاع التَّابِعين وَقَالَ: يروي المقاطيع. قَالَ الْحَافِظ: فعلَى هَذَا فَحَدِيثه عَن الْمُغيرَة مُرْسل، يَعْنِي مُنْقَطع، وَلذَلِك جعله فِي التَّقْرِيب من الطَّبَقَة السَّادِسَة، وهم من صغَار التَّابِعين الَّذين لم يثبت لَهُم لِقَاء أحد من الصَّحَابَة كَابْن جريج. إِذا عرفت هَذَا، فادعاء أَن الْحَارِث بن عَمْرو من كبار التَّابِعين افتئات عَلَى الْعلم وتخرص لَا يصدر من مخلص، وَالصَّوَاب أَن يذكر ذَلِك عَلَى طَرِيق الإحتمال، فَيُقَال يحْتَمل أَنه من كبار التَّابِعين كَمَا يحْتَمل أَنه من صغارهم، فَإِن قيل: فإيهما الْأَرْجَح لديك؟ قلت: إِذا كَانَ لَا بُد من اتِّبَاع أهل الِاخْتِصَاص فِي هَذَا الْعلم، وَترك الِاجْتِهَاد فِيمَا لَا سَبِيل لأحد الْيَوْم إِلَيْهِ، فَهُوَ أَنه من صغَار التَّابِعين، فقد أوردهُ الإِمَام البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الصَّغِير فِي فصل من مَاتَ مَا بَين الْمِائَة إِلَى الْعشْر (ص١٣٦ - هِنْد) وَأَشَارَ إِلَى حَدِيثه هَذَا وَقَالَ: وَلَا يعرف الْحَارِث إِلَّا بِهَذَا، وَلَا يَصح. وَلذَلِك جعله الْحَافِظ فِي التَّقْرِيب من الطَّبَقَة السَّادِسَة الَّتِي لم يثبت لأصحابها لِقَاء أحد من الصَّحَابَة فَقَالَ: مَجْهُول، من السَّادِسَة. فَإِن قيل: يُنَافِي هَذَا مَا ذكره الكوثري (ص٦٢) أَن لفظ شُعْبَة فِي

стр. 108

رِوَايَة عَلَى بن الْجَعْد قَالَ سَمِعت الْحَارِث بن عَمْرو ابْن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة يحدث عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ عَن معَاذ بن جبل كَمَا أخرجه ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه، وَمثله فِي جَامع بَيَان الْعلم لِابْنِ عبد الْبر، فَهَذَا صَرِيح فِي أَنه لَقِي جمعا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ فَهُوَ تَابِعِيّ. فَأَقُول: نعم وَالله إِن هَذِه الرِّوَايَة لتنافي ذَلِك أَشد الْمُنَافَاة، وَلَكِن يُقَال للكوثري وَأَمْثَاله أثبت الْعَرْش ثمَّ انقش، فَإِنَّهَا رِوَايَة شَاذَّة، تفرد بهَا عَلّي بن الْجَعْد مُخَالفا فِي ذَلِك لسَائِر الثِّقَات الَّذين لم يذكرُوا رَسُول الله ﷺ َ مُضَافا إِلَيْهِ الْأَصْحَاب، وَإِنَّمَا قَالُوا: أَصْحَاب معَاذ كَمَا تقدم فِي الْإِسْنَاد عِنْد جَمِيع من عزونا الحَدِيث إِلَيْهِم، إِلَّا فِي رِوَايَة لِابْنِ عبد الْبر وَهِي من رِوَايَته عَن أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ حَدثنَا عَلّي بن الْجَعْد، وَأحمد بن زُهَيْر هُوَ ابْن أبي خَيْثَمَة. وَإِلَيْك أَسمَاء الثِّقَات الْمُخَالفين لِابْنِ الْجَعْد فِي رِوَايَته تِلْكَ: الأول: أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ نَفسه فِي مُسْنده وَعنهُ الْبَيْهَقِيّ. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر عِنْد أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ. الثَّالِث: عَفَّان بن مُسلم عِنْد أَحْمد أَيْضا. الرَّابِع: يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان عِنْد أبي دَاوُد وَابْن عبد الْبر فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى. الْخَامِس: وَكِيع بن الْجراح عِنْد التِّرْمِذِيّ. السَّادِس: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عِنْد التِّرْمِذِيّ. السَّابِع: يزِيد بن هَارُون عِنْد ابْن سعد. الثَّامِن: أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ عِنْد ابْن سعد. فَهَؤُلَاءِ ثَمَانِيَة من الثِّقَات، وَكلهمْ أَئِمَّة أثبات، لَا سِيمَا وَفِيهِمْ يَحْيَى الْقطَّان الْحَافِظ المتقن، لَو أَن بَعضهم خالفوا ابْن الْجَعْد لَكَانَ كَافِيا فِي

стр. 109

الْجَزْم بوهمه فِي نسبته الْأَصْحَاب إِلَى رَسُول الله ﷺ َ لَا إِلَى معَاذ، فَكيف بهم مُجْتَمعين؟! وَمثل هَذَا لَا يخْفَى عَلَى الكوثري، وَلكنه يتجاهل ذَلِك عمدا لغاية فِي نَفسه، وَإِلَّا فَإِن لم تكن رِوَايَة ابْن الْجَعْد هَذِه شَاذَّة فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَا يُمكن الحكم عَلَيْهِ بالشذوذ، وَلذَلِك لم يعرج عَلَى هَذِه الرِّوَايَة كل من ترْجم لِلْحَارِثِ هَذَا. فَثَبت مِمَّا تقدم أَن الْحَارِث بن عَمْرو هُوَ من صغَار التَّابِعين، وَلَيْسَ من كبارهم، وَقد صرح بِسَمَاعِهِ من جَابر بن سَمُرَة فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده (٢١٦) عَن شُعْبَة عَنهُ. وَالْآخر: هَب أَنه من كبار التَّابِعين، فَذَلِك لَا يَنْفِي عَنهُ جَهَالَة الْعين فضلا عَن جَهَالَة الْوَصْف عِنْد أحد من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل، بل إِن سيرتهم فِي ترجمتهم للرواة يُؤَيّد مَا ذكرنَا، فَهَذَا مثلا حُرَيْث بن ظهير من الطَّبَقَة الثَّانِيَة عِنْد الْحَافِظ، وَهِي طبقَة كبار التَّابِعين، فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِك أطلق عَلَيْهِ الْحَافِظ بِأَنَّهُ مَجْهُول، وَسَبقه إِلَى ذَلِك الإِمَام الذَّهَبِيّ، فَقَالَ: لَا يعرف. وَمثله حُصَيْن بن نمير الْكِنْدِيّ الْحِمصِي، قَالَ الْحَافِظ: يروي عَن بِلَال، مَجْهُول من الثَّانِيَة. وَنَحْوه خَالِد بن وهبان ابْن خَالَة أبي ذَر، قَالَ الْحَافِظ: مَجْهُول من الثَّالِثَة. ٣ - قَوْله: وَلم ينْقل أهل الشَّأْن جرحا مُفَسرًا فِي حَقه. قلت: لَا ضَرُورَة إِلَى هَذَا الْجرْح، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمثلِهِ فَقَط يثبت الْجرْح، بل يَكْفِي أَن يكون جرحا غير مُفَسّر إِذا كَانَ صادرا من إِمَام ذِي معرفَة بِنَقْد الروَاة، وَلم يكن هُنَاكَ تَوْثِيق مُعْتَبر معَارض لَهُ، كَمَا هُوَ مُقَرر فِي علم المصطلح، فَمثل هَذَا الْجرْح مَقْبُول، وَلَا يجوز رفضه، وَمن هَذَا الْقَبِيل وَصفه بالجهالة، لِأَن الْجَهَالَة عِلّة فِي الحَدِيث تَسْتَلْزِم ضعفه، وَقد عرفت أَنه مَجْهُول عِنْد جمع من الْأَئِمَّة النقاد، وَمِنْهُم الإِمَام البُخَارِيّ، فأغنى ذَلِك عَن الْجرْح الْمُفَسّر، وَثَبت ضعف الحَدِيث.

