استجاباته في تأليفها بطلب من إخوانه، أو أحد إخوانه، أو بدافع الغيرة الذاتية على الدين ...
فهو في كتابنا هذا "شأن الدعاء" يستجيب في تأليفه لإخوانه الذين سألوه عن الدعاء، ومعناه، ومنزلته في الدين ... فأملى عليهم هذا الكتاب النفيس.
وفي كتاب العزلة أيضاً يستجيب لأحد إخوانه فيقول في مقدمته: فهمت قولك -أخي- ألهمك الله الصواب، وأراك المحابَّ، وما قد أذكرتني به من أمر كتاب العزلة، وبعثتني عليه من إتمامه بعد ابتدائه ... وسألت أن ألتقط لك جوامعه ..
ثم إنه في مقدمة كتاب غريب الحديث نراه يستجيب لنداء الغيرة على الدين؛ فيندفع في تأليفه بدافع إيماني لصون سنة رسول الله ﷺ من التبديل والتحريف بعد تفشي اللكنة، واللحن، ليبعد عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ... إلى آخر ما نراه مثبتاً في مقدمة كتابه.
ومع أن الخطابي كان علماً من أعلام العلم منشوراً، كان يرى نفسه غريباً في بلده "بُست" وإن كان يعيش بين أسرته وأهله وجيرانه، لأنه لا يرى فيها من يشاكله، ويسير بسيرته.
يقول من شعر له ذكره الثعالبي في اليتيمة:
وَما غُرْبةُ الإنسان في غُمَّةِ النَّوى ... وَلكنها واللهِ في عَدَمِ الشَّكْلِ
وإني غريبٌ بين بُستَ وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
ولعل هذا الشعور بالغربة بين أهله وفي بلده، كان دافعاً قوياً عند
الخطابي للميل إلى العزلة في آخر حياته في رباط على شاطىء هِنْدَمَنْدَ وهو نهر لمدينة سجستان.
стр. 37
وربما كان لأحداث العصر وغوائله السبب المباشر إلى هذا الميل عند الخطابي ﵀.
يقول في كتاب العزلة ص ٨:
والعزلة عند الفتنة سنة الأنبياء، وعصمة الأولياء، وسيرة الحكماء والأولياء، فلا أعلم لمن عابها عذراً، لا سيما في هذا الزمان، القليل خيره، البكيء دره، وبالله نستعيذ من شره وريبه.
وليس مفهوم العزلة عند الخطابي الهروب من الحياة كما يظنه بعض الناس، ولا الهجران والقطيعة، بل العزلة عنده لون من ألوان العبادة -إن صح هذا التعبير- الذي يجتنب فيه المرء الانغماس في الفتن، أو الخوض فيها، والاحتراق في سعيرها.
فلا غرابة إذن عندما نسمع الخطابي يشكو في نثره أو في شعره من أهل زمانه.
يروي ياقوت في سند له عن أبي سعد الخليل بن محمد الخطيب قال:
كنت مع الخطابي فرأى طائراً على شجرة، فوقف ساعة يستمع ثم أنشأ يقول:
يا ليتني كنتُ ذاك الطائرَ الغرِدا ... من البَريَّةِ مُنْحازَاً وَمُنْفَرِدَا
في غُصْنِ بانٍ دهته الريحُ تَخْفِضُهُ ... طوراً وتَرفعُهُ أفْنانُهُ صُعُدَا
خِلْوَ الهُموم سِوَى حَبٍّ تلمّسُهُ ... في التُّرب أو نُفْيَةٍ يَروي بِهَا كَبدَا
ما إنْ يُؤَرِّقُهُ فكرٌ لرزق غدٍ ... ولا عَليه حِسابٌ في المعَاد غدا
طُوَباكَ مِنْ طائرٍ طوباك ويحكَ طبْ ... من كانَ مِثلُكَ في الدّنيا فقد سَعِدا
إن هذه الأبيات تلقي ضوءاً على ما كان الخطابي ﵀ يعانيه من الضيق بعصره، وهي ذات شفافية، تنمُّ عن حسٍّ مرهف وروح زاهدة بمتع الحياة، ونعيمها، وزخارفها.
стр. 38
توفي الخطابي -رحمة الله عليه- ببست في رباط هنْدَمَنْدَ يوم السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلائمائة.
اسمه والاختلاف فيه: تختلف المصادر في اسم الخطابي وفي ضبطه، فهناك من المصادر من سماه: "أحمد" كما هو في يتيمة الدهر وغيرها.
وهناك من سمّاه: "حَمْداً" كما في طبقات الشافعية وغيرها أيضاً.
ولكن الذي يثير الانتباه أن من المصادر من سمَّاه: "حمد" بفتح الميم.
ونرى ذلك مسطوراً عند ياقوت في معجم الأدباء ٤/ ٢٤٨. حيث يقول: ذكره -أي الخطابي- عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي الهروي في تاريخ هراة، من تصنيفه، وسمَّاه: "حَمَداً".
ثم ينقل في الصفحة /٢٥٠/ عن أبي طاهر السلفي أن اسمه "حَمَد" وفي الصفحة /٢٥١/ يقول مثل ذلك أيضاً عن الحاكم، أنه سمّاه: "حَمَداً" في كتاب نيسابور، وأنه: ذكر أبو سعدٍ السمعاني في كتاب مَرْوَ: سئل أبو سليمان عن اسمه فقال: اسمي الذي سمِّيتُ به "حَمَدٌ" لكن الناس كتبوه: "أحمد" فتركته عليه. قال: رثاه أبو بكرٍ عبد الله بن إبراهيم الحنبلي ببستَ في شعرٍ فسمّاهُ: "حَمْداً" فقال:
وقد كان حَمْدَاً كاسمه حَمدَ الورى ... شمائل فيها للثناء ممادحُ
خلائق ما فيها مَعَابٌ لعائب ... إذَا ذُكِرَتْ يوماً فهُنَّ مدائحُ
تغَمَّدَهُ الله الكريم بعَفْوِه ... ورَحمَتِهِ والله عافٍ وصافحُ
ولا زَالَ ريحانُ الإلهِ ورُوْحُهُ ... قِرَى رُوحِهِ ما حَنَّ في الأيكِ صادِحُ
والذي رأيناه عند ياقوت نراه عند السيوطي في بغية الوعاة ١/ ٥٤٦ إذ قال: حَمَد بن محمد بن إبرإهيم بن الخطاب أبو سليمان الخطابي، من ولد زيد ابن الخطاب، أخي عمر ﵁ قال السِّلفي: ذكر الجم الغفير أن اسمه: "حَمَد" بفتح الحاء وهو الصواب، وقيل اسمه أحمد.
