مأخوذة من العلة التي هي المرض، لأن تأثيرها في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض.
وقيل: لأنها ناقلة حكم الأصل إلى الفرع، كالانتقال بالعلة من الصحة إلى المرض.
وقيل: إنها مأخوذة من العلل بعد النهل، وهو معاودة الماء للشرب مرة بعد أخرى، لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر بعد النظر، أو لأن الحكم يتكرر بتكرر وجودها.
وقد يعبر بها عما لأجل ذلك يفعل الفعل أو يمتنع منه، فيقال: فعل الفعل لعلة كيت، أو لم يفعل لعلة كيت١.
وذهب الغزالي٢ إلى أنها "عبارة عما يتأثر المحل بوجوده، ولذا سمي المرض علة، وهي في اصطلاح الفقهاء على هذا المذاق"٣.
ونقل صاحب نبراس العقول٤، عن القرافي٥، أنه قال: في شرح
стр. 37
المحصول نقلاً عن القاضي عبد الوهاب١، والشيخ أبي إسحاق٢: "أن العلة باعتبار اللغة مأخوذة من ثلاثة أشياء: علة المريض - وهو الذي يؤثر فيه عادة - والداعي - من قولهم علة إكرام زيد لعمرو علمه وإحسانه.
وقيل: من الدوام والتكرر، ومنه العلل للشرب بعد الري، فيقال: شرب عللاً بعد نهل"٣.
العلة في اصطلاح الأصوليين:
اختلف الأصوليون في تعريف العلة، والمشهور أن لهم فيها أربعة مذاهب، نبينها فيما يلي:
الأول: للمعتزلة٤، وهو أن العلة هي المؤثر بذاته في الحكم، ومعنى تأثيرها فيه أنها توجبه وتقتضيه ذاتاً٥.
ومذهبهم هذا مبني على أن العقل يدرك في الأفعال حسناً وقبحاً، وأن
стр. 38
الأحكام عندهم تكون تابعة لما أدركه العقل من ذلك، على معنى أن العقل يحكم بوجوب القصاص بمجرد القتل العمد العدوان من غير توقف على الشارع، كما أن العلل العقلية عندهم مؤثرة بذاتها كالنار، فإنها مؤثرة بطبعها في الإحراق، بقوة أودعها الله فيها، فالحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، والشرع إنما جاء مؤكداً لما أدركه العقل، وكاشفاً لما خفي عليه منهما١.
وقد أبطل أهل السنة هذا المذهب بما يأتي:
الأول: أنه لو حسن العقل أو قبح لذاته، لما اختلف الفعل الواحد حسناً وقبحاً، لكنه اختلف، فلا يكون كل منهما ذاتياً، لأن بالذات لا يختلف، وإلا لزم اجتماع النقيضين.
بيان الملازمة هو أن الذاتي للشيء لا ينفك عنه، فيستلزم ذلك أن لا يختلف، لأن الاختلاف يؤدي إلى الانفكاك.
وبيان دفع التالي هو أن الفعل الواحد يحسن تارة، ويقبح أخرى، فالقتل يحسن حداً، ويقبح ظلماً، والصدق يحسن إنقاذاً لنبي أو مظلوم، ويقبح إهلاكاً لنبي أو مظلوم.
وهذا يبطل القول بالحسن والقبح العقليين، وبالتالي يبطل التعريف المبني عليهما٢.
غير أن ما ذكر يرد عليه أن الكذب لإنقاذ المظلوم ما انفك عن القبح، وما اختلف، ولكنه عندما تعين اجتمع قبيحان: الكذب، وترك إنقاذ البريء المظلوم، فكان الثاني أكثر قبحاً من الأول، فارتكب أقل الأمرين قبحاً، وأيضاً لو قيل: أنه صار حسناً، فحسنه لغيره، وهو الإنقاذ.
стр. 39
الثاني: أن العلة الشرعية لو اقتضت الحكم الشرعي لذاتها، لما صح أن يجتمع على الحكم الواحد علل مستقلة، لكنه قد يحصل أن يجتمع عليه علل، فلزم أن لا تقتضيه لذاتها.
بيان الملازمة: أن الحكم واجب الحصول بعلته المستقلة، فلا يمكن أن يوجد بغيرها، وإن حصل بغيرها لزم تحصيل الحاصل، أو انقلاب الأثر الواحد أثرين أو أكثر، وهو باطل. بيان ذلك ما إذا اجتمع على الحكم علتان فأكثر في وقت واحد، كما إذا مسّ ذكره من غير حائل، وخرج منه ريح في وقت واحد، أو ارتد وزنى وهو محصن في وقت واحد، فالحكم في الصورتين واحد، ولا يمكن أن يكون النقض والقتل بمجموعهما، وإلاّ كان كل منهما جزء علة، والمفروض أنه علة، ولا يمكن أن يكون لكل واحد منهما، وإلا لزم تحصيل الحاصل، أو انقلاب الأثر أثرين أو أكثر، وهو باطل١.
الثاني للغزالي: وهو أن العلة هي الوصف المؤثر بجعل الشارع لا لذاته٢.
شرح التعريف:
فالوصف هو المعنى القائم بالغير، وهو جنس في التعريف يشمل سائر الأوصاف سواء كانت معتبرة أو ملغاة، أو كانت بمعنى المؤثر.
والمؤثر معناه الموجب لأن التأثير معناه الإيجاد، وهو قيد في التعريف يخرج العلامة، لأنه لا تأثير فيها، فلا تسمى علة ويجعل الشارع قيد احترز به عما يوهمه اللفظ من التأثير بالذات، ولذا قال: لا لذاته.
فمعنى التأثير في كلامه هو الربط والاستلزام العاديان بين الوصف والحكم، على معنى أن الله تعال أجرى عادته بأنه كلما وجد الوصف وجد معه الحكم، وكل منهما من قبل الله تعالى، فليس الحكم ناشئاً ذاتاً من الوصف ولا متولداً منه،
стр. 40
لأن الغزالي من أهل السنة الذين يشددون النكير على من يقول بالطبع والتوليد١، ويدل لذلك ما جاء في تعريفه للعلة في كتابه شفاء الغليل حيث قال: "والعلل الشرعية أمارات، والمناسب والمخيل لا يوجب الحكم بذاته، ولكن يصير موجباً بإيجاب الشرع، ونصبه إياه سبباً له، وتأثير الأسباب في اقتضاء الأحكام عرف شرعاً كما عرف كون مسّ الذكر وخروج الخارج من السبيلين مؤثراً في إيجاب الوضوء، وإن كان لا يناسبه، فكما عرف كون القتل والزنا والسرقة أسباباً لأحكامها إلى ما يناسبها"٢.
الاعتراضات الواردة على هذا التعريف والإجابة عنها:
الاعتراض الأول: أنه يقتضي تأثير الحادث في القديم، لأن الزنا مثلاً فعل حادث وإيجاب الحد قديم؛ لأنه حكم، والحكم قديم، والحادث لا يؤثر في القديم، وإلا كان القديم متأخراً عن الحادث، أو مقارناً له، وذلك باطل.
وأجاب صاحب التوضيح٣ عنه بأن الحكم المصطلح عليه هو أثر حكم الله تعالى القديم، فإن إيجاب الله قديم، والوجوب حادث، فالمراد بالمؤثر في الحكم ليس أنه مؤثر في الإيجاب القديم، بل في الوجوب الحادث، بمعنى أن الله تعالى رتب بالإيجاب القديم الوجوب على أمر حادث كالدلوك مثلاً، فالمراد كونه مؤثراً، أن الله تعالى حكم بوجوب ذلك الأثر بذلك الأمر كالقصاص بالقتل، والإحراق بالنار٤.