стр. 110

٤ - قَوْله: وَلَا حَاجَة فِي الحكم بِصِحَّة خبر التَّابِعِيّ الْكَبِير إِلَى أَن ينْقل تَوْثِيق عَن أهل طبقته. فَأَقُول: فِيهِ أُمُور: أَولا: أَن الْحَارِث هَذَا لم يثبت أَنه تَابِعِيّ كَبِير كَمَا تقدم، فانهار قَوْله من أَصله. وَثَانِيا: أَنه لَا قَائِل بِأَن الرَّاوِي سَوَاء كَانَ تابعيا أَو مِمَّن دونه بحاجة إِلَى أَن ينْقل تَوْثِيق عَن أهل طبقته، بل يَكْفِي فِي ذَلِك أَن يوثقه إِمَام من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل سَوَاء كَانَ من طبقته أَو مِمَّن دونهَا، فَلَمَّا كَانَ الْحَارِث هَذَا لم يوثقه أحد مِمَّن يوثق بتوثيقه، بل جهلوه فقد سقط حَدِيثه. ٥ - قَوْله: بل يَكْفِي فِي عَدَالَته ... إِلَى قَوْله من رجال تِلْكَ الطَّبَقَة. قلت: هَذِه مُجَرّد دَعْوَى، فَهِيَ لذَلِك سَاقِطَة الِاعْتِبَار، فَكيف وَهِي مُخَالفَة للشّرط الأول من شُرُوط الحَدِيث الصَّحِيح: مَا رَوَاهُ عدل ضَابِط ... فَلَو سلمنَا أَن عَدَالَته تثبت بذلك، فَكيف يثبت ضَبطه وَلَيْسَ لَهُ من الحَدِيث إِلَّا الْقَلِيل، بِحَيْثُ لَا يُمكن سبره وَعرضه عَلَى أَحَادِيث الثِّقَات، ليحكم لَهُ بالضبط أَو بِخِلَافِهِ، أَو بِأَنَّهُ وسط بَين ذَلِك، كَمَا هُوَ طَرِيق من طرق الْأَئِمَّة النقاد فِي نقد الروَاة الَّذين لم يرو فيهم جرح أَو تَعْدِيل مِمَّن قبلهم من الْأَئِمَّة. وَيَكْفِي فِي إبِْطَال هَذَا القَوْل مَعَ عدم وُرُوده فِي علم المصطلح أَنه مباين لما جَاءَ فِيهِ: أَن اقل مَا يرفع الْجَهَالَة رِوَايَة اثْنَيْنِ مشهورين كَمَا تقدم عَن الْخَطِيب، وَلما تعقبه بَعضهم بِأَن البُخَارِيّ رَوَى عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ، وَمُسلمًا عَن ربيعَة بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ وَلم يرو عَنْهُمَا غير وَاحِد، رده النَّوَوِيّ فِي التَّقْرِيب بقوله (ص٢١١) :

стр. 111

وَالصَّوَاب نقل الْخَطِيب، وَلَا يَصح الرَّد عَلَيْهِ بمرداس وَرَبِيعَة، فَإِنَّهُمَا صحابيان مشهوران، وَالصَّحَابَة كلهم عدُول وأيده السُّيُوطِيّ فِي التدريب فَقَالَ عقبَة: فَلَا يحْتَاج إِلَى رفع الْجَهَالَة عَنْهُم بتعداد الروَاة، قَالَ الْعِرَاقِيّ: هَذَا الَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ مُتَّجه، إِذا ثبتَتْ الصُّحْبَة، لَكِن بَقِي الْكَلَام فِي أَنه هَل ثبتَتْ الصُّحْبَة بِرِوَايَة وَاحِد عَنهُ أَو لَا تثبت إِلَّا بِرِوَايَة اثْنَيْنِ عَنهُ، وَهُوَ مَحل نظر وَاخْتِلَاف بَين أهل الْعلم، وَالْحق أَنه إِن كَانَ مَعْرُوفا بِذكرِهِ فِي الْغَزَوَات أَو فِيمَن وَفد من الصَّحَابَة أَو نَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ تثبت صحبته. قلت: فَتَأمل كَلَام الْعِرَاقِيّ هَذَا يتَبَيَّن لَك بطلَان قَول الكوثري، لِأَنَّهُ تساهل فِي إِثْبَات عَدَالَة التَّابِعِيّ الْكَبِير، فَلم يشْتَرط فِيهِ مَا اشْتَرَطَهُ الْعِرَاقِيّ فِي إِثْبَات الصُّحْبَة المستلزمة لثُبُوت الْعَدَالَة! فَإِنَّهُ اشْترط مَعَ رِوَايَة الْوَاحِد عَنهُ أَن يكون مَعْرُوفا بِذكرِهِ فِي الْغَزَوَات والوفود. وَهَذَا مَا لم يشْتَرط مثله فِي التَّابِعِيّ! فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار وَلَعَلَّه قد وضح لَك أَنه لَا فرق بَين التَّابِعِيّ الْكَبِير وَمن دونه فِي أَنه لَا تقبل روايتهم مَا لم تثبت عدالتهم، وَتثبت العادلة بتنصيص عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا أَو بالاستفاضة كَمَا هُوَ مَعْلُوم. ٦ - قَالَ: أما من بعدهمْ فَلَا تقبل روايتهم مَا لم تثبت عدالتهم وَهَكَذَا. قلت: بل والتابعي الْكَبِير كَذَلِك كَمَا حققناه فِي الْفَقْرَة السَّابِعَة. ٧ - قَالَ: والْحَارث هَذَا ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَإِن جَهله الْعقيلِيّ وَابْن الْجَارُود وَأَبُو الْعَرَب. قلت: فِيهِ أَمْرَانِ: الأول: أَنه تغافل عَن أَئِمَّة آخَرين جهلوه، مِنْهُم الإِمَام البُخَارِيّ والذهبي والعسقلاني وغرضه من ذَلِك وَاضح، وَهُوَ الْحَط من شَأْن هَذَا التجهيل! وَالْآخر: اعتداده بتوثيق ابْن حبَان هُنَا، خلاف مذْهبه الَّذِي يُصَرح

стр. 112

فِي بعض تعليقاته بِأَن ابْن حبَان يذكر فِي الثِّقَات من لم يطلع عَلَى جرح فِيهِ، فَلَا يُخرجهُ ذَلِك عَن حد الْجَهَالَة عِنْد الآخرين، وَقد رد شذوذ ابْن حبَان هَذَا فِي لِسَان الْمِيزَان. وَهَذَا من تلاعبه فِي هَذَا الْعلم الشريف، فتراه يعْتد بتوثيق ابْن حبَان حَيْثُ كَانَ لَهُ هوى فِي ذَلِك كَهَذا الحَدِيث، وَحَدِيث آخر فِي التوسل كنت خرجته فِيمَا تقدم برقم (٢٣) وَلَا يعْتد بِهِ حِين يكون هَوَاهُ عَلَى نقيضه كَحَدِيث الأوعال وَغَيره، وَقد شرحت حَاله هُنَاكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. وَلَكِن لَا بُد لي هُنَا أَن أنقل كَلَامه فِي رَاوِي حَدِيث الأوعال وَهُوَ عبد الله بن عميرَة رَاوِيه عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، فَهُوَ تَابِعِيّ كَبِير، لتتأكد من وجود التشابه التَّام بَينه وَبَين الْحَارِث بن عَمْرو الرَّاوِي للْحَدِيث عَن معَاذ، وَمَعَ ذَلِك يوثق هَذَا بِذَاكَ الأسلوب الملتوي، ويجهل ذَاك وَهُوَ فِيهِ عَلَى الصِّرَاط السوي! قَالَ فِي مقالاته (ص٣٠٩) : وَقَالَ مُسلم فِي الوحدان (ص١٤) : انْفَرد سماك بن حَرْب بالرواية عَن عبد الله بن عميرَة، فَيكون ابْن عميرَة مَجْهُول الْعين عِنْده يَعْنِي مُسلما - لِأَن جَهَالَة الْعين لَا تَزُول إِلَّا بِرِوَايَة ثقتين (تَأمل) ، وَقَالَ إِبْرَاهِيم الجري - أجل أَصْحَاب أَحْمد - عَن ابْن عميرَة: لَا أعرفهُ. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان عَن عبد الله بن عميرَة: فِيهِ جَهَالَة. قلت: ثمَّ وَصفه الكوثري بِأَنَّهُ شيخ خيالي! وَأَنه مَجْهُول عينا وَصفَة! وَنَحْوه قَوْله فِي النكت الظريفة (ص١٠١) وَقد ذكر حَدِيثا فِي سَنَده عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود: وَهُوَ مَجْهُول. قَالَ الذَّهَبِيّ: لَا يعرف، وَإِن ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات عَلَى قَاعِدَته فِي التوثيق! وَقَالَ فِي قَابُوس: وَإِنَّمَا وَثَّقَهُ ابْن حبَان عَلَى طَرِيقَته فِي تَوْثِيق المجاهيل إِذا لم يبلغهُ عَنْهُم جرح، وَهَذَا غَايَة التساهل! ! (ص٤٨ مِنْهُ) . فقابل كَلَامه هَذَا بالقاعدة الَّتِي وَضعهَا من

