من المقدوح ومأخذه كلام صاحب المذهب من الإشارات والتفريعات ونظر الثاني بالاعتساف وهمه في إلزام الشناعة لتحرك الحمية للمخالفة ومأخذه ما فرط من قلم أو لسان بصرفه إلى مستبعد ومخالفة عامة ما يوجب التبكيت والتحميق.
نكتة: الجرح: إما في أطراف الحكم من حمل على غير المحمل أو في نفسه نفيا وإثباتا أو في سوره من عموم وخصوص أو في جهته كدوام ولا دوام وإما في قوته من وهمية أو ظنية ضعيفة أو قوية أو متوسطة أو جزمية مطابقة أو لا فهي بالحقيقة ترجع إلى الأربعة الأول وقد فصلته أكثر من هذا في المناظرة.
نكتة: وجوه الترجيح كنت أشرت إلى كثير منها في تفاوت مراتب أصحاب الطرق الثلاثة: العقل والنقل والكشف فإذا تعارضت وجوه الترجيح فالقرائن القوية القليلة تقدم على الكثيرة الضعيفة وهي إذا كانت للوقوع ترجح على مجرد صحة الاحتمال وحكم الشيء بخصوصه على حكمه في ضمن العموم والمعلوم وقته على مجهوله ومؤخر الوقت على مقدمه
والجملة: أن الأحسن أن يحكم في ذلك القلب السليم والوجدان المستقيم فما اطمأن إليه القلب يقدم على غيره وتعين وجه واحد للترجيح كثيرا ما يختلف وينتهض تارة وينتقض أخرى ولا ضرورة في التزام موارد النقوض والتكلف لدفعها والعقل إذا صح مقدم على النقل إذ النقل يثبت بالعقل١ ففي تركه إبطال الأصل بالفرع وأيضا يسلم النقل بالتأويل ولا مساغ له في العقل وهما يتقدمان على الكشف لمزيد الاشتباهات ومداخلة التعبيرات والتأويلات فيه
وقولهم: هذا طور وراء طور العقل يريدون به: القواعد التي أسسها الفلاسفة وسموها: المعقول وما هي إلا ثمرات العقل القاصر إذ هو وراء طور العقل في ابتداء الحصول وإن كان يتلقاها من جهة الإصلاح والقبول.
وبالجملة: لا ريب في أن العقل العامي كثيرا ما يقصر عن حقيقة المكشوف والمنقول فعليهم يتوجه الرد والإنكار وأما العقل المقدس المنور فليس شيء من الحق يخالفه ولذلك اتفقوا أن لا يعتقدوا ظواهر النصوص إلا بعد إثبات الإمكان وهذا هو العذر لعامة المذاهب كما قال العارف:
جنك بفتان ودو ملت بمه راعزرينهم
جول نديد ند حصيفت ره إفسانه زوند
نكتة: في نفس التطبيق مدارج أرجحها أن يثبت بالبرهان ما يتشبث حكايات أهل المذاهب بحواشيه ودونه أن يثبت الحق في واحد ويبين أعذار القاصرين والمنحرفين عنه بقرائنها ثم أن يبدأ احتمال صحيح يتطابق به المذاهب ويكون رجحانه بنفس هذا الانطباق لا ببرهان آخر ثم أن نبدأ احتمالات للتطبيق فيقع الجزم بالقدر المشترك بينها أن: النزاع ليس حتما ثم أن يطبق عمدة الباب ويلغي التفريعات الغريبة عن الاعتبار.
стр. 247
نكتة: بالغ في مختصر الأصول١ صاحبه في ضوابط الجرح والترجيح ووضع كل الأول وجل الثاني في القياس الفقهي ولا يهمنا الإطالة فيه ونظر في ترجيح عامة النقليات وهو يقارب مقصدنا فالتقطت ما استحسنت منها بشريطة الإيجاز لمزيد النفع وأحلت الباقي على المراجعة إليه وأستطرد ترجيح الحدود بالوضوح والتعارف والذاتية على غيرها وبقرب الاصطلاح من اللغة أو ١ / ٤٢٢ الشرع وبرجحان طريق كسبه ونحو ذلك واختلفوا في العموم والخصوص لكثرة النفع وحصول الاتفاق وتعرض لتركب الترجيحات مثنى وثلاث وما زاد وترك تعارضها وهو أهم لكثرة الوقوع والحاجة وتعرض لبعضها صاحب التنقيح٢.
نكتة: يرجح المقنولان بالسند والمتن والخارج.
فمن الأول٣: فرط الوثاقة وهو في الحفظ فمن وافق المكتوب بلا اعتماد عليه فهو أحسن وفي الفهم ومنه المهارة في اللغة وغوص الفكر وتنبه القرائن وعدم التلقن وفي الورع والصدق وفي التلقي عن السماع والقرب وتوجه القلب والمباشرة ومنه الاتصال فالمسند على المرسل والمرسل من لا يروي إلا عن عدل على غيره وقلة الوسائط وصراحة الرفع والسماع على مجرد اللقاء ومنه العدد فالمتواتر على المشهور وهو على الآحاد وكثرة الرواة على قلتها.
ومن الثاني٤: الترتيب بين المحكم والمفسر إلى الآخر والعبارة على الإشارة إلى الآخر والمحرم على المبيح والإثبات على النفي والمجاز على الاشتراك والتأسيس على التأكيد والمفيد على الحشو والإطلاق على التقييد والعموم على التخصيص والإبقاء على النسخ والمفصل على المجمل ومعلوم التاريخ على غيره والإجماع الصريح على السكوتي ونحوها.
ومن الثالث٥: التوابع والشواهد ومعاضدة دليل آخر وتفسير راو فاهم للقرائن عارف للمقاصد وموافقة عمل الراوي وكثرة المزكين وجودتهم وصيغها ونحو ذلك.
نكتة: يقدم القياس على مثله بالأصل لكونه قطعيا أو أقوى ظنا ثابت٦ الحكم متفقا عليه وبالعلة لذلك ولكونه ثبوتية٧ حقيقية ظاهرة المناسبة والتأثير منضبطة مطردة منعكسة ضرورية لا تحسينية أو تكميلية فقط وعامة للمكلفين وبالفرع للمشاركة في عين الحكم والعلة مع الأصل وبقطعية وجود العلة فيه وشمولها له ولزومها له وعلى المنقول إن كان أضعف منه لضعف السند أو بعد المعنى ونحوه وبعض هذه الوجوه مختلف فيها والله أعلم بالصواب.
стр. 248
فصل: في أمثلة التطبيق توضيحا للواهم وتمرينا للفاهم
نكتة في إثبات الجزء ونفيه: عرفوه: بأنه جوهر ذو وضع لا يقبل القسمة خطأ ولا وهما ولا عقلا واتفقوا على انتهاء الأوليين عند غاية الصغر واختلفوا في الثالثة فالحكماء حيث جعلوا العقل ظرفا واقعيا كان وجوب مطابقة تجزئة الصغير والكبير في المحاذيات والسريع والبطيء في الحركات قسمة واقعية لا تقف عند حد والمتكلمون لما أنكروه كان معنى القسمة العقلية عندهم: أن يحكم العقل بوقوعها في الخارج حيث ذكروا في الاستدلال عليه أن الله - تعالى - قادر على جميع الممكنات والتقسيمات حيث لم يشترط منها لاحق بسابق ممكنة معا فإذا أوجد الله - تعالى - كل قسمة ممكنة فأما تلك القسمة إن انقسمت لزم الخلف وإلا لزم الجزء والحكماء لم يدعوا مكان وقوع جميعها في الخارج بلا نهاية وإنما أثبتوا حكما إجماليا بتمايز الطراف فالمتكلمون اعترفوا بقيام ست مماسات به فما منعوا تمايز الأطراف والفرق بينه وبين الأجسام الديمقراطيسية أن المانع في الجزء الصغر فقط وفيها ذلك مع الصلاة فلا نزاع في محل واحد والمتكلمون بعد إمكان الجزء لم يثبتوا ابتداء تركب الأجسام منها والقول بإمكانه لا يستلزمه كما ذهب إليه: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني١ ولكن قالوا به قصرا للمسافة فإن نظرهم لتصحيح أصول الشرائع فقط.
والحكماء حيث أرادوا تحقيق الحقائق مهدوا الكلام على إمعانات فخاصم المشائية الديمقراطيس في إبطال مذهبه ثم أفلاطون في إثبات الهيولى ثم فرعوا عليها تفريعات مقدوحة عند المتكلمين مخالفة على حسب تقريرهم لأصول الشرائع فطرح المتكلمون مؤنتها فهذا منهم كقول بطليموس: لا نثبت في الفلكيات فصلا ولم يثبت بالبرهان أن الصانع - جل مجده - هل صنع فيها ما يزيد على ضرورة ضبط الحركات أم لا ببرهان؟ فافهم.
نكتة: اختلفوا في المكان سطح أو بعد واتفقوا على أنه الأمر الذي يشار بحسبه من هذه وهناك فإذا أشير إلى مكان ثم إلى آخر كان بينهما بعد قطعا فتنبهت له الإشراقية ونبهوا على وجوده أن في القلة فضاء يتوارده الأجسام مطابقة له بأحجامها.
قالت المشائية: هو أمر موهوم وما ذلك البعد إلا للأجسام فيتوهم المتواردة المتساوية متحدا باقيا فاعترفوا أن من هذه بعدا موهوما يتوارده المتحيزات وتنفذ فيه أبعادها وهميا وهو مذهب المتكلمين وهذا الوهم سواء أسند إلى الظرف أو المظروف فإن مداره هو الظرف إذ به تعرف مساواة المظروفات المتعاقبة.
стр. 249
والمتكلمون: لا ينكرون هواء سطح جسم بجسم ففي غير ما فرض محددا يتلازمان فلم يبق نزاع إلا أن الأحق بالتسمية هذا١ أو ذاك والظرفية العرفية شاملة لهما وقبل حصول الجسم فيه كلاهما متوهم وبعده البعد موهوم٢ والسطح موجود فرجحوه به وقولهم: الحيز ما به تتمايز الأجسام في الإشارة وضعا كان أو مكانا ففيه أنه لا يقال٣: الجسم في الوضع كما يقال: هو في الحيز والإشارة بهنا وهناك إلى المكان دون الوضع فإن الوضع وإن اتبعه فلا بد فيه من ملاحظة الأمر المباين ولا يحتاج إلى مباين في هنا وهناك.
وفهم الإشراقية: أنه كما أن مدار التقدم والتأخر بالذات هو الزمان ومدار الصغر والكبر المقدار ومدار القلة والكثرة العدد كذلك يجب أن يكون مدار ما يشار إليه بهنا وهناك بالذات ما يمتنع الحركة عليه وعلى أجزائه المفروضة لذاته فإن المكان يتحدد قبل النقلة فيمتنع عليه التخلخل والتكاثف والفصل ووقوع الحدود بالفعل وكل أمر زائد على نفس البعد والمقدارية ولو كان سطحا كان قابلا لها التبعية محله وإن لم يكن ذلك لما يشار إليه في ثخن الجسم نقلة من هنا إلى هناك سواء كان وجوده بالفعل أو بالقوة القريبة منه ولزم أن يكون تصور انتقاله محوجا إلى تصور أمور خارجة عنه فلو فرض تحرك العالم كله بحركة واحدة وضعا لم يثبت للأجزاء حركة انتقالية أصلا لانحفاظ الأوضاع.
والإشراقية: لما اعتادوا مطالعة لطائف الأنوار والأمور المثالية هان عليهم تصوره.
وخفي على المشائية: فتوجهوا إلى إبطاله تارة بأن الأبعاد متماثلة يصح على كل منها ما يصح على الآخر فإذا احتاج البعد لذاته في الأجسام إلى مادة احتاج إليها جميع الأبعاد فصارت أجساما وقد عرفت٤ انتفاء المماثلة من بيان أحكامه وتارة بأن استحالة التداخل للبعدية٥ فلو كان بعدا مجردا امتنع انتقال الجسم فيه من حيز إلى حيز آخر ومن البين أن التداخل في الجواهر الفردة عندهم ممتنع فالتحيز على الاستقلال علة قطعا فإن فرض في المقادير ما يؤدي إليه كان ممتنعا بتلك العلة فلا حاجة إلى علة أخرى ولا نجد تداخلا ممتنعا لا يؤدي إليه حتى يثبت علة ثانية مع أن المذكور في تعريف التداخل بالاتفاق هو دخول متحيزين حيزا واحدا ولم يقل أحد بأن دخول متحيز في حيز ثان منه والصوفية: شاهدوا في كل موطن من الغيب والشهادة زمانا ومكانا غير ما في موطن آخر فضله عين القضاة في رسالته الزمانية والمكانية وسكت عنه إذ الغرض مجرد التمثيل لا القصد إلى تحقق أمره.
فالمتكلمون: يلازمون المشائية في أول الأمر ويرجعون إلى الإشراقية في آخر الأمر ويسمونه موهوما لضابطة تستفاد من كلامهم وهي أنهم عرفوه بفراغ موهوم يشغله شاغل ففسره أتباعهم بأنه لا شيء محض وينافيه قولهم: لو كان الواجب متحيزا لزم إما قدم الحيز أو كونه تعالى محلا للحوادث
стр. 250
وقولهم بوجود الوضع وهو الكون في الحيز الذي قسموه إلى اتصال وانفصال وحركة وسكون إذ لا معنى لوجود الكون في اللاشيء المحض فلا يكون تسمية١ المكان المشار إليه والزمان المؤرخ المقسوم والمقدار الممسوح والعدد المضروب والمقسوم موهوما٢ كتسمية غلاف حلس على قرص الشمس وقيل في الكوز موهوما٣ بل يفهم من موارد استعمالاتهم وإن لم يتفوهوا به أن الأعيان والمعاني المحسوسة للعامة أو الخاصة وما يتوقف هي عليه موجودة عندهم وغيرها مما يلحقها كهذه الأمور والحقوق والعقود والأحكام الخمسة عندهم موهومة ولها في الخارج آثار وليست من قبيل الموجودات الذهنية التي أنكروا وجودها لمشاركة الممتنعات فيه فمذهبهم إذا يقرب من الإشراقية وليحفظ هذا المعنى فإنه نافع في هذا الباب٤ جدا.
نكتة في الزمان: اتفقوا على أن الزمان هو الأمر المقسوم إلى الأيام والشهور والأعوام وهو غير ظلمة الليل وضوء النهار اللذين هما مدركان بالبصر وغير الشمس والقمر الدائر عليهما أمر الأيام والشهور والسنين وهو أمر غير قار.
فقالت الحكماء أولا: إنه الأمر الذي به التقدم والتأخر اللذان لا يجامع فيهما القبل والبعد بالذات ثم ازدادوا فكرا فقالوا: هو كم متصل غير قار ثم أمعنوا فقالوا: هو مقدار الحركة ثم أمعنوا فقالوا: هو مقدار حركة وضعية سرمدية للفلك المحيط بالكل أسرع من جميع الحركات.
