الكلمة: إما معرب أو مبني أو جزئه كقولهم آخر الكلمة محل الأعراب أو جزئية كقولهم: الاسم بالسببين يمتنع عن الصرف أو عرضه كقولهم: الخبر.
إما مفردا وجملة أو خاصته كقولهم الإضافة تزاحم التنوين ولو بواسطة أو وسائط أي ولو كان تعلق الأحكام بأحد هذه الأمور ثابتا بواسطة أو وسائط كقولهم الأمر يجاب بالفاء فالأمر جزئي من الإنشاء والإنشاء جزئي من الكلام.
والغرض منه: الاحتراز عن الخطأ في التأليف والاقتدار على فهمه والإفهام به هكذا في الإرشاد وحواشيه وغيرها انتهى حاصله.
قال ابن خلدون ﵀: اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعل الساني فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم وكانت الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني مثل: الحركات التي تعين الفاعل من المفعول ومن المجرور أعني المضاف ومثل: الحروف التي تفضي بالأفعال إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى وليس يوجد ذلك إلا في لغة العرب وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لا بد له من ألفاظ تخصه بالدلالة ولذلك نجد كلام العجم في مخاطباتهم أطول مما نقدره بكلام العرب وهذا هو معنى قوله ﷺ : "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً". فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيئات أي: الأوضاع اعتبار في الدلالة على المقصود غير متكلفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها إنما ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة بما ألقي إليه السمع من المخالفات التي للمتعربين والسمع أبو الملكات اللسانية ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على الفهوم فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل: أن الفاعل مرفوع المفعول منصوب والمبتدأ مرفوع.
ثم رأوا تغير الدلالة بتغيير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابا وتسمية الموجب لذلك التغير عاملا وأمثال ذلك وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو.
وأول من كتب فيها: أبو الأسود الدؤلي من بني كنانة ويقال: بإشارة علي ﵁ لأنه رأى تغير الملكة فأشار عليه بحفظها ففرغ إلى ضبطها بالقوانين الحاضرة المستقرأة.
ثم كتب فيها الناس من بعده إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد أحوج ما كان الناس إليها لذهاب تلك الملكة من العرب فهذب الصناعة وكمل أبوابها.
وأخذها عنه سيبويه فكمل تفاريعها واستكثر من أدلتها وشواهدها ووضع فيها كتابه المشهور الذي صار إماما لكل ما كتب فيها من بعده.
стр. 597
ثم وضع أبو علي الفارسي وأبو القاسم الزجاج كتبا مختصرة للمتعلمين يحذون فيها حذو الإمام في كتابه.
ثم طال الكلام في هذه الصناعة وحدث الخلاف بين أهلها في الكوفة والبصرة المصرين القديمين للعرب وكثرت الأدلة والحجاج بينهم وتباينت الطرق في التعليم وكثر الاختلاف في أعراب كثير من أي القرآن باختلافهم في تلك القواعد وطال ذلك على المتعلمين.
وجاء المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار فاختصروا كثيرا من ذلك الطول مع استيعابهم لجميع ما نقل. كما فعله ابن مالك في كتاب التسهيل وأمثاله.
أو اقتصارهم على المبادئ للمتعلمين كما فعله الزمخشري في المفصل وابن الحاجب في المقدمة له وربما نظموا ذلك نظما مثل ابن مالك في الأرجوزتين الكبرى والصغرى وابن معطي في الأرجوزة الألفية.
وبالجملة فالتأليف في هذا الفن أكثر من أن تحصى أو تحاط بها وطرق التعليم فيها مختلفة فطريقة المتقدمين غايرة لطريقة المتأخرين والكوفيون والبصريون والبغداديون والأندلسيون مختلفة طرقهم كذلك وقد كادت هذه الصناعة أن تؤذن بالذهاب لما رأينا من النقص في سائر العلوم والصنائع بتناقص العمران ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها استوفى فيه أحكام الأعراب مجملة ومفصلة وتكلم على الحروف والمفردات والجمل وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها وسماه بالمغني في الإعراب وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها وضبطها بأبواب ومفصول وقواعد انتظمت سائرها فوقفنا منه على علم جم يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة ووفور بضاعته منها وكأنه ينحو في طريقته منحاة أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جني واتبعوا مصطلح تعليمه فأتى من ذلك بشيء عجيب دال على قوة ملكته واطلاعه والله يزيد في الخلق ما يشاء انتهى.
قال في مدينة العلوم: ومن الكتب المشهورة في علم النحو مقدمة لابن الحاجب المسماة بالكافية والناس قد اعتنوا بالكافية أشد الاعتناء بحيث لا يمكن إحصاء شروحها وأجلها الذي سار ذكره في الأمصار والأقطار مسير الصبا والأمطار شرح العرمة نجم الأئمة رضي الدين الإسترآبادي وهو شرح عظيم الشأن جامع لكل بيان وبرهان تضمن من المسائل أفضلها وأعلاها ولم يغادر من الفوائد صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
قال السيوطي في طبقات النحاة: لم يؤلف عليها ولا في غالب كتب النحو مثله جمعا وتحقيقا وحسن تعليل وقد أكب الناس عليه وتداولوه واعتمده شيوخ العصر في مصنفاتهم ودروسهم وله فيه أبحاث كثيرة مع النحاة واختيارات جمة ومذاهب ينفرد بها وله شرح على الشافية انتهى.