стр. 113

عِنْد نَفسه فِي قبُول حَدِيث التَّابِعِيّ الْكَبِير حَتَّى وَلَو نَص الْأَئِمَّة عَلَى جهالته تزداد تأكدا من تلاعبه الْمشَار إِلَيْهِ. نسْأَل الله السَّلامَة. وَلَو كَانَت الْقَاعِدَة الْمَوْضُوعَة صَحِيحَة لَكَانَ قبُول حَدِيث ابْن عميرَة هَذَا أولَى من حَدِيث الْحَارِث، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَن الْعَبَّاس، فَهُوَ تَابِعِيّ كَبِير قطعا، وَلذَلِك جعله ابْن حجر من الطَّبَقَة الثَّانِيَة، بَيْنَمَا الْحَارِث إِنَّمَا يروي عَن بعض التَّابِعين كَمَا سبق، وَلَكِن هَكَذَا يفعل الْهَوَى بِصَاحِبِهِ. نسْأَل الله الْعَافِيَة. ٨ - قَالَ أخيرا: وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن أبي عون عَن الْحَارِث أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، وَشعْبَة بن الْحجَّاج الْمَعْرُوف بالتشدد فِي الرِّوَايَة، والمعترف لَهُ بِزَوَال الْجَهَالَة وَصفا عَن رجال يكونُونَ فِي سَنَد رِوَايَته! قلت: فِيهِ مؤاخذتان: الأولَى: أَن كَون شُعْبَة مَعْرُوفا بِالتَّشْدِيدِ فِي الرِّوَايَة لَا يسْتَلْزم أَن يكون كل شيخ من شُيُوخه ثِقَة، بله من فَوْقهم، فقد وجد فِي شُيُوخه جمع من الضُّعَفَاء، وَبَعْضهمْ مِمَّن جزم الكوثري نَفسه بضعفه! وَلَا بَأْس من أَن أسمي هُنَا من تيَسّر لي مِنْهُم ذكره: ١ - إِبْرَاهِيم بن مُسلم الهجري. ٢ - اشعت بن سوار. ٣ - ثَابت بن هُرْمُز. ٤ - ثُوَيْر بن أبي فَاخِتَة. ٥ - جَابر الْجعْفِيّ. ٦ - دَاوُد بن فَرَاهِيجَ. ٧ - دَاوُد بن يزِيد الأودي. ٨ - عَاصِم بن عبيد الله (قَالَ الكوثري فِي النكت (ص٧٤) : ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ) .

стр. 114

٩ - عَطاء بن أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي. ١٠ - عَلّي بن زيد بن جدعَان. ١١ - لَيْث بن أبي سليم. ١٢ - مجَالد بن سعيد (قَالَ الكوثري فِي النكت (ص٦٣) ضَعِيف بالإتفاق، وَضعف بِهِ حَدِيث «زَكَاة الْجَنِين زَكَاة أمه» ! ثمَّ ضعف بِهِ فِيهِ (ص٩٥) حَدِيث «لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ» !! فَلم يتَّجه من تَضْعِيفه إِيَّاه أَنه من شُيُوخ شُعْبَة. ١٣ - مُسلم الْأَعْوَر. ١٤ - مُوسَى بن عُبَيْدَة. ١٥ - يزِيد بن أبي زِيَاد. ١٦ - يزِيد بن عبد الرَّحْمَن الدالاني. ١٧ - يَعْقُوب بن عَطاء. ١٨ - يُونُس بن خباب. من أجل ذَلِك قَالُوا فِي علم المصطلح: وَإِذا رَوَى عَمَّن سَمَّاهُ لم يكن تعديلا عِنْد الْأَكْثَرين وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي التَّقْرِيب (ص٢٠٨) وراجع لَهُ شَرحه التدريب، وَإِذا كَانَ هَذَا فِي شُيُوخه فبالأولى أَن لَا يكون شُيُوخ شُيُوخه عُدُولًا إِذا سموا، فَكيف إِذا لم يسموا. الْأُخْرَى: قَوْله: والمعترف لَهُ بِزَوَال الْجَهَالَة ...

стр. 115

أَقُول إِن كَانَ يَعْنِي أَن ذَلِك معترف بِهِ عِنْد الْمُحدثين، فقد كذب عَلَيْهِم، فقد عرفت مِمَّا سردناه آنِفا طَائِفَة من الضُّعَفَاء من شُيُوخ شُعْبَة مُبَاشرَة، فبالأولى أَن يكون فِي شُيُوخ شُيُوخه من هُوَ ضَعِيف أَو مَجْهُول، وَكم من حَدِيث رَوَاهُ شُعْبَة، وَمَعَ ذَلِك ضعفه الْعلمَاء بِمن فَوْقه من مَجْهُول أَو ضَعِيف. من ذَلِك حَدِيثه عَن أبي التياح: ثني شيخ عَن أبي مُوسَى مَرْفُوعا بِلَفْظ: «إِذا أَرَادَ أحد أَن يَبُول فليرتد لبوله موضعا» فضعفوه بِجَهَالَة شيخ أبي التياح كَمَا سَيَأْتِي برقم (٢٣٢٠) . وَمن ذَلِك حَدِيث «من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة ... » الحَدِيث. رَوَاهُ شُعْبَة بِإِسْنَادِهِ عَن أبي المطوس عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا. فضعفه البُخَارِيّ وَغَيره بِجَهَالَة أبي المطوس، فراجع التَّرْغِيب والترهيب (٧٤/٧) والمشكاة (٢٠١٣) وَنقد الكتاني (٣٥) . وَإِن كَانَ يَعْنِي بذلك نَفسه، أَي أَنه هُوَ الْمُعْتَرف بذلك، فَهُوَ كَاذِب أَيْضا - مَعَ مَا فِيهِ من التَّدْلِيس والإبهام - لِأَن طَرِيقَته فِي إعلال الْأَحَادِيث بالجهالة تنَاقض ذَلِك وَإِلَيْك بعض الْأَمْثِلَة: ١ - عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود، صرح فِي النكت الطريفة (ص١٠١) بِأَنَّهُ مَجْهُول مَعَ أَنه من رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ بالواسطة. وَقد قُمْت بِالرَّدِّ عَلَيْهِ عِنْد ذكر حَدِيثه الْآتِي (٢٥٥٦) وَبَيَان تناقضه، وَإِن كَانَ الرجل فعلا مَجْهُولا. ٢ - عَمْرو بن رَاشد الَّذِي فِي حَدِيث وابصة فِي الْأَمر بِإِعَادَة الصَّلَاة لمن صَلَّى وَرَاء الصَّفّ وَحده، قَالَ الكوثري فِي النكت (ص٢٨) : لَيْسَ مَعْرُوفا بِالْعَدَالَةِ فَلَا يحْتَج بحَديثه. مَعَ أَنه يرويهِ شُعْبَة بِإِسْنَادِهِ عَنهُ، وَهُوَ مخرج فِي صَحِيح أبي دَاوُد (٦٨٣) وإرواء الغليل (٥٣٤) وراجع

