← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9573

الوصف المناسب لشرع الحكم

أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الوصف المناسب لشرع الحكم تأليف الدكتور أحمد بن محمود بن عبد الوهاب الشنقيطي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الكريم المنان المتفضل على عباده بعظيم الآلاء، وجزيل الإحسان جلت نعمه عن العد والإحصاء ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تحْصُوهَا﴾ ١، فكان من أعظم نعمه على عباده أن هدى المؤمنين به إلى الإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، من ختمت برسالته الرسالات، وعلى آله وصحبه الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل عليه، فكانوا سادة الدنيا، وأئمة الهدى. وبعد: فلما خص الله سبحانه محمداً ﷺ بأن جعل رسالته خاتمة الشرائع، جعلها صالحة لكل زمان ومكان، مبنية على نصوص، وأصول وقواعد، لطفاً بالعباد، وتيسيراً لهم في معرفة الحلال والحرام، شاملة لكل ما جد من الوقائع التي لم تكن، فيتعرف العلماء حكمها بطريق الاجتهاد الوافي بتفاصيل أحكام الوقائع، لأن نصوص الكتاب والسنة محصورة متناهية، ومواقع الإجماع معدودة منقولة فهي متناهية أيضاً، والوقائع لا نهاية لها، وهي لا تخلو عن حكم الله تعالى متلقى عن قاعدة من قواعد الشرع، والأصل الذي يفي بحكم جميع الوقائع وهو القياس، وما يتعلق به من وجوه النظر، والاستدلال، والقياس إنما يكون بالعلة الجامعة بين الأصل والفرع، والعلة لها طرق تعرفها، فكان من المناسب أن أختار أهم تلك الطرق التي بها يعرف حكم الوقائع المستجدة موضوعاً لرسالتي، فاخترت أن يكون موضوعها هو: "الوصف المناسب لشرع الحكم". سبب اختياري لهذا الموضوع: أما سبب اختياري لهذا الموضوع، فهو أنني لما أنجزت دراسة مرحلة الماجستير بقسم الدراسات العليا الإسلامية بكلية الشريعة بمكة المكرمة، فرع جامعة الملك عبد العزيز آنذاك، كان علي أن أختار موضوعاً أكتب فيه لأنال درجة "الدكتوراه" في أصول الفقه.

стр. 2

وحيث أن القياس من أهم أدلة الأحكام الشرعية لسعته وشموله لكل الوقائع التي تجد، وأن القياس كما أسلفت إنما يكون بالعلة الجامعة بين الأصل والفرع، والعلة وإن كانت لها طرق، فأهم طرقها وأشملها للأحكام إنما هو الوصف المناسب لشرع الحكم، والموضوع وإن كان صعباً في ذاته، لسعته وترامي أطرافه، والبحث فيه يتطلب من الباحث أن يكون متعمقاً في الأصول، عالماً بجوانب الاتفاق والاختلاف في القياس، والعلة وطرقها، ومقاصد الشرع، فإن رغبتي في دراسة الفن دفعتني إلى الكتابة فيه، لا سيما وقد رأيت من مشايخي التشجيع على اختياري للموضوع، مما شجعني على المضي فيه. وكيف لا، والموضوع عظيم القدر، إذ به يعرف حكم الله تعالى فيما لم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة ولا نقل إجماع. لذا رأيت صلاحية الموضوع للبحث، وشرعت فيه راجياً من الله أن يعينني على إنجازه، وأن يجعله عملاً صالحاً، وأن يهديني سواء السبيل، فهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 3

خطة البحث وقد سلكت طريقة في البحث رأيت أنها توصل إلى الغاية التي أردت، وهي أنني أستعرض آراء العلماء وأدلتهم، وما ورد عليها من اعتراضات وإجابات عن الاعتراضات مع مناقشتها، وترجيح ما ظهر لي رجحانه بالدليل كلما رأيت ذلك مناسباً، وربما تركت الترجيح إذا لم يظهر لي وجه الرجحان. وقسمت البحث إلى: تمهيد وثلاثة أبواب، وخاتمة. أما التمهيد: فهو يشتمل على الفصول الآتية: الفصل الأول: في تعريف القياس، وبيان المراد بالأصل عند الأصوليين. الفصل الثاني: في تعريف العلة، وأقوال العلماء في تعليل أفعال الله تعالى. الفصل الثالث: في شروط العلة، ويتضمن البحوث الآتية: الأول: في الشروط المتفق عليها، بأن تكون وصفاً ظاهراً، منضبطاً، مناسباًَ. الثاني: في الشروط المختلف فيها، وهي: تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي. التعليل بالوصف المركب. التعليل بالحكمة المجردة عن الضابط. تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي. التعليل بالعلة القاصرة. تعليل الحكم بعلتين فأكثر. تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة. تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عنه.

стр. 4

عود العلة على الأصل بالإبطال. ويشترط في العلة أن لا تعود على الأصل بالإبطال. شروط أخرى اشترطها البعض. الفصل الرابع: فيما قبل الوصف المناسب من مسالك العلة، وتحته مباحث وهي: الأول: تعريف المسالك، وبيان الطريقة التي اخترت أن أسلكها. الثاني: مبحث النص، وألفاظه. الثالث: مبحث الظاهر، وألفاظه. الرابع: مبحث الإيماء تعريفه، وأنواعه. تنبيه: ألفت نظر القارئ الكريم إلى أنني اضطررت إلى تأخير تعريف المناسب عن المناسبة الآتية، لكونه مشتقاً منها، فأخرته إلى الباب الأول، وهو: الباب الأول: وهو في المناسبة، وتعريف المناسب، وفيه الفصول الآتية: الفصل الأول: في تعريف المناسبة. الفصل الثاني: في إقامة الدليل على اعتبارها. الفصل الثالث: في تعريف المناسب. الباب الثاني: في تقسيمات المناسب، وفيه الفصول الآتية: الفصل الأول: في تقسيمه باعتبار ذات المناسبة، وهو ينقسم إلى: حقيقي، وإقناعي. والحقيقي ينقسم إلى: ديني، ودنيوي. والدنيوي ينقسم إلى: ضروري، وحاجي، وتحسيني. الفصل الثاني: في تقسيمه باعتبار إفضائه إلى المقصود، وذلك بأن يكون حصول المقصود يقيناً، أو ظناً، أو يتساوى الحصول

