شأن الدعاء
لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي الحافظ
(٣١٩ - ٣٨٨ هـ)
تحقيق
أحمد يوسف الدّقاق
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
شأن الدعاء
стр. 4
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م
الطبعة الثالثة
١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م
دار الثقافة العربية
دمشق - ص. ب: ٣٠٧٥٦ بيروت - ص. ب: ١١٣/ ٦٤٣٣
المدير المسؤول
أحمد يوسف الدقاق
стр. 5
مقدمة التحقيق
стр. 6
١ - التمهيد:
الحمد لله الذي جعل من الدعاء عبادة وقربى، وأمر عباده المؤمنين بالتوجه إليه لينالوا عنده منزلة رفيعة وزلفى. فقال -تقدست أسماؤه-:
(ادعوني أستجب لكم)، وقال: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)، وقال أيضاً: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) أحمده حمداً كثيراً يوافي نعمه، ويكافىء مزيده، وأصلي وأسلم على نبي الرحمة، ومصباح الهدى محمدٍ صلاة دائمة تليق بمنزلته، وتجزيه عنا ما هو أهله وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم الى يوم الدين.
أما بعد، فإنه لَمِنْ دواعي سروري أن أقدم للقرّاء الكرام كتاب "شأن الدعاء" للإمام أبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم الخطابي لأول مرة عن أصوله الخطية التي سيأتي ذكرها في هذه المقدمة.
٢ - التعريف بالكتاب:
كتاب شأن الدعاء يكاد يكون فريداً في بابه، وإن كان مضمونه منتثراً كاللآلىء بين تضاعيف الكتب عند أئمة العلم من المفسرين والمحدثين واللغويين، والكتاب مقسم الى ثلاثة أجزاء:
تناول أبو سليمان ﵀ في الجزء الأول منه: الدعاء، ومعناه، ومنزلته في الدين ... ثم بيّن ما للدعاء من أثر طيب في دفع البلاء، ورد
стр. 7
القضاء، وأظهر الفرق بين مذهب من يرى أن الدعاء لا ينفع فيما جرى به القضاء، وبين مذهب من يرى أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، مغلباً جانب الداعين على التاركين ... بأسلوب رصين وحجة بالغة، وهذا الجزء، في الواقع، يغني عن تساؤلات كثيرة في أمر الدعاء والقضاء، ويبصر المؤمن أنه أبداً يجب أن يكون معلقاً مع الله تعالى بالرجاء والدعاء ...
ثم يتناول شرح أسماء الله الحسنى الواردة في الحديث: "إن لله تسعة وتسعين اسماً ... " شرحاً فيه، بالإضافة الى المعنى اللغوي والاشتقاقي، المدلول الفقهي لمعاني أسماء الله تعالى وصفاته، ثم يلحقه بفصل يسميه: لواحق الدعاء ... فيستغرق قسماً من نهاية الجزء الأول وبداية القسم الثاني، ثم يتناول بعد أن يستوفي الدعاء ومعناه وشرح الأسماء والصفات، كتاب الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ ، التى جمعها الإمام ابن خزيمة. ثم يلحق به فصلاً يسميه الخطابي ﵀ من لواحق الدعاء -الذي لم يذكره ابن خزيمة في المأثور من الدعوات التي جمعها- فيغني الكتاب بـ (٣٥) حديثاً من رقم (١٠٨ - ١٤٣) إضافةً على ما جمعه ابن خزيمة، مشروحة مفسرة بما يفيد المسلم في حياته وأخراه.
٣ - سبب إملاء الخطابي للكتاب:
الكتاب في الأصل شرح لكتاب الدعوات التي جمعها الإمام ابن خزيمة ولقد كان الدافع لإملاء الكتاب سؤال إخوانه عن الدعاء، ومعناه، وطلبهم أن يفسر لهم ما يُشكل من ألفاظ الأدعية المأثورة، كما قال ﵀ في المقدمة-: فإنكم سألتم -إخواني أكرمكم الله- عن الدعاء وما معناه؟ وفائدته؟ وما محله من الدين؟ وموضعه من العبادة؟ وما حكمه في باب الاعتقاد؟ وما الذى يجب أن ينوي الداعي بدعائه؟ إلى أن قال: وطلبتم الى ذلك أن أفسر لكم ما يشكل من ألفاظ الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ التي جمعها إمام أهل الحديث، محمد بن إسحق بن خزيمة، إذ أولى ما يدعى به
стр. 8
ويستعمل منه ما صحّت به الرواية عن رسول الله ﷺ ..
فاستجاب الخطابي ﵀ الى رغبة إخوانه، وأملى عليهم هذا الكتاب، ولكنه قبل أن يفجأهم بشرح الأحاديث، قدم لهم ما يجب أن يعرفوه عن الدعاء وآدابه ... الخ ما ذكره في المقدمة.
٤ - أهمية الكتاب:
تبرز أهمية الكتاب في أمرين اثنين:
أ- كونه مجموعة أحاديث جمعها ابن خزيمة في الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ أصبحت اليوم في عداد الكتب المفقودة، إذ لم أظفر بنسخة منها مستقلة عن شرح الخطابي، وقد وَهَم من ظن أن منه نسخة في الظاهرية، فالذي في الظاهرية منه نسختان بشرح الخطابي. أما الأولى فلا وَهَم في عنوانها، وهي التي ضمن المجموع ٣٠٨ حديث.
وأما الثانية: فلعل عنوانها: "الثالث من كتاب شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ التي صنفها الإمام أبو بكر محمد بن إسحق بن خزيمة" أوهم بعضهم أن الكتاب لابن خزيمة، وليس كذلك، لأن تتمة الكلام على الوجه نفسه -وإن كان صعب القراءة- "من إملاء الشيخ الإمام أبي سليمان الخطابي ﵀"، ثم إنه ليس لابن خزيمة كتاب باسم "شأن الدعاء" بل له كتاب الدعاء، والدعوات كما ذكر في كتابه "التوحيد" ص ٧ و١٦٣، وص ٣٤. ونقله عنه فضيلة الشيخ الأعظمي.
