← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95700

شأن الدعاء

الخطابي

Полный текст (266 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقَولُهُ: "مَنْ أحْصَاهَا [دخل الجنة] (١) ": [في الإحصاء أربعةُ أوجهٍ] (٢): أحدها (٣) -وهو أظهرُها- الإحْصَاءُ الذِي هُوَ بِمعنى العدّ، يُريدُ: أنهُ (٤) يَعُدّهَا لِيَسْتَوْفيَهَا حِفْظاً، فَيَدْعُوَ ربَّهُ بِهَا. كَقُولهِ سُبْحانَهُ: (وَأحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَاً) [الجن/٢٨]. وَيَدُلُّ على صِحةِ هذا التأويلِ رِوَايةُ سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أبي الزنادِ، حدثناه: أحمدُ بنُ إبراهيم بن مالكٍ، قالَ: حَدثَنَا: بِشْرُ بنُ مُوسَى، قالَ: حَدثَنَا: الحُمَيديُّ، قالَ: حَدَّثَنَا: سفيانُ، قالَ: أخبرنا أبو الزنادِ، عن الأعْرجٍ، عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "إن لله تِسعةً وتسْعِين اسْماً مِائة غيرَ واحدٍ مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الجنة، وهُوَ وِتْرٌ، يُحبُّ الوِتْرَ" (٥).

стр. 72

والوجه الثاني: أنْ يكون الإحصاء بمعنى الطاقة، كقوله -سبحانه-: (عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوْهُ) [المزمل/ ٢٠]، أي: لن تطيقوه. وكقول النبي ﷺ : [١٨] "استَقِيْمُوا، ولَنْ تحصوا"، أي: لن تطيقوا كل الاستقامة. والمعنى: أنْ يطيقها، يُحْسِن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب [سبحانه] (١) بها، وذلك مثل أن يقول: يا رحمن، يا رحيم، فيَخْطُرُ بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله -جل، وعز-، فيرجو رحمته (٢)، ولا ييأس من مغفرته. كقوله تعالى (٣): (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إن الله يَغْفِرُ الذنوبَ جَميعاً، إنَه هُوَ الغَفور الرَحيمُ) [الزمر/٥٣]. وإذَا قالَ: (السميعُ البَصير) علم أنه لا يَخْفَى على الله خافيةٌ، وأنه بمرْأىً منه ومسمعٍ؛ فيخافُهُ (٤) في

стр. 73

سرِّه، وعَلنِهِ، ويراقبُهُ في كافةِ أحوالِهِ، وإذَا قَال: (الرزاق) اعْتَقَدَ أنه المتكفل برزْقِهِ، يَسوقُهُ إليهِ فى وقتهِ، فَيَثقُ بوعدِهِ، ويعلمُ أنه لا رازقَ [له] (١) غيرُهُ، ولا كافيَ لهُ سِواهُ، وإذَا قالَ: المُنْتَقِم؛ استَشْعَرَ الخوفَ مِن نِقْمَتِهِ، واستجارَ بهِ من سَخَطِهِ، وإذَا قالَ: (الضارُّ النافِعُ)؛ اعتقدَ أن الضرَّ والنفعَ من قِبَل الله -جل، وعز- لا شريكَ لَهُ، وأن أحَداً من الخلقِ، لا يَجْلُبُ إليهِ خَيراً، ولا يصرِفُ عنْه شراً، وأنْ لا حولَ لأحَدٍ، ولا قوةَ إلا بِهِ. وكذلكَ إذَا قالَ: (القابضُ الباسطُ)، و (الخافضُ الرافعُ)، و (المعز المذِل). وعلَى هذا سائرَ هذهِ الأسماءِ. والوجه الثالث (٢): أن يكونَ الإحصاءُ بمعنى العَقْلِ والمعرفةِ، فيكون معناهُ أن من عَرَفَها وعَقَلَ معانِيَهَا، وآمنَ بها دَخَل الجنةَ، مأخوذٌ من الحصاةِ (٣)، وهي العَقْلُ. قال طَرَفَةُ (٤): وإن لِسَانَ المَرْءِ مَا لم تَكُنْ لَهُ ... حَصَاةٌ عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَلِيْلُ

стр. 74

والعربُ تقولُ: فلان ذو حَصَاةٍ، أي: ذو عقلٍ، ومعرفةٍ بالأمور. والوجه الرابع: أن يكونَ معنى الحديثِ أنْ يَقْرأ القُرآنَ حتى يَخْتِمَهُ فَيَسْتَوْفيَ هذه الأسماءَ كُلَّها في أضْعَافِ التِلَاوَةِ. فكأنَّهُ قالَ: مَن حَفِظَ القُرآن وقَرأهُ فَقَد استحق دخول الجَنَةِ، وذهب إلى نحوٍ من هذا أبو عبد الله الزبَيْرِي -[﵀] (١) - وقال: تأمَّلْتُ الأسْمَاءَ التي جَاءَتْ في الأخْبَارِ، والآثارِ، فَلما قابَلْتُهَا بما جاءَ في القرآنِ وَجَدْتُها مائة، وثلاثةَ عشر اسْماً، وإنَّما زادَتْ على المبلَغِ المذكورِ في الخبر؛ لأني حَسَبْتُها متكرِّرَة. كقولهِ: القديرُ، والقادرُ، والمقتدرُ، والرَّازقُ، والرَّزَّاقُ، والغفورُ والغافرُ، والغفَّارُ، فَحَذَفْتُ التَّكْرِيرَ، فَوَجَدْتُهَا سَوَاء على ما وَصَفْتُ لَكَ، ثم سَرَدْتُ (٢) الأسْمَاءَ مِنَ القُرآنِ، سُوْرَةً سُوْرَةً وَتَرَكْتُهَا كَرَاهَةَ التطْوِيل (٣). وقوله: إنهْ وِتْر يحِب الوِتْرَ. فَإنَّ الوِتْرَ: الفَرْدُ. ومَعْنَى الوِتْرِ في

стр. 75

صِفَةِ اللهِ -جل، وعَلَا (١) - الواحدُ الذي لا شَرِيكَ لَهُ، ولا نظيرَ [له] (٢)، المتفردُ عنْ خَلْقِهِ، البائنُ منهم بِصِفَاتِهِ: فهو -سبحانه- وِتْرٌ. وَجَميعُ خَلْقِهِ شَفْعٌ، خُلِقُوا أزْوَاجَاً. فَقَالَ (٣) -سبحانه-: (وَمِنْ كُل شيءٍ خَلَقْنَا زَوْجين) [الذاريات/٤٩]. وقوله [ ﷺ ] (٤): "يُحبُّ الوِتْرَ"، مَعْنَاهُ -واللهُ أعلمُ- أنه: فضلَ الوِترَ في العَدَدِ على الشفْعِ في أسمائِهِ؛ لِيَكونَ أدَلَّ على مَعْنَى الوَحْدَانِيةِ في صِفَاتِهِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ معنى قَوْلهِ: "يحبُّ الوِتْرَ" مُنْصَرِفَاً إلى صِفَةِ مَنْ يَعْبدُ اللهَ بالوَحْدَانِيةِ والتَّفَرُّدِ على سبيلِ الإخْلاصِ، لا يَشْفَعُ إليه شيئاً، ولا يُشْرِكُ بِعِبَادَتِهِ أحَداً. تفسير هذه الأسماء ١ - الله (٥): قَدْ قُلْنَا فيما تَقَدمَ: إنة أشْهَرُ أسْمَاءِ الربِّ [تعالى] (٦)، وأعْلَاهَا مَحَلاًّ (٧) في الذكْرِ، والدُّعَاءِ؛ وكذَلِكَ جُعِلَ أمامَ سَائِرِ الأسْماءِ، وَخُصَّتْ بِهِ كَلِمَةُ الإخْلَاصِ، وَوَقَعَتْ بِهِ الشهادةُ؛

стр. 76

فَصَارَ شِعَارَ الإيمَانِ وَهُوَ اسمٌ مَمنوع، لَمْ يَتسم (١) بِهِ أحَد، قَدْ قَبَضَ اللهُ عَنْهُ الألْسُنَ؛ فلم يُدْعَ بِهِ شَيْءٌ سِوَاهُ، وَقَد كادَ يَتَعَاطَاهُ المُشْرِكُونَ اسْمَاً لِبَعْضِ أصْنَامِهِمْ التي كانُوا يَعْبُدُونَهَا، فَصَرَفَهُ الله [تعالى] (٢) إلَى "اللاَّتِ" صِيَانَة لِهذا الاسمِ، وَذَبَّاً عَنْهُ. واخْتَلَفَ الناسُ. هَلْ هُوَ اسمٌ عَلَمٌ (٣) مَوْضُوعٌ؟ أو مشتقٌ؟ فَرُوِيَ فِيهِ عن الخليلِ روايتانِ. أحَدُهُما: أنهُ اسم [علَمٌ] (٢) ليس بِمُشْتَق، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الألِفِ واللاَّمِ مِنْهُ، كما يَجُوزُ مِنَ الرحمن، و (٤) الرحِيْمِ. ورَوَى عَنْهُ (٥) سيبويهِ أنهُ اسم مُشْتَق. وكانَ في الأصْلِ إله، مِثَال (٦) فِعَالٍ. فَأدْخِلَتْ الألِفُ واللاَّمُِ بَدَلاً مِنَ الهَمْزَةِ (٧). وَقَالَ غيرهُ: أصْلُهُ في الكَلاَمِ "إله" وَهُوَ [مُشْتقٌّ مِنْ "ألِهَ الرجلُ إلَى الرجُلِ يألَهُ إلَيْهِ": إذا فَزِعَ إلَيْهِ مِنْ أمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَأَلَهَهُ إلهَةً (٨). أيْ: أجَارَهُ، وآمَنَهُ، فَسُمِّيَ إلَاهَاً، كَمَا يُسَمَّى الرَّجُلُ إمَامَاً] (٩) إذَا أمَّ الناسَ فَائتَمُّوا (١٠) بِهِ، وكَمَا يُسَمى الثوبُ رِدَاءً،