стр. 5

وعدمه، أو يكون الحصول أرجح، أو يكون فائتاً بالكلية. الفصل الثالث: في تقسيمه بالنظر إلى اعتبار الشارع له، وعدم اعتباره له. الباب الثالث: في المناسب والمرسل، وفيه الفصول الآتية: الفصل الأول: في تعريفه، وبيان محل الخلاف والوفاق فيه. الفصل الثاني: في بيان مذاهب العلماء فيه. الفصل الثالث: في بيان أدلة الإمام مالك فيما ذهب إليه من القول بالمناسب المرسل، ومناقشتها. الفصل الرابع: في بيان رأي الإمام أحمد في الأخذ به. الفصل الخامس: في ذكر أدلة مذهب القاضي، ومن وافقه، ومناقشتها. الفصل السادس: في أدلة مذهب الإمام الشافعي، وبيان موقفه من الأخذ بالمناسب المرسل. الفصل السابع: في بيان رأي الإمام أبي حنيفة وأتباعه في اعتبار المرسل. الفصل الثامن: في رأي الغزالي، وبيان وجه ما ذهب إليه من القول بالمرسل إذا كانت المصلحة ضرورية، قطعية، كلية. الفصل التاسع: في أدلة مذهب الطوفي فيما ذهب إليه من تقديم المصلحة على النص والإجماع، ومناقشتها. فصل: هل تنخرم مناسبة الوصف لوجود مفسدة مساوية لها، أو راجحة، أو لا تنخرم؟ خاتمة: في بعض نتائج البحث التي توصلت إليها. هذا ... وإنني قد رأيت أن أتخذ طريقة أرمز بها للتحويل على المراجع اختصاراً، وهي إنني في التحويل على المرجع لبيان الجزء والصفحة أستعمل الرمز الآتي وهو: "الأحكام للآمدي ٣/١٨٦" مثلاًَ، للاختصار، وإذا كنت نقلت عن الكتاب مخطوطاً ومطبوعاً، أشير للمخطوط بحرف "خ"، والمطبوع بحرف "ط"،

стр. 6

وإذا كان نقلي عن المطبوع فقط، فقد رأيت أن أؤخر بيان الطبعة إلى ذكره في المراجع. هذه هي عناصر البحث التي بحثتها، وطريقة البحث التي سلكتها فأرجو أن أكون قد وفقت، وساهمت بعملي هذا في ناحية من نواحي شريعتنا الغراء، فإن كنت قد وفقت فمن الله، وإن كنت قد أخطأت فمني، وأرجو الله المغفرة والتوفيق لصالح العمل، وأن يجعل عملي هذا وسيلة إلى مرضاته، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...

стр. 7

تمهيد ... الفصل الأول: في تعريف القياس القياس في اللغة: القياس، والقيس مصدران لقاس، يقال: قاسه بغيره وعليه، يقيسه قيساً وقياساً، واقتاسه إذا قدره عل مثاله١. وقسته - بضم القاف - أقوسه قوساً، وهو من ذوات الواو والياء٢. وللأصوليين في حكاية معني القياس اللغوي ثلاثة آراء: الأول: أنه حقيقة في التقدير، أي في معرفة قدر الشيء بالآخر، كما تقول: قست الأرض بالقصبة، وقست الثوب بالذراع، أي قدرته به٣. وإلى هذا ذهب الأسنوي٤، تبعاً للآمدي٥. فالمناسبة على هذا القول بين المعنى اللغوي، وبين المعنى الاصطلاحي - الآتي بيانه - إنما هي استعمال اسم الملزوم في اللازم، وقد أشار إلى ذلك الأسنوي بقوله: "إن التقدير يستدعي التسوية، فالتقدير يستلزم شيئين ينسب أحدهما إلى الآخر بالمساواة، وبالنظر إلى هذا - أعني المساواة - عبر الأصوليوين عن مطلوبهم بالقياس"٦.

стр. 8

وقد اعترض على هذا القول بأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة على المجاز، لأن المجاز خلاف الأصل، إذ يحتاج في دلالته إلى قرينة، والحقيقة لا تحتاج، وما لا يحتاج في دلالته أولى مما يحتاج١. الثاني: أنه مشترك اشتراكاً لفظياً بين كل من: - التقدير، نحو قست الثوب بالذراع. - والمساواة، كما في قولك فلان لا يقاس بفلان، أي لا يساويه. - والمجموع المركب منهما، تحو قست النعل بالنعل، أي قدرته به فساواه، وهو ظاهر كلام العضد٢، كما فهمه سعد الدين التفتازاني٣ في حاشيته أخذاً من تمثيل العضد بالأمثلة الثلاثة، حيث قال السعد: "تمثيله بالأمثلة الثلاثة مشعر بأن المراد أنه قد يكون بهما جميعاً، وقد يكون للتقدير فقط، أو للمساواة فقط"٤، والأصل في الاستعمال الحقيقة، وقد اعترض على هذا القول بأمرين: الأول: أن الاشتراك٥ خلاف الأصل، لأن الأصل عدم تعدد الوضع. الثاني: أنه يحتاج في دلالته على المراد منه إلى قرينة، لأنه مشترك بين معنيين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، وحمل اللفظ على أحد المعنيين أو المعاني بدون

стр. 9

قرينة تعينه تحكم، وما لا يحتاج أولى مما يحتاج، وهو كونه مشتركاً معنوياً١. الثالث: أنه مشترك معنوي، وهو كلي تحته فردان: أحدهما: استعلام القدر أي معرفة قدر الشيء، نحو قست الثوب بالذراع. الثاني: التسوية، ولو كانت معنوية نحو فلان لا يقاس بفلان، أي لا يساويه، واستعماله في أحدهما لا بخصوصه حقيقة لا مجاز، وإلى هذا ذهب الأكثر، كما في تحرير الكمال بن الهمام٢، وقد نصره شارحه٣ بأن التواطؤ٤ مقدم على الاشتراك اللفظي والمجاز إذا أمكن، وقد أمكن٥. وهذا الرأي هو الراجح لسلامته من الاعتراضات. بم يتعدى لفظ القياس؟ يرى بعض الأصوليين أن القياس وإن وردت تعديته بالباء في اللغة، كما في قول الشاعر: خف يا كريم على عرض يدنسه ... مقال كل سفيه لا يقاس بكا

стр. 10

فإن المستعمل منه في الشرع إنما يتعدى بعلى، لتضمنه معنى البناء والحمل، فإن انتقال الصلة من الأصل إنما يكون للتضمين١. ولا يخالف هذا ما تقدم عن أهل اللغة من أنه يتعدى بالباء وبعلى، حتى يقال: لا حاجة إلى التضمين، إذ هو في اصطلاح المتشرعة لا تطرد تعديته إلا بعلى، وليس هو الأصل في تعدية القياس٢. القياس في اصطلاح الأصوليين: اختلف الأصوليون أولاً في إمكان حد القياس، فقال إمام الحرمين٣: "يتعذر الحد٤ الحقيقي لقياس، لاشتماله على حقائق مختلفة: كالحكم، فإنه قديم، والفرع والأصل، فإنهما حديثان، والجامع فإنه علة، وكل ما قيل في تعريفه فإنه رسوم"٥.