ويروى: أن رضي الدين كان على مذهب الرفض يحكى أنه: كان يقول العدل في عمر ليس بتحقيقي موضع قوله العدل في عمر تقديري نعوذ بالله من الغلو في البدعة والعصبية في الباطل.
ومن شروح الكافية شرح السيد ركن الدين كبير ومتوسط صغير وهذا المتوسط متداول بين الناس على أيدي المبتدئين.
стр. 598
وشرح الفاضل السامي الشيخ عبد الرحمن الجامي بلغ غاية لا يمكن الزيادة عليها في لطف التحرير وحسن الترتيب وشهرة حاله في بلادنا أغنتنا عن التعرض لترجمته.
وشرح جلال الدين الغجدواني أحمد بن علي قال السيوطي هذا الشرح مشهور بأيدي الناس
وشرح النجم السعيدي.
وشرح تقي الدين النيلي وشرح المصنف للمتن وفيه أبحاث حسنة.
ومن المختصرات لب الألباب وعليه شروح أحسنها شرح السيد عبد الله العجمي نقره كار ومعناه: صانع الفضة ولب الإعراب لتاج الدين الإسفرائيني وله شروح منها شرح قطب الدين الفالي وشرح الإمام الزوزني محمد بن عثمان وزوزن بلدين هراة ونيسابور.
وشرح الشيخ علي الشهير بمصنفك كان من أولاد الإمام فخر الدين الرازي والرازي يصرح في مصنفاته بأنه من أولاد عمر بن الخطاب وذكر أهل التاريخ أنه من أولاد أبي بكر الصديق.
ومن المختصرات أيضا: المصباح للإمام المطرزي وشرحه ضوء المصباح للإسفرايئني.
والعمدة لابن مالك وعليه شروح منها: شرح ابن جابر الأندلسي.
وألفية جلال الدين السيوطي ومن المنظومات ملحة الإعراب لأبي القاسم الحريري.
وأرجوزة الشيخ ابن الحاجب نظم الكافية على أحسن وجه خاليا عن تكلف النظم.
ومن المبسوطات: شروح المفصل منها: الإيضاح لابن الحاجب وشرح ابن يعيش والإقليد للجندي وكتاب مغنى اللبيب عن كتب الأعازيب لابن هشام وله مختصر سماه قواعد الإعراب وعليهما شروح نافعة.
قال ابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له: ابن هشام أنحى من سيبويه وكان كثير المخالفة لأبي حيان شديد الانحراف عنه اشتهر في حياته وأقبل الناس عليه قال السيوطي: وقد كتبت عليه حاشية وشرحا لشواهده انتهى حاصل ما في مدينة العلوم وقد أطال في بيان تراجم النحاة المذكورين.
علم نزول الغيث
هو: علم باحث عن كيفية الاستدلال بأحوال الرياح والسحاب والبرق على نزول المطر وأخص الناس بهذا العلم العرب لاشتداد حاجتهم إلى الغيوث التي بها حصول معايشهم من السقي والرعي وقد حصل لهم هذا العلم بكثرة التجارب ودليله الدوران بين أحوال السحب والأمطار.
وجاء في غريب أبي عبد الله أن النبي ﷺ سأل عن سحابة مرت وقال: "كيف ترون قواعدها وبواسقها أجون أم غير ذلك"؟ ثم سأل عن البرق: "أخفوا أم وميضا أم يشق شقا"؟ فقالوا: بل يشق شقا فقال ﷺ : "جاءكم الحياء". هكذا في مدينة العلوم
علم النظر
هو: علم يبحث فيه عن كيفية إيراد الكلام بين المناظرين.
стр. 599
وموضوعه: الأدلة من حيث إنها يثبت بها المدعي على الغير ومباديه: أمور بينة بنفسها.
والغرض منه: تحصيل ملكة طرق المناظرة لئلا يقع الخبط في البحث فيصبح الصواب خطأ.
ومن الكتب المختصرة فيه: غاية الاختصار رسالة لمولانا عضد الدين وقد بين قواعدها كلها في مقدار عشرة أسطر وشرحها بعض الفضلاء المعاصرين لنا شرحا حسنا وهو مولانا محمد بن محمد البردعي وكان ذكيا في الغاية مات سنة ٩٢٧، ورسالة شمس الدين السمرقندي صاحب قسطاس الميزان وهذه الرسالة أشهر كتب هذا الفن وعليها شروح وكتاب مولانا سنان الدين الكنجي وكنجة: قرية من قرى بردع ولم يتفق له شرح إلى الآن قاله في مدينة العلوم وفيه في موضع آخر.