والمتكلمون قالوا: هو تقدير متجدد موهوم بمتجدد معلوم ولم يريدوا بالتقدير فعلنا فإن الزمان ليس من فعلنا ولا نفس الأمور المتجددة فإنها تكون جواهر أو أعراضا قارة وليس شيء منها زمانا بل أرادوا أمرا موهوما بحسبه يتقدر متجدد بمتجدد وهو عند الحكماء كذلك فإن أهل العقول المتوسطة من الحكماء والمتكلمين توافقوا على: أن الحركة القطعية التي ينطبق عليها الزمان أمر مرتسم في الخيال من الحركة التوسطية وأن اتصال المعدوم بالمعدوم محال وأيضا اتفقوا على أن الحركة: هي المتجددة المنصرمة لذاتها فكأنهم قالوا: هو أمر بحسبه وبالنظر إليه يتقدر توالي أكوان الحركة سابقية ولاحقية٥ والمتكلمون: لم يوافقوهم في إمعاناتهم لمعان وتفريعات غير مسلمة عندهم والاكتفاء بعنوان واحد من بين وجوه متعددة لا ينبغي أن يعد نزاعا حقيقيا.
والإشراقية وافقت محققي المشائية في وجوده الدهري وأنه متصل الذات مقدار الحركة ولكنهم - كما زعموا - البعد القار الجسماني مقدارا جوهريا زعموا البعد غير القار أيضا مقدارا جوهريا حيث لم يجدوه طبيعة ناعتية الذات ولا وجدوا فيه معنى الحلول فلا يقال: الزمان في الحركة كما يقال السرعة في الحركة واللون والبعد والحركة في الجسم ولا وجدوا لخصوص الحركة الوضعية في تقويمه مدخلاً
стр. 251
لافتقار الحركة النفسانية الكيفية المتقدمة بالذات على الوضعية إليه ولا وجدوه يتعدد بتعدد الحركات مع تقدرهما جميعا به وامتناع تقدر الشيء بالذات بما يقوم بغيره ووجوده أبعد في قبول العدم من محله وحامل محله ومقوم حالمه لاستلزامه الوجود على تقدير العدم بنفسه دونها مع أن وجود العرض في نفسه هو وجوده لمحله فينعدم بعدمه حتى إن الوجود إذا قام بشيء انعدم بعدمه وهو أشد معاندة للعدم منه.
والمشائية: لما سلكت في إثباته تقدر الحركات به وما كان المقدار عندهم إلا كما جزموا بعرضيته حملوا قرائن الجوهرية على استبعادات عرفية ووهمية ثم بالغوا في أن أية حركة مقومة له.
والمتأخرون من محققي الكلام: لما أذعنوا لحدوث العالم بأسره جعلوا الزمان قسمين: موجودا: هو معيار التجددات والحركات وموهوما: لاعتياد المدارك به جعلوه مناط القدم الزماني للواجب وظرفا لعدم الزمان إذ ليس العدم شيئا محققا متجددا حتى يحتاج إلى زمان موجود قاسوه على البعد القار المتحقق من المركز إلى المحدد والمتوهم منه إلى مالا يتناهى وهما فهؤلاء قد سلكوا شيئا من مسالك التطبيق فافهم هذا واعلم أن التطبيق بين كلامي هؤلاء الماهرين في التحريرات والتمييزات عسير بالنسبة إلى غيرهم - والله أعلم.
نكتة: اختلفوا في سنية رفع اليدين في الصلاة بعد التحريمة مع اتفاقهم على أنه لم يصح فيه أمر باستحباب ولا بيان فضيلة ولا نهى الصحابة عنه قط وعلى أنه ثبت عنه ﷺ فعله مدة إلا أنه زاد ابن مسعود ﵁ فقال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فلم يرفع يديه إلا في أول مرة وظاهر أنه لم يرد تركه أبدا وإنما أراد تركه أخرا كما يشعر به بعض ما ينقل عنه: أن آخر الأمرين ترك الرفع ولا يدري مدة الترك فيحتمل أنه تركه في أيام المرض للضعف فظن قوم: أن سنيته كانت بمجرد الفعل فبطلت بالترك وقوم: أن الترك بعذر وبغير نهي لا ينفي السنية كترك القيام الفرض بالعذر فهي إذا باقية فلا مناقشة للمجتهدين في أصل سنيته في الجملة ولا في بقاء جوازه وإن منعه بعض المتعصبة إذ ليس مما يخالف أفعال الصلاة لبقائه في التحريمة والقنوت والعيدين فلا نكير على فاعله لأحد بل في بقاء سنيته بناء على الظن فلا نزاع إلا في المواظبة١ والرجحان وحيث واظب عليه جمع بلغوا حد الاستفاضة فوق الشهرة ولم يتعرض ﷺ لفعلهم كما تعرض لرفع اليد في السلام حيث قال: "ما بال أيديكم كأنها أذناب خيل شُمُس". وهو ﷺ كان يرى خلفه كما يرى أمامه فثبت بقاء سنيته وتركه ﷺ أحيانا كما رواه ابن مسعود ﵁ والبراء بن عازب ﵁ وعدم التعرض لتاركه يقضي بسقوط تأكيده ولم يبلغ أبا حنيفة ﵀ خبر هذا الجمع إنما روى له الأوزاعي عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر ﵄ فرجح عليه أبو حنيفة حمادا عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود بكثرة الفقه لا بكثرة الحفظ فكأنه ظن أنه تفطن ابن مسعود للنسخ دون ابن عمر حيث لم يرفع إلا في التحريمة بناء على أن السكوت في معرض البيان يفيد الحصر وما يذكر عن الشافعي ﵀ من عدم الرفع عند قبره مشعر بعدم التأكيد٢.
стр. 252
نكتة: اختلفوا في نسك النبي ﷺ أنه كان مفردا للحج أو قارنا أو متمتعا سائق الهدي ووجه التطبيق: أن النبي ﷺ حين جمع الناس وخرج من المدينة المنورة إلى مكة المعظمة كان لا ينوي إلا الحج فلما بات بذي الحليفة في العقيق أمر بالقران فقال: لبيك بحجة وعمرة فلما دخل مكة وتذكر جهالة العرب أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وعرف أنه في آخر عمرة ولا يعيش إلى قابل أراد رد هذا الوهم بأبلغ وجه فأمر الناس بفسخ إحرام الحج وجعله عمرة وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وأحللت مع الناس كما حلوا" فكان مفردا بحسب ابتداء النية والشهرة وقارنا بحسب تلبيته من العقيق حيث أمر ﷺ في هذا الوادي المبارك: وقل عمرة في حجة وكان متمتعا سائق الهدي بحسب الهم والرغبة ولم ينقل تجديد الإحرام للحج يوم التروية نعم عرف تجديد التلبية عند إنشاء السفر إلى عرفة من منى فكان قارنا حقيقة مفردا في أول العمر متمتعا في آخره.
نكتة: ورد في الحديث: لا عدوى وورد في آخر: فر من المجذوم كما تفر من الأسد
واختلفوا في وجه التطبيق فقيل: لا عدوى سببا مستقلا وفر من المجذوم لأنه من الأسباب العادية لإيجاد الله - تعالى - المرض عقيب مخالطته كسائر إضاعة الاحتماءات وارتكاب خلاف المزاج وإنما نفى عنها دون سائرها لأنه لم يتبين وجه تأثيره ظن روحانيا قاهرا بل مستقلا وقيل: لا عدوى في نفس الأمر وفر من المجذوم تحرزا عن مواضع التهم والتوهم وقيل: "لا عدوى" في حكم الشرع فلا يلزم على المعدي ضمان جنايته ولا الانتقام منه و "فر من المجذوم" صونا لجسدك من العلة الخبيثة العسيرة البرء.
نكتة: طائفة من الصوفية قالوا: بوحدة الوجود بمعنى: أن ليس في الخارج إلا ذات الحق وحده وكل ما يسمى غير أو سوى فهو من تطورات ظهوره وتقييدات شؤونه.
وطائفة قالوا: لا نسبة بين الحق والخلق إلا نسبة الإيجاد فلا عينية ولا وحدة أصلا بينهما ممن الموحدة من قال: إن ذلك في المعاينة والوجدان دون الواقع فلا مخاصمة معه لإمكان اجتماع هذه العينية الوجدانية مع الغيرية المحضة الواقعية كاختفاء الكواكب عن البصر عند طلوع الشمس واشتداد النهار أو كرؤية الحمرة على العالم عند وضع زجاجة حمراء على العين ومن اعتقد أنه في الواقع كذلك فالتطبيق على معتقده أن في العالم نظرين:
نظرا: إلى جهة امتياز الحقائق وما هي إلا جهة عدمية وأنى للعدم أن يتحد بلاوجود فبالغ في امتياز الحقائق وسقوطها في ظل الأوهام ونزاهة وجه الحق عن غبار الأكوان والأفهام وقال: هو وراء الوراء ثم وثم فحكم بانقطاع النسبة سوى ظلية الصفات وإيجاد مرايا الذوات فيطابق حينئذ مسلك الشهودية ولا يدعي أحد اتحاد الممكنات بمرتبة الأحدية المجردة وصرافة الذات.
والنظر الثاني: في العالم من حيث اكتنافه بقيومية الحق ووجوده بسريان فيضه من حيث إنه أقرب إليهم من حبل الوريد وهي بالنسبة إلى الحق كالصور المترائية في مرآته أو أمواج وأشكال متوهمة في شموله واتساعه فلم يثبت للعالم عينا غير عين الحق وقال: هو عين كل شيء في الظهور ما هو عين الأشياء في ذواتها بل هو هو والأشياء أشياء فالشهودي لا ينكر أن وجود العالم بقيومية الحق قيومية موجودة لموهوم لا يقاس بها قيومية النفس للبدن والجوهر للعرض بل أشد من ذلك وأقوى من غير مداخلة وممازجة وانحصار فيعبر عن ذلك بالإيجاد والخلق لا كخلق الباني للبناء أو اقتضاء الصور النوعية
стр. 253
للأعراض وأما التعبير ب: هو هو أو هو ليس هو فهو لا يغير ربطا واقعيا إنما هو طرق التعبير للمعنى الدقيق أليس بين الثلاثة والفرد ربط واحد مصحح أن يقال تارة: الثلاثة فرد وتارة: الثلاثة مفهوم والفردية عارضة لها. وقد بينا في دفع الباطل هذا المعنى بما لا مزيد عليه فمن اشتاق فليرجع إليه وأما بعض الشهودية الذين قالوا: إن العالم وجود خارجي حقيق مستقل غير الواجب من آثار صنعه وبعض الوجودية الذين قالوا: ليس الواجب غير هذا الهيكل المخصوص المسمى: بالعالم فهو من كثرة أجزائه عالم ومن حيث وحدة اجتماعه حق فهما على طرفي مضادة يجمعهما هذا السر المذكور من قبل ويفرق بينهما قصور نظر كل من الفريقين.
نكتة: أساس النزاع بين الفريقين على ما حصله إمام الشهودية١ هو: عينية الظل أو غيريته للأصل بالحقيقة والانطباق أن يتأمل أن ظل العلم علم لا غيره وكذا سائر الصفات وهو بنفسه مصرح أيضا بأن قاعدة العقلاء أن ماهية الشيء ما به الشيء هو هو غير مسلم في الماهية الظلية بل الظل هو بأصله لا بنفسه فأصله أقرب إليه من نفسه فحينئذ لم يبق بينه وبين قول الوجودية: الظل: ظهور الشيء في المرتبة الثانية وما بعدها فرق يعتد به إلا بالتعبير فإن كلا منهما عند الشهودية أخذ بشرط المرتبة مع الحقيقة فتباينا وعند الوجودية لا بشرطها فاتحدا ومنشأ ذلك: مزيد اعتناء واحد بجهة الامتياز وآخر بجهة الاشتراك والغفلة عن الأخرى فثبتت العينية من وجه والغيرية وجه.
نكتة: اتفق العلماء والصوفية الشهودية على: أن النبوة أفضل الولاية ولذا كان النبي معصوما عن المعاصي مأمون الخاتمة علمه قطعي وقبوله واجب وإنكاره كفر دون الولي وقال : ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ . ولم يذكر معهم الأولياء.
وقالت الوجودية: الولاية أفضل من النبوة ولما كان التفوه به ثقيلا منكرا فسر بأن المراد: جهتا شخص واحد من الأنبياء والولاية توجهه إلى الحق بالتمام والنبوة توجهه إلى الخلق بالأمر بلا واسطة وجهة الحق أشرف من جهة الخلق فاختلس منه أن النبوة أفضل والولاية أشرف.
وخاصمهم الشهودية: بأن النبوة ليست نفس التبليغ والتربية بل هي قبول الوحي منه - سبحانه - لأمر التبليغ فهي جهة الحق دون الخلق وبأن النبوة غاية الولاية وانتهاء كمالها فهي أفضل منها وبأن التوجه إلى الخلق بنيابة الحق وجارحيته بجعل نفسه في ضمن الحق وجهته بخلاف التوجه إلى الحق فإنه بجعله خارج الحق في مسامتته وتفطن الشيخ المجدد ﵀: أن غرضهم: أنه بمعرفة التوحيد الوجودي يحصل من زوال الإثنينية وتمام الفناء وكمال الوصل كما هو عند الأولياء مالا يحصل في أحكام جهة العابدية والمعبودية بحفظ الأدب وكمال الإطاعة كما هو دعوة الأنبياء ﵈ وطريقتهم المتوارثة عند العلماء فأزاحه بأن طريقة الولاية وكمالاتها ظلية وهما للنبوة أصلية وشرحه على ما فهمت أن طريقة النبوة في البداية والنهاية تفضل طريقة الولاية فيهما وتوجه الأنبياء إلى الهوية الخارجية بلا توسطة برزخ ومرآة من الأنفس والآفاق وانتهاؤهم إلى التجليات الوجودية إلى حصول ربط القبول والنيابة والحماية
стр. 254
على يد من بأيديه نظام القضاء والقدر فيرتب عليهم آثاره في الخارج وتوجه الأولياء إليه - سبحانه - بتوسط البرازخ ومرايا الأنفس والآفاق فمن جاوز هذا منهم فقد دخل في وارثة النبوة بالعرض وانتهاؤهم بالبقاء الوجداني بالحق ولا يترتب عليهم آثار الأولهية والوجوب مطلقا إلا في إدراكهم ووجدانهم وإلى القيام بمال المتابعة للأنبياء بحسب مراتبها السبع وإن اشتركوا في نيل تجلياته - تعالى - في المرايا الإدراكية والتلقي منه - سبحانه - بلا واسطة فالحق: أن فضل الولاية: بطول البقاء وسعة الدائرة ودخل السعي والاكتساب فيها وفضل النبوة: بحصول نوع من الاستقلال ومزيد الاختصاص والجاه واستحكام الرابطة معه وأن الولي إذا خاض في أنانيته دخل في مراتب الإطلاق وداخل في حقائق الأشياء وانكشف عليه شأن من الذات ربما يخفى على النبي والنبي يجب تعرفه لواسطة الإلقاء والجمع بين رؤيته وكلامه وليس ذلك للولي ولكن الحق الصريح: أن التابع دون المتبوع.
....................................... ... وللناس فيما يعشقون مذاهب
ومما يوجب الاشتباه: أن الآخر حصولا يغير عند صاحبه ثم إن هذا في محض النبوة والولاية الخاصة فمن فاز مع ذلك بنوع آخر من الكمال أو بالجمع بين صنوف من الكمال ينبغي أن ينظر في فضله وفضل اجتماعها فيه ولا يقتصر على ما ذكر.