стр. 11

ووافقه ابن المنير١ شارحه على تعذر الحد، لكن العلة عنده في ذلك كونه نسبة وإضافة، وهي عدمية، والعدم لا يتركب من الجنس٢ والفصل٣ الحقيقيين الوجوديين٤. وقال الجمهور: يمكن حده "ولعل مرادهم أنه يحد حداً اسمياً٥، فإنه من الأمور الاصطلاحية الاعتبارية التي تكون حقائقها على حسب الاصطلاح والاعتبار، ولا يمكن أن يحد حداً حقيقياً، وبذلك يصح لك الحكم بأن هذا الخلاف لفظي"٦. واختلفوا ثانياً في تعريفه، فعرفه بعضهم بتعريفات غير مرضية، وعرفه البعض الآخر بتعريفات مختارة. ولما لم يكن من موضوعي استقصاء جميع التعاريف التي عرف بها، فقد رأيت أن أكتفي بإيراد بعض التعاريف التي لم ترض مع بيان وجه الرد، دون التعرض إلى

стр. 12

شرحها، خشية الوقوع في التطويل الممل، ثم أتبع ذلك بالتعاريف المختارة، مع شرحها وبيان ما ورد عليها، والإجابة عند قدر المستطاع. أمثلة من التعاريف التي لم يرتضها الأصوليون للقياس: منها: قول بعضهم "القياس إصابة الحق"، وهو منقوض بإصابة الحق بالنص والإجماع١. ومنها: قول بعضهم أنه "بذل الجهد في استخراج الحق"، وهو باطل باستخراج الحق بالنص والظاهر، والإجماع٢. ومنها: قول بعضهم هو "التشبيه"، ويلزم عليه أن يكون تشبيه أحد الشيئين بالآخر في المقدار وفي بعض صفات الكيفيات - كالألوان والطعوم ونحوها - قياساً شرعياًَ، إذ الكلام إنما هو في حد القياس في اصطلاح المتشرعين، وليس كذلك٣. ومنها قول بعضهم، القياس هو "الدليل الموصل إلى الحق"، وهو باطل بالنص٤، والإجماع٥.

стр. 13

ومنها: قول بعضهم هو "العلم الواقع بالمعلوم عن نظر"، وهو أيضاً باطل بالعلم الحاصل بالنظر في دلالة النص، والإجماع١. وقال أبو هاشم٢: "إنه حمل الشيء على غيره، وإجراء حكمه علي"، وهو باطل من وجهين: الأول: أنه غير جامع، لأنه يخرج منه القياس الذي فرعه معدوم، ممتنع لذاته، فإنه ليس بشيء٣ على الراجح. الثاني: أن حمل الشيء على غيره، وإجراء حكمه عليه قد يكون من غير جامع، فلا يكون قياساً، وإن كان بجامع، فيكون قياساً، وليس في لفظه ما يدل على الجامع، فكان لفظه عاماً للقياس، ولما ليس بقياس، فيكون غير مانع. وقال القاضي عبد الجبار٤: "إنه حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه بضرب من

стр. 14

الشبه، وهو باطل بما أبطلنا به حد أبي هاشم في الوجه الأول"١. التعريفات المختارة هي: ١ - تعريف ابن الحاجب٢. ٢ - تعريف البيضاوي٣. ٣ - تعريف ابن السبكي٤. التعريف الأول: قال ابن الحاجب: "مساواة فرع لأصل في علة حكمه"٥. شرح التعريف: المساواة من النسب التي لا تعقل، ولا تتحقق إلا بين متعدد، فالمساواة المماثلة، وهي كالجنس يشمل كل مساواة، كمساواة فرع لأصل، أو فرع لفرع، أو فعل لفعل، أو ذات لذات. فقوله فرع، قيد خرج به مساواة ذات لذات كمساواة زيد لعمرو، وأصل قيد خرج به مساواة فرع لفرع، كمساواة الأرز للذرة في الربا، وكلاهما فرع عن

стр. 15

أصل هو البر. وقوله في علة حكمه قيد خرج به ما كان الاشتراك فيه لدلالة نص أو إجماع١. والمراد بالفرع محل لم ينص أو يجمع على حكمه، وبالأصل محل نص أو أجمع على حكمه، وبالعلة الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على حكمة صالحة؛ لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم، وسيأتي لهذا زيادة بيان في محله إن شاء الله تعالى. وهذا التعريف قد تضمن أركان القياس، وهي: الأصل والفرع، والعلة، والحكم، الآتي بيانها إن شاء الله تعالى. الاعتراضات الواردة على هذا التعريف والجواب عنها: الاعتراض الأول: أن المساواة هنا وردت مطلقة، لم تقيد بما في نفس الأمر، أو بنظر المجتهد، والأول فردها الكامل، فإذا أطلقت انصرفت إليه، فالقياس على هذا ما كانت فيه مساواة في نفس الأمر، فما لا مساواة فيه في نفس الأمر فليس بقياس، مع أنه قياس. فالتعريف غير جامع، لعدم شموله للقياس الفاسد، فكان عليه أن يزيد "في نظر المجتهد" ليعم الصحيح والفاسد. وقد أجاب عنه الكمال بن الهمام وشارحه بما ملخصه أن محل القيد بنظر المجتهد إنما يلزم المصوبة القائلين بأن كل مجتهد مصيب، لأن المساواة عندهم لما لم تكن إلا المساواة في نظره، كان الإطلاق لها كقيد مخرج للأفراد، إذ يفيد الإطلاق التقييد بما في نفس الأمر، وافق نظره أولاً، حتى كأنه قيل: مساواة في نفس الأمر، ولا مساواة عندهم في نفس الأمر أصلاً، بل في نظر المجتهد، فكان قيداً مخرجاً لجميع أفراد المحدود، فلا يصدق الحد على شيء منها، فكان باطلاً٢. والأصوليون هنا بين مخطئة ومصوبة:

стр. 16

أما المخطئة فيرون أن المصيب واحد لا بعينه، فالقياس الصحيح عندهم ما كان بحسب الواقع ونفس الأمر، فما لم يكن كذلك فليس بصحيح، وما ظهر غلطه ووجب الرجوع عنه، لا يرون أنه محكوم بصحته إلى زمن ظهور غلطه، بل مما كان فاسداً، وتبين فساده. وأما المصوبة الذين يرون أن كل مجتهد مصيب، فالقياس الصحيح عندهم هو "ما حصلت في المساواة في نظر المجتهد، سواء ثبتت في نفس الأمر، أم لا، حتى لو ظهر غلطه ووجب الرجوع عنه، فإنه لا يقدح في صحته عندهم، بل ذلك انقطاع لحكمه لدليل صحيح آخر حدث، وكان قبل حدوثه، القياس الأول صحيحاً، وإن زالت صحته"١. فإذا رجع عنه المجتهد سمي حينئذ قياساً فاسداً. والحاصل أن القياس المرجوع عنه يعمل به قبل الرجوع عنه باتفاق الجميع، وبعد الرجوع عنه لا يعمل به اتفاقاً، وإنما الخلاف بين المخطئة، والمصوبة في أن القياس المرجوع عنه إذا ظهر فساده هل كان قبل ذلك يسمى صحيحاً، وإليه ذهب المصوبة أو كان يسمى فاسداً، وإليه ذهب المخطئة، فالخلاف في التسمية٢. الاعتراض الثاني: قيل: هذا التعريف غير جامع؛ لأنه لا يشمل الأقيسة الآتية: ١ - قياس الدلالة: وهو ما جمع فيه بلازم العلة، كقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة المشتدة، وهي لازمة للعلة التي هي الإسكار، أو بحكمها، كقطع الجماعة بالواحد قياساً على قتلهم به بجامع وجوب الدية عليهم، وهو حكم العلة التي هي حصول القطع منهم خطأ في الصورة الأولى، وكذا القتل في الثانية.

