← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9573

الوصف المناسب لشرع الحكم

أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لكن يرد على ما ذكر هنا أن الحكمة لما لم تنضبط، ولم تعلم، فإن الشارع أناط الحكم بالوصف الظاهر المنضبط، ولذا علمنا أن المعتبر عند الشارع إنما هو المظنة، وإن تخلفت الحكمة كما في سفر الملك المرفه. أدلة المذهب الثالث: استدل الآمدي على ما ذهب إليه من التفصيل بما ملخصه: أن الحكمة إن كانت ظاهرة منضبطة غير مضطربة جاز التعليل بها، للإجماع على أن الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية، فإذا كانت الحكمة وهي المقصود من شرع الحكم مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها. وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة، فيمتنع التعليل بها، لثلاثة أوجه: الأول: أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والأشخاص والأزمان والأحوال، فلا يمكن معرفة مناط الحكم منها، والوقوف عليه إلا بعسر وحرج، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه إنما هو رد الناس فيه إلى المظان الظاهرة المنضبطة دفعاً للعسر عن الناس والتخبط في الأحكام، ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخيص في السفر دفعاً للمشقة المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين، ولم يعلقها بنفس المشقة، لأنها مما لا ينضبط، ولذا لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر، وإن ظن أن مشقته تزيد على المسافر الذي يقطع فرسخاً في كل يوم، وإن كان في غاية الرفاهية والدعة؛ لأن ذلك مما يختلف ويضطرب. الثاني: أن الإجماع منعقد على صحة تعليل الحكم بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد

стр. 72

العدوان لحكمة الزجر أو الجبر١، وتعليل صحة البيع الصادر من الأهل في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر بإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه، ونحوه. ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لما احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكمة والنظر إليها، لعدم الحاجة إليها، ولما فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة، وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما. الثالث: أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة، فالبحث عنها للاطلاع عليها مما يفضي إلى العسر والحرج في حق المكلف، وذلك منفي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢.

стр. 73

لكن قد يقال: خالفتم عموم الآية في التعليل بالوصف الظاهر المنضبط مع ما في ذلك من المشقة. ويجاب عنه بأن التعليل بالوصف لا ينافي العمل بعموم الآية، لأن المشقة فيه أدنى من المشقة في الحكمة المجردة الخفية المضطربة، فهي في الوصف الظاهر مشقة معتادة، والحرج إنما يتأتى في غير المعتادة، لتضمنها الضيق الذي هو الحرج. الاعتراضات الواردة على ما استدل به الآمدي، والجواب عنها: الأول: أنه قد يقال: ما ذكرتموه في جواز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة هو فرع إمكان ذلك، وهو غير مسلم في الحكمة، لأنها راجعة إلى الحاجات، إلى المصالح ودفع المفاسد، والحاجات مما تخفى، وتزيد وتنقص، فلا تكون ظاهرة، ولا منضبطة، وإن سلم إمكان ذلك نادراً، وأجيب عنه بأن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور، لا في ما لم تكن كذلك. وقولهم: "إنَّ الاطلاع عليها والبحث عنها أشق من البحث عن الضابط" ليس كذلك، فإنها إن كانت ظاهرة منضبطة كالوصف فلا تفاوت. الاعتراض الثاني على الوجه الأول: إن البحث عن الحكمة الخفية وإن كان فيه نوع حرج ومشقة، غير أنه لا بد منه عند التعليل بالوصف الظاهر المشتمل عليها، ضرورة أنها علة لكون الوصف علة إذ لولا اشتمال الوصف عليها لما كان علة للحكم، وإذا لم يكن بد من معرفتها في جعل الوصف علة للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة للحكم من غير حاجة إلى ضابط. وما ذكر من عدم اعتبار الترخص للحمال في الحضر دفعاً للمشقة عنه، فغايته امتناع تعليل الرخص بمطلق المشقة، بل بالمشقة الخاصة بالسفر، ولا يلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة.

стр. 74

وأجيب عنه بأن البحث عن الحكمة عند تجردها عن الضابط لا بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها، حتى نأمن الاختلاف بين الأصل والفرع فيها، وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة، ولا يكفي فيها مجرد معرفة احتمالها، بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط، فإنا نكتفي بمعرفة الضابط، ومعرفة أصل احتمال الحكمة. الاعتراض الثالث على الوجه الثاني: هو أن غاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على الحكمة، وليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة. وقولكم أنه لا حاجة إليه، لا نسلم ذلك، فإن الاطلاع عليه أسهل من الاطلاع على الحكمة. وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج إلى التعليل بالضابط. وقولهم أن الوقوف عليه أسهل من الوقوف على الحكمة بمجردها، قلنا: فيلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة، لما فيه من تأخر إثبات الحكم الشرعي إلى زمان إمكان الاطلاع على الحكمة، مع إمكانه بالضابط في أقرب زمان، وذلك ممتنع. الاعتراض الرابع على الوجه الثالث: وهو أن الحرج اللازم من البحث عن الحكمة الخفية، وإن كان شاقاً، غير أنه لا يزيد على البحث عنها عند التعليل بضابطها، بل المشقة في تعرفها مع تعرف ضابطها أشق من تعرفها دون ضابطها. وقد أجمعنا على مخالفة النص المذكور عند التعليل بالضابط، وكانت مخالفته عند التعليل بالحكمة لا غير، أقل مشقة وحرجاً، فكان أولى بالمخالفة. وأجيب عنه بمنع التساوي في الحرج والمشقة في البحث عن الحكمة مع

стр. 75

ضابطها، ومع خلوها عن الضابط، وذلك للافتقار في البحث عنها عند خلوها عن الضابط إلى معرفة خصوصيتها وكميتها حتى يأمن التفاوت فيها بين الأصل والفرع، ولا كذلك البحث عنها مع ضابطها، فإنه لا يحتاج إلى البحث عنها أكثر من معرفة أصل احتمالها، ولا يخفى أن الحرج في تعرفها على جهة التفصيل أتم من معرفتها لا بجهة التفصيل١. هذا والذي ترجح عندي هو القول بمنع التعليل بالحكمة، لأن الحكمة من الأمور الباطنة التي لا يمكن الوقوف على حقائق مقاديرها، لاختلاف مراتبها التي لا نهاية لها، لأنها تختلف باختلاف الصور والأشخاص والأحوال والأزمان، فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها إلى بعسر وحرج، والتكليف بما فيه عسر وحرج خلاف ما دلت عليه نصوص الشريعة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ ٣. ولذلك أناط الشارع الحكم بالوصف، فظهر أن المعتبر عند الشارع إنما هو المظنة، وإن تخلفت الحكمة كما في سفر الملك المرفه، ولو كانت الحكمة معتبرة لم يعتبر المظان عند خلوها عن الحكمة، إذ لا عبرة بالمظنة في معارضة المئنة، واللازم منتف، لأنه قد اعتبرها حيث أناط الترخص بالسفر وإن خلا عن الحكمة كما في سفر الملك المرفه، ولم ينطها بالحضر، وإن اشتمل على المشقة، كما في أرباب الصنائع الشاقة في البلاد الحارة في شدة القيظ، كالحمالين وغيرهم٤، والله أعلم.

стр. 76

المبحث الرابع: في تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي اتفق الأصوليون على جواز تعليل الحكم الثبوتي بالوصف الثبوتي، كالتحريم بالإسكار، والعدمي بالعدمي كتعليل عدم نفاذ التصرف بعدم العقل، والعدمي بالوجودي، كتعليل عدم نفاذ التصرف بالإسراف١. واختلفوا في تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي على مذهبين: الأول: أنه لا يجوز، وعزاه صاحب تيسير التحرير٢ لصاحب البديع٣، وهو اختيار الآمدي، وابن الحاجب٤. المذهب الثاني: يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي، وهو قول الأكثر، وممن قال به الفخر الرازي، والبيضاوي٥. واستدل أهل المذهب الأول بما يأتي: الأول: أن الإعدام لا تتميز عن غيرها، وما لا يتميز عن غيره لا يصح أن يكون علة، لأن العلة لا بد وأن تكون متميزة عما ليس بعلة، وإلا لم تكن علة٦.