نكتة: ادعى الحكماء امتناع الخرق والالتئام على الأفلاك وخالفهم أرباب الشرائع في ذلك والحق: أن الحكماء لم يأتوا فيه ببرهان فالأدلة المذكورة فيه على تقدير تمامها إنما تدل على امتناعهما في تحدد الأمكنة والأزمنة ولا دخل لباقي الأفلاك في ذلك وإنما حكموا بذلك لدخولها في اسم الفلك ولموافقتها له في الحركة الدورية مظنونا فيها الدوام ولم يعلموا أن دوام ميل نفساني مستدير للكل لا ينافي ميلا مستقيما لأجزائه سيما للمنفصلة منها
وقد صرح الصدر الشيرازي١: بأن هذا الحكم منهم بنوع من الحدس وما هذا الحدس إلا من قبيل تبادر الذهن لا من مقدمات البرهان وأهل الشرع جزموا بحدوث الأفلاك من مواد تشارك العناصر في أصلها.
نكتة: ذكر الحكماء لكائنات الجو أسبابا من تغيرات الهواء والماء بالاستحالات والانقلابات والاختلاطات وأرجعه أصحاب الشرائع إلى ملائكة يتصرفون بأمر الله فتبين المنافاة بينهما ولا تنافي فإن للأشياء أسباب أربعة والحكماء اعتنوا بالمادية وأصحاب الشرائع بالفاعلية كيف؟ والحكماء لا يستغنون عن أسباب سماوية غيبية يسميها عامتهم: بالأوضاع المخصوصة وخواصهم: بالقوى الروحانية وإنما يتصرف الفاعل بجمع المواد وإصلاحها كما نرى في أفاعيلنا فلا ينبغي الإنكار كيف؟ ويعرف من التوراة: أن البخار يرتفع من وجه الأرض فيسقي نواحيها ولما ثبت نزول هذه القوى من السماء صح أن الماء ينزل من السماء وجاز أن يراد من السماء طبقة الزمهرير والبرد العاقد فيها هو جبال البرد يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء.
نكتة: أهل الشرائع: يفهمون من مثل قوله تعالى: ﴿الْأَرْضَ فِرَاشاً﴾ و ﴿دَحَاهَا﴾ و ﴿سُطِحَتْ﴾ أنها سطح
стр. 255
مستو والحكماء يثبتون كرويتها بالأدلة الصحيحة فيتوهم الخلاف ويدفع بأن القدر المحسوس منها في كل بقعة سطح مستو فإن الدائرة كلما عظمت قل انحداب أجزائها فاستواؤها: باعتبار محسوسية أجزائها وكرويتها: باعتبار معقولية جملتها.
نكتة: ورد في الحديث: أن الشمس إذا غربت تذهب حتى تسجد تحت العرش. وأثبت الحكماء: أنها لا تنفك عن موضعها من الفلك إذا هي تحت الأرض فإن فهم العرش محيطا فهي دائما تحت العرش وإن فهم إلى الفوق فقط فهي لم تذهب إليه وحل الخلاف أن الحكماء أثبتوا اختلاف أحوالها بالنسبة إلى السفليات في الأوتاد الأربعة١ فأصحاب النفوس المطهرة والقلوب المنورة ينطبع في بواطنهم حال القاعد عند الطلوع وحال القائم عند الاستواء وحال الراكع عند الغروب وحال الساجد عند غاية الانحطاط وهي في جميع ذلك تحت العرش لأنه فوقها دائما ومحيط بها.
نكتة: ورد في المصحف المجيد: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾
وفي الحديث الشريف: "كانت الأرض خلقت تميد على الماء فأمسكتها الملائكة فما سكنت فخلق الله - سبحانه - الجبال فسكنت بها" وأثبت الحكماء: أن انجذاب الأثقال إلى مركز العالم الذي هو مركز الأرض والماء فالماء فوق الأرض معتمد من كل جهة عليها على سمت مركزها فكيف تميد عليها؟ والجبال في الأرض فإن مالت مالت معها وكيف تمنعها عن الحركة؟ والمطابقة أن من المحسوس المتيقن عند أهل الهند أن البئر إذا حفرت تصل إلى الثرى فيرشح فيها الماء من الجوانب كالعرق من المسام بطيئا أو سريعا فإذا أمعن فيه٢ انتهى إلى طبقة صلبة لا يداخلها الماء أصلا ثم إذا بولغ فيه بكسرها نبع الماء العذب القراح بقوة وشدة كأنه كان منضغطا فارتفع فإن أخرج منه آلاف ذنوب لا ينتقص ولم يجدوا لهذا الماء إلى أربعمائة أو خمسمائة ذراع نهاية والله يعلم كم يوجد الماء وراءها؟ ولا شك أن تحتها طبقة أرضية أخرى فكأن تميد الأرض بهذا الماء لا بالماء المنبسط فوقها ونصب أصول الجبال في الطبقة الثانية من الأرض لا في هذه الأرض فقط فافهم.
نكتة: وقع في الكلام المجيد: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: مثل السموات السبع.
وجاء في الحديث: أنها طبقات متفاصلة ودلائل الهيئة دلت على أن الأرض قطرها: ألفان وخمسمائة وخمسة وأربعون فرسخا وهذا لا يسع سبع أرضين في جوفه قريب من هذه الأرض فما ظنك إذا كانت السافلة أعظم من العالية - كما يروى -؟ ولا يوجد أرض أخرى بين السماء والأرض وهذا وإن لم يخالف الآية قطعا لإفراد الأرض وإدخال من التبعيضية فيفهم أن تلك السبع قطع أرض واحدة وهي كذلك فإن المعمور منها سبع بلاد مختلفة بالأديان والرسوم والطبائع والنباتات وبعض الحيوانات أحدها: للسودان من: البربر والزنج والحبشة وأخرى: للبيض من: الإفرنج والطنجة والسقالبة ثم للعرب ثم للفارس ثم للهند ثم للترك ثم للصين أو يتصرف في الأرض أن المراد علام العناصر وهو سبع طبقات وأما
стр. 256
الحمل على الأقاليم فبعيد ولكنه يخالف الحديث الصريح ويدفع هذا الخلاف بأن ستة أرضين في طبقات عالم المثال كأنها ستة تماثيل لهذه الأرض والعامة وأصحاب الشرائع: لا يفرقون بين أجسام الشهادية والمثالية إلا بالصفات: كالطاقة والكثافة والنورانية والظلمانية ويؤيده ما روي عن ابن عباس-﵄: أن فيها ابن عباس كابن عباسكم وقد يظن: أن تلك الأرضين هي المنتقثة المنطبعة منها في النفوس الفلكية وفيه: إنها إذ اتسع فالأرضون عشر إلا أن يتكلف أنه كما ليس للأرض قدر محسوس بالنسبة إلى الأفلاك العلى ليس لها صورة فيما فوق الفلك المشتري ولا يخفى بعده. هذا آخر ما نقلته من كتاب التكميل.
وأما أثر ابن عباس الذي أشار إليه فهو من رواية الحاكم في المستدرك عن طريق شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى وهذه الألفاظ١: فيها تقديم وتأخير في بعض الطرق
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد قال البدر الشبلي في آكام المرجان في أحكام الجان: قال شيخنا الذهبي: إسناده حسن ورواه الحاكم أيضا عن طريق عمرو بن مرة عن أبي الضحى بلفظ: في كل أرض نحو إبراهيم وقال: هذا حديث على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي في كونه على شرطهما وزاد رجاله: أئمة حكاه تلميذ بدر الدين الحنفي في الآكام ورواه أيضا البيهقي في شعب الإيمان وكتاب الأسماء والصفاتله وقال: إسناده صحيح ولكن شاذ بمرة ولا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا قال السيوطي في الحاوي: وهذا الكلام من البيهقي في غاية الحسن فإنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما تقرر في علوم الحديث لاحتمال أن يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ وعلة تمنع صحته وإذا تبين ضعف الحديث أغنى ذلك عن التأويل لأن مثل هذا المقام لا تقبل فيه الأحاديث الضعيفة ويمكن أن يؤول على أن المراد بهم: النذر الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر ولا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي بلغ عنه - والله أعلم -. انتهى
ورواه ابن جرير٢ في تفسيره من طريق عمرو بن مرة عن أبي الضحى بلفظ: في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض قال العسقلاني والقسطلاني: هكذا أخرجه مختصرا وإسناده صحيح. انتهى.
وذكره السيوطي في الدر المنثور وعزاه لابن أبي حاتم وقال في التدريب في الكلام على الطريق الأولى: ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم حتى رأيت البيهقي قال: ... الخ.
قال القسطلاني: ففيه: أنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما هو معروف عند أهل هذا الشأن فقد يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو علة تقدح في صحته ومثل هذا لا يثبت بالحديث الضعيف ونحوه في روح البيان ومثله في سيرة الحلبي قال في البداية: وهذا محمول إن صح نقله
стр. 257
على أن ابن عباس أخذه من الإسرائيليات قال السخاوي في المقاصد الحسنة: أي أقاويل بني إسرائيل مما ذكر في التوراة أو أخذ من علمائهم ومشائخهم كما في شرح النخبة وذلك إذا لم يخبر به معصوم ويصح سنده إليه فهو مردود على قائله. انتهى.
ونقل في الكمالين حاشية الجلالين عن ابن كثير تلميذ شيخ الإسلام: ابن تيمية ﵀ مثل ما تقدم من البداية ولفظ علي القارئ في موضوعه المختصر المسمى: بالمصنوع نقلا عن الحافظ ابن كثير: ذلك وأمثاله إذا لم يصح سنده إلى معصوم فهو مردود على قائله. انتهى.
وقال الحلبي في إنسان العيون بعدما نقل قول البيهقي: ولا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن فقد يكون فيه مع صحة إسناده ما يمنع صحته فهو ضعيف. انتهى.
ومثله في تفسير القاضي: ثناء الله المسمى بالمظهري كما قيل وضعفه الزرقاني أيضا
وفي تفسير البحر المحيط١: ولا شك في وضعه وذكره الشوكاني في تفسيره: فتح القدير ولم يزد على قول البيهقي: وفي إسناده عطاء بن السائب وهو من المختلطين كما صرح به النووي في مقدمة شرحه لمسلم.
وقال الحافظ في التقريب: صدوق.
وفي هدى الساري مقدمة فتح الباري: اختلط فضعفوه بسبب ذلك.
وقال يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه وما روى عنه البخاري إلا متابعا في مقام واحد مع أبي بشر ولم يخرج عنه مسلم.
وقال الحاكم في: باب الكسوف من المستدرك: لم يخرجاه بسبب عطاء بن السائب. انتهى.
والعجب من الحاكم كيف حكم بصحته؟ مع علمه بأن الشيخين لم يخرجا حديث عطاء وهذا الأثر من روايته فما أحقه بالتضعيف وقال المنذري في كتاب الترغيب: عطاء بن السائب الثقفي قال أحمد: ثقة ورجل صالح من سمع منه قديما كان صحيحا ومن سمع منه حديثا لم يكن بشيء ورواية شعبة والثوري وحماد بن زيد عنه جيدة زاد في التهذيب: ممن سمع منه قديما قبل أن يتغير: شعبة وشريك وحماد لكن قال يحيى بن معين: جميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان فثبت أن شريكا سمع منه في حالة الاختلاط والتغير دون قبل ذلك وهذا الأثر الضعيف من رواية شريك عن عطاء.
قال القسطلاني: وعلى تقدير ثبوته يحتمل أن يكون المعنى: ثم من يقتدي به ويسمى بهذه الأسماء وهم رسل الرسل الذين يبلغون الجن عن أنبياء الله ويسمى كل منهم باسم النبي الذي يبلغ عنه. انتهى.
زاد السيوطي ﵀: وحينئذ كان لنبينا ﷺ من الجن اسمه كاسمه ولعل المراد اسمه المشهور وهو: محمد ﷺ فليتأمل ومثله في تفسير روح البيان ونحوه في إنسان العيون نقلا عن
стр. 258
السيوطي وحمله ابن عربي في الفتوحات على عالم المثال حيث قال: وخلق الله من جملة عوالمها على صورنا إذا أبصر العارف يشاهد نفسه فيها وقد أشار إلى مثل ذلك ابن عباس فيما روي عنه في حديث هذه الكعبة وأنها بيت واحد من أربعة عشر بيتا وإن في كل أرض من السبع الأرضين خلقا مثلنا حتى إن فيهم ابن عباس مثلي وصدقت هذه الرواية عند أهل الكشف. انتهى.
وعليه حمله صاحب التكميل - كما تقدم - وعلى ذلك ليس فيه ما يفيد المستدلين به وليس الأثر الموقوف بحديث عند أهل النقد والمعرفة بعلم الحديث حتى يحتج به في الأحكام والتفاسير عند الجماهير.
وقال الشوكاني في السيل الجرار: تفسير الصحابة للآية لا تقوم به الحجة لا سيما مع اختلافه. انتهى.
وهذا الأثر: قد ورد في بدء الخلق دون العقائد حتى تبنى عليه عقيدة ويحتاج إلى تطبيقه وتأويله وتصحيح معناه وإثبات مبناه والمعتبر في العقائد: هو الأدلة اليقينية لا الظنية كما صرح بذلك أهل العلم بالكلام قال الرازي في الكبير: إن الاعتقاد ينبغي أن يكون مبناه على اليقين وكيف يجوز إتباع الظن في الأمر العظيم وكلما كان الأمر أشرف وأخطر كان الاحتياط فيه أوجب وأجدر. انتهى.
وعلى هذا فلا يستأنس في تأييد هذا الأثر الضعيف أو الموضوع إلى ما ذكره في العرائس وبدائع الزهور من وجود الخلق في بقية طبقات الأرض لكونه مختلفا مفتعلا مرويا من الإسرائيليات قال النيسابوري في تفسيره: ذكر الثعلبي في تفسيره فصلا في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعدم الوثوق بتلك الروايات. انتهى.
قال الخفاجي في حاشية البيضاوي: وليست هذه المسألة من ضروريات الدين حتى يكفر من أنكرها أو تردد فيها والذي نعتقده: أنها طبقات سبع ولها سكان من خلقه يعلمهم الله. انتهى
وقد وقعت الزلازل والقلاقل لأجل ذلك الأثر لهذا العهد بين أبناء الزمان بما لا يأتي بفائدة ولا يعود بعائدة ولهذا ذكرنا في بعض الفتاوى: أنه ليس إثبات تلك الأوادم والخواتم من أحكام الشرع في ورد ولا صدر وليس على القول بموجبه أثارة من علم وكل حزب بما لديهم فرحون والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ثم من استدل بهذا الأثر على إمكان وجود مثله ﷺ وكونه داخلا تحت القدرة الإلهية فقد أطال المسافة وأبعد النجعة وأتى بما هو أجنبي عن المقام وخارج من محل النزاع فإن بين المسألتين بونا بعيدا ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ١.