стр. 116

تَعْلِيق أَحْمد شَاكر عَلَى التِّرْمِذِيّ (٤٤٨/١ - ٤٤٩) . ٣ - وَكِيع بن حدس الرَّاوِي عَن أبي رزين الْعقيلِيّ حَدِيث «كَانَ فِي عماء مَا فَوْقه هَوَاء وَمَا تَحْتَهُ هَوَاء» قَالَ الكوثري فِي تَعْلِيقه عَلَى الْأَسْمَاء (ص٤٠٧) : مَجْهُول الصّفة. مَعَ أَنه يعلم أَن شُعْبَة قد رَوَى لَهُ حَدِيثا آخر عِنْد الطَّيَالِسِيّ (١٠٩٠) وَأحمد (١١/٤) . فَمَا الَّذِي جعل هَؤُلَاءِ الروَاة مجهولين عِنْد الكوثري، وَجعل الْحَارِث بن عَمْرو مَعْرُوفا عِنْده وَكلهمْ وَقَعُوا فِي إِسْنَاد فِيهِ شُعْبَة؟! إِن هَذَا الرجل يتبع هَوَاهُ انتصارا لمذهبه، فيبرم أمرا أَو قَاعِدَة من عِنْد نَفسه لينقضها فِي مَكَان آخر متجاوبا مَعَ مذْهبه سلبا وإيجابا. وَفِي ذَلِك من التضليل وقلب الْحَقَائِق مَا لَا يخْفَى ضَرَره عَلَى أهل الْعلم، نسْأَل الله الْعِصْمَة من الْهَوَى. وَبعد فَقَط أطلت النَّفس فِي الرَّد عَلَى هَذَا الرجل لبَيَان مَا فِي كَلَامه من الْجَهْل والتضليل نصحا للقراء وتحذيرا، فمعذرة إِلَيْهِم. هَذَا، وَلَا يهولنك اشتهار هَذَا الحَدِيث عِنْد عُلَمَاء الْأُصُول، واحتجاجهم بِهِ فِي إِثْبَات الْقيَاس، فَإِن أَكْثَرهم لَا معرفَة عِنْدهم بِالْحَدِيثِ وَرِجَاله، وَلَا تَمْيِيز لديهم بَين صَحِيحه وسقيمه. شَأْنهمْ فِي ذَلِك شَأْن الْفُقَهَاء بالفروع، إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم، وَقد مر بك كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا الحَدِيث - وَهُوَ من هُوَ فِي الْعلم بالأصول وَالْفُرُوع - فَمَاذَا يُقَال عَن غَيره مِمَّن لَا يسويه فِي ذَلِك بل لَا يدانيه، كَمَا رَأَيْت نقد الْحَافِظ ابْن طَاهِر إِيَّاه، ثمَّ الْحَافِظ ابْن حجر من بعده، مَعَ إِنْكَاره عَلَى ابْن طَاهِر سوء تَعْبِيره فِي نَقده. ثمَّ وجدت لكل مِنْهُمَا مُوَافقا، فقد نقل الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب السُّبْكِيّ فِي تَرْجَمَة الإِمَام من طبقاته (١٨٧/٥ - ١٨٨) عَن الذَّهَبِيّ أَنه قَالَ فِيهِ.

стр. 117

وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي مَعَ تبحره فِي الْفِقْه وأصوله لَا يدْرِي الحَدِيث! ذكر فِي كتاب الْبُرْهَان حَدِيث معَاذ فِي الْقيَاس فَقَالَ: هُوَ مدون فِي الصِّحَاح مُتَّفق عَلَى صِحَّته وَكَذَا قَالَ وأنى لَهُ الصِّحَّة ومداره عَلَى الْحَارِث بن عَمْرو وَهُوَ مَجْهُول، عَن رجال من أهل حمص لَا يدْرِي من هم عَن معَاذ. ثمَّ تعقبه السُّبْكِيّ بِنَحْوِ مَا سبق من تعقب الْحَافِظ لِابْنِ طَاهِر وَلكنه دَافع عَنهُ بوازع من التعصب المذهبي، لَا فَائِدَة كبرى فِي نقل كَلَامه وَبَيَان مَا فِيهِ من التعصب، فحسبك أَن تعلم أَنه ذكر أَن الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَالْفُقَهَاء لَا يتحاشون من إِطْلَاق لفظ الصِّحَاح عَلَيْهَا. فَكَأَن السُّبْكِيّ يَقُول: فللإمام أُسْوَة بهؤلاء الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْإِطْلَاق! فَيُقَال لَهُ: أولو كَانَ ذَلِك أمرا مُنْكرا عِنْد الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ؟! وَفِي الْوَقْت نَفسه فقد تجاهل السُّبْكِيّ قَول الإِمَام فِي الحَدِيث: مُتَّفق عَلَى صِحَّته، فَإِنَّهُ خطأ مَحْض لَا سَبِيل إِلَى تبريره أَو الدفاع عَنهُ بِوَجْه من الْوُجُوه، وَلذَلِك لم يدندن السُّبْكِيّ حوله وَلَو بِكَلِمَة، وَلكنه كَانَ منصفا حِين اعْترف بِضعْف الحَدِيث وَأَن الإِمَام صحّح غَيره من الْأَحَادِيث الضعيفة فَقَالَ: وَمَا هَذَا وَحده ادَّعَى الإِمَام صِحَّته وَلَيْسَ بِصَحِيح، بل قد ادَّعَى ذَلِك فِي أَحَادِيث غَيره، وَلم يُوجب ذَلِك عندنَا الغض مِنْهُ. وَأَقُول أخيرا: إِن وصف الرجل بِمَا فِيهِ لَيْسَ من الغض مِنْهُ فِي شَيْء، بل ذَلِك من بَاب النصح للْمُسلمين، وبسبب تجاهل هَذِه الْحَقِيقَة صَار عَامَّة الْمُسلمين لَا يفرقون بَين الْفَقِيه والمحدث، فيتوهمون أَن كل فَقِيه مُحدث، ويستغربون أَشد الإستغراب حِين يُقَال لَهُم: الحَدِيث الْفُلَانِيّ ضَعِيف عِنْد الْمُحدثين وَإِن احْتج بِهِ الْفُقَهَاء، والأمثلة عَلَى ذَلِك كَثِيرَة جدا، تجدها مبثوثة فِي تضاعيف هَذِه السلسلة، وحسبك الْآن هَذَا الحَدِيث الَّذِي بَين يَديك.

стр. 118

وَجُمْلَة القَوْل أَن الحَدِيث لَا يَصح إِسْنَاده لإرساله وجهالة روايه الْحَارِث بن عَمْرو فَمن كَانَ عِنْده من الْمعرفَة بِهَذَا الْعلم الشريف وَتبين لَهُ ذَلِك فبها، وَإِلَّا فحسبه أَن سيحصي أَسمَاء الْأَئِمَّة الَّذين صَرَّحُوا بتضعيفه، فيزول الشَّك من قلبه، وَهَا أَنا ذَا أسردها وَأقر بهَا. الْقُرَّاء الْكِرَام: ١ - البُخَارِيّ. ٢ - التِّرْمِذِيّ. ٣ - الْعقيلِيّ. ٤ - الدَّارَقُطْنِيّ. ٥ - ابْن حزم. ٦ - ابْن طَاهِر. ٧ - ابْن الْجَوْزِيّ. ٨ - الذَّهَبِيّ. ٩ - السُّبْكِيّ. ١٠ - ابْن حجر. فَكل هَؤُلَاءِ وَغَيرهم مِمَّن لَا نستحضرهم قد ضعفوا هَذَا الحَدِيث، وَلنْ يضل بِإِذن الله من اهْتَدَى بهديهم، كَيفَ وهم أولَى النَّاس بالْقَوْل الْمَأْثُور: «هم الْقَوْم لَا يشفى جليسهم» انْتَهَى. وَعلمت مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَن شَيخنَا الْجَواب عَن الشبهتين الْأَوليين ونزيد فِي الرَّد عَلَى قَول الْحَافِظ ابْن الْقيم: وَلَا يعرف فِي أَصْحَابه - أَي معَاذ - مُتَّهم وَلَا كَذَّاب وَلَا مَجْرُوح.

стр. 119

فاذكر ثَلَاثَة مِمَّن رووا عَن معَاذ مَعَ حكم الْحَافِظ ابْن حجر عَلَى كل وَاحِد مِنْهُم بِالْإِضَافَة إِلَى أَن هُنَاكَ من رَوَى عَن معَاذ وَلم يُدْرِكهُ. ١- يزِيد بن قطيب مَقْبُول. ٢- أَبُو ظَبْيَة أَو طيبَة مَقْبُول. ٣- أَبُو سعيد الْحِمْيَرِي شَامي مَجْهُول. وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم: إِن فِي الصَّحِيح رِوَايَة عَن مَجَاهِيل الخ فَنَقُول فِي الْجَواب عَن كل حَدِيث مِمَّا ذَكرُوهُ. أما حَدِيث عُرْوَة الْبَارِقي فقد رَوَاهُ البُخَارِيّ (٣٦٢٢) وَأحمد (٣٧٥/٤) والْحميدِي (٨٤٣) وَأَبُو دَاوُد (٣٣٦٨) وَهَذَا الحَدِيث وَأَن رَوَاهُ البُخَارِيّ فقد طعن فِيهِ أَئِمَّة الحَدِيث، وَهُوَ حَدِيث مُتَّصِل الْإِسْنَاد فِيهِ مِنْهُم، وَهُوَ ضَعِيف بِهَذَا الْإِسْنَاد كَمَا قَالَ الْحَافِظ فِي الْفَتْح (٦٣٥/٦) للْجَهْل بحالهم، لَكِن لَهُ متابع رَوَاهُ أَحْمد (٣٧٦/٤) وَأَبُو دَاوُد (٣٣٦٩) وَالتِّرْمِذِيّ (١٢٧٦) وَابْن مَاجَه (٢٤٠٢) وَالدَّارَقُطْنِيّ (١٠/٣) من طَرِيق سعيد بن زيد عَن الزبير بن الخريت عَن أبي لبيد لماز بن زبار قَالَ حَدثنِي عُرْوَة الْبَارِقي فَذكر الحَدِيث بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ وَالنَّوَوِيّ: إِسْنَاده حسن صَحِيح لمجيئه من وَجْهَيْن. وَقد رَوَاهُ ابْن مَاجَه قَالَ الْحَافِظ: وَرِوَايَة عَلّي بن عبد الله وَهُوَ ابْن الْمَدِينِيّ شيخ البُخَارِيّ فِيهِ تدل عَلَى أَنه وَقعت فِي هَذِه الرِّوَايَة تَسْوِيَة، وَقد وَافق عليا عَلَى إِدْخَاله الْوَاسِطَة بَين شبيب وَعُرْوَة أَحْمد والْحميدِي فِي مسنديهما وَكَذَا مُسَدّد عِنْد أبي دَاوُد وَابْن أبي عمر وَالْعَبَّاس بن الْوَلِيد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد. وَله شَاهد من حَدِيث حَكِيم بن حزَام رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٣٣٧٠) وَالطَّبَرَانِيّ (٣١٣٤) وَفِي إِسْنَاده مَجْهُول. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (١٢٧٥)