стр. 17

٢ - القياس في معنى الأصل: وهو الجمع بين الفرع والأصل بإلغاء الفارق، كقولك الأمة كالعبد في سراية العتق بجامع أن لا فارق. ٣ - قياس الشبه: وهو ما جمع فيه بين الفرع والأصل بوصف شبهي١، كالصلاة مثلاً في قولك: الجلسة الأولى في الصلاة، كالجلسة الثانية صورة، فتجب وجوبها. ٤ - قياس العكس: وهو ما جمع فيه بين الفرع والأصل بنقيض العلة ونقيض الحكم، كقول الحنفي لو لم يكن الصوم شرطاً لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لما كان شرطاً له بالنذر، لكنه وجب بالنذر، فيجب عند الإطلاق، قياساً على الصلاة، فإنها لم تجب عند الإطلاق لم تجب بالنذر. فالمطلوب في الفرع إثبات كون الصوم شرطاً لصحة الاعتكاف، والثابت في الأصل نفي كون الصلاة شرطاً له، فحكم الفرع نقيض حكم الأصل، كما افترقا في العلة، إذ هي في الأصل أن الصلاة ليست شرطاً للاعتكاف بالنذر، وهي لا توجد في الصوم، لأنه واجب بالنذر٢.

стр. 18

أجابوا عن الاعتراضات - بخروج الأقيسة المذكورة - إجمالاً بأن التعريف المذكور إنما هو لقياس العلة، لأن اسم القياس يطلق عليه بدون قيد، فهو حقيقة فيه، وأما المذكورات، فإطلاق اسم القياس عليها مجاز، لأنه لا يطلق عليها إلا مقيداً، فيقال: قياس الدلالة، والقياس في معنى الأصل ... الخ، ولزوم القيد إمارة المجاز١. وأما تفصيلاً، فإنه يجاب: "عن قياس الدلالة بأنا لا نسلم أن الجمع فيه بين الأصل والفرع بغير العلة، بل بها وإن لم يصرح بها اكتفاء بما يتضمنها، وكذا يقال في القياس الذي في معنى الأصل. وعن قياس الشبه وحده بأنا لا نسلم أن الجمع فيه بغير العلة، فإن المراد بالعلة مطلق المعرف، فيشمل الوصف الشبهي، بل والطردي٢

стр. 19

عند من يجوزه"١. وأما قياس العكس فيجاب عنه بأنا لا نسلم بأنه غير جامع له، فإن الذي سميتموه قياس العكس، إنما هو تلازم والقياس لبيان الملازمة، لأن المستدل

стр. 20

يقول: لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف عند الإطلاق، لم يكن واجباً بالنذر، فيكون شرطاً لصحة الاعتكاف عند الإطلاق، كالصلاة، فإنها لما لم تكن شرطاً في الاعتكاف لم تجب بالنذر. فعلى فرض عدم وجوب الصوم عند الإطلاق لم يجب بالنذر، فالمساواة حاصلة بين الصلاة والصوم في عدم الوجوب بالنذر، وإن لم تكن حاصلة في نفس الأمر. فالأصل في هذا القياس هو الصلاة، والفرع فيه الصوم، والعلة الجامعة بينهما هي عدم اشتراط كل منهما في صحة الاعتكاف عند الإطلاق، والحكم الثابت في الأصل والفرع هو عدم الوجوب بالنذر، فهذا هو عين الملازمة، والممثالة حاصلة على سبيل الفرص والتقدير١. وقد أجيب عنه بأجوبة أخرى تركتها، لأنني رأيت في الجواب الأول عن كل الأقيسة الخارجة على التعريف، وفي هذا عن قياس العكس خاصة ما فيه الكفاية، والله تعالى أعلم. الاعتراض الثالث: هذا التعريف يلزم عليه الدور، وذلك أن "الأصل" هو المقيس عليه و "الفرع" هو المقيس، وقد وقعا جزئين في التعريف. فبهذا الاعتبار يتوقف القياس عليهما، إذا لا يتصور المحدود إلا بعد تصور الحد، ولا يمكن تصور الحد إلا بعد تصور كل جزء من أجزائه، وباعتبارهما مشتقين من القياس يتوقفان عليه، لأن المشتق فيه المشتق منه وزيادة، فيكون القياس جزءاً منه، ومعرفة الكل متوقفة على معرفة أجزائه، فهما متوقفان على القياس، فتوقف كل منهما على الآخر، وهذا دور، وهو باطل.

стр. 21

وأجيب عنه بأن المراد من "الأصل" في التعريف المحل الذي نص أو أجمع على حكمه، و"الفرع" المحل الذي لم ينص أو يجمع على حكمه. وهما بهذا الاعتبار غير متوقفين على القياس، وإنما يتوقف عليهما القياس، فقط فلا دور١. وأورد الدكتور عثمان مريزيق٢ ﵀ اعتراضاً على هذا، وأجاب عنه بما نصه: "أن ملاحظة كل من الأصل، والفرع بغير وصف المقيسس والمقيس عليه بعيد عن اصطلاح الأصوليين"، قال: ولنا جوابان: الأول: أن المذكور في التعريف هو كلمتا "الأصل، والفرع"، وهما غير مشتقين من القياس، وإن كان مفسرهما: "المقيس، والمقيس عليه" فهما مشتقان منه، وفد قال العلماء: إن الاشتقاق من أحكام اللفظ لا من أحكام المعنى. الثاني: حتى لو فرضنا وقوع كلمتي "المقيس والمقيس عليه" في التعريف لم يرد اعتراض، ذلك أن القياس الذي هو بمعنى الحدث، والاشتقاق المعرف ليس مصدراً، بل هو علم على حقيقة مصطلح عليها، فما كان مشتقاً منه غير معرف والمعرف غير مشتق منه، فلا توقف من الجانبين٣. التعريف الثاني للبيضاوي: قال ﵀: "إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر، لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت"٤.

стр. 22

وهذا التعريف ذكره الإمام في المحصول، وأصله لأبي الحسين البصري١، وإن كان الإمام غير بعض قيوده بما هو أحسن منه. قال الإمام٢: "التعريف الثاني ما ذكره أبو الحسين البصري، وهو أنه "تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد"، وهو قريب، وأظهر منه أن يقال: إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر، لأجل اشتراكهما في علة الحكم عند المثبت"٣. فتعريف الإمام لم يختلف عن تعريف البيضاوي إلا بإبداله كلمة اشتباههما بكلمة اشتراكهما، والتعبير بالاشتراك أدق من التعبير بالاشتباه، إذ يفيد الاشتباه التعدد في العلة، ضرورة تعدد المشبه والمشبه به، بخلاف الاشتراك، فإنه يفيد اتحاد العلة، وإن كان لا بد في ذلك من قطع النظر في تعدد المحل، لكن يرد عليه أن الشبه يقتضي الاتحاد في المماثلة فيتساويان في اتحاد العلة، كما في الاشتراك. شرح التعريف: قال الأسنوي: "قوله إثبات كالجنس، دخل فيه المحدود وغيره، والقيود التي بعده كالفصل"٤، وهي خمسة، منها ما هو للاحتراز، وهي ثلاثة: الحكم المقدر، ومثل، ولاشتراكهما في علة الحكم. ومنها ما هو لبيان المحل، وهو قوله في معلوم آخر، ومنها ما هو للإدخال، وهو قوله: عند المثبت.