стр. 77

وأجيب عنه "بأن العدم الذي يقع التعليل به لا بد وأن يكون عدم شيء بعينه، فهو عدم متميز، فيصح التعليل به، كما تقول: عدم علة التحريم علة الإباحة في جميع موارد الشريعة، لأن الإسكار علة التحريم والتنجيس، فإذا عدم ثبت التطهير والإباحة"١. الثاني: أن المجتهد يجب عليه سبر كل وصف يمكن أن يكون علة ليميز الوصف الصالح للعلية عن غيره، فلو كانت الإعدام صالحة للعلية، لوجب عليه سبرها، لكنه لا يجب عليه سبرها، وذلك يدل على أن الوصف العدمي لا يصلح للعلية٢. ويجاب عن هذا الدليل بأنه وإن سلم أن المجتهد لا يبحث في السبر والتقسيم عن الأوصاف العدمية، فإن ذلك إنما سقط عنه لعدم قدرته عليها، لأن الإعدام غير متناهية٣. الثالث: لو كان الوصف العدمي علة للحكم الثبوتي لكان مناسباً، لأن العلة هي الأمر المناسب لمشروعية الحكم أو مظنته، لما علم من أن الوصف الجامع لا بد وأن يكون مشتملاً على حكمة صالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم، والعدم المعلل به إما: عدم مطلق أو عدم مخصص بأمر يضاف إليه. أما العدم المطلق فواضح أنه لا يعلل به، لأنه ليس مناسباً ولا مظنة للمناسب، لأنه نسبته إلى جميع المحال والأحكام سواء، فلا يصلح أن يكون علة. وأما العدم المخصص بأمر، فلأنه إما أن يكون وجود ذلك الأمر منشأ لمصلحة أو لمفسدة، أو لا يكون، فإن كان منشأ لمصلحة فباطل، لأن اعتبار عدمه تفويت لتلك المصلحة، فلا يصلح مقصوداً.

стр. 78

وإن كان منشأ لمفسدة، فهو مانع، وعدمه عدم مانع، وعدم المانع ليس علة، بل لا بد معه من مقتض، كما يقال: أعطاه لعلمه، أو لفقره، وسافر للعلم وللتجارة، ولو علل شيء منها بعدم المانع لعد جنوناً أو سخفاً١. هذا إن كان وجوده منشأة لمصلحة، أو لمفسدة حتى يكون عدمه مناسباً. وإن لم يكن كذلك حتى يكون عدمه مظنة، فإما أن يكون وجوده منافياً، لمناسب أولاً، فإن كان وجود ذلك الأمر منافياً لمناسب لمشروعية ذلك الحكم، فذلك الأمر بحيث يستلزم وجوده عدم المناسب تحقيقاً للمنافاة، ويجب أيضاً أن يستلزم عدمه وجود نقيض المناسب لتحصل بذلك العدم الحكمة، وحينئذ يكون هو نقيض المناسب، ويكون حاصله أنه كلما عدم نقيض المناسب فالحكم كذا، ويجعل عدم نقيض المناسب مظنة لوجود المناسب. وهذا لا يصح، لأن نقيض المناسب، إن كان وصفاً ظاهراً منضبطاً أغنى عن المظنة بنفسه، وإن كان هو العلة في الحقيقة، وإن كان خفياً فنقيضه وهو ما عدمه مظنة أيضاً خفي، لاستواء النقيضين٢ جلاء وخفاء، والخفي لا يصلح مظنة للخفي. وإن لم يكن منافياً لمناسب، فالمناسب يحصل عند وجوده كما يحصل عند عدمه، فيكون وجوده وعدمه سواء في تحصيل المصلحة، فليس كون عدمه علة بأولى من أن يكون وجوده علة، فلا يصلح عدمه علة، وقد فرض علة٣. مثال ذلك قولك: يقتل المرتد لعدم إسلامه، فذلك إما لأن في قتله مع

стр. 79

الإسلام مصلحة، فيلزم من اعتبار عدمه تفويتها، أو فيه مفسدة فغايته أن إسلامه مانع، فما المقتضى لقتله؟ وإن كان القتل مع الإسلام بنافي مناسباً للقتل وهو الكفر مثلاً، فإن كان الكفر ظاهراً فيقال يقتل لأنه كافر، وإن كان مع الإسلام ينافي مناسباً للقتل خفياً، وهو الكفر، فالإسلام كذلك أخفى، لأنه نقيضه، والنقيضان، مثلان، إذ لا فرق ضرورة بين معرفة الكفر، ومعرفة عدم الإسلام في الخفاء، وإن كان القتل لا ينافي مناسباً، فليس الكفر هو المناسب، ولذلك قال الإمام مالك١ ﵀ يقتل وإن رجع إلى الإسلام٢. فالمناسب شيء آخر يجتمع مع الإسلام، فالإسلام وعدمه سواء في تحصيل المصلحة، فلا يكون عدمه مظنة٣. وأجاب عنه السعد بما نصه: "إن ما ذكر مغلطة حلها أنا نختار أن ذلك الأمر الذي يضاف إليه العدم كالإسلام في المثال السابق ينافي مناسباً، ولا يلزم ما ذكر من جعل عدم نقيض المناسب مظنة المناسب، لجواز أن يكون عدم نقيض المناسب، وهو عدم الإسلام نفس المناسب، بأن يتعلق به إيجاب القتل، ويحصل ذلك المقصود الذي هو التزام الإسلام.

стр. 80

وإن أردتم أن هناك أمراً آخر وجودياً هو المناسب، نختار أن ذلك الأمر الذي يضاف إليه العدم، وليس منافياً له، بل يجامعه، ولا يلزم ما ذكرتم من أن وجود ذلك الأمر، أعني الإسلام وعدمه سواء في تحصيل المصلحة، بل عدم الإسلام أعني ترتب القتل على عدم الإسلام يستلزم المصلحة، التي هي التزام الإسلام، ووجود الإسلام أعني القتل مع الإسلام لا يستلزمها، كما أنه لا ينافيها"١. كما يجاب عن أدلة المانعين أيضاً بأنه إن صح ما ذكر من منع تعليل الوجودي بالعدمي، لزم أن لا يصح تعليل العدمي بالعدمي أيضاً، بعين ما ذكر، مع أنهم متفقون على تعليل العدمي بالعدمي٢. لكن يرد على ما ذكر من اتفاق الأصوليين على تعليل العدمي بالعدمي، ما صرح به صاحب التحرير وشارحاه، فإنهم بعد أن ذكروا محل الخلاف والوفاق قالوا: إن الحنفية يمنعون التعليل بالعدم مطلقاً، أي المطلق والمضاف، أن يكون علة لوجودي أو عدمي، والدليل المذكور للنافين تعليل الوجودي بالعدمي خاصة يصلح للحنفية النافين له مطلقاً، لأن الدليل المذكور يبطل كون العدمي علة لوجودي أو عدمي، لانتفاء المناسبة ومظنتها فيه، كيف لا وهو ليس بشيء؟ فلا يصلح حجة لإثبات الأحكام، وعدم الحكم لا يحتاج إلى علة، لأنه ثابت بالعدم الأصلي، فلا يصلح العدم علة للعدم، ولا للوجود٣. غير أن أدلة المانعين تعليل الوجودي بالعدمي قد تقدمت الإجابة عنها بما ملخصه أن ما ادعوه من عدم التمييز في الإعدام غير مسلم؛ لأن العدم الذي يقع التعليل به لا بد أن يكون عدم شيء بعينه، فهو عدم متميز.

