وقد يبحث فيه عن أحوال الآكر المتحركة فاندرج فيه ولا حاجة إلى جعله علما مستقلا كما جعله صاحب: مدينة العلوم و: مفتاح السعادة وعداهما من فروع علم الهيئة.
وقالا: تتوقف براهين علم الهيئة على هذين أشد توقف ولهذا جل نفع هذا العلم.
وفيه كتب للأوائل والأواخر منها الآكر المتحركة للمهندس الفاضل أوطولوقس اليوناني وقد عربوه في زمن المأمون ثم أصلحه يعقوب بن إسحاق الكندي وأكرمانالاؤس وأكرثاؤذوسيوس
علم الآلات الحربية
هو علم يتعرف منه كيفية اتخاذ الآلات الحربية كالمنجنيق وغيرها.
وهو من فروع علم الهندسة.
ومنفعته ظاهرة لأنه شديد العناء في دفع الأعداء وحماية المدن.
وهذا العلم: أحد أركان الدين لتوقف أمر الجهاد عليه ولبني موسى بن شاكر كتاب مفيد في هذا العلم كذا في: مفتاح السعادة و: مدينة العلوم.
وينبغي أن يضاف علم رمي القوس والبنادق إلى هذا العلم وأن ينبه على أن أمثال ذلك العلم قسمان:
علم وضعها وصنعتها.
وعلم استعمالها وفيه كتب.
علم الآلات الرصدية
ذكره أبو الخير من فروع علم الهيئة وقال: هو علم يتعرف منه كيفية تحصيل الآلات الرصدية قبل الشروع في الرصد فإن الرصد لا يتم إلا بآلات كثيرة رتبوها وتحصيل تلك الآلات يتوقف على معرفة أحوالها وكتاب: الآلات العجيبة للخازني يشتمل على ذلك. انتهى
ومثله في مدينة العلوم.
وقال العلامة تقي الدين الراصد في: سدرة منتهى الأفكار: والغرض من وضع تلك الآلات: تشبيه سطح منها بسطح دائرة فلكية ليمكن بها ضبط حركتها ولن يستقيم ذلك ما دام لنصف قطر الأرض قدر محسوس عند نصف قطر تلك الدائرة الفلكية إلا بتعديله بعد الإحاطة باختلافه الكلي وحيث أحسسنا بحركات دورية مختلفة وجب علينا ضبطها بآلات رصدية تشبهها في وضعها لما يمكن له التشبيه ولما لم يمكن له ذلك يضبط اختلافه ثم فرض كرات تطابق اختلافا لها المقيسة إلى مركز العالم تلك الاختلافات المحسوس بها إذا كانت متحركة حركة بسيطة حول مراكزها. فبمقتضى تلك الأغراض تعددت الآلات والذي أنشأناه بدار الرصد الجديدة هذه الآلات منها: اللبنة: وهي جسم مربع مستو يستعلم به الميل الكلي وأبعاد الكواكب وعرض البلد.
ومنها الحلقة الاعتدالية: وهي حلقة تنصب في سطح دائرة المعدل ليعلم بها التحويل الاعتدالي.
ومنها ذات الأوتار قال: وهي من مخترعنا وهي أربع أسطوانات مربعات تغني عن الحلقة الاعتدالية على أنها يعلم تحويل الليل أيضا.
ومنها ذات الحلق: وهي أعظم الآلات هيئة ومدلولا وتركب من حلقة تقام مقام منطقة فلك البروج
стр. 317
وحلقة تقام مقام المارة بالأقطاب تركب أحدها في الأخرى بالتصنيف والتقطيع وحلقة الطول الكبرى وحلقة الطول الصغرى تركب الأولى في محدب المنطقة والثانية في مقعرها وحلقة نصف النهار وقطر مقعرها مساو لقطر محدب حلقة الطول الكبرى من حلقة الأرض قطر محدبها قدر قطر مقعر حلقة الطول الصغرى فتوضع هذه على كرسي.
ومنها: ذات السمت والارتفاع: وهي نصف حلقة قطرها سطح من سطوح أسطوانة متوازية السطوح يعلم بها السمت وارتفاعها وهذه الآلة من مخترعات الرصاد الإسلاميين.
ومنها: ذات الشعبتين: وهي ثلاث مساطر على كرسي يعلم بها الارتفاع.
ومنها: ذات الجيب: وهي مسطرتان منتظمتان انتظام ذات الشعبتين.
ومنها: المشبهة بالناطق قال: وهي من مخترعاتنا كثيرة الفوائد في معرفة ما بين الكوكبين من البعد وهي ثلاث مساطر اثنتان منتظمتان انتظام ذات الشعبتين.
ومنها: الربع المسطري وذات النقبتين والبنكام الرصدي وغير ذلك وللعلاقة غياث الدين جمشيد رسالة فارسية في وصف تلك الآلات سوى ما أخترعه تقي الدين.
واعلم أن الآلات الفلكية كثيرة منها: الآلات المذكورة ومنها السدس الذي ذكره جمشيد.
ومنها: ذات المثلث.
ومنها: أنواع الإسطرلابات: كالتام والمسطح والطوماري والهلالي والزورقي والعقربي والأسي والقوسي والجنوبي والشمالي والكبري والمبطح والمسرطق وحق القمر والمغني والجامعة وعصا موسى
ومنها: أنواع الأرباع: كالتام والمجيب والمقنطرات والأفاقي والشكازي ودائرة المعدل وذات الكرسي والزرقالة وربع الزرقالة وطبق المناطق.
وذكر ابن الشاطر في النفع العام: أنه أمعن النظر في الآلات الفلكية فوجد مع كثرتها أنها ليس فيها ما يفي بجميع الأعمال الفلكية في كل عرض قال: ولا بد أن يداخلها الخلل في غالب الأعمال أما من جهة تعسر تحقيق الوضع كالمبطحات أو من جهة تحرك بعضها على بعض وكثرة تفاوت ما بين خطوطها وتزاحمها كالإسطرلاب والشكازية والرزقالية وغالب الآلات أو من جهة الخيط أو تحريك المري وتزاحم الخطوط كالأرباح المقنطرات والمجيبة وإن بعضها يعسرها غالب المطالب الفلكية وبعضها لا يفي إلا بالقليل أو بعضها مختص بعرض واحد وبعضها بعروض مختصة وبعضها تكون أعمالها ظنية غير برهانية وبعضها يأتي بعض الأعمال بطريق مطولة خارجة عن الحد وبعضها يعسر حملها ويقبح شكلها كالآلة الشاملة فوضع آلة يخرج بها جميع الأعمال في جميع الآفاق بسهولة مقصد ووضوح برهان فسماها الربع التام.
علم آلات الساعة
من الصناديق والضوارب وأمثال ذلك ونفعه بين لكل واحد وفيها مجلدات عظيمة.
هذا حاصل ما ذكره أبو الخير في فروع الهيئة ونحوه في: مدينة العلوم وأقول لا يخفى عليك أنه هو علم البنكامات الذي جعله من فروع الهندسة وسيأتي في الباء وكيفية وضعها مسطورة في كتاب حيل بني موسى.
стр. 318
علم الآلات الظلية
هو علم يتعرف منه مقادير ظلال المقائس وأحوالها الأخر والخطوط التي ترسم في أطرافها وأحوال الظلال المستوية والمنكوسة.
ومنفعته معرفة ساعات النهار بهذه الآلات كالبسائط والقائمات والمائلات من الرخامات وفيه كتاب مبرهن لإبراهيم بن سنان الحراني ذكره أبو الخير في فروع علم الهيئة ومثله في: مدينة العلوم.
علم الآلات العجيبة الموسيقائية
هو علم يتعرف منه كيفية وضعها وتركيبها كالعود والمزامير والقانون سيما الأرغنوك وغير ذلك ولقد أبدع واضعها فيها الصنائع العجيبة والأمور الغريبة.
قال أبو الخير: ولقد شاهدته واستمعت به مرات عديدة ولم تزد المشاهدة والنظرة إلا دهشة وحيرة. ثم ثال وإنما تعرضت لها مع كونها محرمة في شريعتنا لكونها من فروع العلوم الرياضية.
أقول وسيأتي بيان حكمة الحرمة في الموسيقى وعبارة: مدينة العلوم ولا نطول الكلام بذكر أنواع الآلات الموسيقية لأنها محرمة في شريعتنا وعمر طالب الآخرة أشرف من أن يضيع أوقاته في أمثال هذه وإنما تعرضت لها ههنا لأتمم أنواع العلوم. انتهى. قلت: ومن قول أصحاب هذا العلم هذا الشعر:
من كل شيء لذيذ احتسى قدحا
وكل ناطقة في الكون يطربني
ومن أنواع تلك الآلات الكوس والطبل والنقارة والدائرة.
ومن أنواع المزامير الناي والسورنا والنفير والمثقال والفوال وآلة يقال لها بوري ودودك.
ومن أنواع ذات الأوتار: الطنبور والششتا والرباب وآلة يقال لها قيوزوجنك وغير ذلك.
وقد أورد الشيخ في: الشفا بصورها وكذا العلامة الشيرازي في: درة التاج.
علم الآلات الروحانية
وهو علم تتبين منه: كيفية إيجاد الآلات المرتبة المبنية على ضرورة عدم الخلاء ونحوها كقدح العدل وقدح الحور.
أما الأول: فهو إناء إذا امتلأ منها قدر معين يستقر فيها الشراب وإن زيد عليها ولو بشيء يسير ينصب الماء ويتفرغ الإناء عنه بحيث لا يبقى منه قطرة.
وأما الثاني: فله مقدار معين إن صب فيه الماء بذلك القدر القليل يثبت وإن ملئ يثبت أيضا وإن كان بين المقدارين يتفرغ الإناء كل ذلك لعدم إمكان الخلاء.
وهذا العلم من حيث تعلقه بمقدار معين من الإناء من فروع علم الهندسة ومن حيث كونه مبنيا على عدم الخلاء من فروع علم الطبيعي ومن هذا القبيل دوران الساعات ويسمى علم آلات روحانية: لارتياح النفس وارتياضها بغرائب هذه الآلات.
وأشهر كتب هذا الفن: حيل بني موسى بن شاكر وفيه كتاب: مختصر لغيلن وكتاب: مبسوط للبديع الجزري كذا قال أبو الخير.
стр. 319
علم الألغاز
هو علم يتعرف منه دلالة الألفاظ على المراد دلالة خفية في الغاية لكن لا بحيث تنبو عنها الأذهان السليمة بل تستحسنها وتنشرح إليها بشرط أن يكون المراد من الألفاظ الذوات الموجودة في الخارج وبهذا يفترق من المعمى لأن المراد من الألفاظ اسم شيء من الإنسان وغيره.
وهو من فروع علم البيان لأن المعتبر فيه وضوح الدلالة كما سيأتي.
والغرض فيهما: الإخفاء وستر المراد ولما كان إرادة الإخفاء على وجه الندرة عند امتحان الأذهان لم يتلفت إليهما البلغاء حتى لم يعد وهما أيضا من الصنائع البديعة التي يبحث فيها عن الحسن العرضي.
ثم هذا المدلول الخفي إن لم يكن ألفاظا وحروفا بلا قصد دلالتهما على معان أخر بل ذوات موجودة يسمى اللغز.
وإن كان ألفاظا وحروفا دالة على معان مقصودة يسمى معمى.
وبهذا يعلم أن اللفظ الواحد يمكن أن يكون معمى ولغزا باعتبارين.
لأن المدلول إذا كان ألفاظا: فإن قصد بها معان أخر يكون معمى.
وإن قصد ذوات الحروف على أنها من الذات: يكون لغزا.
وأكثر مبادئ هذين العلمين مأخوذ من تتبع كلام الملغزين وأصحاب المعمى وبعضها أمور تخييلية تعتبرها الأذواق.
ومسائلها راجعة إلى المناسبة الذوقية بين الدال والمدلول الخفي على وجه يقبلها الذهن السليم
ومنفعتها تقويم الأذهان وتشحيذها:.
ومن أمثلة الألغاز قول القائل في القلم:
وما غلام راكع ساجد ... أخو نحول دمعه جاري
ملازم الخمس لأوقاتها ... منقطع في خدمة الباري
وآخر في الميزان:
وقاضي قضاة يفصل الحق ساكتا ... وبالحق يقضي لا يبوح فينطق
قضى بلسان لا يميل وإن يمل ... على أحد الخصمين فهو مصدق
ومن الكتب المصنفة فيه أيضا كتاب: الألغاز للشريف عز الدين حمزة بن أحمد الدمشقي الشافعي المتوفى سنة أربع وسبعين وثمانمائة.
وصنف فيه جمال الدين عبد الرحيم بن حسن الأسنوي - المتوفى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
ومن الكتب المصنفة فيه: الذخائر الأشرفية في الألغاز الخفية للقاضي عبد البر بن شحنة الحلبي - المتوفى سنة إحدى وعشرين وتسعمائة - وهو الذي انتخب ابن نجيم في الفن الرابع من الأشباه وذكر أن خبرة الفقهاء والعدة اشتملا على كثير من ذلك لكن الجميع ألغاز فقهية.
стр. 320
علم الإلهي
هو علم يبحث فيه عن الحوادث من حيث هي موجودات.
وموضوعه الوجود من حيث هو.
وغايته تحصيل الاعتقادات الحقة والتصورات المطابقة لتحصيل السعادة الأبدية والسيادة السرمدية كذا في: مفتاح السعادة.
وفي كشاف اصطلاحات الفنون: هو علم بأحوال ما يفتقر في الوجودين أي الخارجي والذهني إلى المادة.
ويسمى أيضا بالعلم الأعلى وبالفلسفة الأولى وبالعلم الكلي وبما بعد الطبيعة وبما قبل الطبيعة
والبحث فيه عن الكميات المتصلة والكيفيات المحسوسة والمختصة بالكميات وأمثالها مما يفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي استطرادي وكذا البحث عن الصورة مع أن الصورة تحتاج إلى المادة في التشكل كذا في العلمي وفي الصدر أمن الحكمية النظرية ما يتعلق بأمور غير مادية مستغنية القوام في نحوي الوجود العيني والذهني عن اشتراط المادة كالإله الحق والعقول الفعالة والأقسام الأولية للموجود كالواجب والممكن والواحد والكثير والعلة والمعلول والكلي والجزئي وغير ذلك فإن خالط شيء منها المواد الجسمانية فلا يكون على سبيل الافتقار والوجوب.
وسموا هذا القسم: العلم الأعلى فمنه العلم الكلي المشتمل على تقاسيم الوجود المسمى بالفلسفة الأولى ومنه الإلهي الذي هو فن من المفارقات.
وموضوع هذين الفنين: أعم الأشياء وهو الموجود المطلق من حيث هو. انتهى.