стр. 39
وكذلك في البداية والنهاية ضُبِطَ ضَبْطَ شكل "حَمَد".
والتنصيص في البغية على فتح الحاء ليس بمشكل، إنما المشكل أن تضبط الميم بالفتح هكذا: "حَمَد". والذي نراه عند السمعاني في الأنساب: "حَمْد" ضبط شكل وكذلك هو في المشتبه للذهبي ١/ ٢٤٢.
وإنني لم أر مصدراً من المصادر التي ترجمت للخطابي أنها تعرضت لضبط الميم من "حمد" ضبط تنصيص، بل جميعها تضبطها ضبط شكل.
سوى حاشية على شذرات الذهب ٣/ ١٢٧ تقول: "أفاد المتبولي في شرح الجامع الصغير أنه بسكون الميم، لمحرره داود، كما في الهامش". وسوى ما جاء في الشعر الذي رثاه فيه عبد الله بن إبراهيم الحنبلي كما سبق، ولكنه ليس بحجة لأنه قد يكون ضرورة شعرية، لأن الأبيات من البحر الطويل، ولا يجوز أن تفتح ميم حَمْد لأجل الشعر. لأنه لو قال: وقد كانَ حَمَداً ... لانكسر الوزن.
بقي قول المتبولي هو السند الوحيد الذي وقفت عليه بالتنصيص.
ولكنه الذي تميل إليه النفس، وتطمئن به، وخاصة بعد مراجعة المادة اللغوية في المعاجم، إذ تبين لي أن الاسم "حَمْد" بتسكين الميم هو الصواب. والله أعلم.
شيوخه: أخذ الخطابي العلم عن كثير من العلماء منهم:
١ - ابن الأعرابي الذي أخذ عنه العلم بمكة، هو أحمد بن محمد بن زياد بن بشر، أبو سعيد، الإمام الزاهد، شيخ الحرم، (٢٤٦ - ٣٤٠ هـ) انظر الأعلام.
٢ - أبو بكر بن داسة البصري التمار: محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق المتوفى سنة (٣٤٦ هـ) راوي السنن عن أبي داود (الشذرات ٢/ ٣٧٣).
٣ - أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان
стр. 40
الأموي مولاهم النيسابوري المعقلي المؤذن الوراق. كان محدث خراسان ومسند العصر المتوفى سنة (٣٤٦ هـ) بنيسابور في ربيع الآخر وله مائة إلا سنة، وكان حسن الأخلاق كريماً، ينسخ بالأجرة، وعمر دهراً، ورحل إليه خلق كثير، قال الحاكم: ما رأيت الرحالة في بلد أكثر منهم إليه ... (الشذرات ٢/ ٣٧٣)، قال سزكين في تاريخ التراث العربي ١/ ٤٦٤: كان الراوي الوحيد لكتاب "المبسوط" للشافعي. ولد سنة (٢٤٧ هـ).
٤ - أبو بكر القفال الشاشي: محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي. قال ياقوت: وأخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي، وأبي علي بن أبي هريرة ... أما القفال: فقد ترجم له في طبقات الشافعية السبكي فقال: كان إماماً في الحديث، إماماً في الكلام. إماماً في الأصول، إماماً في الفروع، إماماً في الزهد والورع، إماماً في اللغة والشعر، ذاكراً للعلوم محققاً لما يورده، حسن التصرف فيما عنده، فرداً من أفراد الزمان ... قال فيه أبو عاصم العبادي: هو أفصح الأصحاب قلماً، وأثبتهم في دقائق العلوم قدماً، وأسرعهم بياناً، وأثبتهم جناناً، وأعلاهم إسناداً، وأرفعهم عماداً" ... أرخ الحاكم وفاته سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. ومولده فيما ذكره السمعاني سنة إحدى وتسعين ومائتين.
٥ - وأما ابن أبي هريرة: قال السبكي عنه في طبقات الشافعية ٣/ ٢٥٦: الإمام الجليل القاضي أبو علي بن أبي هريرة أحد عظماء الأصحاب ورفعائهم، المشهور اسمه، الطائر في الآفاق ذكره. قال فيه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: كان أحد شيوخ الشافعيين، وله مسائل في الفروع محفوظة، وأقواله فيها مسطورة.
وفي شذرات الذهب ٢/ ٣٧٠: شيخ الشافعية، واسمه حسن بن حسين البغدادي مات في رجب سنة (٣٤٥ هـ) قال ابن خلكان: ودرس
стр. 41
ببغداد، وتخرج به خلق كثير، وانتهت إليه إمامة العراقيين.
٦ - إسماعيل الصفَّار؛ أبو علي: قال عنه ياقوت في معجم الأدباء ٨/ ٣٣: علامة بالنحو واللغة، مذكور بالثقة والأمانة، صحب المبرد صحبة اشتهر بها، وروى عنه وسمع الكثير ... أدركه الدارقطني وقال: هو ثقة، صام أربعة وثمانين رمضان، وكان متعصباً للسنَّة.
مات فيما ذكره البغدادي سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، ومولده سنة تسع وأربعين ومائتين.
٧ - أبو عمرو بن السمّاك: قال في شذرات الذهب ٢/ ٣٦٦: أبو عمرو بن السماك، عثمان بن أحمد البغدادي الدقّاق: مسند بغداد.
مات في ربيع الأول سنة (٣٤٤ هـ)، وشيّعه خلائق نحو الخمسين ألفاً.