стр. 81

وما استدلوا به من أنه لو كانت الإعدام يعلل بها لوجب على المجتهد سبرها، كما هو الشأن في الأوصاف الصالحة للعلية، فقد أجيب عنه بأن ذلك إنما سقط عنه لعدم قدرته عليها، لأنها غير متناهية. وما ادعوه من عدم المناسبة في العدم، فقد أجيب عنه بأنه ثبت أن في ترتب القتل على عدم الإسلام تحقيق المصلحة التي هي التزام الإسلام خوفاً من القتل. مع أن ما ذكروه من الاتفاق على تعليل العدمي بالعدمي يقتضي تعليل الوجودي بالعدمي من باب أولى، لأن الخفاء الذي به منع من منع تعليل الوجودي بالعدمي أشد فيما كان طرفاه عدميين منه فيما كان طرفه وجودياً، والآخر عدمياً. ولما كان يرد على الحنفية إنهم عللوا كثيراً من الأحكام بالعدم كما في المثال السابق، أجابوا عنه بأنه المناسب في المثال المذكور الكفر، وهو اعتقاد قائم بذات الكافر وجودي ضد الإسلام، ويستلزم الكفر عدم الإسلام كما هو شأن الضدين في استلزام كل عدم الآخر، فإضافة القتل في المثال إلى عدم الإسلام - حيث قيل: يقتل لعدم إسلامه - إنما تكون لفظاً أي بحسب الظاهر، وفي المعنى والحقيقة إلى أمر وجودي وهو الكفر في المثال، غير أنه تجوز بالإضافة إلى لازمه. قالوا: ويضطرد تعليل العدم بالعدم في عدم علة ثبت اتحادها بمعنى ليس لحكمها علة غيرها لعدم حكمها١. غير أن ما أجابوا به عما أورد عليهم في تعليلهم كثيراً من الأحكام بالعدم عدولاً منهم عن الحقيقة إلى الأخذ بظاهر اللفظ والتجوز، فإن ذلك إنما يسوغ عند تعذر الحقيقة، وهي هنا غير متعذرة، إذ لا محذور شرعاً في تعليل قتل المرتد لعدم إسلامه، وقد تقدم أن في ترتب قتله على عدم الإسلام إبقاء لمصلحة الإسلام خوفاً من القتل، والله تعالى أعلم.

стр. 82

أدلة المذهب الثاني: استدل أهل المذهب الثاني على ما ذهبوا إليه من تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي بما يلي: الأول: قالوا: صح تعليل الضرب بعدم الامتثال مع أن الضرب وجودي، وعدم الامتثال عدمي، فإنه يصح أن يقال فيما إذا أمر السيد عبده بفعل فلم يمتثل أمره، فضرب السيد عبده: إنما ضربه لأنه لم يمتثل أمره، ولو لم يجز التعليل بالعدم لما صح هذا. الثاني: أن معرفة كون المعجز معجزاً أمر وجودي، وهو معلل بالتحدي بالمعجزة مع انتفاء المعارض لها بمثلها، وانتفاء المعارض جزء العلة، وهو عدم، وما جزؤه عدم، فهو عدم، وقد علل به وجودي. الثالث: أنه قد يحصل دوران الحكم مع بعد الإعدام، وهو علة لمعرفة كون المَدار علة، وكونه علة وجودي، وجزء الدوران عدم لأن الدوران مركب من الطرد١، والعكس٢، والعكس عدم، إذ الدوران عبارة عن الوجود مع الوجود، والعدم مع العدم. نوقشت هذه الأدلة بما يأتي: أما الأول فقيل عنه: بأن التعليل إنما هو بالكف عن الامتثال، وهو أمر ثبوتي محقق. وعن الثاني والثالث: بأن العدم في المعجز، والدوران شرط، وكون العكس معتبراً في الدوران لا يستلزم دخوله في ماهيته، لجواز أن يكون أحد جزئيه وهو الطرد علة، والآخر وهو العكس شرطاً، فيتوقف تأثير المشروط عليه حتى لا يؤثر الطرد بمجرده، ويؤثر معه، ولا بدع في كون الشرط عدمياً، ولو سلم كون التحدي لا يستقل علة لمعرفة المعجز، بل يحتاج إلى شيء آخر معه في العلية، فهو

стр. 83

معرف للمعجزة، والكلام في العلة المشتملة على المناسب الباعث على الحكمة لا بمعنى المعرف١. لكن يرد على هذا ما جاء في حاشية السعد ونصه: "وذكر بعض الشارحين أن المراد من شروط العلة أن لا يكون العدم جزءاً من علة الوجودي، وهو مصرح به في بعض النسخ، ولا خفاء في أن التعريف لا يحصل إلا بمجموع الأمرين، ولا نعني بكون العدم جزءاً له سوى هذا، وهذا هو المراد بقوله - يعني العضد - ولا يخفى أن نفس التحدي لا يستقل بتعريف المعجز، بمعنى أن لا يكون لشيء آخر مدخل في التعريف"٢. وإذا كان التعريف لا يحصل إلا بمجموع الأمرين: التحدي مع انتفاء المعارض، والطرد مع العكس، وكان كل من الأمرين معتبراً في إثبات العلة تعين أن يكون جزء العلة عدماً، وذلك يصحح تعليل الوجودي بالعدمي، مع "أن المحتاج إليه في التعليل مجرد العلم بأنه علامة، فحيث حصل العلم بذلك من الشارع نصاً أو استباطاً أمكن الاستدلال به في الجزئبات المعينة، وكونه أخفى في ذاته لا يؤثر في ذلك، والعدم يقبل الظهور بالمعنى المراد في المقام، ولولا ذلك لامتنع تعليل العدمي بالعدمي، مع أنه كذلك اتفاقاً"٣. والصفات الإضافية وجودية عند الفقهاء والفلاسفة، عدمية عند المتكلمين، إلا أن وجودها في الذهن فقط. أما في الخارج فهي عدمية، وأما الأوصاف العدمية فهي عدمية في الذهن والخارج، فهذا هو الفرق بين القسمين.

стр. 84

فعلى القول بوجود الصفات الإضافية يجوز التعليل بها مطلقاً وعلى القول بعدمها بجوز تعليل العدم بها على ما تقدم. ويجري الخلاف في تعليل الوجودي بها على ما تقرر أيضاً، كما يجري الخلاف في العلة المركبة من جزئين أحدهما وجودي والآخر عدمي. وإذا كان المعنى الواحد عبارتان إحداهما نفي والأخرى إثبات صح التعليل بالإثبات بلا خلاف، وجرى الخلاف في النفي١. وظاهر كلام الجلال المحلى صحة التعليل بالعدم المستلزم للمصلحة، وإن كان معه وجودي نظراً لترتب المصلحة على كل، قال: "ومن أمثلته تعليل الثبوتي بالعدمي ما يقال: يجب قتل المرتد لعدم إسلامه، وإن صح أن يقال لكفره، كما يصح أن يعبر عن عدم العقل بالجنون؛ لأن المعنى الواحد قد يعبر عنه بعبارتين: منفية ومثبتة، ولا مشاحة في التعبير"٢.

стр. 85

المبحث الخامس التعليل بالعلة القاصرة العلة القاصرة إما أن تكون: منصوصة، أو مستنبطة، فإن كانت ثابتة بنص أو إجماع، فقد اتفق الأصوليون على جواز التعليل بها١، "لأن النص تعبد من الشارع يجب تلقيه بالقبول"٢. وإن كانت ثابتة باستنباط، فقد اختلفوا فيها على مذهبين: الأول: أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة القاصرة، وإن كان الحكم لا يتعدى بها إلى محل آخر لعدم تحققها فيه، وإلى هذا ذهب ابن الحاجب، والإمام الفخر الرازي، وأتباعه، ونقله الآمدي عن الشافعي٣، وأصحاب أحمد بن حنبل٤،

стр. 86

والقاضي أبي بكر١، والقاضي عبد الجبار، وأبي الحسين البصري، وأكثر الفقهاء والمتكلمين، وقال: إنه المختار٢. وعزاه صاحب تيسير التحرير إلى جمهور الفقهاء، ومنهم السمرقنديون، والشافعي وأحمد، قال: واختاره صاحب الميزان٣، والمصنف٤ يعني الكمال بن الهمام. المذهب الثاني: لا يجوز التعليل بها، وعزاه صاحب التحرير وشارحه لجمع من الحنفية كالكرخي٥ من المتقدمين، وأبي زيد٦ من المتأخرين، ومشايخ العراق، وأكثر المتأخرين٧.