وأصول الإلهي خمسة:
الأول: الأمور العامة.
الثاني: إثبات الواجب وما يليق به.
الثالث: إثبات الجواهر الروحانية.
الرابع: بيان ارتباط الأمور الأرضية بالقوى السماوية.
الخامس: بيان نظام الممكنات.
وفروعه قسمان:
الأول: البحث عن كيفية الوحي وصيرورة العقل محسوسا ومنه تعريف الإلهيات ومنه الروح الأمين.
الثاني: العلم بالمعاد الروحاني. انتهى.
وقال صاحب: إرشاد القاصد: يعبر عنه بالإلهي لاشتماله على علم الربوبية.
وبالعلم الكلي لعمومه وشموله لكليات الموجودات.
وبعلم ما بعد الطبيعة لتجرد موضوعه عن المواد ولواحقها.
قال: وأجزاؤه الأصلية خمسة: الأول: النظر في الأمور العامة مثل الوجود والماهية والوجوب والإمكان والقدم والحدوث والوحدة والكثرة.
والثاني: النظر في مبادئ العلوم كلها وتبيين مقدماتها ومراتبها.
стр. 321
والثالث: النظر في إثبات وجود الإله ووجوبه والدلالة على وحدته وصفاته.
والرابع: النظر في إثبات الجواهر المجردة من العقول والنفوس والملائكة والجن والشياطين وحقائقها وأحوالها.
والخامس: النظر في أحوال النفوس البشرية بعد مفارقتها وحال المعاد.
ولما اشتدت الحاجة إليه اختلفت الطرق.
فمن الطالبين: من رام إدراكه بالبحث والنظر وهؤلاء زمرة الحكماء الباحثين ورئيسهم أرسطو وهذا الطريق أنفع للتعلم لو وفى بجملة المطالب وقامت عليها براهين يقينية وهيهات.
ومنهم: من سلك طريق تصفية النفس بالرياضة وأكثرهم يصل إلى أمور ذوقية يكشفها له العيان ويجل أن توصف بلسان ومنهم: ابتدأ أمره بالبحث والنظر وانتهى إلى التجريد وتصفية النفس فجمع بين الفضيلتين وينسب مثال هذا الحال إلى سقراط وأفلاطون والسهروردي والبيهقي. انتهى.
وقال أبو الخير: وهذا العلم هو المقصد الأقصى والمطلب الأعلى لكن لمن وقف على حقائقه واستقام في الإطلاع على دقائقه لأن حظي به فقد فاز فوزا عظيما ومن زلت فيه قدمه أو طغى به قلمه فقد ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا إذ الباطل يشاكل الحق في مأخذه والوهم يعارض العقل في دلائله جل جناب الحق عن أن يكون شريعة الكل وارد أو يطلع على سرائر قدسه إلا واحد بعد واحد وقلما يوجد إنسان يصفو عقله عن كدر الأوهام ويخلص فهمه عن مهاوي الإيهام ويستسلم لما قرره الأعلام.
واعلم أن من النظر رتبة تناظر طريق التصفية ويقرب حدها من حدها وهو طريق الذوق ويسمونه الحكمة الذوقية.
وممن وصل إلى هذه الرتبة في السلف السهروردي وكتاب: حكمة الإشراق له صادر عن هذا المقام برمز أخفى من أن يعلم وفي المتأخرين: الفاضل الكامل مولانا شمس الدين الفناري في بلاد الروم ومولانا جلال الدين الدواني في بلاد العجم ورئيس هؤلاء الشيخ صدر الدين القونوي والعلامة قطب الدين الشيرازي. انتهى. ملخصا أو سيأتي تمام التفصيل في الحكمة عند تحقيق الأقسام إن شاء الله العزيز العلام.
واعلم أن منبع العلوم الحكمية النظرية وأستاذ الكل فيها إدريس ﵇ آتاه الله الحكمة والنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وعلم النجوم. وأفهمه عدد السنين والحساب وعلمه الألسنة حتى تكلم الناس في زمنه باثنين وتسعين لسانا ولد بمصر وسموه هرمس الهرامس وباليونانية أرمس بمعنى عطارد وعرب بهرمس واسمه الأصلي هنوخ وعرب أخنوخ وسماه الله تعالى في كتابه العربي المبين إدريس لكثرة دراسة كتاب الله تعالى.
وقيل: إن معلمه غوثاديمون أو أغثاذيمون المصري وتفسيره السعيد الجد قيل: وهو شيث ﵇.
ثم إن إدريس عرف الناس صفة نبينا محمد ﷺ بأنه يكون بريئا عن المذمات والآفات كلها كاملا في الفضائل الممدوحات لا يقصر عما يسأل عنه مما في الأرض والسماء ومما فيه دواء وشفاء وأنه يكون
стр. 322
مستجاب الدعوة في كل ما يطلبه ويكون مذهبه ودينه ما يصلح به العالم.
وكانت قبلة إدريس جهة الجنوب على خط نصف النهار كان رجلا تام الخلقة حسن الوجه أجلح كث اللحية مليح الشمائل والتخاطيط تام الباع عريض المنكبين ضخم العظام قليل اللحم براق العين أكحلها متأنيا في كلامه كثير الصمت وإذا اغتاظ أخذ يحرك سبابته إذا تكلم وكانت مدة مقامه في الأرض اثنتين وثمانين سنة ثم دفعه الله مكانا عليا.
وهو أول من خاط الثياب وحكم بالنجوم وأنذر بالطوفان وأول من بنى الهياكل ومجد الله فيها وأول من نظر في الطب وأول من ألف القصائد والأشعار وهو الذي بنى أهرام بمصر وصور فيها جميع العلوم والصناعات وآلاتها خشية أن يذهب رسمها بالطوفان.
واعلم أيضا أن من أساتذة الحكمة الحكيم أفلاطون أحد الأساطين الخمسة للحكمة من يونان كبير القدر مقبول القول البليغ في مقاصده.
أخذ عن فيثاغورس وشارك مع سقراط في الأخذ عنه وصنف في الحكمة كتبا لكن اختار فيها الرمز والإغلاق وكان يعلم تلاميذه وهو ماش ولهذا سموا المشائين وفوض الدرس في آخر عمره إلى أرشد أصحابه وانقطع هو للعبادة وعاش ثمانين سنة وولد في مدينة أنيس ولازم سقراط خمسين سنة وكان عمره إذ ذاك عشرون سنة وتزوج امرأتين وكانت نفسه في التعليم مباركة تخرج بها علماء اشتهروا من بعده.
ومن جملة أساتذة الحكمة أرسطاطاليس تلميذ أفلاطون لازم خدمته مدة عشرين سنة وكان أفلاطون يؤثر على غيره ويسميه العقل وهو خاتم حكماءهم وسيد علمائهم وأول من استخرج المنطق وله كتب شريفة في الفلسفة وكان معلم الإسكندر بن فيلقوس وبآدابه وسياسته عمل هو فظهر الخير وفاض العدل وبه انقمع الشرك في بلاد اليونانيين.
ومعنى أرسطاطاليس محب الحكمة أو الفاضل الكامل عاش سبعا وستين سنة ومصنفاته تنيف على ثمانين وكان أبيض أجلح حسن القامة عظيم العظام صغير العينين والفم عريض الصدر كث اللحية أشهل العينين أقنى الأنف يسرع في مشيته ناظرا في الكتب دائما يقف عند كل كلمة ويطيل الإطراق عند السؤال قليل الجواب ينتقل في أوقات النهار في الفيافي ونحو الأنهار محبا لاستماع الألحان والاجتماع بأهل الرياضة وأصحاب الجدل منصفا في نفسه إذا خصم ويعرف بموضع الإصابة والخطأ معتدلا في الملابس والمآكل مات وله ثمان وتسعين سنة ثم إنه تخلف عن خدمة الملوك وبنى موضع التعليم وأقبل على العناية بمصالح الناس.
وكان جليل القدر كثير التلاميذ من الملوك وأبناءهم وكان أهل مدينة أسطا إذا أشكل عليهم أمر يجتمعون إلى قبره حتى يفتح لهم ويزعمون أن قبره يصحح فكرهم ويذكي عقولهم واستيفاء أخباره لا يمكن إلا في مجلد.
ومن جملة أساتذة الحكمة الفارابي وهو أبو نصر محمد بن محمد كان ذكيا حكيما مشهورا صاحب التصانيف في المنطق والمحكمة وغيرهما من العلوم وهو أكبر فلاسفة الإسلاميين لم يكن فيهم من بلغ
стр. 323
رتبته في فنونه وتخرج ابن سينا في كتبه وبعلومه انتفع في تصانيفه كان رجلا تركيا تنقلت به الأسفار إلى أن وصل بغداد وهو يعرف كثيرا من اللغات غير العربي ثم تعلمه وأتقنه.
ثم اشتغل بالحكمة فقرأ على أبي بشر - متى بن يونس الحكيم - من شرح كتاب أرسطو في المنطق سبعين سفرا وكان هو شيخا كبيرا له صيت عظيم يجتمعون في حلقته كل يوم المئون من المنطقيين ثم أخذ طرفا من المنطق من أبي حنا ابن خيلان الحكيم النصراني بمدينة حران ثم نقل إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة وتمهر في كتب أرسطو جميعها يقال وجد كتاب النفس لأرسطو عليه مكتوب بخط الفار أبي: إني قرأت هذا الكتاب مائتي مرة وقال: قرأت السماع الطبعي لأرسطو أربعين مرة ومع ذلك إني محتاج إلى معاودته وكان يقول: لو أدركت أرسطو لكنت أكبر تلامذته.
ثم سافر إلى دمشق ثم إلى مصر ثم عاد إلى دمشق فأحسن إليه سلطانها١ سيف الدولة بن حمدان وأجرى عليه كل يوم أربعة دراهم لأنه كان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكتسب ولا مسكن لذلك أقتصر على أربعة دراهم وكان منفردا بنفسه لا يكون إلا في مجتمع ماء أو مشبك رياض ويؤلف كتبه هناك وكان أكثر تصانيفه في الرقاع ولم يصنف في الكراريس إلا قليلا فلذلك كانت أكثر تصانيفه فصولا وتعليقات وبعضها ناقصا.
يحكى أن الآلات المسماة بالقونون من تركيبه.
توفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق وقد ناهز ثمانين سنة.
وعدد مصنفاته من الكتب والرسالة سبعون كلها نافعة سيما كتابان في العلم الإلهي والمدني لا نظير لهما.
أحدهما: المعروف بالسياسة المدنية.
والأخرى: بالسيرة الفاضلة وصنف كتابا شريفا في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه أحد ولا ذهب أحد مذهبه ولا يستغني عنه أحد من طلاب العلم وكذا كتابه في أغراض أفلاطون وأرسطو أطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علما علما وبين كيفية التدرج من بعضها إليها بعض شيئا فشيئا ثم بدأ بفلسفة أرسطو ووصف أغراضه في تواليفه المنطقية والطبيعية فلا أعلم كتابا أجدى على طلب الفلسفة منه.
وفاراب: إحدى مدن الترك فيما وراء النهر.
стр. 324
ومن جملة أساطين الحكمة: أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا الحكيم المشهور وكان أبوه من بلخ ثم انتقل منها إلى بخارا وكان من العمال الكفاة وتولى العمل بقرية من بخارا يقال لها هرمين ثم انتقلوا إلى بخارا وانتقل الرئيس بعد ذلك في البلاد وأشتغل بالعلوم وحصل الفنون ولما بلغ عشر سنين من عمره أتقن علم القرآن العزيز والأدب وحفظ أشياء من أصول الدين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة ثم قرأ كتاب: إيساغوجي علي أبي عبد الله النابلي وأحكم عليه ظواهر المنطق: لأنه لم يكن يعرف دقائقها ثم حل هو نفسه دقائق غفل عنها الأوائل وأحكم عليه إقليدس والمجسطي وفاقه أضعافا كثيرة.
وكان مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد يقرأ ويبحث ويناظرهم ثم اشتغل بتحصيل الطبعي والإلهي وغير ذلك وفتح الله عليه أبواب العلوم ثم فاق في علم الطب الأوائل والأواخر في أقل مدة وأصبح عديم القرين فقيد المثيل.
وقرأ عليه فضلاء هذا الفن أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة وسنه إذ ذاك نحو ستة عشر وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ولم يشتغل في النهار بشيء سوى العلم والمطالعة وكان إذا أشكلت عليه مسئلة توضأ وقصد المسجد الجامع وصلى ودعا الله أن يسهلها عليه ويفتح مغلقها له فتح الله ﵎ – مشكلاتها.
ثم اتصل بخدمة نوح بن نصر الساماني صاحب خراسان بسبب الطب ودخل إلى خزانة كتبه واطلع على كتب لم تقرع آذان الزمان بمثلها وحصل نخب فوائدها وتحلى بنفائس فرائدها.
ويحكى عنه أنه لم يطلع على مسئلة إلى آخر عمره إلا وكان يعرفها وكان في ثمانية عشر سنين من سنه حتى حكي عنه أنه قال: كل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم أزد عليه إلى اليوم وهذا أمر عظيم لا يكاد يقبله العقل لولا عرف حد ذكائه.
ثم تنقلت به الأحوال بأمور يطول شرحها حتى استوزر ثم عزل وحبس وبعد هذه الأحوال كلها مرض ثم صلح ثم دخل إلى أن ضعف جدا ثم اغتسل وتاب١ وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ثم مات يوم الجمعة من رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة بهمذان وكانت ولادته سنة سبعين وثلاثمائة في شهر صفر وقيل: توفي بأصبهان وفضائله كثيرة شهيرة وكان نادرة عصره في علمه وذكائه وتصانيفه.
وعدة مؤلفاته ثمانية وستون على الأشهر وقيل: يقارب مائة مصنف ما بين مطول ومختصر.
стр. 325
ورسائله بديعة منها: رسالة حي بن يقظان و: رسالة سلامان و: إبسال و: رسالة الطب و: قصيدة الورقاء يرمز بها عن النفس الناطقة.
ومن جملة أساطين الحكمة الإمام فخر الدين الرازي وممن نحا نحو ابن سينا والرازي:
نصير الدين الطوسي وهو محمد بن محمد سلطان الحكماء المدققين وقدوتهم في زمانه جامع علوم المتقدمين والمتأخرين.
ولد يوم السبت حادي عشر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وخمسمائة توفي آخر نهار الاثنين ثامن عشر ذي الحجة وقت مغيب الشمس سنة اثنتين وسبعين وستمائة ودفن بالمشهد الكاظمي.