стр. 77

وَلِحَافَاً؛ إذَا ارْتُدِيَ بِهِ، والتُحِفَ بِهِ. ثُم إنهُ لما كَانَ اسْمَا لِعَظِيم (ليسَ كَمِثلِهِ شَيْء) [الشورى/ ١١] أرَادوا تَفْخِيْمَهُ بالتعريفِ الذي هُوَ الألِفُ واللاَّمُ؛ لأنهمْ أفْرَدوْهُ لِهَذا (١) الاسْمِ دونَ غَيْرِهِ. فَقَالُوا: الإلَاهُ. واسْتثقَلُوا الهَمْزَةَ في كلمةٍ يَكْثر اسْتِعْمَالهم إيَّاهَا، وِللْهَمْزَةِ في وَسْطِ الكَلَامِ ضُغْطَةٌ شَدِيْدَةٌ، فَحَذَفُوهَا فَصَارَ الاسمُ كَمَا نزَلَ بِهِ القُرآنُ. وقالَ بَعضُهمْ: [أصْلُهُ: وِلَاهٌ، فانْبَدَلَتِ (٢) الواوُ هَمْزَةً، فقيل: إلَاهٌ، كَمَا قالُوا: وِسادٌ، وإسَادٌ (٣). ووِشاحٌ، وإشاحٌ. واشْتُقَّ مِنَ الوَلَهِ؛ لأن قلوبَ العبادِ تَوْلَهُ نَحْوَه. كَقَوْلهِ -سبحانَهُ (٤) -: (ثُم إذَا مَسكُمُ الضرُّ فَإليهِ تَجْأرُونَ) [النحل/٥٣]. وَكَانَ القِيَاسُ أنْ يُقَالَ: مَألُوهٌ (٥)، كَمَا قِيْلَ: مَعْبُودٌ، إلا أنهُم خَالَفُوا بِهِ البِنَاءَ؛ لِيَكُونَ اسْماً، عَلَما (٦) فَقالوا: إلَاهٌ. كَمَا قيلَ (٧): لِلْمَكتُوبِ كِتَابٌ، وَللمحسوب حِسَابٌ. وَقَالَ بَعْضُهُم: أصْلُه: مِنْ ألِهَ الرجل، يَألَهُ؛ إذَا: تَحير، وَذلِك؛ لأن القُلُوبَ تَألهُ عِنْدَ التفَكرِ

стр. 78

في عَظَمَةِ] (١) الله -سبحانَهُ- أيْ: يَتحَيَّرُ، ويَعْجَزُ (٢) عَنْ بُلُوغِ كُنْهِ جَلالِهِ. [وَحَكَى بَعْضُ أهْل اللغَةِ: ألَهَ، يَأْلَهُ، إلاهَةً. بمعنى: عَبَد، يَعْبُدُ، عِبَادةً. ورُوِيَ عَنِ ابن عباس: أنهُ كَانَ يَقْرأ: (ويَذَرَكَ وإلَاهَتَكَ) (٣) [الأعراف/ ١٢٧] أيْ: عِبَادَتكَ. قَالَ: والتَّألُّهُ: التعَبُّدُ. وأنْشَدَ لِرُؤبةَ (٤): للهِ درُّ الغانِياتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسترجَعْنَ مِنْ تألُّهي قال فمعنى الإله: المعبود] (٥). [وقول (٦) المُوَحِّدينَ: "لَا إلَهَ إلا اللهُ" معناه: لا معبودَ غيرُ

стр. 79

اللهِ. و"إلا" في هذه الكلمةِ بمعنى: غير، لا بمعنى الاستثناء، لأن الاستثناءَ يَنْقَسمُ إلَى قِسْمين (١): إلَى جنْسِ المُسْتثنَى منْهُ، وإلَى غير جنْسِهِ. وَمَنْ تَوَهَّمَ في صفَةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ [وتعالى] (٢) - واحِداً مِنَ الأمْرَيْنِ فَقَدْ أبْطَلَ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أن الأصل فيهِ الهاءُ التي هي للكنايةِ (٣) عن الغائبِ، وذلك؛ لأنهم أثْبَتُوْهُ مَوْجُودَاً في فِطَرِ عُقُولهم، وأشَارُوا إليهِ بحرفِ الكِنايةِ، ثم زيْدَتْ فِيهِ لامُ المِلْكِ. إذْ قَدْ علمُوا: أنَّهُ خَالِقُ

стр. 80

الأشْياءِ، ومالِكُهَا، فَصَارَ "لَهُ"، ثُم زِيْدَتْ فِيهِ الألِفُ واللاَّمُ تَعْظِيْماً، وفخمُوهُ تَوْكِيْدَاً لِهَذا المَعْنَى] (١)، وَمِنْهُمْ مَنْ أجْرَاهُ على الأصْلِ بِلَا تَفْخِيْمٍ، كقُوْلِ الشاعِرِ: قَدْ جَاءَ سَيْلٌ كَانَ مِنْ أمْرِ الله ... يَحرِدُ حَرْدَ الجَنةِ المُغِلَّهْ (٢) فَهذِهِ مَقَالَاتُ أصْحابِ العَرَبِيةِ والنحو فِي هَذا الاسْمِ، وَأعْجَبُ هذِهِ (٣) الأقَاوِيلِ إلي قولُ مَنْ ذهب إلَى أنهُ اسم عَلَمٌ ولَيس بِمُشْتَقٍ كَسَائِرِ الأسْمَاءِ المشْتَقَةِ. [والدَّلِيْلُ عَلى أنَّ الألفَ واللاَّمَ فِيْ بُنْيَةِ هَذَا الاسْمِ، وَلَمْ تَدْخُلَا لِلتعْرِيْفِ، دُخُولُ حَرْفِ النِدَاءِ عَليْهِ: كَقُولك: يا أللهُ. وَحَرْفُ الندَاءِ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الألِفِ واللامِ للتعريفِ. ألَا تَرَى أنك لَا تقُولُ: يا الرحْمنُ! وَلَا يا الرَّحِيمُ! كما تَقُولُ: يا ألله! فَدَلَّ [على] (٤) أنهُما مِنْ بُنْيَةِ الاسْمِ. والله أعلم] (٥). ٢ - ٣ - الرحمن الرحيم: اِخْتَلَفَ النَاسُ فِي تَفْسير: الرَّحْمنِ، ومَعْنَاهُ، وَهَلْ هُوَ مُشتَقٌّ مِنَ الرحْمَةِ، أمْ لَا؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ

стр. 81

إلَى أنه غير مُشتَقٍّ، وَاحْتَجَّ بِأنهُ لَوْ كَانَ مُشتَقَّاً مِنَ الرحْمَةِ لاتَّصَلَ بِذِكْرِ المَرحومِ، فَجَازَ أنْ يُقَالَ: اللهُ رَحمان بعِبَاده. كَمَا يُقَالُ: رَحِيْم بِعِبَادِهِ. فَلما لم يَسْتَقِم صِلَتُهُ بِذِكْرِ المَرحُومِ، دلَّ عَلَى أنهُ غير مُشْتَق من الرحْمَةِ. وقَالَ: لو كانَ (١) هذا الاسمُ مُشتَقاً مِنَ الرحْمَةِ، لم تنكِرْهُ العَرَب حينَ سَمِعوه! إذْ كَانُوا لَا يُنْكِرْونَ رَحْمَةَ رَبِّهمْ. وَقَدْ حَكَى الله عَنْهمْ الإنكارَ لَه والنُّفُورَ عَنه فِي قَوْلهِ: (وَإذَاِ قِيْلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرحمنِ. قَالُوا: وَمَا الرحْمنُ) الآية [الفرقان/ ٦٠]. وزعمَ بَعْضهُمْ: أنه اسم عبرَانيُّ [وَذهب الجمْهُور مِنَ الناسِ إلَى أنه اسم مُشْتَقٌّ مِنَ الرحْمَةِ مَبْني عَلَى المبالَغَةِ. وَمَعْنَاهُ: ذو الرحْمَةِ. الذِي (٢) لَا نَظيرَ لَهُ فِيْهَا، وَلذلِكَ لا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ كَمَا يُثنى الرحِيْم وَيُجْمَعُ] (٣). وَبِنَاءُ فَعْلانَ فِي كَلَامِهِم بِناءُ المُبَالَغَةِ، يُقَالُ لِشَدِيْدِ (٤) الِامْتِلَاءِ: مَلآن، وَلشَدِيدِ (٤) الشبَعِ: شَبْعَان. وَيَدُلُّ عَلَى صِحةِ مَذْهَبِ (٥) الِاشِتقَاقِ فِي هَذَا الاسْمِ. [١٩] حديثُ عَبْدِ الرحْمنِ بنِ عَوْفٍ، [﵁] (٦): حَدثَنَاهُ: أحمدُ بنُ عبدِ الحكيمِ (٧) الكُرَيْزِيُّ، وعبدُ اللهِ بنُ

