المجلد الأول
مقدمة المحقق:
الحمد لله الذي أنزل الكتاب على رسوله ﷺ , وجعل سنته ﷺ مبينة له، فقال عز من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وأمرنا سبحانه باتباع سنته ﷺ وامتثال أمره ونهيه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢.
وأخبر أنه ﷺ باقٍ فينا بسنته وهديه ما لهج المسلمون بحديثه فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ٣.
وأخبر سبحانه أن الهداية في طاعته فقال حاثًّا على طاعة أمره واتباع سنته: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٤.
وبين سبحانه أنه اتباع سنته ﷺ هي السبيل الأوحد لمحبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ ثم أمر سبحانه بطاعة رسوله ﷺ مع طاعته تعالى, وبين أن من تولى عن طاعته وطاعة رسوله فهو من الكافرين فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٦.
وجعل سبحانه طاعة رسوله ﷺ طاعة مستقلة بنفسها، ولم يجعل لأحد من أولي الأمر طاعة مستقلة, بل جعل طاعتهم تبعًا لطاعة الرسول ﷺ ، فإن أمروا بأمره وسنته أطيعوا، وإلا فلا طاعة لهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
стр. 2
مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
فانظر كيف كرر الأمر بالطاعة في حق الرسول ﷺ ولم يكرره مع أولي الأمر، ثم انظر كيف جعل مرد النزاع إلى الله ورسوله ﷺ على السواء؛ وذلك لأنه لا تعارض بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ إذ كانت مبينة لكتاب الله تعالى، ومفصلة له.
ولم لا, وقد أوتي ﷺ القرآن ومثليه معه من السنة الشريفة كما صح عنه ﷺ , وقد تكاثرت الآيات والأحاديث في وجوب اتباع حديث النبي ﷺ والعمل به ما دام قد اتصل إسناده إلينا بنقل العدول الضابطين من المسلمين عن النبي الأمين ﷺ .
ولكني أحببت أن أصدر هذا الكتاب الخادم لسنة النبي ﷺ ، الذاب عنها ما انتحله المنتحلون، وكذب فيه الكاذبون والوضاعون -أحببت أن أصدره بتلك الآيات الآمرة باتباع حديث النبي ﷺ ولزوم سنته؛ نظرًا لتواكب زمن تحقيقي لهذا الكتاب مع اطلاعي على بعض ما يوجهه المغرضون من أعداء هذا الدين من طعون وسهام إلى سنة النبي ﷺ وصد عنها.
ولا غرابة في أن يصدر هذا من أعداء الإسلام الذين لا ينتسبون إليه، ولكن ما فَتَّ في كبدي هو صدور تلك السهام وذلك الصد من أناس ينتسبون في الظاهر إلى هذا الدين، ويتمسحون في كتابه وينتسبون إليه فيزعمون أنهم قرآنيون، لا يتبعون غير كتاب الله تعالى، مستغنين به عن سنة رسوله ﷺ ؛ لأنهم قد استعصى عليهم تمييز صحيحها من سقيمها بزعمهم.
ولعمر الله, إنهم لكذابون أفاكون!
فما هم بقرآنيين ولا يعرفون القرآن ولا يقرءونه، ولو قرءوه وعرفوه وطالعوا تلك الآيات التي صدرت بها هذه المقدمة, لعرفوا أن القرآن يأمرهم بوجوب اتباع حديث النبي ﷺ ولزوم سنته، وأنهم لا يفقهون القرآن ولا يعرفون تفصيل مجمله، ولا بيان مشكله، ولا إيضاح خفيه إلا من السنة المطهرة التي حفظها الله تعالى بجهود هؤلاء الأئمة الذين بذلوا حياتهم للذب عن سنة النبي ﷺ ونفي الدخيل عنها، وبيان ما يصح نسبته إليه ﷺ مما كذبه عليه الكذابون الأفاكون.
стр. 3
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو واحد من هذه الكتب التي تصدت لهذه المهمة العظيمة, وهي الذب عن سنة النبي ﷺ وتطهيرها من الدخيل عليها.
وقد بذل فيه مؤلفه جهدًا عظيمًا في بيان حال ما اشتهر على ألسنة الناس مما ينسب إلى النبي ﷺ ، فكثير من هذه الأحاديث قد لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ لكونه من وضع الوضاعين أو كذب الكذابين، ولكن الله تعالى يقيض لهؤلاء الكذابين من يكشف باطلهم وينبه عليه, حتى تظل سنة النبي ﷺ محفوظة مطهرة بغير تبديل ولا تحريف؛ وذلك لأنه بضياع سنة النبي ﷺ يضيع فهم القرآن, فكان من تمام حفظ الله تعالى لكتابه أن حفظ سنة نبيه ﷺ التي جعلها الله تعالى مبينة لكتابه، ومفصلة له، وصدق الله تعالى حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢ فسنة رسول الله ﷺ هي المبينة لكتاب الله تعالى، وإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه، فمن تمام حفظه حفظ سنته التي هي مبينة لكتابه.
وقد كان هذا الحفظ بتسخير هؤلاء الأئمة الأعلام الذين عنوا بحفظ حديث النبي ﷺ وجمع طرقه ورواياته ومعرفة أسانيده وحفظها وتلقيه ممن سمعوه عن الثقات عن النبي ﷺ .
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا سِفْرٌ جامع, جمع بين طرفيه قرابة ثلاثة آلاف ومائتي حديث، بَيَّن فيه مؤلفه ما يصح منها إلى النبي ﷺ وما لا يصح نسبته إليه، وقد جمع تلك الأحاديث من الكتب التي سبقته في هذا الباب, وقد اعتمد بالأخص على أوثق ما كُتب في هذا الباب وهو كتاب "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" للحافظ السخاوي.
وقد ذكر ذلك المصنف في مقدمته, وذكر مصادره الأخرى التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه.
стр. 4
عملنا في تحقيق الكتاب:
١- تم ضبط متن الكتاب على عدد من النسخ المطبوعة مع مراجعة نسخة دار الكتب المصرية فيما أشكل، وقد اهتدينا بفضل الله تعالى إلى تصحيح كثير من الأخطاء الفاحشة -لا سيما في حديث النبى- وقد وقع في تلك الأخطاء جميع طبعات الكتاب المتداولة؛ وذلك لكون هذه الطبعات ناقلة عن بعضها البعض بغير تصحيح ولا تنقيح.
٢- تم بيان درجة أغلب أحاديث الكتاب من صحيح الجامع وضعيفه وغيرهما من كتب فضيلة الشيخ الألباني حفظه الله، وقد اكتفينا بذكر رقم الحديث في الصحيح أو الضعيف على سبيل الاختصار دون ذكر اسم المصدر؛ وذلك لتنبيهنا عليه في أول الكتاب فأهملنا ذكره بعد تجنبًا للتكرار والإطالة؛ وما كان في غير صحيح الجامع وضعيفه بيناه، وما ظهر من كلام المصنف صحته بأن رواه الشيخان مثلًا، أو نص على ضعفه تركنا الكلام عليه اختصارًا.
٣- تم تخريج الآيات القرآنية التي اشتمل عليها الكتاب.
٤- قمت بالتعليق على بعض ما وقع فيه المصنف من المزالق, سواء ما يتعلق بالعقيدة أو الحديث أو غير ذلك.
٥- أثبتُّ فهرسًا للكتاب في آخره على حروف المعجم بفصول الكتاب هذا، والله أسأل أن يجزل لنا المثوبة على هذا العمل، وأن يجعله ذخرًا لنا يوم لقائه، وأن يجزل المثوبة كذلك لكل من ساعد في إخراجه، لا سيما الأخ الفاضل محمد بن عبد الوهاب، ولله المرجع والمآب.
وكتب
عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي
المدرس بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة
الجيزة في الرابع عشر من المحرم ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩/ ٤/ ٣٠م.
стр. 5
حياة المصنف مختصرة من سلك الدرر للمرادي:
هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي بن عبد الغني الشهير بالجراحي "نسبة إلى أبي عبيدة بن الجراح أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة ﵃" الشافعي، العجلوني المولد، الدمشقي المنشأ والوفاة, الشيخ العالم الهمام الحجة الرحلة العمدة الوَرِع العلامة. كان عالما بارعا صالحا مفيدا محدثا مبجلا قدوة سندا خاشعا، له يد في العلوم لا سيما الحديث والعربية وغير ذلك مما يطول شرحه ولا يسع في هذه السطور وصفه، له القدم الراسخ في العلوم واليد الطولى في دقائق المنطوق والمفهوم.
ولد بعجلون في سنة سبع وثمانين بعد الألف تقريبًا، وسماه والده أولًا باسم محمد مدة من الزمان لا تزيد على سنة، ثم غير اسمه إلى مصطفى نحو ستة أشهر, ثم غير اسمه بإسماعيل واستقر الأمر بهذا الاسم.
ثم لما بلغ سن التمييز شرع في قراءة القرآن العظيم حتى حفظه عن ظهر قلبه في مدة يسيرة، ثم قدم إلى دمشق وعمره نحو ثلاث عشرة سنة تقريبًا لطلب العلم, وذلك في منتصف شوال سنة ألف ومائة، واشتغل على جماعة أجلاء بالفقه والحديث والتفسير والعربية وغير ذلك إلى أن تميز عن أقرانه بالطلب.
ومن أسباب توجهه لطلب العلم أنه لما كان في بلاده وكان صغيرًا يقرأ في المكتب رأى في عالم الرؤيا أن رجلًا ألبسه جوخة خضراء مركبة على فرو أبيض في غاية الجودة والبياض, وقد غمرته لكونها سابغة على يديه ورجليه. فأخبر والده بالمنام فحصل له بذلك السرور التام, وقال له: إن شاء الله يجعل لك يا ولدي من العلم الحظ الوافر, ودعا له بذلك.