ولكن الذي يترجح عندي أن كتاب "الدعاء" هو غير كتاب الدعوات، وأن كتاب الدعاء هو الذي شرحه أبو سليمان الخطابي وسمّاه: "شأن الدعاء" لأن ابن خزيمة يروي في كتاب "التوحيد" ص ٧ وص ١٦٣ حديث جويرية: "سبحان الله وبحمده عدد خلقه ... " ويقول ابن خزيمة: خرجته من هذا الباب في كتاب "الدعاء". أما كتاب الدعوات فنرى في كتاب التوحيد
стр. 9
ص ٣٤ حديثاً ليس مع الأحاديث التي شرحها الخطابي ضمن أدعية ابن خزيمة.
فهذا يدل بداءة أن الكتابين مختلفان ... وربما كان "كتاب الدعوات" فصلاً من صحيحه الذي فقد أكثره -وطَبَعَ القسم الموجود منه العلامة الدكتور محمد مصطفى الأعظمي- وهذا مألوف عن المحدثين في تآليفهم، إذ نرى من أفرد كتاباً بهذا الاسم كالبخاري والترمذي ...
ب- وتبرز الأهمية الثانية لكتاب شأن الدعاء في كون الشارح له أبا سليمان الخطابي، الإمام المجمع على إمامته، وهو الحافظ الثقة، من أئمة القرن الرابع الهجري ومن بقية السلف الصالح، علماً وأدباً. وسنعرف ذلك في ترجمته.
٥ - المخطوطات المعتمدة في التحقيق:
لقد اجتمع لديّ من مخطوطات الكتاب أربع نسخ وهي:
أ- نسخة الظاهرية المرموز لها بالحرف (ظ): وهي ضمن المجموع ٣٠٨ حديث، وهي نسخة قديمة الخط، يرجع تاريخ نسخها إلى سنة ٥٨٧ هـ نسخها علي بن محمد بن عثمان المؤذن النيسابوري، وقد ذكر في الصفحة ٤٤/ ٢ أنه: فرغ من تسويده في الليلة الخامسة من ذي القعدة من شهور سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وقد أصاب الورقة الأولى منها تلف ذهب بقسم من سندها، ومقدمة المصنف، كما هو مبين في راموزها في الصفحة .... كما سقط منها فصل برمته من ص ١١١ إلى ص ١١٣، وفيها سقط آخر يبدأ ص ١٣٨ وينتهي في الصفحة ١٦٨ من قوله: "خلاف حكم ... إلى قوله: إن شرخ الشباب .... " وهو سقط فاحش كما ترى استدرك من النسخة المغربية. كما سقط منها ومن بقية النسخ الحديث الأخير رقم (١٤٣) مع شرحه واستدرك من النسخة الظاهرية الثانية المرموز لها بـ (ظ ٢).
стр. 10
وعلى الرغم من أن النسخة الظاهرية (ظ) مسودة إلا أن خطها مقروء ومضبوط بالشكل الكامل، وخطها نسخي معتاد، ومدادها بني فاتح اللون، وكأنه استحال أصله على مرور الزمن، وقد كتبت فيها الفصول والأسماء الحسنى بالمداد الأحمر، وبشكل بارز، وبخط أكبر تمييزاً لها من بقية الكلام.
وعدد أوراق المخطوطة (٥٢) ورقة أي (١٠٤) صفحات مفردة من الحجم المتوسط، في كل صفحة ١٩ سطراً وفي كل سطر من تسع إلى عشر كلمات.
ب- النسخة المغربية المرموز لها بالحرف (م): هي نسخة من الخزانة العامة من الرباط في المغرب برقم ١١٤٢/ ق، وهي من القطع الكبير، وكتبت بخط مغربي كبير مقروء، خالية من الشكل إلا نادراً، عدد أوراقها (٣٩) تسع وثلاثون ورقة أي ٧٨ صفحة مفردة، في كل صفحة ٢٤ سطراً وفي كل سطر من ١٠ إلى ١٣ كلمة. وهي نسخة جيدة قليلة السقط بالنسبة إلى (ظ) إذ سقط من (م) من الصفحة ١٢ إلى ص ١٦، وهناك سقط آخر يبدأ من ص ٨٣ وينتهي في الصفحة ٨٦، ولحسن الحظ أن هذا السقط موجود في (ظ) فتممت الواحدة الأخرى، ومما يؤسف له أن النسخة المغربية خالية من أي سند أو سماع أو تاريخ للنسخ، ولا يعرف ناسخها، ولم يُشَرْ فيها إلى أي قراءة أو سماع، فهي تبدأ بـ: "قال الشيخ الإمام الفاضل .... " وتنتهي بـ: "تم كتاب تفسير الأسماء والدعوات بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد نبيه وآله".
ج- النسخة التيمورية المرموز لها بالحرف (ت): هي نسخة ناقصةُ الجزْءِ الأولِ بأكمله، فهي تحوي الجزء الثاني والثالث فقط وتبدأ من تفسير: المجيب ... وتنتهي بقوله: "فكيف بالخالق "، والنسخة ضمن المجموع ٢٩٥ حديث في المكتبة التيمورية، وهي نسخة جيدة قديمة الخط ولها في بداية كل جزء (الثاني والثالث) سند، وعليها سماعات، ويرجع تاريخ السماع المدون عليها إلى سنة ٤٧٩ هـ و٤٨٠ هـ، وهي مضبوطة بالشكل،
стр. 11
وأوراقها من القطع المتوسط، وعددها ١٦ ورقة أي ٣٢ صفحة، وفي كل صفحة ٣٢ سطراً وفي كل سطر بين (١٢) و (١٤) كلمة. وهي أقدم النسخ المعتمدة في التحقيق.
والنسخة التيمورية تبدأ من الصفحة (٧٢)، وتستمر كاملة إلى النهاية، إلا أنه حصل فيها تأخيرُ ورقةٍ من المخطوطة فقدت ترتيبها، وهي الورقة (٢٦٧) بحسب ترقيم المجموع، وحقها أن تكون برقم (٢٥١)، وقد أشرت إلى هذا الخلل في الصفحة (١٣٣).