стр. 82

شَاذَانَ (١) الكُرَاني، قَالَا: حَدثَنَا: محمد بنُ يَحْيىَ بنُ المُنْذِرِ القَزازُ، قَالَ: حَدثَنَا: حَجاجُ بنُ مِنهالٍ، قَالَ: حَدثَنَا: حمادُ بن سلمةَ، عَنْ محمد بنِ عمرٍو، عَنْ أبي (٢) سَلَمةَ: أن أبَاهُ عادَ أبَا الرَّدَّادِ (٣)، فَقَالَ لَهُ أبو الرَّدَّادِ (٣): مَا أحَدٌ مِن قَوْمِي أوْصَل لِي مِنكَ. قَالَ

стр. 83

عَبْدُ الرحْمنِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْكِي عَنْ رَبهِ: "أنا [الرحْمنُ وهيَ الرحمُ، شققتُ لَها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعتهُ ثم أَبُتُّهُ" اللفظ للكريزي. فالرحمن: ذو الرحْمَةِ الشَامِلَةِ التي وسِعَتِ الخَلْقَ في أرْزَاقِهم، وأسْبَابِ مَعَاشِهِم، وَمَصَالِحهِم، وَعَمَّتِ المُؤْمِنَ، والكَافِرَ، والصالِحَ، والطالِحَ] (١). وأما الرحِيْمُ: فَخَاصٌّ لِلْمُؤمِنينَ، كَقَوْلهِ [تعالى] (٢): (وَكانَ بالمُؤْمِنينَ رَحيماً) [الأحزاب/٤٣]، وَقَدْ سَمّى اللهُ -جل، وعز- الرِّزْقَ، والمَعَاشَ في كِتابِهِ: رَحْمَةً، فقال: (أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبكِ، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهم مَعِيْشَتَهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا) [الزخرف/٣٢]. وقال: (قُلْ لَوْ أنْتُم تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبي إذَاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ) [الإسراء/ ١٠٠]. وكَقَوْلهِ [ ﷻ ] (٣): (وإمَّا تُعْرِضَنّ عَنْهُم ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبكَ تَرْجُوْهَا، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسورَاً) [الإسراء/ ٢٨]. والرحِيْمُ، وَزْنُهُ: فَعِيْلٌ، بمعنَى فَاعِلٍ. أيْ: رَاحِمٌ. وَبنَاءُ فَعِيْلٍ أيْضَاً لِلْمُبَالَغَةِ. كَعَاِلم، وَعَلِيْمٍ، وَقَادِرٍ، وَقَدِيْرٍ. وَكَانَ أبو

стр. 84

عُبَيْدَة يَقُولُ: تَقْدِيْرُ هذَيْنِ الاسْمَيْن، تَقْدِيْرُ: نَدْمَانٍ (١)، ونَدِيْم، مِنَ المُنَادَمَةِ. [٢٠] [وَجَاءَ في الأثَر: "أنهما اسمانِ رَقِيْقَانِ أحَدُهُمَا أرَقُّ مِن الآخَرِ". وَهَذا مُشْكِل، لأن الرِّقَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا في شيءٍ مِن صِفَاتِ الله]-سُبْحَانَهُ- وَمَعْنَى الرقِيْقِ هَا هنَا: اللَّطِيْفُ. يَقُولُ: أحَدُهمَا ألْطَفُ مِنِ الآخَرِ، وَمَعْنَى اللُّطْفِ في هذَا: الغُمُوْضُ دون الصِّغَرِ الذِي هُوَ نعْتٌ فِي الأجْسَامِ. وَيُقَالُ: إن الرحمنَ خَاصٌّ في التسْمِيَةِ، عَامٌّ في المَعْنَى. والرحيم: عَام فِي التسْمِيَةِ، خَاص فِي المَعْنَى. ٤ - المَلِكُ (٢): هُوَ التامُّ (٣) المِلْكِ، الجَامِعُ لأصْنَافِ

стр. 85

المَمْلُوْكَاتِ (١). فَأما (٢) المَالِكُ، فَهُوَ الخاصُّ المِلْكِ. والمَصدَرُ مِنَ المَلِكِ: المُلْكُ، مضمومةُ المِيْمِ. وَمِنَ المَالِكِ: المِلْك، مكسورتُها. وقد يُسَمى بَعْض المَخْلُوقينَ مَلِكَاً، إذَا اتَّسَعَ مُلْكُهُ. إلا أن الذِي يَسْتَحِقُّ هذَا الاسْمَ: هو اللهُ، -جل، وعز-، لأنهُ مَالِكُ المُلْكِ، وَلَيْسَ ذَلكَ لأحَدٍ غَيْرِهِ، يُؤْتِي المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وينْزِعُ المُلْكَ مِمنْ يَشَاء، وُيعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهْوَ عَلَى كُل شَيءٍ قَدِير. ٥ - القُدُّوسُ: [القُدوسُ: [هو] (٣) الطاهِرُ مِنَ العُيُوبِ، المُنَزهُ عَنِ الأنْدَادِ، والأوْلاَدِ، والقُدْسُ: الطَهَارَةُ. وَمِنْهُ سُميَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وَمَعْنَاهُ: بَيْتُ المَكَانِ الذِي يُتَطَهرُ فِيْهِ مِنَ الذنُوبِ. وَقيْلَ لِلْجَنةِ: حَظِيْرةُ القُدْسِ؛ لِطَهَارَتِهَا مِنْ آفَاتِ الدُّنْيَا. والقَدَسُ: السَّطْلُ الكبيرُ؛ لأنهُ يُتَطَهرُ فِيْهِ. وَلم يَأتِ مِنَ الأسْمَاءِ عَلَى فُعولٍ [بِضَمِّ الفَاءِ] (٤)، إلا قُدُّوْسٌ، وسُبُّوحٌ، وَقَدْ يُقَالُ أيْضَاً: قَدُّوسَ مَفْتوْحةُ (٥) القَافِ. وَهُوَ القِيَاسُ في الأسْمَاءِ. كَقُولهم: سَفُّود وَكَلُّوب] (٦) وَنَحْوهُمَا. وَيُقَالُ فِي تَفْسير القُدُّوسِ: إنهُ المُبَارَكُ (٧).

стр. 86

٦ - السَّلَامُ: مَعْناهُ ذو السَّلاَمِ (١)، والنِّسْبَةُ في كَلامِهم على ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُهَا بِاليَاءِ: كَقَوْلكَ: أسَدِيٌّ وَبَكْرِيٌّ. والثانِي: عَلَى [الجَمْع: كَقُولهم (٢)]: المَهَالِبةُ، والمسَامِعَةُ، والأزَارِقَة. والوَجْهُ الثالِثُ: بِذِي، وَذاتٍ (٣)؛ كَقَوْلهم: رجُل مال، أيْ: ذو مَالٍ، وَكَبْشٌ صَاف، أيْ: ذو صوْفٍ، وَامْرأة عَاشِقٌ، أيْ (٤): ذَات عِشْقٍ. وَنَاقَة ضَامِر، أيْ: ذَاتُ ضُمْرٍ. [فَالسَّلاَم فِي صِفةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- هُوَ اَلذِيْ سلِمَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَبَرِىءَ مِنْ كُل آفَةٍ وَنَقْصٍ يَلْحَقُ المَخْلُوقين. وَقِيْلَ: هُوَ الذِي سلِمَ الخَلْقُ منْ ظُلْمِهِ] (٥)، وَذهب بعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إلَى أن السلاَمَ الذِي هُوَ التحيَّةُ، مَعْنَاهُ: السلاَمَةُ. يقال: سَلِمَ الرجُلُ سَلَامَاً وسَلَامَة. كما قيل: رَضَع الصبِيُّ رَضاعاً ورَِضَاعة. قَالَ: ومِنْ هَذا قَوْلُ الله -سُبْحَانَهُ-: (والله يَدْعُوا إلَى دَارِ السلَامِ) [يونس/ ٢٥] أي: [إلى] (٦) الجنةِ. لأن الصائِرَ إلَيْهَا يَسْلَمُ مِنَ المَوْتِ، وَالأوْصَابِ، والأحْزَانِ. وَعلى هذَا: تُؤُوِّل قَوْلُهُ

