← Указатели

Указатели · id 9579

أبجد العلوم

صديق حسن خان

Полный текст (801 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بالقياس والنظر في الطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا على أنه مجرد الظن والظن غير العلم. وفي الكشف: مقالات المنجمة على طريقتين: من الناس من يكذبهم واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ وبقوله ﵊: "من أتى كاهنا أو عريفا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد" ومنهم: من قال بالتفصيل فإن المنجم لا يخلو من أن يقول: إن هذه الكواكب مخلوقات أو غير مخلوقات الثاني: كفر صريح وأما الأول: فإما أن يقول: إنها فاعلات مختارات بنفسها فذلك أيضا: كفر صريح وإن قال: إنها مخلوقات مسخرات أدلة على بعض الأشياء ولها أثر بخلق الله تعالى فيها: كالنور والنار ونحوهما وأنهم استخرجوا ذلك بالحساب فذلك لا يكون غيبا لأن الغيب ما لا يدل عليه بالحساب وأما الآية والحديث: فهما محمولان على علم الغيب وهذا ليس بغيب وأما المنطق: فقد ذكر ابن حجر المكي في شرح الأربعين للنووي: أن من آلات العلم الشرعي من: فقه وحديث وتفسير: المنطق الذي بأيدي الناس اليوم فإنه علم مفيد لا محذور فيه بوجه إنما المحذور فيما كان يخلط به شيء من الفلسفيات المنابذة للشرائع ولأنه كالعلوم العربية في أنه: من مواد أصول الفقه ولأن الحكم الشرعي لا بد من تصوره والتصديق بأحواله إثباتا ونفيا والمنطق: هو المرصد لبيان أحكام التصور والتصديق فوجب كونه علما شرعيا إذ هو ما صدر عن الشرع أو توقف عليه العلم الصادر عن الشرع توقف وجود: كعلم الكلام أو توقف كمال: كعلم العربية والمنطق ولذا قال الغزالي: لا ثقة بفقه من لا يتمنطق أي: من لا قواعد المنطق مركوزة بالطبع فيه كالمجتهدين في العصر الأول أو بالتعلم وممن أثنى على المنطق: الفخر الرازي والآمدي وابن الحاجب وشراح كتابه وغيرهم من الأئمة والقول بتحريمه: محمول على ما كان مخلوطا بالفلسفة. انتهى كلام كشاف اصطلاحات الفنون مع تصرف فيه ببعض الزيادة وسيأتي حكم علم المنطق وما هو الحق فيه تحت علم الميزان من باب الميم في القسم الثاني من هذا الكتاب وكذا حكم علم الكلام: ذكرته في كتابي قصد السبيل إلى ذم الكلام والتأويل وللسيد الإمام المجتهد: محمد بن إبراهيم الوزير اليماني ﵀ كتب ورسائل مستقلة في هذا الباب منها: كتابه المسمى: بالروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم فإن شئت الزيادة فعليك بها وأما ما ذكره صاحب كشاف الاصطلاحات في هذا المقام من حكم العلوم - كما تقدم آنفا - فما هو إلا أقوال أهل العلم المحضة وآراؤهم الساذجة التي لا إثارة عليها من علم وهذه الحكايات والمقالات مثلها كثير الوجود في كتب الفقهاء ولكن من لا يتبع إلا ما قرره الدليل لا يقبل ذلك أبد الآبدين ولا يتوجه إلى تلك الأقوال الخالية عن الاستناد إلى الكتاب العزيز والسنة المطهرة التي لا علم غيرهما أو ما كان له دخل في فهمهما وكان كالآلات لهما وقد ذكرنا في هذا الكتاب تحت بعض العلوم حكمه فارجع إليه يتضح لك ما هو الحق في المسألة وليس هذا الكتاب مما ينبغي فيه ذكر المسائل والأدلة عليها على وجه التفصيل فإنه مدونة في دواوين الإسلام وكتب الأئمة وقد قضوا منها الوطر وميزوا فيها الحق عن الباطل والخطأ من الصواب.

стр. 212

انظر مؤلفات شيخ الإسلام: ابن تيمية الحراني وتلميذه: الإمام الرباني الحافظ: ابن القيم كإغاثة اللهفان عن مكائد الشيطان وغيره ومؤلفات السيد: ابن الوزير والعلامة: محمد بن إسماعيل الأمير اليماني وتصانيف قاضي القضاة المجتهد المطلق: محمد بن علي الشوكاني وأمثال هؤلاء واعتن بها اعتناء لا يفتر طبعك منها واشدد يديك عليها شدا بالغا مبلغ النهاية تفز بسعادة الدارين وخيري الكونين إن شاء الله تعالى. وسيتضح عليك عند مطالعتها: أن أي علم أحق بالتحصيل والاكتساب وأشدها دخلا في الإنقاذ من المهلكات في الدنيا والآخرة وإن لم ينصرك الدهر على الاطلاع عليها فاجهد في تحصيل مختصرات هؤلاء البررة الخيرة كأدب الطلب والقول المفيد وإرشاد النقاد ونحوها فإن قصرت يدك عن هذه أيضا فارجع إلى الملخصات التي لخصناها من مؤلفات تلك العصابة الكرام وألفناها في تدوين هذا المرام وقد طبع أكثرها في هذه الأيام وانتشرت في الآفاق من العرب والعجم فإنها تشتمل على فوائد نفيسة وحقائق صحيحة وعوائد نافعة ومقاصد صالحة وحقوق ثابتة بالكتاب والسنة وهي تكفي المقلد وتغني المجتهد وتشفي العليل وتروي الغليل وتسلي الفؤاد وتوصل المريد إلى المراد ويالله العجب من قوم بسطوا القول في بيان علوم الفرض والكفاية والمحمودة منها والمذمومة وجاؤوا في تبيينها بزبالة أفكارهم ونخالة أذهانهم من غير حجة نيرة وصعدوا في تعيينها تارة إلى السماء ونزلوا أخرى إلى الأرض ولم يرفعوا رؤوسهم إلى ما جاء عن سيد العلماء وسند الفضلاء ﵌ في ذلك ولم يمعنوا أنظارهم فيه وهو: قوله ﷺ : "العلم ثلاثة: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وما كان سوى ذلك فهو فضل". رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ واللام: في قوله ﷺ العلم قيل: للعهد أي: علم الدين وقيل: للاستغراق كما في قوله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهو الراجح والمراد بالآية: الكتاب العزيز وبالسنة: علم الحديث الشريف وبالفريضة: علم الميراث وهو: جزء من علم الكتاب والسنة وما سوى هذين الأصلين: فضل أي: زائد لا ضرورة فيه كائنا ما كان ولا سيما العلوم التي جاءت من كفرة اليونان وليست مبنية على أساس شرعي ولا على عرفان بل حدثت هي في الإسلام بعد انقراض القرون الثلاثة المشهود لها بالخير فإنها ليس فيها من الخير شيء بل كلها كما قيل: علم لا ينفع وجهل لا يضر ومن تمسك: بأذيال الكتاب الإلهي والحديث النبوي فقد استغنى عن جميع العلوم والفنون وكل الصيد في جوف الفرا ومن لم يستغن بما جاء عن الله - تعالى - ورسوله ولم يره كافيا وافيا لأمور الدنيا والآخرة فلا أغناه الله ولا حياه والمعرض عن هذين العلمين الكريمين والأصلين الشريفين الجامعين للعلوم النافعة في المعاش والمعاد إلى الخوض في الفنون الأجنبية والاشتغال بها ليلا ونهارا والاستغراق فيها بأوقاته كلها: ليس أهلا للتخاطب ولا محلا للالتفات ولا موفقا للخير ولا موقعا للنجاة وفي حديث معاوية ﵁ قال: إن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات. رواه أبو داود وهذه الفنون غالبها من هذا القبيل ونهى أيضا عن النظر في الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء ﵈ من قبله فكيف بالنظر في هذه الجهالات والخرافات التي سموها: علوما وفنونا وجعلوها من مواسم الفضيلة وربطوا بها كمال الشخص وحصروه في اكتسابها الذي لا ينبغي التعبير عنه إلا بإضاعة الأوقات وإهلاك النفس الناطقة بإلقائها في الموبقات - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين المتبعين عما يكره ولا يرضاه وصاننا وإياهم عما يضر في دين الإله إنه قريب مجيب وبالله التوفيق وهو المستعان.

стр. 213

مطلب: في طبقات أهل العلم من كتاب أدب الطلب لشيخنا وبركتنا الإمام المجتهد الرباني: محمد بن علي الشوكاني قاضي قضاة القطر اليماني ﵀ قال ﵁: أول: ما على طالب العلم: أن يحسن نيته ويصلح طويته ويتصور أن هذا العمل الذي قصد له والأمر الذي أراده هو الشريعة التي شرعها الله - سبحانه - لعباده وبعث بها رسله وأنزل بها كتبه ويجرد نفسه عن أن يشوب ذلك بمقصد من مقاصد الدنيا أو يخلطه بما يكدره من الإرادات التي ليست منه هذا على. فرض أن مجرد تشريك العلم مع غيره له حكم هذه المحسوسات وهيهات ذاك فإن من أراد أن يجمع في طلبه بين قصد الدنيا والآخرة فقد أراد الشطط وغلط أقبح الغلط فإن طلب العلم من أشرف أنواع العبادة وأجلها وأعلاها وقد قال - تعالى -: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وصح عن رسول الله ﷺ حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". ومن أهم ما يجب على طالب العلم تصوره عند الشروع بل في كل وقت أن يقرر عند نفسه أن هذا العمل هو تحصيل العلم بما شرعه الله لعباده والمعرفة لما تعبدهم به في محكم كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وإن هذا المطلب: هو سبب تحصيله وذلك سبب الظفر بما عند الله من خير ومثل هذا لا مدخل فيه لعصبية ولا مجال عنده لحمية بل هو شيء تعبدهم الله به ليس لواحد أن يدعي أنه غير متعبد به فضلا أن يرتقي إلى درجة تكليف عباد الله بما يصدر عنه من الرأي فإن هذا أمر لم يكن إلا لله - سبحانه - لا لغيره كائنا من كان ولا ينافي هذا وقوع الخلاف بين أئمة الأصول في إثبات اجتهاد الأنبياء ونفيه فإن الخلاف لفظي عند من أنصف وحقق وأهم ما يحصل لك: أن تكون منصفا غير متعصب في شيء من هذه الشريعة فلا تمحق بركتها بالتعصب لعالم من علماء الإسلام بأن تجعل رأيه واجتهاده حجة عليك وعلى سائر العباد فإنه وإن فضلك بنوع من العلم وفاق عليك بمدرك من الفهم فهو لم يخرج بذلك عن كونه محكوما عليه متعبدا بما أنت متعبد به بل الواجب عليك أن تعترف له بالسبق وعلو الدرجة اللائقة به في العلم معتقدا أن ذلك هو الذي لا يجب عليه غيره ولا يلزمه سواه وليس لك أن تعتقد أن صوابه صواب لك أو خطأه خطأ عليك بل عليك بالاجتهاد والجد حتى تبلغ إلى ما بلغ إليه من أخذ الأحكام الشرعية من ذلك المعدن الذي لا معدن سواه والموطن الذي هو أول الفكر وآخر العمل فإذا وطنت نفسك على الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذاهب ولا لعالم من العلماء فقد فزت بأعظم فوائد العلم وربحت بأنفس فرائده ومن عرف الفنون وأهلها معرفة صحيحة لم يبق عنده شك أن اشتغال أهل الحديث بفنهم لا يساويه اشتغال سائر أهل الفنون بفنونهم ولا يقاربه بل لا يعد بالنسبة إليه كثير شيء وإن إنصاف الرجل لا يتم حتى يأخذ كل فن عن أهله كائنا ما كان وأما إذا أخذ العلم من غير أهله ورجح ما يجده من الكلام لأهل العلم في فنون ليسوا من أهلها وأعرض عن كلام أهلها فإنه يخبط ويخلط ويأتي من الأقوال والترجيحات بما هو في أبعد درجات الإتقان وهو حقيق بذلك وفي علماء المذاهب الأربعة: من هو أوسع علما وأعلى قدرا من إمامه الذي ينتمي إليه ويقف عند رأيه ويقتدي بما قاله في عبادته

стр. 214

ومعاملته وفي فتاواه وقضائه ويسري ذلك إلى مصنفاته فيرجح فيها ما يرجحه إمامه وإن كان دليله ضعيفا أو موضوعا أو لا دليل بيده أصلا بل مجرد محض الرأي ويدفع من الأدلة المخالفة له ما هو أوضح من شمس النهار تارة: بالتأويل المتعسف وحينا: بالزور الملفف وبالجملة فما صنع هذا لنفسه بذلك التصنيف إلا ما هو خزي له في الدنيا والآخرة ووبال عليه في الآجلة والعاجلة. الثاني: أن للطلبة: ثلاث طبقات: الأولى: من يقصد البلوغ إلى مرتبة في الطلب لعلم الشرع ومقدماته وترتفع همته فيكون عند تحصيلها إماما مرجوعا إليه مستفادا منه مأخوذا بقوله مدرسا مفتيا مصنفا قاضيا. والثانية: من تقصر همته عن هذه الغاية فتكون غاية مقصده ومعظم مطلبه ونهاية رغبته أن يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه ولا يحتاج إلى غيره من دون أن يتصور البلوغ إلى رتبة أهل الطبقة الأولى. والثالثة: من يكون نهاية مرادهم أمرا دون أهل الطبقة الثانية وهو إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه من دون قصد منهم إلى الاستقلال. وثم طبقة رابعة: يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينية أو الدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع فكانت الطبقات: أربعاً. وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهم الطبع عالي الهمة سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون ولا يقنع بما دون الغاية ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية من: جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلبا وأعلى مكسبا وأرفع مرادا وأجل خطرا وأعظم قدرا وأعود نفعا وأتم فائدة؟ وهي المطالب الدينية مع كون العلم أعلاها وأولاها بكل فضيلة وأجلها وأكلمها في حصول المقصود وهو الخير الأخروي. أما الطبقة الأولى: فينبغي لمن تصور الوصول إليها أن يشرع بعلم النحو مبتدئا بالمختصرات كمنظومة الحريري١ المسماة: بالملحة وشرحها فإذا فهم ذلك وأتقنه انتقل إلى كافية ابن الحاجب وشروحها ومغني اللبيب وشروحه. هذا باعتبار الديار اليمنية٢ فإذا كان ناشئا في أرض يشتغلون فيها بغير هذه فعليه بما اشتغل به مشايخ