стр. 41
كما يجاب عنه أيضاً بأن الزنا مثلاً ليس مؤثراً بهذا المعنى، وإنما هو أمارة على الإيجاب، أو أن التأثير في التعلق التنجيزي، والتعلق التنجيزي حادث، فقد أثر حادث في حادث، ولم يؤثر حادث في القديم.
الاعتراض الثاني: أن القول بالتأثير معناه اشتمال الأوصاف على صفات توجب الحكم لذاتها، وهذا هو عين مذهب المعتزلة.
وأجيب عنه بما يأتي:
أ - أن هناك فرقاً بين مذهب المعتزلة، وبين مذهب الغزالي، لأن الغزالي يقول باشتمال الأفعال على صفات، لكنها لا تقتضي عنده حسناً ولا قبحاً، بخلاف المعتزلة.
ب - أن التأثير فسر بالربط العادي، لا بمعنى إيجاب الوصف للحكم. وبين مذهب الغزالي، ومذهب المعتزلة بون كبير١.
مما تقدم يتضح سلامة تعريف الغزالي ﵀ سيما وأنه صرح بما يفسر مذهبه بأن تأثير العلل، إنما هو يجعل الله تعالى، فهو بيان لمذهبه.
الثالث: وإليه ذهب ابن الحاجب، والآمدي والحنفية، أن العلة هي الباعث على الحكم، وفسروا الباعث على الحكم باشتماله على حكمة صالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم، كتحصيل مصلحة، أو تكميلها، أو دفع مفسدة، أو تقليلها، فالمراد بالباعث المشتمل على الحكمة، كما صرحوا بذلك٢، لا الباعث المشترك للشارع على شرع الحكم، كما هو ظاهر اللفظ، لأن الله تعالى لا يبعثه شيء على شرح حكم سوى إرادته له، يخلق ما يشاء ويختار.
стр. 42
وحمل البعض اللفظ على ظاهره، وقال: إن المراد منه الحامل للشارع على شرع الحكم، وعلى هذا فالتعريف فاسد، لأن البعث على الفعل ينافي الاستغناء التام، والاختيار المطلق، فلا يصح التعبير به في جانب الله تعالى، ولذا قال التاج السبكي، نقلاً عن والده١: "ونحن معاشر الشافعية، إنما نفسر العلة بالمعرف، ولا نفسرها بالباعث أبداً، ونشدد النكير على من فسرها بذلك، لأن الرب تعالى لا يبعثه شيء على شيء، ومن عبر من الفقهاء عنها بالباعث أراد أنها باعثة للمكلف على الامتثال"٢.
ولأصحاب المذهب أن يقولوا: إنه لا وجه لهذا الاعتراض بعد تفسير الباعث بالاشتمال على حكمة صالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم، مع الاتفاق على أن أفعال الله تعالى مشتملة على حكم ومصالح تعود على العباد تفضلاً منه .
ولذا قال الشيخ حسن العطار بعد أن ذكر تفسير ابن الحاجب للباعث: "وإذا كان هذا هو المراد بالباعث لم يلزم التشنيع المذكور".
كما أنه لا وجه لتفسير ابن السبكي ووالده: الباعث بأنه باعث للمكلف على الامتثال لمخالفته لما فسره به أصحاب المذهب لمذهبهم، وهم أعلم به.
التعريف الرابع: وهو اختيار الفخر الرازي في المحصول، وتبعه عليه البيضاوي في المنهاج، وصاحب جمع الجوامعه "أن العلة هي الوصف المعرف
стр. 43
للحكم"١. بحيث يكون الحكم مضافاً إليها، بمعنى أنه علامة على ثبوت الحكم في جميع محال الوصف، "مثال ذلك أن السكر كان موجوداً في الخمر، ولم يدل على تحريمها، حتى جعله صاحب الشرع عله في تحريمها، فصار الإسكار علامة على وجود التحريم في كل ما وجد فيه".
وبهذا المعنى يكون التعليل بالإسكار معرفاً لحكم الأصل من جهة أنه أصل يقاس عليه، ويلحق به غيره.
وهذا المعنى لا يستفاد إلا من التعليل - ومعرف أيضاً لحكم الفرع. فالوصف معرف لهما معاً.
قال صاحب مراقي السعود٢:
معرف الحكم يوضع الشارع ... والحكم ثابت بها فاتبع٣
فعلى هذا يكون التعريف هكذا "العلة هي الوصف المعرف للحكم بحيث يضاف إليه الحكم".
شرح التعريف:
فالوصف جنس، وفي التعريف يشمل سائر الأوصاف كما تقدم، والمعرف قيد أول أخرج الشرط، لأنه لا يعرف المشروط، ولا يكون علامة عليه، إذ قد يوجد الشرط ولا يوجد المشروط، وللحكم قد ثان خرج به المانع؛ لأنه معرف لنقيض الحكم، لا للحكم، فالحيض مثلاً معرف لعدم وجوب الصلاة، لا
стр. 44
لوجوبها، والأبوة معرفة لعدم وجوب القصاص للولد، لا لوجوبه.
وبحيث يضاف إليه الحكم، قيد ثالث في التعريف تخرج به العلامة التي لا يضاف إليها الحكم، كالأذان للصلاة إذ لا يقال: وجبت الصلاة بالأذان، وإنما يقال: وجبت بدخول الوقت، فدخول الوقت هو العلة والأذان علامة العلامة١.
الاعتراضات الواردة على هذا التعريف والجواب عنها:
الأول: أنه غير مانع، لصدقه على العلامة، وهي ما يعرف به وجود الحكم من غير أن يتعلق به وجوده ولا وجوبه كالأذان للصلاة، والإحصان للرجم٢.
وأجيب عنه بما نقله صاحب نبراس العقول عن صاحب فصول البدائع٣، ونصه قال: "وأجاب صاحب فصول البدائع بأن العلامة المختصة كالأذان معرف الوقت، أو مطلق الحكم، والكلام في معرفة حكم الأصل من حيث هو حكم الأصل".ا. هـ
قال عيسى: "وهذا الجواب ينافيه الجواب الآتي عن الاعتراض الثاني من أن العلة معرف لحكم الفرع فقط، وإن كان التحقيق كما سيأتي خلاف مقتضى هذا الجواب"٤.
الثاني: أنه غير جامع، لخروج المستنبطة، لأنها عرفت بالحكم، على معنى أن الله تعالى لو شرع حكماً في محل، ولم ينص على علته، فقد يمكن المجتهد
стр. 45
استنباط علة ذلك الحكم كالإسكار مثلاً لحرمة الخمر، والقتل العمد العدوان لوجوب القصاص، وحينئذٍ يكون الحكم هو المعرف للعلة فهو سابق عليها، لأنا لا نعلمها إلا بعد علمنا به، فلو عرفته لكان علمنا به بعد علمنا بها، وهذا دور سبقي، والدور باطل١.
وأجاب عنه البيضاوي بأن حكم معرف لها في الأصل، وهي معرفة له في الفرع، فانفكت الجهة، فلا دور٢.
الثالث: قال سعد الدين: "فإن قيل: هما مثلان، فيشتركان في الماهية ولوازمها، قلنا: لا ينافي كون أحدهما أجلى من الآخر بعارض"٣.
يريد أنه لا مانع من أن يكون أحد المثلين أظهر، فيكون معرفاً بكسر الراء والآخر أخفى، فيكون معرفاً بفتحها، لكن هذا الجواب تلزمه محاذير ثلاثة هي:
الأول: أن تعريف البيضاوي ناقص، يلزمه زيادة قيد، فيكون التعريف هكذا "العلة هي الوصف المعرف لحكم الفرع".
الثاني: أن العلة لو كانت معرفة لحكم الفرع دون حكم الأصل - والتقدير أنه ليس بباعث - لم يكن للأصل مدخل في الفرع.