стр. 87

أدلة المذهب الأول: استدل أهل المذهب الأول القائلون بجواز تعليل الحكم بالعلة القاصرة بما يأتي: الأول: قالوا: إن الظن حاصل بأن الحكم لأجلها، لأنه المفروض، وهو معنى صحة التعليل بها، بدليل صحة العلة القاصرة المنصوصة اتفاقاً، والمجمع عليها أيضاً، وإن لم يفد كل منهما إلا الظن، ولو كان معنى التعليل القطع بأن الحكم لأجلها لم يصح التعليل بها١. الثاني: "أنه لو كانت صحة العلية موقوفة على تعديتها، لم تكن تعديتها موقوفة على صحتها، لامتناع الدور، واللازم منتف، للاتفاق على توقف التعدية على ثبوت العلية الموقوف على صحتها"٢. وأجيب على الدور بأنه دور معي، لا دور تقدم٣، لأن العلة لا تكون إلا متعدية، لا أن كونها متعدية ثبت أولاً، ثم تكون علة، والمتعدية لا تكون إلا علة، لا أنها تكون علة ثم تكون متعدية.

стр. 88

والدور المحال إنما هو دور التقدم، وهو ما يلزم منه اجتماع النقيضين بتقدم شيء على نفسه، وتأخره عن نفسه١. الثالث: أن الوصف القاصر قد يدور مع الحكم وجوداً وعدماً، والدوران دليل العلية، فيكون الوصف القاصر علة٢. أدلة المذهب الثاني: واستدل أهل المذهب الثاني القائلون بعدم جواز التعليل بها بما يأتي: الأول: أنه لا فائدة في التعليل بالعلة القاصرة، لأن فائدة العلة منحصرة في إثبات الحكم بها، وإثبات الحكم بها منتف، لأن الحكم في الأصل ثابت بالنص أو الإجماع، وأما في الفرع، فلأن المفروض أنها قاصرة، وإثبات ما لا فائدة فيه لا يصح شرعاً ولا عقلاً٣، نوقش هذا الدليل بأمرين: الأول: النقض بالعلة القاصرة إذا ثبتت بنص أو إجماع، فإن هذا الدليل بعينه يجري فيها، مع جواز التعليل بها اتفاقاً٤. الأمر الثاني: أنه وإن سلم امتناع إثبات الحكم بالعلة القاصرة، لكونه ثابتاً بالنص أو الإجماع، وأن فائدة العلة إنما هي إثبات الحكم بها، لكن لا يسلم انحصار فائدتها في ذلك، بل لها فوائد أخرى هي: الأولى: معرفة كونها باعثة على الحكم بما اشتملت عليه من المناسبة، فإن الحكم إذا عرفت حكمته كان أقرب إلى القبول والإذعان، مما لم تظهر مناسبته، وكان أبعد من التعبد المحض، وإذا كان كذلك كان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم، فكان التعليل بها مفيداً٥.

стр. 89

الثانية: إذا كانت العلة قاصرة، وقدر وصف آخر متعد، امتنع القياس على محلها، لمعارضة المتعدي لها، فيتوقف عن القياس، لأجل تلك المعارضة، إذ يجوز أن تكون العلة مركبة من الوصفين، وحينئذ فلا تعدية؛ لأن المركب من متعد وغير متعد، غير متعد، إذ لا يوجد في الفرع إلا بعض العلة الذي هو جزؤها المتعدي، والعلة يشترط وجودها في الفرع بتمامها. فإن قيل: يجوز أن يكون كل من الوصف القاصر والمتعدي علة مستقلة، أجيب بأنه تسقط العلية للاحتمال. فإن قيل: التعدية كافية في ترجيح استقلال المتعدي على كونه جزءاً١. أجيب بأنه هنا معارض بمرجح آخر لكونه جزءاً، وذلك المرجح هو أن احتمال اجتماع علتين خلاف الغالب، وموافقة الغالب من المرجحات، فيتعارض الترجيح بالترجيح، فيلزم التوقف عن القياس، كما في تعليل طهورية الماء بالرقة واللطافة، ولا يوجد ما يماثل الماء فيها حتى يتعدى ذلك الوصف إليه، فهذه علة قاصرة على الماء، فلو عللها مستدل آخر بالإزالة لكل ما يتقذر، وهذا الوصف متعد لغير الماء من المائعات، فإنه لا يجوز الإلحاق بهذا الوصف المتعدي، لاحتمال عدم استقلاله بالعلة، إذ يحتمل أن تكون العلة مركبة منه ومن الوصف القاصر، كما تقدم٢. الثالثة: أنها تفيد العلم أو الظن بما كان مجهولاً، والعلم بالمجهول هو غاية النفوس ومحبوب القلوب، ولا يمتنع أيضاً أن تكون فيه مصلحة أخرى٣. الرابعة: أنها تقوي النص الدال عل معلولها، لأن التعليل كنص آخر، فإذا

стр. 90

كان النص ظاهراً قابلاً للتأويل تقوى بالعلة، وامتنع تأويله، وكذلك إذا كان قطعياً بناء على أن اليقين يتفاوت١. الدليل الثاني: أن العلة الشرعية أمارة، فلا بد وأن تكون كاشفة عن شيء، والعلة القاصرة لا تكشف عن شيء، فلا تكون إمارة، فلا تصح علة٢. نوقش هذا الدليل بأنا لا نسلم أنها لا تكشف عن حكم، بل تكشف عن المنع عن استعمال القياس، وإن سلم لكنها تكشف عن حكمة الحكم٣. قال سعد الدين التفتازاني: "واعلم أنه لا معنى للنزاع في التعليل بالعلة القاصرة غير المنصوصة؛ لأنه إن أريد عدم الجزم بذلك، فلا نزاع، وإن أريد عدم الظن فبعد ما غلب على رأي المجتهد علية الوصف القاصر، وترجح عنده ذلك بأمارة معتبرة في استنباط العلل، لم يصح نفي الظن ذهاباً إلى أنه مجرد وهم"٤. الخلاف لفظي: الخلاف لفظي؛ لأن التعليل في اصطلاح الحنفية النافين للتعليل بالعلة القاصرة - هو القياس بمعنى أن العلة عندهم لا تكون إلا متعدية، وأما القاصرة فهي إبداء الحكمة وليست علة، والمثبت للتعليل بالعلة القاصرة يرى أن العلة أعم من المتعدية، فهي شاملة للمتعدية والقاصرة، غاية الأمر أن النافي للتعليل بالقاصرة يريد بذلك نفي المتعدية، وهذا لا يخالف فيه أحد، للاتفاق على أن القاصرة لا تعدية لها، والمثبت لجواز التعليل بها يريد به العلة القاصرة التي هي عند المانع إبداء الحكمة، وهذا لا يخالف فيه أحد أيضاً، فلم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد، فلا خلاف في المعنى.

стр. 91

وقد قرر ابن أمير الحاج ذلك بقوله: "ولا شك أنه لفظي، لأن التعليل هو القياس عند الحنفية، وأعمّ عند الشافعية، فالنافي يريد القياس، والمثبت يريد ما ليس منه بقياس، وكلاهما حق، إذ لا قياس بدون التعدية، ولا مانع من إبداء الحكمة، وإن لم يعم مواقع الحكم كلها"١. صورة العلة القاصرة: الأولى: أن تكون العلة القاصرة محل الحكم كتعليل الربا في الذهب والفضة بالذهبية والفضية. اختلف الأصوليون في جواز التعليل بالعلة القاصرة إذا كانت محل الحكم، فمنعها بعض، وأجازها البعض الآخر، وخرج الإمام الفخر الرازي التعليل بمحل الحكم على العلة القاصرة، وصحح التعليل به، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة، لأنه لا يستبعد أن يقول الشارع حرمت الربا في البر لكونه براً، أن يعرف كون البر مناسباً لحرمة الربا٢. وأجازه الآمدي، وقال: لأنه لا بد من استلزام محل الحكم لحكمة داعية إلى ذلك الحكم كاستلزام الأوصاف العامة لمحل الأصل والفرع٣. وقد بين القرافي الفرق بين العلة القاصرة، ومحلها ووجه المناسبة بقوله: "إن الفرق بين المحل والعلة القاصرة من حيث الصورة والمعنى، لا من حيث جواز التعليل، أن العلة القاصرة قد تكون وصفاً اشتمل عليه محل النص لم يوضع اللفظ له، والمحل ما وضع اللفظ له كوصف البرية مثلاً، إذا قيل: إن البر اشتمل على نوع من الحرارة والرطوبة لاءم به مزاج الإنسان ملاءمة لا تحصل بين الإنسان والأرز، فإن الأرز حار يابس يبساً شديداً ينافي مزاج الإنسان، فحرم الربا في البر، ومنع بدل واحد منه باثنين لأجل هذه الملاءمة الخاصة التي لا توجد