٨ - أبو عمر الزاهد (غلام ثعلب) الحافظ العلامة: واسمه محمد بن عبد الواحد المطرز البغدادي اللغوي، قيل: إنه أملى ثلاثين ألف ورقة في اللغة من حفظه وكان ثقة، إماماً، آية في الحفظ والذكاء. توفي سنة (٣٤٥ هـ) وكان لسعة حفظه تكذبه أدباء وقته، ووثقه المحدثون في الرواية. شذرات الذهب ٢/ ٣٧٠، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٨٧٣.
هؤلاء الشيوخ -وغيرهم- هم الذين تخرج عليهم أبو سليمان الخطابي ﵏ فكانوا مناراتٍ مشعةً على مدى الأجيال، وإن المرء ليعجب في هذا الزمان عندما يسمع بأمثال هؤلاء العلماء الأعلام، ولولا ما تركوه لنا من الآثار لحسبنا أن في الكلام مبالغة، ولكنها الحقيقة نظنها من عالم الخيال، لقصر هممنا ولضعف تحصيلنا، فعندما نقرأ أن غلام ثعلب أملى ثلاثين ألف ورقة في اللغة!! أو أن غيره كان يحفظ كذا وكذا مائة ألف
стр. 42
حديث ... أو بيت شعر ... أو يحوي في صدره مسند الإمام أحمد، ويضم إليه كذا وكذا كتاباً.
إن المرء ليتطامن مطأطئاً رأسه أمام هؤلاء الجبال من العلم. ثم لا يرى من علماء العصر من يصل إلى مُدِّ أحدهم أو نصيفه!!.
تلاميذه: لم تكن تلاميذ الخطابي أقل شأناً من شيوخه، فمعظم تلاميذه أعلام يجري ذكرها، ويفوح شذاها في عالم ثقافتنا الإسلامية، ومؤلفاتهم تغص بها مكتباتنا، ما بين مطبوع ومخطوط.
وسأذكر منهم نفراً على سبيل الاختصار خوفاً من الإطالة، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب التراجم في القرن الرابع والخامس الهجريين.
قال الحافظ الذهبي في التذكرة: روى عنه -أي عن الخطابي- الحاكم وأبو حامد الإسفراييني، وأبو نصر محمد بن أحمد البلخي الغزنوي، وأبو مسعود الحسين بن محمد الكرابيسي، وأبو عمر محمد بن عبد الله الرزجاهي وأبو ذر عبد بن أحمد الهروي، وأبو عبيد الهروي اللغوي، وأبو الحسين عبد الغافر الفارسي، وخلق سواهم. وذكر ياقوت من تلاميذه أيضاً: الحافظ المؤرخ عبد الغفار بن محمد القاري، صاحب السياق لتاريخ نيسابور، وأبو القاسم عبد الوهاب الخطابي، راوي كتابه شأن الدعاء.
١ - أبو عبد الله الحاكم: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري، الحافظ أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيِّع. صاحب المستدرك. قال السبكي ٤/ ١٥٦: كان إماماً جليلاً، وحافظاً حفيلًا اتُّفِق على إمامته، وجلالته وعظم قدره ... توفي سنة خمس وأربعمائة (ابن قنفذ ٢٢٩).
٢ - أبو حامد الإسفراييني: أحمد بن محمد بن أحمد الإسفراييني، قال عنه في طبقات الشافعية ٤/ ٦١: جبل من جبال العلم منيع، وحبر من أحبار
стр. 43
الأمة رفيع. قال الشيخ أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد، وقال الخطيب البغدادي: "سمعت من يذكر أنه كان يحضر مجلسه سبعمائة مُتَفَقهٍ، وكان الناس يقولون: "لو رآه الشافعي لفرح به" توفي سنة ست وأربعمائة كما ذكره ابن قنفذ ص ٢٣٠.
٣ - أبو عبيد الهروي: أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الباشاني صاحب الغريبين.
قال ياقوت في معجم الأدباء ٤/ ٢٦٠: قرأ على جماعة منهم: أبو سليمان الخطابي، وكان اعتماده وشيخه الذي يفتخر به. مات في رجب سنة إحدى وأربعمائة.
٤ - أبو ذر الهروي: هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير الأنصاري
الهروي، فقيه مالكي، عالم بالحديث، من الحفاظ الثقات، أصله من هراة، نزل مكة ومات بها سنة خمس وثلاثين وأربعمائة (٤٣٥ هـ) (ابن قنفذ ٢٤٠ - ٢٤١، شذرات الذهب ٣/ ٢٤٥، طبقات الشافعية ٤/ ٢٥).
مؤلفاته: ذكرها ياقوت في معجم الأدباء ١٠/ ٢٦٩ أثناء ترجمته الثانية له فقال: ولأبي سليمان كتب من تأليفه أشهرها وأسيرها كتاب "غريب الحديث"، وهو في غاية الحسن والبلاغة، وله "أعلام السنن" في شرح صحيح البخاري، و"معالم السنن" في شرح سنن أبي داود. وكتاب "إصلاح غلط المحدثين" وكتاب "العزلة" وكتاب "شأن الدعاء" وكتاب "الشجاج" (١) وغير ذلك.
وذكر له ياقوت أيضاً أثناء ترجمته الأولى للخطابي في ٤/ ٢٥٣: كتاب "العروس" وكتاب "أعلام الحديث" وكتاب "الغنية عن الكلام" وكتاب "شرح
стр. 44
دعوات ابن (١) خزيمة" وكتاب "تفسير أسامي الربِّ . شرح الأدعية المأثورة".
١ - أما كتاب "شأن الدعاء" فهو كتابنا هذا، وقد ورد اسمه عند ياقوت وغيره متعدداً (٢) وهو واحد. فورد باسم: تفسير أسامي الربِّ ، وشرح دعوات ابن خزيمة، وشرح الأسماء الحسنى.
ويبدو أن كل مترجم للخطابي أخذ طرفاً من موضوع الكتاب ونعته به. فكتاب "شأن الدعاء" كما سمّاه الخطابي ﵀ يحوي تفسير الأسماء الحسنى، وشرح الدعوات المأثورة التي جمعها ابن خزيمة.
ويبدو هذا الاضطراب في التسمية واضحاً عند ياقوت، فذكره في الجزء ٤/ ٢٥٢ باسم "كتاب تفسير أسامي الرب . شرح الأدعية المأثورة".