стр. 87

تعالى (١): (وأمَّا إنْ كَانَ مِنْ أصْحَابِ اليَمن. فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أصْحَابِ اليَمين) [الواقعة/ ٩١]. أيْ: نُخْبِرُكَ عَنْهُمْ بِسَلاَمَةٍ. وإلَى نَحْوٍ مِنْ هذَا أشَارَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلهِ -[ ] (٢) -: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلدَ ويوْمَ يَمُوْتُ ويوْمَ يُبْعَث حَيَّاً) [مريم/١٥]. [٢١] أخْبَرَنِي أحْمدُ بنُ إبْرَاهيمَ بنِ مَالِكٍ قَالَ: حدثنا مُوسى (٣) بنُ إسْحقَ الأنْصَارِي، عن صَدَقَةَ بْنِ الفَضْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ [سفيان] (٤) بنَ عُيَيْنَةَ يَقُوْلُ: أوْحَشُ مَا تَكُونُ الخَلْقُ فِي ثَلَاَثةِ مَوَاطِنَ: يَوْمَ يُوْلَدُ (٥)، فَيَرَى نَفْسَهُ خَارِجَاً مما كَانَ فِيْهِ، ويوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى قَوْمَاً لم يَكُن عَايَنَهم، ويوْمَ يُبْعَثُ، فَيَرى نَفْسَهُ فِي مَحْشَرٍ عَظِيْم. قَالَ: فَأكْرَمَ الله فِيْها يَحْيىَ، فَخَصَّهُ بالسلَامِ. فَقَالَ: (وسلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويوْمَ يَمُوْتُ، ويوْمَ يُبْعَثُ حَيَّاً) [مريم/١٥]. كأنه أشار إلى أن الله -جل، وعز- سلَّم يَحْيىَ مِنْ شَرِّ هذِهِ المَوَاطِنِ الثلاَثةِ، وَأمَّنَهُ (٦) مِنْ خَوْفهَا (٧).

стр. 88

فَعَلى هذَا إذَا سلَّم المسْلِم عَلَى المسلِمِ، فَقَالَ: السلام علَيكمْ. فَكَأنه يعلمه بالسلامَةِ مِنْ نَاحِيَتهِ، ويؤمِّنُه مِنْ شَرهِ وَغائِلتِهِ، كأنه يَقول له: أنا سِلمٌ لك، غير حرب، ووليٌّ غير عَدو، والعرَبُ تَقوْل فِيْ التحِيةِ سِلْمٌ، بِمَعْنَى: السلَامِ. وَأنْشَد الفَرَّاء (١): وقَفْنَا فَقلْنَا إيهِ سِلْماً فَسَلَّمَتْ ... كما انْكَلَّ بالبرقِ (٢) الغمام اللوائح وَدليْل هَذَا القول: [٢٢] حَدِيْث النبِي (٣) ﷺ : "المسلم مَن سَلِمَ المَسْلِمونَ

стр. 89

مِنْ يَدِهِ وَلسَانِهِ". وَذهب آخَرُوْنَ إلَى أن "السلَامَ" الذِي هو التَّحِيَّة إنما هُوَ اسمٌ مِنْ أسْماء اللهِ -جَل وَعَزَّ (١) - فَإذَا قَالَ المؤْمِن لأخِيْهِ "السَّلامُ (٢) علَيْكُم" فَإنما يُعَوِّذُهُ بِاللهِ، وُيبَرِّكُ عَلِيهِ بِاسْمِهِ. وَدَلِيلُ صِحةِ هذَا التأويلِ. [٢٣] حَدِيْثُ أبِي هُرَيْرَةَ: أخْبَرَنَا (٣) محمد بنُ هَاشِم قَالَ: أخْبَرَنا الدَّبَريُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدثَنَا بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ (٤) عَنْ

стр. 90

يَحْيىَ بن أبي كَثير عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيرَة قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إن السلَامَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الله، فأفْشُوهُ بَينَكُمْ " ٧ - المُؤمنُ: أصْلُ الإيمَانِ فِي اللغَةِ: التصْدِيْقُ، فَالمُؤمِنُ: المُصَدِّقُ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ ذَلكِ وُجوْهَاً: أحَدُهَا: أنه يُصَدقُ عِبَادُهُ وَعْدَهُ، وَيَفِي بِمَا ضَمِنهُ (١) لَهُمْ من رِزْقٍ في الدنيَا، وثَوابٍ عَلَى أعْمَالِهم الحَسَنَةِ فِي الآخِرَةِ. وَالوجهُ الأخَر: أنهُ يُصَدقُ ظُنُونَ عِبَادهِ المُؤْمِنينَ، وَلَا يخيب آمَالهم. [٢٤] كَقولِ النبِي ﷺ فِيْمَا يَحْكِيْهِ (٢) عَنْ رَبهِ -جَل وَعَز-: "أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي [بي فَلْيَظن عَبْدِي بي] (٣) مَا شَاء". وقيْلَ: بَلِ اَلمؤْمِن الموحدُ نفسَهُ بقَوْلهِ: (شَهِدَ الله أنهُ لَا إلَه إلا هو وَالمَلَاِئكَةُ وَأولو العِلمِ قَائِمَاً بِالقِسطِ) [آل عمران/ ١٨]. [وَقيل: بَل المُؤْمِن الذي آمَنَ عِبَاده المُؤمِنينَ في القِيَامَةِ مِنْ

стр. 91

عَذَابِهِ] (١)، وَقِيْلَ: هُوَ الذي آمَنَ خَلْقَهُ مِنْ ظُلْمِهِ. ٨ - المُهَيْمِنُ: [هو] (٢) الشهِيْدُ، وَمِنهُ [قَوْلُ اللهِ] (٣) -سُبْحَانَهُ-: (مُصَدِّقَا لِمَا بينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيمِنَاً عَلَيْهِ) [المائدة/٤٨]. فاللهُ -جَل وَعَز- المُهَيْمِنُ أيْ: الشاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا (٤) يَكُونُ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، كَقَوْلهِ: (وَمَا تَكُونُ في شَأنٍ، وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرآنٍ، وَلَا تَعْملُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنا عَلَيْكُم شُهُودَا إذْ تُفِيْضُونَ فِيْهِ) [يونس/ ٦١]. وَقِيلَ: المهيمِنُ، الأمينُ. وأصله (٥)، مُؤيمن، فَقُلِبَتِ الهَمْزةُ هَاءً لأن الهَاءَ أخفُّ مِنَ الهَمْزَةِ. قَالُوا: وَلَمْ يَأتِ مُفَيْعِل فِي غَير التَّصْغير إلا فِي ثَلَاثَةِ أحْرُفٍ، مُسَيْطِرٌ، وَمُبَيْطِرٌ، وَمُهَيْمِنٌ. وَقِيْلَ: المُهَيْمِنُ: الرقِيْب عَلَى الشيْءِ، والحَافِظُ لَهُْ. وقال بَعْضُ أهْلِ اللغة: الهَيْمَنَةُ: القِيَامُ عَلَى الشيْءِ، والرِّعَايَةُ لَهُ، وَأنشَدَ: ألَا إن خيرَ الناسِ بَعْدَ نَبيِّهِ ... مُهَيْمِنُهُ التَّالِيْهِ فِي العُرْفِ والنُّكْرِ (٦)

стр. 92

[يُرِيدُ: القَائِمَ على الناسِ بَعْدَهُ وَبالرعَايَةِ لَهُمْ] (١). ٩ - العَزِيزُ: هُوَ المَنِيعُ الذِي لَا يُغْلَبُ. وَالعَزُّ فِي كَلَامِ العَرَبِ عَلى ثَلَاَثةِ أوْجُهٍ. أحَدُهَا: بِمَعْنَى الغلَبَةِ، ومِنْهُ قَوْلُهُمْ: مَنْ عزَّ بزَّ (٢)، أي: مَنْ غَلَب سَلَبَ، يُقَالُ مِنْهُ: عَز يعُزُّ -بضم العين- مِن يعُزُّ. وَمِنْهُ [قوْلُ الله سُبْحَانَهُ] (٣): (وَعَزَّنِي فِي الخِطَابِ) [ص / ٢٣]. والثاني: بِمَعْنَى الشدةِ والقوةِ. يُقَالُ مِنْهُ: عَز يَعَز -بفتح العين- من "يَعَزُّ" (٤)، كَقَوْلِ الهُذَلِي (٥) -يَصِف العُقَابَ-: حَتى انْتَهيْتُ إلى فِرَاشِْ عَزِيْزَةٍ ... سَوداءَ رَوْثة أنفِهَا كَالمِخْصَفِ