علم النظر
وهو: القواعد المنطقية من حيث إجرائها في الأدلة السمعية فصورة تلك القواعد وإن كانت جارية على منهاج العقل لكن موادها مستنبطة من الشرع ولهذا الاعتبار جعل ابن الحاجب القواعد المنطقية من مبادئ أصول الفقه.
علم النفوس
أي: معرفة النفوس الإنسانية بدأ وعودا وأنها قديمة أو حادثة أو محشورة وموضوعا وغرضه لا يخفى على الفطن.
стр. 600
باب الواو
علم الوجوه والنظائر
هو من فروع علم التفسير ومعناه: أن تكون الكلمة واحدة ذكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد وحركة واحدة وأريد بها في كل مكان معنى غير الآخر فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير لفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر هو النظائر.
وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الآخر هو الوجوه.
فإذا النظائر اسم الألفاظ والوجوه اسم المعاني.
وقد صنف فيه جماعة: منهم الشيخ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي فأنه جمع أجود ما جمعوه في مختصر سماه نزهة الأعين في علم الوجوه والنظائر ورتبه على الحروف قال: وقد نسب كتاب فيه إلى عكرمة عن ابن عباس وكتاب آخر إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وألف فيه مقاتل بن سليمان وأبو الفضل العباس بن الفضل الأنصاري وروى مطروح بن محمد بن شاكر عن عبد الله هارون الحجازي عن أبيه كتابا فيه وألف فيه أبو بكر محمد بن الحسن النقاش وأبو علي بن البنا وأبو الحسن علي بن عبيد الله بن الراغوني. انتهى كلام ابن الجوزي ﵀.
علم وحدة الوجود
قيل: إن بعض كلماتها خارجة عن طور العقل وظاهرها مخالف لتبادر النقل فصارت سببا بين الناس
стр. 601
للفتنة خصوصا هذه المسئلة وبسببها يكفر بعض الناس بعضا وأمرها يورث بين الطوائف عداوة وبغضا بعض يقبلها ويرد مقابلها وبعض ينكرها ويكفر قائلها لكن الكثيرون في فهمها على ظن وتخمين وبمعزل عن تحقيق ما أرادوا منها على اليقين فلا يكون الرد والقبول مقبولا ولا لها غير التباغض والتحاسد محصولا وفيها تأليفات وتحريرات منها.
رسالة المولوي الجامي ورسالة بدرا لدين زاده انتهى ما في كشف الظنون.
وأقول: الحق في الباب ترك الخوض في هذه المسئلة وأمثالها مما لم تخض فيه الصحابة والتابعون ولم يدخل فيه سلف الأمة وأئمتها الصالحون ولم ينطق به الكتاب العزيز لا دلالة ولا إشارة ولم ترد به السنة المطهرة لا صراحة ولا كناية ولم يلهج به المحققون من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين ولم يتمسك بذيله إلا أفراد من المتصوفين الذين ليسوا من أهل الدراسة ولا من مزاولة العلوم النبوية في شيء. فرحم الله امرأ اتبع ظاهر القرآن والحديث ولم يمل عن الصراط السوي وصان نفسه عن الوقوع في الألغاز والأحاجي ومن الغرق في بحار الضلالة والمناهي.
وأحسن ما تكلم به أهل العلم من إقليم الهند في هذه المسئلة كلام الشيخ أحمد السهرندي المعروف بمجدد الألف الثاني ﵀ ثم كلام الشاه ولي الله المحدث الدهلوي ثم كلام اتباع هؤلاء من العلماء الكملاء فإنه صفة الصفة وفيه صيانة الإيمان والاعتقاد عن طغيان الهوى والفساد وبالله التوفيق.
علم الوصايا
ذكره في كشف الظنون.
علم الوضع
هكذا في كشف الظنون وقال في مدينة العلوم: هو: علم باحث عن تفسير الوضع وتقسيمه إلى الشخصي والنوعي والعام والخاص وبيان حال وضع الذوات ووضع الهيئات إلى غير ذلك.
وموضوعه وغايته ومنفعته لا تخفى على المتدرب وكتب فيه مولانا عضد الدين رسالة لكنها قطرة من بحر وكان في خلدي أن أؤلف فيه رسالة أبين فيها مقاصد هذا الفن بكمالها فلم يتيسر لي إلى الآن ونسأل الله التوفيق لهذا المرام أنه ميسر لكل عسير.
علم وضع الأصطرلاب
علم باحث عن كيفية وضعه ومعرفة رسم خطوطه على الصفائح ومعرفة كيفية الرسم في كل عرض من الأقاليم وقد يعمل أصطرلاب شامل لجميع البلاد وهذا عظيم النفع جدا وفي هذا الفن رسائل كثيرة مشهورة عند أهله ذكره في مدينة العلوم.