ثم عاد فذكره في الصفحة /٢٥٣/ منه باسم "شرح الدعوات لابن خزيمة" ثم ذكره في الجزء ١٠/ ٢٦٩ أيضاً باسم "شأن الدعاء".
فهو بهذا يوحي أن للخطابي ثلاثة كتب، والحال أن المسمى واحد كما قدمت أولاً.
٢ - كتاب غريب الحديث: هو كما قال ياقوت: "في غاية الحسن والبلاغة ذكر فيه ما لم يذكره أبو عبيد، ولا ابن قتيبة في كتابيهما، وهو كتاب ممتع مفيد".
وقد قام مركز البحث العلمي بمكة المكرمة في جامعة أم القرى بطبع
стр. 45
هذا الكتاب في ثلاثة مجلدات، بتحقيق الأستاذ عبد الكريم إبراهيم العزباوي.
٣ - معالم السنن في شرح كتاب السنن لأبي داود، طبع الكتاب في حلب ١٩٢٠ - ١٩٣٤ م. وطبع في القاهرة بتحقيق الشيخين: أحمد محمد شاكر، وحامد الفقي.
٤ - كتاب الاعتصام بالعزلة: طبع في القاهرة سنة ١٣٥٢ هـ للمرة الأولى بالمطبعة المنيرية باسم "العزلة" والذي ذكرته مسطور على صفحة النسخة الظاهرية. وهو كتاب ممتع في العزلة وأحكامها. ولكن طبعته سقيمة.
ويقوم الآن بتحقيق الكتاب الأخ الصديق ياسين السواس.
٥ - كتاب إصلاح غلط المحدثين، مطبوع في القاهرة سنة ١٩٣٦ م، تحدث عنه في كشف الظنون ص ١٠٨.
٦ - رسالة في إعجاز القرآن: طبعت في القاهرة مع رسالتين أخريين: الأولى لابن الرماني، والثانية لعبد القاهر الجرجاني؛ في دار المعارف. بتحقيق وتعليق: محمد خلف الله أحمد والدكتور محمد زغلول سلام.
مؤلفاته التي لا تزال مخطوطة:
١ - أعلام السنن في شرح صحيح البخاري: ما زال هذا الكتاب مخطوطاً.
وينقل ابن حجر في الفتح كثيراً عن الخطابي، ولعله ينقل منه. يقول فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي ١/ ٣٠٩ في معرض حديثه عن صحيح البخاري: وأول شارح للصحيح هو الخطابي، ومنه عدة نسخ مخطوطة.
انظر سزكين ١/ ٣١٢، وكشف الظنون ص ٥٤٥.
٢ - كتاب الغنية عن الكلام وأهله: ما زال مخطوطاً، وقد نقل عنه ابن تيمية في مجموعة الرسائل الكبرى ١/ ٤٣٩ كلاماً يدل على أن الكتاب مؤلف في العقيدة يقول ابن تيمية في العقيدة الحموية الكبرى، في معرض حديثه
стр. 46
عن الصفات: وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله"، قال: فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها .. الخ.
٣ - كتاب الجهاد: لم يذكره سزكين ولا بروكلمان.
٤ - الشجاج: لم يذكره سزكين ولا بروكلمان، ووقع اسمه في ابن خلكان ٢/ ٢١٤: "الشحاح" بالحاء المهملة في الحرفين.
٥ - علم الحديث: لم يزد بروكلمان وسزكين على قولها: الموصل ٨٤، ٣٥.
٦ - كتاب العروس؛ كذا ذكره ياقوت ضمن مؤلفات الخطابي.
هذه هي الكتب التي وقفت عليها في مظان ترجمة الإمام الخطابي رحمه تعالى ونفع به.
أحمد يوسف الدّقاق
стр. 47
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[يقولُ أبو الفتحِ بنُ أبي الفَرَج: أخْبَرَنا الشيخُ الإمامُ الأديبُ أبو محمدٍ سعيد بن إسحق مَتَّعَ المسلمين بطولِ بقائه، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن ... بن نَصْرٍ اللبانُ الدينوري، قال: أخبرنا الشيخ الذَّكيُّ .. الحسن (١) بن محمد بن محمد بن إبراهيم الكَرَابيسي قالَ:] (٢).
قَالَ أبو سليمانَ، حَمْدُ بنُ محمد بن إبراهيمَ الخطابي، ﵁:
الحمدُ لله المُسْتَحمَدِ إلى خَلْقِهِ بلَطيفِ صُنْعِهِ، البَرِّ بعبادهِ، العَاطف عليهمْ بفَضْلِهِ، مَوْئلِ المؤمِنْين ومَوْلاهُمْ، وكَهْفِ الآيِبْينَ به ومَلْجئهم، الذي أمرَ بالدُّعاءِ، وجَعَلَهُ وَسِيلَةَ الرجَاءِ، فَكُل مَنْ خَلَقَهُ يَفزَعُ في حاجتِهِ إليهِ، وُيعَوِّل عندَ الحوادِثِ والكَوارثِ عليه، سبحانَهُ، مِنْ لطيفٍ لم تَخْفَ عليهِ مُضْمَرَاتُ القُلوبِ، فَيُفْصِحُ لهُ
دَعَا لَهَا، وذلك إذَا وَافَقَ القَضَاءَ. فَإنْ لَمْ يُساعِدْهُ القَضَاء، فإنه يُعْطَى سَكِيْنَة في نَفْسِه، وانشراحاً في صدرِهِ، وصبْرَا يَسْهُلُ معهُ احتمالُ ثِقَلِ الوارداتِ عليه، وعلى كل حالٍ فلا يَعْدَمُ فائدةَ دعائِهِ، وهو نوع من الاستجابةِ.
[٩] وَقَدْ رَوَى: أبو هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لله، ، يَسْألهُ مَسْألَة إلا أعْطَاهُ إياهُ إما عَجَّلَهَا لَهُ في الدنيا، وإما ادَّخَرَها لَهُ في الآخِرةِ، ما لم يَعْجَلْ، قالوا: وَمَا عَجَلَتُهُ؟ قال: يقولُ: دَعَوْتُ، دَعَوْتُ، فَلَا أرَاهُ يُسْتَجَابُ لِي".