стр. 215

تلك الأرض ولا يستغني طالب التبحر عن إتقان ما اشتمل عليه شرح الرضي على الكافية١ من المباحث اللطيفة والفوائد الشريفة وكذلك ما في المغني٢ من المسائل الغريبة ويكون اشتغاله بسماع الشروح بعد حفظ هذه المختصرات حفظا يمليه عن ظهر قلبه ويبديه من طرف لسانه وأقل الأحوال: أن يحفظ مختصرا منها هو أكثرها مسائل وأنفعها فوائد ولا يفوته النظر في مثل ألفية ابن مالك وشروحها والتسهيل٣ وشروحه والمفصل للزمخشري والكتاب لسيبويه فإنه يجد في هذه الكتب من: لطائف المسائل النحوية ودقائق المباحث العربية ما لم يكن قد وجده في تلك. وينبغي للطالب أن يطلع على مختصر من مختصرات المنطق ويأخذه عن شيوخه ويفهم معانيه ويكفيه في ذلك مثل: إيساغوجي أو تهذيب السعد وشرح من شروحهما وليس المراد هنا إلا الاستعانة بمعرفة مباحث التصورات والتصديقات إجمالا لئلا يعثر على بحث من مباحث العربية من: نحو أو صرف أبو بيان قد سلك فيه صاحب الكتاب مسلكا على النمط الذي سلكه أهل المنطق فلا يفهمه كما يقع كثيرا في الحدود والرسوم فإن أهل العربية يتكلمون في ذلك بكلام المناطقة فإذا كان الطالب عاطلا عن علم المنطق بالمرة لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي. ثم بعد ثبوت الملكة له في النحو وإن لم يكن قد فرغ من سماع ما سميناه يشرع في الاشتغال بكتب علم الصرف ك: الشافية وشروحها والزنجانية ولامية الأفعال ولا يكون الما بعلم الصرف كما ينبغي إلا أن تكون الشافية وشروحها من محفوظاته لانتشار مسائل فن الصرف وطول ذيل قواعده وتشعب أبوابه ولا يفوته الاشتغال بشرح الرضي على الشافية بعد أن يشتغل بما هو أخصر منه من شروحها كشرح الجاربردي ولطف الله الغياث٤ فإن فيه من الفوائد الصرفية مالا يوجد في غيره. ثم ينبغي له بعد ثبوت الملكة له نحوا وصرفا وإن لم يكن قد فرغ من سماع كتب الفنين أن يشرع في علم المعاني والبيان فيبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات الفن يشتمل على مهمات مسائله ك: التخليص وشرح السعد المختصر وما عليه من الحواشي وشرحه المطول وحواشيه فإنه إذا حفظ هذا المختصر وحقق الشرحين المذكورين وهوامشهما بلغ إلى مكان من الفن مكين فقد أحاطت هذه الجملة بما في مؤلفات المتقدمين من شراح المفتاح ونحوه وإذا ظفر بشيء من مؤلفات: عبد القاهر الجرجاني أو السكاكي في هذا الفن فليمعن النظر فيه فإنه يقف في تلك المؤلفات على فوائد. وينبغي له حال الاشتغال بهذا الفن أن يشتغل بفنون مختصرة قريبة المأخذ قليلة المباحث كفن الوضع

стр. 216

وفن المناظرة١. ويكفيه في الأول: رسالة الوضع وشرح من شروحها وفي الثاني: آداب البحث العضدية وشرح من شروحها. ثم ينبغي له أن يكب على مؤلفات اللغة المشتملة على بيان مفرداتها ك الصحاح٢ والقاموس وشمس العلوم وضياء الحلوم وديوان الأدب ونحو ذلك من المؤلفات المشتملة على بيان اللغة العربية عموما أو خصوصا كالمؤلفات المختصة بغريب القرآن والحديث ثم يشتغل بعد هذا بعلم المنطق فيحفظ مختصرا منه ك: التهذيب أو الشمسية ثم يأخذ في سماع شروحهما على أهل الفن فإن العلم بهذا الفن على الوجه الذي ينبغي يستفيد به الطالب مزيد إدراك وكمال استعداد عند ورود الحجج العقلية عليه وأقل الأحوال أن يكون على بصيرة عند وقوفه على المباحث التي يوردها المؤلفون في علوم الاجتهاد من المباحث المنطقية كما يفعله كثير من المؤلفين في: الأصول والبيان والنحو. ثم يشتغل بفن أصول الفقه بعد أن يحفظ مختصرا من مختصراته المشتملة على مهمات مسائله ك: مختصر المنتهى أو جمع الجوامع أو الغاية ثم يشتغل بسماع شروح هذهالمختصرات ك: شرح العضد على المختصر وشرح المحلي على جمع الجوامع وشرح ابن الإمام على الغاية وينبغي له أن يطول الباع في هذا الفن ويطلع على مؤلفات أهل المذاهب المختلفة ك: التنقيح والتوضيح والتلويح والمنار وتحرير ابن الهمام وليس في هذه المؤلفات مثل التحرير وشرحه ومن أنفع ما يستعان به على بلوغ درجة التحقيق في هذا الفن: الإكباب على الحواشي التي ألفها المحققون على الشرح العضدي وعلى شرح الجمع. ثم ينبغي له بعد إتقان فن أصول الفقه وإن لم يكن قد فرغ من سماع مطولاته أن يشتغل بفن الكلام المسمى: بأصول الدين ويأخذ من مؤلفات الأشعرية بنصيب ومن مؤلفات المعتزلة٣ بنصيب ومن مؤلفات الماتريدية بنصيب ومن مؤلفات المتوسطين بين هذه الفرق: كالزيدية بنصيب فإنه إذا فعل هكذا عرف الاعتقادات كما ينبغي وأنصفكل فرقة بالترجيح والترجيح على بصيرة وقابل كل قول بالقبول أو الرد على حقيقة. وإني أقول بعد هذا: إنه لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة وإمرار الصفات كما جاءت ورد علم المشابه إلى الله - سبحانه - وعدم الاعتداد

стр. 217

بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم المبنية على شفا جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوى والافتراء على العقل بما يطابق الهوى ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في الكتاب والسنة فإنها حينئذ حديث خرافة ولعبة لاعب. ثم بعد إحراز هذه العلوم يشتغل بعلم التفسير فيأخذ عن الشيوخ ما يحتاج مثله إلى الأخذ ك: الكشاف١ ويكب على كتب التفسير على اختلاف أنواعها وتباين مقاديرها ويعتمد في تفسير كلام الله - سبحانه - على ما ثبت عن رسول الله ﷺ ثم عن الصحابة فإنهم أهل اللسان العربي فما وجده من تفاسير رسول الله ﷺ في الكتب المعتبرة كالأمهات وما يلتحق بها قدمه على غيره وأجمع مؤلف في ذلك الدر المنثور للسيوطي وينبغي له أن يطول الباع في هذا العلم ويطالع مطولات التفسير ك: مفاتيح الغيب للرازي ولا يكتفي على تفسير بعض الآيات مسميا لها بآيات الأحكام كما وقع للموزعي وصاحب الثمرات ويقدم على قراءة التفاسير: الاطلاع على علوم لها مدخل في التلاوة وسائر العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز وما أنفع الإتقان للسيوطي في مثل هذه الأمور ثم لا يهمل النظر في كتب القراآت وما يتعلق بها ك: الشاطبية وشروحها والطيبية وشروحها وأعظم العلوم فائدة وأكثرها نفعا وأوسعها قدرا وأجلها خطرا: علم السنة المطهرة فإنه الذي تكفل ببيان الكتاب العزيز ثم استقل بما لا ينحصر من الأحكام فيقبل على سماع الكتب ك: جامع الأصول والمشارق وكنز العمال والمنتقى لجد ابن تيمية ﵀ وبلوغ المرام لابن حجر والعمدة ثم يسمع الأمهات الست٢ ومسند أحمد وصحيح ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وسنن الدارقطني والبيهقي وما بلغت إليه قدرته ووجد في أهل عصره شيوخه. ثم يشتغل بشروح هذه المؤلفات فيسمع منها ما تيسر له ويطالع ما تيسر له سماعه ويستكثر من النظر في المؤلفات في علم الجرح والتعديل بل يتوسع في هذا العلم بكل ممكن وأنفع ماينتفع به مثل: النبلاء وتاريخ الإسلام وتذكرة الحفاظ والميزان وهذا بعد أن يشتغل بشيء من علم اصطلاح أهل الحديث كمؤلفات ابن الصلاح والألفية للعراقي وشروحها. وينبغي أن يشتغل بمطالعة الكتب المصنفة في تاريخ الدول وحوادث العالم في كل سنة كما فعله الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله فإن للاطلاع على ذلك فائدة جليلة. فإذا أحاط الطالب بما ذكرناه من العلوم فقد صار حينئذ في الطبقة العالية من طبقات المجتهدين وكمل له جميع أنواع علوم الدين وصار قادرا على استخراج الأحكام من الأدلة متى شاء وكيف شاء ولكنه ينبغي له: أن يطلع على علوم أخر٣ ليكمل له ما قد حازه من الشرف ويتم له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية فمن ذلك: علم الفقه وأقل الأحوال: أن يعرف مختصرا في فقه كل مذهب من المذاهب المشهورة،

стр. 218

فإنه قد يحتاج إليها المجتهد لإفادة المتمذهبين السائلين عن مذاهب أئمتهم وقد يحتاج إليها لدفع من يشنع عليه في اجتهاده كما يقع ذلك كثيرا من أهل التعصب والتقصير فإنه إذا قال له: قد قال بهذه المقالة العالم الفلاني أو عمل عليها أهل المذهب الفلاني كان ذلك دافعا لصولته كاسرا لسورته وما أنفع الاطلاع على المؤلفات البسيطة في حكاية مذاهب السلف وأهل المذاهب وحكاية أدلتهم وما دار بين المتناظرين منهم إما تحقيقا أو فرضا كمؤلفات ابن المنذر وابن قدامة وابن حزم وابن تيمية ومن سلك مسالكهم فإن تلك المؤلفات هي مطارح أنظار المحققين ومطامح أفكار المجتهدين. ومما يزيد من آراء هذه الطبقة العلية علوا ويفيده قوة إدراك وصحة فهم وسيلان ذهن: الاطلاع على أشعار فحول الشعراء ومجيديهم مع ما يحصل له بذلك من الاقتدار على النظم والتصرف في فنونه فإن من كان بهذه المنزلة الرفيعة من العلم إذا كان لا يقتدر على النظم كان ذلك خدشة في وجه محاسنه ونقصا في كماله. وهكذا الاستكثار من النظر في بلاغات أهل الإنشاء المشهورين بالإجادة والإحسان المتصرفين في رسالاتهم ومكاتباتهم بأفصح لسان وأبين بيان لأنه ينبغي أن يكون كلامه على قدر علمه وهو إذا لم يمارس جيد النظم والنثر كان كلامه ساقطا عن درجة الاعتبار عند أهل البلاغة والعلم شجرة ثمرتها الألفاظ وما أقبح العالم المتبحر في كل فن أن يتلاعب به في النظم والنثر من لا يجاريه في علوم من علومه ويتضاحك منه من له إلمام بمستحسن الكلام ورائق النظام وأنفع ما ينتفع به في ذلك: منظومة الجزار١ وشرحها والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير ثم لا بأس على من رسخ قدمه في العلوم الشرعية أن يأخذ بطرف من فنون هي من أعظم ما يصقل الأفكار ويصفي القرائح ويزيد القلب سرورا والنفس انشراحا كالعلم: الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب. وبالجملة: فالعلم بكل فن خير من الجهل به بكثير ولا سيما من رشح نفسه للطبقة العلية والمنزلة الرفيعة ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات فإنها شعبة من التقليد وأنت بعد العلم بأي علم من العلوم حاكم عليه بما لديك من العلم غير محكوم عليك واختر لنفسك ما يحلو وليس يخشى على من قد ثبت قدمه في علم الشرع من شيء وإنما يخشى على من كان غير ثابت القدم في علوم الكتاب والسنة فإنه ربما يتزلزل وتخور قوته فإذا قدمت العلم بما قدمنا لك من العلوم الشرعية فاشتغل بما شئت واستكثر من الفنون ما أردت وتبحر في الدقائق ما استطعت وحارب من خالفك وعذلك وشنع عليك بقول القائل: أتانا أن سهلا ذم جهلا ... علوما ليس يعرفهن سهل علوما لو دراها ما قلاها ... ولكن الرضا بالجهل سهل وإني لأعجب من رجل يدعي الإنصاف والمحبة للعلم ويجري على لسانه الطعن في علم من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه ولا غايته ولا فائدته ولا يتصوره بوجه من الوجوه ولقد

стр. 219

وجدنا لكثير من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعا عظيما وفائدة جليلة في دفع المبطلين والمتعصبين وأهل الرأي البحت ومن لا اشتغال له بالدليل. وأما الأهلية التي يكون صاحبها محلا لوضع العلم فيه وتعليمه إياه فهي: شرف المحتد وكرم النجار وظهور الحسب أو كون في سلف الطالب من له تعلق: بالعلم والصلاح ومعالم الدين أو بمعالي الأمور ورفيع الرتب فإن هذا أمر يجذب بطبع صاحبه إلى معالي الأمور ويحول بينه وبين الرذائل وأما من كان سقط المتاع وسفساف أهل المهن: كأهل الحياكة والعصارة والقصابة ونحو ذلك من المهن الدنية والحرف الوضيعة فإن نفسه لا تفارق الدناءة ولا تجانب السقوط ولا تأبى المهانة فإذا اشتغل مشتغل منهم بطلب العلم ونال منه بعض النيل وقع في أمور منها: العجب والزهو والخيلاء والتطاول على الناس ويعظم به الضرر على أهل العلم فضلا عن غيرهم ممن هو دونهم. وأما من كان أهلا للعلم وفي مكان من الشرف فإنه يزداد بالعلم شرفا إلى شرفه ويكتسب به من حسن السمت وجميل التواضع ورائق الوقار وبديع الأخلاق ما يزيد علمه علوا وعرفانه تعظيما. وبين هاتين الطائفتين: طائفة ثالثة ليست من هؤلاء ولا من هؤلاء جعلوا العلم مكسبا من مكاسب الدنيا ومعيشة من معايش أهلها لا غرض لهم فيه إلا إدراك منصب من مناصب أسلافهم ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم كما يشاهد في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة أو ما هو شبيه بهذه الأمور فهذا ليس من أهل العلم في ورد ولا صدر ولا ينبغي أن يكون معدودا منهم ولا فائدة في تعليمه راجعة إلى الدين قط. والذي ينبغي لطالب العلم أن يطلبه كما ينبغي ويتعلمه على الوجه الذي يريده الله منه معتقدا أنه أعلى أمور الدين والدنيا راجيا أن ينفع به عباد الله بعد الوصول إلى الفائدة منه. هذا ما ينبغي لأهل الطبقة الأولى وأما أهل الطبقة الثانية: وهو: من يطلب ما يصدق عليه مسمى الاجتهاد ويسوغ به العمل بأدلة الشرع فهو يكتفي بأن يأخذ من كل فن من فنون الاجتهاد بنصيب يعلم به ذلك الفن علما يستغني به عند الحاجة إليه أو يهتدي به إلى المكان الذي فيه ذلك البحث على وجه يفهم به ما يقف عليه منه فيشرع بتعلم علم النحو حتى تثبت له فيه الملكة التي يقتدر بها على: معرفة أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء وأقل ما يحصل له ذلك بحفظ مختصر من المختصرات المشتملة على مهمات مسائل النحو والمتضمنة لتقرير مباحثه على الوجه المعتبر ك: الكافية وشرح من شروحها وأحسنها بالنسبة إلى الشروح المختصرة: شرح الجامي ثم يحفظ مختصرا في الصرف ك: الشافية وشرحها للجاربردي ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات علم المعاني والبيان ك: التلخيص للقزويني وشرح السعد المختصر وأنفع ما ينتفع به الطالب الغاية للحسين بن القاسم١ وشرحها له ثم يشتغل بقراءة تفسير من التفاسير المختصرة ك: تفسير البيضاوي مع مراجعة ما يمكنه مراجعته من التفاسير ثم يشتغل بسماع مالا بد من سماعه من كتب