стр. 93

جَعَلَهَا عَزِيزَة، لأنهَا مِنْ أقْوَى جَوَارِحِ الطْير. وَالوَجْة الثالِثُ: أنْ يَكُونَ بمَعْنَى نَفَاسَةِ القَدرِ. يقال مِنه: عَز الشيْء يَعِز -بكسر العين- من يَعِزُّ، فَيَتَأوَّلُ مَعْنَى العَزِيْزِ عَلَى هذَا، أنه الذِي لَا يعَادِلُهُ شَيْء، وأنه لَا مِثلَ لَه، وَلَا نَظير. والله أعلم. ١٠ - الجَبار: [هُوَ الذِي جَبَر الخَلْقَ عَلَى مَا أرَادَ مِنْ أمْرِهِ وَنهْيِهِ يُقَالُ: جَبَرَهُ السلطَان وأجْبَرَهُ بالألِفِ. وَيُقَالُ: هُوَ الذي جَبَر (١) مَفَاقِرَ الخَلْقِ وَكَفَاهُم أشبَابَ المَعَاشِ والرزْقِ] (٢) وَيُقَال: بَلِ الجبار: العَالي فَوْقَ خَلْقِهِ مِن قَوْلهم: تَجَبَّرَ النباتُ: إذا عَلَا وَاكتَهَل. ويقال لِلنخلَةِ التي لَا تَنَالها اليَدُ طُولاً: الجبارَةُ (٣). وَيُقَالُ: جَبارٌ بيِّنُ الجَبَريةِ، والجَبْروة والجَبَرُوت. ١١ - المتكَبر: هُوَ المتعَالِي (٤) عَنْ صِفَات الخَلْقِ، وَيُقَال: هُوَ الذِي يَتَكَبر عَلَى عُتَاةِ خَلْقِهِ إذَا نَازَعوْهُ العَظَمَةَ، فَيَقْصمُهُمْ وَالتاءُ فِي المتكبر (٥) تَاءُ التفَرُّدِ والتخْصُّصِ بالكبْرِ، لَا تَاءُ التَّعَاطِي والتَّكَلُّفِ. والكِبرُ لَا يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ المخْلُوقِيْنَ، وإنما سِمَةُ العَبِيد الخُشُوعُ، والتَّذلُّلُ.

стр. 94

[٢٥] وقد روي: "الكبرياء رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه". وَقِيْلَ: إن المُتَكبر مِنَ الكِبْرِياءِ [الذي هُوَ (١) عظَمَة اللهِ، لا مِنَ الكِبْرِ الَّذِي هُوَ مَذْمُومٌ فِي الخَلْقِ. ١٢ - الخالِقُ: هُوَ المبدِعُ للْخلقِ، والمُخْترِعُ لَهُ عَلَى غَيْر مِثالٍ سَبق. قَال -سُبحَانَهُ-: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غير اللهِ) [فاطر/٣]. فَأما (٢) في نُعُوت الآدميينَ فَمَعْنَى الخَلْقِ: التَّقْدِيْرُ. كَقَوْله -جل وعز-: (أنِّي أخْلُقُ لكُمْ مِنَ الطيْن كَهَيْئةِ الطيْر) [آل عمران/ ٤٩]. وكقولِ زُهيْر (٣): ولأنْتَ تفْرِيْ ما خلقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ القَوْم يخلُق ثُم لَا يَفْري

стр. 95

يَقُوْلُ: إذَا قَدَّرْتَ شَيْئَاً قطَعْتَهُ، وَغَيْرُكَ يُقَدِّرَ مَا لَا يَقْطعُهُ أيْ: يَتَمَنى مَا لَا يَبْلُغُهُ. وَمِنْ هذَا قَوْلُه (١) -جلَّ وعزَّ-: (فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخَالِقينَ) [المؤمنون/ ١٤]. ١٣ - البَارىءُ: هُوَ الخَالِقُ. يُقَالُ منه: بَرأ اللهُ الخَلْقَ يَبرؤهُم (٢). والبَرِية: الخَلْقُ -فعيلة بمعنى مفعولة- وَأصْلُهُ الهَمْزُ، إلا أنهُم اصْطَلَحُوا عَلَى تَرْكِ الهَمْزَةِ (٣) فِيْهِ، ويقالُ: بَلْ أُخِذَتِ البَرِيَّةُ مِن بَرَيْتُ العُودَ: إذا قَطَعتَهُ وَأصْلَحْتَهُ. ويقالُ: بَلْ أخِذَتْ مِنَ البَرَى (٤): وَهُوَ الترابُ. إلا أن لِهَذهِ اللَّفْظَةِ مِنَ الاخْتِصَاصِ بالحَيَوَانِ مَا ليس لَهَا بِغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ، وَقَلَّما (٥) يُسْتَعْمَلُ فِي خَلْقِ السمَواتِ والأرْضِ والجِبَالِ فَيُقالُ: بَرأ اللهُ السمَاءَ كَمَا يُقَالُ: بَرأَ الله

стр. 96

الإنْسان وبرأ النَسَمَ، وَكَانَ يَميْنُ عَلِى بنِ أبِي طَالِبٍ ﵁ التي يَحْلِفُ بِهَا: [٢٦] "لَا والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأ النسَمةَ". ١٤ - المصور: هُوَ الذي أنشأ خَلْقَهُ عَلَى صُوَرٍ مُختَلِفَةٍ لِيَتعَارَفُوا بِهَا. فقال (١) [الله تعالى] (٢): (وَصَوَّرَكُمْ فَأحْسنَ صُوَرَكُمْ) [غافر/٦٤]. وقالَ [تعالى] (٢): (يا أيّها الإنسانُ ما غَرَّكَ بِرَبكَ الكَرِيْمِ، الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، في أي صُوْرَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار/٧]. ومعنى التَّصَوّرِ: التخْطِيْطُ، والتَّشْكِيْلُ. [٢٧] وَقَد رُوِيَ عَنِ النبي ﷺ أنه قَالَ: "أشَدُّ الناس عَذَابَاً يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُوْنَ، يُقَالُ لَهُمْ: أحْيُوا

стр. 97

مَا خَلَقْتُمْ". وَخَلَق الله -جَل (١) وتَعَالَى- الإنْسَانَ في أرْحَامِ الأمهَاتِ ثلاث خلقٍ (٢): جَعَلَهُ عَلَقَة، ثم مُضْغَة، ثم جعَلَها صُوْرَة، وَهُو التشْكِيلُ (٣) الذي بِهِ يَكُوْنُ ذَا صُوْرَةٍ وَهَيْئَةٍ يُعْرَفُ بِهَا ويتَمَيزُ [بها] (٤) عَنْ غَيْرهِ بِسِمَاتِهَا (٥) (فَتَبَارَكَ الله أحْسَنُ الخَالِقينَ) [المؤمنون/١٤]. ١٥ - الغَفارُ: [هُوَ الذي] (٦) يَغْفِرُ ذُنُوْبَ عِبَادهِ مَرة بَعْدَ أخْرَى. كُلَّماْ تَكَررَتِ التوْبَةُ فِيَ الذنْب [مِنَ العَبْد] (٦) تَكَررَتِ المَغْفِرَةُ. كَقُوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (وَإني لَغَفَار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثم اهْتَدَى) [طه/٨٢]. وَأصْلُ الغَفْرِ في اللغَةِ: السِّتْرُ وَالتغْطِيَةُ، وَمُنْهُ قِيْلَ (٧) لِجُنَّةِ الرأسِ: المِغْفَرُ، وَبِهِ سُميَ زئْبَرُ الثوب غَفْرَاً وَذَلِكَ لأنهُ يسْتر سَدَاهُ؛ فَالغَفارُ (٨): الستارُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، والمُسدِلُ (٩) عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ ورَأفَتِهِ. وَمَعْنَى الستْر في هَذَا أنهُ لَا (١٠) يَكْشِفُ أمْرَ العَبْدِ لِخَلْقِهِ وَلَا يهْتِكُ سِتْرَهُ بِالعُقُوبةِ التي تَشْهَرُهُ فِي

стр. 98

عيُونِهمْ وَيُقَال: إنَ المَغْفِرَةَ مَأخُوذَة (١) مِنَ الغَفْر: وَهُو فِيْمَا حَكَاه بَعْضُ أهْلِ اللغة نَبْتٌ يُدَاوَى بِهِ الجِرَاحُ (٢)، يُقَالُ إِنهُ إِذَا ذُرَّ عَلَيْهَا دَمَلَهَا وَأبْرَاهَا. ١٦ - القَهَّارُ (٣): هُوَ الذِي قَهَرَ الجَبَابِرَةَ مِنْ عُتَاةِ خَلْقِهِ بِالعُقُوَبةِ وَقَهَرَ الخَلْقَ كُلَّهُمْ بِالمَوْتِ. ١٧ - الوَهَّابُ: هُوَ الذِي يَجُوْدُ بِالعَطَاءِ عنْ ظَهْرِ يَدٍ مِنْ غير استِثَابَةٍ، وَمَعْنَى الهِبَةِ: التمْلِيْكُ بِغير عِوَضٍ يأخُذُهُ الوَاهِبُ مِنَ المَوْهُوبِ لَهُ، فَكُل مَنْ وَهَبَ شَيْئَاً مِنْ عَرَض الدُّنْيَا لِصَاحِبِهِ، فَهْوَ وَاهِبٌ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمَّى وَهَّاباً إلا منْ تَصَرَّفَتْ مَوَاهِبُهُ فِي أنْوَاعِ العَطَايَا فَكَثُرَتْ نَوَافِلُهُ وَدَامَتْ. وَالمَخلُوقُونَ إنما يَمْلِكُونَ أنْ يَهَبُوا مَالاً، أوْ نَوَالاً في حَالٍ دُوْنَ حَالٍ، وَلَا يَمْلِكُوْنَ أنْ يَهَبُوا شِفَاءً لِسَقِيْم، وَلَا وَلَدَاً لِعَقِيْم، وَلَا هُدَى لِضَلَالٍ، وَلَا عَافِيَة لِذِي بَلَاءٍ، وَالله الوَهابُ -سُبْحَانَهُ- يملِكُ جَميْعَ ذَلِكَ، وَسِعَ الخَلْقَ جُوْدهُ، وَرَحْمَتُهُ، فَدَامَتْ مَوَاهِبُهُ واتصَلَتْ مِنَنُهُ وَعَوَائِدُهُ.