علم وضع ربع الدائرة
وهو نوعان: أحدهما: المسمى: بالمقنطرات ويرسم عليها ربع الدوائر المرسومة على الكرة وهي
стр. 602
تختلف باختلاف عروض البلدان والآخر: الربع المجيب: ويرسم عليه خطوط مستقيمة متقاطعة وفي هذا العلم رسائل مشهورة عند أهله كذا في مدينة العلوم.
علم الوعظ
ذكره في كشف الظنون.
علم الوفق
كذا في الكشف ولم يزد على ذلك مع أنه وعد تحت علم أعداد الوفق أنه يأتي بيانه في علم الوفق وقد تقدم منا بيانه هنالك فراجعه. وكتبت جوابا عن سؤال ورد إلي من أهل البصرة في هذا الزمان وحاصله النهي عن استعمال الوفق وكونه نوعا من السحر وقسما من الشرك والله أعلم.
علم وقائع الأمم ورسومهم
كأنه من فروع علم التاريخ قال في مدينة العلوم: هذا من فروع المحاضرات والتواريخ هو: علم يبحث فيه عن أماكن أقوام مخصوصين ومواضع طوائف معنيين ورسوم مألوفة وعادات معروفة لكل قوم ومباديه: مأخوذة من الاستقراء والتواتر من الثقات وغرضه: تحصيل ملكة ضبط تلك الأمور وغايته: الاحتراز عن الخطأ فيها والكتب المؤلفة في هذا الفن كثيرة صنف فيه أبو عبيدة والأصمعي كتبا كثيرة وأكثر تقربهما عند الخليفة هارون الرشيد بسبب هذا انتهى.
علم الوقوف
قال في كشف الظنون: هو من فروع القراءة.
وقال في مدينة العلوم: الوقف عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمانا يتنفس فيه عادة بنية الاستئناف لأبنية الأعراض ويكون في رؤوس الآي وأوساطها ولا يتأتى في وسط الكلمة ولا فيما اتصل رسماً قيل: معرفة وقوف القرآن واجب حيث قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ قال علي كرم الله وجهه: الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف.
قال ابن الأنباري: من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء فيه. قال النكزاوي: لا يتأتى لأحد معرفة معنى القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل وللوقف أقسام مذكورة في كتب الوقوف وما تعرضت لذكر تلك الكتب ههنا لشهرتها عند أهلها.
стр. 603
باب الهاء
علم الهندسة
هو: علم بقوانين تعرف منه الأصول العارضة للكم من حيث هو كم وقال في مدينة العلوم:
هو: علم يعرف منه أحوال المقادير ولواحقها وأوضاع بعضها عند بعض ونسبتها وخواص أشكالها والطرق إلى عمل ما سبيله أن يعمل بها واستخراج ما يحتاج إلى استخراجه بالبراهين اليقينية.
стр. 604
وموضوعه المقادير المطلقة أعني: الخط والسطح والجسم التعليمي ولواحق هذه من الزاوية والنقطة والشكل.
ومنفعته: الاطلاع على الأحوال المذكورة من الموجودات وأن يكسب الذهن حدة ونفاذا ويروض بها الفكر رياضة قوية لما اتفقوا على أن أقوى العلوم برهانا هي العلوم الهندسية.
ومن جملة منافعها العلاج عن الجهل المركب لما أنها علوم يقينية لا مدخل فيها للوهم فيعتاد الذهن على تسخير الوهم والجهل المركب ليس إلا من غلبة الوهم على العقل.
والمصنفات فيه كثيرة أشهرها وأصحها: تحرير الطوسي لكتاب إقليدس وأخصرها وأحسنها: شرح أشكال التأسيس للأبهري وشرحه لقاضي زادة الرومي وقد ذكر ابن سينا في كتاب الشفاء جملة كافية منها ثم إن للهندسة عدة فروع وكذا ذكر العلامة في كتبه من حقائق هذا الفن ما فيه كفاية انتهى.
والهندسة معرب أندازه ووجه التسمية ظاهر.
وأما العلوم المتفرعة عليه فهي عشرة.
وذلك لأنه إما يبحث عن إيجاد ما يتبرهن عليه في الأصول الكلية بالفعل أولاً.
والثاني: إما يبحث عما ينظر إليه أولاً.
الثاني: علم عقود الأبنية والباحث عن المنظور إليه إن اختص بانعكاس الأشعة فهو علم المرايا المحرقة وإلا فهو علم المناظر.
وأما الأول: وهو ما يبحث عن إيجاد المطلوب من الأصول الكلية بالفعل فإما من جهة تقديرها أو لا.
والأول: منهما إن اختص بالنقل فهو علم مراكز الأثقال وإلا فهو علم المساحة.
والثاني: منهما فإما إيجاد الآلات أو لا.
الثاني: علم أنباط المياه والآلات إما تقديرية أو لا.
والتقديرية: إما ثقيلة وهو جر الأثقال.
أو زمانية: وهو علم البنكامات.
والتي ليست تقديرية فإما خربية أولا.
الثاني: علم الآلات الروحانية.