стр. 220

الحديث وهي: الست الأمهات فإن عجز عن ذلك اشتغل بسماع ما هو مشتمل على ما فيها من المتون ك: جامع الأصول ثم لا يدع البحث عن ما هو موجود من أحاديث الأحكام في غيرها بحسب ما تبلغ إليه طاقته ويبحث عن الأحاديث الخارجة عن الصحيح في المواطن التي هي مظنة للكلام عليها من: الشروح والتخريجات ويكون مع هذا عنده ممارسة لعلم اللغة على وجه يهتدي به إلى البحث عن الألفاظ العربية واستخراجها من مواطنها وعنده من علم اصطلاح الحديث وعلم الجرح والتعديل ما يهتدي به إلى معرفة ما يتكلم به الحافظ على أسانيد الأحاديث ومتونها. وأما أهل الطبقة الثالثة: وهم الذين يرغبون إلى إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه وتغيير إعرابه من دون قصد منهم إلى الاستقلال بل يعزمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارض والاحتياج إلى الترجيح فينبغي له تعلم شيء من علم الإعراب حتى يعرف به إعراب أواخر الكلم ويكفيه في مثل ذلك حفظ: منظومة الحريري وقراءة شروحها على أهل الفن وتدربه في إعراب ما يطلع عليه من الكلام المنظوم والمنثور ويحفي السؤال عن إعراب ما أشكل عليه حتى تثبت له بمجموع ذلك ملكة يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء ثم يتعلم اصطلاح علم الحديث ويكفيه في مثل ذلك مثل: النخبة وشرحها ثم بعدها يكب على سماع المختصرات في الحديث مثل: بلوغ المرام والعمدة والمنتقى وإن تمكن من سماع جامع الأصول أو شيء من مختصراته فعل فإذا أشكل عليه معنى حديث نظر في الشروح أو في كتب اللغة وإن أشكل عليه الراجح من المتعارضات أو التبس عليه: هل الحديث مما يجوز العمل به أم لا؟ سأل علماء هذا الشأن الموثوق بعرفانهم وإنصافهم ويعمل على ما يرشدونه إليه استفتاء وعملا بالدليل لا تقليدا وعملا بالرأي ويشتغل بسماع تفسير من التفاسير التي لا تحتاج إلى تحقيق وتدقيق ك: تفسير البغوي وتفسير السيوطي المسمى: بالدر المنثور وإذا أشكل عليه بحث من المباحث أو تعارضت عليه التفاسير ولم يهتد إلى الراجح أو التبس عليه أمر يرجع إلى تصحيح شيء مما يجده في كتب التفسير رجع إلى أهل العلم بذلك الفن سائلا لهم عن الرواية لا عن الرأي وقد كان من هذه الطبقة: الصحابة والتابعون وتابعوهم فإنهم كانوا يسألون أهل العلم منهم عن حكم ما يعرض لهم مما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم فيروون لهم في ذلك ما جاء عن الله - تعالى - وعن رسوله ﷺ فيعملون بروايتهم لا برأيهم من دون تقليد ولا التزام رأي كما يعرف ذلك من يعرفه. وأما الطبقة الرابعة: الذين يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينية أو الدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع وذلك كمن يريد أن يكون شاعرا أو منشئا أو حاسبا فإنه ينبغي له أن يتعلم ما يتوصل به إلى ذلك المطلب فمن أراد أن يكون شاعرا تعلم من علم النحو والمعاني والبيان ما يفهم به مقاصد أهل هذه العلوم ويستكثر من الاطلاع على علم البديع والإحاطة بأنواعه والبحث عن نكته وأسراره وعلم العروض والقوافي ويمارس أشعار العرب ويحفظ ما يمكنه حفظه منها ثم أشعار أهل الطبقة الأولى من أهل الإسلام كجرير والفرزدق وطبقتهما ثم مثل أشعار بشار بن برد وأبي نواس ومسلم بن الوليد وأعيان من جاء بعدهم كأبي تمام والبحتري والمتنبي ثم

стр. 221

أشعار المشهورين بالجودة من أهل العصور المتأخرة ويستعين على فهم ما استصعب عليه بكتب اللغة ويكب على الكتب المشتملة على تراجم أهل الأدب ك: يتيمة الدهر وذيولها وقلائد العقيان وما هو على نمطه من مؤلفات أهل الأدب ك: الريحانةو النفحة. كما يحتاج إلى ما ذكرناه: من أراد أن يكون شاعرا فيحتاج إليه أيضا: من أراد أن يكون منشئا مع احتياجه إلى الاطلاع على مثل: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير والكامل للمبرد والأمالي للقالي ومجاميع خطب البلغاء ورسائلهم خصوصا مثل ما هو مدون من بلاغات الجاحظ والفاضل١ والعماد وأمثالهم فإنه ينتفع بذلك أتم انتفاع. ومن أراد أن يكون حاسبا اشتغل بعلم الحساب ومؤلفاته معروفة. وهكذا من أراد أن يطلع على علم الفلسفة فإنه يحتاج إلى معرفة العلم الرياضي والعلم الطبيعي والعلم الإلهي وهكذا علم الهندسة فمن جمع هذه العلوم الأربعة صار فيلسوفا والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع بل يزيد المتشرع الذي قد رسخت قدمه في علم الشرع غبطة بعلم الشرع ومحبة له لأنه يعلم أنه لا سبيل للوقوف على ما حاول الفلاسفة الوقوف عليه إلا من جهة الشرع وإن كل باب - غير هذا الباب - لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غاية وفائدة. ومن كان مريدا لعلم الطب فعليه بمطالعة كتب جالينوس فإنها أنفع شيء في هذا الفن باتفاق من جاء بعده من المشتغلين بهذه الصناعة إلا النادر القليل وقد انتقى منها جماعة من المتأخرين: ستة عشر كتابا وشرحوها شروحا مفيدة فإن تعذر عليه ذلك فأكمل ما وقفت عليه من الكتب الجامعة بين المفردات والمركبات والعلاجات: كتاب القانون لابن سينا وكامل الصناعة المشهور بالملكي لعلي بن العباس ومن أنفع المختصرات: الذخيرة لثابت بن قرة ومن أنفعها - باعتبار خواص الأدوية المفردة وبعض المركبات -: تذكرة الشيخ داود الأنطاكي ولو كمل بالمعالجات لكان مغنيا عن غيره ولكنه انقطع بعد أن شرع إلى الكلام على معالجات العلل على حروف أبجد فوصل إلى حرف الطاء ثم انقطع الكتاب ومن أنفعها في هذا الفن: الموجز وشروحه. وبالجملة: فمن كان قاصدا إلى علم من العلوم كان عليه أن يتوصل إليه بالمؤلفات المشهورة بنفع من اشتغل بها المحررة أحسن تحرير المهذبة أبلغ تهذيب وقدمنا في كل فن ما فيه إرشاد إلى أحسن المؤلفات فيه. وكثيرا ما يقصد الطالب الذي لم يتدرب بأخلاق المنصفين ويتهذب بإرشاد المحققين الاطلاع على مذهب من المذاهب المشهورة ولم تكن له في غيره رغبة ولا عنده لما سواه نشاط فأقرب الطرق إلى إدراك مقصده ونيل مآربه أن يبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات أهل ذلك المذهب الكنز في مذهب الحنفية والمنهاج٢ في مذهب الشافعية فإذا صار ذلك المختصر محفوظا له حفظا متقنا على وجه

стр. 222

يستغني به عن حمل الكتاب شرع في تفهم معانيه وتدبر مسائله على شيخ من شيوخ ذلك الفن حتى يكون جامعا بين حفظ ذلك المختصر وفهم معانيه مع كونه مكررا لدرسه متدبرا لمعانيه الوقت بعد الوقت حتى يرسخ حفظه رسوخا يأمن معه من التفلت ثم يشتغل بدرس شرح مختصر من شروحه على شيخ من الشيوخ ثم يترقى إلى ما هو أكثر منه فوائد وأكمل مسائل ثم يكب على مطالعة مؤلفات المحققين من أهل ذلك الفن فيضم ما وجده من المسائل خارجا عن ذلك المختصر الذي قد صار محفوظا له إليه على وجه يستحضره عند الحاجة إليه ولكنه إذا لم يكن لديه من العلم إلا ما قد صار عنده من فقه ذلك المذهب فلا ريب أنه يكون عامي الفهم سيئ الإدراك عظيم البلادة غليظ الطبع فعليه أن يبتدئ بتهذيب فهمه وتنقيح فكره بشيء من مختصرات النحو ومجاميع الأدب حتى تثبت له الفقاهة التصورية وأما الفقاهة الحقيقية فلا يتصف بها إلا المجتهد بلا خلاف بين المحققين. هذا خلاصة كلام الشوكاني ﵀ وإن شئت زيادة الاطلاع على مطالب هذه المدلولات فعليك بأصل الكتاب فإن فيه تحت كل قول فوائد جمة لا يسع لذكرها هذا الموضع وهذا آخر الكلام على هذا المرام وبالله التوفيق وهو المستعان.

стр. 223

مطلب: في مباحث من الأمور العامة التي يكثر استعمالها والاشتباه بإهمالها فمنها: المفهوم إن تحقق خارج الذهن أصالة فموجود عيني وسواه: معدوم خارجي فما فيه بالعرض حال من الحيثيات١ الثلاثة والأمور العامة والأعداد ولوازم الماهيات والنسب المطلقة: كالحلول واللزوم والتضاد والخاصة كالفوقية والعظم. أو في الذهن فموجود ظلي فما من الأعيان معقول أولي ومالا منها واقعيا معقول ثانوي من المتأصلة في خصوص الوجود الذهني والمنتزعات كالأحوال والأعدام وفرضيا منفي فما أبى الوجود لذاته ممتنع وما لا مخترع وغيره ثابت تميز في نفس الأمر بأثر خاص. ومنها: من الوجود حقيقي لا يرتفع وعارض يرتفع منتزع أو منشأ له ورفعه عدم والإعدام والمعدومات: لا تتمايز في ظرف الانتفاء. ومنها: رابطي [وله تقسيمات] ٢: ١ - مفرد ومركب فمقابل المفرد: مفرد والمركب في قوة مردد مانع الخلو. ٢ – ومقيد١ بالجهة ومطلق ٣ - وبسيط نسبي ومتطرف ونفسي [وله تقسيمات أيضا٣] :

стр. 224

١ - صرف أو مقيد بظرف أو مضاف إلى شيء فقط أو سابقا أو لاحقا أو مطلقا فيصير قديما وحادثا وفانيا أو صفة لشيء١ عدولا أو عدم ملكة. ٢ - وضروري واجب وممتنع بالذات وبالغير ويتعاكسان بالتقابل ولا ضررويهما ممكن خاص بالذات فقط يقابل نظيره٢ وينقسم إلى قسميه ولا يتعاكس ولا ضروري٣ أحدهما ممكن عام فمعينا٤ يقابل أحد الأولين٥ ومطلقا٦ يشمل الكل. ٣ - وبالقوة أو بالفعل فكل٧ مستعد قريب للآخر. ٤ - وعام٨ وخاص يتقابلان تعاكسا والوجود قبل الكثرة٩ أو معها أو بعدها. ٥ - ودفعي أو تدريجي منطبقا أو لا. ٦ - والمطلق من العدم يباين الوجود ومطلقه يجامعه واعتباراه في الأغلب بحال١٠ الوجود وقليلا١١ بحال نفسه. ٧ - وأحد الوجودين يباين الآخر١٢ أو يلابسه أو يندرج فيه فيفارق الأحوال بأن حملها اشتقاقي وحمله مواطأة. ٨ - وأصلي وظلي. ٩ - ومحقق ومقدر. ١٠ - ومنعوت بالطبع وناعت. ١١ - ومجرد كاملا أو ناقصا ومادي ١٢ - ومشكك١٣ بأنحائه وغيره. ومنها: الموجود بحسب الخارج إن نافى العدم لذاته فواجب وإلا فممكن له ماهية ولا تخلو عن ملابس مختص فالناعت: حال يحتاج شخصه إلى شخص الآخر والمنعوت: محل فما استغنى عن طبيعة