قلت: ومشايخه كثيرون والكتب التي قرأها لا تعد لكثرتها, ما بين كلام وتفسير وحديث وفقه وأصول وقراءات وفرائض وحساب وعربية بأنواعها ومنطق, وغير ذلك.
وقد ألف ثبتًا سماه حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكمل الرجال.
وترجم مشايخه به؛ فمن مشايخه الشيخ أبو المواهب مفتي الحنابلة بدمشق, والشيخ محمد الكاملي الدمشقي, والشيخ إلياس الكردي نزيل دمشق، والأستاذ الشيخ
стр. 6
عبد الغني النابلسي الدمشقي، والشيخ يونس المصري نزيل دمشق، والشيخ عبد الرحمن المجلد الدمشقي، ومفتيها الشيخ إسماعيل الحائك, والشيخ نور الدين الدسوقي الدمشقي، والشيخ عثمان القطان الدمشقي، والشيخ عثمان الشمعة الدمشقي، والشيخ عبد القادر التغلبي الحنبلي، والشيخ عبد الجليل أبو المواهب المذكور، والشيخ عبد الله العجلوني نزيل دمشق، ومن غير الدمشقيين الشيخ محمد الخليلي المقدسي، والشيخ محمد شمس الدين الحنفي الرملي، وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم المكي البصري، والشيخ تاج الدين القلعي مفتي مكة، والشيخ محمد الشهير بعقيلة المكي، والشيخ محمد الوليدي, والشيخ محمد الضرير الإسكندراني المكي، والشيخ يونس الدمرداشي المصري ثم المكي, والشيخ أبو طاهر الكوراني المدني، والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني، والشيخ ابن عبد الرسول البرزنجي الحسيني المدني، والشيخ أحمد النجلي المكي، والشيخ سليمان بن أحمد الرومي واعظ أيا صوفية.
وارتحل إلى الروم في سنة تسع عشرة ومائة وألف, فلما كان بها أنحل تدريس قبة النسر بالجامع الأموي عن شيخه الشيخ يونس المصري بموته فأخذه صاحب الترجمة وجاء به إلى دمشق, وكان والي دمشق إذ ذاك الوزير يوسف باشا القبطان عارضًا به إلى شيخه الشيخ محمد الكاملي وألزم القاضي بعرض على موجب عرضه وأنه يعطي ما صرفه شيخه الشيخ أحمد الغزي مفتي الشافعية بدمشق للقاضي, وكان مراد الغزي أولًا التدريس، فحين وصول العروض إلى دار الخلافة قسطنطينية للدولة العلية ما وجهوا التدريس لشيخه الكاملي ووجهوه للمترجم واستقام بهذا التدريس إلى أن مات.
ومدة إقامته من ابتداء سنة عشرين إلى أن مات إحدى وأربعون سنة, وهو على طريقة واحدة مبجلًا بين العال والدون, ودرس بالجامع الأموي وفي مسجد بني السفرجلاني ولزمه جماعة كثيرون لا يحصون عددًا.
وألف المؤلفات الباهرة المفيدة منها:
١- كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس.
٢- الفوائد الدراري بترجمة الإمام البخاري.
٣- إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين.
٤- تحفة أهل الإيمان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان.
стр. 7
٥- نصيحة الإخوان فيما يتعلق برجب وشعبان ورمضان.
٦- عرف الزرنب١ بترجمة سيدي مدرك والسيدة زينب.
٧- الفوائد المحررة بشرح مسوغات الابتداء بالنكرة.
٨- الأجوبة المحققة عن الأسئلة المفرقة.
٩- الكواكب المنيرة المجتمعة في تراجم الأئمة المجتهدين الأربعة.
١٠- أربعون حديثًا كل حديث من كتاب.
١١- عقد الجوهر الثمين بشرح الحديث المسلسل بالدمشقيين.
وهذه الكتب كاملة وأقلها نحو الكراستين وأكثرها نحو العشرين، ومنها التي لم تكمل وهي كثيرة أيضًا؛ منها أسنى الوسائل بشرح الشمائل، ومنها استرشاد المسترشدين لفهم الفتح المبين على شرح الأربعين النووية لابن حجر المكي، ومنها عقد اللآلي بشرح منفرجة الغزالي، ومنها إسعاف الطالبين بتفسير كتاب الله المبين, ومنها فتح المولى الجليل على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، ومنها وهو أجلها شرحه على البخاري المسمى بالفيض الجاري بشرح صحيح البخاري, وقد كتب من مسوداته مائتين واثنتين وتسعين كراسة وصل فيها إلى قول البخاري باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم من المغازي, ولو كمل هذا الشرح لكان من نتائج الدهر.
وكان صاحب الترجمة حليما، سليم الصدر, سالما من الغش والمقت, صابرا على الفاقة والفقر، ملازما للعبادات والتهجد، والاشتغال بالدروس العامة والخاصة، كافًّا لسانه عما لا يعنيه مع وجاهة نيرة، ولم يزل مستقيمًا على حالته الحسنة المرغوبة إلى أن مات.
قرأ عليه الوالد مدة ولازمه وأخذ عنه وأجازه، ولما حج الوالد في سنة سبع وخمسين ومائة وألف كان هو أيضًا حاجًّا في تلك السنة فأُقرئ كتاب صحيح البخاري في الروضة المطهرة وأعاد له الدرس الوالد, وقد أجاز الوالد نثرًا ونظمًا فالنظم قوله:
стр. 8
أجزت نجل العارف المرادي ... أعني عليًّا فاز بالمراد
وهو الشريف اللوذعي الكامل ... الأريب والمفضال ذو الأيادي
أجزته بكل ما أخذته ... عن الشيوخ الفضل الأطواد
أجزته بكل ما صنفته ... كالفيض والكشف مع الإرشاد
أجزته بكل ما في ثبتنا ... الجامع النوعين بالسداد
أجزته إجازة بشرطها ... عند أولي التحديث والنقاد
أجزته في الروضة الفيحاء ... بطيبة المختار طه الهادي
صلى عليه ربنا وسلما ... وآله وصحبه الأمجاد
ما غردت قمرية فأطربت ... وأمطرت سحب وسال واد
وكان ينظم الشعر, وشعره شعر علماء؛ لأنهم لا يشغلون أنفسهم به كما قال ابن بسام: إن شعر العلماء ليس فيه بارقة تسام, وجعل الشهاب أن أحسن بعض أشعارهم من قبيل دعوة البخيل أو حملة الجبان. وقال الأمين في نفحته: قلت: علة ذلك أنهم يشغلون أفكارهم بمعنى يعنى، والشعر وإن سموه ترويح الخاطر لكنه مما لا يثمر فائدة ولا يغني "هذه تسلية العلماء، وحديث: "إن من الشعر حكمة" محفوظ عند الجميع" وشتان بين من تعاطاه في الشهر مرة, وبين من أنفق في تعاطيه عمره.
وقد ترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه: خاتمة أئمة الحديث ومن ألقت إليه مقاليدها بالقديم والحديث اقتدح زناده فيه فأضاء وشاع حتى ملأ الفضاء آخذًا بطرفي العلم والعمل متسنمًا ذروة عن غيره بعيدة الأمل, يقطع آناء الليل تضرعًا وعبادة, ويوسع أطراف النهار قراءة وإفادة, لا يشغله عن ترداده النظر في دفاتره مرام, ولا عن نشر طيبها نقض ولا إبرام.
ولصاحب الترجمة أشعار غير التي ذكرناها, وبالجملة فهو أحد الشيوخ الذين لهم القدم العالية في العلوم والرسوخ.
وكانت وفاته بدمشق في محرم الحرام, افتتاح سنة اثنتين وستين ومائة وألف، ودفن بتربة الشيخ أرسلان -رحمه الله تعالى١.
стр. 9
مقدمة المؤلف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي حفظ السنة المصطفوية بأهل الحديث، والصلاة والسلام على نبينا محمد المرسل بأصدق الكلام والحديث, وعلى آله وأصحابه الذين أعزوا دينه الصحيح بسيرهم في نصرته السير الحثيث, وعلى التابعين لهم بإحسان وسائر المؤمنين في القديم والحديث.
أما بعد, فيقول العبد الفقير إلى مولاه الفتاح, إسماعيل العجلوني بن محمد جَرَّاح: إن الأحاديث المشتهرة على الألسنة قد كثرت فيها التصانيف، وقلما يخلو تصنيف منها عن فائدة لا توجد في غيره من التآليف، فأردت أن ألخص مما وقفت عليه منها مجموعًا تقر به أعين المنصفين؛ ليكون مرجعًا لي ولمن يرغب في تحصيل المهمات من المستفيدين، ولما أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من حسناته بعد موته علمًا نشره" ١ وهو شامل للتصنيف والتعليم، وهو في التصنيف أظهر؛ لأنه أطول استمرارًا وأكثر انتشارًا.
وأنص -إن شاء الله تعالى- في هذا المجموع على بيان الحديث من غيره، وتمييز المقبول منه السالم من ضَيْرِه٢، إذ من النصيحة في الدين كما قال الحافظ ابن حجر في خطبة كتابه "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة" التنبيه على ما يشتهر بين الناس مما ألفه الطبع، وليس له أصل في الشرع، قال: وقد صنف الإمام تاج الدين الفزاري كتابًا في فقه العوام، وإنكار أمور اشتهرت بين الأنام لا أصل لها أجاد فيها الانتقاد، وصان الشريعة أن يدخل فيها ما يخل بالاعتقاد، قال: وقد رأيت ما هو أهم من ذلك، وهو تبيين الأحاديث المشتهرة على ألسنة العوام وكثير من الفقهاء الذين لا معرفة لهم
стр. 10
بالحديث، وهي إما أن يكون لها أصل يتعذر الوقوف عليه لغرابة موضعه، أو لذكره في غير مظنته، وربما نفاه بعضهم لعدم اطلاعه عليه, والنافي له كمن نفى أصلًا من الدين, وضل عن طريقه المبين، وإما لا أصل لها البتة, فالناقل لها يدخل تحت ما رواه البخاري في ثلاثياته من قوله ﷺ : "من نقل عني ما لم أقل, فليتبوأ مقعده من النار" ١ انتهى.