стр. 23

وقد يطلق الإثبات عرفاً على الإخبار بالثبوت، "والمراد بالإثبات هنا هو القدر المشترك بين العلم، والاعتقاد، والظن، "لأنا إذا أثبتنا، فقد نعلم ثبوت الحكم في الفرع، وقد نعتقده اعتقاداً جازماً لا يحتمل عدم المطابقة، وقد نظنه"١، سواء تعلقت هذه الثلاثة بثبوت الحكم، أو عدمه، والقدر المشترك بينهما هو حكم الذهن بأمر على أمر٢، لأن القياس يجري في الحكم المثبت، والمنفي، كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة، والكلب على الخنزير في عدم جواز بيعه بجامع النجاسة في كل٣. وتفسير الإثبات بالقدر المشترك بين المذكورات يفيد أنه أعم من أن يكون إثباتاً قطعياً، أو ظنياً، فيشمل كلا قسمي القياس المقطوع والمظنون٤. قوله: مثل قيد أول، احترز به عن الإثبات خلاف الحكم، فإنه لا يكون قياساً٥، وهو صفة لموصوف تقديره إثبات حكم مثل، وإنما كان أصلاً لأن حكم الأصل محله الأصل، وحكم الفرع محله الفرع، ولأنّ حكم الأصل ثبت بالنص أو الإجماع، وحكم الفرع ثبت بالقياس، ولأن حكم الأصل متفق عليه، وحكم الفرع مختلف فيه. وأما تصور المثل، فقد اختلف فيه العلماء: فذهب بعضهم إلى أنه نظري يحتاج إلى نظر وفكر، ولهذا عرفه بأنه ما اتحد مع غيره في النوع أو الجنس، وخالفه في العوارض. مثال الأول: وجوب القصاص بالمثقل قياساً على وجوبه بالمحدد، لأنهما فردان لنوع واحد، هو الوجوب الذي هو نوع من الحكم التكليفي.

стр. 24

ومثال الثاني: إثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها، قياساً على إثبات الولاية في مالها، فإن كلاً منهما نوع مندرج تحت جنس الولاية، وعلى هذا فالمثل لا يسوغ وقوعه في التعريف، لأن التعريف معناه التوصل بالمعلوم إلى المجهول١. وذهب بعض العلماء إلى أن تصور المثل بديهي، لا يحتاج إلى نظر واستدلال، ولذا جاز وقوعه في التعريف؛ لأن كل عاقل يعلم بالضرورة أن الحارّ مثل للحار في كونه حارّاً، ومخالف للبارد في ذلك، فلو لم يكن تصور المثل بديهياً، لزم أن لا يعلمه بعض العقلاء بالضرورة، لكن التالي باطل، لأن كل عاقل يعلم بالضرورة أن الحار مثل للحار في كونه حاراً٢، فالمقدم وهو عدم كونه بديهياً مثله. ويرى الأسنوي أن البيضاوي إنما عبر بالمثل لأن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الثابت في الأصل، لاستحالة قيام الواحد بالشخص بمحلين، بل الثابت مثله٣. ورده الكمال ابن الهمام بأن حكم كل من الأصل والفرع واحد بالشخص له إضافتان: إضافة إلى الأصل، باعتبار تعلقه به، وباعتباره به يسمى حكم الأصل. وإضافة إلى الفرع، باعتبار تعلقه به، وباعتباره يسمى حكم الفرع، فلا تعدد في ذاته بتعدد المحل أصلاً، بل هو واحد له تعلق بكثيرين فالتحريم المضاف إلى الخمر، هو بعينه المضاف إلى النبيذ، كما أن القدرة شيء واحد متعلق بالمقدورات، فلم يقتض تعدد تعلقاتها تعددها. وما ذكر من أن المعنى الشخصي لا يقوم بمحلين، إنما هو في العرض

стр. 25

الشخصي كالبياض المخصوص القائم بثبوت معين، يمتنع أن يقوم بعينه بثوب آخر، وما هنا فمجرد إضافات متعددة لواحد شخصي١. قوله حكم، أشار به إلى الركن الأول، وهو حكم الأصل، قال الأسنوي: "والمراد به هنا نسبة أمر إلى آخر، ليكون شاملاً للشرعي، والعقلي، واللغوي إيجاباً كان أو سلباً"٢. ولم يرَ اختصاصه بالحكم الشرعي الذي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء أو التخيير، ولعله إنما ذهب إلى ذلك لأن البيضاوي يرى القياس في الشرعيات، والعقليات، واللغويات، فأراد أن يكون التعرف شاملاً للجميع. لكن يرد عليه ما ذكره في تعريف الأركان من "أن المصنف لما بين الحكم في أول الكتاب، لم يتعرض هنا إلى بيانه"٣. والذي تقدم للمصنف في بيان الحكم هو قوله "الحكم خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير"٤، فاحترز هنا عن العقلي واللغوي. وقوله معلوم، أشار به إلى الركن الثاني، وهو الأصل، والمراد بالمعلوم المتصور، وعبر به ليشمل جميع ما يجري فيه القياس من موجود ومعدوم. وليس المراد به العلم المصطلح عليه، الذي هو الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل بحيث لا يحتمل النقيض، لأن القياس، وإن كان قد يفيد القطع، فإنه أكثر ما يفيد الظن٥. وقوله في معلوم آخر أشار به إلى الركن الثالث وهو الفرع الذي ثبت حكمه بالقياس.

стр. 26

وقوله لاشتراكهما في علة الحكم، أشار به إلى الركن الرابع، وهو العلة الآتي تعريفها، وقيد بالاشتراك، لأن القياس لا يمكن في كل شيء، بل إذا كان بينهما مشترك يوجب الاشتراك في الحكم. وهو قيد احترز به عن إثبات مثل حكم معلوم في معلوم، لا للاشتراك في العلة بل لدلالة نص، أو إجماع، فإنه لا يكون قياساً١. وقوله عند المثبت، ذكره ليتناول الصحيح والفاسد في نفس الأمر، والمراد بالمثبت القائس، فهو يعم المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد، الذي يقيس على مذهب إمامه٢. الاعتراضات الواردة على هذا التعريف، والإجابة عنها: الأول: ما ذكره الآمدي، وقال: "إنه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أن الحكم المثبت في الفرع متفرع على القياس إجماعاً، فجعله ركناً في الحد، يقتضي توقف القياس عليه، وهو دور ممتنع"٣. وقد يجاب عنه: بأن الدور إنما يلزم لو كان التعريف حداً حتى يكون الإثبات جزءاً من القياس، فيتوقف القياس عليه، ونحن لا نسلم أن التعريف حد، بل ندعي إنه رسم، كما أشار إليه إمام الحرمين في البرهان، فعلى هذا يكون الإثبات خاصة من خواص القياس، وليس حقيقة فيه، فحمل الإثبات عليه حمل "ذو"، أي أن القياس ذو إثبات أي في إثبات، فالتعريف بالخاصة لا يوجب الدور لانفكاك الجهة، لأن خاصة الشيء تتوقف عليه من جهة وجودها ضرورة، لأنها عرض، والعرض لا بد له من محل يقوم به.