стр. 99

[قَالَ الشيْخُ] (١): وَبَلَغَنِي عَنْ أبِي عُمرَ الزاهِد (٢)، صَاحِبِ أبي العَبَّاسِ، أن بَعْضَ الوُزَرَاءِ أرْسَلَ إلَيهِ يَسْتَعْلِمُهُ (٣) مَبْلَغ مَا يَحْتَاجُ إَلَيْهِ لِقُوْتهِ فِي كُل سَنَة؛ لِيُجْرِيَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ للرسول: قُل لِصَاحِبِكَ أنَا فِي جرَايَةِ (٤) مَنْ إذَا غَضِبَ عَلَي، لم يَقْطَعْ جِرَايَتَهُ (٥) عَني. ١٨ - الرزْاقُ: هُوَ المُتَكَفلُ بِالرزْقِ، والقَائمُ عَلَى كُل نَفْس بمَا يُقِيْمُهَا مِنْ قُوْتِهَا، وَسِعَ الخَلْقَ كُلَّهُمْ رِزْقُهُ ورَحْمَتُهُ (٦)، فَلَمْ يَخْتَصَّ (٧) بذَلِكَ مُؤْمِنَاً دون كَافِرٍ، وَلَا وَليَّا دوْنَ عَدُو، [يَسُوْقُهُ إلَى الضعِيْفِ الذِي لا حَيْلَ لَهُ وَلَا مُتَكَسَّب] (٨) فِيْهِ كمَا يَسُوْقُهُ إلَى الجَلْدِ القَوِي ذِيْ المِرَّةِ السَّوِي. قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَكَأين مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وإياكم) [العنكبوت/ ٦٠] وَقَالَ [تعالى] (٩): (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) [هود/٦].

стр. 100

[٢٨] وكان مِنْ دعاءِ دَاوُدَ، صلواتُ الله عَلَيهِ (١): "يا رازِقَ النَّعَّابِ فِي عُشِّهِ" يُرِيْدُ: فَرْخَ الغُرَابِ، وَذَلِك أنه يُقَالُ: إنهُ (٢) إذَا تَفَقأتْ عَنْهُ البَيْضَةُ خَرَجَ أبيَضَ كالشحْمَةِ، فَإذَا رَآهُ الغُرابُ أنكَرَهُ لِبَيَاضِهِ؛ فَتَرَكَهُ. فَيَسُوْقُ اللهُ -[جَل وعَزَّ] (٣) - إلَيْهِ البَقَّ (٤)؛ فَتَقَعُ عَلَيْهِ لِزُهُومَةِ رِيْحهِ فَيَلْقُطُهَا ويعِيْشُ بِهَا إلَى أنْ يَحْمُمَ ريشُهُ فيَسوَّدَ، فَيُعَاوِدُهُ الغُرابُ عنْدَ ذَلِك، وَيَألَفُهُ (٥) ويُلْقِطُهُ الحَبَّ. فَهَذَا (٦) مَعْنَى: رِزْقِهِ النَّعَّابَ فِي عُشِّهِ. وَقَدْ يَكُونُ وُصُولُ الرزق بِسَبَب وَبِغير سبَب، وَيَكُونُ ذلِكَ بِطَلَبٍ وبِغير طَلَب، وَقَدْ يَرِثُ الإنْسَانُ مَالاً؛ فَيَدْخلُ فِي ملْكِه مِنْ غير قَصْدٍ إلى تَمَلُّكِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الرزْقِ. وكُلُّ ما وَصَل [مِنْهُ إلَيْه] (٧) مِنْ مُبَاحٍ وَغير مُبَاحٍ فَهْوَ رِزْقُ اللهِ عَلَى مَعْنَىْ أنه قَدْ جَعَلَهُ لَهُ قُوْتاً وَمَعَاشَاً. كَقَوْلهِ -سُبْحَانَه-: (رِزْقاً لِلْعِبَادِ) [ق/١١] إثْرَ قَوْلهِ -سُبْحَانهُ (٨) -: (والنخْلَ باسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيْدٌ) [ق/١٠]. وَكَقَوْلهِ: (وَفي السمَاءِ رِزْقُكُم وَمَا تُوعَدُوْنَ) [الذاريات/٢٢] إلا أن

стр. 101

الشَىءَ إذا كانَ مَأذوْناً لَه فِي تناولهِ فَهْوَ حَلَالٌ حُكمَاً، وَمَا كَانَ منه غير مَأذُوْنٍ لَهُ فِيْهِ فَهْوَ حَرَامٌ حُكْمَاً. وَجَميْعُ ذَلِكَ رِزْقٌ عَلَى المَعنَى الذِي بَيَّنَّاه. ١٩ - الفَتَّاحُ: هُوَ الحَاكِمُ بْينَ عِبَادهِ، يُقَالُ: فتحَ الحَاكِم بينَ الخَصْمين، إذَا فَصَلَ بَيْنَهُما. وَمنْهُ قَوْلُ اللهِ -سُبْحَانَهُ-: (رَبنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحَق، وَأنتَ خيرُ الفَاتِحيْنَ) [الأعراف/٨٩]. مَعْنَاهُ رَبنا احْكُمْ بَيْنَنَا. وَيُقَالُ لِلْحَاكِمِ: الفَاتِحُ. وَقَال (١) امْرُؤُ القَيْسَ (٢): أبَعْدَ الفَاتِحِ الوَهَّابِ عَمْرٍو ... حَليف الجُود وَالحَسَبِ اللُّبَابِ؟ و [قد] (٣) يكونُ مَعْنَى الفَتاحِ أيْضَاً الذِي يَفْتَح أبْوَابَ الرزْقِ والرحْمة لعِبَاده وَيَفتحُ المنْغلِقَ عَليْهِمْ مِن أمورِهِمْ وَأسْبَابهمْ. وَيفتحِ قُلُوبهُمْ وَعُيُوْنَ بَصَائِرِهِمْ لِيبْصِرُوْا الحَق، وَيَكُوْنُ الفَاتِحَ أيْضَاً بِمَعْنى الناصِر، كَقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ-: (إنْ تَسْتَفْتِحوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ) [الأنفال/١٩]. قَالَ أهْلُ التفْسيرِ [إن] (٣) مَعْنَاهُ: إنْ تَسْتَنْصِرُوْا فَقَدْ جَاءَكُمُ النصْرُ (٤).

стр. 102

٢٠ - العَلِيْمُ: هُوَ العَاِلمُ بالسَّرَائِرِ والخَفِيَّاتِ التي لَا يُدْرِكُهَا عِلْمُ الخَلْقِ. كَقَوْلهِ [تعالى] (١): (إنهُ علِيْم بِذَاتِ الصُّدُوْرِ) [لقمان/٢٣]. وَجَاءَ عَلَى بِنَاءِ فَعِيْلٍ لِلْمُبَالَغَةِ في وَصْفِهِ بِكَمَالِ العِلْمِ، وَلذَلِكَ قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَفَوْق كُل ذِيْ علمٍ عَلِيْم) [يوسف/٧٦]. والآدمِيُّوْنَ -وإنْ كَانُوا يُوْصَفُونَ بِالعِلمِ- فَإن ذَلِكَ يَنْصَرِفُ (٢) مِنْهُمْ إِلَى نَوْع مِنَ المَعْلُومَاتِ، دون نَوْع، وَقَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي حَالٍ دون حَالٍ، وَقَدْ تَعْتَرِضُهُمْ الآفَاتُ فيَخْلُفُ عِلْمهُمُ الجَهْلُ، ويعْقُبُ ذِكْرَهُمُ النَسْيَانُ، وَقَدْ نَجِدُ الوَاحِدَ مِنْهُمْ عَاَلماً بِالفِقْهِ غير عَاِلم بِالنحْوِ وَعَاِلماً بهما غير عَاِلم بِالحِسَابِ وبالطِّبِّ (٣) وَنَحْوِهِمَا مِنَ الأمُوْرِ، وَعِلْمُ الله -سُبْحَانَهُ- عِلْمُ حَقِيْقَةٍ، وَكَمَالٍ (قَدْ أحَاطَ بِكُل شَيْء عِلْماً) [الطلاق/١٢]، (وَأحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَدَاً) [الجن/ ٢٨]. ٢١ - ٢٢ - القَابِضُ البَاسِطُ: قدْ يَحْسُنُ فِي مِثل هذَيْنِ الاسْمين أنْ يُقْرَنَ أحَدُهُمَا في الذكْرِ بالآخَرِ، وَأنْ يُوصَلَ بِهِ بيَكُوْنَ ذَلِكَ أنْبَأ عَنِ القُدْرَةِ، وَأدَلَّ عَلَى الحِكْمَةِ. كَقَوْلهِ [تعالى] (٤): (وَاللهُ يَقْبِضُ ويبْسُطُ، وَإلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ) [البقرة/٢٤٥]. وَإذا ذَكَرْتَ القَابِضَ مُفْرَدَاً عَنِ البَاسِطِ كُنْتَ كَأنكَ قَدْ قَصَرْتَ بِالصفَةِ (٥) عَلَى المَنْعِ والحِرْمَانِ،