ثم نقل فيها بسنده إلى أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "هلاك أمتي في ثلاث: في القدرية، والعصبية، والرواية من غير تثبت"٢ لكنه منكر.
وبسنده أيضا إلى ابن المبارك أنه قيل له في هذه الأحاديث الموضوعة فقال: يعيش لها الجهابذة.
وبسنده إلى الإمام أحمد أنه قال: "إن للناس في أرباضهم٣ وعلى باب دورهم أحاديث يتحدثون بها عن النبي ﷺ لم نسمع نحن بشيء منها".
ولذلك وجبت العناية بما وصل العلم إليه ووقع الاطلاع عليه، قال الربيع بن خيثم: إن للحديث ضوءًا كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة الليل تنكر.
وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب، وينفر منه قلبه في الغالب, وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رفعه: "إن لله تعالى عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا من أوليائه يذب عن دينه"٤ انتهى.
وإن من أعظم ما صنف في هذا الغرض وأجمع ما ميز فيه السالم من العلة والمرض، الكتاب المسمى بالمقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، المنسوب للإمام الحافظ الشهير أبي الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، لكنه مشتمل على طول بسوق الأسانيد التي ليس لها كبير فائدة إلا للعالم الحاوي. ومن
стр. 11
ثم لخصته في هذا الكتاب مقتصرا على مخرج الحديث وصحابيه رومًا للاختصار، غير مخل إن شاء الله تعالى بما اشتمل عليه مما يستطاب أو يستحسن عند أئمة الحديث الأخيار, وضامًّا إليه مما في كتب الأئمة المعتبرين كاللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة لأمير الحفاظ والمحدثين من المتأخرين الشهاب أحمد بن حجر العسقلاني، بلغنا الله وإياه في الدارين الأماني. واعلم أني حيث أقول: قال في اللآلئ أو ذكر فيها فالمراد به كتاب الحافظ العسقلاني المذكور، وحيث أقول: قال في الأصل أو في المقاصد فمرادي به المقاصد الحسنة المذكورة، وحيث أقول: قال في التمييز فمرادي الكتاب المسمى بتمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث للحافظ عبد الرحمن بن الديبع تلميذ الإمام السخاوي، فإنه اختصر المقاصد الحسنة لشيخه المذكور، لكنه أخل بأشياء مما فيه مسطور،
وحيث أقول: قال في الدرر فالمراد الكتاب المسمى بالدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للحافظ جلال الدين السيوطي، وهي نسختان صغرى وكبرى، وحيث أقول: رواه أبو نعيم فمرادي في الحلية، وحيث أقول: رواه الشيخان أو اتفقا عليه أو متفق عليه فالمراد أنه في الصحيحين لشيخي الحديث البخاري ومسلم، وإن كان في أحدهما قلت: رواه البخاري أو مسلم، وحيث أقول: رواه أحمد فالمراد الإمام أحمد في مسنده، وحيث أقول: رواه البيهقي فالمراد في الشعب، وحيث أقول: رواه الأربعة فالمراد أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه في سننهم، وحيث أقول: رواه الستة فالمراد هؤلاء الأربعة والشيخان في الكتب الستة, وكذا إذا أفردت واحدًا منهم فالمراد في كتابه أحد السنن الستة، وحيث أقول: قاله النجم فالمراد شيخ مشايخنا العلامة محمد نجم الدين الغزي في كتابه المسمى إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن، وحيث أقول: قال القاري فالمراد به الملا علي القاري في كتابه الموضوعات المسماة بالأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة وهي صغرى وكبرى, وقد نقلت منهما، وحيث أقول: قاله الصغاني فالمراد به العلامة حسن بن محمد الصغاني مؤلف المشارق، وما لم يكن كذلك في جميع ما مر فأنص على الكتاب الذي رواه مؤلفه فيه, وربما تعرضت لحديث ليس من المشهورات لمناسبة أو غيرها من المقاصد الصحيحات.
هذا والحكم على الحديث بالوضع أو الصحة أو غيرهما, إنما هو بحسب الظاهر للمحدثين باعتبار الإسناد أو غيره, لا باعتبار نفس الأمر والقطع لجواز أن يكون
стр. 12
الصحيح مثلا -باعتبار نظر المحدث- موضوعا أو ضعيفا في نفس الأمر, وبالعكس ولو لما في الصحيحين على الصحيح, خلافًا لابن الصلاح كما أشار إلى ذلك الحافظ العراقي في ألفيته بقوله:
واقطع بصحة لما قد أسندا ... كذا له وقيل ظنا ولدي
محققيهم قد عزاه النووي ... وفي الصحيح بعض شيء قد روي
نعم المتواتر مطلقًا قطعي النسبة لرسول الله ﷺ اتفاقًا، ومع كون الحديث١ يحتمل ذلك فيعمل بمقتضى ما يثبت عند المحدثين ويترتب عليه الحكم الشرعي المستفاد منه للمستنبطين, وفي الفتوحات المكية٢ ما حاصله: فرب حديث يكون صحيحا من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف أنه غير صحيح لسؤاله لرسول الله ﷺ ، فيعلم وضعه ويترك العمل به وإن عمل به أهل النقل لصحة طريقه، ورب حديث ترك العمل به لضعف طريقه من أجل وضاع في رواته يكون صحيحًا في نفس الأمر لسماع المكاشف له من الروح حين إلقائه على رسول الله ﷺ انتهى٣. واعلم أن الحافظ جلال الدين السيوطي قال في خطبة جامعه الكبير ما حاصله: كل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول؛ فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن، وكل ما كان في كتاب الضعفاء للعقيلي ولابن عدي في الكامل وللخطيب البغدادي ولابن عساكر في تاريخه وللحكيم الترمذي في نوادر الأصول وللحاكم في تاريخه ولابن النجار في تاريخه وللديلمي في مسند الفردوس
стр. 13
فهو ضعيف، فيستغنى عن بيان حاله بالعزو إليها أو إلى أحدها انتهى؛ لكنه مقيد بما لم يجبر بتعدد طرقه، وإلا فيصير حسنًا لغيره فيعمل به، ولعل ما ذكره أغلبي، وإلا فيبعد كل البعد أنه لا يكون في كتاب منها حديث حسن أو صحيح فتأمل.
وسميت ما جمعته من ذلك "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" ورتبته على حروف المعجم كأصله؛ ليكون أسهل في المراجعة لنقله، لكن لا أرمز بحروف إلى المخرجين كالنجم، بل أصرح بأسمائهم دفعًا للبس والوهم، جعله الله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم، وهذا أوان الشروع في المقصود, بعون الله الملك المعبود.
стр. 14
حرف الهمزة:
١- "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " ١.
رواه الشيخان عن عمر بن الخطاب، وكذا رواه غيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة، حتى مالك، لكن في غير الموطأ، وقول ابن دحية: إن مالكًا رواه في موطئه، وَهَّمَهُ في ذلك المحدثون، لكن قال الحافظ السيوطي في شرحه الصغير على الموطأ أنه موجود في الموطأ من رواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، قال: وبذلك يتبين صحة قول من عزا روايته إلى الموطأ ووهم من خطأه في ذلك، انتهى فاعرفه. ورواه البخاري في صحيحه عن عمر في سبعة مواضع بألفاظ مختلفة، بيناها وغيرها في الفيض الجاري بشرح صحيح البخاري منها: إن الأعمال بالنية، وإن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. وهذه الرواية ليست في الصحيحين، بل خرجها ابن الجارود في المنتقى من طريق يحيى بن سعيد، وقد روي حديث: إنما الأعمال بالنيات عن نحو سبعة عشر صحابيًّا، لكنه لم يصح إلا من طريق عمر ﵁، فهو فرد غريب باعتبار أول سنده، مشهور باعتبار آخره. قال الكرماني وغيره: قال الحافظ: لا تصح روايته عن النبي ﷺ إلا من جهة عمر، ولا عن عمر إلا من جهة علقمة، ولا عن علقمة إلا من جهة محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد إلا من جهة يحيى بن سعيد وعنه انتشر، إذ رواه عنه أكثر من مائتي مسند, فهو مشهور باعتبار آخره، غريب باعتبار أوله, لكنه مجمع على صحته, انتهى. وهو أحد الأحاديث الأربعة
стр. 15
التي عليها مدار الدين، وقد نظمها طاهر بن مفوز الإشبيلي -وقيل الإمام الشافعي- بقوله:
عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات, وازهد, ودع ما ... ليس يعنيك, واعملن بنية
وقد أشبعنا الكلام عليه في الفيض الجاري, فراجعه.
٢- آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك.
رواه أحمد ومسلم وعبد بن حميد عن أنس ﵁.
٣- آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر١.