د- نسخة الظاهرية الثانية المرموز لها بـ (ظ ٢): هي أكثر النسخ خرماً، إذ تبدأ من قوله: "سبوح قدوس .... " إلى نهاية الكتاب، وهي النسخة الوحيدة التي رممت آخر الكتاب، إذ النسخ الثلاث السالفة الذكر سقط منها الحديث الأخير مع شرحه، وقد أشرت إلى هذا أثناء حديثي عن النسخة الظاهرية الأولى.
وهي نسخة سيئة الخط، مهملة من النقط والضبط بالشكل إلا ما ندر، وقد أصاب مدادها في بعض المواطن تفشٍ من الماء أو الرطوبة، كما أصابتها الأرضة، وهي من القطع الصغير، قياسها ١٣ × ١٨,٥ وعدد أوراقها ما عدا ورقة العنوان والسماعات ست ورقات ونصف أي (١٣) ثلاث عشرة صفحة، في كل صفحة من ٢٨ إلى ٣٢ سطراً وفي كل سطر تقريباً من ١٣ - ١٦ كلمة، وقد كُتِبَ على صفحتها الأولى: "الثالث من كتاب شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ التي صنفها الإمام أبو بكر محمد بن إسحق بن خزيمة، من إملاء الشيخ أبي سليمان الخطابي ﵏ برواية الشيخ أبي القاسم عبد الوهاب بن محمد بن محمد الخطابي، رواية أبي مُسْلم عمر بن علي الليثي البخاري عن أبي القاسم" وقف الشيخ علي الموصلي.
стр. 12
فهي بهذا السند تلتقي بالنسخة التيمورية، المروية أيضاً من طريق أبي مسلم عمر بن علي الليثي. والنسخة غنية بالسماعات ولكنها صعبة القراءة، وقد جاء في نهايتها ذكر لتاريخها وهو سنة خمسمائة.
٦ - الحصول على النسخ ودورها في التحقيق:
من الوصف المتقدم للنسخ يتبين لنا أنه لا تغني نسخة عن نسخة، إذ لا يستطيع الباحث أن يتخذ نسخة أُمّاً يعتمد عليها من دون الأخريات.
ولقد كان في ظني أن النسخة الظاهرية -يوم نسختها سنة ١٩٧٠ م- أنها نسخه كاملة، ولكنه فجأني نقصها أثناء المراجعة بعد النسخ، مما دفعني بإلحاح للبحث عن مخطوطات أخرى للكتاب، وبعد البحث والنظر في فهارس المكتبات ظفرت بالنسخة التيمورية، واستقدمت منها نسخة على الميكروفيلم، وكان الأخ خضر العبيدي -حفظه الله- قد جلبها لي معه من القاهرة فجزاه الله عني خيراً. وتأسفت كثيراً عندما وجدتها هي الأخرى ناقصة، وأي نقص؟! إنه الجزء الأول منها برمته، بحسب تقسيمها، ولكنها كانت عوناً كبيراً في المقابلة إلا أنها لا تسدُّ الخلل الذي في النسخة الظاهرية (ظ). وبقي العمل متعثراً إلى أن ظفرت بالنسخة المغربية، وقد حصلت على نسخة منها مصورة من مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، بواسطة الأخ الدكتور أحمد محمد نور سيف، جزاه الله عني خيراً وأثابه وجعل ذلك في صحيفته، وكانت هذه النسخة في الواقع هي البلسم لبقية النسخ.
أما النسخة الظاهرية الثانية (ظ ٢) فهي ضمن "المجموع الواحد والستون" برقم (٢) وقد كتب في المجموع المذكور ما يلي: "الثالث من تفسير الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ وفي حقل اسم المؤلف: "محمد بن إسحاق ابن خزيمة، رواية الخطابي". هذا التعريف بالكتاب أوهم بعضهم أن الكتاب لابن خزيمة، وليست الحال كذلك.
стр. 13
فهذا التعريف بالكتاب أوهمني -كما أوهم غيري- أن الكتاب لابن خزيمة، وسررت جداً لأنني كنت أبحث عن كتاب الدعوات لابن خزيمة الذي شرحه الخطابي، وقوّى عندي هذا الوهم أن فضيلة الدكتور الأعظمي في مقدمته لصحيح ابن خزيمة، عندما سرد مؤلفات ابن خزيمة ص ١٣، ذكر كتاب الدعاء، وعلّق عليه بالحاشية رقم (٥) قائلًا: "وتوجد في الظاهرية مخطوطة لابن خزيمة باسم شأن الدعاء"، ولما حصلت عليها تبين أنها للخطابي، وهذه النسخة مع أنها لا تحوي إلا ما يعادل ربع الكتاب (من ص ١٥٤ إلى ص ٢٠٩) لكنها رممت النسخ الثلاث من آخرها فكان لها -على سقطها الكبير- فضلٌ على تتميم الكتاب.
ولا بد لي من التنويه هنا قبل أن أختم القول في هذه الفقرة: أنه يوجد للكتاب مخطوطة خامسة هي مخطوطة فيض الله ١٣٠٨/ ١ بعنوان "كتاب الدعاء" (من ورقة ١ - ٣٥، ٧٧٨ هـ) كما ذكره الدكتور فؤاد سزكين، في تاريخ التراث العربي ج ١/ ٥٢٠.
وهي كما ترى أيها القارئ الكريم متأخرة التاريخ، ومن عدد أوراقها تبدو أنها ناقصة بالمقارنة مع النسخ التي اعتمدتها في التحقيق، ومع هذا -كنت جاداً في إحضارها للوقوف عليها، ولكننى مع الأسف لم أستطع الحصول عليها حتى ساعة تقديم الكتاب إلى الطبع.
والذي يعزيني في ذلك أنني جمعت للكتاب أربع مخطوطات منها اثنتان غير معروفتين في فهارس المكتبات وهما: النسخة المغربية، والنسخة الظاهرية الثانية (ظ ٢).