стр. 103

وَإذَا أوْصَلْتَ أحَدَهُمَا بِالآخَرِ فَقَدْ جَمَعْتَ [بَيْنَ الصِّفَتين] (١) مُنْبِئَاً عَنْ وَجْهِ الحِكْمَةِ فِيْهِمَا -فَالقَابِضُ البَاسِطُ- هُوَ الذِي يُوَسِّعُ الرِّزْقَ وَيُقَترُهُ، وَيَبْسُطُهُ بِجُوْدِهِ وَرَحْمَتِهِ، ويقْبِضُهُ بِحِكْمَتِهِ عَلَى النظَرِ لِعَبْدِهِ كَقَوْلِهِ: (وَلَوْ بَسَطَ الله الرزْقَ لِعِبَاده لَبَغَوْا فِيْ الأرْضِ وَلَكِنْ يُنَزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) [الشورى/٢٧] فَإذَا زَاده لَمْ يَزِده سَرَفَاً وَخَرَقَاً، وَإذَا نَقَصَهُ لَمْ يَنْقُصْهُ عَدَمَاً وَلَا بُخْلا، وَقِيْلَ: القَابِضُ هُوَ الذِي يَقْبِضُ الأرْوَاحَ بِالمَوْتِ الذِي كَتَبَهُ عَلَى العِبَادِ. ٢٣ - ٢٤ - الخَافِضُ الرَّافِعُ: وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِيْ هَذَيْنِ الاسْمين يُسْتَحْسَنُ أنْ يُوْصَلَ أحَدُهُمَا فِي الذكْرِ بِالآخَرِ. فَالخَافِضُ: هُوَ الذِي يَخْفِضُ الجَبارِيْنَ وَيُذِل الفَرَاعِنَةَ المُتَكَبرِيْنَ. والرافع: [هو] (٢) الذِي رَفَع أوْليَاءَهُ بِالطاعَةِ فَيُعْلي مَرَاتِبَهُمْ، وينْصُرُهُمْ عَلَى أعْدَائِهِ وَيَجْعَلُ العَاقِبَةَ لَهُمْ لَا يَعْلُو إلا مَنْ رَفَعَهُ الله، وَلَا يَتَضِعُ إلا مَنْ وَضَعَهُ وَخَفَضَهُ. ٢٥ - ٢٦ - المُعِزُّ: (٣) المُذِّلُ: و (٤) وَالقَوْلُ فِي "المُعِزِّ و (٤) المُذِّلِ" كَهُوَ فِيْمَا تَقَدمَ مِنْ ذِكْرِ القَابِضِ والبَاسِطِ. يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، لَا مُذِل لِمَنْ أعَز، وَلاَ مُعِز لِمَنْ أذَلهُ. كَقَوْلِهِ: (وَللهِ العِزةُ وَلرَسوْلهِ وَللْمُؤْمِنينَ) [المنافقون/٨]، وَقَالَ: (أيَبْتَغُوْنَ عِنْدَهُمُ العِزةَ فَإن العِزةَ لله جَميْعَا) [النساء/١٣٩]. أعَزَ بالطاعَةِ أوْليَاءه؛ فَأظْهَرَهُمْ عَلَى

стр. 104

أعْدَائِه (١) في الدنيا، وَأحَلَّهُمْ دَار الكَرَامَةِ في العُقْبَى، وَأذَلَّ أهْلَ الكُفْرِ فِي الدنيا؛ بِأنْ ضَرَبهُمْ بالرِّقِّ وبالجِزْيَةِ والصَّغارِ، وَفِي الآخِرَةِ بالعُقُوبَةِ والخُلُوْدِ في النارِ. ٢٧ - السمِيْعُ: بِمَعْنَى السامِعِ، إلا أنهُ أبْلَغُ فِي الصفَةِ، وَبِنَاءُ فَعِيْلٍ: بِنَاءُ المُبَالَغَةِ. كَقَولهمْ: عَلِيْم: مِنْ عَاِلم، وَقدِيْر: مِنْ قَادِرٍ، وَهُوَ الذِي يَسْمَعُ السرَ والنَّجْوَى. سَوَاءٌ عِنْدَهُ الجَهْرُ، والخُفُوتُ، والنطْقُ، والسُّكُوْتُ، وَقدْ يَكُونُ السَّمَاعُ بِمَعْنَى القَبُولِ وَالإجَابَةِ. [٢٩] كَقَوْلِ النبِي ﷺ : "اللهم إني أعُوْذُ بِكَ مِنْ قَوْلٍ لَا يُسْمَع"، أيْ: مِن دُعَاءٍ لَا يُسْتَجَابُ، وَمِنْ هذَا قَوْلُ المُصَلي: [٣٠] "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمدَهُ" مَعْنَاهُ قبِلَ الله حَمْدَ مَنْ حَمدَهُ.

стр. 105

وأنشد أبو زيدٍ لِشُتير بنِ الحَارِثِ الضَّبِّي: دَعَوْتُ اللهَ حَتى خِفْتُ ألا ... يَكُونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أقُوْلُ (١) أيْ: لَا يُجيْبُ، وَلَا يَقْبَلُ (٢). ٢٨ - البصير: هُوَ المُبْصِرُ. فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. كَقَوْلهمْ، ألِيْمٌ: بِمَعْنَى مُؤْلم، وكَقَوْلِ عَمْرِو بنِ مَعْدِ يْكَرِبَ: أمِنْ رَيْحَانَةَ الداعِي السَّمِيْعُ (٣)

стр. 106

يُرِيْدَ: المُسْمِعَ. وَيُقَالُ: البَصيرُ: العاِلم بخَفِيَّاتِ الأمُورِ. ٢٩ - الحَكَمُ: الحَكَمُ الحاكِمُ، ومنه المَثَلُ: "في بَيْتهِ يُؤْتى الحَكَمُ" (١). وَحَقِيْقتُهُ: هُوَ الذِي سَلِمَ لَهُ الحُكْمُ، ورد إلَيْهِ فِيْهِ (٢) الأمْرُ. كَقَوْلهِ [تعالى] (٣): "له الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ) [القصص/ ٨٨] وَقَوْلهِ: (أنْتَ تَحْكُمُ بين عِبَادكَ فِيْمَا كانوا فِيهِ يَخْتَلِفُوْنَ) [الزمر/ ٤٦]. وَقِيْلَ: لِلْحَاكِمِ حَاكِمٌ؛ لِمَنْعِهِ الناس عَنِ التظَالُم، ورَدْعِهِ إيَّاهُمْ. يُقَالُ: حَكمْتُ الرجُلَ عَن الفَسَادِ: إذَا مَنَعْتَهُ مِنْهُ. وَكذَلِكَ: أحْكَمْتَهُ -بالألِفِ- أنْشدَنِي أبُو عُمَرَ قَالَ: أنْشَدَني أبو العَبَّاسِ لِجَريْرٍ (٤): أبَنِي حَنِيْفَةَ أحْكمُوا سُفَهاءَكُمْ ... إني أخَافُ عَلَيْكمُ أنْ أغْضَبَا وَمِنْ هَذَا قِيْلِ: حَكَمَةُ اللِّجَام، وَذَلِكَ لمنْعِهَا الدابةَ مِنَ التَّمَرُّدِ والذهَابِ في غْير جِهَةِ (٥) القَصْدِ.