стр. 225

الحال موضوع للعرض، ومالا فمادة للصورة والجوهر ماهية وجودها العيني لا في موضوع وظن في الزمان والمكان والجوهر الفرد والخط والسطح المستقلين والجسم والصورة جسمية ونوعية والهيولى والنفس والعقل وحقق في الخمسة الأخيرة فما لا يقبل قسمة وإشارة إن فعل في الجسم بالآلات واستكمل به نفس وإلا فعقل والقابل لهما محلا هيولى فعليتها للاستعداد وحالا متماثلا في الجميع ممتدا لذاته صورة جسمية ومختلفا نوعية ومركبا١ جسم إن زاحم في الحيز دائما فشهادي وإلا فمثالي والشهادي٢ بتوعيته بسيط أفلاك وكواكب وعناصر ومركب عنصري ناقص بلا مزاج نام به فما يحفظ البنية فقط معدني وما ينمو ويولد فقط نبات وما يحس ويتحرك بالإرادة حيوان وما يتفكر ويصنع بالآلات إنسان أرضيا وجن ناريا والنفوس الشاعرة فلكية وحيوانية وناطقة والعاطلة عنه نباتية والفاعل بلا شعور طبيعية وربما يعمم والملك عندنا جوهر شاعر ليس بذي نمو وشهوة وغصب وإن أراد إنعاما وانتقاما ويقال علي روحاني ومثالي وسماوي وهوائي ومن كل٣ مهيم٤ ما ومدبر ويتشكل في مدركته ومدركة غيره بأشكال مختلفة كالجن. والأعراض انضمامية وجودها في أنفسها هو وجودها لمحالها وانتزاعية وجودها خصوص نحو وجود محالها في أنفسها أو مقيسا إلى غيرها وتبقى زمانا وينعت بعض لبعض ويتبع الجوهر في التحيز والنقلة وإن أوهم تجدد الأمثال في الأشعة والإظلال والأصوات والغفلة عن الجوهر في الأصباغ خلافه ووجدوا منها نسبية يدخل غير المحال في قوامها وكما يقبل المساواة والزيادة والنقصان لذاته وكيف أسواهما فالنسبة إلى الظرف مكانا أين وزمانا متى وإلى الأثر بالتدريج إيقاعا فعل وقبولا انفعال وإلى داخل أو خارج منتقلا بانتقاله مشتملا على كله أو بعضه ملك وغيره وضع وإلى نسبة إضافة مشاكلة أو مخالفة والكم إن اشترك وقسيمه٥ فمتصل فالقار مجتمع الأجزاء ذو بعد خط وبعدين سطح وثلاثة جسم تعليمي وغير القار زمان وإلا فمنفصل عدد والكيف محسوس سمعا وبصرا وشما وذوقا ولمسا ولو بشركة وهم كالأوزان والألحان والحسن والنجاسة والسعة وأضدادها ونفساني في البدن كالحياة الصحة أو في النفس كالعلم والإرادة والقارة الراسخة منهما انفعاليات٦ وملكات٧ وسريعة الزوال انفعالات وحالات واستعدادي يقوي قوة القبول٨ وعدمه أو الفعل وظني أن الحركة منه٩ ولا يضر عدم استقراره١٠

стр. 226

كالأصوات فلكل ما هي فيه فرد غير قار ربما وصل نوعا بنوع تدريجا ومختص بالكميات كالشكل والزاوية والزوجية والفردية ولعل النقطة منه. ومنها: الماهية من حيث ليست هي إلا هي وذاتياتها يسلب عنها جميع العوارض الوجودية والعدمية واللازمة والمفارقة ومن حيث ما هي عليه معروضة المتقابلات فتوهم ارتفاع النقيضين واجتماعهما وهي١ أقسام التقسيم الأول منها: ١ - إما حقيقية تقومت بلا اعتبار وضع من الناس أو اعتبارية صناعية. ٢ - وإما خارجية تقع في الأعيان أو ذهنية. ٣ - وإما بسيطة لا جزء لها بالفعل أو مركبة منتهية إلى بسيط بالفعل وتركيبا الظرفين وإن تلازما بالحقيقة فقد يختلفان بالحدود الاسمية أو الأجزاء المحمولة وغير المحمولة وأجزاؤها٢. أقسام التقسيم الأول منها: ١ - إما أركان لأصلها فتنتفي بانتفاء أحدها أو عرضية لكاملها فلا. ٢ - وإما أولية أو ثانوية. ٣ - وإما تركيبية بالفعل في الواقع فقط أو في الحس أيضا أو بالقوة. ٤ - وإما متداخلة تحمل ولا تحمل باعتبارين كما مر فهي متخالفة الحقائق قطعا متحدة العين كاللون والبياض ومتمايزة متطابقة كالهيولى والصورة والنفس والبدن وإذا عنوا في الحقيقيات للعموم والخصوص المطلق بينها ففي المتحدة هي الجنس والفصل بالحقيقة والمادة والصورة بالعمل وفي المتطابقة٣ بالعكس أو متباينة متجاورة متماثلة أو متخالفة بالنوع أو بالجنس كالعدد والبلقة والخلقة والأجزاء المقدارية في الجسم المركب تركيبية وتحليلية وفي البسيطة تحليلية فقط وجاز أن يكون للشيء أجزاء أولية متداخلة وثانوية متباينة وأجزاء الاعتبارات جواهر وأعراض حقيقة وإضافية سلبية وثبوتية إلى العلل الأربع فردا وجمعا أو إلى المعلول أو الخارج اللاحق أو المباين فقد يتخلف فيها اسم الكل عن جميع الأجزاء لفوات شرط الإطلاق ولا بد في الكل من جهة واحدة وهي بالحاجة بلا دور إما في التحصيل أو الحصول أو البقاء أو ترتب الفرض وتكون في الحقيقيات بالذات واللوازم وفي الاعتباريات المفارقات أيضا وتتشخص الماهية بنحو تقررها ويتقوم هذا النحو ابتداء للمنحصرة في فرد واحد بحقائقها وللنفوس بأبدانها ثم بالعكس٤ ولما يحل بمحله مع الزمان وللمحل المنقسم بالوضع المصحح للإشارة معه وأصل الجعل بسيط ثم يجيء التركيب ففي بادئ النظر من قال بتقدم الثبوت على الوجود أو بزيادته على الماهية في الخارج قال بالمركب ومن لا قال بالبسيط وفي غامضه لا يتم إلا بإخراج الأيس من الليس ويتخلل المركب بين أجزائها لا بينها وبين أجزائها لامتناع سلب الذات والذاتيات عن الشيء وتحصيل حاصل قبلي.

стр. 227

ومنها١: الكثرة جهة الانقسام وتفارق العدد باعتبار خصوص المرتبة مبهما أو معينا فيه دونها والوحدة جهة عدمه وهي تقوم الكثرة وتعرضها وتقابلها بملاحظة البدلية في محلها وهو طبيعة المميز ولو بقيد زمان أو مكان أو نحوهما. وتساوق الوجود والانقسام إما بتحليل الذهن إلى الحقائق المتطابقة وإما للكلي إلى جزئياته بضم قيود مختلفة إلى مشترك محصلة أو عارضة ليتكثر أجناسا أو أنواعا أو أصنافا أو أشخاصا وإما للكل إلى أجزائه بفك أو بعرض حقيقي أو نسبي أو بفرض شيء دون شيء جزئيا بتعيين المقسم وهما أو كليا بدونه عقلا في المتصلات وبتمايز الأشخاص والأطراف في المنفصلات. وفرقوا بين الكل والجزء وبين الكلي والجزئي بامتناع حصول الأول في جزء وحمله عليه وبارتفاعه وتوقفه بارتفاعه على جميعها وإنخفاظ وحدته الشخصية مع كثرتها دون الثاني وكمال الوحدة لمن لا ماهية لفعليته ولا صفة انضمامية لذاته ولا تعدد حيثيات متقدمة لتمامه ثم للمفارقات ثم للنفوس ثم لا ينقسم من ذوات الأوضاع ثم لمتصل الذات ثم للمركبات الطبيعية ثم للأنواع والخواص ثم للأجناس والأعراض العامة ثم للنسب المشتركة. والاتحاد جهة الوحدة في كثرة ومنه الشركة في الإشارة وفي الحركة والسكون وفي المكان العرفي والزمان والصفة ونسبة الولاد والملك ونحوها وتختلف الجهتان قوة وضعفا فأقواها الاتحاد بالذات والتغاير بالاعتبار وأضعفها بالعكس ومن الكثير اثنان فالوضعان إن اختلفا تشخصا فقط فمتماثلان أو بالماهية فإن جاز اجتماعهما فمتخالفان وإلا فمتقابلان فإن قابل وجوديا مثله فما تلازما تعقلامتضائفان حقيقيان ويتكافآن قوة وفعلا وعددا ومحلا هما مشهوريان وما لا متضادان فمع غاية الخلاف حقيقيان ويكونان نوعي جنس يتصوران لمحل وبدونها مشهوريان أو سلبه فالمطلق سلب وإيجاب بسيط أو عدولي والمقيد بمحل قابل للوجودي في وقته أو شخصه أو صنفه أو نوعه أو جنسه القريب أو البعيد عدم ملكه ومن الكثير مالا يتناهى ويقين جوازه في مثل اللزوم مالا يقف عند حد إذ ليسا منه حقيقة وامتناعه في المدارك البشرية مفصلا بالوجدان وفي العلل والأبعاد بالبرهان إذ الافتقار إنما هو لخلو الذات فإذا افتقر كل خلي الكل فلا أثر ولا تأثير وحركة المتناهي المتوازي لقديمه٢ إليه مع ثبات المبدأ تبطل ضرورة الحصر بين التوازي والتقاطع على تقدير عدم التناهي عند قطع السمت ما بينهما في كل حد وتوجب قطع سموت غير متناهية في زمان متناه ولحجج أخر وأما في غيرها فاشترط الفارابي الوجود والترتب والاجتماع والمادية وأسقط جمهورهم الأخير والمتكلمون الأخيرين وبعض المحققين [الثلاثة] ٣ الأخير زاعما إغناء إمكان فرض التطبيق الإجمالي عن الترتب الواقعي وعندي أنه إن تم لزوم العدد للكثرة كما يظن انمحى اللامتناهي عن الواقع عينا وعلما وإلا لا وهذا فوق المدارك العامة

стр. 228

ومنها ما يتوقف عليه وجود الشيء وهو ما لولاه لامتنع إما عدم أمر فقط وهو المانع أو عدمه بعد الوجود وهو المعد أو وجوده فقط هو إما مرجح أو مصحح والترجيح هو التأثير والاقتضاء فالمقتضي للشيء المؤثر في وجوده هو العلة فما به فعلية المعلول: ١ - الصورة وما به قبوله. ٢ – المادة. وتدخلان في المركب وفي البسيط الصورة هي المعلولة والمادة هي القابلة إن كانت وما منه صدوره. ٣ – الفاعل. وما لأجله صنعته. ٤ - الغاية وهي علة ذهنا معلولة خارجا وهما خارجان. والحاجة إلى الثلاثة الأخيرة للتركب وضرورة القابل وللإمكان ولاختيار الفاعل قريبا أو بعيدا ومنه غايات الطبائع والمصحح شرط إما لتأثير الفاعل ومنه آلات الطبيعة كالقوى والجوارح والصناعة كأدوات الحرف وهي الواسطة بين الفاعل والمنفعل في إيصال الأثر أو لقبول المادة أو لتمام الصورة أو لترتب الغاية وما وجب تقدمه ولم يجب زواله معه بالعرض محل أو شرط للمعد بالذات. ومن العلل١: ١ - تامة: لا يتوقف على ما وراءها فليست شيئا واحدا وناقصة غيرها. ٢ - وموجبة: لا يتخلف المعلول عنها وهي تامة أو جزء أخير منها أو فاعل مستجمع لشرائط التأثير وهي متلازمة وغيرها. ٣ - ومستقلة: هي جملة نوع منها بشروطه ومنها٢ كافية تكفي لتحصيل جملة ما لا بد منه. ٤ - وقريبة: لا يتوسط بينها وبين المعلول علة وبعيدة. ٥ - وعلة لا تباين ذات المعلول كآثار الطبائع في محالها. ٦ - وعلة مخلفة للأثر وغيرها وحقيقة التأثير مع حصول الأثر والتوليد ترتب فعل على فعل آخر لفاعل وقد يتعدد المحدث والمبقي لشخص في أشكال الصلات وجمع أجزاء المركبات ودعائم السقف وبدل ما يتحلل وبدن الجنين ويستند ثابت الشخصية إلى متبدل شخصا أو نوعا باعتبار القدر المشترك وبالعكس لاختلاف القوابل والشروط واللوازم إلى علة الملزوم وعدم المعلول إلى عدم شيء منها وجاز توارد علتين مستقلتين معا وبدلا على الواحد النوعي لا الشخصي إلا تسامحا في الاستقلال والعلية وبطل دور التقدم من جهة واحدة لا المعية ووقوع الممكن بلا إيجاب العلة وتخلفه عن التامة واستناد جهة التعدد إلى جهة الواحدة وهي السبب والاتفاقي منه غير

стр. 229

متوقع الإيصال وعند الأصوليين هو المفضي في الجملة فيتخلف عنه المسبب وهي الموضوعة لتحصيل الحكم فلا يتخلف عنها. ومنها: التقدم والتأخر بديهيان متضائفان١ واجتماع موصوفيهما بحيثيتهما إن امتنع فزماني وهما لأجزاء الزمان بالذات ولما يقترن بها بواسطتها وإلا فإما بحسب الحاجة فذاتي فإن جاز تخلف المتأخر فطبيعي وهو للعلة الغير الموجبة والشروط والمعدات في الوجود وإلا فعلي وهو للموجبة في الوجوب وإما لا به فإن جاز الانقلاب بتغيير المبدأ فرتبي وهو بالقرب من المبدأ المفروض في مرتب حسا أو عقلا وإلا فبالشرف وهو بالزيادة في الصفة المقصودة وما سمي بالماهية كتقدم الذاتيان على الذات والذات على العوارض فلا ينفك عن الذاتي إلا في بعض اللحظات والمعية للمشتركين في تلك الوجوه حيث يسلبان عنه فما مع المتأخر متأخر في الكل وما مع المتقدم متقدم في غير العلي وكثيرا ما يجمع البعض توافقا وتعاكسا والحمد لله.

стр. 230

متوقع الإيصال وعند الأصوليين هو المفضي في الجملة فيتخلف عنه المسبب وهي الموضوعة لتحصيل الحكم فلا يتخلف عنها. ومنها: التقدم والتأخر بديهيان متضائفان١ واجتماع موصوفيهما بحيثيتهما إن امتنع فزماني وهما لأجزاء الزمان بالذات ولما يقترن بها بواسطتها وإلا فإما بحسب الحاجة فذاتي فإن جاز تخلف المتأخر فطبيعي وهو للعلة الغير الموجبة والشروط والمعدات في الوجود وإلا فعلي وهو للموجبة في الوجوب وإما لا به فإن جاز الانقلاب بتغيير المبدأ فرتبي وهو بالقرب من المبدأ المفروض في مرتب حسا أو عقلا وإلا فبالشرف وهو بالزيادة في الصفة المقصودة وما سمي بالماهية كتقدم الذاتيان على الذات والذات على العوارض فلا ينفك عن الذاتي إلا في بعض اللحظات والمعية للمشتركين في تلك الوجوه حيث يسلبان عنه فما مع المتأخر متأخر في الكل وما مع المتقدم متقدم في غير العلي وكثيرا ما يجمع البعض توافقا وتعاكسا والحمد لله.