قال الشيخ ﵁: وإذا ثبتَ معنى الدعاء، ووجوبُ العملِ بِهِ؛ فإن من شرائِطِ صِحتِهِ، أنْ يكونَ ذلك مِنَ العَبْدِ بإخلاصِ نِيَّتهِ، وإظهارِ فَقْرٍ، وَمَسْكَنَةٍ، وعلى حالِ ضَرْعٍ، وخُشوعٍ، وأنْ يكون على طهارةٍ من الداعي، واستقبالٍ للقِبْلَة، وأنْ يُقَدمَ الثناءَ على الله والصلاةَ على رسول الله ﷺ أمَامَ دُعَائِهِ، ومِنْ سُنتِهِ أن يَرْفَعَ إلى الله يَدَيهِ، باسِطَاً
стр. 60
كفيهِ، غيرَ ساتِرٍ لَهُما بثوبٍ، أو غطاءٍ، ويُكْرَهُ فيهِ الجهْرُ الشديدُ بالصوتِ، وتكْرَهُ الإشارةُ فيهِ بأُصبُعين، وإنما يشيرُ بالسبابَةِ من يَدِهِ اليُمنى فقط.
[١٠] وقد رأى رسولُ الله ﷺ رجلا يُشيرُ بأصْبُعَينِ، فقال له: "أحِّدْ أحِّدْ".
وُيسْتَحبُّ الاقتصارُ على جوامعِ الدعاء، ويُكرَهُ الاعتداءُ فيهِ، وليس معنى الاعتداءِ الإكثارَ منْهُ.
[١١] فقد رُوي عنه ﷺ أنهُ قَال: "إن الله يُحبُّ المُلِحِّينَ في الدعاءِ". وقال:
[١٢] "إذَا دَعَا أحَدُكُمْ، فَلْيَسْتكثِرْ، فإنما يَسألُ رَبَّهُ". وإنما هو مثل ما روي عن سعد: أنه سَمِعَ ابناً لَهُ يقول:
стр. 61
[١٣] "اللهم إني أسألُكَ الجنةَ، ونعيمَهما، وبَهْجَتَها، وكذا، وكذا، وأعوذُ بكَ مِنَ النارِ وسلاسِلِهَا وأغلالِهَا وكذا وكذا، فقال: قال رسول الله ﷺ : "إنهُ سَيَكُونُ قوم يَعْتَدونَ في الدعاءِ" فإيَّاكَ أنْ تكونَ منهم، فإنكَ إذا سَألْتَهَا، فَأُعْطِيْتَها، أُعْطِيْتَهَا وَمَا فِيها، وإذا تَعَوَّذْتَ من النارِ، فَأُعِذْت مِنْها، أُعِذْتَ مِنْها ومما فِيْها من الشر".
ويُكْرَهُ في الدعَاءِ السَجع، وتَكَلفُ صنعةِ الكلامِ لَهُ، ولا يجوزُ أنْ يُدْعا بالمُحال، وأنْ يطلب ما لا مَطْمَعَ فيه، كَمَنْ يدعُو بالخلودِ في الدنيا، وقد علم، أن الله -سبحانهُ- استأثَرَ بالبقاءِ، وكتَبَ الفناءَ على جميعِ خَلْقِهِ. ولا يدعو بمعصيةٍ، ولا بقطيعةِ رَحمٍ، ونحوها من الأمورِ المحظورةِ، وَلْيَتَخيَّرْ لدُعائهِ، والثناءِ على ربهِ، أحسنَ الألفاظِ، وأنبَلَها، وأجمعَها للمعاني، وأبينَها؛ لأنهُ مناجاةُ العبدِ سَيِّدَ الساداتِ الذي ليس لهُ مثل، ولا نظيرٌ، ولو تقدم بعضُ خَدَم ملوكِ أهل الدُنيا إلى صاحِبِه، ورئيسِهِ في حاجةٍ، يرْفَعُها إليهِ، أو معُوْنَةٍ يطلبُها منْهُ، لَتَخَير لهُ محاسِنَ الكلامِ، ولَتَخَلَّصَ إليه بأجودِ ما يقدرُ عليه من البيانِ، ولئن لم يستعملْ هذا المذهبَ في مخاطبَتِهِ إيَّاهُ، ولم يَسْلُك هذهِ الطريقةَ فيها معهُ، أوشَكَ أن ينبوَ سمْعُهُ عن كلامِهِ، وأنْ لا يحظى بطائلٍ من حاجَتِهِ عندَهُ.
стр. 62
فما ظنُّكَ برَبّ العِزةِ -سُبحانَهُ- وبمقامِ عبدِهِ الذَّلِيْلِ بينَ يَدَيْهِ، ومَنْ عَسَى أنْ يبلغَ بجهدِ بَيَانِهِ كُنْهَ الثناءِ عليهِ؟ وهذا رسولُهُ، وصفيُّهُ ﷺ قد أظهرَ العَجْزَ، والانقطاعَ دونَه؛ فقالَ في مناجاتِهِ:
[١٤] "وأعوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عليكَ أنْتَ، كما أثنيتَ على نفسك". فسبحانَ من جَعَل عَجْزَ العاجِزِينَ عن شُكْرِهِ، والثناء عليه شكراً لهم، كما جَعَل معرفة العارفينَ بأنهم لا يُدْركُونَ كُنْهَ صِفَتِهِ إيماناً لهم، وقد أُولعَ كثيرٌ من العامَّةِ بأدْعِيَةٍ مُنْكَرةٍ اختَرَعُوها، وأسماءٍ سَمَّوْها، ما أنزلَ الله بِها من سُلطانٍ وقد يوجَدُ] (١) في أيديهمْ دستورٌ من (٢) الأسماء، والأدعيةِ يُسَمَّوْنَه: "الألفَ الاسم" (٣). صَنَعَهَا لهُمْ بعضُ المُتكَلِّفِين مِن أهل الجَهْلِ، والجُرأةِ على الله، عزَّ، وجل (٤)، أكثرُها زورٌ، وافتراء على اللهِ، عز، وجل (٥)، فَلْيَجتنبْهَا (٦) الدَّاعي إلا ما وافقَ منها الصوابَ. إنْ شاء الله، تعالى (٧).