стр. 259
خاتمة القسم الأول
قف: هذا المرقوم: قد تم بعون رب البرية في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وتسعين ومائتين وألف الهجرية والراقم له بيمناه: الفقير إلى عفو مولاه ابن عبده وأمته الخامل المتواري أبو الطيب: صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري ستر الله عيوب نفسه وجعل غده خيرا من أمسه.
стр. 260
وهذا العبد - عفا الله عنه ما جناه واستعمله فيما يحبه ويرضاه -: له يد جارحة ويمنى عاملة في العلوم الشرعية سيما التفسير والحديث والفقه وأصولها والتاريخ والأدب كما يلوح من مؤلفاته وقد خصه الله - تعالى - بكرمه الوافر لهذا العهد الآخر بتدوين أحكام الإسلام على الوجه المأثور عن سيد الأنام والسلف الكرام على نوع لم يسبق إليه أحد من علماء الديار الهندكية والله يختص برحمته من يشاء.
ولو أن لي في كل منبت شعرة ... لسانا لما استوفيت واجب حمده
وقد أعانه على تحصيل تلك العلوم وكتبها النفيسة العزيزة الوجود بأنواع المعلوم والموجود وأمال إليه قلوب أوليائه وأضاف إليه من نعمه مالا يحاط به ووفقه بإيثار الحق على الخلق رضا الخالق على المخلوق وتقديم العلوم الحقة الإسلامية على الفنون العقلية الفلسفية حتى ذهب غالب أوقاته وأكثر عمره في دراسة الكتاب والسنة وما يليهما ومجانبة أهل البدع والهواء واستفاد من كلام السلف استفادة تامة واستفاض من كتب محققي الخلف استفاضة عامة إلى أن حصل منها على فوائد لا يستطيع أن يبوح بها وعوائد لا يقدر أن يلوح إليها وحقائق لا يمكن العبارة عنها إلا بالفوائد والعوائد ومسائل لها منها عليها شواهد كيف؟ وهي فوق وصف الواصفين ووراء طور البيان ولا يهتدي إلى مثل ذوقها ولذتها إلا أفراد من نوع الإنسان الذين زاحمونا في درك المباني وأخذ المعاني على وجه يكمل به الإتقان والإذعان ولله الحمد على كل حال وهو المفيض للكمال على مثال وغير مثال.
وما أحسن ما قال ابن خلدون: التحقيق: قليل وطرف التنقيح: في الغالب كليل والغلط والوهم: نسيب للناس وخليل والتقليد: عريف في الآدميين وسليل والتطفل: على الفنون عريض وطويل ومرعى الجهل: بين الأنام وخيم وبيل والحق: لا يقاوم سلطانه والباطل: يقذف بشهاب النظر شيطانه والناقل: إنما هو يملي وينقل والبصيرة: تنقد الصحيح إذا تمقل والعلم: يجلو لها صفحات الصواب ويصقل. انتهى.
وبالجملة: فالمحققون بين أهل الملل والنحل قليلون لا يكادون يجاوزن عدد الأنامل ولا حركات العوامل والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون واتباعهم فيما يقولون بيد أنه لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد وبليد الطبع والعقل أو متبلد ينسج على ذلك المنوال ويحتذي منه بالمثال فيجلب صورا قد تجردت عن موادها وصفاحا انتضيت من أعمادها ومعارف يستنكر للجهل طارفها وتلادها وإنما هي آراء لم تعلم أصولها ومقالات لم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها يكررون في دراستهم المجتهدات المتداولة منذ زمان بأعيانها تقليدا لمن عني من الأحبار والرهبان بشأنها ويغفلون أمر الكتاب والسنة الناشئة في ديوانها بما أعوز عليهم من ترجمانها فتستعجم صحفهم في بيانها وألسنتهم عن تبيانها ثم إذا تعرضوا يوما لذكر السنن نسقوا اخبرها نسقا غير محافظين على نقلها وهما أو صدقا لايتعرضون لبدايتها ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها ولا علة الوقوف عند غايتها فيبقى المتبع للحديث متطلعا بعد إلى أحوال صحتها وضعفها ومراتبها مفتشا عن أسباب تمسكها واعتزالها أو تزاحمها وتعاقبها باحثا عن المقنع في تبيانها أو تناسبها ولذلك تراني لما طالعت كتب القوم وسبرت غور الأمس ونجد اليوم نبهت عين القريحة من سنة الغفلة والنوم وسمت التأليف غالبا في الكتاب والسنة وما يليهما من نفسي وأنا المفلس أحسن السوم فأنشأت في تدوين ذلك كتبا ورسائل،
стр. 261
وجمعت لتيسير هذه الصعاب والاطلاع على تلك الهضاب أسفارا ومسائل فهذبت مناحيها تهذيبا وقربتها للأفهام تقريبا وأتيت بما يمتعك بحقائق دين الإسلام وأسبابه ويعرفك كيف دخل أهل العلم من أبوابه حتى تنزع من التقليد يدك وتقف على أحوال قبلك من سلف الأمة وأئمتها ومن بعدك فعليك بمؤلفاتنا ومؤلفات مشائخنا في كل باب تجدها إن - شاء الله تعالى - مملوءة دينا بحتا وشرعا صرفا عند كل إياب وذهاب ولعلك لا تحتاج بعد إحرازها في درك الحق الحقيق بالصواب من الأحكام والمسائل إلى سفر وكتاب إن كنت ممن ينصف ولا يتعسف ويؤثر الحق على الخلق ولا يتوقف ولا يخاف في الله لومة لائم وهو عن رد المعاصرين صائم اعلم أن إلى الله مصيرك فمن نصيرك؟ وفي الجدث مقيلك فيما قيلك؟
وهذا آخر القسم الأول: من هذا الكتاب وبالله التوفيق وإليه المتاب ويتلوه القسم الآخر إن شاء الله تعالى.
стр. 262
القسم الثاني: السحاب المركوم الممطر بأنواع الفنون وأصناف العلوم
المقدمة في بيان أسماء العلوم وموضوعاتها وعدم تعين الموضوع في بعضها
...
القسم الثاني: السحاب المركوم الممطر بأنواع الفنون وأصناف العلوم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا يفي ... بحمده كل شكور وفي
ثم صلاة الله تترى على ... المختار والآل ومن يقتفي
طريقهم كالبدر الهدى ... من لا سواه اليوم من منصف
ودعوة اسأل من فضله ... أنجو بها من شدة الموقف
وبعد: فهذا هو القسم الآخر من كتاب أبجد العلوم المسمى بالسحاب المركوم الممطر بأنواع الفنون وأصناف العلوم وضمنته مقدمة وأبوابا وخاتمة.
المقدمة في بيان أسماء العلوم وموضوعاتها وعدم تعين الموضوع في بعضها
اعلم: أن المشهور عند الجمهور أن حقيقة أسماء العلوم المدونة المسائل المخصوصة أو التصديق بها أو الملكة الحاصلة من إدراكها مرة بعد أخرى التي يقتدر بها صاحبها على استحضارها متى شاء أو استحصالها مجهولة.
والسيد الشريف في شرح المواقف: إن اسم كل علم موضوع بإزاء مفهوم إجمالي شاملي له انتهى.
ثم إنه قد يطلق أسماء العلوم على المسائل والمبادئ جميعا لكنه قد يشعر كلام بعضهم إلى أن ذلك الإطلاق حقيقة والراجح أنه على سبيل التجوز والتغليب والإلزام بما يلزم الاختلاط بين العلمين إذ بعض المبادئ لعلم يجوز أن يكون مسئلة من علم آخر فلا يتمايزان.
ومما يجب التنبيه عليه أنهم اختلفوا في أن أسماء العلوم من أي قبيل من الأسماء.
اختار السيد الشريف الحنفي ﵀ أنها أعلام الأجناس فإن اسم كل علم كلي يتناول أفرادا متعددة إذ القائم منه يزيد غير القائم منه بعمر وشخصا.
وقال زين الدين الحوافي: إنها أحلام شخصية نظر إلى أن اختلاف الأعراض باختلاف المحال في حكم العدل.
стр. 263
وقال العلامة الحفيد: المنقول عن المركب الإضافي لا يتعارف كونه اسم جنس وكثير من أسماء العلوم مركبات إضافية.
وقد خطر ببالي أنه يجوز أن يجعل وضع أسماء العلوم من قبيل وضع المضمرات باعتبار خصوص الموضوع وعموم الوضع ولا غبار على هذا التوجيه إلا أنه لم يتعارف استعمالها في الخصوصيات.
وينبغي أن يعلم أن لزوم الموضوع والمبادئ والمسائل على الوجه المقرر إنما هو في الصناعات النظرية البرهانية وأما في غيرها فقد يظهر كما في الفقه وأصوله وقد لا يظهر إلا بتكلف كما في بعض الأدبيات إذ ربما تكون الصناعة عبارة عن عدة أوضاع واصطلاحات وتنبيهات متعلقة بأمر واحد بغير أن يكون هناك إثبات أعراض ذاتية لموضوع واحد بأدلة مبنية على مقدمات هذه فائدة جليلة ذكرها السعيد التفتازاني الشافعي في شرح المقاصد ينتفع بها في مواضع.
منها: جواز أن يحال تصور المبادئ التصورية في علمه على علم آخر.
ومنها: جعل اللغة والتفسير والحديث وأمثالها علوما إلى غير ذلك
وأما موضوعات العلوم فقد ألف فيها جماعةز
منهم: الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي ألف كتابا أورد فيه ستين علما وسماه حدائق الأنوار في حقائق الأسرار والشيخ جلال الدين محمد بن أسعد الصديقي الدواني المتوفى سنة ثمان وتسعمائة ألف كتابا أورد فيه عشرة من العلوم وسماه أنموذج.
والشيخ عبد الرحمن بن محمد البسطامي ألف كتابا أيضا وذكر في فواتحه طرفا من العلوم وأورد فيه عجائب وغرائب لم تسمعها آذان الزمان حتى بلغت مقدار مائة علم وذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية.
والشيخ لطف الله بن حسن التوقاني المقتول في سنة تسعمائة ألف للسلطان يا يزيد كتابا جمع فيه نبذا من العلوم وهو مختصر ثم شرحه وسماه المطالب الإلهية وفيها رسالة للشيخ محيي الدين محمد بن خطيب قاسم.
وللشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي كتاب جمع فيه أربعة عشر علما وسماه النقاية ثم شرحه وسماه إتمام الدراية.
وتوفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
والشيخ محمد أمين بن صدر الدين الشرواني المتوفى سنة ست وثلاثين وألف جمع كتابا للسلطان أحمد العثماني أورد فيه ثلاثة وخمسين علما من أنواع العلوم العقلية والنقلية وسماه: الفوائد الخاقانية الأحمد الخانية ورتبه على مقدمة وميمنة وميسرة وساقة وقلب على نحو ترتيب جيش السلطان.
المقدمة: في ماهية العلوم وتقسيمه.
القلب: في العلوم الشرعية.
والميمنة: في العلوم الأدبية.
стр. 264
والميسرة: في العلوم العقلية. وقد أورد منها ثلاثين علماً.
والساقة: في علم آداب الملوك وإنما اقتصر على ذلك العدد ليكون موافقا لعدد أحمد على حساب أبجد.
وقد جمع الشيخ عصام الدين أحمد بن مصطفى المعروف بطاشكبري زاده كتابا عظيما أورد فيه نحو خمسمائة علم وسماه مفتاح السعادة ومصباح السيادة جعله على طرفين:
الأول: في خلاصة العلم وذكر فيه ثمانية عشر وصية للطالبين.
والثاني: في تعدد العلوم وضمنه ثلاثة أقسام: إلهية واعتقادية وعملية.
وجعل علم الأخلاق ثمرة كل العلوم وتوفي سنة سبع وستين وتسعمائة.
ثم إن ابنه الشيخ كمال الدين محمد نقله إلى التركية ببعض إلحاقات وتصرفات في مجلد كبير وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وألف.
وللأرنيقي تلميذ قاضي زاده محمود الرومي شارح الجغميني كتاب سماه مدينة العلوم ورتبه على مقدمة وطرفين وخاتمة.
قال في المقدمة: إن للأشياء وجود في الكتابة والعبارة والأذهان والأعيان وكل سابق منها على اللاحق.
ثم العلم المتعلق بالثلث الأول آلي والعلم المتعلق بالأخير: إما عملي لا يقصد به حصول نفسه بل حصول غيره أو نظري يقصد به حصول نفسه فقط.
ثم كل منها: إما أن يبحث فيه من أنه مأخوذ من الشرع فهو العلم الشرعي.
أو من حيث أنه مقتضى العقل فقط فهو العلم الحكمي فهذه هي الأصول السبعة ولكل منها أنواع ولأنواعها فروع وإن كان لا ينحصر.
قال بعض الفضلاء: علم التفسير لا يتم إلا بأربع وعشرين علما وعد الإمام الشافعي في مجلس الرشيد ثلاثا وستين نوعا من علوم القرآن.
وقال بعض العلماء: العلوم المستخرجة من القرآن ثمانون علما ودون فيها كتب.
وقيل: إن العلوم الحكمية تتضمن خمسة عشر فنا إلا أن فروعها أكثر من خمسين ثم قال: والمختار عندي أن عدد العلوم أكثر من أن يضبطه القلم.
وعن الإمام الغزالي عن بعضهم: إن القرآن يحتوي سبعا وسبعين ألف علم ومئتي علم كذا ذكره في الباب الرابع من كتاب آداب التلاوة من أحياء العلوم.
ونقل السيوطي عن القاضي أبي بكر بن العربي أنه ذكر في قانون التأويل: إن علوم القرآن خمسون علما وأربعمائة علم وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحد ومطلع.
ونقل عن الغزالي أيضا: إن من العلوم ما استأثر الله به ولم يطلع أحدا عليه.
ومنها: ما يعرفه الملائكة دون البشر.
стр. 265
ومنها: ما يعرفه الأنبياء دون من عداهم.
ومنها: ما تصورته الأذهان ولم يدون في الكتاب.
ومنها: ما دون ثم ضاعت كتبها وانطمست آثارها وانقطعت أخبارها انتهى.
وقال في الديباجة: أو إن خطر ببالك أن الفنون كثيرة وتحصيل كلها غير يسير ومدة العمر قصيرة وتحصيل آلات التحصيل عسير فكيف الطريق إلى الخلاص عن هذا المضيق؟ فتأمل فيما قدمت إليك من العلوم اسما ورسما وموضوعا ونفعا فإن سهل عليك تحصيل تلك العلوم كلها فحبذ أو قل: الحمد لله الذي هدانا لهذا لما قال أفلاطون: ما من علم مستقبح إلا والجهل به أقبح. وإن أعجلك الوقت وخشيت أن تخترمك الشواغل بالفوت فخذ من كل علم أحسنه وإن اختلج في صدرك أن الأغراض مختلفة في أمر العلوم وتتفاوت في الميل إليها الطباع والفهوم وتتباين في استحسانها العادات والرسوم حتى يعد طائفة من قبل الجنون تحصيل ما عند الآخرين من الفنون إذ كل حزب بما لديهم فرحون فتأمل قول من قال:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سواه فوسواس الشياطين
وقد قيل:
جميع العلم في القرآن لكن ... تقاصر عنه أفهام الرجال
وبالجملة أحسن العلوم ما سأل عنه جبريل ﵇ نبينا ﷺ حين سأل أولا عن الإيمان ثم عن الإسلام ثم عن الإحسان والحديث والتفسير أم لهذه العلوم وأصول لها وإليها ينتهي مدارها. انتهى حاصله.