стр. 107

٣٠ - العدل: هُوَ الذِي لَا يَميْلُ بِهِ (١) الهَوَى فَيَجُور فِي الحُكْمِ. وَأصْلُهُ المَصْدَرُ. مِنْ قَوْلكَ (٢): عَدَلَ، يَعْدِلُ، عَدْلاً، فَهْوَ عَادِلٌ. أُقِيْمَ مَقَامَ الاِسْم، وَحَقِيْقَتُهُ ذو العَدْلِ. كقَوْلهِ -سُبْحَانَهُ (٣) -: (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق/٢] وَيُقَالُ: عَدَلْتُ الشَيْءَ أعْدلُهُ عَدْلا: إذَا قَوَّمْتَهُ. وَمِنْهُ الاعْتِدَال في الأمُورِ، وَهُوَ الاسْتِقَامَةُ فِيْها. ٣١ - اللطِيْفُ: هُوَ البَرُّ بِعِبَاده، الذِي يَلْطُفُ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وُيسَبِّبُ لَهُمْ مَصَالِحَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُوْنَ. كقوله -[سبحانه] (٤) -: (الله لَطِيْفٌ بِعِبَاده يَرْزقُ مَنْ يَشَاءُ وهُوَ القوي العَزيز] [الشورى/١٩]. وَحَكَى أبو عُمَرَ (٥) عَنْ أبِي العَباسِ عَنِ ابنِ الأعْرَابي (٦) قَالَ: اللَّطِيْفُ، الذِي يُوصِلُ إلَيْكَ أرَبَكَ فِي رِفْقٍ، وَمِنْ هذَا قَوْلُهُم: لَطَفَ اللهُ لَكَ، أيْ: أوْصَلَ إلَيْكَ مَا تُحبُّ فِي رِفْقٍ. وَيُقَالُ: هُوَ الذي لَطُفَ عَنْ أنْ يُدْرَكَ بِالكَيفِيةِ. وَقَدْ يَكُونُ اللطْف بِمَعْنَى الرِّقةِ، والغُمُوضِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الصِّغَرِ فِي نُعُوْتِ الأجْسَامِ، وذلك مما لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِ البارِي -سُبْحَانَهُ-.

стр. 108

٣٢ - الخَبِيْر: هُوَ العَاِلمُ بِكُنه الشىءِ. المُطَّلِعُ عَلى حَقِيْقَتِهِ (١). كَقَوْله [تَعَالى]: (فَاسْألْ بِهِ خَبِيْرَاً) [الفرقان/٥٩]. يُقَالُ فُلَانَ بِهَذَا الأمْرِ خَبِيْرٌ؛ وَلَه بِهِ خبْرٌ، وَهُوَ أخْبَرُ بِهِ مِنْ فُلَانٍ؛ أيْ: أعْلَمُ. إلا أن الخُبْرَ فِي صِفَةِ المَخْلُوقينَ إنما يُسْتَعْمَلُ في نَوْعِ العِلْمِ الذِي يَدْخلُة الِاخْتِبَارُ، وُيتَوَصَّلُ إلَيْهِ بالِامْتحَانِ، والاِجْتِهادِ، دون النَّوعِ المَعْلُومِ بِبَدَائِهِ (٢) العُقولِ. وَعِلْمُ الله -سُبْحَانَهُ- سَوَاءٌ فِيْمَا غَمضَ مِنَ الأشْيَاءِ و [فيما] (٣) لَطُف، وَفيمَا تَجَلَّى بهِ (٤) مِنه وَظَهَرَ. وَإنما تختَلِف مَدارِكُ عُلُومِ الآدميِّينَ الذِيْن يَتَوَصَّلُونَ إلَيْها بِمُقدمَاتٍ مِنْ حِسٍّ، وَبِمُعَاناةٍ مِن نَظَرٍ، وَفكْرٍ؛ وَلذَلِكَ قِيْلَ لهم: لَيْسَ الخَبَرُ كَاْلمُعَايَنَةِ، وَتَعَالَى الله عَن هَذِهِ الصفَاتِ عُلُوّاً كَبِيْراً. ٣٣ - الحليم: هُوَ ذو الصفْحِ، والأنَاةِ، الذِي لَا يسْتَفزْه غَضَبٌ وَلَا يَسْتَخِفُّهُ جَهْلُ جَاهِلٍ، وَلَا عِصيَانُ عَاصٍ، وَلَا يَسْتحِق الصَافِحُ مَعَ العَجز اسمَ الحِلْمِ؛ إنما الحلِيمُ هُوَ الصفُوحُ مَعَ القُدْرَةِ. [و] (٥) المتأني الذِي لَا يَعجَل بِالعقُوَبةِ. وَقَدْ أنعَمَ بَعْض الشْعَراءِ بَيَانَ هذَا المَعْنَى فِي قَوْلهِ (٦):

стр. 109

لا يُدرِكُ المَجدَ أقوَامٌ وإنْ كَرُمُوا ... حَتى يَذِلُّوا وَإن عَزُّوا لأقوَام وَيُشْتَموا فَتَرى الألْوَانَ مُسْفِرَةً ... لَا صَفْحَ ذُلٍّ وَلَكِنْ صَفْحَ أحْلَامِ ويقال: لم يَصِفِ اللهُ -سُبحَانَهُ- أحَدَاً مِنْ خَلقِهِ بِصِفَةٍ أعَز من الحِلْم، وذلك حينَ وَصَفَ إسمَاعِيلَ بِهِ. وَيُقَالُ: إن أحَدَا لَا يَسْتَحِقُّ اسمَ الصَّلَاحِ حَتى يَكُونَ مَوصُوفَا بِالحِلمِ، وذلك أن إبرَاهِيْمَ -صَلَوَاتُ الله عَلَيهِ (١) - دَعَا رَبهُ فَقَالَ: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحيْنَ) [الصافات/ ١٠٠] فَأجِيْبَ بقَوْلهِ: (فَبَشرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيم) [الصافات/١٠١] فَدَل عَلَى أَن الحِلمَ أعْلَى مآئر (٢) الصلاَحِ -وَاللهُ أعلَمُ- وَيقَال: حَلُمَ الرَّجُلُ يَحلُمُ حُلْماً، بضم اللاَّمٍ في المَاضِي والمُستَقْبَلِ، وحَلَم في النومِ، بِفتْحِ اللامِ يحلُم حلْماً، اللام في المُستَقْبَل، والحاءُ في المَصَدَرِ مِنه، مَضمُومَتَانِ. ٣٤ - العَظِيمُ: هُوَ ذو العَظَمةِ والجَلَالِ، وَمَعْنَى العِظَم فِي هَذَا منْصَرِفٌ إلَى عِظَمِ الشأنِ، وَجَلَالَةِ القَدْرِ دون العِظَم الذِي هُوَ مِنْ

стр. 110

نُعُوتِ الأجْسَامِ لِمَا يُوجَدُ فِيْها مِنْ زِيَادةِ الأجْزاءِ وَيُقَالُ للرجُلِ السَيدِ: هُوَ عَظِيْمُ قَوْمِهِ. وَقَالَ [الله] (١) -سُبْحَانَهُ- حِكايَةً عَنِ الكُفارِ: (وَقَالُوْا: لَوْلَا نُزلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجلٍ مِنَ القَرْيَتَين عَظِيْم) [الزخرف/٣١]. وَيُقَالُ: أعْظَمْتُ الرَّجُلَ أُعْظِمُهُ (٢) إعْظَامَاً: إذَا جَلَلْتَهُ، وَأكْبَرتَهُ. وَهُوَ أعلَى مِنْ قَوْلكَ: عَظمْتُهُ تَعْظِيماً. ٣٥ - الغَفُوْرُ: هُوَ الذي تَكْثُرُ منْهُ المَغْفِرَةُ. وَبِنَاءُ فَعُولٍ: بِنَاءُ المبالَغَةِ فِي الكَثرَةِْ. كقُولكَ: صَبُوْرٌ، وَضَرُوْبٌ، وَأكُوْلَ. وَمَا أشْبَهَها مِنَ النعُوتِ. وَقَد تَقَدمَ الكَلَامُ فِي تَفْسير: الغَفارِ، وَمَعْنَى اشْتِقَاقِهِ في اللغَةِ، وَسَبِيلُ الِاسمَيْن مِنْ أسماء الله -جل وعز (٣) - المذكورينِ عَلَى بِنَاءَيْنِ مُخْتَلِفين- وإنْ كَانَ اشْتِقَاقُهُمَا مِنْ أصْل وَاحِد -أن تطلب لكل واحد منهما فائدة مُسْتَجَدة، وَأنْ لَا يُحمَلَا عَلَى التكْرَارِ. فَيَحْتمِلُ -والله أعْلَمُ- أنْ يَكُوْنَ الغَفارُ، مَعْنَاهُ: السَّتَّارُ لِذُنُوبِ عِبَادهِ فِي الدنيَا بِأنْ لَا يهتِكَهُم وَلَا يُشِيْدهما عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ مَعْنَى الغَفُورِ: مُنْصَرِفَاً إلى مَغْفِرَةِ الذنُوبِ فِي الآخِرَةِ، والتَّجَاوزِ عَنِ العُقوَبةِ فِيْها. ٣٦ - الشكوْر: هُوَ الذِي يَشْكُر اليَسِيرَ مِنَ الطاعَةِ فَيثيْبُ عَلَيْهِ الكَثيرَ مِنَ الثوَابِ، وَيُعطِي الجَزِيلَ مِن النعْمةِ، فَيَرْضَى بِاليَسير مِن الشكْرِ. كقَوْلهِ -سُبحَانَهُ-: (إن رَبنَا لَغَفورَ
следующие страницы →