٧ - دراسة الأسانيد والقراءات والسماعات:
ذكرت أثناء وصف المخطوطات أن النسخة الظاهرية قد أصاب سندها في الورقة الأولى تلف ذهب ببعض أسماء رجال السند. فسقط اسم الكرابيسي وابن نصر اللبان
стр. 14
الدينوري، وأبو والسين من كلمة (أبو سليمان) -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- واستطعت من مراجعة المجموع ٣٠٨ الذي فيه كتابا "شأن الدعاء" و "الاعتصام بالعزلة" للخطابي، استطعت ترميم اسم نصر اللبان الذي جاء في سند الاعتصام بالعزلة ص ٥٣/أكاملاً على الشكل التالي: وأخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن نصر اللبان الدينوري.
ومما يؤسف له أن بعض من نظر في المخطوط، شأن الدعاء، حرف بمداد الحبر الأزرق كلمة: "نصر" إلى "خضر" ظناً منه أنه أصلح؛ فأفسد وحرَّف.
وتكرر منه ذلك في عدة مواطن من المجموع وخاصة في كتاب العزلة.
وأما أبو الفتح بن أبي الفرج راوي النسخة الظاهرية هو: نصر بن أبي الفرج الغزنوي، وقد جاء في الصفحة ١٤١/ ب من المجموع ٣٠٨ بخط الناسخ المؤذن النيسابوري ما نصه: وصاحب الكتاب أبو الفتح نصر بن أبي الفرج الغزنوي.
هذا الذي ذكره ورد ضمن سماع كتاب أسماء رسول الله ﷺ ومعانيها، وقال الناسخ النيسابوري: سمع أسماء رسول الله ﷺ ومعانيها من الشيخ الإمام السيد المفسر أبي محمد سعيد بن إسحق أدام الله توفيقه، ثانياً بقراءة الشيخ الرئيس أبي المؤيد عيسى بن عبد الله الكاتب الطوسي الفقهاء والمشايخ، منهم: أبو زيد بن عبدوس، وطاهر بن ناصر بن عبد الله المحتسب، وأبو الطيب بن أبي سعيد، ومحمد بن يهوذا، وأبو نصر أحمد بن محمود الصرَّام، وأولاً بقراءة نصر بن محمد بن عبد الجليل بن محمد الشروطي الحاكمي الشيخ الرئيس أبو المؤيد عيسى بن عبد الله هذا، والشيخ الرئيس أبو الفتح وأبي (١) الفتح الزاهد، وأبو العلاء أحمد بن يعقوب بن أبي بكر الأوشي، وأبو بكر محمد بن عمر الأشهبي، وأحمد بن سبكتاش، وأبو
стр. 15
إسماعيل إبراهيم بن محمد المقري.
وصاحب الكتاب أبو الفتح نصر بن أبي الفرج الغزنوي، فصح بسماع هؤلاء ثانياً، وأولئك أولًا في أواخر ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
من هذا السماع نعلم أن صاحب الكتاب الذي نسخ عنه المؤذن النيسابوري هو أبو الفرج راوي نسخة، شأن الدعاء، وأن سماعه حصل سنة (٤٩١ هـ) وهذا السماع متقدم على تاريخ النسخ الذي أتمه النيسابوري سنة (٥٨٧ هـ) كما هو مذكور في الصفحة ٤٤/ ٢.
وهو قريب من تاريخ السماع المدون على النسخة التيمورية، إذ نرى عليها سماعين الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة، والثاني سنة ثمانين وأربع مائة.
أما السماع الأول فقد جاء فيه ما نصه:
قرأت جميعه وسمعه ابنتي كريمة، جعلها الله من الصالحات، والشيوخ أبو المجد عنبسة بن عبد الله بن عنبسة الكفرطابي، وأبو الحسن بن المعروفي الخياط ومنصور ... وأبو الأزهر المبارك بن أحمد البقال وأحمد بن الحسين بن بركة الهروي ومسعود بن سهيل وذلك من شهر شعبان سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
وعليها سماعان آخران لعدد من العلماء والشيوخ بالتاريخ نفسه سنة (٤٧٩ هـ) فجعلت هذه السماعات الثلاث العائدة لتاريخ واحد سماعاً أول.
أما السماع الثاني جاء فيه ما نصه:
سمع جميع هذا الكتاب محمد بن الحسن بن محمد بن مهدي الفارسي الداربجردي ... وسمع معه الشيخ أبو النجم عبد الصمد بن حيدر السرواتي بقراءة الشيخ الحافظ أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي الدقاق، شرح الله صدره، وبارك في أنفاسه في آخر المحرم من سنة ثمانين وأربعمائة.
أما النسخة الظاهرية الثانية (ظ ٢) فهي أيضاً تصدرت في صفحة
стр. 16
الغلاف بسماعات غنية، ولكنها صعبة القراءة، ولا يأمن الإنسان فيها العثار، ومع ذلك فإنني بذلت في قراءتها ما في وسعي، وسأذكر هذه السماعات فيما يلي، تاركاً المكان الفارغ للأسماء التي عزّ عليّ قراءتها.
وسأثبت راموزها بعد ذلك مع رواميز المخطوطات المعتمدة في التحقيق فلعله ينتفع منها من ينتفع.
سماعات النسخة (ظ ٢):
جاء على صفحة الغلاف ما يلي: سمع جميعه من أوله إلى آخره على سيدنا الشيخ الأجل، الإمام السيد، فخر الإسلام، ركن الشريعة: عماد الدين، شمس الهدى، إمام الأئمة، قدوة الأمة، تاج العالمين، أبي بكر محمد ابن أحمد بن الخير المالكي، أدام الله أيامه، ولده الشيخ الأجل الإمام، شرف الأئمة سيد العلماء أبو محمد عبد الله، والسادة القضاة الصُمُد؛ أبو علي بن الحسن بن عمار الموصلي، وأبو الفضل محمد بن محمد بن محمد بن عطاف الهَمْدَاني الموصلي، وأبو القاسم محمود بن علي بن الحسن بن بكري الهمذاني، والموفق أبو الحسن علي بن أحمد بن الخير بن (محمويه) أو محمود البردي وأبو المعالي عبد الصَمَد بن عبد الملك الدركي الجيلي الحنبلي، وأبو بكر محمد بن أحمد المعروف بكلى الفقهاء، وأبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن حكيم ... المعروف بابن برهان، وأبو صالح بن عبد الملك بن علي بن أحمد الأستهي، وأبو نصر نصير الدين بن ... البغدادي، وأبو سالم عبد الله بن أحمد بن علي ... موسى ... أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الشهرستاني، وأبو الحسن علي بن ... بن الدلال، وأبو القاسم أحمد بن ... البخاري، وعلي بن غالب بن مهلب بن ...