رواه ابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس والخطيب٢ لكن بلفظ من الشهر، وقال السيوطي في الجامع الكبير: رواه وكيع في الغرر، وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس، وفيه مسلمة بن الصلت متروك، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، ورواه الطيوري من وجه آخر عن ابن عباس موقوفًا, انتهى؛ وقال ابن رجب: لا يصح، ورواه الطبراني بسند ضعفه بلفظ: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، وهو محمول على الحديث المقيد بآخر أربعاء جمعًا بينهما، وفي السيرة الحلبية ما حاصله تحمل الأحاديث الواردة بمدح يوم الأربعاء على غير آخر أربعاء في الشهر كالحديث الضعيف: خلق الله يوم الأربعاء الأنهار والأشجار، وأما الأحاديث الواردة بذمه فهي محمولة على آخر أربعاء في الشهر كالحديث المرفوع: يوم الأربعاء نحس مستمر، وفيه ولد فرعون، وفيه ادعى الإلهية، وفيه أهلكه الله تعالى، وكالحديث الآخر: يوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء، والحديث الذي روي بسند ضعيف: أمرنا رسول الله ﷺ باجتناب الحجامة يوم الأربعاء؛ فإنه اليوم الذي أصيب فيه أيوب ﵇ بالبلاء، وما يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء وليلة الأربعاء؛ وكذا ما جاء في حديث من النهي عن قص
стр. 16
الأظفار في يوم الأربعاء وأنه يورث البرص، وما ذكر عن ابن الحاج المالكي أنه قص أظفاره يوم الأربعاء فلحقه برص فرأى النبي ﷺ في نومه فشكا له فقال: ألم تسمع نهيي عن ذلك؟! فقال: يا رسول الله, لم يصح عندي الحديث عنك، فقال: يكفيك أن تسمع، ثم مسح بيده الشريفة على بدنه، فزال البرص جميعًا، فليتأمل هذا الجمع, انتهى١. وذكر المناوي قصة ابن الحاج، وزاد أنه قال: فجددت مع الله تعالى توبة أن لا أخالف ما سمعت عن رسول الله ﷺ أبدًا.
تكميل: أخرج أبو يعلى عن ابن عباس، وكذا ابن عدي، وتمام في فوائده عن أبي سعيد مرفوعًا: يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم سفر وطلب رزق, ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس، ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء، ويوم الخميس يوم طلب الحوائج والدخول على السلطان، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح. قال السخاوي: سنده ضعيف، وذكر برهان الإسلام عن صاحب الهداية أنه ما بدئ شيء يوم الأربعاء إلا وتم؛ فلذلك كان المشايخ يتحرون ابتداء الجلوس فيه للتدريس لأن العلم نور، فبدئ به يوم خلق النور, انتهى. ويمكن حمله على غير أربعاء آخر الشهر٢، وذكر السيوطي في الإسفار عن قلم الأظفار أنه اشتهر على الألسنة أبيات لا يُدرى قائلها، ولا هي صحيحة في نفسها, وهي:
في قص الأظفار يوم السبت آكلة ... تبدو, وفيما يليه يذهب البركه
وعالم فاضل يبدو بتلوهما ... وإن يكن في الثلاثا فاحذر الهلكه
ويورث السوء في الأخلاق رابعها ... وفي الخميس الغنى يأتي لمن سلكه
والعلم والرزق زِيدا في عروبتها ... عن النبي روينا فاقتفوا نسكه
وقال المناوي نقلًا عن السهيلي: نحوسته على من تشاءم وتطير، بأن كانت عادته التطير وترك الاقتداء بالنبي ﷺ في تركه، وهذه صفة من قل توكله، فذلك الذي تضر نحوسته في تصرفه فيه، ثم قال المناوي: والحاصل أن توقي يوم الأربعاء على
стр. 17
وجه الطيرة وظن اعتقاد المنجمين حرام شديد التحريم؛ إذ الأيام كلها لله تعالى لا تضر ولا تنفع بذاتها وبدون ذلك لا ضير ولا محذور، ومن تطير حاقت به نحوسته، ومن أيقن بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله لم يؤثر فيه شيء من ذلك, قال: تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور، وفي حديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعًا وخرجه الحاكم من طريقين: "لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء"١، وكره بعضهم العيادة يوم الأربعاء, وعليه قيل:
لم يؤت في الأربعاء مريض ... إلا دفناه في الخميس
ثم قال المناوي: وقفت على أبيات بخط الحافظ الدمياطي، وقال: إنها تعزى إلى علي بن أبي طالب ﵁-٢ وهي:
لنعم اليوم يوم السبت حقّا ... لصيد إن أردت بلا امتراء
وفي الأحد البناء فإن فيه ... تبدى الله في خلق السماء
وفي الاثنين إن سافرت فيه ... سترجع بالنجاح وبالثراء
وإن ترد الحجامة فالثلاثا ... ففي ساعاته هرق الدماء
وإن شرب امرؤ يومًا دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء
وفي يوم الخميس قضاء حاج ... فإن الله يأذن بالقضاء
وفي الجمعات تزويج وعرس ... ولذات الرجال مع النساء
وهذا العلم لا يدريه إلا ... نبي أو وصي الأنبياء
وسيأتي زيادة على ذلك في آخر الكتاب, في حديث: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر.
٤- "آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ, فاصنع ما شئت" ٣.
رواه ابن عساكر عن ابن مسعود البدري، وكذا رواه عنه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وكذا أحمد عن حذيفة، لكن بلفظ: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولي, إذا لم تستح فاصنع ما شئت. ورواه البخاري عن ابن مسعود البدري أيضًا بلفظ: هؤلاء, لكن بإسقاط لفظ الأولى فاعرفه، وما أحسن ما قيل:
стр. 18
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح, فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا, إذا ذهب الحياء
٥- آخر ما تكلم به إبراهيم ﵊ حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل١.
رواه الخطيب البغدادي بسند ضعيف عن أبي هريرة وقال الخطيب: غريب، والمحفوظ عن ابن عباس موقوفًا، وسيأتي في حرف الحاء المهملة: حسبي الله ونعم الوكيل مع الكلام عليه بأبسط.
٦- آخر من يدخل الجنة رجل يقال له: جهينة, فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين٢.
رواه الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر ﵄، وفي رواية عن ابن عمر رفعه بلفظ: إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة يقال له: جهينة, الحديث. ورواه الدارقطني في غريب مالك بزيادة في آخره وهي: سلوه هل بقي من الخلائق أحد يعذب؟ فيقول: لا، وحكى السهيلي أنه جاء أن اسمه هناد.
٧- آخر الطب الكي٣.
قال في الأصل: هو من كلام بعض الناس، وليس بحديث، والمراد أنه بعد انقطاع طرق الشفاء يعالج بالكي؛ ولذا حمل العلماء قوله ﷺ : "وأنهى أمتي عن الكي" على ما إذا وجد طريق غيره مرجو للشفاء، وقال القاري في موضوعاته الكبرى: والمشهور كما قال العسقلاني في أمثلة العرب: آخر الداء الكي, والمعنى: آخر الشفاء من الداء الكي.
٨- أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا.
رواه العسكري في الأمثال عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا بهذا اللفظ، لكن في سنده من لم يعرف، ورواه الديلمي بلا سند عن ابن عباس رفعه بلفظ: "أعطيت جوامع
стр. 19
الكلم واختصر لي الكلام اختصارًا" ورواه الشيخان لكن بلفظ: "بعثت بجوامع الكلم" وفي خبر أحمد: "أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه" , وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه مر برجل يقرأ كتابًا من التوراة, فذكر للنبي ﷺ فقال: "إنما بُعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واختصر لي الحديث اختصارًا". ولأبي يعلى عن خالد بن عرفط قال: كنت عند عمر فجاء رجل فذكره، وفيه فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس, أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصارًا"، وفي رواية ابن سيرين عن أبي هريرة: "أعطيت فواتح الكلم" وفي أخرى: "أعطيت مفاتيح الكلم"، وفي أخرى: "أعطيت جوامع الكلم"، وفي حديث أبي موسى: "أعطيت فواتح الكلم وخواتمه"، قلنا: يا رسول الله, علمنا مما علمك الله, فعلمنا التشهد، ورواه أيضًا في المختارة عن عمر بن الخطاب بلفظ آخر مع بيان سبب وروده، قال عمر: فانطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال رسول الله ﷺ : "ما هذا في يدك يا عمر؟ " قلت: يا رسول الله, كتاب نسخته لنزداد به علمًا إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار: أغضب نبيكم، السلاح السلاح, فجاءوا حتى أحدقوا بيمين رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس, إني أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه, واختصر لي الكلام اختصارًا, ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية, فلا تتهوكوا, ولا يغرنكم المتهوكون "، قال عمر: فقمت، فقلت: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبك رسولًا، ثم نزل رسول الله ﷺ انتهى. والمتهوكون: جمع متهوك بتشديد الواو مكسورة وبالكاف، قال في القاموس: المتهوك المتحير كالهواك كشداد، والساقط في هوة الردى.
٩- ائتدموا بالزيت، وادهنوا به؛ فإنه يخرج من شجرة مباركة١.
رواه الترمذي في العلل، وقال: مرسل، وابن ماجه والحاكم وقال على شرطهما، والبيهقي والدارقطني في الأفراد، وأبو يعلى وعبد بن حميد عن ابن عمر, ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس بلفظ: ائتدموا من هذه الشجرة -يعني: الزيت- ومن عرض عليه طيب فليصب منه، وقد رمز السيوطي في جامعه لضعفه.
стр. 20
١٠- ائتدموا ولو بالماء١.
رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم والخطيب وتمام عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال ابن الجوزي: لا يصح، فيه مجهول, وآخر ضعيف، وقال البيهقي٢: فيه عريك بن سنان لم أعرفه, وبقية رجاله ثقات.
١١- "آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة " ٣.
رواه أحمد وأبو يعلى عن ابن عباس مرفوعًا من حديث، صدره: إنه لم يكن نبي إلا له دعوة قد تنجزها في الدنيا، وإني قد اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائي ولا فخر، ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري بلفظ: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ, آدم فمن دونه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، قال أبو العباس المرسي قدس سره: معنى قوله ﷺ : أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي: ولا أفتخر بالسيادة, وإنما فخري بالعبودية قال:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
ونقل عن الشيخ الأكبر قدس سره الأنور٤ أنه روى الحديث بلفظ: ولا فخز، بالزاي بدل الراء، أي: ولا تكبر.