стр. 63
ومما يُسْمَعُ على ألسنَةِ العامة وكثيرٍ من القُصاصِ، قولُهُم: يا سبحانُ -يا بُرهانُ- يا غُفْرانُ- يا سلطانُ، وما أشْبَهَ ذلك.
وهذه الكلماتُ، وإنْ كان يَتَوَجهُ بَعْضُها في العربيةِ على إضْمَارِ النسبةِ بِذِي، فإنهُ مستهْجَن، مهْجورٌ، لأنهُ لا قدوةَ فيهِ، ويغلطُ كثيرٌ منهُمْ في مِثلِ قولهمْ: يا رَبَّ طهَ - ويس، ويا رَبَّ القرآنِ العظيمَ.
وأولُ من أنْكَرَ ذلك ابنُ عباسٍ ﵀ (١) - فإنهُ سَمِعَ رَجُلاً، يقولُ عنْدَ الكَعْبَةِ: "يا ربَّ القرآن". فقال:
[١٥] "مَهْ! إنَّ القرآنَ لا رَب لَهُ، إن كُل مربوبٍ مخلوقٌ".
فأما أغَاليطُ منْ جَمَح بِهِ اللسانُ، واعتَسَف أوْديَةَ الكلام من الأعرابِ، وَغَيرِهم، الذين لم يُعنَوْا بمعرفةِ الترتيبِ، ولم يقوِّمْهم ثِقافُ التأدِيبِ، كقول بَعْضِهِم في استسقاءِ الغَيْثِ:
رَبَّ العبادِ مَا لَنَا وما لَكا
قَدْ كُنْتَ تَسْقِيْنَا فَمَا بَدَا لَكَا
أنزلْ عَلينا الغيثَ لا أبَا لكا (٢)
وكقولِ القائِلِ من قريشٍ حينَ هَدَمُوا الكَعْبَةَ في الجَاهليةِ،
стр. 64
وأرادوا بناءهُ (١) على أساسِ إبراهيمَ -صلواتُ الله عليه (٢) - فَجَاءَتْ حيةٌ عظيمةٌ، فحملتْ عليهم، فارْتَدَعُوا. فعندَ ذلكَ قال شيخ منهم كبيرٌ (٣):
"اللهم لا تُرَعْ، ما أرَدنَا إلا تَشْييدَ بيتِكَ، وتشريفَهُ"
وكقولِ بعْضهم -وإنْ كان مِنَ المذكورينَ في الزهَادِ-: "نعم المرءُ ربُّنَا، لو أطعناهُ لم يَعْصِنا" فإنَها في أخواتِها، ونظائِرِها عجرفية في الكلامِ، وتهورٌ فيه، والله -سبحانَهُ- مُتَعَالٍ عن هذه النعوتِ، وذكرُهُ مُنَزَّهٌ عن مثلِ هذِهِ الأمورِ، وقد رَوَيْنا عَنْ عَونِ بنِ عبد الله، أنهُ كانَ يقولُ:
"ليعظِّمْ أحدكُم رَبَّهُ، أن يذكرَ اسمه في كل شيء، حتى يقولَ: أخْزَى اللهُ الكلبَ، وفعل الله بِهِ كذا". وكانَ بعضُ من أدْرَكْنَاهُ (٤) مِنْ مَشَايخنَا قَلَّ ما يذكر اسم الله -جل وعز- إلا فيما
стр. 65
يَتَّصلُ (١) بطاعةٍ، أوَ قُربةٍ، وكانَ يقولُ للرجلِ إذا جزاه خيراً: جُزيتَ خيراً، وقل ما يقولُ: جزاكَ اللهُ خَيراً، إعظاماً للاسم أن يُمتَهَنَ في غيرِ قُرْبَةٍ، أو عِبادةٍ.
ومما يجبُ أنْ يُراعَى في الأدعِيَةِ، الإعرابُ الذِي هو عماد الكلامِ، وِبهِ يستقيم المعنى، وِبعَدَمِه يَخْتلُّ، ويَفْسُدُ، وربما انْقلبَ المعنَى باللَّحنِ حتى يصيرَ كالكُفْرِ، إنْ اعتَقَدَهُ صاحبُهُ. كدُعاءِ مَنْ دَعَا، أو قراءَةِ من قرأ: (إياكَ نَعْبُدُ وإياك نستعين) بِتَخْفِيْفِ اليَاءِ من إياك، فإن الأيَا ضياءُ الشمس، فيصيرُ كأنهُ يقولُ شَمْسَكَ نَعْبد. وهذا كفرٌ.
وأخبرَني محمد بنُ بحرٍ (٢) الزُّهَني، قال: حدثَني الشاهُ بنُ الحَسَن قالَ: قالَ: أبو عثمانَ المازني لبعضِ تلامِذَتِهِ: عَلَيْكَ بالنحوِ؛ فإن بني إسرائيل كفَرَت بحرفٍ ثقيلٍ خَفَّفُوهُ، قال
стр. 66
الله -عزّ-وجلَّ- لِعِيْسَى: (إني ولَّدتُكَ) فقالوا: "إني وَلَدتُكَ" فَكَفَرُوْا (١).
وأخْبَرني (٢) أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ، قال: حدثَنَا ابنُ المَرْزُبانِ عَنِ الريَاشِيِّ، قالَ: مرَّ الأصمعيُّ برجلٍ يقول في دُعائِهِ: "يا ذُو الجلالِ والإكرام" فقال: ما اسمكَ؟ قال: ليثٌ. فأنشأ يقول:
يُنَادِي رَبَّهُ باللحنِ لَيْثٌ ... لِذَاكَ إذَا دَعَاهُ لا يُجيبُ
[قال أبو سليمان] (٣):
وإذْ قَدْ أتَيْنَا بِمَا قَدْ (٤) وَجَبَ تقديمُهُ من شرائطِ صِحةِ الدُّعاءِ، فَلْنَعْمِد (٥) لتفسيرِ ما جاءَ مِنهُ مأثُوراً عنْ رسولِ الله ﷺ .