وكان آية في التدقيق والتحقيق وحل المواضع المشكلة سيما: لطف التحرير الذي لم يلتفت إليه المتقدمون بل التفتوا إلى جانب المعنى فقط ثم إن الفاضل الشريف قلده في أمر التحرير والتقرير كما يظهر ذلك بالنظر في تصانيفهما.
وكان١ غاليا في التشيع كما يفصح عنه المقصد السادس من التجريد إلا أن الشيخ أكمل الدين قال: في أواخر شرحه للتجريد سمعت شيخي العلامة قطب الدين الشيرازي قال: كان الناس مختلفين في أن هذا الكتاب يعني التجريد لخواجه نصير الدين أولا فسأل عن ذلك ابنه خواجه أصيل الدين فقال: كان والدي وضعه إلى باب الإمامة وتوفي فكمله ابن المطهر الحلي وكان من الشيعة وهو زائغ زيغا عظيما فعلى هذه الرواية يكون بريئا عن نقيصة التشيع إلا أن المشهور عند الجمهور خلاف.
وبمن يلي هؤلاء في معرفة الحكمة الشيخ شهاب الدين السهروردي بل فاق كثيرا في الحكمة الذوقية.
وممن خرط في سلكهم الشيخ قطب دن الشيرازي والشيخ قطب الدين الرازي وسعد الدين التفتازاني والسيد الشريف الجرجاني ثم الجلال الدواني.
قال الأرنيقي: بعد ما ذكر في: مدينة العلوم ومن فضلاء بلادنا مولانا مصلح الدين مصطفى الشهير بخواجه زاده ومصلح الدين مصطفى الشهير بالقسطلاني لكن هؤلاء السبعة قد فاقوا على أكثر المتقدمين في الحديث والتفسير والأصول والفروع إلا أن الإمام فخر الدين الرازي فإنه تمهر فيها مع مشاركته لهؤلاء في علوم الحكمة بأقسامها وإن اتقانه أقوى من إتقانهم. انتهى
قلت: وفي قوله فاق على أكثر المتقدمين إلى آخره نظرا لأن العلم المجرد بالحديث والتفسير لا يكفي في صحة الاعتقاد والعمل حتى يستعملها على وجههما ويقول بمقتضاهما ويحقق فحواهما وأنى لهم التناوش من مكان بعيد.
والفخر الرازي أكثر كلاما من هؤلاء في علوم التفسير ولكن قال أهل التحقيق في حق كتابه: مفاتيح الغيب فيه كل شيء إلا التفسير وقد بحث في تفسيره هذا عن كل شيء لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وقد أخطأ في مواضع مما يتعلق بفهم القرآن الكريم ويقال: إنه لم يكمل تفسيره بل كمله
стр. 326
بعض من جاء بعده والخطأ منه وقد أصاب في مواضع منها: رد التقليد واثبات الاتباع. والله أعلم.
ثم قال في: مدينة العلوم: إن الكتب المؤلفة في العلم الإلهي لما لم يخل عن الرياضي والطبعي أيضا أحببنا أن نذكره بعد الفراغ عن الكل - اللهم إلا نادرا -: كالمباحث المشرقية للإمام فخر الدين الرازي وأمثاله ولا تظن أن العلوم الحكمية مخالفة للعلوم الشرعية مطلقا بل الخلاف في مسائل يسيرة وبعضها مخالف في مسائل قليلة ظاهرا لكن إن حقق يصافح أحدهما الآخر ويعانقه. انتهى.
قال في: كشف الظنون ثم اعلم أن البحث والنظر في هذا العلم لا يخلو إما: أن يكون على طريق النظر أو: على طريق الذوق فالأول: إما على قانون فلاسفة المشائين فالمتكفل له كتب الحكمة أو على قانون المتكلمين فالمتكفل حينئذ كتب الكلام لأفاضل المتأخرين والثاني: إما على قانون فلاسفة الإشراقين فالمتكفل له حكمة الإشراق ونحوه أو على قانون الصوفية واصطلاحهم فكتب التصوف.
وقد علم موضوع هذا الفن ومطالبه فلا تغفل فإن هذا التنبيه والتعليم مما فات عن أصحاب الموضوعات - وفوق كل ذي علم عليم.
وعبارة ابن خلدون في: تاريخه هكذا.
قال: علم الإلهيات: هو علم ينظر في الوجود المطلق.
فأولا: في الأمور العامة للجسمانيات والروحانيات من الماهيات والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان وغير ذلك.
ثم ينظر في مبادئ الموجودات وأنها روحانيات.
ثم في كيفية صدور الموجودات عنها ومراتبها.
ثم في أحوال النفس بعد مفارقة الأجسام وعودها إلى المبدأ.
وهو عندهم: علم شريف يزعمون أنه يوقفهم على معرفة الوجود على ما هو عليه وإن ذلك عين السعادة في زعمهم وسيأتي الرد عليهم وهو تال للطبيعيات في ترتيبهم ولذلك يسمونه: علم ما وراء الطبيعة وكتب المعلم الأول فيه موجود بين أيدي الناس ولخصه ابن سينا في كتاب: الشفاء والنجاة وكذلك لخصها ابن رشد من حكماء الأندلس.
ولما وضع المتأخرون في علوم القوم ودونوا فيها رد عليهم الغزالي ما رد منها ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة لعروضها في مباحثهم وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات ومسائله بمسائلها فصارت كأنها فن واحد ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والإلهيات وخلطوهما فنا واحدا قدموا الكلام في الأمور العامة ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها إلى آخر العلم كما فعله الإمام ابن الخطيب في: المباحث المشرقية وجميع من بعده من علماء الكلام وصار علم الكلام مختلطا بمسائل الحكمة وكتبه محشوة بها كان الغرض من موضوعهما ومسائلهما واحد والتبس ذلك على الناس وهي غير صواب لأن مسائل علم الكلام إنما هي عقائد ملتقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعويل عليه بمعنى أنها لا تثبت إلا به فإن العقل معزول عن الشرع وأنظاره وما تحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثا عن الحق فيها فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن
стр. 327
معلوما هو شأن الفلسفة بل إنما هو التماس حجة عقلية تعضد عقائد الإيمان ومذاهب السلف فيها وتدفع شبه أهل البدع عنها الذين زعموا أن مداركهم فيها عقلية وذلك بعد أن تفرض صحيحة بالأدلة النقلية كما تلقاها السلف واعتقدوها وكثيرا ما بين المقامين من التفاوت في ذلك مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك الأنظار العقلية فهي فوقها ومحيطة بها لاستمدادها من الأنوار الإلهية فلا تدخل تحت قانون النظر الضعيف والمدارك المحاط بها فإذا هدانا الشارع إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا ونثق به دونها ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه.
والمتكلمون إنما دعاهم إلى ذلك كلام أهل الإلحاد في معارضات العقائد السلفية بالبدع النظرية فاحتاجوا إلى الرد عليهم من جنس معارضاتهم واستدعى ذلك الحجج النظرية والبطلان فليس من موضوع علم الكلام ولا من جنس أنظار المتكلمين فاعلم ذلك لتميز به بين الفنين فإنهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع والتأليف والحق مغايرة كل منه لصاحبه بالموضوع والمسائل وإنما جاء الالتباس من اتحاد المطالب عند الاستدلال وصار احتجاج أهل الكلام كأنه إنشاء لطلب الاعتداد بالدليل وليس كذلك بل إنما هو رد على الملحدين
والمطلوب مفروض الصدق معلومه وكذا جاء المتأخرين من غلاة المتصوفة المتكلمين بالمواجد أيضا فخلطوا مسائل الفنين بفنهم وجعلوا الكلام واحدا فيه كلها مثل كلامهم في النبوات والاتحاد والحلول والوحدة وغير ذلك.
والمدارك في هذه الفنون الثلاثة متغايرة مختلفة وأبعدها من جنس الفنون والعلوم مدارك المتصوفة لأنهم يدعون فيها الوجدان ويفرون عن الدليل والوجدان بعيد عن المدارك العلمية وأبحاثها وتوابعها كما بيناه ونبينه - والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم -. انتهى كلامه.
علم أمارات النبوة
من الإرهاصات والمعجزات القولية والفعلية وأمثال ذلك وكيفية دلالة هذه على النبوة والفرق بينها وبين السحر وتمييز الصادق من الكاذب.
وموضوعه وغايته: ظاهرة جدا ومنفعته أعظم المنافع.
وفي هذا العلم مصنفات كثيرة لكنه لا أنفع ولا أحسن من كتاب: أعلام النبوة للشيخ الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي وهو كان من كبراء الفقهاء الشافعية توفي سنة ٤٥٠، وعمره ست وثمانون سنة ذكره في مدينة العلوم.
علم الأمثال
وهذا من فروع علم اللغة وهو: معرفة الألفاظ الصادرة عن البليغ المشتهرة بين الأقوام بخصوص ألفاظها وهيئاتها وموردها وسبب ورودها وقائلها وزمانها ومكانها لئلا يقع الغلط عند استعمالاتها في مضاربها وهي: المواضع والمقامات المشبهة بمواردها ولا بد لمعاني تلك الألفاظ المذكورة من حيث ورودها في مواردها مضاربها بالنوع ومباديه مقدمات حاصلة بالتواتر من ألفاظ الثقات.
стр. 328
وأما غرضه ومنفعته: فغنيان عن البيان فإن الأمثال أشد ما يحتاج إليه المنشئ والشاعر لأنها تكسو الكلام حلة التزيين وترقيه أعلى درجات التحسين.
ومن الكتب النافعة فيه: كتاب لابن الأنباري.
ومنها: المستقصى في الأمثال للزمخشري.
ومنها: مجمع الأمثال للإسفرائني وهو كتاب عظيم جامع كذا في: مدينة العلوم.
وقلت: ومنها كتاب: الأمثال للميداني وهو أجمع ما جمع فيه.
قال في كشف الظنون: علم الأمثال: يعني ضروبها وسيأتي في حرف الضاد.
علم إملاء الخط
هو علم فيه بحسب الأينية والكمية عن الأحوال العارضة لنقوش الخطوط العربية لا من حيث حسنها في السطور بل من حيث دلالتها على الألفاظ العربية بحسب الآلات الصناعية من القلم وأمثاله بعد رعاية حال بسائط الحروف من حيث الدلالة على الحروف التي هي من أجزاء الألفاظ.
وهذا العلم من حيث حصول نقش الحروف بالآلة من أنواع علم الخط.
ومن حيث دلالتها على الألفاظ من فروع علم العربية هذا حاصل ما ذكره أبوا لخير وجعله من العلوم التي تتعلق بإملاء الحروف المفردة وكتاب: المطالع النصرية للمطابع المصرية أحسن ما جمع في هذا العلم جمعه الشيخ العلامة نصر الوفا الهوريني في هذا الزمان وقد طبع بمصر القاهرة الآن.
علم أنباط المياه
هو علم يتعرف منه كيفية استخراج المياه الكامنة في الأرض وإظهارها ومنفعته ظاهرة وهي إحياء الأرضين وإفلاحها ونقل عن بعض العلماء أنه قال: لو علم عباد الله تعالى رضاء الله تعالى في إحياء أرضه لم يبق في وجه الأرض موضع خراب.
وللكرخي فيه كتاب مختصر وفي خلال كتاب الفلاحة النبطية مهمات هذا العلم. انتهى ما في: مدينة العلوم و: مفتاح السعادة وأورده العلامة أبو الخير ﵀ في فروع علم الهندسة.
علم الأنساب
هو علم يتعرف منه أنساب الناس.
وقواعده الكلية والجزئية والغرض منه: الاحتراز عن الخطأ في نسب شخص وهو علم عظيم النفع جليل القدر أشار الكتاب العظيم في: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ إلى تفهمه.
وحث الرسول الكريم في: "تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم" على تعلمه والعرب قد اعتنى في ضبط نسبه إلى أن اكثر أهل الإسلام واختلط أنسابهم بالأعاجم فتعذر ضبطه بالآباء فانتسب كل مجهول النسب إلى بلده أو حرفته أو نحو ذلك حتى غلب هذا النوع.
قال صاحب: كشف الظنون: وهذا العلم من زياداتي على: مفتاح السعادة والعجب من ذلك الفاضل كيف غفل عنه مع أنه علم مشهور طويل الذيل وقد صنفوا فيه كتبا كثيرة.
стр. 329
والذي فتح هذا الباب وضبط علم الأنساب هو: الإمام النسابة هشام بن محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة أربع ومائتين فإنه صنف فيه خمسة كتب: المنزلة و: الجمهرة و: الوجيز و: الفريد و: الملوك ثم اقتفى أثره جماعة أوردنا آثارهم هنا.
منها: أنساب الأشراف لأبي الحسن أحمد بن يحيى البلاذري وهو كتاب كبير كثير الفائدة كتب منه عشرين مجلدا ولم يتم.
و: أنساب حمير وملوكها لعبد الملك بن هشام صاحب: السيرة.
و: أنساب الرشاطي.
و: أنساب الشعراء لأبي جعفر محمد بن حبيب البغدادي النحوي.
و: أنساب السمعاني.
و: أنساب قريش لزبير بن بكار القرشي.
و: أنساب المحدثين للحافظ محب الدين محمد بن محمود بن النجار البغدادي.
وأنساب القاضي المهذب. انتهى ملخصا. ولعلنا تكلمنا عن النسب في رسالتنا: لقطة العجلان فيما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان فليراجعها المحقق فإنه مفيد جدا.
علم الإنشاء
أي إنشاء النثر وهو: علم يبحث فيه عن المنثور من حيث أنه بليغ وفصيح ومشتمل على الآداب المعتبرة عندهم في العبارات المستحسنة واللائقة بالمقام وموضوعه وغرضه وغايته: ظاهرة مما ذكر.
ومباديه: مأخوذة من تتبع الخطب والرسائل بل له استمداد من جميع العلوم سيما الحكمة العملية والعلوم الشرعية وسير الكمل وحكايات الأمم ووصايا الحكماء العقلاء وغير ذلك من الأمور الغير المتناهية هذا ما ذكره الأرنيقي وأبو الخير.
وأما ابن صدر الدين فإنه لم يذكر سوى معرفة المحاسن والمعائب ونبذة من آداب المنشئ وزبدة كلامه: أن للنثر من حيث أنه نثر محاسن ومعائب يجب على المنشئ أن يفرق بينهما فيتحرز عن المعائب ولا بد أن يكون أعلى كعبا في العربية محترزا عن استعمال الألفاظ الغريبة وما يخل بفهم المراد ويوجب صعوبته وأن يتحرز من التكرار وأن يجعل الألفاظ تابعة للمعاني دون العكس إذ المعاني إذا تركت في سجيتها طلب لأنفسها ألفاظا تليق فيها فيحسن اللفظ والمعنى جميعا.