وسمع من قبل النصف العلماء السادة الشيخ .... الشيخ الأجل أبي المحامد سعد الدين ... الأنباري وقرأ للجميع عبد الله بن محمد بن أحمد ... قد ... سنة خمسمائة بخلوة ... نفسه.
стр. 17
٨ - منهج التحقيق:
بعد أن نسخت الكتاب، قمت بمقابلة النسخ، وأثبت ما يوجد بينها من الاختلاف، وأثبت في النص عند الاختلاف ما ارتاحت نفسي إليه من حيث المعنى، والصحة في العربية، وعند تساوي المعاني أثبت أقربها للفهم، أو أتعمد إثبات ما أجد صحته، ويظنه بعضهم خلاف الأولى دون حجة مرجحة.
ثم بدأت بتفصيل الكتاب وترقيمه. وقمت بتخريج الآيات، ورقمت الأحاديث والآثار الواردة، ثم فزعت إلى دواوين السنة، وبدأت بتخريجها منها، ثم إنني لم أكتف بمصدر منها دون مصدر بل كنت باحثاً عن الأحاديث مستقصياً ما أمكن الاستقصاء، فلم أكتف مثلاً بالبخاري ومسلم إن كان الحديث عندهما، بل ربما أذكر إلى جانبهما مسند الإمام أحمد أو النسائي أو الدارمي أو سنن أبي داوود ... إلى آخر ما هنالك من المراجع التي توفرت عندي، مما سيراه القارىء الكريم مثبتاً في التخريج، ويبدو ذلك واضحاً إذا كان للحديث أكثر من طريق في الرواية، ولكنني لم أدخل في تفاصيل الأسانيد، بل كنت أشير إلى الصحابي راوي الحديث، وأعدد الرواة عند تعددهم، فأقول مثلاً في الحديث رقم [٢٤] ص ٤٥: "أخرجه الحاكم من حديث واثلة بن الأسقع، وفي مسلم من حديث أبي هريرة ... "، ثم إنني بعد ذلك أورد ما قاله أئمة الحديث في الحكم على الحديث، إن كان في الحديث مقال، وليس لي من ذلك إلا نقل ما قالوه في الحديث دون أن أتدخل مباشرة في الحكم على الحديث؛ إذ أترك للقارىء الكريم أقوال العلماء بين يديه مثلما تمثلت أمامي.
ثم بعد ذلك خرجت ما ورد في الكتاب من الشعر، وعزوت ما استطعت من الأشعار إلى أصحابها، وذلك بعد البحث والتنقير عنها في مظانها المختلفة، بدءاً من الدواوين وانتهاءً بكتب اللغة، ثم خرجت ما ورد
стр. 18
من الأمثال في كتب الأمثال، كما نوهت بتراجم بعض الأعلام الذين لا يحسن بالقاريء أن يجهلهم مراعياً في ذلك جانب الاختصار ما أمكنني الاختصار، والاقتصار على القليل منهم. إذ لا أستطيع أن أزعم أنني ترجمت جميع من مرَّ منهم. ثم ألحقت الكتاب بفهارس مفصلة شاملة إكمالاً للفائدة.
٩ - طريقة الإخراج:
أول ما يلاحظه القارى الكريم في الكتاب تنوع الحواشي. إذ جعلت للحديث رقماً محصوراً بين معقوفين هكذا []، والحواشي الأخرى محصورة بين هلالين هكذا ()، ثم فصلت بينهما في الترتيب، فجعلت الأحاديث تأتي تعليقاتها في الحاشية العليا مفصولة عن حواشي التعليقات الأخرى.
ثم إنني جعلت حرف الحواشي مختلفاً، فحرف حواشي الأحاديث أكبر من حواشي التعليقات الأخرى ليسهل تمييزها.
أمّا المتن فلا أرى ما يحتاج فيه القارىء إلى تنويه، وجماله ولله الحمد، لا يخفى.
هذا ما بذلته من الجهد في هذا الكتاب الجليل، فإن أصبت فذلك الفضل من الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطأت فعذري قلة بضاعتي وضعف حيلتي، وأرجو من الله أن يتجاوز عني، ولكن الذي يشفع لي أنني أتوجه بهذا العمل إلى وجهه الكريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
دمشق في ٥/ ٦/١٩٨٣
أحمد يوسف الدقاق
стр. 19
راموز الصفحة الأولى من النسخة الظاهرية (ظ) رقم (١)
стр. 20
راموز الصفحة الأخيرة من النسخة الظاهرية (ظ) رقم (٢)
стр. 21
راموز صفحة الغلاف من النسخة التيمورية (ت) رقم (٣)
стр. 22
راموز الصفحة الأولى من النسخة التيمورية (ت) رقم (٤)
стр. 23
راموز سماعات النسخة التيمورية (ت) رقم (٥)
стр. 24
راموز الصفحة الأخيرة من النسخة التيمورية (ت) رقم (٦)
стр. 25
راموز الصفحة الأولى من النسخة الظاهرية (ظ ٢) رقم (٧)
стр. 26
راموز الصفحة الأخيرة من النسخة الظاهرية (ظ ٢) رقم (٨)
стр. 27
راموز سماعات (ظ ٢) رقم (٩)
стр. 28
راموز الصفحة الأولى من النسخة المغربية (م) رقم (١٠)
стр. 29
راموز الصفحة الأخيرة من النسخة المغربية (م) رقم (١١)
стр. 30
ترجمة المُصَنِّف
حمد بن محمد الخطابي الحافظ
"٣١٩ - ٣٨٨ هـ"
стр. 31
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 32
تمهيد:
أ- القرن الرابع الهجري:
بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية إلى الصين شرقاً، وإلى جنوب فرنسا غرباً، بدأ الوهن يدب في أوصال هذه الدولة المترامية الأطراف، وبدأ الأمراء والسلاطين يستقلون عن مركز الخلافة في بغداد، فنشأت دويلات وسلطنات -إن صح هذا التعبير- اقتسمت إرث بني العباس، حتى أصبح الخليفة في بغداد ليس له من السلطة إلا الاسم.