الأول: علم الآلات الحربية وقد ذكرنا هذه العلوم في هذا الكتاب على الترتيب الهجائي فارجع إليها.
قال ابن خلدون ﵀: هذا العلم هو النظر في المقادير إما المتصلة: كالخط والسطح والجسم وإما المنفصلة: كالأعداد وفيما يعرض لها من العوارض الذاتية.
مثل: أن كل مثلث فزواياه مثل قائمتين.
ومثل: أن كل خطين متوازيين لا يلتقيان في وجه ولو خرجا إلى غير نهاية.
ومثل: أن كل خطين متقاطعين فالزاويتان المتقابلتان منهما متساويتان.
ومثل: أن الأربعة المقادير المتناسبة ضرب الأول منها في الثالث كضرب الثاني في الرابع وأمثال ذلك.
стр. 605
والكتاب المترجم لليونانيين في هذه الصناعة كتاب إقليدس ويسمى كتاب: الأصول وكتاب: الأركان وهو أبسط ما وضع فيها للمتعلمين.
وأول ما ترجم من كتاب اليونانيين في الملة أيام أبي جعفر المنصور ونسخه مختلفة باختلاف المترجمين فمنها لحنين بن إسحاق ولثابت بن قرة وليوسف بن الحجاج ويشتمل على خمس عشرة مقالة: أربعة في السطوح وواحدة في الأقدار المتناسبة وأخرى في نسب السطوح بعضها إلى بعض وثلث في العدد والعاشرة في المنطقات والقوى على المنطقات ومعناه الحذور وخمس في المجمسات.
وقد اختصره الناس اختصارات كثيرة كما فعله ابن سينا في تعاليم الشفاء أفرد له جزء منها اختصه به وكذلك ابن الصلت في كتاب الاقتصاد وغيرهم.
وشرحه آخرون شروحا كثيرة وهو مبدأ العلوم الهندسية بإطلاق.
واعلم: أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره لأن براهينها كلها بينة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيسها لترتيبها وانتظامها فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع وقد زعموا أنه كان مكتوبا على باب أفلاطون من لم يكن مهندسا فلا يدخلن منزلنا.
وكان شيوخنا رحمهم الله تعالى يقولون: ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينقيه من الأوضار والأدران وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه ومن فروع هذا الفن الهندسة المخصوصة بالأشكال الكرية والمخروطات.
أما الأشكال الكرية: ففيها كتابان من كتب اليونانيين لثاوذوسيوس ميلاوش في سطوحها وقطوعها وكتاب ثاوذوسيوس مقدم في التعليم على كتاب ميلاوش لتوقف كثير من براهينه عليه ولا بد منهما لمن يريد الخوض في علم الهيئة لأن براهينها متوقفة عليهما فالكلام في الهيئة كله كلام في الكرات السماوية وما يعرض فيها من القطوع والدوائر بأسباب الحركات كما نذكره فقد يتوقف على معرفة أحكام الأشكال الكرية سطوحها وقطوعها.
وأما المخروطات: فهو من فروع الهندسة أيضا وهو علم ينظر في ما يقع في الأجسام المخروطة من الأشكال والقطوع ويبرهن على ما يعرض لذلك من العوارض ببراهين هندسية متوقفة على التعليم الأول.
وفائدتها: تظهر في الصنائع العملية التي موادها الأجسام مثل: النجارة والبناء وكيف تصنع التماثيل الغريبة والهياكل النادرة وكيف يتحيل على جر الأثقال ونقل الهياكل بالهندام والمنجال وأمثال ذلك.
وقد أفرد بعض المؤلفين في هذا الفن كتابا في الحيل العملية يتضمن من الصناعات الغريبة والحيل المستطرفة كل عجيبة وربما استغلق على الفهوم لصعوبة براهينه الهندسية وهو موجود بأيدي الناس ينسبونه إلى بني شاكر والله تعالى أعلم.
علم الهيئة
ذكره في كشف الظنون ولم يزد على ذلك.
стр. 606
وقال في مدينة العلوم: هو علم يعرف منه أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية وأشكالها وأوضاعها ومقاديرها وأبعادها.
وموضوعه الأجرام المذكورة من الحيثية المذكورة وقد يذكر هذا العلم تارة مع براهينها الهندسية كما هو الأصل وهذا هو المذكور في المجسطي لبطليموس ولخصه الأبهري وعربه.
ومن الكتب المختصرة: فيه هيئة ابن أفلح.
ومن المبسوطة: القانون المسعودي لأبي ريحان البيروتي وشرح المجسطي للنيروزي وقد تجرد عن البراهين ويقتصر على التصور والتخيل دون اليقين ويسمى هيئة بسيطة.
ومن المختصر فيه: التذكرة لنصير الدين الطوسي.
ومن المتوسط: هيئة العرضي ومن المبسوطة: أيضا التحفة ونهاية الإدراك كلاهما للعلامة قطب الدين الشيرازي.
ومن المختصرة: الملخص المشهور لمحمود الجغميني وعليه شروح منها: شرح لفضل الله العبيدي وكمال الدين الزاكاني والشريف الجرجاني.