وأما جعل الألفاظ متكلفة والمعاني تابعة لها فهو كلباس مليح على منظر قبيح.
فيجب أن يجتنب عما يفعله بعض من لهم شغف بإيراد شيء من المحسنات اللفظية فيصرفون العناية إلى المحسنات ويجعلون الكلام كأنه غير مسوق لإفادة المعنى فلا يبالون بخفاء الدلالات وركاكة المعنى.
ومن أعظم ما يليق لمن يتعاطى صناعة الإنشاء أن يكتب ما يراد لا ما يريد. كما قيل في الصاحب والصابي: إن الصابي يكتب ما يراد والصاحب يكتب ما يريد.
ولا بد أن يلاحظ في كتاب النثر حال المرسل والمرسل إليه ويعنون الكتاب بما يناسب المقام. انتهى.
والكتب المصنفة فيه كثيرة جدا منها: أبكار الأفكار للوطواط جمال الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى
стр. 330
الكتبي المتوفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
ومنها كتاب: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لأبي الفتح ابن الأثير الجزري وهو في مجلدين.
وكتاب: المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء لموفق الدين وله كتاب: الوشي المرقوم في حل المنظوم و: ديوان الترسل في عدة مجلدات.
قال الأرنيقي: ومن العجب العجاب في علم الإنشاء: المقامات للحريري وقد عمل على أسلوبها كثير من الناس رأيت منها ثلاثة و: تواريخ العتبي وهذا يمكن عدهما من المحاضرات أيضا.
و: قهوة الإنشاء لأبي بكر بن حجة أيضا. والعتبي: هو ابن النصر محمد بن عبد الجبار ذكر فيه أحوال محمود بن سبكتكين وحروبه مع الأعداء وهذا الكتاب علم في الفصاحة والبلاغة واللطافة. انتهى.
قلت: ومن هذا الباب كتاب: عجائب المقدور في أحوال تيمور.
و: مقامات البديع الهمذاني
و: مقامات السيوطي.
و: ريحانة الألباء و: نفحة الريحانة وما يليها من كتب الأدب العربية فإنها في علم الإنشاء.
وقد طبع في هذا الزمن بمصر القاهرة كتب كثيرة لها تعلق بهذا الفن وبقي شيء كثير لم يطبع
وبالجملة فهذا العلم طويل الذيل عظيم السيل كثير النفع لكن قصرت عنه همم العلماء حتى اندرس وطمس - ولله الأمر من قبل ومن بعد - وعندنا ذخائر من صحف هذا الفن قد من الله - تعالى - لها علينا - ولله الحمد - وانتفعنا بها كثيرا.
علم الأوائل
هو علم يتعرف منه أوائل الوقائع والحوادث بحسب المواطن والنسب وموضوعه وغايته ظاهرة.
وهذا العلم من فروع علم التواريخ والمحاضرات لكنه ليس بمذكور في كتب الموضوعات وقد ألحق بعض المتأخرين مباحث الأواخر إليه وفيه كتب كثيرة منها:
كتاب: الأوائل لأبي هلال حسن بن عبد الله العسكري المتوفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة وهو أول من صنف فيه وهو رسالة مختصرة وملخصة المسمى بالوسائل لجلال الدين السيوطي.
ومنها: إقامة الدلائل لابن حجر و: محاسن الوسائل للشبلي.
ومحاضرة الأوائل لعلي دده.
و: أزهار الجمال لابن دوقة كين و: الوسائل أرجوزة أيضا.
وكتاب: الأوائل للطبراني وكتاب: الأوائل لمحمد بن أبي القاسم الراشدي وكتاب الجلال بن خطيب داريا.
علم الأوراد المشهورة والأدعية المأثورة
قد تقدم في هذا الباب بلفظ علم الأدعية والأوراد فراجعه فإنه ينفعك.
علم الأوزان والموازين
وهذا العلم لضبط أثقال الأحجار في البناء وضبط أثقال الأحمال ومعرفة مقاديرها ومعرفة الآلات التي
стр. 331
توزن بها الأشياء من الميزان والقسطاس والصاع والكيل وأمثال ذلك وضبط هذه الأمور لا يتيسر إلا لمن له حظ في علم الهندسة كما لا يخفى.
علم الأوزان والمقادير المستعملة في علم الطب من الدرهم والأوقية والرطل وغير ذلك
ولقد صنف له كتب مطولة ومختصرة يعرفها مزاولها هذا ما في: مفتاح السعادة وقد جعله من فروع علم الطب.
قال في: الكشف: فيا ليت شعري ما هذه الكتب المطولة نعم هو باب من أبواب الكتب المطولة في الطب فلو كان أمثال ذلك علما متفرعا على علم الطب لكان له فرع بل وأزيد منه. انتهى
وقال ابن خلدون في تاريخه المسمى ب: العبران: الدينار والدرهم مختلفا السكة في المقدار والموازين بالآفاق والأمصار وسائر الأعمال والشرع قد تعرض لذكرهما وعلق كثيرا من الأحكام بهما في الزكاة والأنكحة والحدود وغيرها فلا بد لهما عنده من حقيقة ومقدار معين في تقدير تجري عليهما أحكامه دون غير الشرعي منهما.
فاعلم أن الإجماع منعقد منذ صدر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين أن الدرهم الشرعي: هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب والأوقية منه أربعين درهما وهو على هذا سبعة أعشار الدينار ووزن المثقال من الذهب اثنتان وسبعون حبة من الشعير فالدرهم الذي هو سبعة أعشاره خمسون حبة وخمسا حبة وهذه المقادير كلها ثابتة بالإجماع فإن الدرهم الجاهل ي كان بينهم على أنواع أجودها الطبري: وهو ثمانية دوانق والبغلي: وهو أربعة دوانق فجعلوا الشرعي بينهما وهو: ستة دوانق فكانوا يوجبون الزكاة في مائة درهم بغلية ومائة طبرية خمسة دراهم وسطا.
وقد اختلف الناس هل كان ذلك من وضع عبد الملك أو إجماع الناس بعد عليه ذكر ذلك الخطابي في كتاب: معالم السنن والماوردي في: الأحكام السلطانية وأنكره المحققون من المتأخرين لما يلزم عليه أن يكون الدينار والدرهم الشرعيان مجهولين في عهد الصحابة ومن بعدهم مع تعلق الحقوق الشرعية بهما في الزكاة والأنكحة والحدود وغيرها.
والحق أنهما كانا معلومي المقدار في ذلك العصر لجريان الأحكام يومئذ بما يتعلق بهما من الحقوق وكان مقدارهما غير مشخص في الخارج وإنما كان متعارفا بينهم بالحكم الشرعي على المقدر في مقدارهما وزنتهما حتى استفحل الإسلام وعظمت الدولة ودعت الحال إلى تشخيصهما في المقدار والوزن كما هو عند الشرع ليستريحوا من كلفة التقدير وقارن ذلك أيام عبد الملك فشخص مقدارهما وعينهما في الخارج كما هو في: الدهر ونقش عليهما السكة باسمه وتاريخه أثر الشهادتين الإيمانيتين وطرح النقود الجاهلية رأسا حتى خلصت ونقش عليها سكة وتلاشى وجودها فهذا هو الحق الذي لا محيد عنه.
ومن بعد ذلك وقع اختيار أهل السكة في الدول على مخالفة المقدار الشرعي في الدينار والدرهم واختلفت في كل الأقطار والآفاق ورجع الناس إلى تصور مقاديرهما الشرعية ذهنا كما كان في الصدر الأول وصار أهل كل أفق يستخرجون الحقوق الشرعية من سكتهم بمعرفة النسبة التي بينها وبين مقاديرها الشرعية.
стр. 332
وأما وزن الدينار باثنين وسبعين حبة من الشعير الوسط فهو الذي نقله المحققون وعليه الإجماع إلا ابن حزم فإنه خالف ذلك وزعم أن وزنه أربعة وثمانون حبة نقل ذلك عنه القاضي عبدا لحق ورده المحققون وعدوه وهما وغلطا وهو الصحيح - والله يحق الحق بكلمته - وكذلك تعلم أن الأوقية الشرعية ليست هي المتعارفة بين الناس لأن المتعارفة مختلفة باختلاف الأقطار والشرعية متحدة ذهنا لا اختلاف فيها - والله خلق كل شيء فقدره تقديرا -. انتهى كلامه.
علم الاهتداء بالبراري والأقفار
هو علم يتعرف به أحوال الأمكنة من غير دلالة عليه بالأمارات المحسوسة دلالة ظاهرة بل خفية بقوة الشامة فقط لا يعرفها إلا من تدرب فيه كالاستدلال برائحة التراب ومسامتة الكواكب الثابتة ومنازل القمر إذ لكل بقعة رائحة مخصوصة ولكل كوكب سمت يهتدي به كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ .
ونفع هذا العلم عظيم بين وإلا لهلك القوافل وضلت الجيوش وضاعت في البراري والقفار.
وقيل: قد يكون بعض من هو بليد في سائر العلوم ماهرا في هذا الفن كما يمكن عكسه وقد يحصل هذا النوع من التمييز في الإبل والفرس هذا إصلاح ما في: مفتاح السعادة.
وهو فرع من فروع علم الفراسة.
قال في: مدينة العلوم: حكى بعض المصنفين أني كنت في قافلة في مفازة خوارزم وضللنا الطريق وعجز الكل عن الاهتداء فقدموا جملا هرما وألقوا حبله على غاربه فأخذ يتنقل من جانب إلى جانب ومن تل إلى تل ويتذبذب يمينا وشمالا وصعودا ونزولا واستمر على هذا الحال مقدار فرسخين وخفنا على أنفسنا حتى وصل إلى الجادة المستقيمة والصراط السوي والنهج القويم وتعجبنا منه كل العجب. انتهى. ولم أقف على تأليف في ذلك.
علم الآيات المتشابهات
كإبراز القصة الواحدة في سور شتى وفواصل مختلفة بأن يأتي في موضع مقدما وفي آخر مؤخرا وفي موضع بزيادة وفي موضع بدونها أو مفردا ومنكرا وجمعا أو بحرف وبحرف أخرى أو مدغما ومنونا إلى غير ذلك من الاختلافات.
وهو من فروع التفسير.
وأول من صنف فيه الكسائي ونظمه السخاوي.
ومما صنف فيه: البرهان في توجيه متشابه القرآن و: درة التنزيل وغرة التأويل وهو أحسن منه و: كشف المعاني عن متشابه المثاني و: ملاك التأويل أحسن من الجميع و: قطف الأزهار في كشف الأسرار.
علم أيام العرب
هو علم يبحث فيه عن الوقائع العظيمة والأهوال الشديدة بين قبائل العرب وتطلق الأيام فتراد هذه على طريق ذكر المحل وإرادة الحال والعلم المذكور ينبغي أن يجعل فرعا من فروع التواريخ
стр. 333
وإن لم يذكره أبو الخير مع أنه ذكر ما هو ليس بمثابة ذلك.
وصنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري المتوفى سنة عشرة ومائتين كبيرا وصغيرا ذكر في الكبير ألفا ومائتي يوم وفي الصغير خمسة وسبعين يوما.
وأبو الفرج علي بن حسين الأصبهاني المتوفى سنة ست وخمسين وثلاثمائة زاد عليه وجعل ألفا وسبعمائة يوم.
علم الإيجاز والإطناب
ذكره أبو الخير من فروع علم التفسير ولا يخفى أنه من مباحث علم البلاغة فلا وجه لجعله فرعا من فروع علم التفسير إلا أنه التزم تسمية ما أورده السيوطي في: إتقانه من الأنواع علما وليس كما ينبغي وسيأتي تفصيل تلك الأنواع في باب الميم.
стр. 334
باب الباء الموحدة
علم الباطن
هو معرفة أحوال القلب والتخلية ثم التحلية وهذا العلم يعبر عنه ب: علم الطريقة والحقيقة أيضا واشتهر علم التصوف به وسيأتي تمام تحقيقه فيه.
وأما دعوى التقابل بين الظاهر والباطن كما يدعيه جهلة القوم فزعم باطل بشهادة العموم والخصوص.
علم الباه
هو: علم باحث عن كيفية المعالجة المتعلقة بقوة المباشرة من الأغذية المصلحة لتلك القوة والأدوية المقوية والمزيدة للقوة أو الملذذة للجماع أو المعظمة أو المضيقة وغير ذلك من الأعمال والأفعال المتعلقة بها كذكر أشكال الجماع وآدابه الذين لهما مدخل في اللذة وحصول أمر الخيال إلا أنهم يذكرون لأجل إكثار الصناعة أشكالا يعسر فعلها بل يمتنع ويذيلون ذلك الإشكال بحكايات مشهية تحصل باستماعها الشهوة وتحرك قوة المجامعة وإنما وضعوها لمن ضعفت قوة مباشرته أو بطلت فإنها تعيدها له بعد الإياس.
روي أن ملكا بطلت عنه القوة فزوج عبدا من مماليكه جارية حسناء وهيأ لهما مكانا بحيث يراهما الملك ولا يريانه فعادت قوته بمشاهدة أفعالهما حتى خرجت من إحليله شبيهة الخبز الرطب فقدر بعد ذلك قدرة زائدة. انتهى ملخصا من: المفتاح ومثله في: مدينة العلوم.
وما يبعد أن يقال: وكذا النظر إلى تسافد الحيوانات ولكن النظر إلى فعل الإنسان أقوى في تأثير عود القوة.
وهذا العلم من فروع علم الطب بل هو باب من أبوابه كبير غير أنهم أفردوه بالتأليف اهتماما بشأنه.
ومن الكتب المصنفة فيه كتاب: الألفية والشلفية.
قال أبو الخير: يحكى أن ملكا بطلت عنه قوة المباشرة بالكلية وعجز الأطباء عن معالجتها بالأدوية،
стр. 335
فاخترعوا حكايات عن لسان امرأة مسماة بالألفية لما أنها جامعها ألف رجل فحكت عن كل منهم أشكالا مختلفة وأوضاعا متشتة فعادت باستماعها قوة الملك. انتهى ومثله في: مدينة العلوم.
و: الإيضاح في أسرار النكاح أي في الباه للشيخ عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله الشيرازي وهو مختصر أوله: الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين وأنشد فيه:
عليك بمضمون الكتاب فإننا ... وجدناه حقا عندنا بالتجارب
يزيدك في الاتعاظ بطشا وقوة ... ويحظيك عند الغانيات الكواعب
قال في: مدينة العلوم: ومن الكتب الجامعة في هذا الباب كتاب: رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه وكتاب: رشد اللبيب إلى معاشرة الحبيب وكتاب: الفتح المنصوب إلى صيد المحبوب وكتاب: تحفة العروس وجلاء النفوس وكتاب نصير الطوسي نافع في هذا الباب وقد طبع الكتاب الأول بمصر القاهرة في هذا الزمان فليعلم.