стр. 231

خاتمة القسم الأول في بيان تطبيق الآراء فصل: في ماهية التطبيق وهليته ... خاتمة القسم الأول في بيان ١ تطبيق الآراء أقول: تدوين المذاهب المختلفة بأدلتها واعتراضاتها أورث داء عضالا من الحيرة والشك في القديم ورفع الأمان عن الجديد فالعامة بين متعصب للتقليد لا يميز القريب عن البعيد ومذبذب حائر في الحق السديد فدونت بتوفيق الله سبحانه في الدراري والدرر لدفعه كليات موازين التحقيق وأسباب الاختلاف وضوابط التطبيق وأردت إيرادها هنا راجيا من الله - سبحانه - أن ينفع بها عباده في فصول. فصل: في ماهية التطبيق وهليته نكتة: ليس المراد بالتطبيق نفي دعوى مخالفة أحد الخصمين للآخر ولا حمل كلام أحدهما على مراد الآخر ولا دعوى مطابقة أصول كل مذهب وفروعه على الواقع بل هو عبارة عن معرفة قدر انطباق كل مذهب مع الواقع وقدر انحرافه عنه ومعرفة سبب الانحراف بحيث يتفطن له من كلامه وأصوله وفروعه حتى يطمئن القلب ويزول الريب. نكتة: الإدراكات٢ والاعتقادات الحاصلة في النفوس موجودات حادثة فلها بالضرورة أسباب فاعلة وقابلة وشروط ومعدات وجميعها أمور واقعية أو منتهية إليها والأمر الواقعي يمتنع أن يستلزم باطلا محضا أو ما يستلزمه فبالجملة: حالها كحال سائر الشرور الواقعة في العالم إنما شريتها بحسب جهة دون جهة ومنشؤها إعدام جزئية لازمة لطائفة من الموجودات فكذلك بطلان بعض العقائد بحسب جهة دون جهة ومنشؤها إعدام لاحقة لبعض الصور الموجودة كحصول شيء بعنوان غيره عقيب طلبه وتمثل شيء بصورة شيء آخر وإجراء القاعدة مع الغفلة عن وجود المانع والقياس مع الفارق وأخذ العلم عن غير أهله لحسن الظن به وحمل الكلام على غير محمله لارتكاز مرجح في القلب ونحو ذلك فإذا أمعن

стр. 232

فيها من قبل مباديها الموجبة لها غيبية١ وشهادية وعلوية وسفلية واضطرارية واختيارية وداخلة في المدركة وخارجة عنها لاح مستقر كل قول وارتباطه بالواقع كما وكيفا فتوافقت المذاهب كلها ولا ينبغي أن يرتاب في هذا الإجمال وإن كان تفصيل زوال الاختلاف من رحمة الله الخاصة - والله يختص برحمته من يشاء. نكتة: كل من يحكم على شيء فإنما يحكم عليه بما يناسب الصورة الحاصلة منه في ذهنه فمسقط إشارته في الحقيقة صاحب تلك الصورة والفرق بين صاحب الصورة وبين مأخذها والمقصود بها واضح والصورة لا تخالف صاحبها أبدا فليس من هذه الجهة كذب أصلا وكل إنما يحكي الحقيقة الحاضرة عنده المتجلية عليه ولكن يجب أن لا يقتصر على هذا حتى يفرق بين الحق والباطل ليظهر الهدى والضلال. نكتة: لا ريب أن الأشياء في مناسبة بعضها لبعض ليست على السواء وأن الإحاطة منا بجميع الأشياء بل بالشيء الواحد من جميع الجهات ممتنع فالإنسان إذا أراد تحصيل أمر فقد يتصوره على غير ما هو عليه وإذا عرفه فقد يطلبه من غير مبادئه أو يأخذه من غير مأخذه إما من المحاورات العرفية التي ملأت سمعه أو المواصفات العادية التي اطمأن بها قلبه فينتهي إلى أمر ويبدو له باد حسب مسيره ومسلكه فيعتقده مطلوبا فيمسكه فيضل وليتذكر هاهنا ما سلف في المنطق من وجوه الغلط تأييدا لهذا المقام. نكتة: وإذا صح طلبه انتهى إلى الأمر الواقع بالوجه الذي يناسب مسلكه واقعا في نظام من النظامات وموطن من المواطن ومرتبة من المراتب فيذعن له وينكر على من سلك غير مسلكه فانتهى إلى وجه آخر من ذلك النظام أو نظام آخر من ذلك الموطن أو موطن آخر من تلك المرتبة أو مرتبة أخرى من مراتب الواقع فيتسع بينهما حريم النزاع والحق أنه لا تدافع بين النظامات والمواطن والمراتب عند نفاذ البصيرة أصلاً. نكتة: هذه الكثرة الموجودة تنظمها جهات وحدة ذاتية وعرضية مختلفة بالعموم والخصوص فترتب أفرادها حسا أو عقلا نسميه: نظاما والنظامات المتوافقة في المدرك موطن واحد والمواطن التي يتعدد بها وجودات الأشياء ولا يقع أحدها عن الآخر في جهة فبينهما نسبة الغيب والشهادة نسميه: مراتب الواقع فالشجرة ينظر فيها النجار من جهة كم يحصل فيها من الجذوع والألواح وغيرها من الآلات الخشبية؟ ولماذا يصلح خشبها من الأغراض؟ وابن السبيل من جهة مالها من الظل؟ والفلاح من حيث كم يسقي من الماء؟ ومن أين مخضر؟ ومن أين مصفر؟ والصيدلاني من جهة أجزائها من ليف وخشب وورق وزهر وثمر ونواة والطبيب من حيث أفعالها في بدن الإنسان والطبيعي٢ من حيث قواها من: جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة ومن حيث تشريحها فتلك جهاتها ثم إنه قد يتعرض لها من حيث صنفها وبذرها وقد يتعرض لها من حيث هي في دوحتها ما كان هناك فيها وما كان يكون بعدها وقد يتعرض لها من حيث ملكها

стр. 233

مالكها من أي مال وما يحصل له منها فتلك نظامات تشملها ومالها من الروائح والأذواق والألوان والكيفيات الملموسة مواطن فإذا غفل صاحب قصد عن صفات أخر وأنكرها انعقد النزاع. نكتة: ليس في التطبيق تجهيل الطرفين إلا من جهة قصور كل عن غاية التوجيه لكلام خصمه ومن المعلوم أن الأسباب المؤدية إلى الخصومة لا تفرغ القلب لهذا الأمر وإنما على طالب الحق استفراغ الجهد في درك الواقع لا في خدمة كلام الناس ثم من يضمن لأحد نفي القصور في العلم وقد قال الله - تعالى -: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ وقد سبقنا إلى تطبيق الآيات مفسر الأمة: عبد الله بن عباس ﵀ وإلى تطبيق الأحاديث صاحب: المغيث من مختلف الحديث١ وفي آراء المسلمين الشيخ: علاء الدولة السمناني٢ وفي الشريعة والفلسفة: إخوان الصفا وبين رأي الحكيمين: أبو نصر الفارابي وفي الإسلام والهندية دار أشكوه ومهد حجة الإسلام لتأويل مذاهب المبتدعة الوجودات الخمسة في فيصل التفرقة بين أهل البدع والزندقة وقال الشيخ ابن عربي: عقد الخلائق في الإله عقائدا ... وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه وسعى في التطبيق بين الشهودية والوجودية العارفان الجليلان الشيخ: أحمد السرهندي والشيخ: ولي الله الدهلوي - قدس الله أسرارهما - وإن لم يمهدوا له ضوابط وقد عرفناك فضل منفعته فذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

стр. 234

فصل: في موازين التحقيق نكتة: طرق اقتناص العلم: عقل ونقل وكشف والحس شرط للكل ووسيلة إليه وكل منها إذا استجمع شروط صحته كان مطابق الواقع فامتنع أن تكون متناقضة بالحقيقة لئلا يلزم اجتماع النقيضين نعم قد تكون مخالفة بحسب الظاهر للانحراف عن الجادة القويمة بنوع من الغلط ولا كلام فيه أو لاختلاف في مسالك الدلائل أو مواطن المدلول فكلتا الحكايتين عن أمر من الأمور الواقعة وإن اختفى موقع نظر واحد عن الآخر فهذا يقيني وبعض من تفطن لوجوب التطابق وغفل عن اختلاف المدلولات يحمل كلام أحد الجانبين على غير مراده ويصلح بين الخصمين من دون تراضيهما ويأتي في ذلك بما يمجه الطبع السليم ويطيب الإنكار عليه ومن العلوم العادية: أن المذاهب المختلفة المتقاربة في الدلائل وثاقة وركاكة والتي يبتنى عليها النظام المحسوس ابتناء صحيحا ويدفع عنها النقوض الموردة دفعا غير سمج ليست بعيدة عن الواقع كل البعد ولا كاذبة على الإطلاق ولاحقة بكل نقير وقطمير من فروعها وأصولها وإن كان بعضها أكثر موافقة من بعض فإذا تصفحنا عنها بالتعمق في مأخذها والتأمل في كيفيات أخذها ودرك أغراض مدونيها ودرجات فهومهم عرفنا منشأ الاختلاف وموضع الالتباس وموطن الحكاية والتمييز بين المتيقن والمظنون بتوفيق الله سبحانه وعنايته.

стр. 235

نكتة: العقل: أصل طرق الاكتساب لا غنية للنقل والكشف والحسن عنه بل هو الحاكم بها والعامل فيها والمميز بين أقسامها ومراتبها وحكمه عام من حيث الإدراك والقبول وإن كان قد يقصر عن بعضها من حيث التحصيل والوصول وقولهم: طور وراء طور العقل يعنون به: القواعد التي مهدها الملقبون: بأصحاب العقل أو انفراده بلا انضمام ومعاونة من غيره وأصحابه متفاوتون فيما بينهم بالحدس والتجربة فمنهم: من يكون استحضاره للمبادئ أكثر وانتقاله إلى اللوازم أبعد وتعمقه في روابط الانتقال أحد ويكون وقائعه أوفر وشغله أمد وحسه أجود وتفطنه للأمور المشتركة من العلل والأحكام واختلاف مأخذه أشد ونظره إلى الواقع أوصل ومخالفة المألوف عليه أسهل ومنهم دون ذلك. والنقل إذا ثبت عن الأنبياء ﵈ فهو أقوى وأصحابه متفاوتون فيما بينهم رواية ودراية. فمنهم: أصح سندا وألقى أساتذة وأحذق تعليما وأصدق مخبرا وأنقى بدعا وأكثر متنا وأوضح لفظا وأضبط سماعا وأكمل حفظا وأزيد شيوخا وأمد رحلة وأفقه فهما ولترجيح الأسانيد وأسباب الجرح عندهم وجوه مختلفة ومنهم دون ذلك. والكشف: إذا تم فهو أوسعها وأصحابه يتفاوتون بينه جدا في التطلع على العوالم الحاضرة لديهم والغناء في الرقوم المستجنة فيهم. فمنهم من يتمثل له لطائف الجسمانيات كالملائكة السفلية والشياطين والجن أو الحقائق المثالية على طبقاتها تارة للهداية وتارة للإضلال أو الحقائق الروحانية على درجاتها من البشرية والفلكية والعلوية أو يتجلى له الأسماء والصفات الإلهية أو يتجلى له الذات مرة في مرايا إدراكية بالتأثير في قواه أو في قوالب مثالية بالتشبح بها ومرة انكشافا صراحا. ومنهم: من يفنى في خلاصة أهواء وعادات راسخة فيه أو في لطائفه الكامنة في جوهره فيظهر بعض الحقائق بنحو غير ما يظهر في لطيفة أخرى أو يفنى في وجوداته المختلفة التي قضى بها في التنزلات الماضية أو الترقيات الآتية أو يفنى في الحقائق السارية فيه بعضها خلقية: كحقائق الصور الجسمانية العنصرية أو الفلكية أو هيولى الجسم المطلق أو العماء١ وبعضها حقبة من: الأسماء الجزئية والكلية على منازلها والشؤون الذاتية بأصنافها وفي كل ذلك يتوفر عليهم علوم تلك المقامات وأحوالها ويتمثل لهم مقتضياتها. نكتة: المعتبر من العقليات ما ينتهي إلى اليقينيات بالطرق الميزانية انتهاء قريبا أو جليا ومن النقليات ما صححه الحفاظ أو حسنوه وما توارث من معناه القرون المشهودة لها بالخير وتعاضدت عليه الآثار من غير صرف عن الظاهر المتعارف في مثله: حقيقة ومجازا وصريحا وكناية ومن الكشفيات ما كان عن ذي فناء تام أو بعد الفراغ الكلي والتوجه إلى الله - سبحانه - متواترا مستمرا محفوظ الصورة بعينها وأورث حالا