الثالث: أنه يخالف ما أطبق عليه الأصوليون من أن العلة وصف مشترك بين الأصل والفرع، وقولهم أن حكم الأصل معلل بالعلة المشتركة بينه وبين حكم الفرع، فلو كان الوصف ليس علة في الأصل، فلا اشتراك في العلة، فلا قياس، وقد قال الأسنوي: هذه إرادات ضعيفة فاحذرها٤.
قال أستاذنا الدكتور عثمان ﵀: نرى أنها ليست بضعيفة، وإنها ترد على التعريف نقضاً، والجواب الصحيح أن العلة كما تعرف حكم الفرع،
стр. 46
تعرف أيضاً حكم الأصل من جهة أنه يلحق به غيره، ويقاس عليه، فهي معرفة للحكم فيهما١.
فإن قيل: ما الداعي لتعريفها لحكم الأصل مع وجود النص أو الإجماع؟ قيل: لأنها تعرف كون الحكم منوطاً بها، حتى إذا وجدت بمحل آخر ثبت الحكم فيه أيضاً، والنص يعرف الحكم دون النظر إلى ذلك، ولذا قال السعد في حاشيته على العضد: "ليس معنى كون الوصف معرفاً للحكم أنه لا يثبت الحكم إلا به، كيف وهو حكم شرعي لا بد له من دليل نص أو إجماع، بل معناه أن الحكم يثبت بدليله، ويكون الوصف أمارة بها يعرف أن الحكم الثابت حاصل في هذه المادة.
مثلاً إذا ثبت بالنص حرمة الخمر، وعلل بكونه مائعاً أحمر يقذف بالزبد، كان ذلك أمارة على ثبوت الحرمة في كل يوجد ذلك الوصف فيه من أفراد الخمر، وبهذا يندفع الدور.
والحاصل أن العلة تتوقف على العلم بشرعية الحكم بدليله، والمتوقف على العلة هو معرفة ثبوت الحكم في المواد الجزئية٢.
وقرر صاحب نشر البنود وجه ثبوت حكم الأصل بالعلة بقوله: "وقد يقال: معناه أنه إذا لوحظ النص عرف الحكم، ثم إذا لوحظت العلة حصل التفات جديد للحكم، ومعرفة كون محله أصلاً يقاس عليه، مستفاد من العلة، فإفادتها لذلك الحكم على هذا الوجه هو مرادهم بقولهم أنها تفيد حكم الأصل بقيد كون محله أصلاً يقاس عليه"٣.
وبهذا التقرير يصح أن يقال: بأن الخلاف بين الحنفية - القائلين بأن حكم الأصل ثبت بالنص لا بالعلة -، وبين الشافعية - القائلين بأن حكم الأصل ثبت
стр. 47
بها - خلاف لفظي، لأنه لا نزاع بينهم أن النص أثبت الحكم من حيث هو، وأن العلة معرفة لحكم الأصل من حيث أنه أصل يقاس عليه، والله تعالى أعلم.
الموازنة بين التعريفات السابقة:
يتضح من التعريفات السابقة، أن الخلاف فيها مبني على الخلاف في تعليل أفعال الله تعالى. والخلاف في تعليل أفعال الله تعالى مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصول الكلام، لتعليل الأحكام والأفعال، وارتباط العلل بالمعلولات، ومن هنا نشأ الخلاف بين الأصوليين في التعريف.
فمن نظر إلى أن أفعال الله تعالى لا تعلل، عرف العلة بالمعرف، وأهم ما استدل به على ذلك هو أن من فعل فعلاً لعلة كان مستكملاً بها، لأنه لو لم يكن حصول العلة أولى من عدمها، لم تكن علة، والمستكمل بغيره ناقص بنفسه، وذلك ممتنع على الله تعالى١.
ومن هنا لم ير تعليل أفعال الله تعالى، ولا التعبير بما يوهم ذلك.
ومن نظر إلى أن أفعاله تعالى معللة بمصالح وحكم ترجع إلى العباد عبر عنها بالباعث، والمؤثر، وهؤلاء ما عدا المعتزلة - الذين تقدم إبطال مذهبهم - يرون رجوع المصالح والمنافع في أحكامه وأفعاله تعالى إلى العباد تفضلاً منه سبحانه عليهم، وعلى القول بذلك "فلا يلزم على القول بأنها مؤثرة أن هناك تأثيراً لغير الله تعالى، ولا يلزم على القول بأنها باعثة على الحكم استكماله تعالى بها، وأنها تحمله على الفعل أو الحكم، بل رعاية المصالح والمنافع، وفعله وحكمه تعالى على حسبها تفضلاً هو مقتضى كماله تعالى، لأنه لما كان حكيماً كان لأحكامه وأفعاله غايات وحكم تترتب عليها، ولما كان جواداً اقتضى جوده أن يراعي مصالح
стр. 48
عباده، فلا جرم كانت أحكامه وأفعاله على ما هو مقتضى المصالح، فالأحكام المتعلقة باقتضاء المصالح إنما هي فرع حكمته وجوده ورحمته"١.
أدلة القائلين بتعليل أفعال الله تعالى:
استدل القائلون بتعليل أفعال الله تعالى بما جاء في كثير من آيات القرآن الكريم، التي تدل على ثبوت الحكمة والتعليل في أفعاله تعالى، وهذه الآيات كثيرة نقتصر على ما يأتي منها:
١ - آيات ورد فيها التصريح بلفظ الحكمة، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً﴾ ٤، ومعلوم أن معطي الحكمة غيره، يجب أن يكون حكيماً.
٢ - آيات أخبر سبحانه فيها أنه فعل كذا وكذا، وأنه أمر بكذا لكذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ ٧، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ٨.
стр. 49
فاللام المذكورة في هذه الآيات، ومثيلاتها هي لام التعليل، وليست لام العاقبة، كما يدعي نفاة التعليل، لأن لام العاقبة إنما تكون في حق من هو جاهل بالعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ١، وأما من هو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، فيستحيل في حقه دخول هذه اللام، وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة، والغاية المطلوبة٢.
٣ - آيات تضمنت ما هو من صرائح التعليل، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٥، إلى غير ذلك من النصوص التي اعتبرها الأصوليون نصاً أو ظاهراً في التعليل، مما سيأتي له زيادة بيان - إن شاء الله - عند الكلام على مسالك العلة.
٤ - آيات تضمنت إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لحكمة وغاية، كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ ٦، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ٧، فالآيتان تدلان على أنه سبحانه خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية محبوبة له ومطلوبة، هي عبادته وتوحيده اللذان هما مقتضى شكره على ما أنعم به على عباده٨.
стр. 50
ودلالة نصوص الكتاب والسنة على تعليل الأحكام أكثر من أن تحصى، والمتتبع لنصوص الشريعة يدرك أنها إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً.
"ولما كانت النصوص الشرعية متناهية، وتفاصيل الوقائع والحوادث متجددة على الدوام لا تقف عند حد، جعل "الشارع" شرعه قواعد عامة، إما باعتبار ألفاظها، أو باعتبار عللها، وجعل في الأمة علماء يستخرجون حكم الله في كل واقعة "حدثت"، مثل أحكام الوقائع المنصوصة في تحصيل المصالح"١، ويدل لهذا ما قرره الشاطبي٢، ونصه:
"والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها إنما وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره، فإن الله تعالى يقول في بعثته الرسل، وهو الأصل ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٣، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وقال في أصل الخلقة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٥، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٦، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٧.
стр. 51
وأما التعليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة، فأكثر من أن يحصى، كقوله بعد آية الوضوء: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ١.
وقال في الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
وفي الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ﴾ ٣.
وفي القبلة: ﴿فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ ٤.
وفي الجهاد: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ ٥.