١٢- الآدمي كالنخلة, إذا قطع رأسه مات.
انظر هل هو حديث أم لا٥؟ وذكره في شرح الأزهرية مثالًا للكاف الجارة، ولم يتعرض له الحلبي في شرحه، وهو من القلب٦ على حد قوله: كما طينت بالفدن السياعا.
стр. 21
١٣- آفة الكذب النسيان.
قال في التمييز: أورده جمع من الحفاظ في مصنفاتهم بسند فيه ضعف وانقطاع وقال في الأصل: رواه القضاعي والديلمي عن علي مرفوعًا بلفظ: "آفة الحديث الكذب, وآفة العلم النسيان"، وسنده ضعيف لكنه صحيح المعنى، ورواه الدارمي والعسكري عن الأعمش مرفوعًا معضلًا أو مرسلًا بلفظ: آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله, ورواه الخلعي في فوائده عن رؤبة بن العجاج أنه قال: قال لي النسابة البكري: "للعلم آفة ونكد وهجنة، فآفته نسيانه, ونكده الكذب فيه، وهجنته نشره عند غير أهله" وعزاه النجم بلفظ الترجمة لابن عدي في الكامل، وعن القاسم بن محمد قال: أعاننا الله على الكذابين بالنسيان، وله عن عبد الله بن المختار قال: "آفة العلم الكذب، وآفته النسيان" والذي في المرفوع: "آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان" أخرجه ابن عدي والقضاعي والديلمي بسند ضعيف، ورواه البيهقي عن ابن مسعود موقوفًا بلفظ: "آفة الحديث النسيان، وفي سنده انقطاع، وأقول: رواه القضاعي مطولًا بلفظ: "آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحسب الفخر، وآفة الظرف١ الصلف، وآفة الجود السرف، وآفة الدين الهوى".
١٤- آفة الدين ثلاثة: فقيه فاجر، وإمام جائر، ومجتهد جاهل٢.
قال في الجامع الكبير: رواه الديلمي عن ابن عباس.
١٥- "آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد " ٣.
رواه ابن سعد بسند حسن وأبو يعلى عن عائشة، وفي رواية البيهقي عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا بزيادة: فإنما أنا عبد، ورواه هناد في الزهد كما في ذيل الجامع عن عمرو بن مرة مرسلًا بلفظ: آكل كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده, لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا كأسًا.
стр. 22
١٦- آل القرآن آل الله١.
رواه الخطيب في رواة مالك عن أنس، قال في الميزان: هو خبر باطل، وأقول: لكن يشهد له ما أخرجه أبو عبيدة والبزار وابن ماجه عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: " إن لله تعالى أهلين من الناس " , قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته ".
١٧- آل محمد كل تقي٢.
قال السيوطي: لا أعرفه، وقال في الأصل: رواه الديلمي وتمام بأسانيد ضعيفة، فلفظ تمام عن أنس: سئل رسول الله ﷺ : من آل محمد؟ فقال: كل تقي من أمة محمد، ولفظ الديلمي: آل محمد كل تقي, ثم قرأ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ ٣ ولكن شواهده كثيرة، منها ما في الصحيحين من قوله ﷺ : "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحو المؤمنين "، وقال الشيخ محمد الزرقاني في مختصر المقاصد الحسنة: هو حسن لغيره, انتهى. وقال النجم: وفي لفظ: سئل رسول الله ﷺ : من آل محمد؟ فقال: كل تقي، قال: وروي عن علي ﵁ وأنه السائل، وأسانيده ضعيفة، ولكن له شواهد، قال: ورأيته في بعض كتب النحو بلفظ: آلي كل مؤمن تقي، ويستشهد به على إضافة الآل إلى الضمير انتهى، وقد بين السخاوي شواهده في كتابه ارتقاء الغرف، وقد حمل الحليمي الحديث على كل تقي من قرابته خاصة دون عموم المؤمنين، لحديث أنه ﷺ كان إذا ضحى أتى بكبشين فذبح أحدهما عن أمته من شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وآل محمد انتهى، وأقول: ينبغي حمل هذه الأحاديث وما أشبهها على الكاملين من آله، وإلا فلا شك أن من صحت نسبته إليه فهو من آله وإن لم يكن تقيًّا حيث كان مؤمنًا؛ لأن العقوق لا يقطع النسب، ومحبتهم لكونهم من آله متحتمة على كل مؤمن لشرفهم بالانتساب إليه ﷺ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٤ وفي هذا مع زيادة قلت:
стр. 23
لقد حاز آل المصطفى أشرف الفخر ... بنسبتهم للطاهر الطيب الذكر
فحبهم فرض على كل مؤمن ... أشار إليه الله في محكم الذكر
ومن يدعى من غيرهم نسبة له ... فذلك ملعون أتى أقبح الوزر
وقد خص منهم نسل زهراء الأشرف١ ... بأطراف تيجان من السندس الخضر
ويغنيهم عن لبس ما خصهم به ... وجوه لهم أبهى من الشمس والبدر
ولم يمتنع من غيرهم لبس أخضر ... على رأي من يعزى لأسيوط ذي الخبر
وقد صححوا عن غيره حرمة الذي ... رآه مباحًا, فاعلم الحكم بالسبر
١٨- آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين٢.
رواه ابن عدي والطبراني في الدعاء عن أبي هريرة، ورمز في الجامع الصغير لضعفه.
١٩- آمن شعر أمية بن أبي الصلت وكفر قلبه٣.
رواه أبو بكر بن الأنباري في كتاب المصاحف، والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس، قال المناوي: ما حاصله وسند الحديث ضعيف، ورواه أيضًا عن ابن عباس الفاكهي وابن مندة، وسبب ذكره أن الفارعة بنت أبي الصلت أخت أمية أتت رسول الله ﷺ فأنشدته من شعر أمية أخيها فذكره، وروى مسلم عن عمر بن الشريد قال: ردفت النبي ﷺ فقال: هل معك من شعر أمية؟ قلت: نعم، فأنشدته مائة بيت، فقال: لقد كاد أن يسلم في شعره، ومنه:
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد
ومنه:
والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد
تأتي فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد
وأعترض عليه في قوله: إلا معذبة وإلا تجلد فقال ابن عباس: والذي نفسي بيده, ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك فيقولون لها: اطلعي فتقول: لا أطلع
стр. 24
على قوم يعبدونني من دون الله تعالى، فيأتيها ملك فتشعل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه، فيحرقه الله تعالى تحتها, انتهى. إلى غير ذلك من الشعر العجيب، لكنه مات كافر القلب كما قال نبينا ﵇ قالوا: وعاش أمية إلى أن أدرك وقعة بدر، ورثى من مات بها من الكفار، ومات كافرًا أيام حصار الطائف انتهى. ومن شعره أيضًا:
يا رب لا تجعلني كافرًا أبدا ... واجعل سريرة قلبي الدهر إيمانا
ومنه أيضًا قوله عند قرب موته:
كل عيش وإن تطاول دهرًا ... صائر أمره إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رءوس الجبال أرعى الوعولا
إن يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الوليد يومًا ثقيلا
٢٠- آية الكرسي ربع القرآن١.
قال السيوطي في الجامعين: رواه أبو الشيخ في الثواب عن أنس، ورمز في الصغير لحسنه.
٢١- آية من كتاب الله تعالى خير من محمد وآله.
قال في الأصل: لم أقف عليه كشيخي من قبلي، قال: لكن رأيته بخط بعض طلبته من أصحابنا في هامش تسديد القوس مجردًا عن العزو لصحابي، وذلك لا أعتمده من مثله، وزاد فيه لأن القرآن كلام الله غير مخلوق، نعم في جامع الترمذي عن سفيان بن عيينة في تفسير حديث ابن مسعود: ما خلق الله سبحانه من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي، آية الكرسي كلام الله، وكلام الله أعظم خلق الله من السماء والأرض، وفي نسخة: "أعظم مما فيه السماوات والأرض" انتهى. وفي فتاوى ابن حجر المكي الحديثية حديث: "لآية من كتاب الله خير من محمد وآل محمد" قال الحافظ السيوطي: لم أقف عليه انتهى، وفي أثر ابن مسعود من قوله: إذا قرأ الرجل آية قال: لهي خير مما طلعت عليه الشمس، وما على الأرض من شيء، وفي لفظ: كان إذا علم الآية، قال: خذها
стр. 25
فلهي خير من الدنيا وما فيها، وعزاه بعضهم له موهمًا رفعه بلفظ: آية من كتاب الله خير من الدنيا وما فيها، لكن في مسند الفردوس عن علي رفعه: القرآن أفضل من كل شيء دون الله، وفيه أيضًا عن أنس مرفوعًا: لقراءة آية من كتاب الله أفضل مما تحت العرش، وفيه أيضًا عن صهيب مرفوعًا: لقراءة آية من كتاب الله أفضل من كل شيء دون العرش، ولا يخفى ما في أحاديث الفردوس، وفي الإحياء قال رسول الله ﷺ : "ما من شفيع أعظم عند الله منزلة من القرآن, لا نبي ولا ملك ولا غيره" لكنه مرسل كما في تخريج العراقي، وقال النجم: وأخرجه الطبراني عن ابن مسعود موقوفًا بلفظ: "كل آية من كتاب الله خير مما في السماء والأرض" انتهى، والمشهور على الألسنة: "حرف من تبت خير من محمد وآل محمد".