стр. 236

من الأحوال الإلهية أو الملكية وعرف مقام صاحبه وسيرته. نكتة: فصلوا في المنطق: شروط الحدس والتجربة والأوليات والمشاهدات وفي أصول الفقه والحديث: شروط الصحة ووجوه الجرح والترجيح وفي مالا يعول عليه للشيخ: ابن عربي شروط الكشف فليرجع إليها طالب التفصيل واكتفينا على الإجمال لقصد الإيجاز. نكتة: المشاؤون: متجردون للفعل والسلف من المحدثين: للنقل ومتأخرو الصوفية: للكشف وأما المتكلمون: فكلامهم خلط بين نقل وعقل والإشراقية: بين عقل وكشف والجامعون بينهما: على اعتدال ندر. نكتة: من العلوم: علوم محسوسة ومنها: معقولة منتظمة تطابق المحسوس ومنها: معقولة صرفة لا نظير لها في الحس وللعقل في الجزم بها سبيل ومنها: علوم استقرائية لا سبيل إلى الجزم فيها قصوى أمرها الظن أو الوهم ومنها: مالا سبيل فيها للعقل إنما تنال سماعا من حس أو وحي أو كشف فمنها: ما للجزم بها سبيل ومنها: مالا وجميعها: يختلف في الجلاء والخفاء وفي الملائمة لبعض النفوس والمنافرة لها وفي الحضرة والمنفعة لسعادات النفوس وفي المآخذ والمسالك وفي الحاجة إلى ممارسة العمل وعدمها وفي كثرة الرغبة فيها والتنفر عنها وقلتها وفي انقلابها بمرور الزمان وثباتها وفي تقدم بعضها على بعض والتأخر عنه وفي كونها مقصودة أو وسيلة وفي تكميل القوى المختلفة وفي دخلها في قضاء الحوائج الهامشية أو الاقترائية ومعروف تمايزها بالموضوعات والغايات المترتبة عليها في الدنيا والآخرة ويختلف بذلك شرحها ودرجات العالمين بها. نكتة: الباحثون عن الحقائق على درجات. صنف: هم المستخرجون للمسائل والواضعون للعلوم والنقادون لها ونظرهم إلى الواقع مطلق فبعض آرائهم تعتمد على أصول صحيحة ولكن في تفريعها حق وباطل وبعضها على أصول فاسدة يؤصلونها حفظا لمذهبهم في الفروع المعلومة حقيتها حيث لم يستطيعوا تفريعها على غير تلك الأصول أو خاضوا لزوم فروع مسلمة البطلان على أضدادها وإذعانا بها لإلف أو ملاءمة طبع أو تحصيل غرض أو اطلاعا على دليل عجزوا عن دفعه والمحقق إنما يعتني بكلامهم. وصنف: هم: الشارحون لكلام أولئك المفرعون على قواعدهم والذابون عنهم ونظرهم إلى الواقع مقيد والخطأ منهم متضاعف ومع ذلك يوجد في كلامهم فوائد مغتنمة. وصنف: يضربون بعض الكلام ببعض سؤالا وجوابا وتوجيها على قدر ما أحاطوا به من الكتب وكلامهم أقل جدوى والماهر في كلام الأئمة وعادتهم ناج عن فتنة شغبهم إلا أنهم قد يمرون مقاربين للحق في هيمانهم وتسقط من أفواههم ضالة الحكيم. وصنف: قصوى هممهم: توجيه العبارات والمناقشات اللفظية وترجيح المحتملات بكل وجه قريب أو بعيد لا يرفعون إلى الواقع رأسا ينقطع أساسهم بعناية وملاحظة قيد وإبداء احتمال وليس للمحقق اعتناء بهم أصلا وهذا جار في أكثر الفنون فعليك بتمييزهم.

стр. 237

فصل: في أسباب الاختلاف نكتة: كما أن الموت أمر طبيعي لحياة البشر باعتبار الطبيعة الخاصة والعامة معا فالخاصة: تقتضيه لقيامها بالحرارة والرطوبة والعامة: لإيفاء العناية الأزلية مقتضى الطبائع الكلية من: العناصر والأفلاك والبسائط تقتضي انحلال المركبات والأوضاع السماوية تنتهي إلى القواطع فكذلك الاختلاف طبيعي لعقول البشر باعتبار الطبيعة الخاصة والعامة معا وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ . أما الخاصة: فلوجود القوة الحاكمة منهم ومخالفة ما أحاط مدركة أحدهم لمدركة الآخر لأسباب سنبينها وأما العامة: فلأن صانع العالم - جل مجده - لما أراد انتظام النشأتين وتعمير الدارين بإبداء آثار الجمال والجلال فيهما وناط بحسب تلك العناية المساعي والدرجات بالاعتقادات وجب اختلافها فما التطبيق إلا بحسب العلم والفهم لا بإزالة الخصومات من بين الناس. نكتة: لاختلاف الاعتقادات أسباب عامة شاملة لها ولغيرها. منها: اختلاف الأوضاع السماوية بحسب الأدوار والقرانات الكلية والجزئية وطوالع المواليد والميائل وجرب في الهنود: أن من كانت الشمس والمشتري في سابعه انكشف له حقيقة الإسلام وخرج من دينه إليه ويذكر أن وقوع الدراري على الطالع في العاشر ينور العقل واتصال سهم الغيب بالسعود يصوب الآراء في أبوابها. ومنها: اختلاف الطبائع الأرضية من الأقاليم والبلاد وسهلها وحزنها وبدوها وحضرها ومن الكيفيات المزاجية وعادات القوم والهنود يقع في مداركه طول الأزمان والعرب بالعكس. ومنها: اختلاف الاستعدادات بحسب الصور الشخصية والصنفية الفائضة على المواد القابلة لها بمتقضى العناية الأزلية. ومنها: اختلاف ألوان حظيرة القدس بحسب عنايات الملأ الأعلى وصعود الهيئات المثالية من بني آدم المعدة لظهور فيض متجدد من هناك. ومنها: تبدل دولة الأسماء الإلهية المدبرة للقرون المقتضية لظهور أنواع الكمالات والصناعات شيئا فشيئا وتفصيل هذه المبادئ مذكورة في فنونها والغرض: تنبيه عليها وتذكيرها. نكتة: لانعقاد الأديان والمذاهب تقريبات هي من جملة أسباب الاختلاف: منها: توجه العناية الإلهية بإرسال رسل مبشرين ومنذرين ولما١ انحصر فيه صلاحهم شارحين في أقطار أو قرون متباعدة بشرائع متنوعة قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية. ومنها: تجارب الأذكياء ورصد الحكماء والمأثور من الأولياء والمتبرك من سنة الصلحاء ومروج الملوك والأمراء في كل طائفة طائفة على حسب ما بلغته عقولهم في انتظام مصالحهم حسب طبائعهم وعاداتهم.

стр. 238

ومنها: انتشار الكذابين المتنبئين والدجاجلة١ المضلين والمحرفين من المختلسين والمخترعين من أصحاب: البخت والقوة ويتصل بذلك دواعي القبول من الناس لمناسبات جبلية أو تصديق هواتف ومنامات أو مصاحبة كرامات أو استدراجات أو انتظام مصلحة دولة وجاه وتوقع دواعي حرص وشبهها أو غضب وحمية أو مخافة سيف وذل أو تجربة ناقصة لمجازاة دنيوية أو وضوح حجة أو تسويل شبهة أو موافقة جمهور أو تسخير سحر أو قلة تدبر من الطبقة الأولى ... إلى غير ذلك ولا يزال ذلك مستديما بتأييد الله - سبحانه - ببعث المجددين والناصرين لها ونصب الآيات الباهرة على حقيتها من الخوارق والشواهد السابقة واللاحقة ومن لحوق المصائب والشؤم في تركها أو خشية طعن الأسنة والألسنة في عصيان الرسم أو الإلفة بسنة الآباء وتقليد ذوي العقول الناقصة أو حب الرئاسة والجاه في دين أو مذهب أو محاسدة العلماء أو تعنتهم أو تقاعد العقلاء عن درك الحق ورفع الخلاف لقصور الفهم ومثل هذا من التقريبات وحدوث الخلف على طبائع السلف يحرك رغبتهم إلى عقائدهم والنصر لها ثم يشعب ذلك: اختلاف أمزجة المتدينين والمتمذهبين فينجر الخلاف إلى ما شاء الله تعالى. نكتة: يخلق الناس على غرائز وهمم وعادات شتى ثم يتيسر لهم مصاحبات وأغراض واتفاقات فوضى ولاختلافها مدخل جليل في إحداث الآراء وترجيح المختلفات فمنهم الحديد يستطيع تخليص الأطراف عن شوب المألوفات والعبارات والبليد يعجز عنه والمنحصر في المحسوس لا يرى المعقول إلا من مكان بعيد والمتجرد عنه والمفرط في قياس الغائب على الشاهد والمبالغ في الفرار عنه والعجول في القبول والإنكار من غير أن يحيط خبرة والمتأني فيه والمسامح يكتفي بالظن وبصورة من الصور المحتملة التي تفي بظاهر المقصود والفحاص عنه والمتيقظ بالمشاركات والمبائنات واللوازم والمغفل عنه والمغلوب في أيدي الوهم يبني الأمر على الاعتبارات المحضة والغالب عليه والناظر في الشيء ببذل الجهد وصرف القصد والمتكاسل عنه يمر سردا وتطفلا ونير العقل يتنبه لأشياء بلا تعليم وبأدنى إشارة ومظلمه يعجز عنه والمتقيد بالشرائع والواهن فيها والمألوف بالرسم وغير المبالي به وواسع الفهم يحيط بالشقوق والقيود والسابق واللاحق والمبسوطات وضيقه والمشتهي للتفرد والمتنفر عنه يحب التقليد والمتفطن لفروع الشيء وعواقبه والراكد عليه والمحب لشخص ومذهب والمبغض له فيرتكبون في الإخراج والإدراج فيه كل صعب وذلول والمحقق والمقلد والمنصف والمتعصب والإمعة والقادر على أداء ما في الضمير والقاصر عنه ومستقيم الفهم ومعوجه ونقي الباطن يورثه الباطل قلقا كأكل الذباب وكدرة المطمئن بالأكاذيب والمنقح للمقصود عن الوسائل واللواحق والخابط فيه والجازم يقع في قلبه الحكم بعد النظر فيه والحائر لا يحكم إلى غير ذلك مما لا يعسر على الفطن عند الاستقراء معرفة أصنافه وتعيين أشخاصه.

стр. 239

فهذه وأشباهها أمثال الزجاجات على البصائر تحجبها عن نيل الواقع على ما هو عليه من غير خلط أو تعينها عليه ولا ينبغي لطالب الحق أن يغفل عنها أو يحتبس في الردي منها بشرط أن يتجنب الإفراط والتفريط ويوفي كل ذي حق حقه. نكتة: من أسباب الاختلاف: اختلاف أحوال الشيء في نفسه وقد مر حديث اختلاف الجهات والنظامات والمواطن إجمالا فيوضح هاهنا بأمثلة قد يكون الشيء علة تامة لشيء ناقصة لشيء مستقلة أو لا وقريبة أو لا وكافية أو لا أو يكون له علل كذلك وقد يكون الشيء واجب الاجتماع مع شيء على تقدير وممتنع الاجتماع معه على تقدير آخر وممكن الاجتماع راجحا أو غيره على تقدير آخر وربما يكون بين شيئين علاقة الغيرية من وجه والعينية من وجه أو وجوه أخر ويكون الشيء بسيطا تركيبا مركبا تحليلا أو بالعكس أو يكون له جزء في الحقيقة لا في الحس أو يكون فيهما داخلا عرفا خارجا حقيقة بسيطا عينيا لا ذهنيا أو بالعكس وقد يكون الشيء واحدا باعتبار كثيرا باعتبار متناهيا بالفعل غير متناه بالقوة ضروريا مطلقا أو بالنظر إلى شرط اختياريا معينا أو بلا شرط موجودا في الزمان أو بالعموم أو بالعرض معدوما في الآن أو بالتشخص أو بالذات مستمرا نوعا متجددا شخصا بديهيا بعنوان نظريا بعنوان آخر معرض المتنافيات في ضمن الأفراد أو في حدود الامتدادات متحد الحكم بالقياس إلى الطبيعة أو في حد واحد من الحدود ثابتا على صفة في وقت منتفيا أو على غير تلك الصفة في وقت آخر. فتلك أمثلة الجهات: وكذلك اختلافات النظامات حقا وباطلا ضارا ونافعا كمالا وفسادا بحسب نظامين كنظام الحس والشرع كنسب ولد الزنا والربا في الآخرة والدنيا والسم للاسع والملسوع. ومن النظامات نظام الطبيعة الكلية والطبائع الجزئية المترتبة من البسائط والمركبات المختلفة ونظام الحكمة الواجب التعليل ونظام القدرة المانع منه ونظام الاختيارات ونظام المجازات ونظام الأوضاع السماوية ونظام العادات البشرية ... إلى غير ذلك وعلى سنن ذلك اختلاف المواطن يكون الشيء جوهرا في موطن عرضا في موطن آخر حيوانا في المثال جمادا في الشهادة سعيدا في وجود شقيا في وجود قديما في ظرف حادثا في ظرف في حين واحد أو أحيان شتى واحدا بحسب ظرف وله أعيان وصور كثيرة في ظرف آخر ولا شك أن أحكام أحد الوجهين تباين أحكام الوجه الآخر فمتى اعتنى أحد الناظرين بوجه والآخر بآخر لأجل مسلك سلكه أو لالتباس وقع له اختلفت الأخبار باختلاف الإحاطة والاقتصار وقام تنازع الحكومات على ساقه فعلى المستبصر أن ينتبه لها ويفتش عنها. نكتة: من أسباب نسبة الاختلاف إلى المحققين اختلاف التعبيرات فقد يحصل في الذهن هيئة واحدة إجمالية فيختلفون في تسميتها بحسب اللغات والاصطلاحات المتعارفة عندهم وفي شرحها بحسب المعاني المهمة لهم والخوض والاقتصار منهم وفي تصورها بعبارات مختلفة قربا وبعدا على قدر بلاغتهم وقد يعبرون عن الشيء الواحد مرة بصورة انطباعه في المدركة أو نيل المدركة لأمثاله فيقال مثلا: صارت الشمس تحت السحاب وهي فوقه ومرة بما ناله من غير انحراف وتفتيش عن الحقيقة كما يعبر عن الرؤيا قبل تأويلها ومرة بعد التجريد للحقيقة عن ملابسها وغواشيها ومرة من حيث تعيينه في

стр. 240

مرتبة أو كونه أثر الفاعل أو صورة في مادة أو مبدأ لغاية على اختلاف في الفاعل والمادة والغاية فيظن الاختلاف فيه وليس كذلك وقد ينظر إلى الشيء بالإجمال أو سطحيا لعدم الاعتناء به أو على التفصيل والغور بطنا بعد بطن على مراتب الاعتناء به وقد يقع في الكلام تخصيص عام للتصوير أو الاهتمام أو تعميم خاص للإبهام أو التخمين أو المبالغة أو يقع ادعاء حصر للتأكيد فقط أو إيراد مجاز متعارف عند القائل أو كناية والمقصود غيرها أو تلميح وتقع تمثيلات مختلفة وفيها تقريب من وجه وتبعيد من وجه وإبهام في القدر الجامع وذلك لكونها أبلغ في سليقة القائل أو لتفنن في العبارة ويقع صرف عن الظاهر لضيق العبارة كوضع الترتيب الزماني موضع الرتبي والمصاحبة الزمانية موضع المصاحبة الواقعية ويكون الواقع عند الكل شيئا واحدا وبعد ذلك مقام لتفتيش المستعملات والاصطلاحات وبيان اشتراك معنيين في لفظ أو ترادف لفظين على تمام المعنى أو مع تفارق بملاحظة قيد جزءا أو شرطا وهذا وإن كان يسيرا بعدا الإحاطة بالمواطن والنظامات ولكن الحق انه لا يستقيم أيضا إلا من ألمعي محقق منصف يجمع الوصفين كثرة التبحر والعبور على كلمات الأئمة المحققين وقوة التدقيق والبحث في فني الجدل والتوجيه مع تأييد وهداية من الله ولي التوفيق. نكتة: من أعظم أسباب الاختلاف تنوع فهم اللاحقين لكلام السابقين وهذا هو الذي أثار فتنة الشغب بين الشراح والمحشين وأورث افتراء المذاهب على أهلها ويكون منشأ سوء الفهم تارة لكمال الحماية والعداوة لأحد وتارة للغفلة عن مرمى قصده ومطرح نظره. طربنا لتعريض العذول بذكركم ... فنحن بواد والعذول بوادي وتارة للقصور عن استيفاء المقدرات في الموجز وحفظ القيود الضمنية في المطنب وتارة الخطأ في المحمل للاشتراك والتجوز أو إرجاع الضمير وتارة المبادرة ثم الإصرار على ما استقر في النفس قبل من غير إيفاء النظر حقه وتارة الجحود على المسموع لحسن ظن كاذب في قائله وتارة للبلادة عن نيل المعنى الدقيق والاغترار برأيه فالمرء لا يزال عدوا لما جهل وأمثال ذلك مما يفهمه المحقق من الكلام وسياقه فهم الطبيب داء السقيم من عوارضه ومن التدبير المقدم.