وفي القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ ٦.
وفي التقرير على التوحيد: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ٧.
والمقصود التنبيه، وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة، ومن هذه الجملة ثبت القياس، والاجتهاد" ٨.
стр. 52
وأجاب ابن القيم١ عما استدل به المانعون من تعليل أفعال الله تعالى بما نصه: "إنّ قولك أن كل من فعل فعلاً لغرض يكون ناقصاً بذاته مستكملاً بغيره، ما تعني بقولك أنه ناقص بذاته؟ أتعني أن يكون عادماً لشيء من الكمال الذي يجب أن يكون له قبل حدوث ذلك المراد، أم تعني به أن يكون عادماً لما ليس كمالاً قبل وجوده، أم تعني به معنى ثالثاً؟
فإن عنيت الأول، فالدعوى باطلة، فإنه لا يلزم من فعله لغرض حصوله أولى من عدمه أن يكون عادماً لشيء من الكمال الواجب، قبل حدوث المراد، فإنه يمتنع أن يكون كمالاً قبل حصوله.
وإن عنيت الثاني، لم يكن عدمه نقصاً، فإن الغرض ليس كمالاً قبل وجوده وما ليس بكمال في وقت، لا يكون عدمه نقصاً فيه، فما كان قبل وجوده عدمه أولى من وجوده، وبعد وجود وجوده أولى من عدمه لم يكن عدمه قبل وجوده نقصاً، ولا وجوده بعد عدمه نقصاً، بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده، ووجوده وقت وجوده، وإذا كان كذلك فالحكم المطلوبة والغايات من هذا النوع، وجودها وقت وجودها هو الكمال، وعدمها حينئذ نقص، وعدمها وقت عدمها كمال، ووجودها حينئذ نقص، وعلى هذا فالنافي هو الذي نسب النقص إلى الله، لا المثبت، وإن عنيت أمراً ثالثاً، فلا بد من بيانه لننظر فيه" ٢.
فإن قيل: إن ابن القيم هنا وافق المعتزلة في إطلاق لفظ الغرض على الله تعالى، وهو خلاف ما ذهب إليه أهل السنة، لعدم ورود النص به، أجيب بأنه إنما ذكره لرد دعوى الخصم فقط، لأنه صرح في كتابه مفتاح دار السعادة بأن هذا
стр. 53
اللفظ بدعي، لم يرد به كتاب ولا سنة، ولا أطلقه أحد من أئمة الإسلام وأتباعهم على الله تعالى١.
"والحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات، لأجلها شرع وفعل" ٢. وإن الخلاف لفظي، لأنه لا خلاف بين العلماء في أن أفعال الله تعالى وأحكامه لا تخلو عن حكم ومصالح بالغة تعود على العباد، وإنما الخلاف بين التعريفات في العبارة فقط، ما عدا تعريف المعتزلة الذين تقدم إبطال مذهبهم - لأن من عرف العلة بالمؤثر والباعث ممن يمنع تعليل أفعال الله تعالى كالغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، فسرها بما يتفق في الغاية والقصد مع من عرفها بالمعرف، لأن الغزالي فسر المؤثر بما كان بجعل الشارع لا بذاته، والآمدي وابن الحاجب فسرا الباعث بأنه مشتمل على حكمة صالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم يقيناً أو ظناً كما تقدم.
ومن قال بتعليل أفعال الله تعالى من أهل السنة، لم يرد غير ذلك، لاتفاقهم جميعاً على أن أفعال الله تعالى وأحكامه مشتملة على حكم ومصالح ترجع إلى العباد تفضلاً منه سبحانه عليهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية٣: "فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة، والمصالح في أحكام الشريعة".٤
стр. 54
ونقل البناني١ في حاشيته على المحلى عن السيد الشريف٢ ما نصه: "بل كماله في ذاته وصفاته يقتضي الكمال في فاعليته وأفعاله، وكمالية أفعاله تقتضي مصالح ترجع إلى العباد، فلا شيء خال عن الحكمة، ولا سبيل للنقصان والاستكمال إليه تعالى.
وهذا هو المذهب الصحيح، والحق الصريح الذي لا يشوبه شبهة ولا يحوم حوله ريبة" ٣.
وقال صاحب نهاية الأقدام٤ في الرد على المعتزلة: "قال أهل الحق: مسلم أن الحكيم من كانت أفعاله محكمة متقنة، وإنما تكون محكمة إذا وقعت على حسب علمه، وإذا وقعت على حسب علمه لم تكن جزافاً، ولا وقعت بالاتفاق"٥.
стр. 55
وقال الشيخ محمد عبده١: "اتفق الجميع على أن أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة"٢.
وقال الآمدي في الرد على المعتزلة: "إننا لا ننكر كون الباري تعالى حكيماً، وذلك بتحقيق ما يتقنه من صنعه، ويخلقه على وفق علمه له وبإرادته"٣.
وإذا كان هذا هو المراد بالباعث، وهو بعينه مراد من قال: إنها مؤثرة أو معرفة، فالخلاف لفظي، ولذلك نجد الغالب عليهم عند الكلام في الفقه وأصوله، التعليل، وإن لم يروا إطلاق لفظ الغرض على الله تعالى - خلافاً للمعتزلة - لأنه يشعر بنوع من النقص، إما: ظلم، وإما حاجة، فإن كثيراً من الناس إذا قال: فلان له غرض في هذا، أراد أنه فعله لهواه ومراده المذموم، والله تعالى منزه عن ذلك.
فعبر أهل السنة بلفظ الحكمة والرحمة، ونحو ذلك مما جاء به النص، بخلاف المعتزلة، فإنهم عبروا بلفظ الغرض٤، فاتفقت التعريفات في الغاية والقصد، وإن اختلفت عباراتها، ما عدا تعريف المعتزلة الذي تقدم إبطاله، والله تعالى أعلم.
стр. 56
الفصل الثالث: في شروط العلة
تمهيد
من المعلوم أن الأصل الذي ورد النص بحكمه قد يكون مشتملاً على أوصاف متعددة، وليس كل وصف في الأصل يصلح أن يكون علة لحكمه، بل لا بد من أن تتوفر في الوصف الذي يعلل به عدة شروط.
وهذه الشروط إنما استمدها الأصوليون من استقراء العلل المنصوص عليها، ومن مقصود التعليل، وهو تعدية حكم الأصل إلى الفرع.
وهذه الشروط منها ما اتفق عليه الأصوليون، ومنها ما اختلفوا فيه، كما اختلفت مناهجهم في محل ذكر هذه الشروط، إذ منهم من ذكرها بعد القوادح، كالإمام الفخر الرازي، والبيضاوي، وغيرهما، ومنهم من ذكرها بعد تعريف العلة مباشرة، وقبل المسالك كابن السبكي، وابن الحاجب والآمدي.
وقد اخترت أن أسلك الطريقة الأخيرة، لما فيها من تتمة الفائدة، لأنني لو سلكت الطريقة الأولى، لما أمكنني التعرض لذكر هذه الشروط، لخروجها حينئذ عن موضوعي.
وحيث أن تعرضي لهذه الشروط إنما هو من باب التمهيد للموضوع، لذا فإنني لن أتقصى كل ما قيل فيها بل سأقتصر على ما أرى أنه لا بد منه، والله أسأل العون والتوفيق.
الشروط المتفق عليها هي:
الأول: أن تكون العلة وصفاً ظاهراً متميزاً عن غيره، لأن العلة هي المعرف للحكم في الفرع، فلا بد أن تكون أمراً ظاهراً، يدرك في الأصل، ويدرك في
стр. 57
الفرع كالإسكار، ولهذا اختلفوا في التعليل بالخفي كعلوق الرحم بالإنزال والوطء، فلم تعلل به العدة، على القول الراجح كما سيأتي.