٢٢- "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
متفق عليه عن أبي هريرة, وورد بروايات في الصحيحين وغيرهما، منها: "أربع من كن فيه فهو منافق خالص, وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر "، وفي رواية: "وإذا عاهد غدر"، وقال بعضهم: غاية ما قيل في علامات المنافق الواردة سبع, نظمها بقوله:
تعد علامات المنافق سبعة ... كما صح عن خير الخلائق في الخبر
إذا قال لم يصدق, ويخلف وعده ... وإن يؤتمن أبدى الخيانة والضرر
وعند اصفرار الشمس يغدو مصليًا ... ويبغض من آوى النبي ومن نصر
ويترك إتيان الصلاة لجمعة ... ثلاثًا وإن خاصمت ذاك الشقي فجر
انتهى, وبقي عليه ثامنة ففي حديث رواه البخاري في تاريخه الكبير والحاكم وابن ماجه عن ابن عباس وقال الحافظ ابن حجر فيه: إنه حديث حسن بلفظ: آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم، وذلك أن رجلًا جاء إلى ابن عباس فقال له: من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال: فشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل البيت، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله ﷺ قال: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم"، وقد نظمت هذه الثامنة بقولي:
стр. 26
وثامنها أن لا تضلع فاعلمن ... لما زمزم قد جاء عن سيد البشر
وأصل أن لا تضلع: أن لا تتضلع بمثناتين فوقيتين, فحذفت إحداهما تخفيفًا وعليه فاللام المشددة مفتوحة، ويحتمل أنه مصدر فاللام مضمومة.
٢٣- "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ".
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر ﵁.
٢٤- الإيمان عقد بالقلب, وإقرار باللسان، وعمل بالأركان١.
رواه ابن ماجه عن علي بن أبي طالب يرفعه، قال ابن الجوزي: موضوع، أورده في الدرر، فقال: لم يصب في حكمه عليه بالوضع، وفي مسند الفردوس لما دخل علي بن موسى الرضا لنيسابور على بغلة شهباء فخرج علماء البلد في طلبه, منهم: يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حرب ومحمد بن رافع، فتعلقوا بلجام دابته، فقال له إسحاق: بحق آبائك الطاهرين، حدثنا بحديث سمعته من آبائك فقال: حدثنا العبد الصالح أبو موسى بن جعفر إلى آخر سنده عن أهل البيت وذكر هذا الحديث، ومن لطائف إسناده رواية الأبناء عن الآباء في جميعه.
٢٥- الإيمان يزيد وينقص.
رواه أحمد عن معاذ بن جبل، قال القاري نقلًا عن الفيروزآبادي أنه قال في كتابه الصراط المستقيم: الحديث المشهور: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وكذا حديث: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، كل ذلك غير صحيح انتهى، وأقول: لكن معنى الأول صحيح، وجرى عليه المحدثون، حتى قال البخاري: كتبت عن ألف شيخ وثمانين ليس فيهم إلا صاحب حديث كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص انتهى، وهو مذهب الأشعري، وأما حديث: الإيمان لا يزيد ولا ينقص, فقد رواه محمد بن كدام عن سفيان بن عيينة وعن الزهري عن ابن عمر لكنه موضوع، فقد نقل الزركشي عن البخاري أنه سئل عنه، فكتب على ظهر كتاب ابن كدام: من حدث بهذا استوجب
стр. 27
الضرب الشديد والحبس المديد انتهى، لكن جرى عليه كثيرون كالحنفية، وجعلوا في حديث: الإيمان يزيد وينقص, الزيادة إشراقًا، والنقصان ضده.
٢٦- "الإيمان بضع وسبعون شعبة, أفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ١.
رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة.
٢٧- الإيمان عريان, فلباسه التقوى, وزينته الحياء، وثمرته العلم.
هو موضوع كما قال الصغاني، وعزاه النجم لرواية ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا, عن وهب بن منبه من قوله، لكن بإبدال قوله: "وثمرته العلم" بقوله "وماله الفقه"، ثم قال: ورواه ابن عساكر عن علي رفعه بلفظ: يا علي, إن الإسلام عريان، لباسه التقوى، ورياشه الهدى، وزينته الحياء، وعماده الورع، وملاكه العمل الصالح، وأساس الإسلام حبي وحب أهل بيتي.
стр. 28
حرف الهمزة مع الباء الموحدة:
٢٨- ابتغوا الخير عند حسان الوجوه١.
رواه الدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة، وسيأتي فيه روايات في: اطلبوا الخير عند حسان الوجوه مع ما فيه من النظم.
٢٩- الأب أحق بالطاعة، والأم أحق بالبر.
قال النجم: هو من كلام ابن المبارك, كما أخرجه الأصبهاني في الترغيب عن حبان بن موسى، قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الوالد والوالدة إذا أمرا بشيء، فذكره.
стр. 29
٣٠- "أبخل الناس من بخل بالسلام" ١.
رواه البيهقي في الشعب بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة، والطبراني عنه وعن عبد الله بن معقل.
٣١- "ابدأ بمن تعول".
رواه الطبراني عن حكيم بن حزام، ورواه الشيخان عن أبي هريرة في حديث: "وابدأ بمن تعول".
٣٢- ابدءوا بما بدأ الله به٢.
يعني: الصفا، فيقدم وجوبًا على المروة في السعي بينهما؛ لأن الله تعالى قدمه بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ٣، ولذا يجب الترتيب في الوضوء عند الشافعي، وليس من الواو؛ لأنها لا تفيد الترتيب عند الجمهور من النحاة، والحديث رواه الدارقطني عن جابر بلفظ: أمر الجماعة، وفي بعضها بالإفراد، ورواه مسلم عن جابر بلفظ مضارع المتكلم وحده.
٣٣- ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل شيء عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا.
رواه مسلم والنسائي وآخرون عن جابر قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبر٤ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألك مال غيره؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم, فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: ابدأ بنفسك ... الحديث، ورواه في الدرر بلفظ: ابدأ بنفسك ثم بمن يليك، وقال فيها وفي الطبراني من حديث جابر بن سمرة: إذا أنعم الله على عبد نعمة فليبدأ بنفسه وأهل بيته انتهى، ورواه مسلم عن جابر بن سمرة بلفظ: إذا أعطى الله أحدكم خيرًا فليبدأ بنفسه وأهل بيته، ورواه الطبراني عن معاذ كما في الجامع الكبير, وفي ذيل الصغير بلفظ: ابدأ بأمك وأبيك،
стр. 30
وأختك وأخيك، والأدنى فالأدنى، ولا تنسوا الجيران وذا الحاجة انتهى، وقال في الجامع الكبير أيضًا: رواه ابن حبان عن جابر بلفظ: ابدأ بنفسك فتصدق عليها ثم على أبويك، ثم على قرابتك، ثم هكذا ثم هكذا، وقال النجم في ابدأ بنفسك: رواه الطيالسي عن ابن عمر وأنه ﷺ قال له: يا عبد الله, ابدأ بنفسك فاغذها١ وجاهدها ... الحديث، ثم قال: ولابن أبي شيبة عن سعيد بن سيار قال: جلست إلى ابن عمر، فذكرت رجلًا، فترحمت عليه، فضرب صدري وقال: ابدأ بنفسك.
٣٤- أبدِ المودة لمن وادك؛ فإنها أثبت٢.
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان, والحارث بن أبي أسامة في مسنده, والطبراني وأبو الشيخ في الثواب عن حميد الساعدي.
٣٥- الأبدال في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا٣.
عزاه في اللآلئ لمسند أحمد عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، وفي لفظ له عنه: الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلًا قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن إلى آخر ما تقدم بلفظه، ثم قال فيها: وحكى عبد الله بن أحمد عن أبيه أنه منكر, تفرد به الحسن بن ذكوان، قال ابن كثير: وهو كما قال, ووثق البخاري الحسن المذكور، وضعفه الأكثرون، حتى قال أحمد: أحاديثه أباطيل، ثم قال فيها أيضًا: ولا يخفى ما فيه من التحامل، فإن رجال الحديث مختلف فيهم, فهو حسن على رأي جماعة من الأئمة، وقال الزركشي أيضًا: هو حسن، وقال في التمييز تبعًا للأصل: له طرق عن أنس مرفوعًا بألفاظ مختلفة وكلها ضعيفة, انتهى.
وأقول: لكنه يتقوى بتعدد طرقه الكثيرة, منها ما في الحلية عن ابن عمر رفعه: خيار أمتي في كل قرن خمسمائة، والأبدال أربعون، فلا الخمسمائة ينقصون، ولا الأربعون، كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر، وهم في الأرض كلها، وفي رواية: الأبدال
стр. 31
بالشام، والنجباء بمصر، وفي رواية: الأبدال من الشام، والنجباء من أهل مصر. ومنها ما رواه الخلال في كرامات الأولياء عن أنس بلفظ: الأبدال أربعون رجلًا وأربعون امرأة، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا، وإذا ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة. ومنها كما في شرح المواهب للزرقاني ما رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إن في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى، ولله سبعة في الخلق قلوبهم على قلب إبراهيم، ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل، ولله في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة, وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة, وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة، وإذا مات من الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة، فبهم يحيي ويميت ويمطر وينبت ويدفع البلاء، قيل لابن مسعود: وكيف بهم يحيي ويميت؟ قال: لأنهم يسألون الله إكثار الأمم، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فتنبت الأرض، ويدعون فيدفع الله بهم أنواع البلاء انتهى.
ومنها ما في الحلية أيضًا عن ابن مسعود رفعه: لا يزال أربعون رجلًا من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم, يدفع الله بهم عن أهل الأرض يقال لهم: الأبدال, أنهم لم يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة، قال: فبِمَ أدركوها يا رسول الله؟ قال: بالسخاء, والنصيحة للمسلمين.