علم بدائع القرآن
ذكره أبو الخير من جملة فروع علم التفسير ولا يخفى أنه: هو علم البديع إلا أنه وقع في الكلام القديم.
علم البديع
هو علم تعرف به وجوه تفيد الحسن في الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال وبعد رعاية وضوح الدلالة على المرام فإن هذه الوجوه إنما تعد محسنة بعد تينك الرعايتين وإلا لكان كتعليق الدرر على أعناق الخنازير ومرتبة هذه العلم بعد مرتبة علمي: المعاني والبيان حتى أن بعضهم لم يجعله علما على حدة وجعله ذيلا لها لكن تأخر رتبته لا يمنع كونه علما مستقلا ولو أعتبر ذلك لما كان كثير من العلوم علما على حدة فتأمل وظهر من هذا موضوعه وغرضه وغايته.
قال في: مدينة العلوم: موضوعه: اللفظ العربي من حيث التحسين والتزيين العرضيين بعد تكميل دائرتي الفصاحة والبلاغة.
وغرضه: تحصيل ملكة تحلية الكلام بالمحسنات العرضية وغايته: الاحتراز عن خلو الكلام عن التحلية المذكورة ومنفعته: النظرية لنشاط السامع وزيادة القبول في العقول ومباديه: تتبع الخطب والرسائل والأشعار المتحلية بالصنائع البديعية. انتهى.
وعبارة: الكشاف: موضوعه اللفظ البليغ من حيث أن له توابع.
قال في: الكشف: وأما منفعته: فإظهار رونق الكلام حتى يلج الأذن بغير إذن ويتعلق بالقلب من غير كد وإنما دونوا هذا العلم لأن الأصل وإن كان الحسن الذاتي وكان المعاني والبيان مما يكفي في تحصيله لكنهم اعتنوا بشأن الحسن العرضي أيضا لأن الحسناء إذا عريت عن المزينات ربما يذهل بعض القاهرين عن تتبع محاسنها فيفوت التمتع بها ثم إن وجوه التحسين الزائد إما: راجعة إلى تحسين المعنى أصالة وإن كان لا يخلو عن تحسين اللفظ تبعاً.
стр. 336
وإما: راجعة إلى تحسين اللفظ كذلك فالأولى: تسمى معنوية والثانية: لفظية.
وهذا الفن ذكره أهل البيان في أواخر علم البيان إلا أن المتأخرين زادوا عليها شيئا كثيرا ونظموا فيه قصائد وألفوا كتباً.
ومن الكتب المختصة بعلم البديع كتاب: البديع لأبي العباس عبد الله بن المعتز العباسي المتوفى سنة ست وتسعين ومائتين وهو أول من صنف فيه وكان جملة ما جمع منها سبع عشرة نوعا ألفه سنة أربع وسبعين ومائتين ولأبى أحمد حسن العسكري وشهاب الدين أحمد بن شمس الدين الخولي المتوفى سنة ثلاث وتسعين وستمائة و: زهرة الربيع للشيخ المطرزي ومنها: بديعيات الأدباء وهي قصائد مع شروحها.
قال في: مدينة العلوم و: البديع للتيفاشي و: التحرير والتحبير لابن أبي الأصبع و: شرح البديعيات لابن حجة ومن الكتب المشتملة على الفنون الثلاثة: روض الأذهان وكذا: المصباح لابن مالك وكتاب: مفتاح العلوم للسكاكي اشتمل على هذه الثلاثة وقدم عليها الاشتقاق والنحو والصرف وأورد عقيب الثلاثة المذكورة بطريق التكملة على الاستدلال علم العروض والقوافي ودفع المطاعن عن القرآن وله شروح كثيرة ذكرها في: كشف الظنون منها: شرح السعد التفتازاني.
ومن الكتب النافعة في العلوم المذكورة: تلخيص المفتاح و: الإيضاح وهو يجري مجرى الشرح ل: التخليص كلاهما لقاضي القضاة جلال لدين القزويني الشافعي.
ومن أراد الوقوف في علم البلاغة على العجب العجاب والسحر في هذا الباب فعليه بكتاب: دلائل الإعجاز و: أسرار البلاغة كلاهما من مؤلفات الشيخ عبد القاهر الجرجاني وقيل: إن كتابيه في هذه الفنون بحران تنشعب منهما العيون - والله أعلم - و: حدائق البلاغة للشيخ شمس الدين الفقير وهي بالفارسية.
علم البرد ومسافاتها
البرد بضمتين: جمع بريد وهو عبارة عن أربعة فراسخ وهو: علم يتعرف منه كمية مسالك الأمصار فراسخ وأميالا وأنها مسافة شهرية أو أقل أو أكثر ذكره أبو الخير من فروع علم الهيئة وذلك أولى بأن يسمى: علم مسالك الممالك مع أنه من مباحث جغرافيا.
علم البلاغة
عبارة عن علم البيان والبديع والمعاني والغرض من تلك العلوم: أن البلاغة سواء كانت في الكلام أو في المتكلم رجوعها إلى أمرين:
أحدهما: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد أي: ما هو مراد البليغ من الغرض المصوغ له الكلام كما هو المتبادر من إطلاق المعنى المراد في كتب علم البلاغة فلا يندرج فيه الاحتراز عن التعقيد المعنوي كما توهمه البعض ولا الاحتراز عن التعقيد مطلقاً.
والثاني: تمييز الفصيح عن غيره ومعرفة أن هذا الكلام فصيح وهذا غير فصيح فمنه: ما يبين في علم متن اللغة والتصريف أو: النحو أو يدرك بالحس وهو: أي ما يبين في هذه العلوم ما عدا التعقيد المعنوي فمست الحاجة للاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد إلى علم واللاحتراز عن التعقيد المعنوي إلى
стр. 337
علم آخر فوضعوا لهما علمي: المعاني والبيان وسموهما: علم البلاغة لمزيد اختصاص لهما بها ثم احتاجوا لمعرفة ما يتبع البلاغة من وجوه التحسين إلى علم آخر فوضعوا له علم البديع فما يحترز به عن الأول أي الخط في التأدية: علم المعاني وما يحترز به عن الثاني أي التعقيد المعنوي: علم البيان وما يعرف به وجوه التحسين: علم البديع.
علم البنكامات
يعني: الصور والأشكال الموضوعة لمعرفة الساعات المستوية والزمانية فإذا هو علم يعرف به كيفية اتخاذ آلات يقدر بها الزمان.
وموضوعه: حركات مخصوصة في أجسام مخصوصة تنقضي بقطع مسافات مخصوصة.
وغايته: معرفة أوقات الصلوات وغيرها من غير ملاحظة حركات الكواكب وكذلك معرفة الأوقات المفروضة للقيام في الليل إما: للتهجد أو: للنظر في تدابير الدول والتأمل في الكتب والصكوك والخرائط المنضبط بها أحوال المملكة والرعايا ولا يخفى أن هذين الأمرين فرض كفاية - وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب - واستمداده من قسمي الحكمة الرياضي والطبيعي ومع ذلك يحتاج إلى إدراك كثير وقوة تصرف ومهارة في كثير من الصنائع وهذا العلم عظيم النفع في الدين فانقسمت البنكامات إلى: الرملية وليس فيها كثير طائل وإلى: بنكامات الماء وهي: أصناف ولا طائل فيها أيضا وإلى: بنكامات دورية معمولة بالدواليب يدير بعضها بعضا.
قال في: كشف الظنون: وهذا العلم من زياداتي على: مفتاح السعادة فإن ما ذكر صاحبه من أنه: علم بآلات الساعات ليس كما ينبغي فتأمل ومن الكتب المصنفة فيه: الكواكب الدرية و: الطرق السنية في الآلات الروحانية في بنكامات الماء وكلاهما للعلامة تقي الدين الراصد وكتاب: بديع الزمان في الآلات الروحانية. انتهى.
وفي: مدينة العلوم كتاب أرشميدس هو العمدة في هذا الفن وللمتأخرين فيه تصانيف مفيدة حسنة جدا.
علم البيان
هو: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بتراكيب مختلفة في وضوح الدلالة على المقصود بأن تكون دلالة بعضها أجلى من بعض.
وموضوعه: اللفظ العربي من حيث وضوح الدلالة على المعنى المراد.
وغرضه: تحصيل ملكة الإفادة بالدلالة العقلية وفهم مدلولاتها ليختار الأوضح منها مع فصاحة المفردات.
وغايته: الاحتراز من الخطأ في تعيين المعنى المراد بالدلالة الواضحة.
ومباديه: بعضها: عقلية كأقسام الدلالات والتشبيهات والعلاقات المجازية ومراتب الكنايات وبعضها: وجدانية ذوقية كوجوه التشبيهات وأقسام الاستعارات وكيفية حسنها ولطفها وإنما اختاروا في علم البيان وضوح الدلالة لأن بحثهم لما اقتصر على الدلالة العقلية - أعني التضمنية والالتزامية - وكانت تلك الدلالات
стр. 338
خفية سيما إذا كان اللزوم بحسب العادات والطبائع وبحسب الألف فوجب التعبير عنهما بلفظ أوضح مثلا إذا كان المرئي دقيقا في الغاية تحتاج الحاسة في إبصارها إلى شعاع قوي بخلاف المرئي إذا كان جليا وكذا الحال في الروية العقلية أعني الفهم والإدراك.
والحاصل: أن المعتبر في علم البيان دقة المعاني المعتبرة فيها من الاستعارات والكنايات مع وضوح الألفاظ الدالة عليها.
قال في: كشاف اصطلاحات الفنون: علم البيان: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه كذا ذكر الخطيب في: التلخيص وقد احترز به عن ملكة الاقتدار على إيراد المعنى العادي عن الترتيب الذي يصير به المعنى معنى الكلام المطابق لمقتضى الحال بالطرق المذكورة فإنها ليست من علم البيان وهذه الفائدة أقوى مما ذكره السيد السند من أن فيما ذكره القوم تنبيها على أن علم البيان ينبغي أن يتأخر عن علم المعاني في الاستعمال وذلك لأنه يعلم منه هذه الفائدة أيضا فإن رعاية مرابت الدلالة في الوضوح والخفاء على المعنى ينبغي أن يكون بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال فإن هذه كالأصل في المقصودية وتلك فرع وتتمة لها وموضعه: اللفظ البليغ من حيث أنه كيف يستفاد منه المعنى الزائد على أصل المعنى وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى الأطول. انتهى.
قال ابن خلدون في: بيان علم البيان: هذا العلم حادث في الملة بعد علم العربية واللغة وهو من العلوم اللسانية لأنه متعلق بالألفاظ وما تفيده ويقصد بها الدلالة عليه من المعاني.
وذلك وأن الأمور التي يقصد المتكلم بها إفادة السامع من كلامه هي: إما تصور مفردات تسند ويسند إليها ويفضي بعضها إلى بعض والدالة على هذه هي المفردات من الأسماء والأفعال والحروف.
وأما تمييز المسندات من المسند إليها والأزمنة ويدل عليها بتغير الحركات وهو الإعراب وأبنية الكلمات وهذه كلها هي صناعة النحو يبقى من الأمور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة أحوال المتخاطبين أو الفاعلين وما يقتضيه حال الفعل وهو محتاج إلى الدلالة عليه لأنه من تمام الإفادة وإذا حصلت للمتكلم فقد بلغ غاية الإفادة في كلامه وإذا لم يشتمل على شيء منها فليس من جنس كلام العرب فإن كلامهم واسع ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة ألا ترى أن قولهم: زيد جاءني مغاير لقولهم: جاءني زيد من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم.
ومن قال: جاءني زيد أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه.
ومن قال زيد جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء المسند.
وكذا التعبير عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام من موصول أو مبهم أو معرفة وكذا تأكيد الإسناد على الجملة كقولهم زيد قائم وإن زيدا قائم وإن زيدا القائم متغايرة كلها في الدلالة وإن استوت من طريق الأعراف.
فإن الأول: العادي عن التأكيد إنما يفيد الخالي الذهن.
والثاني: المؤكد بأن يفيد المتردد.
والثالث: يفيد المنكر فهي مختلفة.
стр. 339
وكذلك تقول جاءني الرجل ثم تقول مكانه بعينه جاءني رجل إذا قصدت بذلك التنكير تعظيمه وأنه رجل لا يعادله أحد من الرجال ثم الجملة الإسنادية تكون خبرية: وهي التي لها خارج تطابقه أولا وإنشائية: وهي التي لا خارج لها كالطلب وأنواعه ثم قد يتعين ترك العاطف بين الجملتين إذا كان للثانية محل من الإعراب فينزل بذلك منزلة التابع المفرد نعتا وتوكيدا وبدلا بلا عطف أو يتعين العطف إذا لم يكن للثانية محل من الإعراب ثم يقتضي المحل الإطناب والإيجاز فيورد الكلام عليهما ثم قد يدل باللفظ ولا يريد منطوقه ويريد لازمه إن كان مفردا كما تقول:
زيد أسد فلا تريد حقيقة الأسد المنطوقة وإنما تزيد شجاعته اللازمة وتسندها إلى زيد وتسمى هذه استعارة.
وقد تريد باللفظ المركب الدلالة على ملزومه كما تقول: زيد كثير الرماد وتريد به ما لزم ذلك عنه من الجود وقرى الضيف لأن كثرة الرماد ناشئة عنهما فهي دالة عليهما وهذه كلها دلالة زائدة على دلالة الألفاظ المفرد والمركب وإنما هي هيئات وأحوال لواقعات جعلت للدلالة عليها أحوال وهيئات في الألفاظ كل بحسب ما يقتضيه مقامه فاشتمل هذا العلم المسمى ب: البيان على البحث عن هذه الدلالات التي للهيئات والأحوال والمقامات وجعل على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: يبحث فيه عن هذه الهيئات والأحوال التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال ويسمى: علم البلاغة.
والصنف الثاني: يبحث فيه عن الدلالة على اللازم اللفظي وملزومه وهي الاستعارة والكناية كما قلناه ويسمى: علم البيان وألحقوا بهما صنفا آخر وهو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق إما بسجع يفصله أو تجنيس يشابه بين ألفاظه وترصيع يقطع أوزانه أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام معنى أخفى منه لاشتراك اللفظ بينهما وأمثال ذلك ويسمى عندهم: علم البديع.
وأطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين اسم: البيان وهو: اسم الصنف الثاني لأن الأقدمين أول ما تكلموا فيه ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى.
وكتب فيها جعفر بن يحيى والجاحظ وقدامة وأمثالهم ملاءات غير وافية.
ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئا فشيئا إلى أن محض السكاكي زبدته وهذب مسائله ورتب أبوابه على نحو ما ذكرناه آنفا من الترتيب وألف كتابه المسمى ب: المفتاح في النحو الصرف والبيان فجعل هذا الفن من بعض أجزائه وأخذه المتأخرون من كتابه ولخصوا منه أمهات هي المتداولة لهذا العهد كما فعله السكاكي في كتاب: التبيان وابن مالك في كتاب: المصباح وجلال الدين القزويني في كتاب: الإيضاح والتلخيص وهو أصغر حجما من الإيضاح.
والعناية به لهذا العهد عند أهل المشرق في الشرح والتعليم منه أكثر من غيره وبالجملة فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة وسببه - والله أعلم -: أنه كمالي في العلوم اللسانية والصنائع الكمالية توجد في العمران والمشرق أوفر عمراناً من المغرب.
أو نقول: لعناية العجم وهو معظم أهل المشرق كتفسير الزمخشري وهو كل مبني على هذا الفن وهو
стр. 340
أصله وإنما اختص بأهل المغرب من أصنافه: علم البديع خاصة وجعلوه من جملة علوم الأدب الشعرية وفرعوا له ألقابا وعددوا أبوابا ونوعوا وزعموا أنهم أحصوها من لسان العرب وإنما حملهم على ذلك: الولوع بتزيين الألفاظ.
وأن علم البديع سهل المأخذ وصعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارهما وغموض معانيهما فتجافوا عنهما.
ومن ألف في البديع من أهل إفريقية ابن رشيق وكتاب: العمدة له مشهور وجرى كثير من أهل إفريقية والأندلس على منحاه.
واعلم أن ثمرة هذا الفن إنما هي في فهم الإعجاز من القرآن لأن إعجازه في وفاء الدلالة منبه لجميع مقتضيات الأحوال منطوقة ومفهومة وهي أعلى مراتب الكلام مع الكمال فيما يختص بالألفاظ في انتقائها وجودة رصفها وتركيبها وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن دركه وإنما يدرك بعض الشيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملكته فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه فلهذا كانت مدارك العرب الذين سمعوه من مبلغه أعلى مقاما في ذلك لأنهم فرسان الكلام وجهابذته والذوق عندهم موجود بأوفر ما يكون وأصحه.
وأحوج ما يكون إلى هذا الفن المفسرون وأكثر تفاسير المتقدمين غفل عنه حتى ظهر جار الله الزمخشري ووضع كتابه في التفسير حيث جاء بأحكام هذا الفن بما يبدي البعض من إعجازه فانفرد بهذا الفضل على جميع التفاسير لولا أنه يؤيد عقائد أهل البدع عند اقتباسها من القرآن بوجوه البلاغة ولأجل هذا يتحاماه كثير من أهل السنة مع وفور بضاعته من البلاغة فمن أحكم عقائد أهل السنة وشارك في هذا الفن بعض المشاركة حتى يقتدر على الرد عليه من جنس كلامه أو يعلم أنه بدعة فيعرض عنها ولا تضر في معتقده فإنه يتعين عليه النظر في هذا الكتاب للظفر بشيء من الإعجاز مع السلامة من البدع - والأهواء والله الهادي من يشاء إلى سواء السبيل -. انتهى كلام ابن خلدون.
وأقول: إن تفسير أبي السعود قد وفى بحق المعاني والبيان والبديع التي في القرآن الكريم على نحو ما أشار إليه ابن خلدون بيد أنه رجل فقيه لا يفسر الكتاب على مناحي السلف ولا يعرف علم الحديث حق المعرفة فجاء الله - سبحانه - بقاضي القضاة محمد بن علي الشوكاني اليمني ﵀ ووفقه لتفسير كتابه العزيز - على طريقة الصحابة والتابعين وحذا حذوهم وميز بين الأقوال الصحيحة والآراء السقيمة وفسر بالأخبار المرفوعة والآثار المأثورة وحل المعضلات وكشف القناع عن وجوه المشكلات إعرابا وقراءة فجزاه الله عنا خير الجزاء.
ثم وفق الله - سبحانه - هذا العبد بتحرير تفسير جامع لهذه كلها على أبلغ أسلوب وأمتن طريقة يغني عن تفاسير الدنيا بتمامها وهو في أربعة مجلدات وسماه: فتح البيان في مقاصد القرآن ولا أعلم تفسيرا على وجه البسيطة يساويه في اللطافة والتنقيح أو يوازيه في الرقة والتصحيح ومن يرتاب في دعواي هذه فعليه بتفاسير المحققين المعتمدين ينظر فيها أولا ثم يرنو في ذلك يتضح له الأمر كالنيرين ويسفر الصبح لذي عينين وبالله التوفيق.
стр. 341
قال في: مدينة العلوم: ومن الكتب المفردة فيه: الجامع الكبير لابن أثير الجزري و: نهاية الإعجاز للإمام فخر الدين الرازي -رحمه الله تعالى- -. انتهى.
علم البيرزة
هو: علم يبحث فيه عن أحوال الجوارح من حيث حفظ صحتها وإزالة مرضها ومعرفة العلامات الدالة على قوتها في الصيد وضعفها فيه.
وموضوعه وغايته وغرضه: ظاهر لا يخفى على أحد وكتاب: القانون الواضح كاف في هذا العلم كذا في: مفتاح السعادة ومثله في: مدينة العلوم.
علم البيطرة
هو: علم يبحث فيه عن أحوال الخيل من جهة ما يصح ويمرض وتحفظ صحته ويزول مرضه وهذا في الخيل بمنزلة الطب في الإنسان.
وموضوعه وغايته: ظاهره للمتبصر ومنفعته: عظيمة لأن الجهاد والحج لا يقوم ويقوى صاحبه إلا به وعبارة: مدينة العلوم: وأما منفعته فمن أعظم المنافع جدا: لأنه عمود الإسلام وبه يقوى أحد مباني الإسلام أعني الجهاد في سبيل الله بل الحج أيضا وقد قال النبي ﷺ في حقها: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" إلى غير ذلك من أوصافها.
والخيل ما زال ممدوحا بكل الألسنة في كل زمان وكتاب حنين بن إسحق كاف في هذا الباب. انتهى وقد طبع بمصر القاهرة كتاب: مشكوة اللائذين في علم الأقراباذين البيطري وهو للماهر المعلم لابتوت وترجمه من اللغة الفرنساوية إلى اللغة العربية الحاذق الطبيب محمد أفندي عبد الفتاح قال فيه: اعلم أن المادة البيطرية الطبية أهم فروع البيطرة وهي: علم يبحث فيه عن الأحوال المختلفة التي للأدوية وبه يتمكن الطبيب من انتخاب الأدوية ويعرف قوتها واستعمالها وكيفيات تحصيلها المختلفة فعلم من هذا التعريف موضوع المادة الطبية مع اختصار على حسب الآراء العامة المتعلقة به.
والواقع أن الكليات التي يتخذها هذا الفرع من علم تاريخ الحيوانات الطبيعي من حيث أصل الجواهر الطبية وأوصافها الطبيعية وكيفية تركيبها وخواصها الكيمياوية واعتبار تأثيرها في بنية الحيوان فحينئذ يتمكن الطبيب من معرفة مقاديرها والأوقات الملائمة لاستعمالها يتم الفرع المذكور ويصير بها كاملا ويعلم منه كيفية تأثيرها الفيزيولوجي وكيفية تحصيلها واستعمالها في الأمراض ثم إن الأدوية المذكورة في هذا القانون: هي الأدوية التي جعلت وخصصت لمعالجة الحيوانات في الاسبيتاليات المصرية. انتهى كلامه وهذا الكتاب مجلد لطيف يحتوي على مسائل من هذا العلم وقفت عليه.
стр. 342
باب التاء
علم التاريخ
التاريخ في اللغة: تعريف الوقت مطلقا يقال أرخت الكتاب تأريخا وورخته توريخا كما في: الصحاح قيل: وهو معرب من ماه وروز.
стр. 343
وعرفاً: هو تعيين وقت لينسب إليه زمان يأتي عليه أو مطلقا: يعني سواء كان ماضيا أو مستقبلاً.
وقيل: تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع من ظهور ملة أو دولة أو أمر هائل من الآثار العلوية والحوادث السفلية مما يندر وقوعه جعل ذلك مبدأ لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث والأمور التي يجب ضبط أوقاتها في مستأنف السنين.
وقيل: عدد الأيام والليالي بالنظر إلى ما مضى من السنة والشهر وإلى ما بقي وفيه كتاب: لقطة العجلان مما تمس إليه حاجة الإنسان للمؤلف عفا الله عنه.
وعلم التاريخ هو: معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم إلى غير ذلك.
وموضوعه: أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والملوك والشعراء وغيرهم.
والغرض منه: الوقوف على الأحوال الماضية وفائدته: العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمن ليحترز عن أمثال ما نقل من المضار ويستجلب نظائرها من المنافع كذا في مدينة العلوم.
وهذا العلم كما قيل: عمر آخر للناظرين والانتفاع في مصره بمنافع تحصل للمسافرين. كذا في: مفتاح السعادة وقد جعل صاحبه لهذا العلم فروعا: كعلوم الطبقات والوفيات لكن الموضوع مشتمل عليها فلا وجه للإفراد والتفصيل في مقدمة الفذلكة من مسودات جامع المجلة.
وأما الكتب المصنفة في التاريخ فقد استقصيناها إلى ألف وثلاثمائة. انتهى ما في: كشف الظنون.
ومن الكتب المصنفة فيه: تاريخ ابن كثير الحافظ عماد الدين وتاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها.
وتاريخ ابن أثير الجزري سماه: الكامل ابتدأ فيه من أول الزمان إلى آخر سنة ٨٣٢، وهو من خيار التواريخ.
وتاريخ ابن الجوزي المحدث وهو مجلدات سماه: المنتظم في تواريخ الأمم.
وتاريخ: مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي قال ابن خلكان: رأيته بخطه في أربعين مجلداً.
وقال الأرنيقي: وأنا رأيته في ثمان مجلدات لكن في مجلدات ضخام بخط دقيق.
و: تاريخ ابن خلكان البرمكي الشافعي قال الأرنيقي: رأيته في خمس مجلدات بخطه قلت: قد طبع بمصر القاهرة في مجلدين ضخمين.
و: تاريخ الحافظ ابن حجر العسقلاني مجلدان.
وتاريخ آخر له المسمى ب أنباء الغمر وهو مجلدان.
وله أيضا: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.
وتاريخ الخطيب البغدادي عشر مجلدات.
و: ذيل تاريخ بغداد للحافظ محب الدين بن النجار جاوز ثلاثين مجلداً.
стр. 344
و: تاريخ أبي سعيد السمعاني نحو خمسة عشر مجلدا و: ذيل تاريخ السمعاني للدبيثي١ قرية من نواحي واسط في ثلاث مجلدات.
و: تاريخ الحافظ محمد بن أحمد الذهبي المحدث الإمام وصنف: التاريخ الكبير ثم الأوسط المسمى ب العبر والصغير المسمى: دول الإسلام.
وكتاب: البارع لهان روبن علي المنجم البغدادي.
و: تاريخ يتيمة الدهر للثعالبي و: دمية القصر للباخوزي و: زينة الدهر للخطري.
و: خريدة القصر تجريدة العصر للعماد الأصبهاني.
و: تاريخ بدر الدين العيني الحنفي.
و: تاريخ الحافظ ابن عساكر سبعة وخمسون مجلدا قال الأرنيقي: ومن أصح التواريخ وأحسنها وألطفها: لوروده بعبارات عذبة وأنفعها للناس: لاشتماله على المهمات
تاريخ اليافعي مجلدان كبيران وكتب التواريخ أكثر من أن تحصى لكن إن فزت بما ذكر فزت المرام وإن أردت التوغل فيه فعليك بكتاب: مروج الذهب للمسعودي و: أخبار الزمان له أيضا وبستان التواريخ و: معادن الذهب و: بوادر الأخبار و: عيون التواريخ. انتهى.
وعد كتبا من التواريخ لا نطول بذكرها الكتاب ثم قال:
وأما التواريخ: لسان الفرس فأكثر من أن تحصى تركنا ذكرها للاستغناء بما ذكرنا منها. انتهى.
قلت: وقد استوفى في: الكشف أسماء التواريخ مع أسماء مؤلفيها فإن شئت الاطلاع فارجع إليه.
ومن الكتب النفيسة المعتبرة في هذا العلم: تاريخ القاضي عبد الرحمن بن محمد الإشبيلي الحضرمي المالكي المتوفى سنة ثمان وثمانمائة وهو كبير عظم النفع والفائدة رتب على السنين وروي أنه كان في وقعة تيمور قاضيا بحلب فحصل في قبضته أسيرا سميرا فكان يصاحبه وسافر معه إلى سمرقند فقال له يوما: لي تاريخ كبير جمعت فيه الوقائع بأسرها فخلفته بمصر وسيظفر به المجنون يشير إلى برقوق فقال له: هل يمكن تلافي هذا الأمر واستخلاص الكتاب فاستأذنه في أن يعود إلى مصر ليجيء به فأذن له.
ولعل ذلك الكتاب هو كتاب: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر
وقد اشتهر نحو ثلاثة بالمقدمة ودون مفردا وهو كتاب مفيد جامع لمنافع لا توجد في غيره شرح الشيخ أحمد المغربي المتوفى سنة إحدى وأربعين وألف مؤرخ الأندلس مقدمته كذا أخبر به ابن البيلوني وترجم أوائل المقدمة شيخ الإسلام محمد صاحب المعروف ببيري زاده المتوفى سنة اثنتين وستين ومائة وألف. انتهى.
علم تاريخ الخلفاء
هو: علم من فروع التواريخ وقد أفرد بعض العلماء تاريخ الخلفاء الأربعة وهم أحقاء بالاعتناء
стр. 345
وبعضهم ضم معهم الأمويين والعباسيين لاشتمال أحوالهم على مزيد الاعتبار.
والكتب المصنفة فيه كثيرة لا تخفى على ذوي الإحاطة منها:
تحفة الظرفاء في تاريخ الخلفاء وفيه كتاب لجلال الدين السيوطي -رحمه الله تعالى- - سماه: تاريخ الخلفاء وقد طبع بمصر.
علم التأويل
أصله: من الأول وهو الرجوع فكان المأول صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني.
وقيل: من الإيالة وهي: السياسة فكأنه ساس الكلام ووضع المعنى موضعه واختلف في التفسير والتأويل فقال أبو عبيد وطائفة: هما بمعنى وقد أنكر ذلك قوم.
وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية.