وإنما تعلل بالخلوة، وكذلك لا يعلل نقل الملكية في البيع بتراضي المتبايعين لخفائه، بل يعلل بمظنته الظاهرة وهي الإيجاب والقبول١.
الثاني: أن تكون وصفاً منضبطاً، وذلك بأن تكون له حقيقة معينة يمكن التحقق من وجودها في الفرع، ومساواته للأصل، لأن أساس القياس هو مساواة الفرع للأصل في علة حكم الأصل، وهذا التساوي يستلزم أن يكون الوصف منضبطاً محدداً بحيث لا يختلف بالنسب والإضافات، والكثرة والقلة، كالمشقة بالنظر إلى القصر والفطر، فلا يعلل بها، لأنها تختلف باختلاف الأفراد والأحوال والزمان، فلم تنضبط، وغير المنضبط لا يعرف القدر الذي علق به الحكم، بل يعلل بمظنتها بالسفر، كمل يعلل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، لأن لكل منهما حقيقة منضبطة يمكن تحقق وجودها في الفرع، والأصل.
الثالث: أن تكون وصفاً مناسباً، وهذه المناسبة، وإن اختلفوا في التعبير عنها، فإنهم متفقون على اشتراطها، ذلك أن ابن الحاجب، والآمدي عبرا عنها بأنه يشترط أن تكون بمعنى الباعث أي مشتملة على حكمة صالحة لأن تكون مقصوداً للشارع من شرع الحكم، لأنها لو كانت وصفاً طردياً٢ لا حكمة فيه، فلا يصلح التعليل بها٣.
والإمامُ والبيضاوي، وإن عبرا عنها بالمعرف، فإنهما يشترطان أيضاً في
стр. 58
الوصف المعرف للحكم أن يكون مشتملاً على حكمة، لأنها المقصود من شرع الحكم.
فمنشأ اختلافهم راجع إلى الاختلاف في تعريف العلة كما تقدم، وإلا فهم متفقون على اشتراط كون الوصف المعلل به مناسباً، لأن ذلك هو المحقق لتعدية حكم الأصل إلى الفرع، كالإسكار فإنه مناسب لتحريم الخمر، لما في بناء التحريم عليه من حفظ العقل.
والقتل العمد العدوان مناسب لا يجاب القصاص، لما في ترتيب وجوب القصاص عليه من حفظ النفوس.
ولهذا لا يصح التعليل بالأوصاف الطردية التي لا مناسبة فيها، والمعروفة بالأوصاف الطردية كالقصر والطول، واللون والجنس١.
ثم بعد اتفاقهم على ما تقدم، فهناك مسائل اختلفوا فيها نفردها بالبحوث الآتية:
المبحث الأول في تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي
اختلف الأصوليون في تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، على ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، سواء كان باعثاً على مصلحة خالصة، أو مصلحة راجحة على مفسدة تضمنها شرع الحكم الأول، وطلب إزالتها بالكلية٢.
стр. 59
الثاني: أنه يجوز مطلقاً، وهو اختيار الإمام الفخر الرازي، والبيضاوي، والحنفية١.
الثالث: التفصيل، وهو أنه يجوز التعليل بالحكم الشرعي، إذا كان باعثاً على مصلحة ولا يجوز إذا كان باعثاً على مفسدة، وهو اختيار ابن الحاجب٢.
استدل أهل المذهب الأول بما يأتي:
الأول: أن شأن الحكم أن يكون معلولاً، فلو جعل علة، لانقلبت الحقائق، وأجيب عنه بأنه "ليس في ذلك قلب الحقائق، بل يكون ذلك الحكم، معلولاً لعلته، وعلة معرفة لحكم آخر غير علته وقلب الحقائق، إنما يتأتى فيما لو كان علة معرفة لنفس العلة التي هو معلول لها".
وإذا ادعيتم أن شأن الحكم أن لا يكون علة البتة، فهذا محل النزاع.
الثاني: أن الحكمين متساويان في كون كل واحد منهما حكماً شرعياً، فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس.
ويجاب عنه بأن المناسبة تعين أحدهما للعلية، والآخر للمعلولية، كما تقول: نجس، فيحرم، وطاهر فتجوز به الصلاة، فإن النجاسة مناسبة للتحريم، والطهارة مناسبة لإباحة الصلاة، فما وقع الترجيح إلا بمرجح، ولو عكس هذا فقيل:" لا يجوز بيعه، فيحرم، لم ينتظم، فإنه قد يحرم بيعه لغصبه، أو لعجز عن تسليمه أو غير ذلك"٣.
الثالث: أن الحكم الذي يفرض علة يحتمل أن يكون متقدماً على الحكم الآخر ويحتمل أن يكون متأخراً عنه، ويحتمل أن يكون مقارناً له.
فعلى تقدير التقدم لا يصلح للعلية، لأنه يلزم منه وجود العلة مع تخلف حكمها، وهو نقض للعلة، والنقض قادح في العلية.
стр. 60
وعلى تقدير التأخير لا يصلح للعلية أيضاً، لأن المتأخر لا يكون علة للمتقدم.
وعلى تقدير المقارنة يحتمل أن يكون هو العلة، ويحتمل أن يكون غيره، فهو إذاً على تقديرين لا يكون علة، وعلى تقدير واحد يكون علة، ولا شك أن العبرة في الشرع بالغالب لا بالنادر، فوجب الحكم بأنه ليس بعلة١.
ويجاب عنه بأن ما ادعوه من وجوب نقض العلة غير مسلم، لأن الحكم لم يكن علة بنفسه وذاته، بل بجعل الشارع، وذلك كما في تعليل تحريم شرب الخمر بالإسكار، فإن الإسكار وإن كان متقدماً على التحريم، فلا يقال إن الإسكار علة قبل اعتباره من الشرع بقران التحريم به، فلا تنتقض العلة لتخلف التحريم عنه قبل ورود الشرع٢.
ويجاب عن امتناع التأخير بأن المراد من العلة المعرف، والمتأخر يجوز أن يكون معرفاً للمتقدم٣.
وعن امتناع المقارنة بأن التقديم إنما هو بالمناسبة التي وجدت في أحدهما دون الآخر، ويحتمل أن يكون الثابت بالدليل علية أحدهما دون الآخر، فلا يلزم التحكم٤.
الرابع: أنه لو كان الحكم علة للحكم، فإما أن يكون بمعنى المعرف، أو الباعث، فإن كان بمعنى المعرف امتنع تعليل حكم الأصل بحكم آخر، لأن المعرف لحكم الأصل هو النص أو الإجماع، وإن كان بمعنى الباعث فباطل، لأن من يقول بالمؤثر يقول: إن المؤثر جهات المصالح والمفاسد، فالقول بأن الحكم الشرعي مؤثر خرق للإجماع، وهو باطل٥.
стр. 61
ويجاب عنه بأنه على تفسير العلة بالمعرف، فإن وجه تعريف العلة لحكم الأصل هو ما قدمناه من أنها معرفة له باعتبار كونه أصلاً يقاس عليه.
وعلى تفسيرها بالباعث، فإن الحكم الذي وجدت فيه المناسبة دون الآخر يكون علة لما لم توجد في المناسبة، أو أن كل واحد منهما علة للآخر، بمعنى أنه معرف لصاحبه١.
أدلة المذهب الثاني:
استدل أهل المذهب الثاني القائلون بالجواز مطلقاً بما يأتي:
الأول: أن أحد الحكمين قد يكون دائراً مع الحكم الآخر وجوداً وعدماً، والدوران٢ يفيد ظن العلية، فإذا حصل في الحكم الشرعي حصل ظن العلية٣.