стр. 67
وَلْنَبْدَأ بتفسير أسماءِ الله -جلَّ، وعزَّ- التي هي تسعة وتسعون اسماً. قال الله سبحانَهُ: (وللهِ الأسْمَاءُ الحسنى فادْعُوْهُ بِهَا) [الأعراف/ ١٨٠]. ثُم قالَ: (وَذَرُوا الذينَ يُلْحِدُوْنَ في أسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف/ ١٨٠]. فَكانَ (١) دَلالةُ الآيَةِ أن [الغَلَطَ فيها والزيْغَ عَنْها إلحادٌ] (٢). ونحنُ نَسْألُ الله التوفيق لِصَوابِ القَوْلِ فيها بِرَحْمتِهِ.
стр. 68
(باب تفسير هذه الأسماء) (١)
[١٦] حَدثَنَا مُكْرَمُ بنُ أحمدَ، قال: حَدثَنَا محمد بنُ إسماعيلَ السُّلَمِي، قالَ: حَدثَنَا إسْحقُ بنُ محمدٍ الفَرويُّ، قالَ: حدثَنَا مالك، عَنْ أبي الزنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : "إن لله تسعة وتسْعِيْنَ (٢) اسْمَاً، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنةَ، إنهُ وِتْرٌ يُحبُّ الوِتْرَ".
قال الشيخُ (٣): "إن لله تسعَة وتسعينَ (٢) اسماً" فيهِ إثباتُ هذهِ
стр. 69
الأسماءِ المحصورةِ بهذا (١) العددِ، وليس فيه نفيُ ما عَداها (٢) مِنَ الزيادةِ عَلِيهَا، وإنما وَقَعَ التخْصِيْصُ بالذكْرِ لِهَذهِ الأسماء؛ لأنها أشهر الأسْمَاءِ، وَأبيَنها معانيَ وأظهُرها، وجملةُ قَوْلهِ: "إن لله تسعة وتسعينَ (٣) اسْماً من أحصاها دخل الجنة" قضيةٌ واحدةٌ لا قضيتانِ، ويكون تمامُ الفائِدَةِ في خَبَرِ "إن" في قولهِ: "مَنْ أحْصَاها دَخَلَ الجنة"، لا في قولهِ.: "تسعةً وتسعينَ اسْمَاً"، وإنما هوَ بمَنْزِلَةِ قَوْلكَ: إن لزيدٍ ألفَ دِرْهَم أعدها لِلصدَقَةِ. وَكَقَوْلكَ: إنَ لعمرٍو مائةَ ثوب مَنْ زارَهُ خَلَعَها عَلَيهِ. وهذا لا يدلُّ عَلَى أنهُ لَيْسَ عِنْدَهُ من الدراهِمِ أكثر مِنْ ألفِ [درهم] (٤)، وَلَا مِنَ الثيابِ أكثر مِنْ مائةِ ثوبٍ، وإنما دِلَالَتُهُ: أن الذِي أعده زْيدٌ مِنَ الدراهمِ للصدقةِ ألف [درهم] (٤)، وأن الذي أرْصَدَه عمروٌ من الثيابِ للخَلْعِ مائة ثوب، والذِي يَدل على صِحةِ هَذا التأويلِ حديث عَبْدِ الله بنِ مسعودٍ، وقد ذَكَرَهُ محمد بن إسحق [بن خزيمة] (٤) في المأثورِ:
[١٧] أن النبي ﷺ كانَ يدعو: "اللهم إني عَبْدُكَ، ابنُ عَبْدِكَ، ابنُ أمَتِكَ، ناصِيَتيْ بِيَدِكَ، ماضٍ في حُكْمُكَ، عَدْلٌ في قَضَاؤكَ، أسْألكَ بِكل اسمَ هُوَ لك سَميْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أو أنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ،
стр. 70
أوْ عَلمْتَهُ أحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أو اسْتَأثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدك .. الخ (١) .. ".
فَهَذا يَدُلُّكَ على أن لله أسماء لم يُنَزِّلْهَا في كِتَابِهِ، حَجَبَهَا عَنْ خَلْقِهِ، وَلم يُظْهِرْهَا لَهُمْ.
وفي قَولهِ [ ﷺ ] (٢): "إن لله تسعةً وتسعينَ اسْماً"، دَلِيل على أن أشْهَرَ الأسماءِ، وأعْلَاهَا في الذكْرِ -اللهُ- ولذَلِكَ أُضيفتْ سائِرُ الأسماءِ إليه. وَقَدْ جَاءَ في بعضِ الرِوَايَاتِ: "أن اسمَ اللهِ الأعْظَمَ -اللهُ- " (٣).
стр. 71
وقَولُهُ: "مَنْ أحْصَاهَا [دخل الجنة] (١) ": [في الإحصاء أربعةُ أوجهٍ] (٢):
أحدها (٣) -وهو أظهرُها- الإحْصَاءُ الذِي هُوَ بِمعنى العدّ، يُريدُ: أنهُ (٤) يَعُدّهَا لِيَسْتَوْفيَهَا حِفْظاً، فَيَدْعُوَ ربَّهُ بِهَا. كَقُولهِ سُبْحانَهُ: (وَأحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَاً) [الجن/٢٨].
وَيَدُلُّ على صِحةِ هذا التأويلِ رِوَايةُ سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أبي الزنادِ، حدثناه: أحمدُ بنُ إبراهيم بن مالكٍ، قالَ: حَدثَنَا: بِشْرُ بنُ مُوسَى، قالَ: حَدثَنَا: الحُمَيديُّ، قالَ: حَدَّثَنَا: سفيانُ، قالَ: أخبرنا أبو الزنادِ، عن الأعْرجٍ، عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "إن لله تِسعةً وتسْعِين اسْماً مِائة غيرَ واحدٍ مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الجنة، وهُوَ وِتْرٌ، يُحبُّ الوِتْرَ" (٥).