ومنها ما رواه المنذري في أربعينه وتبعه أبو عبد الله المسلمي في تخريجها عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن أبدال أمتي لن يدخلوا الجنة بالأعمال، ولكن دخلوها برحمة الله تعالى وسخاوة النفس وسلامة الصدر والرحمة لجميع المسلمين" انتهى، وإلى ذلك أشرت ضمن قصيدة بقولي:
إن أبدال الرجال الأتقيا ... من صفت نياتهم والأسخيا
لم ينالوا ذا المقام الأعظما ... في صلاة أو صيام أخفيا
بل بما قد قر في أنفسهم ... منحوا ذا من كريم معطيا
وبما قد رحموا من خلقه ... فجزوا منه المقام العاليا
стр. 32
ومنها وهو أحسنها ما رواه أحمد من حديث شريح يعني ابن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي -كرم الله وجهه- وهو بالعراق، فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين قال: لا, إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "البدلاء يكونون بالشام وهم أربعون رجلًا, كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا. يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم البلاء", وفي رواية بدله: "العذاب". ورجاله من رواة الصحيح إلا شريحًا لكنه ثقة، وقال الضياء المقدسي في رواية صفوان بن عبد الله عن علي من غير رفع: لا تسبوا أهل الشام جَمًّا غفيرًا، فإن بها الأبدال, قاله ثلاثًا. ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب بسند فيه عمرو بن واقد ضعفه الجمهور وبقية رجاله رجال الصحيح بلفظ: لا تسبوا أهل الشام فإن فيهم الأبدال، وفي رواية زيادة: فبهم تنصرون وبهم ترزقون. ومنها ما رواه ابن عدي عن أبي هريرة بلفظ: البدلاء أربعون: اثنان وعشرون بالشام، وثمانية عشر بالعراق، كلما مات منهم واحد أبدل الله مكانه آخر، فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم، فعند ذلك تقوم الساعة.
ومنها ما نقله الحلبي في سيرته عن الفضل بن فضالة أنه قال: الأبدال بالشام: في حمص خمسة وعشرون رجلًا، وفي دمشق ثلاثة عشر، وفي بيسان ثلاثة.
ومنها ما في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي عن الكتاني قال: النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد، فإن أجيبوا، وإلا ابتهل الغوث، فلا تتم مسألته حتى تجاب دعوته، قال الزرقاني في شرح المواهب: والمراد بالعمد -بضمتين- الأوتاد، وبالغوث القطب المفرد الجامع، والمراد: يكون الأبدال مسكنهم الشام أكثرهم، فلا يخالف ما ورد أن ثمانية عشر بالعراق -إن صح- ثم المراد: أن محل إقامتهم بها, فلا ينافي تصرفهم في الأرض كلها, وقيل: إن الغوث مسكنه اليمن، والأصح أن إقامته لا تختص بمكة ولا بغيرها، بل هو جوال، وقلبه طواف في حضرة الحق تعالى وتقدس لا يخرج من حضرته أبدًا، ويشهده في كل جهة ومن كل جهة انتهى. وقد أفرد الأبدال بالتأليف السخاوي وسماه نظم اللآل، وكذا السيوطي وسماه القول الدال.
стр. 33
"فائدة" للأبدال علامات: منها ما ورد في حديث مرفوع: ثلاث من كن فيه فهو من الأبدال: الرضا بالقضاء, والصبر عن المحارم، والغضب لله. ومنها ما نقل عن معروف الكرخي أنه قال: من قال: اللهم ارحم أمة محمد في كل يوم, كتبه الله من الأبدال، وهو في الحلية لأبي نعيم بلفظ: من قال في كل يوم عشر مرات: اللهم أصلح أمة محمد, اللهم فَرِّجْ عن أمة محمد, اللهم ارحم أمة محمد كتب من الأبدال، ومنها ما نقل عن بعضهم أنه قال: علامة الأبدال أنهم لا يُولَد لهم، وروي في مرفوع معضل: علامة أبدال أمتي أنهم لا يلعنون شيئًا.
٣٦- أبردوا بالطعام؛ فإن الطعام الحار غير ذي بركة١.
قال في التمييز تبعًا للأصل: أخرجه الطبراني بسند ضعيف, وزاد في الأصل وذكره الديلمي عن ابن عمر رفعه بلفظ: أبردوا بالطعام؛ فإن الحار لا بركة فيه، ورواه أحمد والطبراني وابن حبان والحاكم عن أسماء بنت أبي بكر بلفظ: أبردوا بالطعام؛ فإنه أعظم للبركة، ورواه أبو نعيم في الحلية عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يكره الكي والطعام الحار، ويقول: عليكم بالبارد؛ فإنه ذو بركة، ألا وإن الحار لا بركة له، وروى الطبراني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أُتِي بصحفة تفور، فرفع يده منها، وقال: إن الله لم يطعمنا نارًا، وقال الشعراني في طبقاته الوسطى: وكان ﷺ لا يأكل الطعام الحار، ويقول: أبردوه ثم كلوه، فإن الله لم يطعمنا نارًا، وفي رواية: إن الحار غير ذي بركة، انتهى. ونقل النجم أن أحمد والطبراني وأبا نعيم رووه عن عروة أن أسماء ﵂ كانت إذا ثردت غطت بشيء حتى يذهب فوره, ثم تقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: هو أعظم للبركة، والمشهور على الألسنة البركة في البارد واللذة في الحار.
٣٧- أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم.
رواه البخاري وأحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، ورواه الطبراني وتمام وابن عساكر عن عمرو بن عنبسة، ورواه النسائي عن أبي موسى الأشعري، ورواه في الجامع الكبير بألفاظ مختلفة، وطرق كذلك.
стр. 34
٣٨- أبغض الخلق إلى الله تعالى من كانت ثيابه ثياب الأنبياء، وعمله عمل الجبارين١.
رواه العقيلي والديلمي عن عائشة مرفوعًا.
٣٩- أبغض الحلال إلى الله الطلاق٢.
قال في اللآلئ: أخرجه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر، وأخرجه الحاكم عن ابن عمر أيضًا بلفظ قال رسول الله ﷺ : ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق، قال: وهذا حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه.
وقال في التمييز تبعًا للأصل: روي موصولًا ومرسلًا، وصحح البيهقي إرساله، وكذا أبو حاتم، وقال الخطابي: إنه المشهور، وزاد في الأصل وله شاهد عند الدارقطني عن معاذ مرفوعًا بلفظ: يا معاذ, ما خلق الله شيئًا أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله شيئًا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق. فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر -إن شاء الله- فهو حر لا استثناء له، وإذا قال لامرأته: أنت طالق -إن شاء الله- فله استثناؤه, ولا طلاق عليه، انتهى.
وأقول: لينظر قوله: "فإذا قال الرجل ... إلخ" هل هو من الحديث أو لا؟ وعلى كُلٍّ, فيشكل الحكم بأنه يقع العتق مع التعليق بالمشيئة دون الطلاق، مع أن المقرر فيهما أنه لا وقوع مع التعليق بالمشيئة فليراجع، إلا أن يحمل في الأول على التبرك والثاني على التعليق, فتدبر.
ورواه الديلمي عن معاذ بلفظ: إن الله يبغض الطلاق ويحب العتاق, لكنه ضعيف بانقطاعه.
وروى الديلمي أيضًا عن علي رفعه بسند ضعيف: تزوجوا ولا تطلقوا؛ فإن الطلاق يهتز منه العرش، وجاء عن علي أيضًا أنه قال: يا أهل العراق, لا تزوجوا الحسن، يعني ابنه، فإنه مِطْلَاق، فقال له رجل: والله لنزوجنه، فما رضي أمسكه وما كره طلق. وعن أبي موسى رفعه: ما بال أحدكم يلعب بحدود الله يقول: قد طلقت, قد راجعت. ولعل
стр. 35
ذلك حيث لم يوجد ما يقتضيه، وعليه يحمل قولهم: "الطلاق يمين الفساق" أو لعله محمول على الزجر، وإلا فليس الطلاق مفسقًا على إطلاقه, فتأمل.
٤٠- "أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم".
رواه الشيخان بزيادة "إن" في أوله, في رواية البخاري.
٤١- أبقِ للصلح موضعًا.
رواه أبو نعيم عن سفيان بن عيينة بلفظ: كان ابن عياش المنتوف يقع في عمر بن ذر يشتمه، فلقيه عمر بن ذر فقال: يا هذا, لا تفرط في شتمنا, وأبقِ للصلح موضعًا؛ فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله.
ورواه أبو نعيم أيضًا عن أبي عمر بن خلاد قال: شتم رجل عمر بن ذر فقال: لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعًا؛ فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه، والمشهور على الألسنة: خَلِّ للصلحِ موضعًا.
٤٢- ابكوا, فإن لم تبكوا فتباكوا١.
رواه ابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص.
٤٣- أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته، فإنه من أبلغ -وفي رواية: فمن أبلغ- سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها؛ ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة٢.
قال في التمييز تبعًا للأصل: أخرجه البيهقي والطبراني والترمذي في الشمائل، يعني: عن علي وزاد في الأصل عن هند بن أبي هالة التميمي أنه قال في أثناء حديث طويل في صفة النبي ﷺ كان يقول: "ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته"، ورواه الفقيه نصر المقدسي في فوائده عن علي بلفظ: "أبلغوني"، ورواه الطبراني عن عائشة وابن عمر بلفظ: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في تبليغ بر أو تيسير عسير؛ أعانه الله على إجازة الصراط عند دحض الأقدام"، قال في الأصل: ووهم الديلمي في عزوه لفظ الترجمة للطبراني عن أبي الدرداء، وإنما الذي فيه حديث عائشة وابن عمر بلفظ: "رفعه الله في الدرجات العلا من الجنة"،
стр. 36
وعزاه في الدرر للطبراني وأبي الشيخ عن أبي الدرداء بلفظ: أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته، فمن أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه على الصراط, وزاد في الجامع الصغير عنه من طريق الطبراني فقط آخره: يوم القيامة ورمز السيوطي لحسنه، ولعله لاعتضاده، وإلا فقد ذكر المناوي أن فيه إدريس بن يوسف الحراني لا يعرف.