قلت وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ "العلم ثلاثة: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وما كان سوى ذلك فهو فضل". رواه أبو داود وابن ماجة.
ومعنى فضل زائد لا ضرورة فيه:
أحب حديث المصطفى وأوده ... وادرسه عمري واضبط كتبه
وذلك عند المصطفى لي شاهد ... تجلى له والمرء مع من أحبه
قف: اخترنا في هذا الكتاب الترتيب الذي اختاره صاحب كشف الظنون لكونه سهل التناول. ولم نجد لابن خلدون ترتيبا في ذكر العلوم نعم رتب صاحب مدينة العلوم كتابه على ترتيب غير ترتيب حروف المعجم وذكر في المقدمة حصر العلوم على الإجمال كما تقدم نقله وتكلم في الكتاب على سبع دوحات كل منها في بيان أصل من الأصول السبعة.
ثم ذكر في كل دوحة منها شعبا لبيان الفروع فالدوحة الأولى: في بيان العلوم الخطية وفيها مقدمة وشعبتان:
أما المقدمة: ففي بيان الحاجة إلى الخط وسيأتي هذا البيان في ذكر علم الخط من هذا الكتاب لكن ناسب أن نذكر هاهنا عبارة المدينة في تمهيد كل أصل من الأصول السبعة ليتضح حال ترتيبه
стр. 266
وتفريعه ويسهل على الناظر إلحاق كل فرع بأصله.
فنقول: قال في بيان الحاجة إلى الخط ما عبارته: إن فائدة التخاطب والمحاورات في العلوم لما توقف على معرفة أحوال الألفاظ سيما الألفاظ العربية التي تبنى عليها شريعتنا هذه مع كونها أفضل اللغات وأكملها ذوقا وبرهانا اعتنى علماء ملتنا هذه بالبحث عن أحوالها وضبط أصولها وفروعها واستخراج خواصها ومزاياها فوضعوا لذلك علوما أصولا وفروعا.
واعلم: أن الألفاظ لما اختصت منافعها بالحاضرين وسمت همم الأمم إلى اطلاع الغائبين من المعاصرين ومن الذين سيولدون من بعدهم وضعوا خطوطا دالة على تلك الألفاظ وبحثوا عن أحوالها من كيفية نقوشها وحركاتها وسكناتها وضوابطها من نقطها وشداتها ومداتها وعن تركيبها وتسطيرها إلى غير ذلك من الأحوال فحدثت هناك علوم شتى انتهى.
ثم أوردها في ضمن شعبتين:
الأولى: في العلوم المتعلقة بكيفية الصناعة الخطية وذكر فيها علم أدوات الخط وعلم قواني الكتابة وعلم تحسين الحروف وعلم كيفية توليد الخطوط عن أصولها وعلم ترتيب حروف التهجي وعلم ترتيب أشكال بسائط الحروف وعلم إملاء الخط العربي وعلم خط المصحف علم خط العروض.
ثم جعل الدوحة الثانية في علوم تتعلق بالألفاظ وفيها مقدمة وثلاث شعب.
المقدمة في بيان الحاجة إلى العلوم المذكورة.
قال: اعلم أن الإنسان لما كان مدنيا بالطبع احتاج في تعيشه إلى إعلام ما في ضميره لغيره وإلى الوقوف على ما في ضمير الآخرين فاقتضت الحكمة الإلهية والرحمة الأزلية إحداث دوال يخف عليه إيرادها ولا يتبعها أضدادها بل لا يحتاج في تحصيلها إلى آلات غير الآلات الطبعية لئلا يصرف أوقاته فيما يشغل نفسه عن كثير من المهمات الطبعية والشرعية فقاده الإلهام الإلهي إلى استعمال الصوت العارض للنفس الضروري للحيوان بالآلات الذاتية الطبعية وتقطيعه بتوسط تلك الآلات بأن يفيد تلك الآلات للأصوات كيفيات على أنحاء شتى وطرق مختلفة يمتاز بسببها بعضها عن بعض باعتبار مخارجها وصفاتها ويسمى تلك الألفاظ حروفا ويحصل منها بحسب التركيبات المتنوعة كلمات دالة بحسب الأوضاع المختلفة على المعاني الحاصلة في ضمائر المتكلمين التي تتوقف عليها المعايش وتحصيل المعارف.
ثم تركيبات تلك الحروف لما أمكنت على وجوه مختلفة وأنحاء متنوعة مع تنوع مخارج الحروف وأصنافها بحسب تنوع الطباع والعادات من الطوائف في كل ملة بل في كل صقع من الأصقاع حصل لهم ألسنة مختلفة ولغات متباينة بحيث لا تعد كثرة إلا أن أفضلها وأعلاها اللغة التي خصت بها أوسط الأمم وأخصهم وقد نزل عليها أشرف الكتب وأعلاها وأقومها من جهة الأحكام وأدومها إلى يوم القيام وقد نطق بهذه اللغة أفضل الأنبياء وخاتمهم وأشرفهم وفص خاتمهم أعني لغة العرب العرباء التي اختصت بالبلاغة والإعجاز وبسحر الكناية والمجاز وهل اختص غيرها بفنون لو عد اشهرها لبلغت إلى أربعين بل أكثر وهل شرف ما عداها بالتحدي حتى فاق واحد على مئين.
стр. 267
وقل لي: هل ظهرت العلوم ولو عقلية هكذا منقحة بلغة أخرى؟ أفليست هذه بالتعظيم والتبجيل أولى وأحرى فوجب الاعتناء بشأن هذه اللغة الجليلة المقدار بتمييز كيفيات حروفها بحسب المخارج.
ثم أحوال تركيباتها بحسب الاشتقاق.
ثم أحوال وضعها للمعاني.
ثم تبديل بعض حروفها إلى آخر لتحصل الخفة.
ثم كيفية إعراباتها ليسهل الانتقال منها إلى معانيها ثم تطبيقها المقتضى الحال لرفع شأن الكلام ثم إيرادها بعبارات جلية لئلا يعسر فهم المعاني الدقيقة على أذهان لقبولها ثم معرفة أحوال الخطوط الدالة عليها فهذه أصول العلوم العربية ولها فروع كثيرة.
ثم اعلم أن العلوم الأدبية ثلاث أنواع لأنها إما باحثة عن المفردات أو عن المركبات أو عن فروعها ففيها ثلاث شعب:
الأولى: فيما يتعلق بالمفردات انتهى.
وذكر في هذه الشعبة علم مخارج الحروف وعلم اللغة وعلم الوضع وعلم الاشتقاق وعلم الصرف وعلم النحو وعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع وعلم العروض وعلم القوافي وعلم قرض الشعر وعلم مبادئ الشعر وعلم الإنشاء وعلم مبادئ الإنشاء وأدواته وعلم المحاضرة وعلم الدواوين وعلم التاريخ.
قال: الشعبة الثالثة من الدوحة الثانية في فروع العلوم العربية وذكر فيها علم الأمثال وعلم وقائع الأمم وعلم استعمال الألفاظ وعلم الترسل وعلم الشروط والسجلات وعلم الأحاجي والأغلوطات وعلم الألغاز وعلم المعمى وعلم التصحيف وعلم المقلوب وعلم الجناس وعلم مسامرة الملوك وعلم حكايات الصالحين وعلم أخبار الأنبياء وعلم المغازي والسير وعلم تاريخ الخلفاء وعلم طبقات القراء وعلم طبقات المفسرين وعلم طبقات المحدثين وعلم سير الصحابة والتابعين وعلم طبقات الشافعية وعلم طبقات الحنفية وعلم طبقات المالكية وعلم طبقات الحنابلة وعلم طبقات النحاة وعلم طبقات الحكماء وعلم طبقات الأطباء.
قال: الدوحة الثالثة وفيها شعبتان:
الأولى: في العلوم الآلية التي تعصم عن الخطأ في الكسب وذكر في هذه الدوحة علم المنطق
قال: الثانية في علوم تعصم عن الخطأ في المناظرة والدرس ثم ذكر في هذه علم آداب الدرس وعلم النظر وعلم الجدل وعلم الخلاف.
قال: الدوحة الرابعة في العلم المتعلق بالأعيان.
وهذا قسمان ما يبحث فيه بمجرد الرأي ومقتضى العقل فقط وهو العلوم الحكمية الباحثة عن أحوال الموجودات الخارجية بحسب الطاقة البشرية.
وما يبحث فيه على قواعد الشرع وعلى تسليم المدعى وأخذه من الشرع هي علم أصول الدين وفيها مقدمة وعدة شعب.
стр. 268
المقدمة: اعلم أن العلوم الحكمية النظرية إما أن يبحث فيها عن موجود منزه عن المادة في الخارج وعند البحث أو يبحث عن موجود مقارن للمادة خارجا دون البحث أو يبحث عن موجود مقارن للمادة خارجاً وبحثاً.
والقسم الأول: يسمى بالعلم الإلهي لبحثه عن الإلهيات وبالعلم الأعلى لعلو موضوعه بسبب تجرده عن المادة ويسمى بعلم ما بعد الطبيعة أيضا لقراءتهم إياها بعد العلم الطبعي.
والقسم الثاني: يسمى بالرياضي لرياضة النفوس بها أولا إذ الأوائل كانوا يبتدئون في التعليم بها لكون دلائلها يقينية ولتعتاد النفوس باليقينيات بادئ بدء حتى كانوا يقدمونها على المنطق ويسمى بالعلم الأوسط أيضا لعدم تجرده عن المادة بالكلية ولعدم مقارنته إياها بالكلية.
والقسم الثالث: يسمى بالعلم الطبعي لبحثه عن طبائع الأجسام وبالعلم الأولي لمقارنته بالمادة بالكلية فهذه هي الأصول الثلاثة للعلوم الحكمية انتهى.
ثم ذكر كلا منها في شعبة ولكل منها فروع لا تحصى ثم ذكر فرع كل منها في شعبة أخرى فصارت الشعب ستة وقدم العلم الإلهي على الباقي لشرفه ثم ذكر الأوسط ثم الأدنى فقال:
الشعبة الأولى: في العلم الإلهي والشعبة الثانية: في فروعه وهي علم معرفة النفوس الإنسانية وعلم معرفة النفوذ الملكية وعلم معرفة المعاد وعلم أمارات النبوة وعلم مقالات الفرق وعلم تقاسيم العلوم والشعبة الثالثة: في العلم الطبعي وله سبعة فروع وعند البعض عشرة وهي:
١ - علم الطب ٢ - علم البيطرة والبيرزة ٣ - علم الفراسة ٤ - علم تعبير الرؤيا ٥ - علم أحكام النجوم ٦ - علم السحر ٧ - علم الطلسمات ٨ - علم السيميا ٩ - علم الكيمياء
١٠ - علم الفلاحة وذلك لأن نظره إما في ما يتفرع على الجسم البسيط والمركب أو ما يعمهما.
والأجسام البسيطة إما الفلكية فأحكام النجوم.
وإما العنصرية فالطلسمات.
والأجسام المركبة إما ما لا يلزمه مزاج وهو علم السيمياء.
أو يلزمه مزاج فإما بغير ذي نفس فالكيمياء.
أو بذي نفس.
فإما غير مدركة كالفلاحة.
أو مدركة.
فإما مع كمال أن يعقل أولا.
الثاني: البيطرة والبيرزة وما يجري مجراها والذي لذي النفس العاقلة هو الإنسان وذلك:
إما في حفظ صحته واسترجاعها وهو الطب.
أو أحواله الظاهرة الدالة على الأحوال الباطنة فالفراسة.
أو أحوال نفسه حال غيبة عن حسه وهو تعبير الرؤيا والعام البسيط والمركب السحر ولهذه الفروع فروع يأتي ذكرها.
стр. 269
قال: الشعبة الرابعة: في فروع العلم الطبعي ثم ذكر فيها غير ما تقدم آنفا وعلم النبات علم الحيوان وعلم المعادن وعلم الجو وعلم الكون والفساد وعلم قوس قزح.
قال: الشعبة الخامسة: فيها عدة عناقيد الأول منها: في فروع علم الطب وهي علم التشريح وعلم الكحالة وعلم الصيدلة وعلم طبخ الأشربة وعلم قلع الآثار من الثياب وعلم تركيب أنواع المداد وعلم الجراحة وعلم الفصد وعلم الحجامة وعلم المقادير والأوزان وعلم الباه.
العنقود الثاني: في فروع علم القيافة وعلم الشامات والخيلان وعلم الأسارير وعلم الأكتاف وعلم قيافة الأثر وعلم قيافة البشر وعلم الاهتداء بالبراري والأقفار وعلم الريافة وعلم استنباط المعادن وعلم نزول الغيث وعلم العرافة وعلم الاختلاج.
العنقود الثالث: في فروع أحكام النجوم واعلم أنها غير علم النجوم لأن الثاني: يعرف بالحساب فيكون من فروع الرياضي والأول: يعرف بدلالة الطبيعة على الآثار فيكون من فروع الطبعي وهي علم الاختيارات وعلم الرمل وعلم الفال وعلم القرعة وعلم الطيرة والزجر.
العنقود الرابع: في فروع السحر،
واعلم: أن استحداث الحوادث إن كان بمجرد التأثير النفساني فهو السحر،.
وان كان على سبيل الاستعانات بالفلكيات فهو دعوة الكواكب،.
وإن كان على سبيل تمزيج القوى البشرية بالأرضية فهو الطلمسات،.
وإن كان على سبيل الاستعانة بالخواص الطبيعية فإما بالقراءة فهو علم الخواص والكتابة فهو علم النيرنجات.
أو الأفعال غيرهما فهو الرقى.
وإن كان على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة فهو العزائم.
وإن كان بإحضار تلك الأرواح في قالب الأشباح فهو علم الاستحضار ويسمى: علم تسخير الجن.
وأما الأخبار عن الحوادث الغير الحاضرة فإما عن الماضي أو الحال أو الاستقبال فهو علم الكهانة.
ثم إن الإنسان كما يقدر على استحضار المجردات كذلك يقدر على تغييب الحاضر عن الحس ويسمى علم الإخفاء.
وكذلك على إخفاء الأمور الحاضرة عن الحاضرين ويسمى بالحيل الساسانية وأمثال ذلك كثيرة انتهى.
ثم ذكر هذه العلوم على هذا النهج وعد منها علم القلفطيرات وعلم الكتابة المسمى بالسر المكتوم وعلم كشف الدك وعلم الشعبذة وعلم تعلق القلب وعلم الاستعانة بخواص الأدوية.
قال: الشعبة الخامسة: في العلوم الرياضية وهي العلوم الباحثة عن أمور يصح تجردها عن المادة في الذهن فقط وتنحصر هذه في أربعة أقسام.
لأن نظرها إما عن الكم المتصل.
أو عن الكم المنفصل وكل منهما إما قار الذات أولا فالأول: علم الهندسة والثاني: الهيئة والثالث: العدد والرابع: الموسيقى.