стр. 72
والوجه الثاني: أنْ يكون الإحصاء بمعنى الطاقة، كقوله -سبحانه-: (عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوْهُ) [المزمل/ ٢٠]، أي: لن تطيقوه. وكقول النبي ﷺ :
[١٨] "استَقِيْمُوا، ولَنْ تحصوا"، أي: لن تطيقوا كل الاستقامة. والمعنى: أنْ يطيقها، يُحْسِن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب [سبحانه] (١) بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن، يا رحيم، فيَخْطُرُ بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله -جل، وعز-، فيرجو رحمته (٢)، ولا ييأس من مغفرته. كقوله تعالى (٣): (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إن الله يَغْفِرُ الذنوبَ جَميعاً، إنَه هُوَ الغَفور الرَحيمُ) [الزمر/٥٣]. وإذَا قالَ: (السميعُ البَصير) علم أنه لا يَخْفَى على الله خافيةٌ، وأنه بمرْأىً منه ومسمعٍ؛ فيخافُهُ (٤) في
стр. 73
سرِّه، وعَلنِهِ، ويراقبُهُ في كافةِ أحوالِهِ، وإذَا قَال: (الرزاق) اعْتَقَدَ أنه المتكفل برزْقِهِ، يَسوقُهُ إليهِ فى وقتهِ، فَيَثقُ بوعدِهِ، ويعلمُ أنه لا رازقَ [له] (١) غيرُهُ، ولا كافيَ لهُ سِواهُ، وإذَا قالَ: المُنْتَقِم؛ استَشْعَرَ الخوفَ مِن نِقْمَتِهِ، واستجارَ بهِ من سَخَطِهِ، وإذَا قالَ: (الضارُّ النافِعُ)؛ اعتقدَ أن الضرَّ والنفعَ من قِبَل الله -جل، وعز- لا شريكَ لَهُ، وأن أحَداً من الخلقِ، لا يَجْلُبُ إليهِ خَيراً، ولا يصرِفُ عنْه شراً، وأنْ لا حولَ لأحَدٍ، ولا قوةَ إلا بِهِ. وكذلكَ إذَا قالَ: (القابضُ الباسطُ)، و (الخافضُ الرافعُ)، و (المعز المذِل). وعلَى هذا سائرَ هذهِ الأسماءِ.
والوجه الثالث (٢): أن يكونَ الإحصاءُ بمعنى العَقْلِ والمعرفةِ، فيكون معناهُ أن من عَرَفَها وعَقَلَ معانِيَهَا، وآمنَ بها دَخَل الجنةَ، مأخوذٌ من الحصاةِ (٣)، وهي العَقْلُ. قال طَرَفَةُ (٤):
وإن لِسَانَ المَرْءِ مَا لم تَكُنْ لَهُ ... حَصَاةٌ عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَلِيْلُ
стр. 74
والعربُ تقولُ: فلان ذو حَصَاةٍ، أي: ذو عقلٍ، ومعرفةٍ بالأمور.
والوجه الرابع: أن يكونَ معنى الحديثِ أنْ يَقْرأ القُرآنَ حتى يَخْتِمَهُ فَيَسْتَوْفيَ هذه الأسماءَ كُلَّها في أضْعَافِ التِلَاوَةِ. فكأنَّهُ قالَ: مَن حَفِظَ القُرآن وقَرأهُ فَقَد استحق دخول الجَنَةِ، وذهب إلى نحوٍ من هذا أبو عبد الله الزبَيْرِي -[﵀] (١) - وقال: تأمَّلْتُ الأسْمَاءَ التي جَاءَتْ في الأخْبَارِ، والآثارِ، فَلما قابَلْتُهَا بما جاءَ في القرآنِ وَجَدْتُها مائة، وثلاثةَ عشر اسْماً، وإنَّما زادَتْ على المبلَغِ المذكورِ في الخبر؛ لأني حَسَبْتُها متكرِّرَة. كقولهِ: القديرُ، والقادرُ، والمقتدرُ، والرَّازقُ، والرَّزَّاقُ، والغفورُ والغافرُ، والغفَّارُ، فَحَذَفْتُ التَّكْرِيرَ، فَوَجَدْتُهَا سَوَاء على ما وَصَفْتُ لَكَ، ثم سَرَدْتُ (٢) الأسْمَاءَ مِنَ القُرآنِ، سُوْرَةً سُوْرَةً وَتَرَكْتُهَا كَرَاهَةَ التطْوِيل (٣).
وقوله: إنهْ وِتْر يحِب الوِتْرَ. فَإنَّ الوِتْرَ: الفَرْدُ. ومَعْنَى الوِتْرِ في
стр. 75
صِفَةِ اللهِ -جل، وعَلَا (١) - الواحدُ الذي لا شَرِيكَ لَهُ، ولا نظيرَ [له] (٢)، المتفردُ عنْ خَلْقِهِ، البائنُ منهم بِصِفَاتِهِ: فهو -سبحانه- وِتْرٌ.
وَجَميعُ خَلْقِهِ شَفْعٌ، خُلِقُوا أزْوَاجَاً. فَقَالَ (٣) -سبحانه-: (وَمِنْ كُل شيءٍ خَلَقْنَا زَوْجين) [الذاريات/٤٩]. وقوله [ ﷺ ] (٤): "يُحبُّ الوِتْرَ"، مَعْنَاهُ -واللهُ أعلمُ- أنه: فضلَ الوِترَ في العَدَدِ على الشفْعِ في أسمائِهِ؛ لِيَكونَ أدَلَّ على مَعْنَى الوَحْدَانِيةِ في صِفَاتِهِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ معنى قَوْلهِ: "يحبُّ الوِتْرَ" مُنْصَرِفَاً إلى صِفَةِ مَنْ يَعْبدُ اللهَ بالوَحْدَانِيةِ والتَّفَرُّدِ على سبيلِ الإخْلاصِ، لا يَشْفَعُ إليه شيئاً، ولا يُشْرِكُ بِعِبَادَتِهِ أحَداً.
تفسير هذه الأسماء
١ - الله (٥): قَدْ قُلْنَا فيما تَقَدمَ: إنة أشْهَرُ أسْمَاءِ الربِّ [تعالى] (٦)، وأعْلَاهَا مَحَلاًّ (٧) في الذكْرِ، والدُّعَاءِ؛ وكذَلِكَ جُعِلَ أمامَ سَائِرِ الأسْماءِ، وَخُصَّتْ بِهِ كَلِمَةُ الإخْلَاصِ، وَوَقَعَتْ بِهِ الشهادةُ؛