وقال غيره: التفسير: بيان لفظ لا يحتمل إلا وجها واحدا والتأويل: توجيه لفظ متوجه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة.
وقال الماتريدي: التفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا والشهادة على الله أنه عني باللفظ هذا والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة وقال أبو طالب الثعلبي: التفسير: بيان وضع اللفظ: إما حقيقة أو: مجازا والتأويل: تفسير باطن اللفظ مأخوذ من الأول وهو: الرجوع لعاقبة الأمر فالتأويل: إخبار عن حقيقة المراد والتفسير: إخبار عن دليل المراد مثاله: قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ وتفسيره: أنه من الرصد مفعال منه وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله .
وقال الأصبهاني: التفسير: كشف معاني القرآن وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ أو بحسب المعنى والتأويل: أكثره باعتبار المعنى.
والتفسير: إما أن يستعمل في غريب الألفاظ أو في وجيز يتبين بشرحه وإما في كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها.
وأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عاما ومرة خاصا نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق وتارة في جحود الباري خاصة.
وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفة.
وقيل: يتعلق التفسير بالرواية والتأويل بالدراية.
وقال أبو نصر القشيري: التفسير مقصور على السماع والاتباع والاستنباط فيما يتعلق بالتأويل.
وقال قوم: ما وقع مبينا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ : يسمى تفسير أو ليس لأحد أن يتعرض إليه باجتهاد بل يحمل على المعنى الذي ورد فلا يتعداه والتأويل: ما استنبطه العلماء العالمون بمعنى الخطاب الماهرون في آلات العلوم.
وقال قوم منهم: البغوي والكواشي: هو صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وبعدها تحتمله الآية غير
стр. 346
مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط انتهى ولعله هو الصواب هذا خلاصة ما ذكره أبو الخير في مقدمة علم التفسير.
وقد ذكر في فروع علم الحديث علم تأويل أقوال النبي ﷺ وقال: هذا علم معلوم موضوعه وبين نفعه وظاهر غايته وغرضه وفيه رسالة نافعة لمولانا شمس الدين الفناري.
وقد استخرج للأحاديث تأويلات موافقة للشرع بحيث يقول من رآها: لله دره وعلى الله أجره.
وأيضا للشيخ صدر الدين القونوي شرح بعض الأحاديث على التأويلات لكن بعضها مخالف لما عرف من ظاهر الشرع مثل قوله: إن الفلك الأطلس المسمى بلسان الشارع العرش وفلك الثوابت المسمى عند أهل الشرع الكرسي قديمان وأحال ذلك إلى الكشف الصحيح والعيان الصريح وادعى أن هذا غير مخالف للشرع. لأن الوارد فيه حدوث السموات السبع والأرضين إلا أن هذا الشيخ قد أبدع في سائر التأويلات بحيث ينشرح الصدر والبال والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى.
أقول شرح تسعة وعشرين حديثا سماه: كشف أسرار جواهر الحكم وما ذكره من القول بالقدم ليس هو أول من يقول به بل هو مذهب شيخه ابن عربي وشيوخ شيخه كما لا يخفى على من تتبع كلامهم.
علم تبيين المصالح المرعية في كل باب من الأبواب الشرعية
وهو: علم يعرف به حكمة وضع القوانين الدينية وحفظ النسب الشرعية بأسرها.
وأما موضوعه: فهو النظام التشريعي المحمدي الحنفي على صاحبه الصلاة والسلام من حيث المصلحة والمفسدة.
وأما غايته: فهو عدم وجدان الحرج فيما قضى الله ورسوله والانقياد التام للأحكام الإلهية وكمال الوثوق والاطمئنان بها والمحافظة عليها بحيث تنجذب إليها النفس بالكلية ولا تميل إلى خلاف مسلكها.
وفي هذا العلم كتاب: حجة الله البالغة للشيخ الأجل أحمد ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي المتوفى سنة ١١٧٤ الهجرية وقل من صنف فيه أو خاض في تأسيس مبانيه أو رتب منه الأصول والفروع أو أتى بما يسمن أو يغني من جوع كيف ولا تتبين أسراره إلا لمن تمكن في العلوم الشرعية بأسرها واستبد بالفنون الإلهية عن آخرها ولا يصفو مشربه إلا لمن شرح الله صدره لعلم لدني وملأ قلبه بسر وهبي وكان مع ذلك وقاد الطبيعة سيال القريحة حاذقا في التقرير والتحرير بارعا في التوجيه والتحبير وقد عرف كيف يوصل الأصول ويبني عليها الفروع وكيف يمهد القواعد ويأتي لها بشواهد المعقول والمسموع ولم أعرف أحد آتاه الله منه حظا وجعل له منه نصيبا إلا صاحب الحجة فإنه قد تفرد بالتأليف في هذا العلم وهدى الناس إلى المحجة - والله أعلم.
علم التجويد
هو: علم باحث عن تحسين تلاوة القرآن العظيم من جهة مخارج الحروف وصفاتها وترتيل النظم المبين بإعطاء حقها من الوصل والوقف والمد والقصر والروم والإدغام والإظهار والإخفاء والإمالة،
стр. 347
والتحقيق والتفخيم والتشديد والتخفيف والقلب والتسهيل إلى غير ذلك.
وموضوعه وغايته ونفعه ظاهر.
وهذا العلم نتيجة فنون القراءة وثمرتها وهو كالموسيقى من جهة أن العلم لا يكفي فيه بل هو: عبارة عن ملكة حاصلة عن تمرن امرؤ بمكة وتدربه بالتلقف عن أفواه معلميه ولذلك لم يذكره أبو الخير واكتفى عنه بذكر القراءة وفروعه والتجويد أعم من القراءة.
وأول من صنف في التجويد موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الخاقاني البغدادي المقري المتوفى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ذكره ابن الجزري ومن المصنفات فيه: الدر اليتيم وشرحه و: الرعاية و: غاية المراد المقدمة الجزرية وشروحها واضحة.
علم تحسين الحروف
سيأتي تحقيقه في علم الخط هكذا في: الكشف قال في: مدينة العلوم: هو علم يعرف منه تحسين تلك النقوش وما يتعلق به من كيفية استعمال أدوات الكتابة وتمييز حسنها عن رديها وأسباب الحسن في الحروف آلة واستعمالا وترتيبا ومبنى هذا الفن الاستحسانات الناشئة من مقتضى الطباع السليمة وتختلف صورها بحسب الإلف والعادة والمزاج بل بحسب كل شخص ولهذا لا يكاد يوجد خطان متماثلان من كل الوجوه. انتهى.
علم تدبير المنزل
هو: قسم من ثلاثة أقسام الحكمة العملية.
وعرفوه: بأنه علم يعرف منه اعتدال الأحوال المشتركة بين الإنسان وزوجته وأولاده وخدامه وطريق علاج الأمور الخارجة عن الاعتدال ووجه الصواب فيها.
وموضعه: أحوال الأشخاص المذكورة من حيث الانتظام ونفعه عظيم لا يخفى على أحد حتى العوام: لأن حاصله انتظام أحوال الإنسان في منزله ليتمكن بذلك من رعاية الحقوق الواجبة بينه وبينهم ويتفرع على اعتدالها كسب السعادة الآجلة والعاجلة.
والأخصر: أن يقال: هو علم بمصالح جماعة متشاركة في المنزل.
وفائدته: أن يعرف كيفية المشاركة التي ينبغي أن تكون بين أهل المنزل.
واعلم: أنه ليس المراد بالمنزل في هذا المقام البيت المتخذ من الأحجار والأشجار بل المراد التآلف المخصوص الذي يكون بين الزوج والزوجة والوالد والولد والخادم والمخدوم والمتمول والمال سواء كانوا من أهل المدر أو أهل الوبر.
وأما سبب الاحتياج إليه: فكون الإنسان مدنيا بالطبع وكتب علم الأخلاق متكفلة ببيان مسائل هذا الفن وقواعده وأشهر كتب هذا العلم كتاب: بردوش وفي هذا العلم كتب كثيرة غير هذا.
علم ترتيب حروف التهجي
سيأتي بيانه في الخط قال في مدينة العلوم: هو علم يبحث فيه عن كيفية ترتيب حروف التهجي في
стр. 348
الكتابة هذا التريب المعهود فيما بيننا واشتراك بعضها ببعض في صورة الخط وإزالة التباسها بالنقط واختلاف تلك النقط بكونها تحتانية في البعض وفوقانية في الآخر ومثناة أو مثلثة كذلك إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الشأن.
وموضوع هذا العلم ومباديه وغرضه وغايته ومنفعته ظاهرة ولابن الجني والجزري رسالة في هذا الباب وكذا أورد القلقشندي ما فيه كفاية في كتاب: صبح الأعشى.
علم ترتيب العساكر
هو: علم باحث عن قود الجيوش وترتيبهم ونصب الرؤساء لضبط أحوالهم وتهيئة أرزاقهم وتمييز الشجاع عن الجبان واستمالة قلوبهم بالإحسان إليهم فوق الإحسان إلى الضعفاء من الأقران وتهيئة آلات القتال وألبسة الحروب والسلاح.
ومن آداب قود العساكر أن يأمر كلا منهم بالزهد والصلاح ليفوز بالخير والفلاح يأمرهم أن لا يظلموا أحدا ولا ينقضوا عهدا ولا يهملوا ركنا من أركان الشريعة فإن إهمالها إلى استئصال الدولة ذريعة أي ذريعة هذا تلخيص ما ذكره أبو الخير وجعله من فروع الحكمة العملية لكنه على الوجه الذي ذكره مندرج في علم سياسة الملوك بل الأمور المذكورة من مسائل ذلك العلم.
فأقول: ينبغي أن يكون موضوع هذا العلم ما ذكره الحكماء في كتب الثعلبي الحربية فهو علم يبحث فيه عن ترتيب الصفوف يوم الزحف وخواص أشكال التعابي وأحوال ترتيب الرجال والغرض منه والغاية لا يخفى على كل أحد.
وقالوا: إن الرجال كالأشباح والتعابي كالأرواح فإذا حلت الأرواح الأشباح حصلت الحياة.
وقد أجرى الله سنته أن كل عسكر مرتب التعابي منصور.
وقد صنف فيه بعض الكبار رسائل ظفرت ببعضها - ولله الحمد - وسيأتي في علم التعابي وأنه: هو ترتيب العساكر كما عرفه به ذلك الفاضل وفي: كتاب الأحكام السلطانية للماوردي ما يكفي في هذا الباب.
علم الترسل
من فروع علم الإنشاء لأن هذا بطريق جزئي وذلك بطريق كلي.
وهو: علم تذكر فيه أحوال الكاتب والمكتوب والمكتوب إليه من حيث الآدب والاصطلاحات الخاصة الملائمة لكل طائفة طائعة ومن حيث العبارات التي يجب الاحتراز عنها مثل: الاحتراز عن الدعاء للمخدرات بقولهم: أدام الله حراستها المكان لفظ الحر والأست وعن ذكر لفظ القيام كقولهم: إلى قيام الساعة وأمثال ذلك.
وموضوعه وغايته وغرضه ظاهرة للمتأمل.
ومباديه: أكثرها بديهية وبعضها أمور استحسانية كذا في مدينة العلوم.
قال: ومن الكتب المصنفة فيه: مصطلح الكتاب و: بلغة الدواوين و: الحساب. انتهى
وله استمداد من الحكمة العملية وفيه كتب كثيرة مذكورة في علم الإنشاء فلا حاجة إلى التعرض لها.
стр. 349
علم تركيب الأشكال
يعني أشكال بسائط الحروف وسيأتي بيانه في علم الخط.
وهو: علم يبحث فيه عن التراكيب بين أشكال بسائط الحروف مطلقا لا من حيث دلالتها على الألفاظ بل من حيث حسنها في السطور فكما أن للحروف حسنا حال بساطتها فكذلك لها حسن مخصوص حال تركيبها من تناسب الشكل والنقط وتناسب خلال الكلمات والسطور.
وموضوع هذا العلم وأغراضه وغاياته ظاهرة.
ومباديه أمور استحسانية يرجع كلها أو جلها إلى غاية النسبة الطبيعية في الأشكال.
وله استمداد من الهندسة وفي هذا الفن رسالة لابن جني ووضع القلقشندي في هذا العلم بابا مستقلا في كتابه: صبح الأعشى.
علم تركيب المداد
هو: علم يبحث فيه عن تركيب أنواع المداد من السواد والحمرة والصفرة وسائر الألوان مثل: الذهب واللازورد والياقوت والزمرد والسواد البراق ويسمونه: المداد الطاؤسي إلى غير ذلك من الألوان العجيبة اللطيفة كذا في مدينة العلوم وذكره أبو الخير في الشعبة الخامسة من فروع العلم الطبيعي ولا يخفى أنه من قبيل تكثير السواد وتضييع القرطاس والمداد لأنه أمر صناعي جزئي لا يعد مثله علما وإلا لبلغ العلوم إلى ألوف.
علم تسطيح الكرة
هو: علم يتعرف منه كيفية إيجاد الآلات الشعاعية كذا في: كشاف اصطلاحات الفنون.
وقال في: كشف الظنون: كيفية نقل الكرة إلى السطح مع حفظ الخطوط والدوائر المرسومة على الكرة وكيفية نقل تلك الدوائر عن الدائرة إلى الخط وتصور هذا العلم عسير جدا يقرب من خرق العادة لكن عملها باليد كثيرا ما يتولاه الناس ولا عسر فيه مثل عسر التصور. انتهى ما ذكره أبو الخير.
وقد جعله من فروع علم الهيئة وهو: من فروع علم الهندسة ودعوى عسر التصور ليست على اطلاقها بل هو بالنسبة إلى من لم يمارس في علم الهندسة. انتهى.
ومنفعته: الإرتياض بعلم هذه الآلات وعملها وكيفية انتزاعها من أمور ذهنية مطابقة للأوضاع الخارجية والتوصل بها إلى استخراج المطالب الفلكية.
ومن الكتب المصنفة فيه: كتاب: تسطيح الكرة لبطليموس و: الكامل للفرغاني و: الاستيعاب للبيروتي و: الدستور والرجيح في قواعد التسطيح لتقي الدين و: آلات التقويم للمراكشي - رحمهما الله تعالى.
علم تشبيه القرآن واستعاراته
ذكره أبو الخير من فروع علم التفسير وقال: التشبيه نوع من أشرف أنواع البلاغة. انتهى
فهو إذا من مباحث علم البيان كما لا يخفى.
стр. 350
علم التشريح
هو: علم باحث عن كيفية إجراء البدن وترتيبها من العروق والأعصاب والغضاريف والعظام واللحم وغير ذلك من أحوال كل عضو منه.
وموضوعه: أعضاء بدن الإنسان والغرض والمنفعة.