стр. 27

أما الشيء فقد يتوقف في تصوره على الخاصة من حيث تصوره، لا من حيث وجوده، فانفكت الجهة، فلا دور١. الاعتراض الثاني: أن القياس دليل شرعي في ذاته، نصبه الشارع دليلاً على الحكم الشرعي، نظر فيه المجتهد، أو لم ينظر، فتعريفه بالإثبات الذي ينبئ أنه فعل المجتهد غير صحيح. ولهذا الاعتراض اختار ابن الحاجب في مختصره تعريف القياس بأن "مساواة فرع لأصل في علة حكمه"، ونسبة الزركشي٢ في البحر إلى المحققين٣. كما اختاره صاحب مسلم الثبوت٤، واعتبر إطلاقه على ما يدل على أنه فعل المجتهد مسامحة، قال شارحه٥: "لأن القياس حجة إلهية، موضوعة من قبل الشارع لمعرفة أحكامه، وليس هو فعلاً لأحد، لكن ما كان معرفته بفعل المجتهد ربما يطلق عليه مجازاً٦.

стр. 28

وكذلك اختار الكمال بن الهمام مثل تعريف ابن الحاجب، وذكر أن أكثر عباراتهم تفيد كون القياس فعل المجتهد١. وأجاب العطار٢ عن هذا الاعتراض "بأن كونه فعل المجتهد، لا ينافي أن ينصبه الشارع دليلاً، إذ لا مانع من أن ينصب الشارع فعل المجتهد"٣، دليلاً له ولمن قلده. وتبعه على ذلك شارح التحرير، واستدل عليه بأن الإجماع دليل نصبه الشارع، مع أنه فعل المجتهد٤. هل للخلاف ثمرة؟ ذكر الدكتور عثمان مريزيق ﵀ بأن الخلاف بين الشقين لفظي؛ لأن من جعله فعل المجتهد، لا ينكر أن المجتهد لا يعطي شيئاً حكم شيء إلا إذا كان بينهما مساواة، غير أن المجتهد له فكره واستنباطه، فمن نظر إلى ذلك عبر عنه بما يفيد أنه فعل المجتهد. ومن نظر إلى الواقع في نفس الأمر عبر عنه بالمساواة، فتلاقت العبارات ولم ينقض بعضها بعضاً، والله تعالى أعلم٥. الاعتراض الثالث: أن التعريف غير جامع، لخروج قياس الدلالة، والقياس في معنى الأصل، وقياس الشبه، وقياس العكس، وهذا الاعتراض سبق الجواب عنه فيما أورد على تعريف ابن الحاجب بما أغنى عن إعادته.

стр. 29

التعريف الثالث: لابن السبكي: قال ﵀: "حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه"، وفسر المحلى١ حمل المعلوم على المعلوم بإلحاقه في حكمه٢. وبين العطار في حاشيته المراد بالحمل بما نصه: "والمراد بحمل المعلوم على المعلوم إثبات حكمه له، والمراد بالإثبات القدر المشترك بين العلم والظن، أي أعم من أن يكون إثباتاً قطعياً، أو ظنياً، فيشمل كلا قسمي القياس المقطوع والمظنون"٣. فعلى ما قال العطار، يكون هذا التعريف مساوياً لتعريف البيضاوي، السابق من غير فرق، إلا في اللفظ، فجميع ما قيل في تعريف البيضاوي يقال في هذا التعريف، والله تعالى أعلم. الموازنة بين التعريفات المختارة المتقدمة: يتضح من التعريفات المتقدمة أن الأصوليين سلكوا في تعريف القياس طريقتين: الأولى: سلك أهلها في التعريف ما ينبئ بأنه فعل مجتهد، فعبروا عنه بالإثبات، والإلحاق وما في معناهما استناداً إلى المساواة في علة الحكم؛ لأن المجتهد له نظره وفكره واستنباطه، وإن كان لا يعطي شيئاً حكم شيء إلا إذا كان بينهما مساواة في نفس الأمر في نظره. الثانية: اعتبر أهلها القياس دليلاً نصبه الشارع دليلاً على الحكم الشرعي،

стр. 30

نظر فيه المجتهد أو لم ينظر، فعبروا عنه بالمساواة، لأن عمل المجتهد أثر مترتب عليها بتحقيق مساواة الفرع للأصل في حكم العلة الجامعة بينهما. وبهذا يظهر للمتأمل أنهما يتفقان في أن المعوَّل عليه في القياس هو المساواة في العلة، وأن المعتبر في تحقق هذه المساواة هو نظر المجتهد، واستنباطه الذي يتحقق به وجود القياس الذهني والخارجي بتحقق أركان القياس الأربعة، وكلتا الطريقتين موصلة إلى الغرض المقصود من تعريف القياس، وإن كان لكل منهما حظاًَ من النظر. فالخلاف بينهما خلاف لفظي اعتباري لا يترتب عليه أثر كما تقدم، فلا حرج على من أخذ بكل من الطريقتين. ونظراً لاتفاق التعريفات السابقة في المقصود من تعريف القياس، لم يترجح لي أحد التعريفات السابقة على غيره، والله تعالى أعلم. أركان القياس: الأركان: جمع ركن، وركن الشيء جانبه الأقوى، فأركان الشيء أجزاء ماهيته١، التي لا يحصل إلا بحصولها، داخلة في حقيقته محققة لهويته. "وهو في الاصطلاح جزء الشيء الذي لا يتحقق إلا به". وأركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع، وأما حكم الفرع فثمرة القياس، فيتأخر عنه، فلا يكون ركناً له"٢. مبحث الأصل، والفرع: اختلف الأصوليون فيما يسمى من أركان القياس أصلاً، وما يسمى فرعاً، ولهم في ذلك ثلاثة مذاهب:

стр. 31

الأول: مذهب الفقهاء، قالوا: إن المشبه به يسمى أصلاً، والمشبه يسمى فرعاً، فإذا قلنا: النبيذ مسكر فيحرم قياساً على الخمر، بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ١. فالأصل هو الخمر، لأنه المشبه به، والفرع هو النبيذ، لأنه المشبه، والحكم هو التحريم، والعلة هي الإسكار. الثاني: مذهب المتكلمين، وهو أن الأصل دليل حكم المشبه به كالذي أثبت التحريم في الخمر، في المثال الآنف المذكور، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ... ﴾ الآية. والفرع هو الحكم في المشبه، قال الأسنوي: قياسه أن يكون فرعه المقابل له هو حكم المحل المشبه به، كتحريم الخمر٢. الثالث: مذهب الإمام الفخر الرازي، وهو "أن الحكم أصل في محل الوفاق، فرع في محل الخلاف، والعلة أصل في محل الخلاف، فرع في محل الوفاق، فللقياس عنده كما ترى أصلان، وفرعان٣. سبب الخلاف: ذكر الآمدي أن الأصل يطلق في أمرين: الأول: ما بني عليه غيره، كقولنا أن معرفة الله أصل في معرفة رسالة الرسول، من حيث أن معرفة الرسول تبنى على معرفة الرسل.