وأحسن الشروح شرح الفاضل قاضي زادة الرومي.
ومن المختصرة النافعة فيه: غاية النفع كتاب النخبة لعلي بن محمد القوشجي وعليه شرح لمولانا سنان الدين وشرحه أستاذي محمود بن محمد بن قاضي زاده الرومي وهو ابن بنت المصنف علي بن محمد القوشجي كتبه عند قراءتي عليه الكتاب المذكور وهذا الشرح من أحسن المؤلفات في هذا الفن وكانت القدماء قد اقتصروا في هيئة الأفلاك على الدوائر المجردة وتسمى: هيئة مسطحة وفيه كتاب لأبي علي بن الهيثم انتهى كلامه.
قال في كشاف اصطلاحات الفنون: علم الهيئة: هو من أصول الرياضي وهو علم يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية من حيث الكمية والكيفية والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها.
فالكمية إما منفصلة: كأعداد الأفلاك وبعض الكواكب دون أعداد العناصر فإنها مأخوذة من الطبعيات وأما متصلة: كمقادير الأجرام والأبعاد واليوم وأجزاءه وما يتركب منها.
وأما الكيفية: فكالشكل إذ تتبين فيه استدارة هذه الأجسام وكلون الكواكب وضوئها.
وأما الوضع: فكقرب الكواكب وبعدها عن دائرة معينة وانتصاب دائرة وميلانها بالنسبة إلى سمت رؤوس سكان الأقاليم وحيلولة الأرض بين النيرين والقمر بين الشمس والأبصار ونحو ذلك.
وأما الحركة فالمبحوث عنه في هذا الفن منها هو قدرها وجهتها.
وأما البحث عن أصل الحركة وإثباتها للأفلاك فمن الطبعيات والمراد باللازمة الدائمة على زعمهم وهي حركات الأفلاك والكواكب واحترز بها عن حركات العناصر كالرياح والأمواج والزلازل فإن البحث عنها من الطبعيات.
وأما حركة الأرض من المغرب إلى المشرق وحركة الهواء بمشايعتها وحركة النار بمشايعة الفلك فمما لم يثبت ولو ثبت فلا يبعد أن يجعل البحث عنها من حيث القدر والجهة من مسائل الهيئة والمراد
стр. 607
بما يلزم من الحركة الرجوع والاستقامة التذكرة هذا القيد - أعني قيد ما يلزم منها - والظاهر أنه لا حاجة إليه.
والغرض من قيد الحيثية: الاحتراز عن علم السماء والعالم فإن موضوعه البسائط المذكورة أيضا لكن يبحث فيه عنها لا عن الحيثية المذكورة بل من حيث طبائعها ومواضعها والحكمة في ترتيبها ونضدها وحركاتها إلا باعتبار القدر والجهة.
وبالجملة فموضوع الهيئة الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات المخصوصة ونحوها وموضوع علم السماء والعالم الذي هو من أقسام الطبعي الجسم البسيط أيضا لكن من حيث إمكان عروض التغير والثبات وإنما زيد لفظ الإمكان إشارة إلى أن ما هو من جزء الموضوع ينبغي أن يكون مسلم الثبوت وهو إمكان العروض لا العروض بالفعل.
وقيل: موضوع كل من العلمين الجسم البسيط من حيث إمكان عروض الأشكال والحركات والتمايز بينهما إنما هو بالبرهان فإن أثبت المطلوب بالبرهان الآني يكون من الهيئة وإن أثبت بالبرهان اللمي يكون من علم السماء والعالم فإن تمايز العلوم كما يكون بتمايز الموضوعات كذلك قد يقع بالمحمولات والقول بأن التمايز في العلوم إنما هو بالموضوع فأمر لم يثبت بالدليل بل هو مجرد رعاية مناسبة.
واعلم أن الناظر في حركات الكواكب وضبطها وإقامة البراهين على أحوالها يكفيه الاقتصار على اعتبار الدوائر ويسمى ذلك هيئة غير مجسمة ومن أراد تصور مبادئ تلك الحركات على الوجه المطابق لقاعد الحكمة فعليه تصور الكرات على وجه تظهر حركات مراكز الكواكب وما يجري مجراها في مناطقها ويسمى ذلك هيئة مجسمة وإطلاق العام على المجسمة مجاز ولهذا قال صاحب التذكرة:
إنها ليست بعلم تام لأن العلوم هو التصديق بالمسائل على وجه البرهان فإذا لم يورد بالبرهان يكون حكاية للمسائل المثبتة بالبرهان في موضع آخر هذا كله خلاصة ما ذكره عبد العلي البرجندي في حواشي شرح الملخص.