стр. 92

في غير البر، فهذه علة قاصرة لا محل، وأما وصف البرية بما هي برية فهو المحل. فلذلك حسن من الإمام تخريج التعليل بالمحل على التعليل بالعلة القاصرة، ولو كان شيئاً واحداً لم يحسن التخريج، ولا التعريف، "قال: "إذا ظهر لك الفرق بينهما، فكل ما يذكر في العلة القاصرة من الحجاج بين الفريقين نفياً وإثباتاً، فهو بعينه يذكر ههنا"١. الثانية: أن تكون جزء المحل الخاص به دون غيره، كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما، إذ الخروج جزء معنى الخارج، فإن معناه ذات متصفة بالخروج. الثالثة: أن تكون وصف المحل الخاص به دون غيره، كتعليل الربا في الذهب والفضة، بكونهما أثمان الأشياء، وهذا الوصف لازم لهما في غالب أقطار الدنيا. فخرج بالخاص واللازم غيرهما، فلا ينتفي التعدي عنه، لكونه علة غير قاصرة، كتعليل الحنفية النقض فيما ذكر، وهو الخارج من السبيلين بخروج النجس من البدن الشامل لما ينقض عندهم من الفصد ونحوه من كل نجس، فالخروج من البدن جزء معنى الخارج، وهو غير خاص بالخارج من السبيلين، لصدقه بخروج الدم بالفصد والرعاف، وغيرهما٢. وقد عقد صاحب مراقي السعود فائدة التعليل بها، وصورها بقوله: وعللوا بما خلت من تعديه ... ليعلم امتناعه والتقويه منها محل الحكم أو جزء وزد ... وصفاً إذا كلاً لزومياً يرد٣

стр. 93

المبحث السادس تعليل الحكم بعلتين أو علل كل علة مستقلة اتفق الأصوليون على جواز تعليل الحكم الواحد بعلل في كل صورة بعلة، واختلفوا في جواز تعليله في صورة واحدة بعلتين أو أكثر معاً على مذاهب: الأول: أنه لا يجوز مطلقاً، سواء كانت منصوصة أو مستنبط، وهو اختيار الآمدي، وعزاه للقاضي أبي بكر، وإمام الحرمين. الثاني: أنه يجوز مطلقاً، وبه قال الجمهور١. الثالث: يجوز في المنصوصة دون المستنبطة، وبه قال القاضي أبو بكر، وابن فورك٢، والإمام الفخر الرازي، وعزاه الآمدي للغزالي٣. الرابع: بجوز في المستنبطة دون المنصوصة، حكاه ابن الحاجب في مختصره، وقال ابن السبكي: لم أره لغيره٤. الخامس: ذكر ابن السبكي والمحلى أن إمام الحرمين أجازه عقلاً، ومنعه شرعاً٥. أدلة المذهب الأول: استدل أهل المذهب الأول القائلون بالمنع مطلقاً بما يأتي:

стр. 94

الأول: أنه لو جاز تعليل الحكم الواحد بعلتين كل منهما علة مستقلة، لزم التناقض، لأن كل واحدة تكون مستقلة، وغير مستقلة؛ لأن معنى الاستقلال ثبوت الحكم بكل واحدة منهما من غير حاجة إلى الأخرى، والفرض أنه لا يثبت الحكم بها، لفرض استقلال غيرها بثبوته، فيلزم التناقض، لثبوت الحكم بكل، وعدم ثبوته به، لثبوته بالآخر١. واعترض عليه بمنع لزوم الأمرين: الاستقلال، وعدمه، ووجوب الحكم بهما وعدمه، وذلك لأنه إنما يلزم لو كان معنى الاستقلال ما ذكر، وليس كذلك، بل معناه كونها بحيث إذا وجدت منفردة ثبت بها الحكم، وهذه الحيثية ثابتة للعلية في الترتيب والمعية، كما هي ثابتة لها في الانفراد، فلا يلزم عدم الاستقلال أصلاً، كما لا يلزم في صورة الاجتماع الثبوت بها، وعدمه، لأن الثبوت حينئذ بهما جميعاً، فهي مستقلة في هذه الحالة بمعنى أنها بحيث إذا وجدت منفردة ثبت الحكم بها، وبذلك يندفع عدم الاستقلال٢. "وكذلك لزوم التناقض عند الاجتماع، فإن انتفاء الاستقلال عند الاجتماع، لا ينافي الاستقلال على تقدير الانفراد، وثبوت الاستقلال على تقدير الانفراد أمر ثابت عند الاجتماع"٣. كما اعترض عليه القرافي "بأن علل الشرع معرفات، لا مؤثرات، والمحال المذكور إنما يلزم في المؤثرات، ويجوز اجتماع معرفين فأكثر على مدلول واحد كما يعرف الله تعالى وصفاته العلية بكل جزء من أجزاء العالم"٤.

стр. 95

الثاني: قالوا: جواز تعدد العلل يجيز اجتماع المثلين، لجواز اجتماعهما في محل واحد، وكل منهما يوجب ما يوجبه الآخر، فموجباهما مثلان، وقد اجتمعا في محل واحد، واجتماع المثلين يوجب اجتماع النقيضين؛ لأن المحل يستغني في ثبوت حكمهما له بكل واحد منهما عن الآخر، فيكون مستغنياً عن كل واحد منهما غير مستغن عنهما كعلمين لمعلوم واحد في محل ثبت له حكم العلم، وهو العالمية، والحال أنه حكم واحد لا تعدد فيه، فيكون في العالمية يحتاج إلى كل من العلمين، مستغنياً عنه بالآخر، فهذا لازمه مطلقاً. قالوا: وإذا فرض الترتيب بحصول أحدهما بعد الآخر، لزم تحصيل الحاصل أيضاً١. وأجيب عنه: بأنه إنما يلزم ذلك لو كانت العلة المستقلة عقلية، لأنها هي التي تفيد وجود أمر، وأما العلة الشرعية المفيدة للعلم بالوجود، فلا يلزم التناقض في تعددها واجتماعها، لأنها بمعنى الدليل، واجتماع أدلة على مدلول واحد جائز٢. وقد يجاب عنه أيضاً بما سبق من أنه في حالة الاجتماع يكون كل جزء علة، والعلة المجموع، وعلى تقدير الاستقلال قد يتخلف عنه المعلول لمانع هو الحصول بعلة أخرى٣. الثالث: اشتغال الأئمة بالترجيح في علل الربا أهي: الطعم، أو الكيل، أو القوت، يدل على استقلال كل بالعلية؛ إذ لو جاز تعدد العلل لقالوا به، ولم يشتغلوا بالترجيح لتعيين واحدة منها، ونفي ما سواها٤. وأجيب عنه: بأن تعلق الأمة بها لم يكن للترجيح، وإنما كان لتعيين ما يصلح علة مستقلة، وإبطال التعليل بما سواها، وعلى فرض التسليم، فالإجماع على أن