стр. 120

وَالطَّبَرَانِيّ (٣١٣٣) عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن حَكِيم بن حزَام وَهُوَ لم يسمع مِنْهُ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ. فَظهر أَن الحَدِيث صَحِيح لَا بِاعْتِبَار ذَلِك السَّنَد، بل بالمتابع وَالشَّاهِد. وَلذَلِك ضعفه الْحَافِظ بذلك الْإِسْنَاد وَلم تَأْخُذهُ هَيْبَة كَونه فِي الصَّحِيح بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأما حَدِيث الْقسَامَة: فالقائل: سهل بن أبي حثْمَة وَهُوَ صَحَابِيّ وَكثير من الصَّحَابَة لم يسمعوا الْأَحَادِيث من الرَّسُول ﷺ َ وخاصة صغارهم، وَإِنَّمَا سمعوها من الصَّحَابَة، فنسبوها إِلَى الرَّسُول ﷺ َ، ومرسل الصَّحَابِيّ صَحِيح لَا مطْعن فِيهِ: والْحَدِيث رَوَاهُ مَالك (١٩٦/٢ - ١٩٧) وَمن طَرِيقه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢٦٣٠) . وَأما حَدِيث الزُّهْرِيّ: حَدثنِي رجال عَن أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ مُسلم (٩٤٥) بعد مَا رَوَاهُ من طرق عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن طَرِيق ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، فَهُوَ فِي المتابعات، فَلَا حجَّة فِي ذَلِك. وَأما أَن الْأمة تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ فَهِيَ محاولة فاشلة. إِذْ أَن الْحَافِظ ابْن الملقن نقل إِجْمَاع الْمُحدثين عَلَى ضعفه، وهم أهل الصَّنْعَة وإليهم يرجع القَوْل فِي هَذَا الْمَوْضُوع، فَلَا عِبْرَة بقول الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفَى (٢٥٤/٢) وَغَيره: وَهَذَا حَدِيث تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ وَلم يظْهر أحد فِيهِ طَعنا وَلَا إنكاراً، وَمَا كَانَ كَذَلِك فَلَا يقْدَح فِيهِ كَونه مُرْسلا. فَإِن قَوْلهم هَذَا مُخَالف للْوَاقِع الَّذِي تقدم. وَأما الْأَمْثِلَة الَّتِي ذكروها فَهِيَ أَحَادِيث صَحِيحَة كَمَا يظْهر من تخاريجها:

стр. 121

أما حَدِيث «الدِّيَة عَلَى الْعَاقِلَة» فَرَوَاهُ البُخَارِيّ (٦٩٠٩ و ٦٩١٠) وَمُسلم (١٦٨١) وَأَبُو دَاوُد (٤٥٥٢ و ٤٥٥٣) وَالنَّسَائِيّ (٤٧/٨ - ٤٨و٤٩) الْبَيْهَقِيّ (١٠٥/٨) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ مُسلم (١٦٨٢) وَأَبُو دَاوُد (٤٥٤٥) وَالنَّسَائِيّ (٤٩/٨و٥٠و٥١ - ٥٢) وَابْن مَاجَه (٢٦٣٣) وَالْبَيْهَقِيّ (١٠٥/٨ - ١٠٦) من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة. أَبُو دَاوُد (٤٥٥٠) وَالنَّسَائِيّ (٥١/٨ - ٥٢) من حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَأَبُو دَاوُد (٤٥٥١) من حَدِيث جَابر. وَأما حَدِيث «إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ ... » الحَدِيث فَرَوَاهُ أَحْمد (٤٤٤٢ و ٤٤٤٣و ٤٤٤٤و ٤٤٤٥و ٤٤٤٦و ٤٤٤٧) وَالتِّرْمِذِيّ (١٢٨٨) وَابْن مَاجَه (٢١٨٦) والدارمي (٤٥٥٢) وَالْبَيْهَقِيّ (٣٣١/٥ - ٣٣٢) وَالدَّارَقُطْنِيّ (١٨/٢ - ٢١) وَالطَّيَالِسِي (٣٩٩) وَالْحَاكِم (٥٤/٢) وَصَححهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ. والْحَدِيث بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة، وَله طرق كَثِيرَة يصل بهَا إِلَى دَرَجَة الصَّحِيح. وَأما حَدِيث «الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته» فقد رَوَاهُ المحدثون من طرق كَثِيرَة: مِنْهَا عَن أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ مَالك (٣٥/١) وَالشَّافِعِيّ (١٩/١) وَأحمد (٢٣٧/٢ و ٣٦١ و ٣٧٨و ٣٩٢ و ٣٩٣) وَأَبُو دَاوُد (٨٣) وَالتِّرْمِذِيّ (٦٩) وَالنَّسَائِيّ (١٧٦/١) وَفِي الْكُبْرَى (٦٧) وَابْن مَاجَه (٣٨٦) وَابْن خُزَيْمَة (١١١) وَابْن حبَان (١٢٣١) وَابْن الْجَارُود (٤٣) وَالدَّارَقُطْنِيّ (٣٦/١) وَالْبَيْهَقِيّ (١٤١/١) وَابْن أبي شيبَة (١٣١/١) وَصَححهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَابْن الْمُنْذر والخطابي والطَّحَاوِي وَابْن مَنْدَه وَابْن حزم وَالْبَيْهَقِيّ وَعبد الْحق وَابْن الملقن والحافظ ابْن حجر وَغَيرهم.

стр. 122

وَمِنْهَا عَن جَابر، رَوَاهُ أَحْمد (٣٧٣/٣) وَابْن مَاجَه (٣٨٨) وَالدَّارَقُطْنِيّ (٣٤/١) وَالْحَاكِم (١٤٣/١) وَابْن حبَان (١٢٣٢) وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١٧٦٠) . وَمِنْهَا عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٣٥/١) وَالْحَاكِم (١٤٠/١) وَصَححهُ عَلَى شَرط مُسلم وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ وَابْن الملقن. وَمِنْهَا عَن ابْن الخراسي، رَوَاهُ ابْن مَاجَه (٣٨٧) . وَمِنْهَا عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (١٤٢/١ - ١٤٣) وَفِي إِسْنَاده من لَا يعرف. وَمِنْهَا عَن ابْن عمر وَأبي بكر وَأنس لَا تصح فَلِذَا لم نذكرها. فَظهر أَن الحَدِيث صَحِيح من طرق. وَأما حَدِيث «لَا وَصِيَّة لوَارث) فقد كتب فِي صِحَّته الكوثري فِي مقالاته (ص٦٥/٦٧) مقَالا. وَله طرق من عدَّة من الصَّحَابَة: مِنْهَا عَن أبي أُمَامَة، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٨٥٣ و ٢٥٤٨) وَالتِّرْمِذِيّ (٢٢٥٣) وَابْن مَاجَه (٢٧١٣) وَأحمد (٥/٢٦٦) وَالْبَيْهَقِيّ (٦/٢٦٤) وَعبد الرَّزَّاق (١٦٣٠٨) وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٧٥٣١و ٧٦١٥و ٧٦٢١) وَسَعِيد بن مَنْصُور (٤٢٧) وَفِي إِسْنَاد إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن شرحيبل بن مُسلم وَهُوَ شَامي فَالْحَدِيث صَحِيح وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة (١١/١٤٩) . وَمِنْهَا عَن عَمْرو بن خَارِجَة، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٢١٢٢) وَالنَّسَائِيّ (٦/٢٤٧) وَابْن مَاجَه (٢٧١٢) وَعبد الرَّزَّاق (١٦٣٠٦ و ١٦٣٠٧