стр. 241

فصل: في ضوابط التطبيق نكتة: محاول التوفيق ينبغي أن يأخذ الواقع إقليما وسيعا ويقطع لصاحب كل مذهب منها قطرا من أقطار العلويات والسفليات من آفاق الغيوب والشهادة وناحية من نواحي العلم والعين بل يأخذ كل شخص بلدا عامرا فيه من الأوصاف اللازمة والمفارقة والنعوت الظاهرة والباطنة والذاتية والغريبة والانضمامية والاعتبارية والحقيقية والإضافية والثبوتية والسلبية مالا يحصى إنما مجال الباحثين منها ميدان دون ميدان ويقيد عموم إثبات كل ونفيه في مقامه ومشهده فإن لكل مقام علوما ومعارف لا تكون في غيره كما ورد لكل حد مطلع وصاحبه كثيرا ما يغفل عما عداه فلا يروي عنه إلا ما أحاط به وأن لا يذعن لنفي واحد قول الآخر ولا لتأويله إياه إلا ما كان من صاحب الوحي الإلهي نصا محكما وأن

стр. 242

لا يسرع في إنكار مستغرب وأن يبالغ في تصحيح عقد الوضع بتشخيص ذاته من إقليم الوجود أين هو؟ وكيف هو؟ باستقراء أوصافه التي وقعت عنوان بحثه وموقع نظره فربما يعنون عن ذوات متغايرة بعنوان واحد يصدق على جميعها معا أو تعاقبا أو بدلا وبالعكس وينقح عقد الحمل بتميز إطلاق مفهومه عن خصوص نحو ثبوته للموضوع وتحققه فيه ولا يعتمد في فن إلا على كلام دستوره ومخرجيه ولا يغفل عن فهم أصحابه كلامه ونقدهم رأيه ويزن أصولهم بموازين الدلائل والقرائن وتصفح المواد حتى يتبين سقوط أدلتهم ونهوضها وقوتها وضعفها وخصوصها عن الدعاوى وعمومها ثم يعود فينظر في الفروع من طرق الأمارات الخصيصة بها نظرة ابتدائية فقد وقع في التفريعات ذهولات وغفلات وأن يفحص عن بدء أمر المخرجين والناصرين للمذاهب وتقلبات أحوالهم إلى ما انتهى إليه شأنهم إذ به يعرف أغراضهم ورجوعهم في الأقوال وأسبابه وانتقالهم من درجة إلى درجة أعلى وأدنى ومطمح نظرهم في مساعيهم من نيل الحق أو طلب السعادة أو المال والجاه وإفساد دين أو طريقة وأن يتنبه لتواردهم واختلافهم في ذكر وترك وإجمال وتفصيل ويعلم أن من الآراء ما يكون منتهى السعي إبانة عذر صاحبه في جهله بعمدة الباب. وبالجملة: فإذا حافظ على هذا وأمثاله بسليقة موهوبة أو فطانة مكتسبة هان عليه التوفيق - بإذن الله - والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. نكتة: الواقع: هو ما عليه الشيء بنفسه في ظرفه مع قطع النظر عن إدراك المدركين وتعبير المعبرين والوصول إليه يكون بالعيان أو البرهان ففسره قوم بما هو مقتضى الضرورة والبرهان ولما اختلفت الظنون في اعتقاد المقدمات برهانا أو شبهة وفي أخذ الظروف متسعة أو متضيقة اختلف معنون الواقع فاختلفت الحكايات عنه ومن لم يتنبه لهذا الاختلاف لم يتنبه للتطابق. فمنهم: من يزعم الواقع ظرف الثبوت فوق الوجود. ومنهم: من يحصره في الوجود ولوازمه ويجعل الوجود أصيلا فقط أو أصيلا وظليا أو إياهما ولحاظيا. ومنهم: من يحصر الدائرة الإمكانية فيما له حيز وجهة. ومنهم: من يحصرها في المبصرات والمعاني التي فيها. ومنهم: من يحصرها على الأشخاص دون كلياتها. ومنهم: من يحصرها على مجتمعة الأجزاء. ومنهم: من يحصرها على ماله مادة سابقة دون مستأنف الوجود فيجب التقاط مرامهم عن فحاوي فروعهم وأصولهم. نكتة: إثبات عالم المثال أصل عظيم من أصول التطبيق من جهة أن فيها صور الحقائق المجردة والمادية فيقع على ما فيه سير الناظرين فيخبرون عما وجدوا وإن لم يعرفوا أنه من عالم المثال وذلك في النقليات والكشفيات أكثر منه في العقليات. ومن جهة: أن فيه روحانيات تسمى: داعية اليهودية والنصرانية وغير ذلك من الأديان والمذاهب وأنها

стр. 243

تلقي صور المعتقدات لهم في المدارك وتروج تلك العقائد بالمنامات والهواتف فتطمئن النفوس إليها وتنفر عن أضدادها. ومن جهة: أن فيه خزانة الكواذب كما فصلته في تفصيل١ رسالة المحبة وينقدح بالاتصال بها آراء شتى وتستمر الآراء برسوخ ملكته. ومن جهة: أن تلك الصور المثالية تقع عنوانات ومرايا للأمور الغائبة والموهومة فيظن التخالف فيها وهذا كثير في العقليات وفي هذا العالم ألوان وأبعاد وأشكال ولا يزاحم الأجسام المادية ويختلف المثاليات لطافة وكثافة٢ ورسوخا واختفاء والعوام لا تظنها غير الأجسام وتسميتها: أجساما غيبية وشهادية فيجري على ذلك من يخاطبهم ويفهمهم وإنما: إنكارها وحصر الأجسام في الشهادية وضبط أحكامها من تدقيقات الفلاسفة والمتكلمين. نكتة: من أصول التطبيق التجلي وهو ثابت عقلا ونقلا وكشفا وهو من أحكام جهة الكثرة لا ينكره منكر وحدة الوجود ولا يستغني عنه قائلها تمييزا بين الأحكام الحقية والخلقية وبينت مادته وصورته في رسالة المحبة وغيرها وله جنسان بإثبات الواسطة وبرفعها: فالذي بإثبات الواسطة مادته ماله اختصاص بالاضمحلال والحكاية معا وصورته إرادة التعرف وينقسم إلى: وجودي ينتظم به أمر العالم وكمالي: هو في نفسه أمر خارجي وشهودي حاصل في المرايا الإدراكية ومن هذا القسم: صوري ومعنوي وذوقي. والذي برفع الواسطة إما أن يكون الحجاب من جهة المتجلى له من وصف أو ملابس أو بين المتجلي والمتجلى له أو من جهة المتجلي وهذا إنما يتصور بالانتقال من شأن إلى شأن ومن موطن إلى موطن ورفع ما في البيت إما بإفنائه أو برفع حيلولته بترق للمتجلي له أو تدل للمتجلي والمحقق القونوي٣ عممه في كل مالا تحويه الجهات وهو حق والفرق بين: تعلق النفس بالبدن والتمثل بالتمثل والمتجلي بالتجلي حصول الانحصار والانفعال معا في الأول والثاني فقط في الثاني وانتفاؤهما معا في الثالث ولا بد في التجلي من ممازجة عالم المثال لتضمن جهة الحكاية فإن الشهاديات لا تحتمل الحكاية طبعا وإن احتملتها وضعا وكثير من اختلافات العقليات والسمعيات والكشفيات ينحل به٤نكتة: قد يستغرق المتفكر والمكاشف في السانح٥ فيختفي عليه ما عداه فينطق بالكلية وما مصداقها إلا الجزئية وقد يعتني بمعنى دقيق فيتبعه النظر فيحكم به على ما فيه شائبة٦ منه وأدنى مناسبة معه ولا

стр. 244

يلتفت إليه غيره وقد يشتبه الظل بالأصل والمقيد بالمطلق فيذعن لأصالة الظل وإطلاق المقيد ولا يتبنه له إلا بعد الترقي عنه والعارف بالأصل والمطلق يفضح قوله ثم إذا ترقى عنه فقد يعبر عنه بالرجوع وتخطئة الأول وقد يعترف بالخوض فيه وانكشاف سره وبطنه فيصحب الحكم السابق فيظن الاختلاف باقيا وقد انمحى فاحفظ عليه. نكتة: الإصابة والأخطاء يطلق في العمليات تارة: على ترتب الغاية على الصنعة وعدمه وتارة: على الجريان على وفق القاعدة وفي الشرعيات: مرة: على الوصول إلى مراد الشارع ومرة: على الحكم بمقتضى الدليل فيختلف بحسب الاختلاف بالمأخذ فيكون معنى الحكم بشيء أن مقتضى هذا القدر من المبادئ كذا وبهذا المعنى يرتفع التنازع في الشرعيات وبعد ذلك فالنسخ أيضا من أقسام التطبيق إذ فيه أعمال كل دليل في وقته وكذا التخصيص إذ فيه أعمالها في محل ما وبعد ذلك فمن باب التطبيق فيما صح سنده ودلالته ولو في الجملة الحمل على العزيمة والرخصة أو على الإباحة والكراهة أو على التشديد والتسهيل أو التنزيه والتحريم بناء على ضابطة إسقاط الإنكار وعامة الرواة ممن لا يخوض في دقائق الأحكام إذا روى بالمعنى أمكن أن يزيد وينقص في الطلب والكف وأما الذكر والترك أو التعيين والإيهام فلا يعده من باب التعارض إلا من قل خوضه في المعاني وقريب منهما تقديم وتأخير في الكلام. نكتة: ذكر حجة الإسلام١ في فيصل التفرقة بين أهل البدع والزندقة أن الشيء يكون له وجود في نفسه خارج الحس والعقل وهو الوجود الذاتي ووجود في الحس كالشمس رغيفا والقطرة خطا وقوس من محيط الدائرة الكبير مستقيما ووجود في الخيال إما على صورة المشاهدة كطيف النائم والمبرسم وإما على صورة للذكر ووجود في العقل بتجريد الذات أو الوصف المختص ولو عرفا عن غواشيهما كالصنعة من اليد والحفظ من العين ووجود تشبيهي وهو استعارة اسم المبائن لشيء لاشتراكهما في معنى معروف ويجب الحمل في النصوص على ما هو الأقوى في الترتيب المذكور إلا أن يلوح للناظر ما يدل على نفي شيء من السوابق فيحمل على اللاحق مذعنا بأنه مراد الشارع فهذا وجه من التطبيق في الأخبار وإصابة للحق كاملا أو ناقصا.

стр. 245

فصل: في الجرح والترجيح نكتة: محاول التطبيق لا يستغني عنهما لما سبق: أن القاطعين لا يتعارضان فمعارض القاطع مظنونا كان أو مجزوما به مجروح وشبهته حجاب على الحق وبكشفها يرتفع والمظنونات والمجزومات دونه تتعارض فيجب تمييز قرينة تطابق الواقع أو تقاربه عما يلتبس بها من أمارات قاصرة ونكات شعرية وتمويهات سفسطية تصير غينا١ على عين العقل فهذا المحاول والمجادل يشتركان في الجرح اشتراك المعالج للصلح للبنية والمعاند المفسد لها فيه والفارق أن نظر الأول بالإنصاف وهمه في انتخاب السالم

стр. 246

من المقدوح ومأخذه كلام صاحب المذهب من الإشارات والتفريعات ونظر الثاني بالاعتساف وهمه في إلزام الشناعة لتحرك الحمية للمخالفة ومأخذه ما فرط من قلم أو لسان بصرفه إلى مستبعد ومخالفة عامة ما يوجب التبكيت والتحميق. نكتة: الجرح: إما في أطراف الحكم من حمل على غير المحمل أو في نفسه نفيا وإثباتا أو في سوره من عموم وخصوص أو في جهته كدوام ولا دوام وإما في قوته من وهمية أو ظنية ضعيفة أو قوية أو متوسطة أو جزمية مطابقة أو لا فهي بالحقيقة ترجع إلى الأربعة الأول وقد فصلته أكثر من هذا في المناظرة. نكتة: وجوه الترجيح كنت أشرت إلى كثير منها في تفاوت مراتب أصحاب الطرق الثلاثة: العقل والنقل والكشف فإذا تعارضت وجوه الترجيح فالقرائن القوية القليلة تقدم على الكثيرة الضعيفة وهي إذا كانت للوقوع ترجح على مجرد صحة الاحتمال وحكم الشيء بخصوصه على حكمه في ضمن العموم والمعلوم وقته على مجهوله ومؤخر الوقت على مقدمه والجملة: أن الأحسن أن يحكم في ذلك القلب السليم والوجدان المستقيم فما اطمأن إليه القلب يقدم على غيره وتعين وجه واحد للترجيح كثيرا ما يختلف وينتهض تارة وينتقض أخرى ولا ضرورة في التزام موارد النقوض والتكلف لدفعها والعقل إذا صح مقدم على النقل إذ النقل يثبت بالعقل١ ففي تركه إبطال الأصل بالفرع وأيضا يسلم النقل بالتأويل ولا مساغ له في العقل وهما يتقدمان على الكشف لمزيد الاشتباهات ومداخلة التعبيرات والتأويلات فيه وقولهم: هذا طور وراء طور العقل يريدون به: القواعد التي أسسها الفلاسفة وسموها: المعقول وما هي إلا ثمرات العقل القاصر إذ هو وراء طور العقل في ابتداء الحصول وإن كان يتلقاها من جهة الإصلاح والقبول. وبالجملة: لا ريب في أن العقل العامي كثيرا ما يقصر عن حقيقة المكشوف والمنقول فعليهم يتوجه الرد والإنكار وأما العقل المقدس المنور فليس شيء من الحق يخالفه ولذلك اتفقوا أن لا يعتقدوا ظواهر النصوص إلا بعد إثبات الإمكان وهذا هو العذر لعامة المذاهب كما قال العارف: جنك بفتان ودو ملت بمه راعزرينهم جول نديد ند حصيفت ره إفسانه زوند نكتة: في نفس التطبيق مدارج أرجحها أن يثبت بالبرهان ما يتشبث حكايات أهل المذاهب بحواشيه ودونه أن يثبت الحق في واحد ويبين أعذار القاصرين والمنحرفين عنه بقرائنها ثم أن يبدأ احتمال صحيح يتطابق به المذاهب ويكون رجحانه بنفس هذا الانطباق لا ببرهان آخر ثم أن نبدأ احتمالات للتطبيق فيقع الجزم بالقدر المشترك بينها أن: النزاع ليس حتما ثم أن يطبق عمدة الباب ويلغي التفريعات الغريبة عن الاعتبار.