стр. 96

العلة إحدى المذكورات، ولولا الإجماع على هذا لوجب جعل كل واحدة منها جزء علة، ومنع المصير إلى الترجيح، لأن المفروض أنهم يرون صلاحية كل للعلية، ولا دليل على إلغاء واحدة منها، فوجب اعتبارها جميعاً، وذلك قول بالجزئية، ليكون الكل داخلاً في العلية، لا سيما عند عدم ظهور وجه الترجيح١. الرابع: أن تعليل الحكم بعلتين يفضي إلى نقض العلة، وهو قادح في العلة، بيان ذلك أنه إذا وجدت إحداهما ترتب عليها الحكم، فإذا وجدت الأخرى بعد ذلك لم يترتب عليها شيء، فقد وجدت العلة الثانية من غير أن يترتب عليها حكمها، لتقدم ترتبه على الأخرى، فيلزم وجود العلة بدون وجود مقتضاها، وهو نقض للعلة٢. وأجيب عنه: بأن النقض لقيام المانع لا يقدح في العلة، هذا إذا كانتا منصوصتين، أما إذا كانتا مستنبطتين، فلا سبيل إلى التعليل بهما، لأن الشرع إذا ورد بحكم مع أوصاف مناسبة، وجب اعتبار كل واحد منها جزء علة لا علة مستقلة، لأن الأصل عدم الاستقلال حتى يرد من الشرع ما يدل على استقلال واحد منها، فيستقل٣. أدلة المذهب الثاني: واستدل أهل المذهب الثاني القائلون بالجواز مطلقاً بما يأتي: الأول: أنه لو لم يجز، لم يقع ضرورة، وقد وقع، فإن البول واللمس والمذي والرعاف والغائط أمور مختلفة الحقيقة، وهي علل مستنبطة للحدث، وكل واحدة منها توجب الحدث، وإيجاب الحدث بكل واحدة منها بانفرادها دليل الاستقلال،

стр. 97

وكذلك القتل العمد العدوان والردة والزنا بعد الإحصان، كل واحدة منها علة مستقلة تحل القتل، لثبوت القتل بكل واحدة منها١. الثاني: "أنه لو امتنع تعدد العلل، لامتنع تعدد الأدلة، لأن العلل الشرعية أدلة، لا مؤثرات"٢. اعترض على ما استدلوا به بما يأتي: أما الأول: فقد اعترض عليه الآمدي بما ملخصه أن اتحاد الحكم ممنوع، بل هو متعدد شخصاً، وإن اتحد نوعاً، ولذا فإنه لا يلزم من انتفاء إباحة القتل بعد العودة عن الردة إلى الإسلام، انتفاء الإباحة في باقي الأسباب، ولا من انتفاء الإباحة بسبب إسقاط القصاص بعفو ولي الدم انتفاؤها في باقي الأسباب، وأيضاً فإنه بدل على تعدد الحكم أن الإباحة بجهة القتل العمد العدوان غيرها في الباقي، لأنها في القتل العمد العدوان حق للآدمي خالص، ولذلك يمكن إسقاطه مطلقاً. وأما بجهة الزنا والردة فحق الله تعالى خالص دون الآدمي، وذلك غير متصور في شيء واحد، ثم على تقدير الاستيفاء يقدم حق الآدمي، لأن حقه مبني على الشح والمضايقة، أما حق الله تعالى فهو مبني على التسامح والمساهلة من حيث أن الآدمي يتضرر بفوات حقه دون الباري تعالى. وأما المسّ واللمس وباقي الأسباب في الأحداث المترتبة عليها متعددة على رأي لنا، وعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها، لارتفع الباقي، فأحكامها أيضاً متعددة، لا أنها حكم واحد، والنزاع إنما هو في تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلتين٣. وأجيب عن هذا الاعتراض: بأنه لو تعددت الأحكام ثم، لكان تعددها

стр. 98

بالإضافات إلى أدلتها، إذ ليس ثم ما به الاختلاف إلا ذلك، وتعدد العلل بالإضافات باطل، لأن إضافة الحكم إلى أحد الدليلين تارة، وإلى الآخر تارة أخرى لا توجب تعدداً في ذات المضاف، وهو الحكم كما في الحدث في المثال الأول، وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط مثلاً، فكان يتصور أن يرتفع أحد الأحداث بالوضوء الواحد ويبقى غيره١. وأورد صاحب التحرير وشارحاه على هذا الجواب أنَّ وجوب الوضوء لكل، وارتفاع أحدهما مرة دون الآخر إنما هو إلى الشرع، فجاز أن يعتبر التلازم بين المسببات في الارتفاع كالحدث المسبب عن البول والمذي والرعاف مثلاً. فإذا ارتفع أحدها لا يبقى الآخر، ولا يعتبر التلازم في مسببات أخرى كالقتل المسبب عن الردة، والقتل العمد العدوان، وعن زنى المحصن، إذا ارتفع أحدها ولا يرتفع الآخر، فثبوت ارتفاع بعض هذه الأحكام دون بعض يكفي دليلاً على تعدد الأحكام في تلك الصورة بسبب خصها، لا في غيرها كما في القتل، لأن القتل فيها كما تقدم منه ما هو حق الله تعالى، يجب على الإمام، ولا يصح فيه العفو ولا البدل، والآخر هو قتل القصاص حق للعبد بجوز له بإذن الإمام، ويصح فيه العفو والبدل٢. ثم ذكروا ما تقدم عن الآمدي من منع كون الحكم في المذكورات واحداً بالشخص، بل هو واحد بالنوع، واستظهروا بعد الواحد بالشخص من الشرع، واستدلوا على ذلك بأن شخصية متعلق الحكم كماعز٣ مثلاً لا توجب تشخص الحكم، لأن ثبوته في ذلك لواحد إنما هو باعتبار اندراجه في كلى كالزاني، أما ما يوجب شخصية الحكم فإنما يكون مخصوصاً بمتعلق خاص بعينه شرعاً كشهادة

стр. 99

خزيمة١ في الاكتفاء بها وحدها من حيث هو متعلقها، ولا تعدد في مثل هذا٢. غير أن ما ذكروه مدفوع بما تقدمت الإجابة به عما أورده الآمدي آنفاً من أنه لو تعددت الأحكام ثم لكان تعددها بالإضافات الخ. واعترض على الثاني: بأن الأدلة الباعثة أخص من مطلق الأدلة، ولا يلزم من امتناع الأخص امتناع الأعم٣. لكن يرد عل هذا أن العلل الشرعية غير موجدة ولا عادية، وإنما هي أمارات اعتبرها الشارع للإقدام على الإحكام، ولذا جاز تواردها ولو على شخص، وإذا جاز فلا تدافع، ولا ترجيح٤. أدلة المذهب الثالث: استدل أهل المذهب الثالث القائلون بجوازه في المنصوصة دون المستنبطة بما يأتي: أما في المنصوصة، فقالوا: "إن لصاحب الشرع أن يعين الحكم بأكثر من علة، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولأن المصالح قد تقتضي ذلك كما في الصغر والبكارة، فينص الشارع عليهما، كما له أن ينص على استقلال كل واحدة منهما تحصيلاً لتلك المصلحة وتكثيراً لها"٥. وأما في المستنبطة، فقالوا: "إنه إذا اجتمعت الأوصاف التي يصلح كل منها للعلية، كما إذا احتمل أن يكون كل واحد علة مستقلة وأن يكون كل واحد منها

стр. 100

جزء علة، فالحكم بترجيح أحد الاحتمالين على الاحتمال الآخر تحكم، لقيام الاحتمالين عقلاً، ولعدم وجود نص يدل على تعيين استقلال بعضها دون بعض، وإلا عادت منصوصة، وهو خلاف المفروض. وأجيب عنه بمنع التحكم، لإمكان استنباط الاستقلال بالعقل، وذلك أنه كما ثبت الحكم بها مجتمعة ثبت بها منفردة، فيعلم أن ثبوت الحكم بها منفردة دليل استقلال كل واحدة منها كما يوجد ذلك في المسّ وحده واللمس وحده في محلين، ويوجد بثبوت الحدث معهما، فعلم أن كل واحد منهما علة، وإلا لما ثبت الحكم في محل إفرادهما، فيحكم بثبوته بهما عند الاجتماع"١. أدلة المذهب الرابع المقتضي جوازه في المستنبطة دون المنصوصة: استدل له بأن المنصوصة قطعية بتعيين الشارع، فهي باعثة على الحكم، لتعيين الشارع إياها له، وذلك ينفي احتمال غيرها للعلية كلا وجزءاً للمنافاة بينهما. وأما المستنبطة فهي وهمية غير قطعية، وقد يتساوى الإمكان في كون العلة المجموع، أو الجزء، ويترجح كل بمرجح، فيغلب على الظن علية كل منهما، فيجب اتباعه. وأجيب عنه: بمنع القطع في المنصوصة المراد بها السمعية، لجواز أن تكون دلالتها ظنية، وأن يكون إسنادها ظنياً، وإن سلم فلا يمنع القطع بالاستقلال، لجواز تعدد البواعث، لأن الحكم الواحد قد يكون محصلاً لمصالح متعددة، دافعاً لمفاسد مختلفة٢. دليل المذهب الخامس، المقتضي جواز ذلك عقلاً، ومنعه شرعاً: ودليل ذلك ما جاء في البرهان ونصه: قال: "تعليل الحكم الواحد بعلتين