والفائدة ظاهرة وكتب التشريح أكثر من أن تحصى ولا أنفع من تصنيف ابن سينا والإمام الرازي ورسالة لابن الهمام ومختصر نافع في هذا الباب. انتهى ما ذكره في مدينة العلوم. ومثله ذكر أبو الخير وجعله من فروع علم الطبيعي والرسالة المذكورة ليست لابن الهمام وإنما هي لابن جماعة وقد قرأها ابن الهمام عليه.
وقال ابن صدر الدين: هو علم بتفاصيل أعضاء الحيوان وكيفية نضدها وما أودع فيها من عجائب الفطرة وآثار القدرة ولهذا قيل: من لم يعرف الهيئة والتشريح فهو عنين في معرفة الله تعالى. انتهى.
وأكثر كتب الطب متكفلة ببيان هذا العلم سوى ما فيه من التصانيف المستقلة المصورة.
علم التصحيف
وهذا من أنواع علم البديع حقيقة لكن بعض الأدباء توغل فيه وأفرده بالتصنيف وجعله من فروعه.
وموضوعه: الكلمات المصحفة التي وردت عن البلغاء وبهذا الإعتبار يكون من فروع المحاضرات
وفائدته وغرضه ومنفعته ظاهرة غير خافية على أهل البصائر.
قال عبد الرحمن البسطامي: أول من تكلم في التصحيف الإمام علي - كرم الله وجهه - ومن كلامه في ذلك: خراب البصرة بالريح بالراء والحاء المهملتين بينهما آخر الحروف قال الحافظ الذهبي: ما علم تصحيف هذه الكلمة إلا بعد المائتين من الهجرة يعني خراب البصرة بالزنج بالزاي والنون والجيم.
وللإمام في هذا العلم صنائع بديعة.
ومن أمثلة التصحيف قولهم: متى يعود إشارة إلى رجل اسمه مسعود وقس عليه نظائره.
قال الأرنيقي: ومن بدائع التصحيف ما نقشه نجم السائس على خاتم لابن أستاذه واسمه يحيى وكان يهواه وهو هذا نجم غسق بختي يريد نجم عشق يحيى.
ومن بديع كلام علي - كرم الله وجهه - كل عنب الكرم يعطيه يعني كل عيب الكرم يغطيه.
ومن أمثلة التصحيف قولهم في المستنصرية: جنة والمستنصرية: اسم موضع وأراد به المس تضربه حية. انتهى.
قلت: وفي كتب أصول الحديث أبحاث مستقلة لذلك مع أمثلة للتصحيف.
ومن الكتب المصنفة فيه: كتاب: التصحيف للإمام أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري الأديب المتوفى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة الذي جمع فيه فأوعب.
علم التصرف بالاسم الأعظم
ذكره أبو الخير من فروع علم التفسير قال: وهذا العلم قلما وصل إليه أحد من الناس خلا الأنبياء
стр. 351
والأولياء ولهذا لم يصنفوا في شأنه تصنيفا يعين هذا الاسم لأن كشفه على آحاد الناس لا يحل أصلا إذ فيه فساد العالم وارتفاع نظام بني آدم. انتهى.
ومن التصانيف المفردة فيه: جواب من استفهم قال في: مدينة العلوم: وتفصيل هذا العلم في كتاب: الدر للنظيم في خواص القرآن العظيم للإمام اليافعي وغير ذلك من كتب المشائخ. انتهى
قلت: ولكن لا يعتمد عليها لما اختص به الأنبياء ﵈.
علم التصريف
هو علم يبحث فيه عن الأعراض الذاتية لمفردات كلام العرب من حيث صورها وهيئاتها كالإعلال والإدغام أي المفردات الموضوعة بالوضع النوعي ومدلولاتها والهيئات الأصلية العامة للمفردات والهيئات التغيرية كبيان المعتلات قبل الإعلال وبعد الإعلال وكيفية تغيرها عن هيئاتها الأصلية على الوجه الكلي بالمقاييس الكلية كصيغ الماضي والمضارع ومعانيهما ومدلولاتهما.
وموضوعه: الصيغ المخصوصة من الحيثية المذكورة.
وغرضه: تحصيل ملكة يعرف بها ما ذكر من الأحوال.
وغايته: الاحتراز عن الخطأ من تلك الجهات.
ومباديه: مقدمات مستنبطة من تتبع استعمال العرب.
وأول من دون علم التصريف: أبو عثمان المازني وكان قبيل ذلك مندرجا في النحو ذكره أبو الخير.
وكتب التصريف كثيرة معظمها ما ذكره كاتب الجلبي في هذا المحل ولا نطول بذكرها وسيأتي ذكر هذا العلم في باب الصاد.
علم التصرف بالحروف والأسماء
قال أبو الخير وهذا علم شريف يتوصل بالمداومة عليه على شرائط معينة ورياضة خاصة إلى ما يناسب تلك الحروف أو الأسماء من الخواص قال في: مدينة العلوم: هذا علم لا يتوصل إليه إلا برياضة ومجاهدة مراعيا لقواعد الشريعة حتى ينفتح له باب الملكوت فيتصرف في روحانيات تلك الحروف ويتوصل بها إلى مقاصدهم الدنيوية والأخروية. انتهى. وموضوعه وغايته ظاهرة وقيل: تحت هذا العلم مائة وثمانية وأربعون علما وكتب الشيخ أحمد البوني والبسطامي مشهورة في هذا العلم. انتهى وقد جعله أبو الخير من فروع علم التفسير وسيأتي تفصيله في علم الحروف مع كتبها.
علم التصوف
هو: علم يعرف به كيفية ترقي أهل الكمال من النوع الإنساني في مدارج سعادتهم والأمور العارضة لهم في درجاتهم بقدر الطاقة البشرية.
وأما التعبير عن هذه الدرجات والمقامات كما هو حقه فغير ممكن لأن العبارات إنما وضعت للمعاني التي وصل إليها فهم أهل اللغات.
وأما المعاني التي لا يصل إليها إلا غائب عن ذاته فضلا عن قوى بدنه فليس بممكن أن توضع لها
стр. 352
الألفاظ فضلا عن أن يعبر عنها بالألفاظ.
فكما أن المعقولات لا تدرك بالأوهام والموهومات لا تدرك بالخياليات والتخيلات لا تدرك بالحواس كذلك ما من شأنه أن يعاين اليقين لا يمكن أن يدرك بعلم اليقين.
فالواجب على من يريد ذلك أن يجتهد في الوصول إليه بالعيان دون أن يطلبه بالبيان فإنه طور وراء طور العقل.
علم التصوف علم ليس يعرفه ... لا أخو فطنة بالحق معروف
وليس يعرفه من ليس يشهده ... وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف
هذا ما ذكره ابن صدر الدين.
وأما أبو الخير فإنه جعل الطرف الثاني من كتابه في العلوم المتعلقة بالتصفية التي هي ثمرة العمل بالعلم.
ولهذا العلم أيضا ثمرة تسمى: علوم المكاشفة لا يكشف عنها العبارة غير الإشارة كما قال النبي١ ﷺ : "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفها إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا لا ينكره إلا أهل الغرة".
فرتب هذا الطرف في مقدمة ودوحة لها شعب وثمرة وقال: الدوحة في علوم الباطن لها أربع شعب: العبادات والعادات والمهلكات والمنجيات فلخص فيه كتاب: الإحياء للغزالي ولم يذكر الثمرة فكأنه لم يذكر التصوف المعروف بين أهله.
قال القشيري: اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله ﷺ لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول ﷺ إذ لا أفضلية فوقها فقيل لهم الصحابة.
ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة: بالتابعين. ثم اختلف الناس وتباينت المراتب.
فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد.
ثم ظهرت البدعة وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف. واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة. انتهى.
وأول من سمي بالصوفي: أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة خمس ومائة.
واعلم: أن الإشراقيين من الحكماء الإلهيين كالصوفيين في المشرب والاصطلاح خصوصا المتأخرين منهم إلا ما يخالف مذهبهم مذهب أهل الإسلام ولا يبعد أن يؤخذ هذا الاصطلاح من اصطلاحهم كما لا يخفى على من تتبع كتب حكمة الإشراق وفي هذا الفن كتب غير محصورة ذكرها في: كشف الظنون على ترتيبه إجمالا ولشيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني كتاب: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان رد فيه على المتصوفة ردا لطيفا وهو سفر نافع جداً.
стр. 353
فصل
قال عبد الرحمن بن خلدون: هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة.
وأصله: أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية.
وأصلها: العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم: الصوفية والمتصوفة.
وقال القشيري ﵀: ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس والظاهر إنه لقب ومن قال: اشتقاقه من الصفا أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي قال: وكذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه قلت: والأظهر إن قيل: بالاشتقاق أنه من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة اختصوا بمآخذ مدركة لهم وذلك أن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر الحيوان بالإدراك وإدراكه نوعان: إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم وإدراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط والرضاء والغضب والصبر والشكر. وأمثال ذلك. فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من إدراكات وإرادات وأحوال وهي التي يميز بها الإنسان وبعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الأدلة والفرح والحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذذ به والنشاط عن الحمام والكسل عن الإعياء وكذلك المريد في مجاهدته لا بد وأن ينشأ عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة وتلك الحالة: إما أن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وإما أن لا تكون عبادة وإنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن وسرور ونشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات.
ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة.
قال ﷺ : "من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة" فالمريد لا بد له من الترقي في هذه الأطوار وأصلها كلها الطاعة والإخلاص ويتقدمها الإيمان ويصاحبها وتنشأ عن الأحوال والصفات نتائج وثمرات ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان وإذا وقع تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم أنه إنما أتى من قبل التقصير في الذي قبله.
وكذلك في الخواطر النفسانية والواردات القلبية فلهذا يحتاج المريد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله وينظر في حقائقها لأن حصول النتائج عن الأعمال ضروري وقصورها من الخلل فيها كذلك والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب نفسه عن أسبابه ولا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس لأن الغفلة عن هذا كأنها شاملة وغاية أهل العبادات إذا لم ينتهوا إلى هذا النوع إنهم يأتون بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الأجزاء والأمثال وهؤلاء يبحثون عن نتائجها بالأذواق والمواجد ليطلعوا على أنها خالصة من التقصير
стр. 354
أولا فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال والتروك والكلام في هذه الأذواق والمواجد التي تحصل عن المجاهدات ثم تستقر للمريد مقاما ويترقى منها إلى غيرها ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه فلهذا أختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه وصار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص الفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقة وأصوله والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك كما فعله القشيري في كتاب: الرسالة والسهروردي في كتاب: عوارف المعارف وأمثالهم وجمع الغزالي ﵀ بين الأمرين في كتاب: الإحياء فدون فيه أحكام الورع والاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك.
ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس والإطلاع على علم من أمر الله ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها والروح من تلك العوالم وسبب هذا الكشف: أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس وقويت أحوال الروح وغلب سلطانه وتجدد نشوه وأعان على ذلك الذكر فإنه كالغذاء لتنمية الروح ولا يزال في نمو وتزيد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما ويكشف حجاب الحس ويتم وجود النفس والعلوم اللدنية والفتح الإلهي وتقرب ذاته في تحقق حقيقتها من الأفق الأعلى أفق الملائكة.
وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية وتصير طوع إرادتهم فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرفون ولا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعوذون منه إذا هاجمهم وقد كان الصحابة ﵃ على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم تقع لهم بها عناية وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ كثير منها وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت: رسالة القشيري على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم.
ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والمدارك التي وراءه واختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسية وتغذية الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها التي لها من ذاتها بتمام نشوتها وتغذيتها فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في
стр. 355
مداركها حينئذ وأنهم اكتشفوا ذوات الوجود وتصوروا حقائقها كلها من العرش إلى الطش هكذا قال الغزالي في كتاب: الإحياء بعد أن ذكر صورة الرياضة.
ثم إن هذا الكشف لا يكون صحيحا كاملا عندهم إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة: لأن الكشف قد يحصل لصاحب الجوع والخلوة وإن لم تكن هناك استقامة كالسحرة والنصارى وغيرهم من المرتاضين وليس مراده إلا الكشف الناشئ عن الاستقامة ومثاله أن المرآة الصقلية إذا كانت محدبة أو مقعرة وحوذي بها جهة المرئي فإنه يتشكل فيه معرجا على غير صورته وإن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا فالاستقامة للنفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الأحوال ولما عني المتأخرون بهذا النوع من الكشف تكلموا في حقائق الموجودات العلوية والسفلية وحقائق الملك والروح والعرش والكرسي وأمثال ذلك وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجدهم في ذلك وأهل القيابين منكر عليهم ومسلم لهم وليس البرهان والدليل بنافع في هذه الطريق ردا وقبولا إذ هي من قبيل الوجدانيات وربما قصد بعض المصنفين بيان مذهبهم في كشف الوجود وترتيب حقائقه فأتى بالأغمض فالأغمض بالنسبة إلى أهل النظر والاصطلاحات والعلوم كما فعل الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض في: الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح فإنه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه: أن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية التي هي مظهر الأحدية وهما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة لا غير ويسمون هذا الصدور بالتجلي وأول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه وهو يتضمن الكمال بإفاضة الإيجاد والظهور لقوله في الحديث١ الذي يتناقلونه: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني.
وهذا الكمال في الإيجاد المتنزل في الوجود وتفصيل الحقائق وهو عندهم عالم المعاني والحضرة الكمالية والحقيقة المحمدية وفيها حقائق الصفات واللوح والقلم وحقائق الأنبياء والرسل أجمعين والكمال من أهل الملة المحمدية وهذا كله تفصيل الحقيقة المحمدية ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة البهائية وهي مرتبة المثال ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الأفلاك ثم عالم العناصر ثم عالم التركيب.
هذا في عالم الرتق فإذا تجلت فهي في عالم الفتق ويسمى هذا المذهب: مذهب أهل التجلي والمظاهر والحضرات وهو كلام يقتدر أهل النظر على تحصيل مقتضاه لغموضه وانغلاقه وبعد ما بين كلام صاحب المشاهدة والوجدان وصاحب الدليل وربما أنكر بظاهر الشرع هذا الترتيب وكذلك ذهب آخرون منهم إلى القول: بالوحدة المطلقة وهو رأي أغرب من الأول في تعقله وتفاريعه يزعمون فيه أن الوجود له قوى في تفاصيله بها كانت حقائق الموجودات وصورها وموادها والعناصر إنما كانت بما فيها من القوى وكذلك مادتها لها في نفسها قوة بها كان وجودها ثم إن المركبات فيها تلك القوى متضمنة