ب- لمحة عن الحياة العلمية:
في خضم هذا الجو السياسي المضطرب كانت رواسي العلم راسخة كالجبال، وكانت الحياة العلمية كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وبدأت ثمارها تتدلى، وكانت قطوفها دانية، فمهدت السبيل إلى نبوغ الجم الغفير من علماء ذلك العصر، الذين ينوء القرطاس هاهنا عن حصرهم، وكان العلماء يجوبون البلاد الإسلامية طلباً لتحصيل العلم، وسعياً في طلب الحديث والتفسير والفقه واللغة، وبدأت مراكز العلم تتعدد، فبعدما كانت بغداد محجة العلماء، أصبح ينافسها في ذلك أمراء المقاطعات، وسلاطين
стр. 33
البلاد في الشرق والغرب، من غزنويين وبويهيين، وحمدانيين، وإخشيديين، وفاطميين ... ويكفينا أن نضرب مثلاً واحداً على ذلك: الحمدانيين وما حواه بلاطهم من العلماء ومعظمنا يذكر أن سيف الدولة كان يضم في مجلسه جلة من العلماء من أمثال ابن خالويه، وأبي علي الفارسي، وشاعر العصر، المتنبي ...
مولده: ولد الإمام أبو سليمان الخطابي في العقد الثاني من القرن الرابع الهجري سنة (٣١٩ هـ) في مدينة بُست، قال ياقوت في معجم البلدان: بُست -بالضم- مدينة بين سجستان، وغزنين وهراة وأظنها من أعمال كابُل، وهي من البلاد الحارة المزاج، وهي كثيرة الأنهار والبساتين، سئل عنها بعض الفضلاء فقال: هي كتثنيتها، يعني: بستان.
وقد خرج منها جماعة من أعيان الفضلاء، منهم: الخطابي أبو سليمان.
وكان من الأئمة الأعيان.
وقال في معجم الأدباء: أبو سليمان البستي نسبة إلى بُست من بلاد كابُل. وقال ابن خلكان: "وبُست مدينة من بلاد كابل بين هراة وغزنة" وهي اليوم من بلاد أفغانستان وكابل عاصمتها.
رحلته في طلب العلم: كانت الرحلة في طلب العلم ديدن علماء ذلك العصر فهم أبداً يجوبون البلاد شرقاً وغرباً ليسمعوا الحديث من فلان أو يأخذوا الفقه أو اللغة أو التفسير عن فلان ... والخطابي واحد من هؤلاء النفر الكريم من العلماء الذي أدلى دلوه بين الدلاء.
قال عنه ياقوت في معجم الأدباء: ورحل في طلب الحديث وطوَّف، وألّف في فنون من العلم وصنف، وأخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي، وأبي علي بن أبي هريرة ونظرائهما من فقهاء الشافعية وروى عنه خلق منهم:
أحمد بن غفير الهروي، وأبو مسعود الحسن بن محمد الكرابيسي البستي
стр. 34
روى عنه ببست، وأبو بكر محمد بن الحسن المقريء، روى عنه بغزنة، وأبو الحسن علي بن الحسن الفقيه السجزي، روى عنه بسجستان، وأبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الفسوي، روى عنه بفارس، وآخرون.
وقد روى عنه الإمام الفقيه أبو حامد الأسفراييني، فقيه العراق، والحاكم أبو عبد الله محمد بن البيِّع النيسابوري، روى عنه بخراسان، وقد حدث عنه أبو عبيد الهروى في كتاب الغريبين.
هذه الحياة الزاهرة في طلب العلم، وتحصيله، وشدِّ الرحال إليه، ما بين الحجاز وبغداد وخراسان وما وراء النهر ... تلقي ضوءاً على ما كان يتمتع به الخطابي ﵁ من همة عالية في الصبر على مشقات السفر، وتذليل صعابه التي لا تلين إلاّ إلى القليل من البشر، ممن وهبهم الله المقدرة على ذلك.
منزلته بين علماء عصره: قال الثعالبي صديق الخطابي في يتيمة الدهر: كان يشبّه في عصرنا بأبي عبيد القاسم بن سلام في عصره علماً وأدباً وزهداً، وورعاً، وتدريساً، وتأليفاً. إلا أنه كان يقول شعراً حسناً، وكان أبو عبيد مفحماً.
وقال عنه الإمام أبو المظفر السمعاني: كان -أي الخطابي- من العلم بمكان عظيم، وهو إمام من أئمة السنة، صالح للاقتداء به، والإصدار عنه.
وقال العمادي في شذرات الذهب: أبو سليمان كان أحد أوعية العلم في زمانه، حافظاً، فقيهاً، مبرزاً على أقرانه.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: الخطابي أحد مشاهير الأعيان والفقهاء المجتهدين المكثرين.
فهذه الأقوال والشهادات كلها مجمعة على منزلة الخطابي الرفيعة بين
стр. 35
أهل زمانه، وإن تشبيهه بأبي عبيد القاسم بن سلام (١) كاف لندرك ما كان عليه الخطابي من العلم والزهد والورع والتدين ...
سيرته: تروي لنا المصادر أن الخطابي ﵀ من أهل الزهد والورع والتدين ...
كما أنها تروي لنا أنه كان يتجر في مِلكه الحلال، وينفق على الصلحاء من إخوانه.
فهذه إشارة تدل دلالة واضحة على أن الخطابي ﵀ ما كان يمد يده إلى السلطان ليجري عليه جرايته، بل كان ينفق من ماله على إِخوانه؟!.
ونحن إذا نظرنا إلى العلماء في عصره، وكيف كانوا يعيشون، رأينا أن معظمهم يعتمد في معاشه إمَّا على أعطيات السلطان، أو يعيش في كنفه أو في بلاطه، أو يؤدب له أولاده؛ فينال من ذلك المال الوفير والجاه العريض.