الثاني: "أن علل الشرع معرفات، فللشارع أن ينصب حكماً على حكم آخر كما ينصب النجاسة التي هي حكم شرعي على تحريم البيع، والأكل الذي هو حكم شرعي"٤. ويدل لذلك قوله ﷺ للذي سأله عن الحج عن أبيه: "أرأيت لو كان على أبيك دين"٥؟ حيث قاس إجزاء قضاء الحج عن الأب على إجزاء قضاء دين العباد عن الأب، والعلة كونها ديناً، وهو حكم شرعي، لأن الدين لزوم حق في الذمة٦.
стр. 62
أدلة المذهب الثالث:
استدل أهل المذهب الثالث القائلون بالتفصيل، بأن الحكم الشرعي إذا كان باعثاً على حكم الأصل لتحصيل مصلحة يقتضيها حكم الأصل جاز، كما يقال: بطلان بيع الخمر علته النجاسة لمناسبتها المنع من الملابسة تكميلاً لمقصود البطلان، وهو عدم الانتفاع.
وأما إذا كان لدفع مفسدة يقتضيها حكم الأصل، فلا يجوز، لأن الحكم الشرعي لا يكون منشأ لمفسدة مطلوبة الدفع، لأنه لو كان منشأ مفسدة مطلوبة الدفع لم يشرع ابتداء١.
لكن يرد على هذا أنه لا فائدة حينئذ من هذا التفصيل ما دام الحكم المشتمل على مثل هذه المفسدة غير موجود، والله تعالى أعلم.
المبحث الثاني التعليل بالوصف المركب
اختلف العلماء في التعليل بالوصف المركب من أجزاء لا يستقل كل واحد منها بالعلية على مذهبين:
المذهب الأول: وهو مذهب الجمهور - أنه يجوز التعليل به، ومن قال به الإمام الفخر الرازي، والآمدي، وابن الحاجب.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز التعليل به.
واستدل أهل المذهب الأول بما يأتي:
الأول: أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من الأوصاف المتعددة مما
стр. 63
تفيد العلية بالدليل، إما بدلالة نص صريح، أو مناسبة، وإما باستنباط من شبه أو سبر١.
فإذا وجدنا وصفاً مناسباً مركباً، ودائراً مع الحكم وجوداً وعدماً حصل عندنا ظن العلية، والظن يجب العمل به، وذلك كما في الوصف المفرد؛ لأن كلا من المناسبة والدوران طريق من طرق إثبات العلية للوصف، وتثبت به علية المفرد، وما ثبتت به علية المفرد، تثبت به علية المركب من غير فرق، والفرق تحكم٢.
الثاني: أن المصلحة قد لا تحصل إلا بالتركيب، لأن الوصف الواحد قد يقصر عن ترتب المصلحة عليه، كما يقال: إن وصف الزنا لا يستقل بمناسبة الحد إلا بشرط أن يكون الواطئ عالماً بأن الموطوءة أجنبية، فلو جهل ذلك بأن وطئ من يظنها زوجته فبانت أجنبية، لم يناسب وجوب الجد، وكما أن القتل وحده لا يناسب وجوب القصاص حتى يضاف إليه العمد العدوان٣.
واستدل أهل المذهب الثاني القائلون بأنه لا يجوز التعليل به بما يأتي:
الأول: أن القول بجواز التركيب في العلة الشرعية، يفضي إلى نقض العلة العقلية، لأنه لو صح التعليل بالمركب، لكان عدم كل واحد من أجزائه علة تامة لعدم العلية، لأن العلية تنعدم بانعدام الأجزاء، ضرورة أن عدم جزء المركب عدم للمركب، لأن المركب لا يوجد إلا بوجود جميع أجزائه، فلو كان عدم كل جزء علة لعدم العلية للزم النقض، أو تحصيل الحاصل، وكل منهما باطل، بيان ذلك أن الأجزاء إذا انعدمت كلها، وقلنا أن عدم كل واحد منها علة لعدم
стр. 64
العلية، فلا شك أنه إذا عدم جزء من أجزائها فقد عدمت العلية، فإذا عدم بعد ذلك جزء آخر، لم يكن هذا الجزء الثاني علة لعدم العلية، لأن ذلك قد حصل عند عدم الجزء الأول، فلا يحصل مرة أخرى بعدم الجزء الثاني، فقد حصل عدم جزء الماهية مع أنه لم يترتب عليه عدم علية تلك الماهية، فقد وجد النقض في العلة العقلية١.
وأجيب عليه بثلاثة أجوبة:
الأول: للقرافي ونصه: "أن نقض العلة العقلية غير لازم، لأنه إذا عدم جزء من الثلاثة، عدمت الثلاثة، والباقي بعد ذلك هو جزء الاثنين لا جزء الثلاثة، فإذا عدم أحد الاثنين الباقيين الآن بعدم مجموع الاثنين، فعدمه علة لعدم الاثنين، لا لعدم الثلاثة، لأن عدم الباقي ليس جزء الثلاثة، فإن جزئية الثلاثة أمر نسبي يذهب عند ذهاب أحد الطرفين، وهو الثلاثة"٢.
الثاني: لا نسلم أن عدم الجزء علة لعدم العلية حتى يلزم بتكرر الانتفاء تحصيل الحاصل، بل من قبيل عدم الشرط، فعدم العلية لانتفاء شرط وجودها، لأن هذا اللزوم إنما يتأتى في العلل العقلية، لا المعرفات التي هي أمارات، وكل من الانتفاءات هنا أمارات لعدم العلية، ولا استحالة في اجتماع أمارات على الشيء الواحد مرتبة تارة، وضربة واحدة أخرى، كما في البول بعد المسّ، والمسّ بعد البول، وكما لا يلزم تخلف فكذا هنا٣.
الدليل الثاني: قالوا: لو صح تركب العلة، لكانت العلية صفة زائدة على مجموع تلك الأوصاف، ودليل ذلك أمران:
стр. 65
الأول: أنا نعقل الهيئة الاجتماعية من الأوصاف، ونجهل كونها علة، للذهول وللحاجة إلى النظر، والمعلوم غير المجهول.
الثاني: أن صفة الكل إن لم تقم بشيء من أجزائه، فليست صفة، وإن قامت، فإن ما أن تكون العلية قائمة بمجموع الأفراد، أو قائمة بكل واحد منهما، أو قائمة بواحد غير معين، أو بواحد معين، والكل باطل، لأنها إن قامت بالجميع من حيث هو جميع، والعلة وصف واحد، والجميع كثير، فلا يصح قيام الواحد بالكثير، لأن ذلك يوجب قيام المتحد بالمتعدد واتحاد المتعدد، وهو محال وإن قامت العلية بكل جزء، فكل جزء منها حينئذ علة مستقلة، فلا يكون المجموع، وهو خلاف الفرض، ولا يصح أن تكون جزءاًَ معيناً، لأنه حينئذ يكون هو العلة، فلا تكون مركبة.
وإن كانت جزء غير معين، فلا يصح أيضاً، لأن من شرط العلة أن تكون وصفاً معيناً كما تقدم، ولأنه يؤدي إلى أن تكون مركبة أيضاً١.
وأجيب عن هذا الدليل بما يأتي:
الأول: أنه لا معنى لكون مجموع الأوصاف علة إلا أن الشارع قد قضى بثبوت الحكم عندها رعاية لما اشتملت عليه الأوصاف من الحكمة، وليست صفة لها، فلا يلزم ما ذكرتموه.
الثاني: أنه إن كانت العلية صفة وجودية، فممنوع، لأنها لو كانت وجودية لكانت عرضاً٢، والصفات المعلل بها أعراض، والعرض لا يقوم بالعرض٣.
стр. 66
وأيضاً فإنها صفة إضافية١، والمفهوم من الصفة الإضافية غير وجودي٢، وما ذكروه من المحال إنما يلزم من تقدير كون العلية صفة وجودية، وليست كذلك٣.