стр. 101

ليس ممتنعاً عقلاً وتسويغاً، ونظراً إلى المصالح الكلية، ولكنه يمتنع شرعاً، وآية ذلك أن إمكانه من طريق العقل في نهاية الظهور، فلو كان هذا ثابتاً شرعاً لما كان يمتنع وقوعه على حكم النادر، والنادر لا بد أن يقع على مرور الدهور، فإذا لم يتفق وقوع هذه المسألة، وإن لم يتشوف إلى طلبه طالب، لاح كفلق الصبح أن ذلك ممتنع شرعاً، وليس ممتنعاً عقلاً"١. ثم ادعى لتصحيح دعواه عدم وقوع فيما تقدم ذكره من أسباب الحدث والقتل، أن الأحكام متعددة لانفكاك الجهة، لأن الحكم مستند إلى واحد منها، غير الحكم المستند إلى الآخر، إذ قد يوجد حد القتل بالقصاص دون القتل بالارتداد، وبالعكس، كما يوجد حدث اللمس دون حدث المسّ، وبالعكس، هذا على أنه لو ألزم بأن جواز الانفكاك في الوجود يوجب الجواز في العدم، فيجب جواز أن يرتفع أحدهما ويبقى الآخر، فربما التزمه على ما ذهب إليه البعض من أنه إذا نوى أحد أحداثه لم يرتفع الباقي"٢. وأجيب عنه بمنع عدم الوقوع، فإن ما ذكر من أسباب الحدث والقتل يفيد الوقوع والتعدد، وما ادعاه من تعدد الحكم يحتاج في إثباته إلى دليل، فإن اكتفى بتجويز كون الحكم متعدداً كما ذهب إليه البعض، لم يكفه لأنه في معرض الاستدلال على امتناع تعدد العلل، وعلى أن الحكم في صورة تعدد العلل متعدد. وما ادعاه من أنه قد ينتفي أحد الحكمين، ويبقى الآخر، فقد تقدم اقتصاره على القتل لتحقق تعدد المستحق على ما تقدم توجيهه، وانتفاء الانفكاك في الحدث ظاهر، ولذا فالصحيح أن من نوى رفع الحدث مع تعدد الأسباب، صح وضوءه٣.

стр. 102

اتفق القائلون بتعدد العلل المستقلة لحكم واحد على أنها إذا وقعت مرتبة، فإن الحكم بالأولى. وإذا وقعت دفعة كما بال، وتغوط، ومسّ معاً، فقيل: العلة المجموع، وكل جزء علة. وقيل: العلة واحدة لا بعينها، واختار ابن الحاجب أن كل واحدة علة مستقلة. واستدل القائل بأن العلة المجموع، بأنه لو استقل كل منها بالعلية لزم اجتماع المثلين. وهذا الدليل تقدم تقريره، والجواب عنه في الكلام على الدليل الثاني، من أدلة المانعين تعدد العلل حيث قالوا في تقرير الدليل: إن جواز تعدد العلل، يجيز اجتماع المثلين، واجتماع المثلين يوجب اجتماع النقيضين. وقد أجيب عنه بما مر ذكره من لزوم ذلك في العلة العقلية، دون الشرعية. واستدل القائلون بأن العلة أحد الأوصاف لا بعينه، بأنه لولا ذلك لزم التحكم في تعيين ما يثبت به الحكم دون غيره، أو يلزم كون كل علة وكلاهما باطل، فتعين أن تكون العلة أحد الأوصاف لا بعينه. ويجاب عنه بأنه يثبت بكل دفعة، وذلك لا ينافي الاستقلال، لثبوته عند الانفراد، كما يثبت المدلول بالأدلة السمعية مع استقلال كل دليل بإثباته حتى لو انفرد أحد الأدلة لم يمتنع إثباته بالأخرى١. واستدل ابن الحاجب على ما اختاره بما يأتي: الأول: أنه لو لم تكن كل واحدة علة مستقلة، لكانت كل واحدة جزء علة، وهو باطل، لثبوت الاستقلال.

стр. 103

الثاني: أنه لو امتنع كون كل علة مستقلة، لامتنع اجتماع الأدلة السمعية على مدلول واحد، وذلك لأن العلل الشرعية أدلة، واللازم منتف، للاتفاق على اجتماع الأدلة الشرعية على مدلول واحد١. والذي يترجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز تعدد العلل الشرعية لحكم واحد، وذلك لوروده كما في البول والغائط والمسّ، واللمس، وكما في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وانقطاع دم الحيض، لاجتماع هذه العلل على حكم واحد كما هو واضح، مع أن كل واحدة منها توجب الحكم بانفرادها، وذلك دليل الاستقلال، ولأنه لو نوى رفع أحد هذه الأحداث، لارتفع الباقي، كما في اجتماع الأدلة السمعية على المدلول الواحد مع حصوله بأحدها عند تخلف غيره. وما استدل به الآمدي وغيره على أن الحكم متعدد شخصاً، وإن اتحد نوعاً هو ما أوردوه على مثال إباحة القتل بالردة عن الإسلام، والقتل العمد العدوان، والزنا بعد الإحصان - أعاذنا الله منها - من أنه لا يلزم من انتفاء إباحة القتل بالعود عن الردة إلى الإسلام، انتفاء الإباحة في الباقي وبالعكس، وهو ظاهر، لأن الإباحة في جهة القتل العمد العدوان حق للآدمي بجهة الخلوص، وفي الباقي حق لله تعالى الخ ما تقدم تقريره، والجواب عنه مما جعلوه دليلاً على تعدد الحكم. فإن ما أوردوه على هذا المثال، لا يكفي دليلاً على تعدد الحكم، وإن سلم لهم، فإنه لا يرد على ما ذكرت من الأمثلة التي تعددت العلل فيها لحكم واحد. ويدل على هذا ما ذكره الغزالي ونصه: قال: "اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين، والصحيح عندنا جوازه، لأن العلة الشرعية علامة، ولا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد، وإنما يمتنع هذا في العلل العقلية، ودليل الجواز

стр. 104

وقوعه، فإن من لمس، ومسّ وبال في وقت واحد ينتقض وضوءه، ولا يحال على واحد من هذه الأسباب، ومن أرضعته زوجة أخيك وأختك أيضاً، أو جمع لبنهما، وانتهى إلى حلق المرضع في لحظة واحدة، حرمت عليك، لأنك خالها وعمها، والنكاح فعل واحد، وتحريمه حكم واحد، ولا يمكن أن يحال على الخئولة دون العمومة، أو بعكسه، ولا يمكن أن يقال: هما تحريمان، وحكمان، بل التحريم له حد واحد، وحقيقة واحدة، ويستحيل اجتماع مثلين. نعم لو فرض رضاع ونسب، فيجوز أن يرجح النسب لقوته، أو اجتمع ردة وعودة وحيض، فيحرم الوطء، فيجوز أن يتوهم تعديد التحريمات، ولو قتل وارتد، فيجوز أن يقال: المستحق فلان، ولو قتل شخصين فكذلك ولو باع حراً بشرط خيار مجهول ربما قيل: علة البطلان الحرية دون الخيار، فهذه أوهام ربما تنقدح في بعض المواضع، وإنما فرضناه في اللمس والمسّ، والخئولة والعمومة لدفع هذه الخيالات. فدل هذا على إمكان نصب علامتين على حكم واحد، وعلى وقوعه أيضاً"١. والله تعالى أعلم.