стр. 32

الثاني: ما عرف بنفسه من غير افتقار إلى غيره، وإن لم يبن عليه غيره، وذلك كما تقول في تحريم الربا في النقدين، فإنه أصل وإن لم يبن عليه غيره، وعلى هذا اختلف العلماء في الأصل في القياس١. وجهة نظر أهل المذاهب: أما الفقهاء فقالوا: إن الأصل هو المحل، لتعلق النص والحكم به ضرورة، وذلك أن الحكم صفة فلا بد لها من موصوف تقوم به. والنص يثبت حكماً كذلك في محل، بينما المحل في غير حاجة إليهما، لجواز خلوه عن الحكم، وعن الدليل كما كان قبل البعثة، فكان الخمر خمراً. وهذا الرأي نقله ابن الحاجب عن الأكثرين، وقال الآمدي: أنه الأشبه، لما ذكرت، وقال المحلي: إنه الأقرب٢. وبين الشربيني٣ وجه القرب بقوله: "لأن القياس وقع بين الذاتين، وإن كان المقصود بيان الحكم"٤، وجوز الإمام تسميته أصلاً لذلك٥. وأما المتكلمون فقال: إن الحكم الثابت في محل الوفاق مستفاد من النص المثبت له، فكان النص هو الأصل، لأن الحكم مستفاد منه. ولذا قال الإمام: "ثبت أن الحكم الحاصل في محل الوفاق أصل، وثبت أن

стр. 33

النص أصل ذلك الحكم، فكان النص أصلاً لأصل الحكم المطلوب، وأصل الأصل أصل، فيجوز تسمية ذلك النص بالأصل على ما هو في قول المتكلمين"١. وأما الإمام فوجه مذهبه "بأنا ما لم نعلم ثبوت الحكم في محل الوفاق، لا نطلب علته، وقد نعلم ذلك الحكم، ولا نطلب علته أصلاً، فلما توقف إثبات علة الحكم في محل الوفاق على إثبات ذلك الحكم، ولم يتوقف إثبات ذلك الحكم على إثبات علته، فلا جرم كانت العلة فرعاً على الحكم في محل الوفاق، والحكم أصلاً فيه. وأما في محل الخلاف فما لم نعلم حصول العلة فيه، لا يمكننا إثبات الحكم فيه قياساً، ولا ينعكس، فلا جرم كانت العلة أصلاً في محل الخلاف، والحكم فرعاً فيه"٢. وصحح ابن الحاجب وجه كون العلة أصلاً في محل الخلاف، وتبعه العضد، وقال السعد: "لأن في ذلك حقيقة الابتناء، وفيما عداه لا بد من تجوز، وملاحظة واسطة تظهر بالتأمل"٣. الموازنة: يتضح مما تقدم أن جميع تلك الأقوال لا تخرج عما في اللغة من أن الأصل ما يبنى عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره. ولذا قال الآمدي: "واعلم أن النزاع في هذه المسألة لفظي، وذلك أنه إذا كان معنى الأصل ما يبنى عليه غيره، فالحكم أمكن أن يكون أصلاً، لبناء الحكم في الفرع عليه ... وإذا كان الحكم في الخمر أصلاً، فالنص الذي به معرفة الحكم يكون أصلاً للأصل".

стр. 34

وعلى هذا فأي طريق عرف به حكم الخمر من إجماع أو غيره، أمكن أن يكون أصلاً، وكذلك الخمر، فإنه إذا كان محلاً للفعل الموصوف بالحرمة، فهو أيضاً أصل للأصل "باعتبار تعلقه" فكان أصلاً١. وصرح العضد بأنه "لا بعد في الكل، لأن الحكم في الفرع يبنى على الحكم في الأصل، وهو على مأخذه ومحله، فالكل يبنى عليه الحكم في الفرع ابتداء، أو بواسطة، فلا بعد في التسمية"٢. ولذا ختم الإمام كلامه على الموضوع بأن لقول المتكلمين وجهاً، وبأنه يساعد الفقهاء فيما ذهبوا إليه، لئلا يفتقر إلى تغيير مصطلحهم٣، أن حكم الأصل هو الحكم الشرعي الثابت في الأصل، والذي يطلب المجتهد تعديته من الأصل إلى الفرع بطريق القياس. هذا ولما كان التعرض لهذه المسألة إنما هو من باب المدخل إلى الغرض، فإنني أكتفي بهذا القدر الموجز، خشية الخروج عن الموضوع، والإطالة باستعراض ما زاد عن الحاجة، وأنتقل إلى تعريف العلة.

стр. 35

الفصل الثاني في تعريف العلة وأقوال العلماء في تعليل أفعال الله تعالى تعريف العلة: العلة هي أحد أركان القياس، بل جعلها بعض الأصوليين الركن الأعظم، وما سواها شرائط١، لأن عليها مدار تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع ولهذا أعطاها كثير من الأصوليين عناية وافرة لما لها من أهمية بالغة. العلة في اللغة: مأخوذة من العلَلَ، يقال: عل يعل - بكسر العين وضمها علا وعللاً، والعل الشرب بعد الشرب تباعاً، والعلة بالكسر المرض الشاغل والجمع علل، واعتل إذا مرض، أو تمسك بحجة. قال صاحب المصباح٢: "ذكر معناه الفارابي"٣، قال: "وأعله جعله ذا علة. ومنه إعلالات الفقهاء، وإعتلالاتهم، وعللته عللاً سقيته السقية الثانية، ويقال: هذا علته أي سببه"٤. ومن هنا ناسب قول الأصوليين أنها اسم لما يتغير حكم الشيء بحصوله،

стр. 36

مأخوذة من العلة التي هي المرض، لأن تأثيرها في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض. وقيل: لأنها ناقلة حكم الأصل إلى الفرع، كالانتقال بالعلة من الصحة إلى المرض. وقيل: إنها مأخوذة من العلل بعد النهل، وهو معاودة الماء للشرب مرة بعد أخرى، لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر بعد النظر، أو لأن الحكم يتكرر بتكرر وجودها. وقد يعبر بها عما لأجل ذلك يفعل الفعل أو يمتنع منه، فيقال: فعل الفعل لعلة كيت، أو لم يفعل لعلة كيت١. وذهب الغزالي٢ إلى أنها "عبارة عما يتأثر المحل بوجوده، ولذا سمي المرض علة، وهي في اصطلاح الفقهاء على هذا المذاق"٣. ونقل صاحب نبراس العقول٤، عن القرافي٥، أنه قال: في شرح