والمذكور في علم الهيئة ليس مبينا على المقدمات الطبعية والإلهية وما جرت به العادة من تصدير المصنفين كتبهم بها إنما هو بطريق المتابعة للفلاسفة وليس ذلك أمرا واجبا بل يمكن إثباته من غير ملاحظة الابتناء عليها فإن المذكور فيه بعضه مقدمات هندسية لا يتطرق إليها شبهة مثلا: مشاهدة التشكلات البدرية والهلالية على الوجه المرصود توجب اليقين بان نور القمر مستفاد من نور الشمس وبعضه مقدمات يحكم بها العقل بحسب الأخذ لما هو الأليق والأحرى كما يقولون: إن محدب الحامل يماس محدب الممثل على نقطة مشتركة وكذا مقعره بمقعره ولا مستند لهم غير أن الأولى أن لا يكون في الفلكيات فضل لا يحتاج إليه وكذا الحال في أعداد الأفلاك من أنها تسعة وبعضه مقدمات يذكرونها على سبيل التردد دن الجزم كما يقولون أن اختلاف حركة الشمس بالسرعة والبطء إما بناء على أصل الخارج أو على أصل التدوير من غير جزم بأحدهما فظهر أن ما قيل: من أن إثبات مسائل هذا الفن مبني على أصول فاسدة مأخوذة من الفلاسفة من نفي القادر المختار وعدم تجويز الخرق والالتئام على الأفلاك وغير ذلك ليس بشيء ومنشأه عدم الاطلاع على مسائل هذا الفن ودلائله. وذلك لأن مشاهدة التشكلات
стр. 608
البدرية والهلالية على الوجه المرصود توجب اليقين بأن نور القمر حاصل من نور الشمس وإن الخسوف إنما هو بسبب حيلولة الأرض بين النيرين والكسوف إنما هو بسبب حيلولة القمر بين الشمس والبصر مع القول بثبوت القادر المختار ونفي تلك الأصول المذكور فإن ثبوت القادر المختار وانتفاء تلك الأصول لا ينفيان أن يكون الحال ما ذكر غاية الأمر أنهما يجوزان الاحتمالات الآخر مثلا: على تقدير ثبوت القادر المختار يجوز أن يسود القادر بحسب أرادته وينور وجه القمر على ما يشاهد من التشكلات البدرية والهلالية وأيضا يجوز على تقدير الاختلاف في حركات الفلكيات وسائر أحوالها أن يكون أحد نصفي كل من النيرين مضيئا والآخر مظلما ويتحرك النيران على مركزيهما بحيث يصير وجهاهما المظلمان مواجهين لنا في حالتي الخسوف والكسوف إما بالتمام إذا كانا تامين أو بالبعض إن كانا ناقصين وعلى هذا القياس حال التشكلات البدرية والهلالية لكنا نجزم مع قيام الاحتمالات المذكور أن الحال على ما ذكر من استفادة القمر النور من الشمس وأن الخسوف والكسوف بسبب الحيلولة ومثل هذا الاحتمال قائم في العلوم العادية والتجريبية أيضا بل في جميع الضروريات مع أن القادر المختار يجوز أن يجعلها كذلك بحسب إرادته بل على تقدير أن يكون المبدأ موجبا يجوز أن يتحقق وضع غريب من الأوضاع الفلكية فيقتضي ظهور ذلك الأمر الغريب على مذهب القائلين بالإيجاب من استناد الحوادث إلى الأوضاع الفلكية وغير ذلك مما هو مذكور في شبه القادحين في الضروريات.
ولو سلم أن إثبات مسائل هذا الفن يتوقف على تلك الأصول الفاسدة فلا شك أنه إنما يكون ذلك إذا ادعى أصحاب هذا الفن أنه لا يمكن إلا على الوجه الذي ذكرنا.
أما إذا كان دعواهم أنه يمكن أن يكون على ذلك الوجه ويمكن أن يكون على الوجوه الآخر فلا يتصور التوقف حينئذ وكفى بهم فضلا أنهم تخيلوا من الوجوه الممكنة ما تنضبط به أحوال تلك الكواكب مع كثرة اختلافاتها على وجه تيسر لهم أن يعينوا مواضع تلك الكواكب واتصالات بعضها ببعض في كل وقت وأرادوا بحيث يطابق الحس والعيان مطابقة تتحير فيها العقول والأذهان كذا في شرح التجريد وهكذا يستفاد من شرح المواقف في موقف الجواهر في آخر بيان محدد الجهات.
وفي إرشاد القاصد الهيئة: وهو علم تعرف به أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية وأشكالها وأوضاعها وأبعاد ما بينها وحركات الأفلاك والكواكب ومقاديرها.
وموضوعه: الأجسام المذكورة من حيث كميتها وأوضاعها وحركاتها اللازمة لها.
وأما العلوم المتفرعة عليه فهي خمسة وذلك لأنه إما أن يبحث عن إيجاد ما تبرهن بالفعل أولا.
الثاني: كيفية.
الأرصاد والأول: إما حساب الأعمال أو التوصل إلى معرفتها بالآلات.
فالأول منهما: إن اختص بالكواكب المجردة فهو علم الزيجات والتقاويم وإلا فهو علم المواقيت.