стр. 123

و ١٦٣٧٦) وَالْبَيْهَقِيّ (٦/٢٦٤) وَأَبُو يعْلى (٨٧/١) وَسَعِيد بن مَنْصُور (٤٢٨) وَالدَّارَقُطْنِيّ (٤/١٥٢)) (١٥٢ - ١٥٣) وَالْبَزَّار والْحَارث بن أبي أُسَامَة وَابْن أبي شيبَة (١١/١٤٩) . وَمِنْهَا عَن أنس، رَوَاهُ ابْن مَاجَه (٢٧١٤) وَالْبَيْهَقِيّ (٦/٢٦٤) وَالدَّارَقُطْنِيّ (٤/٧٠) . وَمِنْهَا عَن عبد الله بن عَمْرو، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٤/٩٨) . وَمِنْهَا عَن عَلّي رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة (١١/١٤٩) مَوْقُوفا عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعا. وَمِنْهَا عَن ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٤/٩٧و ٩٨و١٥٢) وَالْبَيْهَقِيّ (٦/٢٦٣) . وَمِنْهَا عَن ابْن عمر، رَوَاهُ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة. وَمِنْهَا عَن جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٤/٩٧) وَقَالَ: الصَّوَاب مُرْسل. وَمِنْهَا عَن زيد بن أَرقم، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٥٠٢٧) وَابْن عدي. وَمِنْهَا عَن الْبَراء، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٥٠٢٧) وَابْن عدي. وَمِنْهَا عَن معقل، رَوَاهُ ابْن عدي. وَمِنْهَا عَن خَارِجَة بن عَمْرو، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٤٢٠١) . أفبعد هَذَا كُله يُقَال إِنَّه صَحِيح من جِهَة الْإِسْنَاد؟!. وَقد ذكر الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفَى حديثين آخَرين أَحدهمَا «لَا تنْكح الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتهَا» وَالْأُخْرَى «لَا يتوارث أهل ملتين» . أما حَدِيث «لَا تنْكح الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتهَا» فَرَوَاهُ البُخَارِيّ (٥١٠٩

стр. 124

و ٥١١٠) وَمُسلم (١٤٠٨) وَأَبُو دَاوُد (٢٠٥١و٢٠٥٢) وَالتِّرْمِذِيّ (١١٣٥و١١٣٦) وَالنَّسَائِيّ (٦/٩٦و٩٦ - ٩٧و٩٧و٩٨) وَابْن مَاجَه (١٩٢٩) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ البُخَارِيّ (٥١٠٨) وَالنَّسَائِيّ (٦/٩٨) من حَدِيث جَابر. وَرَوَاهُ أَحْمد (١٨٧٨ و٣٥٣٠) وَأَبُو دَاوُد (٢٠٥٣) وَالتِّرْمِذِيّ (١١٣٤) من حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَابْن مَاجَه (١٩٣٠) من حَدِيث أبي سعيد. وَابْن مَاجَه أَيْضا (١٩٣١) من حَدِيث أبي مُوسَى. وَقد رُوِيَ من حَدِيث غير هَؤُلَاءِ. وَهُوَ حَدِيث صَحِيح لَا شكّ فِيهِ. وَأما حَدِيث «لَا يتوارث أهل ملتين» فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٢١٩١) عَن جَابر وَالطَّبَرَانِيّ (٣٩١) عَن أُسَامَة وَأحمد (٦٦٦٤ و ٦٨٤٤) وَأَبُو دَاوُد (٢٨٩٤) وَابْن مَاجَه (٢٧٣١) عَن عبد الله بن عَمْرو وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ (٦/٢١٨) وَالدَّارَقُطْنِيّ (٤/٧٢ - ٧٣) . فَثَبت مِمَّا تقدم أَن حَدِيث معَاذ ضَعِيف لعلل: ١ - الِاضْطِرَاب فِي الْإِسْنَاد. ٢ - جَهَالَة الْحَارِث بن عَمْرو. ٣ - جَهَالَة أَصْحَاب معَاذ. ٥ - الْإِرْسَال. وَالله أعلم.

стр. 125

الملحق الثَّانِي حول حَدِيث إِنَّهَا لَيست بِنَجس إِنَّهَا من الطوافين أوالطوافات من كتاب الْبَدْر الْمُنِير فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشَّرْح الْكَبِير للمؤلف حَيْثُ أَشَارَ إِلَيْهِ، ولنفاسة كَلَام الْمُؤلف فِي الْبَدْر الْمُنِير ننقله بحرفه، ونعلق عَلَى بعض الْمَوَاضِع مِنْهُ. قَالَ (١/٦٦/١ - ٦٩ - ١) هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَشْهُور رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام حفاظ الْإِسْلَام مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد والدارمي فِي مسانيدهم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحهمَا وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن والمعرفة من رِوَايَة أبي قَتَادَة ﵁. وَليكن كلامنا عَلَى هَذَا الحَدِيث مُلَخصا فِي ثَلَاثَة فُصُول: الأول: فِيمَن صَححهُ وشبهة من أعله . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ: إِنَّه حَدِيث حسن صَحِيح وَإنَّهُ أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب، وَإِن مَالِكًا جود إِسْنَاده عَن إِسْحَاق بن عبد الله، وَإِن أحدا لم يَأْتِ بِهِ أتم مِنْهُ، وَسَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ؟ فَقَالَ: جوده مَالك بن أنس، وَرِوَايَته أصح من رِوَايَة غَيره.

стр. 126

وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، عَلَى أَنَّهُمَا قد استشهدا جَمِيعًا بِمَالك بن أنس، وَأَنه الحكم فِي حَدِيث الْمَدَنِيين، وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا صَححهُ مَالك وَاحْتج بِهِ فِي الْمُوَطَّأ، وَمَعَ هَذَا فَلهُ شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح. حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُوسَى القَاضِي ببخارى ثَنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب أَنا مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ ثَنَا سُلَيْمَان بن سافع بن شيبَة الحَجبي قَالَ: سَمِعت مَنْصُور بن صَفِيَّة بنت شيبَة يحدث عَن أمه صَفِيَّة عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: «إِنَّهَا لَيست بِنَجس، هِيَ كبعض أهل الْبَيْت» يَعْنِي الْهِرَّة. وَهَذَا الشَّاهِد الَّذِي اسْتشْهد بِهِ الْحَاكِم أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَلَفظه «هِيَ كبعض مَتَاع الْبَيْت» يَعْنِي الْهِرَّة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ سُلَيْمَان بن أبي مسافع. قلت: ذكره الْعقيلِيّ فِي الضُّعَفَاء، وَقَالَ: لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر فِي كِتَابه معرفَة السّنَن والْآثَار فِي حَدِيث أبي قَتَادَة: إِسْنَاده صَحِيح، والإعتماد عَلَيْهِ. وَصَححهُ أَيْضا الإمامان أَبُو بكر بن خُزَيْمَة وَأَبُو حَاتِم بن حبَان، فَإِنَّهُمَا أَخْرجَاهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح ثَابت.

стр. 127

وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله طرقه ثمَّ قَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفا. قَالَ: وَرَفعه صَحِيح. قَالَ: وَلَعَلَّ من وَقفه لم يسْأَل أَبَا قَتَادَة: هَل عِنْده عَن النَّبِي ﷺ َ فِيهِ أثر أم لَا؟ لأَنهم حملُوا فعل أبي قَتَادَة حَيْثُ قَالَ: وأحسنها إِسْنَادًا، وَأما رِوَايَة مَالك عَن إِسْحَاق عَن امْرَأَته عَن أمهَا عَن أبي قَتَادَة وَحفظ أَسمَاء النسْوَة وأنسابهم وجود ذَلِك، وَرَفعه إِلَى رَسُول الله ﷺ َ. وَخَالف الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ بعد أَن أخرجه من رِوَايَة مَالك فِي الْمُوَطَّأ، ثمَّ ذكر اخْتِلَاف رواياته: أم يَحْيَى اسْمهَا حميدة، وخالتها هِيَ كَبْشَة، وَلَا يعرف لَهما رِوَايَة إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث، ومحلهما مَحل الْجَهَالَة، وَلَا يثبت هَذَا الْخَبَر بِوَجْه من الْوُجُوه، وسبيله سَبِيل الْمَعْلُول. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الْإِلْمَام: جَرَى ابْن مَنْدَه عَلَى مَا اشْتهر عَن أهل الحَدِيث أَنه من لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول. قَالَ: وَلَعَلَّ من صَححهُ اعْتمد عَلَى كَون مَالك رَوَاهُ وَأخرجه مَعَ مَا علم من تشدده وتجرئه فِي الرِّجَال، وَأَن كل من رَوَى عَنهُ فَهُوَ ثِقَة كَمَا صَحَّ عَنهُ، ونقلناه فِي مُقَدمَات هَذَا الْكتاب. قَالَ: فَإِن سلكت هَذَا الطَّرِيق فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث أَعنِي عَلَى تَخْرِيج مَالك لَهُ، وَإِلَّا فَالْقَوْل مَا قَالَ ابْن مَنْدَه.