стр. 270
الشعبة السادسة: في فروع علم الهندسة وعد منها: علم عقود الأبنية وعلم المناظر وعلم المرايا المحرقة وعلم مراكز الأثقال وعلم جر الأثقال وعلم المساحة وعلم أنباط المياه وعلم الآلات الحربية وعلم الرمي وعلم التعديل وعلم النبكامات وعلم الملاحة والسباحة وعلم الأوزان والموازين وعلم الآلات المبنية على ضرورة عدم الخلاء.
قال: الشعبة السابعة: في فروع علم الهيئة وذكر فيها علم الزيجات والتقاويم وعلم كتابتها وعلم حساب النجوم وعلم كيفية الإرصاد وعلم الآلات الرصدية وعلم المواقيت وعلم الآلات الظلية وعلم الأكر وعلم الأكر المتحركة وعلم تسطيح الكرة وعلم صور الكواكب وعلم مقادير العلويات وعلم منازل القمر وعلم جغرافيا وعلم مسالك البلدان والأمصار وعلم معرفة البرد ومسافاتها وعلم خواص الأقاليم وعلم الأدوار والأكوار وعلم القرانات وعلم الملاحم وعلم مواسم السنة وعلم مواقيت الصلاة وعلم وضع الاسطرلاب وعلم عمل الاسطرلاب وعلم وضع ربع الدائرة وعلم عمل ربع الدائرة وعلم آلات الساعة.
الشعبة الثامنة: في فروع علم العدد منها: علم الحساب وعلم حساب التخت والميل وعلم الجبر والمقابلة وعلم حساب الخطاءين وعلم حساب الدرهم والدينار علم حساب الدور والوصايا وعلم حساب العقود وعلم أعداد الوفق والدفق وعلم التعابي العددية.
الشعبة التاسعة: في فروع علم الموسيقى منها: الآلات العجيبة وعلم الرقص وعلم الغنج.
قال: الدوحة الخامسة في الحكمة العملية وأن الإنسان لما كان مدني الطبع وكان أشخاصه إلا شرذمة ممن عصمهم الله تعالى - وقليل ما هم - مجبولين على جلب المنافع ودفع المضار بحيث يريدون أخذ ما في أيدي الآخرين بقوتهم الشهوية ودفع ما يزاحمه في ذلك بقوتهم الغضبية وكأن ذكل مؤديا إلى التقاتل والتشاجر ولا أقل من العداوة والشحناء وهذه الأمور منافية لقضية التمدن والاجتماع وعمارة المدن في الأصقاع اقتضت الحكمة الإلهية لطفا منه ورحمة أن يشرف خواص عباده وهم الرسل والأنبياء ﵈ بوحي من عنده يتضمن قوانين ينتظم برعايتها أحوال المعاش ويكمل بإجرائها أحوال المعاد وتلك القوانين هي الشرائع النبوية والنواميس الإلهية ثم إن الحكماء استنبطوا من الشرائع السابقة قوانين متعلقة بتكميل الأخلاق وانتظام تدبير المنزل وتدبير المدينة وسموها حكمة عملية نذكر كلا منها في شعبة.
الشعبة الأولى: علم الأخلاق.
الثانية: علم تدبير المنزل.
الثالثة: علم السياسة.
الرابعة: في فروع الحكمة العملية منها علم آداب الملوك وعلم آداب الوزارة وعلم الاحتساب وعلم قود العساكر.
الدوحة السادسة: في العلوم الشرعية.
اعلم أن العلوم الاعتقادية: إما متعلقة بالنقل أو فهم المنقول وتقريره وتشييده بالأدلة أو استخراج الأحكام المستنبطة.
стр. 271
فالنقل: إن كان مما أتى به الرسول بواسطة الوحي فهو علم القرآن.
أو بما صدر عن نفسه المؤيدة بالعصمة فعلم رواية الحديث.
وفهم المنقول: إن كان من كلام الله تعالى فعلم تفسير القرآن.
أو من كلام الرسول فعلم دراية الحديث.
والتقرير: إما الآراء فعلم أصول الدين.
أو الأفعال فعلم أصول الفقه.
أو استخراج الأحكام من أدلتها فعلم الفقه.
ومنافع هذه العلوم جمة: إما في الدنيا فحفظ المهج والأموال وانتظام سائر الأحوال وإما في الآخرة فالنجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم وفي هذه الدوحة شعب.
الأولى: علم القراءة.
الثانية: علم رواية الحديث.
الثالثة: علم تفسير القرآن.
الرابعة: علم دراية الحديث.
الخامسة: علم أصول الدين المسمى بالكلام.
السادسة: علم أصول الفقه.
السابعة: علم الفقه.
الثامنة: فروع العلوم الشرعية وهي: علم معرفة الشواذ وتفرقتها من المتواتر وعلم مخارج الحروف وعلم مخارج الألفاظ وعلم الوقوف وعلم علل القراآت وعلم رسم كتابة القرآن وعلم آداب كتابة المصحف.
ومن فروع علم الحديث: علم شرح الحديث وعلم أسباب ورود الأحاديث وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه وعلم تأويل أقوال النبي ﷺ وعلم رموز أقوال النبي ﷺ وعلم غرائب لغات الحديث وعلم دفع مطاعن الحديث وعلم تلفيق الأحاديث وعلم أحوال رواة الأحاديث وعلم طب النبي ﷺ
وأما فروع علم التفسير فالقرآن بحر لا تنقضي عجائبه قال: ولنذكر منها قدر ما تفي به قوة التقرير ويحيط به نطاق التحرير ثم ذكر علم معرفة المكي والمدني وغيره من الأنواع التي ذكرها السيوطي في الإتقان وجعل كل نوع علما مستقلا وليس كما ينبغي لكن ذكرناها في هذا الكتاب مرتبا تبعا له -رحمه الله تعالى- كما ستقف عليه.
قال: هذا الذي ذكرته من فروع علم التفسير هي ما وقع في كتاب الإتقان وهذا بعض من علوم عددها من فروع علم التفسير بأدنى الملابسة فلنذكر هاهنا علم خواص الحروف علم معرفة الخواص الروحانية علم التصرف بالحروف والأسماء علم الحروف النورانية والظلمانية علم التصرف بالاسم الأعظم علم الكسر والبسط علم الجفر والجامعة علم الزائرجة علم دفع مطاعن القرآن.
ومن فروع علم الحديث أيضا: علم المواعظ وعلم الأدعية والأوراد وعلم الآثار وعلم الزهد
стр. 272
والورع وعلم صلاة الحاجات وعلم المغازي.
وأما فروع علم أصول الدين فاعلم أن موضوع الكلام على ما تقرر رأي المحققين عليه هو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية ولا شك أن موضوعات جميع العلوم مندرجة تحت المعلوم وقد تقرر في موضوعات أن الأصالة والفرعية في العلوم بحسب عموم الموضوع وخصوصه فيكون جميع العلوم الشرعية من فروع علم أصول الدين.
وأما فروع علم أصول الفقه فمنها: علم النظر وعلم المناظرة وعلم الجدل وعلم الخلاف.
وأما فروع علم الفقه فمنها: علم الفرائض وعلم الشروط والسجلات وعلم معرفة حكم الشرائع وعلم الفتاوى قال: هذا آخر ما تيسر لي من تفصيل العلوم النظرية التي ضمنها الطرف الأول من هذا المختصر ولنشرع بعد هذا في العلوم المتعلقة بالأعمال وهي علوم التصفية.
والمعرفة على نوعين:
أحدهما: المعرفة بطريق النظر وهي لا تكمل إلا بالعمل.
وثانيهما: المعرفة بطريق العمل وهي غاية المعرفة بالله تعالى والعلم المتعلق بالأول يسمى علم الدراسة لحصوله بالدرس والتكرار.
والعلم المتعلق بالثاني يسمى علم الوارثة لكونه مما يورثه العمل ويسمى أيضا بعلم التصفية وعلم الباطن وعلم الحال وعلم المكاشفة وعلم الحقائق وهذا الطرف الثاني أربعة أقسام:
الأول: في العلوم المتعلقة بالعبادات منها: علم أسرار الطهارة وعلم أسرار الصلاة وعلم أسرار الزكاة وعلم أسرار الحج.
والقسم الثاني: في العلوم المتعلقة بالعادات منها: علم آداب الأكل وعلم آداب النكاح وعلم آداب الكسب علم آداب الصحبة والمعاشرة وعلم آداب العزلة وعلم آداب السفر وعلم آداب السماع والوجد وعلم آداب الحسبة وعلم آداب النبوة.
القسم الثالث: في الأخلاق المهلكات منها: عجائب القلب وعلم رياضة النفس وتهذيب الأخلاق وعلم فضيلة كسر الشهوتين وعلم آداب اللسان وآفاته وعلم آفات الغضب وعلم آفات الدنيا وعلم آفات المال وعلم آفات الجاه وعلم آفات الريا وعلم آفات الكبر وعلم آفات العجب وعلم آفات الغرور.
والقسم الرابع: في الأخلاق المنجيات منها: علم آداب التوبة علم فوائد الصبر وعلم منافع الشكر وعلم منافع الرجا وعلم منافع الخوف وعلم فوائد الفقر وعلم فوائد الزهد وعلم فوائد التوكل وعلم فوائد المحبة وعلم فوائد الشوق وعلم فوائد الأنس وعلم فوائد الرضا وعلم فوائد النية وعلم فوائد الإخلاص وعلم فوائد الصدق وعلم فوائد المراقبة وعلم فوائد المحاسبة وعلم فوائد التفكر وعلم فوائد ذكر الموت والبعث والنشور.
قال: خاتمة الرسالة في شرائط الطريقة وآدابها منها:
شرائط الشيخ، وشرائط المريد وآداب الخرقة في إلباسها وآداب التاج وآداب السجادة انتهى.
стр. 273
ولم نذكر ما ذكره في هذه الخاتمة في كتابنا هذا لأنه ليس علما برأسه وقد تقدم في القسم الأول من كتابنا هذا فصل مستقل في ذكر تقسيم العلوم المدونة وأحسن التقاسيم منها: التقسيم الخامس على ما ذكره صاحب مفتاح السعادة وهو مستقل على ما ذكرناه من العلوم هاهنا ولا مضايقة في بعض التكرار عند جدة الفوائد والأذكار١.
стр. 274
باب الألف
علم الأبعاد والأجرام
وهو علم يبحث فيه عن أبعاد الكواكب عن مركز العالم ومقدار جرمها أما بعدها فيعلم بمقدار واحد كنصف قطر الأرض الذي يمكن معرفته بالفراسخ والأميال.
وأما أجرامها فيعرف مقدارها كجرم الأرض.
واعلم أن مباحث هذا الفن في غاية البعد عن القبول ولذلك ترى أكثر الناس إذا سمعوا لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وقالوا إن هذا إلا كذب مفترى وذلك لعدم اطلاعهم على أحكام الهندسة والمناظر واعتقادهم أنه لا سبيل إلى ذلك التقدير إلا بالصعود والقرب من تلك الأجرام ومساحتها بالأيدي والأقدام ومن المختصرات في هذا الفن سلم السماء.
علم الآثار
هو فن باحث عن أقوال العلماء الراسخين من الأصحاب والتابعين لهم وسائر السلف وأفعالهم وسيرهم في أمر الدين والدنيا.
ومباديه أمور مسموعة من الثقات.
والغرض منه معرفة تلك الأمور ليقتدى بهم وينال ما نالوه وهذا الفن أشد ما يحتاج إليه علم الموعظة هذا ما قاله لطف الله في موضوعاته وقد نقله طاشكبري زاده بعبارته في مفتاح السعادة ثم قال: ومن الكتب المصنفة في هذا العلم كتاب سير الصحابة والتابعين والزهاد للأندر سقاني وكتاب روض الرياحين لليافعي وغير ذلك انتهى.
وأما آثار الطحاوي وشرح مشكله مع ما يتعلق به فإن معنى آثاره معنى مغاير لتعريف هذا العلم وهو على ما في كتب أصول الحديث بمعنى الخبر.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في نخبة الفكر: إن كان اللفظ مستعملا بقلة احتيج إلى الكتب المصنفة في شرح الغريب وإن كان مستعملا بكثرة لكن في مدلوله دقة احتيج إلى الكتب المصنفة
стр. 275
في شرح معاني الأخبار وبيان المشكل منها وقد أكثر الأئمة من التصانيف في ذلك كالطحاوي والخطابي وابن عبد البر وغيرهم رحمهم الله تعالى انتهى.
علم الآثار العلوية والسفلية
هو علم يبحث فيه عن المركبات التي لا مزاج لها وتتعرف منه أسباب حدوثها.
وهو ثلاثة أنواع لأن حدوثه إما فوق الأرض أعني في الهواء وهو كائنات الجو وإما على وجه الأرض كالأحجار والجبال وإما في الأرض كالمعادن وفيه كتب للحكماء منها كتاب السماء والعالم.
علم الأحاجي والأغلوطات من فروع اللغة والصرف والنحو
والأحاجي جمع أحجية كالأضحية كلمة مخالفة المعنى.
وهو علم يبحث فيه عن الألفاظ المخالفة لقواعد العربية بحسب الظاهر وتطبيقها عليها إذ لا يتيسر إدراجها فيها بمجرد القواعد المشهورة.
وموضوعه الألفاظ المذكورة من الحيثية المذكورة.
ومباديه مأخوذة من العلوم العربية.
وغرضه تحصيل ملكة تطبيق الألفاظ التي تتراءى بحسب الظاهر مخالفة لقواعد العرب.
وغايته: حفظ القواعد العربية عن تطرق الاختلال.
والاحتياج إلى هذا العلم: من حيث أن ألفاظ العرب قد يوجد فيها ما يخالف قواعد العلوم العربية بحسب الظاهر بحيث لا يتيسر إدراجه فيها بمجرد معرفة تلك القواعد فاحتيج إلى هذا الفن.
وللزمخشري المتوفى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة تأليف لطيف في هذا الفن سماه الحاجات.
وللشيخ علم الدين علي بن محمد السخاوي الدمشقي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة شرح هذا المتن الدقيق التزم فيه أن يعقب كل أحجية في الزمخشري بلغزين من نظمه.
وأبو المعالي سعد بن علي الوراق الحطيري المتوفى سنة ثمان وستين وخمسمائة صنف فيه أيضا والسادسة والثلاثون التي تعرف بالملطية من المقامات الحريرية في هذا المعنى فمنها للمثال: يا من سما بذكاء. في الفضل وأرى الزناد. ماذا يماثل قولي. جوع أمد بزاد. يا ذا الذي فاق فضلا. ولم يدنسه شين. ما مثل قول الحاجي. ظهر أصابته عين.
فطريق معرفة المماثلة فيه: أن تنظر جوع أمد بزاد فتقابله بطوامير لأن طوى مثل الجوع في المعنى ومير مثل أمد بزاد لأن مير الإمداد بالزاد وكذا تقابل ظهر أصابته عين بقولك: مطاعين فتجد المطا الظهر وعين الرجل أصيب بالعين.
فإذا تركت الألفاظ بغير تقسيم يظهر لك معنى آخر وهو أن الطوامير الكتب والواحد طومار والمطاعين جمع مطعان وهو كثير الطعن وعليه فقس.