стр. 247

نكتة: بالغ في مختصر الأصول١ صاحبه في ضوابط الجرح والترجيح ووضع كل الأول وجل الثاني في القياس الفقهي ولا يهمنا الإطالة فيه ونظر في ترجيح عامة النقليات وهو يقارب مقصدنا فالتقطت ما استحسنت منها بشريطة الإيجاز لمزيد النفع وأحلت الباقي على المراجعة إليه وأستطرد ترجيح الحدود بالوضوح والتعارف والذاتية على غيرها وبقرب الاصطلاح من اللغة أو ١ / ٤٢٢ الشرع وبرجحان طريق كسبه ونحو ذلك واختلفوا في العموم والخصوص لكثرة النفع وحصول الاتفاق وتعرض لتركب الترجيحات مثنى وثلاث وما زاد وترك تعارضها وهو أهم لكثرة الوقوع والحاجة وتعرض لبعضها صاحب التنقيح٢. نكتة: يرجح المقنولان بالسند والمتن والخارج. فمن الأول٣: فرط الوثاقة وهو في الحفظ فمن وافق المكتوب بلا اعتماد عليه فهو أحسن وفي الفهم ومنه المهارة في اللغة وغوص الفكر وتنبه القرائن وعدم التلقن وفي الورع والصدق وفي التلقي عن السماع والقرب وتوجه القلب والمباشرة ومنه الاتصال فالمسند على المرسل والمرسل من لا يروي إلا عن عدل على غيره وقلة الوسائط وصراحة الرفع والسماع على مجرد اللقاء ومنه العدد فالمتواتر على المشهور وهو على الآحاد وكثرة الرواة على قلتها. ومن الثاني٤: الترتيب بين المحكم والمفسر إلى الآخر والعبارة على الإشارة إلى الآخر والمحرم على المبيح والإثبات على النفي والمجاز على الاشتراك والتأسيس على التأكيد والمفيد على الحشو والإطلاق على التقييد والعموم على التخصيص والإبقاء على النسخ والمفصل على المجمل ومعلوم التاريخ على غيره والإجماع الصريح على السكوتي ونحوها. ومن الثالث٥: التوابع والشواهد ومعاضدة دليل آخر وتفسير راو فاهم للقرائن عارف للمقاصد وموافقة عمل الراوي وكثرة المزكين وجودتهم وصيغها ونحو ذلك. نكتة: يقدم القياس على مثله بالأصل لكونه قطعيا أو أقوى ظنا ثابت٦ الحكم متفقا عليه وبالعلة لذلك ولكونه ثبوتية٧ حقيقية ظاهرة المناسبة والتأثير منضبطة مطردة منعكسة ضرورية لا تحسينية أو تكميلية فقط وعامة للمكلفين وبالفرع للمشاركة في عين الحكم والعلة مع الأصل وبقطعية وجود العلة فيه وشمولها له ولزومها له وعلى المنقول إن كان أضعف منه لضعف السند أو بعد المعنى ونحوه وبعض هذه الوجوه مختلف فيها والله أعلم بالصواب.

стр. 248

فصل: في أمثلة التطبيق توضيحا للواهم وتمرينا للفاهم نكتة في إثبات الجزء ونفيه: عرفوه: بأنه جوهر ذو وضع لا يقبل القسمة خطأ ولا وهما ولا عقلا واتفقوا على انتهاء الأوليين عند غاية الصغر واختلفوا في الثالثة فالحكماء حيث جعلوا العقل ظرفا واقعيا كان وجوب مطابقة تجزئة الصغير والكبير في المحاذيات والسريع والبطيء في الحركات قسمة واقعية لا تقف عند حد والمتكلمون لما أنكروه كان معنى القسمة العقلية عندهم: أن يحكم العقل بوقوعها في الخارج حيث ذكروا في الاستدلال عليه أن الله - تعالى - قادر على جميع الممكنات والتقسيمات حيث لم يشترط منها لاحق بسابق ممكنة معا فإذا أوجد الله - تعالى - كل قسمة ممكنة فأما تلك القسمة إن انقسمت لزم الخلف وإلا لزم الجزء والحكماء لم يدعوا مكان وقوع جميعها في الخارج بلا نهاية وإنما أثبتوا حكما إجماليا بتمايز الطراف فالمتكلمون اعترفوا بقيام ست مماسات به فما منعوا تمايز الأطراف والفرق بينه وبين الأجسام الديمقراطيسية أن المانع في الجزء الصغر فقط وفيها ذلك مع الصلاة فلا نزاع في محل واحد والمتكلمون بعد إمكان الجزء لم يثبتوا ابتداء تركب الأجسام منها والقول بإمكانه لا يستلزمه كما ذهب إليه: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني١ ولكن قالوا به قصرا للمسافة فإن نظرهم لتصحيح أصول الشرائع فقط. والحكماء حيث أرادوا تحقيق الحقائق مهدوا الكلام على إمعانات فخاصم المشائية الديمقراطيس في إبطال مذهبه ثم أفلاطون في إثبات الهيولى ثم فرعوا عليها تفريعات مقدوحة عند المتكلمين مخالفة على حسب تقريرهم لأصول الشرائع فطرح المتكلمون مؤنتها فهذا منهم كقول بطليموس: لا نثبت في الفلكيات فصلا ولم يثبت بالبرهان أن الصانع - جل مجده - هل صنع فيها ما يزيد على ضرورة ضبط الحركات أم لا ببرهان؟ فافهم. نكتة: اختلفوا في المكان سطح أو بعد واتفقوا على أنه الأمر الذي يشار بحسبه من هذه وهناك فإذا أشير إلى مكان ثم إلى آخر كان بينهما بعد قطعا فتنبهت له الإشراقية ونبهوا على وجوده أن في القلة فضاء يتوارده الأجسام مطابقة له بأحجامها. قالت المشائية: هو أمر موهوم وما ذلك البعد إلا للأجسام فيتوهم المتواردة المتساوية متحدا باقيا فاعترفوا أن من هذه بعدا موهوما يتوارده المتحيزات وتنفذ فيه أبعادها وهميا وهو مذهب المتكلمين وهذا الوهم سواء أسند إلى الظرف أو المظروف فإن مداره هو الظرف إذ به تعرف مساواة المظروفات المتعاقبة.

стр. 249

والمتكلمون: لا ينكرون هواء سطح جسم بجسم ففي غير ما فرض محددا يتلازمان فلم يبق نزاع إلا أن الأحق بالتسمية هذا١ أو ذاك والظرفية العرفية شاملة لهما وقبل حصول الجسم فيه كلاهما متوهم وبعده البعد موهوم٢ والسطح موجود فرجحوه به وقولهم: الحيز ما به تتمايز الأجسام في الإشارة وضعا كان أو مكانا ففيه أنه لا يقال٣: الجسم في الوضع كما يقال: هو في الحيز والإشارة بهنا وهناك إلى المكان دون الوضع فإن الوضع وإن اتبعه فلا بد فيه من ملاحظة الأمر المباين ولا يحتاج إلى مباين في هنا وهناك. وفهم الإشراقية: أنه كما أن مدار التقدم والتأخر بالذات هو الزمان ومدار الصغر والكبر المقدار ومدار القلة والكثرة العدد كذلك يجب أن يكون مدار ما يشار إليه بهنا وهناك بالذات ما يمتنع الحركة عليه وعلى أجزائه المفروضة لذاته فإن المكان يتحدد قبل النقلة فيمتنع عليه التخلخل والتكاثف والفصل ووقوع الحدود بالفعل وكل أمر زائد على نفس البعد والمقدارية ولو كان سطحا كان قابلا لها التبعية محله وإن لم يكن ذلك لما يشار إليه في ثخن الجسم نقلة من هنا إلى هناك سواء كان وجوده بالفعل أو بالقوة القريبة منه ولزم أن يكون تصور انتقاله محوجا إلى تصور أمور خارجة عنه فلو فرض تحرك العالم كله بحركة واحدة وضعا لم يثبت للأجزاء حركة انتقالية أصلا لانحفاظ الأوضاع. والإشراقية: لما اعتادوا مطالعة لطائف الأنوار والأمور المثالية هان عليهم تصوره. وخفي على المشائية: فتوجهوا إلى إبطاله تارة بأن الأبعاد متماثلة يصح على كل منها ما يصح على الآخر فإذا احتاج البعد لذاته في الأجسام إلى مادة احتاج إليها جميع الأبعاد فصارت أجساما وقد عرفت٤ انتفاء المماثلة من بيان أحكامه وتارة بأن استحالة التداخل للبعدية٥ فلو كان بعدا مجردا امتنع انتقال الجسم فيه من حيز إلى حيز آخر ومن البين أن التداخل في الجواهر الفردة عندهم ممتنع فالتحيز على الاستقلال علة قطعا فإن فرض في المقادير ما يؤدي إليه كان ممتنعا بتلك العلة فلا حاجة إلى علة أخرى ولا نجد تداخلا ممتنعا لا يؤدي إليه حتى يثبت علة ثانية مع أن المذكور في تعريف التداخل بالاتفاق هو دخول متحيزين حيزا واحدا ولم يقل أحد بأن دخول متحيز في حيز ثان منه والصوفية: شاهدوا في كل موطن من الغيب والشهادة زمانا ومكانا غير ما في موطن آخر فضله عين القضاة في رسالته الزمانية والمكانية وسكت عنه إذ الغرض مجرد التمثيل لا القصد إلى تحقق أمره. فالمتكلمون: يلازمون المشائية في أول الأمر ويرجعون إلى الإشراقية في آخر الأمر ويسمونه موهوما لضابطة تستفاد من كلامهم وهي أنهم عرفوه بفراغ موهوم يشغله شاغل ففسره أتباعهم بأنه لا شيء محض وينافيه قولهم: لو كان الواجب متحيزا لزم إما قدم الحيز أو كونه تعالى محلا للحوادث

стр. 250

وقولهم بوجود الوضع وهو الكون في الحيز الذي قسموه إلى اتصال وانفصال وحركة وسكون إذ لا معنى لوجود الكون في اللاشيء المحض فلا يكون تسمية١ المكان المشار إليه والزمان المؤرخ المقسوم والمقدار الممسوح والعدد المضروب والمقسوم موهوما٢ كتسمية غلاف حلس على قرص الشمس وقيل في الكوز موهوما٣ بل يفهم من موارد استعمالاتهم وإن لم يتفوهوا به أن الأعيان والمعاني المحسوسة للعامة أو الخاصة وما يتوقف هي عليه موجودة عندهم وغيرها مما يلحقها كهذه الأمور والحقوق والعقود والأحكام الخمسة عندهم موهومة ولها في الخارج آثار وليست من قبيل الموجودات الذهنية التي أنكروا وجودها لمشاركة الممتنعات فيه فمذهبهم إذا يقرب من الإشراقية وليحفظ هذا المعنى فإنه نافع في هذا الباب٤ جدا. نكتة في الزمان: اتفقوا على أن الزمان هو الأمر المقسوم إلى الأيام والشهور والأعوام وهو غير ظلمة الليل وضوء النهار اللذين هما مدركان بالبصر وغير الشمس والقمر الدائر عليهما أمر الأيام والشهور والسنين وهو أمر غير قار. فقالت الحكماء أولا: إنه الأمر الذي به التقدم والتأخر اللذان لا يجامع فيهما القبل والبعد بالذات ثم ازدادوا فكرا فقالوا: هو كم متصل غير قار ثم أمعنوا فقالوا: هو مقدار الحركة ثم أمعنوا فقالوا: هو مقدار حركة وضعية سرمدية للفلك المحيط بالكل أسرع من جميع الحركات. والمتكلمون قالوا: هو تقدير متجدد موهوم بمتجدد معلوم ولم يريدوا بالتقدير فعلنا فإن الزمان ليس من فعلنا ولا نفس الأمور المتجددة فإنها تكون جواهر أو أعراضا قارة وليس شيء منها زمانا بل أرادوا أمرا موهوما بحسبه يتقدر متجدد بمتجدد وهو عند الحكماء كذلك فإن أهل العقول المتوسطة من الحكماء والمتكلمين توافقوا على: أن الحركة القطعية التي ينطبق عليها الزمان أمر مرتسم في الخيال من الحركة التوسطية وأن اتصال المعدوم بالمعدوم محال وأيضا اتفقوا على أن الحركة: هي المتجددة المنصرمة لذاتها فكأنهم قالوا: هو أمر بحسبه وبالنظر إليه يتقدر توالي أكوان الحركة سابقية ولاحقية٥ والمتكلمون: لم يوافقوهم في إمعاناتهم لمعان وتفريعات غير مسلمة عندهم والاكتفاء بعنوان واحد من بين وجوه متعددة لا ينبغي أن يعد نزاعا حقيقيا. والإشراقية وافقت محققي المشائية في وجوده الدهري وأنه متصل الذات مقدار الحركة ولكنهم - كما زعموا - البعد القار الجسماني مقدارا جوهريا زعموا البعد غير القار أيضا مقدارا جوهريا حيث لم يجدوه طبيعة ناعتية الذات ولا وجدوا فيه معنى الحلول فلا يقال: الزمان في الحركة كما يقال السرعة في الحركة واللون والبعد والحركة في الجسم ولا وجدوا لخصوص الحركة الوضعية في تقويمه مدخلاً
следующие страницы →