الثالث: أنه "منقوض بكون القول المخصوص خبراً أو استخباراً، أو وعداً أو وعيداً، أو غير ذلك مع تعدد ألفاظه وحروفه، فإن كل ما ذكروه من الأقسام بعينه متحقق فيه، ومع ذلك لم يمنع وصفه بما وصف به، فما هو الجواب ههنا يكون جواباً في محل النزاع"٤.
стр. 67
المبحث الثالث التعليل بالحكمة المجردة عن الضابط
تقدم أن الأصوليين اتفقوا على أن الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على الحكمة يصح تعليل الحكم به، مثل تعليل وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد العدوان، ووجب الحد بالزنا، وقصر الصلاة بالسفر.
واختلفوا في التعليل بنفس الحكمة المقصودة من شرع الحكم كالرضى في البيع والمشقة في السفر، وحفظ النفس وغيرها على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: يجوز التعليل بالحكمة مطلقاً، سواء كانت منضبطة، أو غير منضبطة، ظاهرة كانت أم خفية، واختار هذا القول الإمام الفخر الرازي والبيضاوي.
قال الأسنوي: "وكلام ابن الحاجب يقتضي رجحانه أيضاً١.
ولعل الأسنوي أخذ ذلك من قول ابن الحاجب "ومنها أن تكون وصفاً ضابطاً لحكمة، لا حكمة مجردة لخفائها أو لعدم انضباطها"٢.
لكن يعكر هذا ما صرح به ابن الحاجب بعده حيث قال: "ولو أمكن اعتبارها جاز على الأصح".
قال العضد مبيناً لما ذكره ابن الحاجب "فلو وجدت حكمة مجردة، وكانت ظاهرة بنفسها منضبطة بحيث يمكن اعتبارها ومعرفتها جاز اعتبارها وربط الحكم بها على الأصح، لأنا نعلم قطعاً أنها هي المقصود للشارع، واعتبر المظنة لأجلها، لمانع خفائها واضطرابها، فإذا زال المانع من اعتبارها جاز اعتبارها قطعاً"٣.
стр. 68
فقول ابن الحاجب "ولو أمكن اعتبارها جاز على الأصح، صريح في أن الراجح عنده اعتبار التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة، وأن عدم اعتبارها مرجوح، وأن المنع إنما هو في الخفية المضطربة كما أوضحه العضد.
المذهب الثاني: لا يجوز التعليل بالحكمة مطلقاً، ونسبه الآمدي للأكثرين١.
قال المطيعي٢: "وظاهر ما في جمع الجوامع اختبار المنع مطلقاً، فإنه قال مع شرحه: ومن شروط الإلحاق بها أن تكون وصفاً ضابطاً لحكمة كالسفر في جواز القصر مثلاً، لا نفس الحكمة كالمشقة في السفر، لعدم انضباطها، وقيل يجوز أن انضبطت لانتفاء المحذور"٣.
المذهب الثالث: وهو اختيار الآمدي أنه يجوز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها، أما الخفية المضطربة، فلا يجوز التعليل بها٤.
دليل أهل المذهب الأول:
استدل أهل المذهب الأول على ما ذهبوا إليه بأنه إذا جاز التعليل بالوصف، فأولى أن يجوز التعليل بالحكمة، لأنها هي مقصود الشارع من شرع الحكم، لأن جواز التعليل بالوصف إنما هو لأجل اشتماله على تلك الحكمة إذ هي نفس المصلحة، والمفسدة وحاجات الخلق، وهذا هو سبب ورود الشرائع، وحيث اتفق على التعليل بالوصف المناسب لاشتماله عليها، كان التعليل بها أولى من التعليل به، لأنها أصله، وأصل الشيء أولى بالاعتماد علية من فرعه٥.
стр. 69
واعترض عليه بأن الوصف المشتمل على الحكمة إنما جاز التعليل به لاشتماله على الحكمة، ولأنه ظاهر منضبط، والحكمة لما كانت خفية غير منضبطة لم ينط بها الحكم كالمشقة في السفر، فإن لها مراتب لا تحصى، وتختلف باختلاف الأشخاص والأحوال اختلافاً عظيماً، وليست كل مرتبة منها مناطاً للحكم، ولا يمكن تعيين مراتب منها إذ لا طريق إلى تمييزها بذاتها وضبطها في نفسها، وحين رأينا الشارع أناط الحكم بالوصف الظاهر المنضبط علمنا أو المعتبر حينئذ عند الشارع إنما هو المظنة، وإن تخلفت تلك الحكمة كما في سفر الملك المرفه، ولو كانت الحكمة هي المعتبر لم يعتبر الشارع المظان عند خلوها عن الحكمة، إذ لا عبرة بالمظنة في معارضة المئنة، واللازم منتف لأن الشارع قد اعتبرها حيث أناط الحكم بالسفر، وإن خلا عن الحكمة كما مر في سفر الملك المرفه، ولم ينطها بالحضر وإن اشتمل على المشقة كما في أرباب الصنائع الشاقة في البلاد الحارة في شدة القيظ كالحمالين مثلاً١، وسيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله تعالى في الكلام على أدلة أهل التفصيل الآتية:
أدلة أهل المذهب الثاني:
استدل أهل المذهب الثاني على ما ذهبوا إليه من منع التعليل بالحكم مطلقاً بما يأتي:
الأول: قالوا: لو صح تعليل الحكم بالحكمة، لما صح تعليله بالوصف، وتعليل الحكم بالوصف جائز اتفاقاً، فالتعليل بالحكمة غير جائز، لأن كل ما يقدح في استناد الحكم إلى الحكمة يقدح في استناده إلى الوصف، إذ القادح في الأصل قادح في الفرع، وقد يوجد ما يقدح في الوصف، ولا يكون قادحاً في الحكمة، لأن القادح في الفرع قد لا يكون قادحاً في الأصل، فإسناد الحكم إلى الوصف مع إمكان إسناده إلى الحكمة تكثير من غير حاجة إليه، والتكثير قد يؤدي إلى الغلط، وهو لا يجوز.
стр. 70
ولما رأينا إنه جاز التعليل بالوصف علمنا أنه إنما جاز لتعذر التعليل بالحكمة١.
وأجيب عنه بأن "التعليل بالحكمة وإن كان راجحاً على التعليل بالوصف من الوجه الذي ذكر "المستدل"، فإن التعليل بالوصف الراجح على التعليل بالحكمة من وجه آخر، وهو سهولة الاطلاع على الوصف، وعسر الاطلاع على الحكمة، فلما كان كل واحد منهما راجحاً من وجه، ومرجوحاً من وجه آخر حصل الاستواء"٢.
الثاني: أن القدر الذي رتب الشارع علة الحكم فيه لا يعلم وجوده في الفرع، لأن المصالح والمفاسد من الأمور الباطنة التي لا يمكن الوقوف على حقائق مقاديرها، لاختلاف مراتبها التي لا نهاية لها بحسب الأشخاص والأحوال، وليس كل قدر منها صالحاً لإناطة الحكم، ولما تعذر تعيين القدر الصالح لإناطة الأحكام منها، نيط بوصف ظاهر منضبط كالسفر، للترخص لقصر الصلاة والإفطار في رمضان مثلاً، ولم ينط بالمشقة التي هي الحكمة.