والقليل النادر منهم من يعيش مستقلاً في رزقه معتمداً على تجارته، معتزلًا السلطان، يحيا حياته العلمية خالصة، ويجعل السلطان بحاجة إليه أكثر مما يكون هو بحاجة إلى السلطان.
والخطابي واحد من هؤلاء النفر القليل الذين عاشوا حياتهم الخالصة للعلم، يؤلفون الكتب، ويتصدرون للتدريس فيأخذ عنهم طلبة العلم دون أن يكون لهم مطمع في دنياهم الزائلة، محتسبين ذلك عند الله تعالى.
ونستدل على ما ذهبنا إليه بمؤلفاته، وبما يرويه في بدايتها مبيّناً سبب تأليفها، ثم إننا لا نرى كتاباً له -من المطبوع- ألفه بطلب من أمير أو استجابة لرغبة وزير أو سلطان، مثلما نجده مسطراً في كثير من الكتب. بل نرى
стр. 36
استجاباته في تأليفها بطلب من إخوانه، أو أحد إخوانه، أو بدافع الغيرة الذاتية على الدين ...
فهو في كتابنا هذا "شأن الدعاء" يستجيب في تأليفه لإخوانه الذين سألوه عن الدعاء، ومعناه، ومنزلته في الدين ... فأملى عليهم هذا الكتاب النفيس.
وفي كتاب العزلة أيضاً يستجيب لأحد إخوانه فيقول في مقدمته: فهمت قولك -أخي- ألهمك الله الصواب، وأراك المحابَّ، وما قد أذكرتني به من أمر كتاب العزلة، وبعثتني عليه من إتمامه بعد ابتدائه ... وسألت أن ألتقط لك جوامعه ..
ثم إنه في مقدمة كتاب غريب الحديث نراه يستجيب لنداء الغيرة على الدين؛ فيندفع في تأليفه بدافع إيماني لصون سنة رسول الله ﷺ من التبديل والتحريف بعد تفشي اللكنة، واللحن، ليبعد عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ... إلى آخر ما نراه مثبتاً في مقدمة كتابه.
ومع أن الخطابي كان علماً من أعلام العلم منشوراً، كان يرى نفسه غريباً في بلده "بُست" وإن كان يعيش بين أسرته وأهله وجيرانه، لأنه لا يرى فيها من يشاكله، ويسير بسيرته.
يقول من شعر له ذكره الثعالبي في اليتيمة:
وَما غُرْبةُ الإنسان في غُمَّةِ النَّوى ... وَلكنها واللهِ في عَدَمِ الشَّكْلِ
وإني غريبٌ بين بُستَ وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
ولعل هذا الشعور بالغربة بين أهله وفي بلده، كان دافعاً قوياً عند
الخطابي للميل إلى العزلة في آخر حياته في رباط على شاطىء هِنْدَمَنْدَ وهو نهر لمدينة سجستان.
стр. 37
وربما كان لأحداث العصر وغوائله السبب المباشر إلى هذا الميل عند الخطابي ﵀.
يقول في كتاب العزلة ص ٨:
والعزلة عند الفتنة سنة الأنبياء، وعصمة الأولياء، وسيرة الحكماء والأولياء، فلا أعلم لمن عابها عذراً، لا سيما في هذا الزمان، القليل خيره، البكيء دره، وبالله نستعيذ من شره وريبه.
وليس مفهوم العزلة عند الخطابي الهروب من الحياة كما يظنه بعض الناس، ولا الهجران والقطيعة، بل العزلة عنده لون من ألوان العبادة -إن صح هذا التعبير- الذي يجتنب فيه المرء الانغماس في الفتن، أو الخوض فيها، والاحتراق في سعيرها.
فلا غرابة إذن عندما نسمع الخطابي يشكو في نثره أو في شعره من أهل زمانه.
يروي ياقوت في سند له عن أبي سعد الخليل بن محمد الخطيب قال:
كنت مع الخطابي فرأى طائراً على شجرة، فوقف ساعة يستمع ثم أنشأ يقول:
يا ليتني كنتُ ذاك الطائرَ الغرِدا ... من البَريَّةِ مُنْحازَاً وَمُنْفَرِدَا
في غُصْنِ بانٍ دهته الريحُ تَخْفِضُهُ ... طوراً وتَرفعُهُ أفْنانُهُ صُعُدَا
خِلْوَ الهُموم سِوَى حَبٍّ تلمّسُهُ ... في التُّرب أو نُفْيَةٍ يَروي بِهَا كَبدَا
ما إنْ يُؤَرِّقُهُ فكرٌ لرزق غدٍ ... ولا عَليه حِسابٌ في المعَاد غدا
طُوَباكَ مِنْ طائرٍ طوباك ويحكَ طبْ ... من كانَ مِثلُكَ في الدّنيا فقد سَعِدا
إن هذه الأبيات تلقي ضوءاً على ما كان الخطابي ﵀ يعانيه من الضيق بعصره، وهي ذات شفافية، تنمُّ عن حسٍّ مرهف وروح زاهدة بمتع الحياة، ونعيمها، وزخارفها.
стр. 38
توفي الخطابي -رحمة الله عليه- ببست في رباط هنْدَمَنْدَ يوم السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلائمائة.
اسمه والاختلاف فيه: تختلف المصادر في اسم الخطابي وفي ضبطه، فهناك من المصادر من سماه: "أحمد" كما هو في يتيمة الدهر وغيرها.
وهناك من سمّاه: "حَمْداً" كما في طبقات الشافعية وغيرها أيضاً.
ولكن الذي يثير الانتباه أن من المصادر من سمَّاه: "حمد" بفتح الميم.
ونرى ذلك مسطوراً عند ياقوت في معجم الأدباء ٤/ ٢٤٨. حيث يقول: ذكره -أي الخطابي- عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي الهروي في تاريخ هراة، من تصنيفه، وسمَّاه: "حَمَداً".