стр. 128

وَقد ترك الشَّيْخَانِ إِخْرَاجه فِي صَحِيحَيْهِمَا. وَقَالَ فِي الإِمَام: إِذا لم تعرف لحميدة وكبشة رِوَايَة إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث فَلَعَلَّ طَرِيق من صَححهُ أَن يكون اعْتمد عَلَى إِخْرَاج مَالك لروايتهما مَعَ شهرته بالتشدد. وَقَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي: بَقِي عَلَى ابْن مَنْدَه أَن يَقُول: وَلم تعرف حَالهمَا من خَارج، فكثير من رُوَاة الْأَحَادِيث مقبولون. قلت: هَذَا لَا بُد مِنْهُ، وَأَنا أستبعد كل الْبعد توارد الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين عَلَى تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث مَعَ جهالتهم بِحَال حميدة وكبشة، فَإِن الْإِقْدَام عَلَى التَّصْحِيح وَالْحَالة هَذِه لَا يحل بِإِجْمَاع الْمُسلمين، فلعلهم اطلعوا عَلَى حَالهمَا وخفي علينا. قَالَ النَّوَوِيّ ﵀ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد: وَهَذَا الحَدِيث عِنْد أبي دَاوُد حسن، وَلَيْسَ فِيهِ سَبَب مُحَقّق لضَعْفه. قلت: وَقد ظهر أَن جَمِيع مَا علل بِهِ ابْن مَنْدَه وتوبع عَلَيْهِ فِيهِ نظر. أما قَوْله: إِن حميدة لَا تعرف لَهَا رِوَايَة إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث فخطأ، فلهَا ثَلَاثَة أَحَادِيث: أَحدهَا: هَذَا. وَثَانِيها: حَدِيث تشميت الْعَاطِس، أخرجه أَبُو دَاوُد مُصَرحًا باسمها، وَالتِّرْمِذِيّ مُشِيرا إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: عَن عمر بن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة عَن أمه عَن أَبِيهَا، وَحسنه التِّرْمِذِيّ عَلَى مَا نَقله ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه.

стр. 129

وَالَّذِي رَأَيْته فِيهِ: حَدِيث غَرِيب، وَإِسْنَاده مَجْهُول. وَثَالِثهَا: حَدِيث «رهان الْخَيل طلق» رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث يَحْيَى بن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أمه عَن أَبِيهَا مَرْفُوعا بِهِ. وَأما قَوْله فِي كَبْشَة فَكَمَا قَالَ: فَلم أر لَهَا حَدِيثا آخر، وَلَا يَضرهَا، فَإِنَّهَا ثِقَة كَمَا سَيَأْتِي. وَأما قَوْله: إِن مَحلهمَا الْجَهَالَة فخطأ، أما حميدة فقد رَوَى عَنْهَا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة رَاوِي حَدِيث الْهِرَّة، وَابْنه يَحْيَى فِي حَدِيث تشميت الْعَاطِس من طَرِيق أبي دَاوُد، وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَفِي طَرِيق التِّرْمِذِيّ أَن الرَّاوِي عَنْهَا ابْنهَا عمر بن إِسْحَاق، فَإِن لم يكن غَلطا فَهُوَ ثَالِث، وَهُوَ أَخُو يَحْيَى. وَذكرهَا ابْن حبَان فِي ثقاته. فقد زَالَت عَنْهَا الْجَهَالَة العينية والحالية. وَأما كَبْشَة فَلم يعلم رَوَى عَنْهَا غير حميدة، لَكِن ذكرهَا ابْن حبَان فِي الثِّقَات. وَقد قَالَ ابْن الْقطَّان: إِن الرَّاوِي إِذا وثق زَالَت جهالته وَإِن لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد، وإعلامي هَذَا أَنَّهَا صحابية، كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي ثقاته، وَكَذَا نَقله أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ عَن جَعْفَر.

стр. 130

وَأما قَوْله: وَلَا يثبت هَذَا الْخَبَر بِوَجْه من الْوُجُوه فخطأ. فقد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَاد فَقَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن هَارُون، ثَنَا عمر بن الْهَيْثَم بن أَيُّوب الطَّالقَانِي، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، عَن أسيد بن أبي أسيد عَن أَبِيه أَن أَبَا قَتَادَة كَانَ يصغي الإِناء للهرة فَتَشرب مِنْهُ، ثمَّ يتَوَضَّأ بفضلها، فَقيل لَهُ: أتتوضأ بفضلها؟ فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: «إِنَّهَا لَيست بِنَجس، إِنَّمَا هِيَ من الطوافين عَلَيْكُم» . فَهَذِهِ مُتَابعَة لكبشة، وَهَذَا سَنَد لَا أعلم بِهِ بَأْسا. فقد اتَّضَح وَجه تَصْحِيح الْأَئِمَّة لهَذَا الحَدِيث، وَخطأ معلله، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، فاستفده فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات.

стр. 131

الْفَصْل الثَّانِي فِي ذكر أَلْفَاظه وَاخْتِلَاف طرقه، فَإِن الْحَاجة تشد إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ عُمْدَة مَذْهَبنَا فِي طَهَارَة سُؤْر السبَاع وَسَائِر الْحَيَوَان غير الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَفرع أَحدهمَا فَنَقُول: لفظ رِوَايَة مَالك: عَن إِسْحَاق بن عبد الله عَن حميدة بنت أبي عُبَيْدَة بن فَرْوَة عَن خَالَتهَا كَبْشَة ابْنة كَعْب بن مَالك، وَكَانَت تَحت ابْن أبي قَتَادَة أَنَّهَا أخْبرتهَا أَن أَبَا قَتَادَة دخل عَلَيْهَا، فَسَكَبت لَهُ وضوء، فَجَاءَت هرة لتشرب مِنْهُ، فأصغى لَهَا الْإِنَاء حَتَّى شربت، قَالَت كَبْشَة: فرآني أنظر إِلَيْهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنة أخي؟ قَالَت: قلت: نعم، فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: «إِنَّهَا لَيست بِنَجس، إِنَّمَا هِيَ من الطوافين عَلَيْكُم أَو الطوافات» . هَذَا لفظ رِوَايَة مَالك بحروفها. وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ مثلهَا سَوَاء إِلَّا أَن رِوَايَة مَالك أَو الطوافات بِأَو «إِنَّمَا هِيَ من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات» بِالْوَاو وبحذف «عَلَيْكُم» .

стр. 132

وَرِوَايَة أَحْمد من طَرِيق مَالك كهذه إِلَّا أَنه أثبت «وَعَلَيْكُم» . وَرِوَايَة ابْن حبَان وَالْحَاكِم كَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ إِلَّا أَن فِي روايتهما إِثْبَات «وَعَلَيْكُم» . وَابْن خُزَيْمَة كَذَلِك. وَفِي روايتي الدَّارمِيّ وَأبي دَاوُد «عَن كَبْشَة بنت كَعْب بن مَالك وَكَانَت تَحت ابْن أبي قَتَادَة» . ثمَّ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد «والطوافات» . وَفِي رِوَايَة الدَّارمِيّ «أَو الطوافات» . كَذَا نَقله النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب عَن مُسْند الدَّارمِيّ. وَالَّذِي رَأَيْته فِيهِ «والطوافات» كَرِوَايَة أبي دَاوُد بِحَذْف الْألف، وَفِيه تَحت «أبي قَتَادَة» بِحَذْف «ابْن» . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه «كَبْشَة بنت كَعْب وَكَانَت تَحت بعض ولد أبي قَتَادَة» وفيهَا «والطوافات» بِالْوَاو.