٤٤- "ابن أخت القوم منهم".
متفق عليه عن أنس أنه كما في التمييز كالأصل, وزاد في الأصل من رواية الديلمي عن أبي موسى وغيره: "يا معشر قريش, إن ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم"، ورواه أحمد بن أبي شيبة والترمذي عن أنس وكذا الحاكم عن عمر أنه قال له ﷺ : "اجمع لي صناديد قريش" , فجمعهم، ثم قال: أتخرج إليهم أم يدخلون؟ فقال: "أخرج"، فخرج ﵇ فقال: "يا معشر قريش, هل فيكم من غيركم؟ " قالوا: لا إلا ابن أختنا، فذكره ثم قال: "يا معاشر قريش إن أولى الناس بي المتقون، فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي".
تنبيه: مثل ابن أخت القوم حليفهم ومولاهم كما في حديث رواه في ذيل الجامع عن الشافعي وأحمد عن رفاعة بن رافع الزرقي، ولفظه: "ابن أختكم منكم، وحليفكم ومولاكم منكم، إن قريشًا أهل صدق وأمانة، فمن بغاها العواثر كَبَّه الله في النار على وجهه".
ورواه البغوي في معجمه عن أبي عبيد الزرقي بلفظ: ابن أختنا منا, وحليفنا منا، ومولانا منا، يا معشر قريش, إن أوليائي منكم المتقون، فإن تكونوا أنتم فأنتم، يا أيها الناس من بغى قريشًا العواثر كب على منخريه، ولينظر معنى قول الشاعر:
وإن ابن أخت القوم مصغي إناءه ... إذا لم يزاحم خاله باب جلمد
٤٥- ابن آدم, أطع ربك تُسَمَّ عاقلًا, ولا تعصه فتسمى جاهلًا١.
رواه أبو نعيم عن أبي هريرة, وأبي سعيد الخدري.
стр. 37
٤٦- ابن آدم أولك نطفة، وآخرك جيفة، وأنت بين ذلك لا تملك ضرًّا ولا نفعًا.
رواه الديلمي عن ابن عباس, والمشهور على الألسنة ابن آدم أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة.
٤٧- ابن آدم خلق من التراب, وإليه يصير.
رواه الديلمي عن أبي هريرة في حديث أوله: ويح ابن آدم.
٤٨- ابن آدم, عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافًى في بدنك, آمنًا في سربك, عندك قوت يومك, فعلى الدنيا العفاء١.
رواه ابن عدي والبيهقي عن ابن عمر, كذا في الجامع الصغير في ابن آدم، ورواه أيضًا في إذا من رواية البيهقي عن أبي هريرة بلفظ: إذا أصبحت آمنًا في سربك, معافًى في بدنك, عندك قوت يومك, فعلى الدنيا العفاء. قال المناوي: ورواه أيضًا الخطيب وأبو نعيم وابن عساكر وابن النجار وفي سنده كذاب متهم بالوضع انتهى، لكن معناه صحيح.
٤٩- "أبو بكر في الجنة, وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة, وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة، ﵃ أجمعين " ٢.
رواه أحمد والضياء عن سعيد بن زيد, والترمذي عن عبد الله بن عوف، وقد نظم أسماءهم الحافظ ابن حجر العسقلاني, لكن لا على ترتيبهم في الفضيلة فقال:
لقد بشر الهادي من الصحب عشرة ... بجنات عدن كلهم قدره علي
عتق سعيد سعد عثمان طلحة ... زبير ابن عوف عامر عمر علي
стр. 38
٥٠- "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين, ما خلا النبيين والمرسلين " ١.
رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي جحيفة، وأبو يعلى والضياء وابن عساكر عن أنس، وروي عن غيرهم، وقد رمز في الجامع الصغير لصحته: أبو بكر وعمر سراجا أهل الجنة، الديلمي عن جابر: أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر, والترمذي والطبراني من حديث عبد الله بن حنطب، قال الترمذي: لا صحبة له، ورواه أبو نعيم من رواية ابن وهب عن ابن عباس: أبو بكر خير أمتي وأرحمها، وعمر أغيرها، وعثمان أحياها، وعلي أبهاها. قال في تخريج الحافظ على الديلمي: أخرجه أبو محمد من رواية سلمان عن ابن عمر, وفي سنده محمد بن الحارث.
٥١- أبو بكر خير الناس بعدي إلا أن يكون نبي٢.
رواه ابن عدي والطبراني والديلمي والخطيب في المتفق والمفترق, بسندهم إلى سلمة بن الأكوع، وقال ابن عدي: هذا الحديث أحد ما أنكر على عكرمة.
٥٢- أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار, فاعرفوا ذلك له، فلو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر٣.
رواه ابن الإمام أحمد في زوائده, وابن مردويه والديلمي عن ابن عباس.
٥٣- أبو حنيفة سراج أمتي.
قال القاري في موضوعاته الكبرى: هو موضوع باتفاق المحدثين، وقال العلامة ابن حجر المكي في كتابه المسمى بالخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان نقلًا عن الحافظ السيوطي وغيره: إن الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "لو كان الإيمان عند الثريا" -وفي لفظ: "لو كان العلم معلقًا عند الثريا- لتناوله رجال من أبناء فارس" محمول على أبي حنيفة وأضرابه، وبه يستغنى
стр. 39
عن أن يستشهد على فضله بحديث أطبق المحدثون على أنه موضوع، ثم أورده بروايات أطال في بيانها ورد النقاد لها، وقال: إنها كلها موضوعات لا تروج على من له أدنى إلمام بنقد الحديث.
قال: فمن الروايات الموضوعة: سيأتي رجل من بعدي يقال له: النعمان بن ثابت، ويكنى أبا حنيفة يحيا دين الله وسنتي على يديه، وفي رواية عن ابن عباس: يطلع بعد رسول الله ﷺ بدر على جميع خراسان, يكنى بأبي حنيفة، انتهى ملخصًا.
ومن ذلك الموضوع ما ذكره بعضهم بقوله: قال النبي ﷺ : "إن سائر الأنبياء تفخر بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، وهو رجل تقي عند ربي، وكأنه جبل من العلم، وكأنه نبي من أنبياء بني إسرائيل, فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني"، قال ابن الجوزي: إنه موضوع. ورد بما في الضياء المعنوي بأنه تعصب؛ لأنه روي بطرق مختلفة، انتهى. وأقول: لعلها لا تصلح وإن تعددت، كما قالوا في حديث: من حفظ على أمتي أربعين حديثًا فإنه ضعيف وإن تعددت طرقه، ومن الموضوع أيضًا ما روي: أن آدم افتخر بي، وأنا أفتخر برجل من أمتي اسمه النعمان، وكنيته أبو حنيفة, هو سراج أمتي.
ومثله ما رواه الجرجاني في مناقبه بسنده لسهل بن عبد الله التستري أنه قال: لو كان في أمة موسى وعيسى مثل أبي حنيفة لما تهودوا, ولما تنصروا.
ومثله ما افتراه أحمد بن مأمون لما قيل له: ألا ترى إلى الإمام الشافعي ومن تابعه بخراسان, بقوله: حدثنا أحمد بن عبد الله, حدثنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعًا: يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ورجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي، ذكره المناوي في شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر.
٥٤- "ابناي هذان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما " ١.
رواه ابن عساكر عن ابن عمر وعلي ﵄.
стр. 40
٥٥- إبليس طلاع, رصاد, صياد.
قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الديلمي: أسنده في حديث أوله: اتقوا الدنيا, واتقوا النساء؛ فإن إبليس طلاع ... إلخ, انتهى وستأتي روايته له عن معاذ.
٥٦- "أَبِنْ القدح عن فيك, ثم تنفس" ١.
رواه البيهقي في شعب الإيمان وسمويه عن أبي سعيد الخدري.
٥٧- ابنوا المساجد, وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله بيتًا بنى الله له بيتًا في الجنة، قيل: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: نعم، إخراج القمامة منها مهور الحور العين٢.
ورواه الطبراني وابن النجار والضياء في المختارة عن أبي قرصافة، ورواه الديلمي عن علي بن أبي طالب بلفظ: ابنوا مساجدكم جَمَّا, وابنوا مداينكم مشرفة، وعزاه في الجامع الصغير لابن أبي شيبة عن ابن عباس.
٥٨- أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يعلم.
قال في التمييز تبعًا للأصل: أخرجه الديلمي من حديث أبي هريرة, من رواية عمر بن راشد وهو ضعيف جدًّا، وقال البيهقي: ضعيف بالمرة، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وزاد في الأصل ورواه القضاعي في مسنده فقال: اجتمع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة فتماروا في شيء, فقال لهم علي: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فلما وقفوا عليه قالوا: يا رسول الله, جئنا نسألك عن شيء فقال: "إن شئتم فاسألوا، وإن شئتم خبرتكم بما جئتم له، فقال لهم: جئتم تسألونني عن الرزق من أين يأتي, وكيف يأتي؟ " فذكر: أبى الله ... الحديث المذكور, ورواه الديلمي كما في الدرر عن أبي هريرة بلفظ: أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب، رواه العسكري وابن ماجه بسند ضعيف عن علي رفعه: إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو حسب، وجهاد الضعفاء الحج، وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها، والتودد نصف الإيمان، وما علل٣ أمر على