علم الاحتساب
وهو النظر في أمور أهل المدينة بإجراء مراسم معتبرة في الرياسة الاصطلاحية ونهي ما يخالفها وتنفيذ
стр. 276
ما تقرر في الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والسلطان بالنسبة إلى الملك بمنزلة الرأس من البدن الذي هو منبع الرأي والتدبير.
والوزير بمنزلة اللسان المعبر عما في الضمير.
وأهل الاحتساب بمنزلة الأيدي والأقدام والمماليك والخدم ولن يتم أمر الملك إلا بهؤلاء الثلاث هذه عبارة قديمة العلوم.
وقال في كشف الظنون: هو علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم اللاتي لا يتم التمدن بدونها من حيث إجرائها على القانون العدل بحيث يتم التراضي بين المعاملين وعن سياسة العباد بنهي المنكر وأمر المعروف بحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد بحسب ما رآه الخليفة من الزجر والمنع.
ومباديه: بعضها فقهي وبعضها أمور استحسانية ناشئة من رأي الخليفة.
والغرض من تحصيل الملكة في تلك الأمور.
وفائدته: إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم وهذا من أدق العلوم ولا يدركه إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب إذ الأشخاص والأزمان والأحوال ليست على وتيرة واحدة فلا بد لكل واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصة وذلك من أصعب الأمور فلذلك لا يليق بمنصب الاحتساب إلا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى كعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان عالما في هذا الشأن كذا في موضوع لطف الله.
وعرفه أبو الخير بالنظر في أمور أهل المدينة بإجراء ما رسم في الرياسة وما تقرر في الشرع ليلا ونهارا سرا وجهارا ثم قال: وعلم السياسة المدنية مشتمل على بعض لوازم هذا المنصب ولم نر كتابا صنف فيه خاصة وذكر في الأحكام السلطانية ما يكفي. انتهى.
أقول فيه كتاب نصاب الاحتساب خاصة ذكر فيه مؤلفه أن الحسبة في الشريعة تتناول كل مشروع بفعل الله كالأذان والإقامة وأداء الشهادة مع كثرة تعدادها ولذا قيل: القضاء باب من أبواب الحسبة وفي العرف مختص بأمور فذكرها إلى تمام خمسين وفيه كتب ذكرت في محالها انتهى ما في الكشف.
علم الأحكام
والأحكام: اسم متى أطلق في العقليات أريد به الأحوال الغيبية المستنتجة من مقدمات معلومة هي الكواكب من جهة وحركاتها ومكانها وزمانها.
وفي الشرعيات: يطلق على الفروع الفقهية المستنبطة من الأصول الأربعة وسيأتي في علم الفقه.
وأما الأول: فهي الاستدلال بالتشكلات الفلكية من أوضاعها وأوضاع الكواكب من المقابلة والمقارنة والتثليث والتسديس والتربيع على الحوادث الواقعة في عالم الكون والفساد وفي أحوال الجود والمعادن والنبات والحيوان.
وموضوعه: الكواكب بقسميها.
стр. 277
ومباديه: اختلاف الحركات والأنظار والقرآن.
وغايته: العلم بما سيكون بما أجرى الحق من العادة بذلك مع إمكان تخلفه عندنا كمنافع المفردات ومما يشهد بصحته بنية بغداد فقد أحكمها الواضع والشمس في الأسد وعطارد في السنبلة والقمر في القوس فقضى الحق أن لا يموت فيها ملك ولم يزل كذلك وهذا بحسب العموم وأما بالخصوص فمتى علمت مولد شخص سهل عليك الحكم بكل ما يتم له من مرض وعلاج وكسب وغير ذلك كذا في تذكرة داوود ويمكن المناقشة في شاهدة بعد الإمعان في التاريخ لكن لا يلزم من الجرح بطلان دعواه.
وقال أبو الخير: وأعلم أن كثيرا من العلماء على تحريم علم النجوم مطلقا
وبعضهم على تحريم اعتقادات الكواكب مؤثرة بالذات.
وقد ذكر عن الشافعي أنه قال: إن كان المنجم يعتقد أن لا مؤثر إلا الله لكن أجرى الله عادته بأن يقع كذا عند كذا والمؤثر هو الله فهذا عندي لا بأس به وحيث جاء الذم ينبغي أن يحمل على من يعتقد تأثير النجوم بذاتها ذكره ابن السبكي في طبقاته الكبرى وفي هذا الباب أطنب صاحب مفتاح السعادة إلا أنه أفرط في الطعن قال:
واعلم أن أحكام النجوم غير علم النجوم لأن الثاني يعرف بالحساب فيكون من فروع الرياضي.
والأول يعرف بدلالة الطبيعة على الآثار فيكون من فروع الطبيعي ولها فروع منها: علم الاختيارات وعلم الرمل وعلم الفال وعلم القرعة وعلم الطيرة والزجر انتهى.
قلت: والحق في ذلك ما دلت عليه الأحاديث لا ما اقترحه الرجال بآرائهم الفاسدة وعقولهم الكاسدة.
قال في مدينة العلوم: ومن المختصرات فيه مجمل الأصول لكوشيار والجامع الصغير لمحيي الدين المغربي.
ومن المتوسطات كتاب البارع والمغني.
ومن المبسوطة مجموع ابن شرع والأدوار لأبي معشر والإرشاد لأبي ريحان البيروني والمواليد للخصبي والتحاويل للسنجري والقرانات للبازيار والمسائل للقصراني والاختيارات العلائيةو ودرج الفلك لتكلوشا والتفهم للبيروني وقال: في كشف الظنون فيه كتب كثيرة.
علم أحوال رواة الحديث من وفياتهم وقبائلهم وأوطانهم وجرحهم وتعديلهم وغير ذلك
وهذا العلم من فروع التواريخ من وجه ومن فروع الحديث من وجه آخر وفيه تصانيف كثيرة ذكره أبو الخير وقد أورده من جملة فروع الحديث ولا يخفى أنه علم أسماء الرجال في اصطلاحات أهل الحديث.
علم أخبار الأنبياء
وهذا من فروع علم التواريخ وقد اعتنى بها العلماء وهو حقيق بالاعتناء وأفردها بالتدوين جماعة منها: قصص الأنبياء لابن الجوزي وغيره من العلماء الكرام رحمهم الله تعالى.
стр. 278
علم الاختلاج
وهو من فروع علم الفراسة.
قال أبو الخير: هو علم باحث عن كيفية دلالة اختلاج أعضاء الإنسان من الرأس إلى القدم على الأحوال التي ستقع عليه وأحواله ونفعه.
والغرض منه ظاهر لكنه علم لا يعتمد عليه لضعف دلالته وغموض استدلاله
ورأيت في هذا العلم رسائل مختصرة لكنها لا تشفي العليل ولا تسقي الغليل انتهى
ومثله في مدينة العلوم.
قال الشيخ داوود الإنطاكي في تذكرته: اختلاج حركة العضو والبدن غير إرادية تكون عن فاعل هو النجار.
ومادي هو الغداء المبخر وصوري هو الاجتماع وغائي هو الاندفاع ويصدر عنه اقتدار الطبع وحال البدن معه كحال الأرض مع الزلزلة عموما وخصوصا وهو مقدمة لما سيقع للعضو المختلج من مرض يكون عن خلط يشابه البخار المتحرك في الأصح وفاقا.
وقال جالينوس: العضو المختلج أصح الأعضاء إذ لو لم يكن قويا ما تكاثف تحته البخار كما أنه لم يجتمع في الأرض إلا تحت تخرم الجبال وقال: وهذا من فساد النظر في العلم الطبيعي لأن علة الاجتماع تكاثف المسام واشتدادها لا قوة الجسم وضعفه ومن ثم لم يقع في الأرض الرخوة مع صحة تربتها ولا نشاهد انصباب المواد إلى الأعضاء الضعيفة ولأن الاختلاج يكثر جدا في قليل الاستحمام والتدليك دون العكس وعده أكثر الناس علما وقد أناطوا به أحكاماً.
ونسب إلى قوم من الفرس والعراقيين والهند كطمطم وإقليدس ونقل فيه كلام عن جعفر بن محمد الصادق وعن الإسكندر ولم يثبت على أن توجيه ما قيل عليه ممكن لأن العضو المختلج يجوز استناد حركته إلى حركة الكوكب المناسب له لما عرفناك من تطابق العلوي والسفلي في الأحكام وهذا ظاهر انتهى والرسائل المذكورة مسطورة في محلها.
علم الاختيارات
هو من فروع علم النجوم.
فهو علم باحث عن أحكام كل وقت وزمان من الخير والشر الجاريين في العالم السفلي بحسب تبدل أحوال القمر في منازله وأوضاع الكواكب وأوقات يجب الاحتراز فيها عن ابتداء الأمور وأوقات يستحب فيها مباشرة الأمور وأوقات يكون مباشرة الأمور فيها بين بين.
ثم كل وقت له نسبة خاصة ببعض الأمور بالخيرية وببعضها بالشرية وذلك بحسب كون الشمس في البروج والقمر في المنازل والأوضاع الواقعة بينهما من المقابلة والمقارنة والتثليث والتربيع والتسديس وغير ذلك حتى يمكن بسبب ضبط هذه الأحوال اختيار وقت لكل أمر من الأمور التي تقصد كالسفر
стр. 279
والبناء وقطع الثوب إلى غير ذلك من الأمور.
وفيه كتب كثيرة منها: كتب بطليموس وواليس المصري ودرونيوس الإسكندراني وكتاب أبي معشر البلخي وكتاب عمر بن فرحان الطبري وكتاب أحمد بن عبد الجليل السنجري وكتاب محمد بن أيوب الطبري وكتاب يعقوب بن علي القصراني رتب على مقالتين عشرين بابا وكتاب كوشيار بن لبان الجيلي وكتاب سهل بن نصر وكتاب كنكة الهندي وكتاب ابن علي الخياط وكتاب الفضل بن بشر وكتاب أحمد بن يوسف وكتاب الفضل بن سهل وكتاب نوفل الحمصي وكتاب أبي سهل مأجور وأخويه وكتاب علي بن أحمد الهمداني وكتاب الحسن بن الخطيب وكتاب أبي الغنائم بن هلال وكتاب هبة الله بن شمعون وكتاب أبي نصر بن علي القمي وكتاب أبي نصر القبيصي وكتاب أبي الحسن ابن علي بن نصر واختيارات الكاشفي فارسي على مقدمة ومقالتين وخاتمة والاختيارات العلائية المسماة ب الأحكام العلائية في الأعلام السماوية واختيارات أبي الشكر يحيى بن محمد المغربي وغير ذلك ونفع هذا العلم بين لا يخفى على أحد.
علم الإخفاء
وهو علم يتعرف منه كيفية إخفاء الشخص نفسه عن الحاضرين بحيث يراهم ولا يرونه وله دعوات وعزائم إلا أن صاحب مدينة العلوم قال: إن الغالب على ظني أن ذلك لا يمكن إلا بالولاية بطريق خرق العادة لا بمباشرة أسباب يترتب عليها ذلك عادة.
علم الأخلاق
هو قسم من الحكمة العملية.
قال الأرنيقي في مدينة العلوم: هو علم يعرف منه أنواع الفضائل وهي اعتدال ثلث قوي وهي القوة النظرية والغضبية والشهوية منها أوساط بين الرذيلتين.
الحكمة: وهي كمال القوة النظرية وهي التوسط بين الرذيلتين البلادة والجريزة الأول تفريطها والثاني إفراطها.
والشجاعة: وهي كمال القوة الغضبانية وهي التوسط بين الرذيلتين الجبن والتهور الأول تفريطها والثاني إفراطها.
والعفة: وهي كمال القوة الشهوية وهي التوسط بين الرذيلتين الخمود والفجور والأول تفريطهما والثاني إفراطها وهذه الثلاثة أعني الحكمة والشجاعة والعفة تذكر في علم الأخلاق تعريفاتها.
ثم طريق العلاج بأن يفتر عن طرفي التوسط ويعتدل في الوسط وخير الأمور أوساطها.
وموضوع هذا العلم: الملكات النفسانية من حيث تعديلها بين الإفراط والتفريط.
ومنفعته: أن يكون الإنسان كاملة أفعاله بحسب الإمكان ليكون أولاه سعيدا أو أخراه حميدا انتهى.
قال ابن صدر الدين في الفوائد الخاقانية: وهو علم بالفضائل وكيفية اقتنائها لتتحلى النفس بها وبالرذائل وكيفية توقيها لتتخلى عنها.
стр. 280
فموضوعه: الأخلاق والملكات والنفس الناطقة من حيث الاتصاف بها وهاهنا شبهة قوية وهي أن الفائدة في هذا العلم إنما تتحقق إذا كانت الأخلاق قابلة للتبديل والتغيير والظاهر خلافه كما يدل عليه قوله ﷺ : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام".
وروي عنه ﷺ أيضا: "إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا أو إذا سمعتم برجل زال عن خلقه فلا تصدقوا فإنه سيعود إلى ما جبل عليه" وقوله ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ناظر إليه أيضا.
وأيضا الأخلاق تابعة للمزاج والمزاج غير قابل للتبديل بحيث يخرج عن عرضه.
وأيضا السيرة تقابل الصورة وهي لا تتغير.
والجواب: إن الخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال بسهولة من غير فكر وروية.
والملكة راسخة في النفس لا تزول بسرعة وهي قسمان: أحدهما طبيعية والآخر عادية.
أما الأولى: فهي أن يكون مزاج الشخص في أصل الفطرة مستعدا لكيفية خاصة كامنة فيه بحيث يتكيف بها بأدنى سبب كالمزاج الحار اليابس بالقياس إلى الغضب والحار الرطب بالقياس إلى الشهوة والبارد الرطب بالنسبة إلى النسيان والبارد اليابس بالنسبة إلى البلادة.
وأما العادية فهي: أن يزاول في الابتداء فعلا باختياره وبتكرره والتمرن عليه يصير ملكة حتى يصدر عنه الفعل بسهولة من غير روية.
ففائدة هذا العلم بالقياس إلى الأولى إبراز ما كان كامنا في النفس وبالقياس إلى الثانية تحصيلها وإلى هذا يشير ما روي عن النبي ﷺ : "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولهذا قيل: إن الشريعة المصطفوية قد قضت الوطر عن أقسام الحكمة العملية على أكمل وجه وأتم تفصيل انتهى.
وفيه كتب كثيرة منها: أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار لأبي حامد الغزالي وأخلاق الشيخ الرئيس وأخلاق راغب وأخلاق علائي وأخلاق عضد الدين الأيجي وأخلاق فخر الدين الرازي وأخلاق الناصري ورسائل إخوان الصفا وخلان الوفا وأخلاق جلالي للمحقق الدواني.