стр. 37

المحصول نقلاً عن القاضي عبد الوهاب١، والشيخ أبي إسحاق٢: "أن العلة باعتبار اللغة مأخوذة من ثلاثة أشياء: علة المريض - وهو الذي يؤثر فيه عادة - والداعي - من قولهم علة إكرام زيد لعمرو علمه وإحسانه. وقيل: من الدوام والتكرر، ومنه العلل للشرب بعد الري، فيقال: شرب عللاً بعد نهل"٣. العلة في اصطلاح الأصوليين: اختلف الأصوليون في تعريف العلة، والمشهور أن لهم فيها أربعة مذاهب، نبينها فيما يلي: الأول: للمعتزلة٤، وهو أن العلة هي المؤثر بذاته في الحكم، ومعنى تأثيرها فيه أنها توجبه وتقتضيه ذاتاً٥. ومذهبهم هذا مبني على أن العقل يدرك في الأفعال حسناً وقبحاً، وأن

стр. 38

الأحكام عندهم تكون تابعة لما أدركه العقل من ذلك، على معنى أن العقل يحكم بوجوب القصاص بمجرد القتل العمد العدوان من غير توقف على الشارع، كما أن العلل العقلية عندهم مؤثرة بذاتها كالنار، فإنها مؤثرة بطبعها في الإحراق، بقوة أودعها الله فيها، فالحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، والشرع إنما جاء مؤكداً لما أدركه العقل، وكاشفاً لما خفي عليه منهما١. وقد أبطل أهل السنة هذا المذهب بما يأتي: الأول: أنه لو حسن العقل أو قبح لذاته، لما اختلف الفعل الواحد حسناً وقبحاً، لكنه اختلف، فلا يكون كل منهما ذاتياً، لأن بالذات لا يختلف، وإلا لزم اجتماع النقيضين. بيان الملازمة هو أن الذاتي للشيء لا ينفك عنه، فيستلزم ذلك أن لا يختلف، لأن الاختلاف يؤدي إلى الانفكاك. وبيان دفع التالي هو أن الفعل الواحد يحسن تارة، ويقبح أخرى، فالقتل يحسن حداً، ويقبح ظلماً، والصدق يحسن إنقاذاً لنبي أو مظلوم، ويقبح إهلاكاً لنبي أو مظلوم. وهذا يبطل القول بالحسن والقبح العقليين، وبالتالي يبطل التعريف المبني عليهما٢. غير أن ما ذكر يرد عليه أن الكذب لإنقاذ المظلوم ما انفك عن القبح، وما اختلف، ولكنه عندما تعين اجتمع قبيحان: الكذب، وترك إنقاذ البريء المظلوم، فكان الثاني أكثر قبحاً من الأول، فارتكب أقل الأمرين قبحاً، وأيضاً لو قيل: أنه صار حسناً، فحسنه لغيره، وهو الإنقاذ.

стр. 39

الثاني: أن العلة الشرعية لو اقتضت الحكم الشرعي لذاتها، لما صح أن يجتمع على الحكم الواحد علل مستقلة، لكنه قد يحصل أن يجتمع عليه علل، فلزم أن لا تقتضيه لذاتها. بيان الملازمة: أن الحكم واجب الحصول بعلته المستقلة، فلا يمكن أن يوجد بغيرها، وإن حصل بغيرها لزم تحصيل الحاصل، أو انقلاب الأثر الواحد أثرين أو أكثر، وهو باطل. بيان ذلك ما إذا اجتمع على الحكم علتان فأكثر في وقت واحد، كما إذا مسّ ذكره من غير حائل، وخرج منه ريح في وقت واحد، أو ارتد وزنى وهو محصن في وقت واحد، فالحكم في الصورتين واحد، ولا يمكن أن يكون النقض والقتل بمجموعهما، وإلاّ كان كل منهما جزء علة، والمفروض أنه علة، ولا يمكن أن يكون لكل واحد منهما، وإلا لزم تحصيل الحاصل، أو انقلاب الأثر أثرين أو أكثر، وهو باطل١. الثاني للغزالي: وهو أن العلة هي الوصف المؤثر بجعل الشارع لا لذاته٢. شرح التعريف: فالوصف هو المعنى القائم بالغير، وهو جنس في التعريف يشمل سائر الأوصاف سواء كانت معتبرة أو ملغاة، أو كانت بمعنى المؤثر. والمؤثر معناه الموجب لأن التأثير معناه الإيجاد، وهو قيد في التعريف يخرج العلامة، لأنه لا تأثير فيها، فلا تسمى علة ويجعل الشارع قيد احترز به عما يوهمه اللفظ من التأثير بالذات، ولذا قال: لا لذاته. فمعنى التأثير في كلامه هو الربط والاستلزام العاديان بين الوصف والحكم، على معنى أن الله تعال أجرى عادته بأنه كلما وجد الوصف وجد معه الحكم، وكل منهما من قبل الله تعالى، فليس الحكم ناشئاً ذاتاً من الوصف ولا متولداً منه،

стр. 40

لأن الغزالي من أهل السنة الذين يشددون النكير على من يقول بالطبع والتوليد١، ويدل لذلك ما جاء في تعريفه للعلة في كتابه شفاء الغليل حيث قال: "والعلل الشرعية أمارات، والمناسب والمخيل لا يوجب الحكم بذاته، ولكن يصير موجباً بإيجاب الشرع، ونصبه إياه سبباً له، وتأثير الأسباب في اقتضاء الأحكام عرف شرعاً كما عرف كون مسّ الذكر وخروج الخارج من السبيلين مؤثراً في إيجاب الوضوء، وإن كان لا يناسبه، فكما عرف كون القتل والزنا والسرقة أسباباً لأحكامها إلى ما يناسبها"٢. الاعتراضات الواردة على هذا التعريف والإجابة عنها: الاعتراض الأول: أنه يقتضي تأثير الحادث في القديم، لأن الزنا مثلاً فعل حادث وإيجاب الحد قديم؛ لأنه حكم، والحكم قديم، والحادث لا يؤثر في القديم، وإلا كان القديم متأخراً عن الحادث، أو مقارناً له، وذلك باطل. وأجاب صاحب التوضيح٣ عنه بأن الحكم المصطلح عليه هو أثر حكم الله تعالى القديم، فإن إيجاب الله قديم، والوجوب حادث، فالمراد بالمؤثر في الحكم ليس أنه مؤثر في الإيجاب القديم، بل في الوجوب الحادث، بمعنى أن الله تعالى رتب بالإيجاب القديم الوجوب على أمر حادث كالدلوك مثلاً، فالمراد كونه مؤثراً، أن الله تعالى حكم بوجوب ذلك الأثر بذلك الأمر كالقصاص بالقتل، والإحراق بالنار٤.
следующие страницы →