стр. 105

المبحث السابع تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة الوصف الذي يكون علة لحكمين فأكثر إما إن يكون: بمعنى الإمارة، أو بمعنى الباعث. فإن كان بمعنى الإمارة، فحكى ابن الحاجي الاتفاق على جوازه١، كالغروب لجواز الإفطار، ووجوب صلاة المغرب. وقال الآمدي: "فإن كان بمعنى الأمارة، فغير ممتنع عقلاً، ولا شرعاً نصب أمارة واحدة على حكمين مختلفين، وذلك مما لا نعرف فيه خلافاً كما لو قال الشارع: جعلت طلوع الفجر أمارة على وجوب الصوم والصلاة ونحوه"٢. وصرح صاحب التحرير وشارحه بأنه ثابت بلا خلاف، وأن تسميته علة اصطلاح٣، هذا إذا كان بمعنى الأمارة. أما إذا كان بمعنى الباعث، فللعلماء فيه ثلاثة مذاهب: الأول: المنع. الثاني: جواز تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة، وبه قال الفخر الرازي، وهو اختيار ابن الحاجب، والآمدي، وابن السبكي، وصاحب التحرير وشارحه٤. الثالث: الجواز إن لم يتضادا، أما إذا تضادا فلا يجوز٥.

стр. 106

دليل المذهب الأول: استدل القائل بالمذهب الأول، القائل بالمنع بأن في جواز تعدد الحكم بعلة واحدة بمعنى الباعث تحصيل الحاصل، لأن المصلحة المقصودة من شرع الحكم الذي بعثت عليه العلة حاصلة بأحد الحكمين، فإذا حصل الحكم الآخر حصلها مرة أخرى، وفي هذا تحصيل الحاصل١. وأجيب عنه بمنع تحصيل الحاصل، لجواز أن تحصل بالحكم الآخر مصلحة أخرى لم تحصل بالأول، كما في السرقة المترتب عليها القطع زجراً عنها، للسارق ولغيره، وغُرم المسروق جبراً لما تلف من المال. أو أن المصلحة المقصودة، لا تحصل إلا بالحكمين كما في الزنا المثبت للجلد والتغريب، ليحصل بهما الزجر التام٢، وبهذا يتضح منع تحصيل الحاصل. دليل المذهب الثاني: واستدل أهل المذهب الثاني القائلون بالجواز بأنه لا يمتنع أن يناسب الوصف الواحد لحكمين، فأكثر، كما في شرب الخمر، فإنه مناسب للتحريم، ولوجوب الحد، والحيض، فإنه مناسب لوجوب الفطر في رمضان وترك الصلاة، وحرمة مسّ المصحف، ودخول المسجد، وغيرها٣. وبهذا ظهر اشتمال الوصف الواحد على مصالح متعددة، وأن الحاصل بأحدها غير الحاصل بالآخر. دليل المذهب الثالث: قالوا: يجوز تعليل حكمين بعلة واحدة، إن لم يتضادا كالسرقة لوجوب القطع والغرم.

стр. 107

أما إذا تضادا، فلا يجوز كالتأبيد لصحة البيع، وبطلان الإجارة؛ لأن الشيء الواحد لا يناسب المتضادين١. وأجيب عنه بأن محل المنع هو ما إذا اتحد المحل، أما إذا اختلف المحل كما في المثال المذكور، فلا يمتنع، ويدل لذلك ما صرح به الشيخ حسن العطار ونصه قال: "لأن شرط التضاد اتحاد المحل، والبيع لا يضاد الإجارة، لأن البيع نقل الذوات، والإجارة نقل المنافع، فلا يلزم من تصحيح الأول تصحيح الثاني، وبهذا تعلم رد قوله - يعني الجلال المحلى - لأن الشيء الواحد الخ، لأن التناسب للمتاضدين٢ من جهتين مختلفتين"٣.

стр. 108

المبحث الثامن تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عنه اختلف الأصوليون في تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عنه في الوجود على مذهبين: الأول: أنه جائز بناء على تفسير العلة بالمعرف١. الثاني: أنه غير جائز، وممن قال به: ابن الحاجب، وابن السبكي، وصاحب التحرير، وهو اختيار الآمدي. واستدلوا على ذلك بأن العلة إما أن تكون بمعنى الباعث، أو الأمارة المعرفة، فإن كانت بمعنى الباعث لزم ثبوت حكم الأصل بلا باعث، وهو محال، أو أنه ثبت بباعث غير العلة المتأخرة عنه٢. وأيضاً فإن تأخر العلة عن الحكم يدل على أن الحكم لم يشرع لها٣، وإن كانت بمعنى الأمارة المعرفة لزم منه أيضاً تعريف المعرف، والمفروض أن الحكم عرف قبلها لسبقه عليها في الوجود، وتعريف المعرف ومحال٤. قال العطار: "لكن الثاني إنما يتم إذا فسر المعرف بأنه الذي يحصل به التعريف، أما إذا فسر بما من شأنه التعريف فلا، كما لا يتم قول المحلى "بناء على تفسيرها بالمعرف" إلا بتفسير المعرف بما من شأنه التعريف، لا بتفسيره بالذي يحصل به التعريف، إذ سبق إحدى العلتين بالتعريف مانع من حصول التعريف بما بعده، لأنه تحصيل للحاصل، بخلاف تفسير المعرف بما من شأنه التعريف،

стр. 109

لأن التعريف المتأخر حينئذ لمتقدم جائز وواقع، إذ الحادث يعرف بهذا المعنى القديم، كالعالم لوجود الصانع"١. لكن يرد على هذا ما صرح به العضد من أن تفسيرها بغير الباعث غير المبحث٢، وقد مثلا لذلك بمثالين: الأول: كما يقال في إصابة عرق الكلب، إصابة عرق حيوان نجس، فيكون نجساً كلعابه، فيمنع المعترض كون عرق الكلب نجساً، فيجيب المستدل بأنه مستقذر كاللعاب، فيكون نجساً، فإن استقذاره إنما يحصل بعد الحكم بنجاسته٣. فإن قيل: الاستقذار لا يدل على النجاسة كما في لعاب الإنسان. أجيب عنه بأن المراد الاستقذار الشرعي، مع أن المقصود التمثيل٤، لكن يرد على هذا ما ذكره صاحب التحرير وشارحه من أن ما ادعى من تأخر الاستقذار عن الحكم بالنجاسة غير لازم، لجواز المقارنة بأن يثبتا معاً٥. الثاني: تعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون قياساً على الصغير، لأن ولاية الأب على الصغير ثابتة قبل عروض الجنون له بالصغر، هكذا مثل الآمدي وصاحب التحرير٦. وقال صاحب التحرير وشارحه: "أن هذا المثال متفق عليه"٧. وأما عضد الدين فقد عبر عنه بما نصه: "كأن يعلل سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارضي للولي"٨، غير أنه اعترض عليه صاحب التقرير

стр. 110

والتحبير بأن ما عبر به عكس المراد، فإن ظاهره أن الولاية كانت ثابتة للولي على الصغير، وإنما سلبها عنه عروض جنونه، وليس في هذا تأخر العلة عن حكم الأصل بل تقدمها عليه. قال: "فيستقيم أن يتفرع عليه سلب ولايته عن البالغ المجنون بتزويجه بعلة جنونه نقسه قياساً"١. وقال التفتازاني مصوباً لتعريف الآمدي السابق وغيره، وموجهاً لعبارة العضد: وأما المثال الثاني فكلام الآمدي وجميع الشارحين هو أن يعلل - سلب - ولاية الأب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون، فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون بالصغر، وهذا في غاية الظهور. وأما عبارة الشارح، وهو أن يعلل سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارض للولي، فغاية ما أدى إليه نظر الناظرين في هذا الكتاب أنه وضع الظاهر موضع المضمر، والمعنى سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارض له والفرع في الأول إثبات الولاية عن البالغ، المجنون، وفي الثاني سلبها عنه لجنونه. والأقرب أن يجعل سلب الولاية عن الولي الذي عرض له الجنون كالأب مثلاً فرعاً، وعن الصغير المجنون أصلاً، والمعنى كما يعلل سلب الولاية عن الصغير المجنون بالجنون الذي هو عارض في الولي البالغ المقيس على الصغير المجنون"٢.
следующие страницы →