стр. 133

وَرِوَايَة الرّبيع عَن الشَّافِعِي عَن مَالك بالإِسناد وَقَالَ فِي كَبْشَة «وَكَانَت تَحت ابْن أبي قَتَادَة أَو أبي قَتَادَة» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الشَّك من الرّبيع، وَقَالَ فِيهِ «أَو الطوافات» بِأَو. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ الرّبيع فِي مَوضِع آخر عَن الشَّافِعِي ثمَّ قَالَ: وَكَانَت تَحت ابْن أبي قَتَادَة، وَلم يشك. وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن الثِّقَة عَن يَحْيَى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ بِمثلِهِ.

стр. 134

الْفَصْل الثَّالِث: فِي الْكَلَام عَلَى شَيْء من إِسْنَاده ومفرداته قَالَ الإِمام أَبُو عمر بن عبد الْبر: رَوَى هَذَا الحَدِيث يَحْيَى بن يَحْيَى عَن مَالك عَن إِسْحَاق عَن حميدة ابْنة أبي عُبَيْدَة بن فَرْوَة عَن خَالَتهَا كَبْشَة الحَدِيث. هَكَذَا قَالَ يَحْيَى: عَن حميدة بنت أبي عُبَيْدَة [بن فَرْوَة] ، وَلم يُتَابِعه عَلَى قَوْله ذَلِك أحد، وَهُوَ غلط [مِنْهُ] ، وَأما سَائِر رُوَاة الْمُوَطَّأ فَيَقُولُونَ: حميدة ابْنة عبيد بن رِفَاعَة، إِلَّا أَن زيد بن الْحباب قَالَ فِيهِ عَن مَالك: حميدة بنت عُبَيْدَة بن رَافع] رَافع، وَالصَّوَاب رِفَاعَة [وَهُوَ رِفَاعَة] بن رَافع الْأنْصَارِيّ. قلت: وَهُوَ فِي صَحِيح ابْن حبَان من رِوَايَة القعْنبِي عَن مَالك: حميدة بنت عبيد بن رِفَاعَة. ثمَّ قَالَ: وَانْفَرَدَ يَحْيَى بقوله «عَن خَالَتهَا» وَسَائِر رُوَاة الْمُوَطَّأ يَقُولُونَ: «عَن كَبْشَة» لَا يذكرُونَ «خَالَتهَا» . وَاخْتلف فِي رفع الْحَاء ونصبها من «حميدة» وَأَشَارَ إِلَى أَن الْأَكْثَر ضمهَا، وتكنى حميدة أم يَحْيَى، وَهِي امْرَأَة إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، ذكر ذَلِك يَحْيَى الْقطَّان فِي هَذَا الحَدِيث عَن مَالك، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ ابْن الْمُبَارك عَن مَالك إِلَّا أَنه

стр. 135

قَالَ: كَبْشَة امْرَأَة أبي قَتَادَة، وَهَذَا وهم، وَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَة [ابْن] أبي قَتَادَة. وَنقل النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد أَنه وَقع فِي رِوَايَة مَالك وَالتِّرْمِذِيّ تَحت أبي قَتَادَة. وَقَالَ: هُوَ مجَاز مَحْمُول عَلَى الرِّوَايَة الْمَشْهُور تَحت ابْنه. وَرَأَيْت من وهم النَّوَوِيّ فِي نَقله ذَلِك عَن الْمُوَطَّأ، وَوهم هُوَ فِي ذَلِك، يَكْفِي بالنووي أَن يُوَافق نَقله مَا نَقله ابْن الْمُبَارك، لَكِن الْمَشْهُور من رِوَايَة مَالك فِي الْمُوَطَّأ تَحت ابْن أبي قَتَادَة، وَكَذَلِكَ هُوَ مَوْجُود فِي الملخص للقابسي فَافْهَم ذَلِك. وَأما لَفْظَة «أَو الطوافات» فَقَالَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَصَاحب الْمطَالع: يحْتَمل أَن يكون عَلَى مَعْنَى الشَّك من الرَّاوِي، وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ َ قَالَ ذَلِك، قَالَ ذَلِك يُرِيد أَن هَذَا الْحَيَوَان لَا يَخْلُو أَن يكون من جملَة الذُّكُور الطوافين أَو الْإِنَاث. وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب هَذَا عَن صَاحب الْمطَالع وَحده، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَه مُحْتَمل. قَالَ: و [هُوَ] الْأَظْهر، لِأَنَّهُ للنوعين كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَات الْوَاو. قَالَ أهل اللُّغَة: الطوافون الخدم والمماليك، وَقيل: هم الَّذين يخدمون بِرِفْق وعناية، وَإِنَّمَا جمع الْهِرَّة بِالْيَاءِ وَالنُّون مَعَ أَنَّهَا لَا تعقل، لِأَن المُرَاد أَنَّهَا من جنس الطوافين أَو الطوافات. وَمَعْنى الحَدِيث أَن الطوافين من الخدم وَالصغَار الَّذين سقط فِي حَقهم الْحجاب والإستئذان فِي غير الْأَوْقَات الثَّلَاث الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا سقط فِي حَقهم دون غَيرهم للضَّرُورَة وَكَثْرَة مداخلتهم بِخِلَاف

стр. 136

الْأَحْرَار الْبَالِغين، فَإِذا يُعْفَى عَن الْهِرَّة للْحَاجة. فقد أَشَارَ إِلَى نَحْو هَذَا الْمَعْنى أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه «الأحوذي» فِي شرح التِّرْمِذِيّ. وَذكر الْخطابِيّ أَن هَذَا الحَدِيث مؤول عَلَى وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه شبهها بخدم الْبَيْت وَمن يطوف عَلَى أَهله للْحَدِيث. وَالثَّانِي: شبهها بِمن يطوف للْحَاجة. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا الثَّانِي قد يأباه سِيَاق قَوْله ﵊ إِنَّهَا لَيست بِنَجس وَهُوَ كَمَا قَالَ. بل قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الْإِلْمَام: إِنَّه غَرِيب بعيد. فَإِن قلت: فالخدم وَالْعَبِيد لَا يُعْفَى عَن نَجَاسَة أَفْوَاههم. فَالْجَوَاب: أَن نَجَاسَة أفواهها ينْدر، وَلَا يشق الِاحْتِرَاز، وَفِي هَذَا الْخلاف. وَقَوْلها: فَسَكَبت لَهُ وضوء هُوَ بِفَتْح الْوَاو، وَهُوَ اسْم للْمَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ، وَالْوُضُوء بِالضَّمِّ اسْم للْفِعْل. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هَذِه اللُّغَة هِيَ قَول الْأَكْثَرين من أهل اللُّغَة. وَقَوله ﵊ «إِنَّهَا لَيست بِنَجس» هُوَ بِفَتْح الْجِيم، كَذَا قيد غير وَاحِد مِنْهُم الْمُنْذِرِيّ فِي مُخْتَصر السّنَن، وَالنَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى أبي دَاوُد وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الإِلمام وَغَيرهم.

стр. 137

قَالَ الله تَعَالَى: (إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس) . وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد المستنبطة مَا لَا يسعنا ذكر بعضه هُنَا لِئَلَّا يطول الْكتاب وَيخرج عَن مَوْضُوعه، وَهَذَا الْقدر كَاف. وَبَقِي أَمر مُهِمّ وَرَاء هَذَا كُله، وَهُوَ أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ وَقع لَهُ فِي هَذَا الحَدِيث ثَلَاثَة [أُمُور] غَرِيبَة وَهُوَ أَنه جعل الصِّيَغ للإِناء للهرة هُوَ النَّبِي ﷺ َ وَتبع فِي ذَلِك الْمُتَوَلِي من أَصْحَابنَا فَإِنَّهُ ذكر ذَلِك فِي تتمته، وَالْمَعْرُوف أَنه أَبُو قَتَادَة. فَقَالَ مَا نَصه: سُؤْر الْهِرَّة طَاهِر، لِأَنَّهَا طَاهِرَة الْعين، وَمَا هُوَ طَاهِر الْعين فَهُوَ طَاهِر السؤر، وَلذَلِك لَا يعْجبُونَ من إصغاء النَّبِي ﷺ َ الْإِنَاء للهرة، قَالَ: «إِنَّهَا لَيست بنجسة إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم» جعل طَهَارَة الْعين عِلّة طَهَارَة السؤر انْتَهَى. فَذكرت أَنا الحَدِيث بِاللَّفْظِ الْمَعْرُوف، فَافْهَم ذَلِك. نعم فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن أبي قَتَادَة وَقَالَ: كَانَ أَبُو قَتَادَة يصغي الْإِنَاء للهرة فَتَشرب، ثمَّ يتَوَضَّأ بِهِ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: مَا صنعت إِلَّا مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ يصنع. فقد يَقْتَضِي ظَاهر هَذَا مُوَافقَة مَا أوردهُ المُصَنّف انْتَهَى.