وأجيب عنه بأنه لو لم يجز التعليل بالحكمة، لكونها غير معلومة لما جاز بالوصف المشتمل عليها، لأنه إذا انتفى العلم بها، انتفى العلم بالوصف المشتمل عليها، لاستحالة العلم به دون العلم بها، لكن الوصف المشتمل عليها يصح التعليل به بالاتفاق كالسفر مثلاً، فإنه علة لجواز القصر، لاشتماله على المشقة، لا لكونه سفراً، فإذا حصل الظن بأن الحكم في الأصل لتلك المصلحة، أو المفسدة المقدرة، وحصل الظن أيضاً بأن قدر تلك المصلحة أو المفسدة، حاصل في الفرع، لزم بالضرورة حصول الظن بأن الحكم وهو الترخص بالقصر قد وجد في الفرع، والعمل بالظن واجب٣.
стр. 71
لكن يرد على ما ذكر هنا أن الحكمة لما لم تنضبط، ولم تعلم، فإن الشارع أناط الحكم بالوصف الظاهر المنضبط، ولذا علمنا أن المعتبر عند الشارع إنما هو المظنة، وإن تخلفت الحكمة كما في سفر الملك المرفه.
أدلة المذهب الثالث:
استدل الآمدي على ما ذهب إليه من التفصيل بما ملخصه:
أن الحكمة إن كانت ظاهرة منضبطة غير مضطربة جاز التعليل بها، للإجماع على أن الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية، فإذا كانت الحكمة وهي المقصود من شرع الحكم مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها.
وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة، فيمتنع التعليل بها، لثلاثة أوجه:
الأول: أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والأشخاص والأزمان والأحوال، فلا يمكن معرفة مناط الحكم منها، والوقوف عليه إلا بعسر وحرج، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه إنما هو رد الناس فيه إلى المظان الظاهرة المنضبطة دفعاً للعسر عن الناس والتخبط في الأحكام، ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخيص في السفر دفعاً للمشقة المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين، ولم يعلقها بنفس المشقة، لأنها مما لا ينضبط، ولذا لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر، وإن ظن أن مشقته تزيد على المسافر الذي يقطع فرسخاً في كل يوم، وإن كان في غاية الرفاهية والدعة؛ لأن ذلك مما يختلف ويضطرب.
الثاني: أن الإجماع منعقد على صحة تعليل الحكم بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد
стр. 72
العدوان لحكمة الزجر أو الجبر١، وتعليل صحة البيع الصادر من الأهل في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر بإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه، ونحوه.
ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لما احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكمة والنظر إليها، لعدم الحاجة إليها، ولما فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة، وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما.
الثالث: أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة، فالبحث عنها للاطلاع عليها مما يفضي إلى العسر والحرج في حق المكلف، وذلك منفي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢.
стр. 73
لكن قد يقال: خالفتم عموم الآية في التعليل بالوصف الظاهر المنضبط مع ما في ذلك من المشقة.
ويجاب عنه بأن التعليل بالوصف لا ينافي العمل بعموم الآية، لأن المشقة فيه أدنى من المشقة في الحكمة المجردة الخفية المضطربة، فهي في الوصف الظاهر مشقة معتادة، والحرج إنما يتأتى في غير المعتادة، لتضمنها الضيق الذي هو الحرج.
الاعتراضات الواردة على ما استدل به الآمدي، والجواب عنها:
الأول: أنه قد يقال: ما ذكرتموه في جواز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة هو فرع إمكان ذلك، وهو غير مسلم في الحكمة، لأنها راجعة إلى الحاجات، إلى المصالح ودفع المفاسد، والحاجات مما تخفى، وتزيد وتنقص، فلا تكون ظاهرة، ولا منضبطة، وإن سلم إمكان ذلك نادراً، وأجيب عنه بأن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور، لا في ما لم تكن كذلك.
وقولهم: "إنَّ الاطلاع عليها والبحث عنها أشق من البحث عن الضابط" ليس كذلك، فإنها إن كانت ظاهرة منضبطة كالوصف فلا تفاوت.
الاعتراض الثاني على الوجه الأول:
إن البحث عن الحكمة الخفية وإن كان فيه نوع حرج ومشقة، غير أنه لا بد منه عند التعليل بالوصف الظاهر المشتمل عليها، ضرورة أنها علة لكون الوصف علة إذ لولا اشتمال الوصف عليها لما كان علة للحكم، وإذا لم يكن بد من معرفتها في جعل الوصف علة للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة للحكم من غير حاجة إلى ضابط.
وما ذكر من عدم اعتبار الترخص للحمال في الحضر دفعاً للمشقة عنه، فغايته امتناع تعليل الرخص بمطلق المشقة، بل بالمشقة الخاصة بالسفر، ولا يلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة.
стр. 74
وأجيب عنه بأن البحث عن الحكمة عند تجردها عن الضابط لا بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها، حتى نأمن الاختلاف بين الأصل والفرع فيها، وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة، ولا يكفي فيها مجرد معرفة احتمالها، بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط، فإنا نكتفي بمعرفة الضابط، ومعرفة أصل احتمال الحكمة.
الاعتراض الثالث على الوجه الثاني:
هو أن غاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على الحكمة، وليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة.
وقولكم أنه لا حاجة إليه، لا نسلم ذلك، فإن الاطلاع عليه أسهل من الاطلاع على الحكمة.
وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج إلى التعليل بالضابط.
وقولهم أن الوقوف عليه أسهل من الوقوف على الحكمة بمجردها، قلنا: فيلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة، لما فيه من تأخر إثبات الحكم الشرعي إلى زمان إمكان الاطلاع على الحكمة، مع إمكانه بالضابط في أقرب زمان، وذلك ممتنع.
الاعتراض الرابع على الوجه الثالث:
وهو أن الحرج اللازم من البحث عن الحكمة الخفية، وإن كان شاقاً، غير أنه لا يزيد على البحث عنها عند التعليل بضابطها، بل المشقة في تعرفها مع تعرف ضابطها أشق من تعرفها دون ضابطها.
وقد أجمعنا على مخالفة النص المذكور عند التعليل بالضابط، وكانت مخالفته عند التعليل بالحكمة لا غير، أقل مشقة وحرجاً، فكان أولى بالمخالفة.
وأجيب عنه بمنع التساوي في الحرج والمشقة في البحث عن الحكمة مع
стр. 75
ضابطها، ومع خلوها عن الضابط، وذلك للافتقار في البحث عنها عند خلوها عن الضابط إلى معرفة خصوصيتها وكميتها حتى يأمن التفاوت فيها بين الأصل والفرع، ولا كذلك البحث عنها مع ضابطها، فإنه لا يحتاج إلى البحث عنها أكثر من معرفة أصل احتمالها، ولا يخفى أن الحرج في تعرفها على جهة التفصيل أتم من معرفتها لا بجهة التفصيل١.
هذا والذي ترجح عندي هو القول بمنع التعليل بالحكمة، لأن الحكمة من الأمور الباطنة التي لا يمكن الوقوف على حقائق مقاديرها، لاختلاف مراتبها التي لا نهاية لها، لأنها تختلف باختلاف الصور والأشخاص والأحوال والأزمان، فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها إلى بعسر وحرج، والتكليف بما فيه عسر وحرج خلاف ما دلت عليه نصوص الشريعة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ ٣. ولذلك أناط الشارع الحكم بالوصف، فظهر أن المعتبر عند الشارع إنما هو المظنة، وإن تخلفت الحكمة كما في سفر الملك المرفه، ولو كانت الحكمة معتبرة لم يعتبر المظان عند خلوها عن الحكمة، إذ لا عبرة بالمظنة في معارضة المئنة، واللازم منتف، لأنه قد اعتبرها حيث أناط الترخص بالسفر وإن خلا عن الحكمة كما في سفر الملك المرفه، ولم ينطها بالحضر، وإن اشتمل على المشقة، كما في أرباب الصنائع الشاقة في البلاد الحارة في شدة القيظ، كالحمالين وغيرهم٤، والله أعلم.