ثم ينقل في الصفحة /٢٥٠/ عن أبي طاهر السلفي أن اسمه "حَمَد" وفي الصفحة /٢٥١/ يقول مثل ذلك أيضاً عن الحاكم، أنه سمّاه: "حَمَداً" في كتاب نيسابور، وأنه: ذكر أبو سعدٍ السمعاني في كتاب مَرْوَ: سئل أبو سليمان عن اسمه فقال: اسمي الذي سمِّيتُ به "حَمَدٌ" لكن الناس كتبوه: "أحمد" فتركته عليه. قال: رثاه أبو بكرٍ عبد الله بن إبراهيم الحنبلي ببستَ في شعرٍ فسمّاهُ: "حَمْداً" فقال:
وقد كان حَمْدَاً كاسمه حَمدَ الورى ... شمائل فيها للثناء ممادحُ
خلائق ما فيها مَعَابٌ لعائب ... إذَا ذُكِرَتْ يوماً فهُنَّ مدائحُ
تغَمَّدَهُ الله الكريم بعَفْوِه ... ورَحمَتِهِ والله عافٍ وصافحُ
ولا زَالَ ريحانُ الإلهِ ورُوْحُهُ ... قِرَى رُوحِهِ ما حَنَّ في الأيكِ صادِحُ
والذي رأيناه عند ياقوت نراه عند السيوطي في بغية الوعاة ١/ ٥٤٦ إذ قال: حَمَد بن محمد بن إبرإهيم بن الخطاب أبو سليمان الخطابي، من ولد زيد ابن الخطاب، أخي عمر ﵁ قال السِّلفي: ذكر الجم الغفير أن اسمه: "حَمَد" بفتح الحاء وهو الصواب، وقيل اسمه أحمد.
стр. 39
وكذلك في البداية والنهاية ضُبِطَ ضَبْطَ شكل "حَمَد".
والتنصيص في البغية على فتح الحاء ليس بمشكل، إنما المشكل أن تضبط الميم بالفتح هكذا: "حَمَد". والذي نراه عند السمعاني في الأنساب: "حَمْد" ضبط شكل وكذلك هو في المشتبه للذهبي ١/ ٢٤٢.
وإنني لم أر مصدراً من المصادر التي ترجمت للخطابي أنها تعرضت لضبط الميم من "حمد" ضبط تنصيص، بل جميعها تضبطها ضبط شكل.
سوى حاشية على شذرات الذهب ٣/ ١٢٧ تقول: "أفاد المتبولي في شرح الجامع الصغير أنه بسكون الميم، لمحرره داود، كما في الهامش". وسوى ما جاء في الشعر الذي رثاه فيه عبد الله بن إبراهيم الحنبلي كما سبق، ولكنه ليس بحجة لأنه قد يكون ضرورة شعرية، لأن الأبيات من البحر الطويل، ولا يجوز أن تفتح ميم حَمْد لأجل الشعر. لأنه لو قال: وقد كانَ حَمَداً ... لانكسر الوزن.
بقي قول المتبولي هو السند الوحيد الذي وقفت عليه بالتنصيص.
ولكنه الذي تميل إليه النفس، وتطمئن به، وخاصة بعد مراجعة المادة اللغوية في المعاجم، إذ تبين لي أن الاسم "حَمْد" بتسكين الميم هو الصواب. والله أعلم.
شيوخه: أخذ الخطابي العلم عن كثير من العلماء منهم:
١ - ابن الأعرابي الذي أخذ عنه العلم بمكة، هو أحمد بن محمد بن زياد بن بشر، أبو سعيد، الإمام الزاهد، شيخ الحرم، (٢٤٦ - ٣٤٠ هـ) انظر الأعلام.
٢ - أبو بكر بن داسة البصري التمار: محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق المتوفى سنة (٣٤٦ هـ) راوي السنن عن أبي داود (الشذرات ٢/ ٣٧٣).
٣ - أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان
стр. 40
الأموي مولاهم النيسابوري المعقلي المؤذن الوراق. كان محدث خراسان ومسند العصر المتوفى سنة (٣٤٦ هـ) بنيسابور في ربيع الآخر وله مائة إلا سنة، وكان حسن الأخلاق كريماً، ينسخ بالأجرة، وعمر دهراً، ورحل إليه خلق كثير، قال الحاكم: ما رأيت الرحالة في بلد أكثر منهم إليه ... (الشذرات ٢/ ٣٧٣)، قال سزكين في تاريخ التراث العربي ١/ ٤٦٤: كان الراوي الوحيد لكتاب "المبسوط" للشافعي. ولد سنة (٢٤٧ هـ).
٤ - أبو بكر القفال الشاشي: محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي. قال ياقوت: وأخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي، وأبي علي بن أبي هريرة ... أما القفال: فقد ترجم له في طبقات الشافعية السبكي فقال: كان إماماً في الحديث، إماماً في الكلام. إماماً في الأصول، إماماً في الفروع، إماماً في الزهد والورع، إماماً في اللغة والشعر، ذاكراً للعلوم محققاً لما يورده، حسن التصرف فيما عنده، فرداً من أفراد الزمان ... قال فيه أبو عاصم العبادي: هو أفصح الأصحاب قلماً، وأثبتهم في دقائق العلوم قدماً، وأسرعهم بياناً، وأثبتهم جناناً، وأعلاهم إسناداً، وأرفعهم عماداً" ... أرخ الحاكم وفاته سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. ومولده فيما ذكره السمعاني سنة إحدى وتسعين ومائتين.
٥ - وأما ابن أبي هريرة: قال السبكي عنه في طبقات الشافعية ٣/ ٢٥٦: الإمام الجليل القاضي أبو علي بن أبي هريرة أحد عظماء الأصحاب ورفعائهم، المشهور اسمه، الطائر في الآفاق ذكره. قال فيه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: كان أحد شيوخ الشافعيين، وله مسائل في الفروع محفوظة، وأقواله فيها مسطورة.
وفي شذرات الذهب ٢/ ٣٧٠: شيخ الشافعية، واسمه حسن بن حسين البغدادي مات في رجب سنة (٣٤٥ هـ) قال ابن خلكان: ودرس