وعبارة مدينة العلوم ومن الكتب المختصرة فيه كتاب البر والإثم لأبي علي ابن سينا وكتاب الفوز لأبي علي مسكويه ومن المبسوطة كتاب الإمام فخر الدين بن الخطيب الرازي انتهى
قلت: وقد قضت الشريعة المصطفوية حق علم الأخلاق فلم تدع لأحد فيه مثالا يقوله وكلاما يتلكم به فالكتاب والسنة يكفيان لمن يريد إدراك هذا العلم والتحلي به عن تلك الكتب المشار إليها فإن الصباح يغني عن المصباح
علم آداب الأكل
وهل حل الطعام كسبا بعد حله في نفسه شرعا وغسل اليد قبل الطعام وبعده ووضع الطعام على السفرة لأنه أقرب إلى التواضع والجثو على الركبة عند الأكل وأن ينوي عند الأكل أن يقوى على الطاعة وأن يقنع بالحاضر وأن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام وأن يبدأ ببسم الله ويختم بحمد الله،
стр. 281
ويلعق أصابعه، ويلقط فتات الطعام، ولا يبتدي به قبل من يستحق التقديم لكبر سنه أو فضله ولا يسكت بل يتكلم بالمعروف وحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها وهذا العلم مدون في كتب علم الحديث وذكره في مدينة العلوم وهكذا وهو من العلوم المتعلقة بالعادات.
علم آداب البحث
ويقال له علم المناظرة قال أبو الخير في: مفتاح السعادة: هو علم يبحث فيه عن كيفية إيراد الكلام بين المناظرين.
وموضوعه: الأدلة من حيث أنها يثبت بها المدعى على الغير ومباديه أمور بينة بنفسها.
والغرض منه: تحصيل ملكة طرق المناظرة لئلا يقع الخبط في البحث فيتضح الصواب انتهى
وقد نقله من موضوعات لطفي بعبارته ثم أورد بعض ما يذكر هاهنا من المؤلفات.
قال ابن صدر الدين في: الفوائد الخاقانية: وهذا العلم كالمنطق يخدم العلوم كلها لأن البحث والمناظرة عبارة عن النظر من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب لا إلزاما للخصم والمسائل العلمية تتزايد يوما فيوما بتلاحق الأفكار والأنظار فلتفاوت مراتب الطبائع والأذهان لا يخلو علم من العلوم عن تصادم الآراء وتباين الأفكار وإدارة الكلام من الجانبين للجرح والتعديل والرد والقبول إلا أنه بشرائط معتبرة مشروط وبرعاية الأصول منوط وإلا لكان مكابرة غير مسموعة فلا بد من قانون يعرف به مراتب البحث انتهى قوله.
وإلا لكان مكابرة أي وإن لم يكن البحث لإظهار الصواب لكان مكابرة.
وفيه مؤلفات أكثرها مختصرات وشروح للمتأخرين.
منها: آداب شمس الدين السمرقندي وهي أشهر كتب الفن ووآداب عضد الدين الأيجي ووآداب أحمد بن سليمان كمال باشا ووآداب أبي الخير أحمد بن مصطفى طاشكبري زاده المتوفى سنة اثنتين وستين وتسعمائة وهو جامع لمهمات هذا الفن مفيد جدا إلى غير ذلك.
علم آداب التوبة
وحقيقتها ترك الذنب في الحال والعزم على ذلك في الاستقبال والندم على ما مضى بتلافي ما فات وشرط صحتها في الماضي: أن يتكامل في كل طاعة تركها وفي كل معصية فعلها في ساعات عمره فيتوب عنها إلى الله تعالى بالندم والتحسر عليها ويحسب عددها ويعمل مكان كل سيئة حسنة ليمحوها بها وكذا يتأمل في مظالم العباد ويفعل مكان كل ظلم منها حسنة لصاحبها.
وآداب التوبة وشروطها وما يليها مشروحة في كتاب الإحياء للغزالي وهذا العلم معدود في علوم الأخلاق المنجيات على ما ذكره في مدينة العلوم.
علم آداب الحسبة
هي من جملة الواجبات ولا بد وأن يكون المحتسب عالما بمواقع الحسبة وأن يكون ورعا حسن الخلق إذ العلم والورع لا يكفي في اللطف والرفق ما لم يكن لصاحبه حسن الخلق.
стр. 282
ومن آدابها تقليل العلائق، حتى لا يكثر خوفه ويقطع الطمع حتى تزول عنه المداهنة.
وهذا العلم من العلوم المتعلقة بالعادات ذكره في مدينة العلوم وقد تقدم الكلام عليه أيضا في علم الاحتساب.
علم آداب الدرس
وهو العلم المتعلق بآداب تتعلق بالتلميذ مع الأستاذ وعكسه ومنفعته وغايته وغرضه ظاهرة جدا وقد استوفى هذا الباب في كتاب تعليم المتعلم مؤلفه ﵀.
علم آداب كتابة المصحف
ذكره أبو الخير من فروع علم التفسير وأنت تعلم أنه أشبه منه في كونه فرعا لعلم الخط.
قال في: المدينة: هو علم يتعرف منه كيفية كتابة المصحف ليكون موافقا للآداب المعتبرة في الشرع والمستحسنة عند السلف.
وفائدته غير خافية على أرباب البصائر منها: تحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط ويكره كتابته في الشيء الصغير وكان عمر ﵁ إذا رأى مصحفا قد كتب بقلم دقيق ضرب كاتبه وكان إذا رأى مصحفا عظيما سر به.
وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يكره أن يتخذ المصاحف صغارا قالت الشافعية: وتكره كتابته على الحيطان والجدران وعلى السقوف أشد كراهية لأنه يوطأ انتهى.
علم آداب السفر
وهو نوعان ظاهر وباطن ولكل منهما آداب.
أما الظاهر: فهو أن ينوي به طلب العلم أو العبادة أو يكون للهرب من مشوش في الدين أو في البدن كالمرض أو في المال كالغلا فإذا أراد بدأ برد المظالم والديوان والودائع وأعد النفقة له ولعياله من الحلال ثم يختار رفيقا يعينه على الدين وأن يستودع الله أهله وعياله ويصلي قبل السفر صلاة الاستخارة ثم يصلي في بيته أربع ركعات إذا شد عليه ثياب سفره ويخرج يوم الخميس ولا ينزل حتى يحمى النهار ولا يمشي متفردا عن القافلة ويرفق بالدابة راكبا ولا يحملها ما لا تطيق ولا يضرب في وجهها ويستصحب ستة أشياء السجنجل والساك والمكحلة والمشط والركوة والمقراض ويزيد ما شاء مما يحتاج إليه ويقدر عليه.
وإذا قدم لا يطرق أهله ليلا بل يخبرهم قبل دخول البيت ويدخل أولا المسجد فيصلي ثم يدخل البيت ويحمل لأهل بيته وأقاربه تحفا من مطعوم أو ملبوس أو غير ذلك بذلك وردت السنة المطهرة وأما الباطن: فهو أن لا يسافر إلا لزيادة أمر ديني ويستفيد في كل بلدة من مشائخها أدبا أو كلمة ينتفع بها لا ليحكي ذلك عنهم فقط ويقيم بكل بلدة بقدر الحاجة لا أكثر من ذلك ولا يجالس فيها إلا العلماء أو الصلحاء الصادقين المتبعين للكتاب والسنة ويلازم في الطريق الذكر وقراءة القرآن وشغل العلم والكتابة والعمل الصالح وإذا تيسر خدمة قوم صالحين فبها ونعمت
стр. 283
وإن لم يحصل في السفر زيادة في الدين فليرجع إذ لو كان بحق لظهر أثره.
علم آداب السماع والوجد.
حرمه الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من المشائخ المعتد بهم في أمور الدين والآثار فيه كثيرة.
ومن الصوفية من أباحه ولا بأس به فقد دلت السنة الصحيحة على ذلك بشرط أن لا يؤدي إلى المنكر في الشرع وقد حقق المقام الإمام الهمام شيخنا العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار وهو المعتمد.
وأما الصوفية فقالوا: إن له مراتب سماع صوت طيب وهو: إما موزون أو غيره.
ثم الموزون إما مفهوم أو غيره فهذه درجات.
والصوت الطيب لا حرمة فيه بل هو حلال كصوت البلابل ونغمة العنادل ولا يتفاوت ذلك بصدوره عن حيوان أو عن حنجر إنسان.
والموزون من حيث أنه موزون غير محرم إذ قد أنشد الشعر بين يدي النبي ﷺ فلا يكون الحرمة فيه إلا بحسب مفهومه.
وإن كان محرما فيحرم سواء كان موزونا أو غير موزون وإلا فلا يحرم ولذا ورد الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح.
وإذا عرفت كون الشعر الحسن مباحا فاعلم أن الكلام الموزون والصوت الطيب يحرك القلب سرورا وانقباضا ونشاطا وغما وذلك مركوز في طبع الإنسان حتى الصبيان في المهد بل في طبع الحيوان أيضا كما يحكى من ميل الجمال إلى الأصوات الطيبة والحداء وإذا كان كذلك لم يجز أن يحكم مطلقا بإباحته وحرمته بل يختلف ذلك باختلاف وأحوال القلب.
قال أبو سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه بل يحرك ما هو فيه وذكر في مدينة العلوم سبعة مواضع للغناء ليس ذكرها مرادا لنا في هذا الموضع.
علم آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق
ولا بد أن يكون الغرض من الصحبة النفع الديني كاستفادة العلم والعمل وكاستفادة العز والجاه تحصنا به عن أذى من يشوش القلب وكاستفادة المال للاكتفاء به عن إضاعة الأوقات في طلب الأقوات وكالاستعانة في المهمات فيكون عدة في المصائب وقوة في الأهوال والنوائب وكالتبرك بمجرد الدعاء وكانتظار الشفاعة في الآخرة.
ومن حقوق الصحبة: الاشتراك في المال مع عقد الأخوة والإعانة في قضاء الحاجات والسكوت عن ذكر عيوبه في حضرته وغيبته وذكر مناقبه في الغيب والعفو عن الزلات والهفوات والدعاء للأخ في حياته وبعد مماته والوفاء والإخلاص في المعاملة وترك التكليف في الصحبة.
وهذا العلم من فروع علوم العادات على ما ذكره في مدينة العلوم.
стр. 284
علم آداب العزلة
ولها فضائل وآفات وآداب
أما الفضائل فست
أولها: الفراغ للعبادات والاستيناس بمناجاة رب الأرباب عن مناجاة المخلوقات والاستكشاف بأسرار الله تعالى في أمر الدنيا والآخرة وملكوت السماء والأرض.
وثانيها: التخلص بالعزلة عن المعاصي التي لا يسلم منها الإنسان عند الصحبة إلا نادرا.
ثالثها: الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس.
رابعها: الخلاص من شر الناس من الغيبة له وسوء الظن به والتهمة عليه والاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعد الوفاء بها.
خامسها: انقطاع طمع الناس عنه وانقطاع طمعه عنهم.
سادسها: الخلاص من مشاهدة الثقلاء السفهاء ومقاساة أخلاقهم.
وأما الآفات: فأولها فوات التعليم والتعلم وهما أعظم العبادات.
ثانيها: فوات النفع والانتفاع لأن كلا منهما بالمخالطة.
ثالثها: فوات التأدب والتأديب بكسر النفس وقهر الشهوات بتحمل أذى الناس.
رابعها: فوات الاستيناس والإيناس بالصلحاء الأتقياء.
خامسها: فوات نيل الثواب وإنالته.
أما النيل: فبحضور الجمعة والجماعات والجنائز وعيادة المرضى وحضور العيدين.
وأما الإنالة: فهي سد باب التعزية والتهنية والعيادة والزيارة إن كان عالما تقيا ففي هذه الصورة ينبغي أن يوازن ثواب هذه بآفاتها ويرجح ما ترجح.
سادسها: فوت التجارب إذ العقل الغريزي غير كاف بها.
وأما آدابها: فهي أن ينوي بعزلته كف شره عن الناس أولا ثم طلب السلامة من الأشرار.
ثانيا: ثم الخلاص من آفات الاختلاط.
ثالثا: التجرد بكنه الهمة لعبادة الله.
رابعا: ثم المواظبة في الخلوة على العلم والعمل والفكر والذكر والخلاص عن استماع أخبار الناس وأراجيف البلد اللذين يشوشان القلب لا سيما في الصلاة وهذا العلم ذكره في مدينة العلوم في العلوم المتعلقة بالعادات.
علم آداب الكسب والمعاش
وهي أن لا يغابن صاحبه فيما يتغابن فيه وأن يحتمل الغبن إن اشترى من ضعيف أو فقير. وأن يسامح في طلب الثمن وأن يحط فيه وأن لا يتقاضى المديون وأن يحتمل أذى الدائن وأن يقيل من يستقيله وأن يعلم مراتب الحلال والحرام والشبهات.
стр. 285
أما مراتب الحرام فأربع.
إحداها: ورع العدول وهو أن يترك ما يحرمه فتاوى الفقهاء.
وثانيتها: ورع الصالحين وهو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم.
وثالثتها: أن يترك ما لا بأس به مخافة أن يقع فيما فيه بأس.
ورابعتها: ورع الصديقين وهو ترك ما لا بأس به أصلا ولكن يخاف أن يكون لغير الله أولا على نية التقوى وعبادة الله أو يتطرق إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية.
وأما مراتب الشبهات: فمعرفتها موقوفة على معرفة مراتب الحرام وقد مر ذكرها وعلى معرفة مراتب الحلال.
وهي أن الحلال المطلق ما لا تتطرق إليه أسباب التحريم والكراهة ويقابله الحرام المحض وهذان العرفان ظاهران ليس فيهما شبهة وهو قوله ﵊: الحلال بين والحرام بين
وإنما مثار الشبهة خمسة:
الأول: الشك في السبب المحلل والمحرم فهذه أربعة أقسام.
الأول: أن يعلم المحلل قبل ويقع الشك في التحريم.
والثاني: أن يعرف الحل من قبل ويشك في التحريم.
الثالث: أن يكون الأصل التحريم وطرأ عليه سبب التحليل.
الرابع: أن يكون الحل معلوما ولكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعا.
والمثار الثاني: الشبهة شك منشأ الاختلاط بين الحلال والحرام.
والمثار الثالث: المشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية.
المثار الرابعة: للشبهة الاختلاط في الأدلة وهذا كالاختلاط في السبب ثم إنه إذا وقع الحرام في ذمة أحد فإن وجد مالكه يدفعه إليه وإلا يرده وارثه وإن كان صاحب الحق غائبا ينتظر إليه وإن انقطع الرجاء عنه ولم يكن له وارث أو كان المال لم يمكن رده لكثرة الملاك كالغلول في مال الغنيمة فحكم هذا المال أن يتصدق به لأن النبي ﷺ أهديت له شاة مصلية فكلمته الشاة بأنها حرام قال: "أطعموها الأسارى" وكذلك ورد في ذلك الأثر عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى يوم الدين.
علم آداب النبوة
ولا بد من معرفتها ليفتدى بها لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وكان النبي ﷺ دائما يسأل من الله أن يزين بمكارم الأخلاق والآداب وكان يقول ﷺ : "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وعن عائشة أنها سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن وبهذا أظهر أن من أراد أن يتخلق بأخلاق النبي ﷺ فعليه أن يتخلق بما في القرآن من الأخلاق.
وأحسن الكتب المؤلفة في ذلك زاد المعاد من هدي خير العباد للحافظ ابن القيم ﵀ وكتاب سفر السعادة للمجد الفيروز أبادي فإنهما جمعا كل أدب وعادة وسيرة كانت للنبي ﷺ في كل باب من