والآلات: إما شعاعية أو ظلية فإن كانت شعاعية فهو علم تسطيح الكرة وإن كانت ظلية فعلم الآلات الظلية وقد ذكرنا هذه العلوم في هذا الكتاب على نهج الترتيب المختار فيه.
وقال ابن خلدون: هو علم ينظر في حركات الكواكب الثابتة والمتحركة والمتحيرة ويتسدل بكيفيات
стр. 609
تلك الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لزمت عنها هذه الحركات المحسوسة بطرق هندسة كما يبرهن على أن مركز الأرض مبائن لمركز فلك الشمس بوجود حركة الإقبال والأدبار وكما يستدل بالرجوع والاستقامة للكواكب على وجود أفلاك صغيرة حاملة لها متحركة داخل فلكها الأعظم وكما يبرهن على وجود الفلك الثامن بحركة الكواكب الثابتة وكما يبرهن على تعدد الأفلاك للكوكب الواحد بتعدد الميلول له وأمثال ذلك وإدراك الموجود من الحركات وكيفياتها وأجناسها إنما هو بالرصد فإنا إنما علمنا حركة الإقبال والأدبار به وكذا ترتيب الأفلاك في طبقاتها وكذا الرجوع والاستقامة وأمثال ذلك.
وكان اليونانيون يعتنون بالرصد كثيرا ويتخذون له الآلات التي توضع ليرصد بها حركة الكوكب المعين وكانت تسمى عندهم: ذات الحلق وصناعة عملها والبراهين عليه في مطابقة حركتها بحركة الفلك منقول بأيدي الناس.
وأما في الإسلام: فلم تقع به عناية إلا في القليل وكان في أيام المأمون شيء منه وصنع الآلة المعروفة للرصد المسماة: ذات الحلق وشرع في ذلك فلم يتم ولما مات ذهب رسمه وأغفل واعتمد من بعده على الأرصاد القديمة وليست بمغنية لاختلاف الحركات باتصال الأحقاب.
وإن مطابقة حركة الآلة في الرصد بحركة الأفلاك والكواكب إنما هو بالتقريب ولا يعطى التحقيق فإذا طال الزمان ظهر تفاوت ذلك بالتقريب.
وهذه الهيئة صناعة شريفة وليست على ما يفهم في المشهور إنها تعطي صورة السموات وترتيب الأفلاك والكواكب بالحقيقة بل إنما تعطي أن هذه الصور والهيئات للأفلاك لزمت عن هذه الحركات وأنت تعلم أنه لا يبعد أن يكون الشيء الواحد لازما لمختلفين وإن قلنا:
إن الحركات لازمة فهو استدلال باللازم على وجود الملزوم ولا يعطي الحقيقة بوجه على أنه علم جليل وهو أحد أركان التعاليم.
ومن أحسن التآليف فيه: كتاب المجسطي منسوب لبطليموس وليس من ملوك اليونان الذين أسماهم بطليموس على ما حققه شراح الكتاب وقد اختصره الأئمة من حكماء الإسلام كما فعله ابن سينا وأدرجه في تعاليم الشفاء ولخصه ابن رشد أيضا من حكماء الأندلس وابن السمح وابن الصلت في كتاب الاقتصار ولابن الفرغاني هيئة ملخصة قربها وحذف براهينها الهندسية والله علم الإنسان ما لم يعلم سبحانه لا إله إلا هو رب العلمين انتهى كلام ابن خلدون. وقد بسطنا القول في الهيئة في كتابنا لقطة العجلان فمن شاء أن يطلع عليه فعليه به والله الموفق.
стр. 610
باب الياء التحتانية
علم اليوم والليلة ١
علم يبحث فيه عن اختلاف الليل والنهار ومقدار زمانهما وأيهما أقدم في الوجود وأفضل من الآخر وما يتصل بذلك.
стр. 611
والغرض والغاية منه ظاهران.
وموضوعه: الزمان من حيث كونه منحصرا في الأيام والليالي.
وقد أقسم الله سبحانه بهما في كتابه وأناط الأحكام الشرعية باختلافهما في كريم خطابه فقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ .
وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .
وقال: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ فقدم النهار مرة والليل أخرى وأخر الليل تارة وقدم النهار كرة بعد أولى.
واليوم عبارة عن عود الشمس بدوران الكل إلى دائرة قد فرضت.
وقد اختلف فيه فجعله العرب من غروب الشمس إلى غروبها من الغد من أجل أن شهور العرب مبنية على مسير القمر وأوائلها مقيدة برؤية الهلال والهلال يرى لدن غروب الشمس صارت الليلة عندهم قبل النهار.
وعند الفرس والروم اليوم بليلته من طلوع الشمس بارزة من أفق الشرق إلى وقت طلوعها من الغد فصار النهار عندهم قبل الليل.
واحتجوا على قولهم: بأن النور وجود الظلمة عدم والحركة تغلب على السكون لأنها وجود لا عدم وحياة لا موت والسماء أفضل من الأرض والعامل الشاب أصح والماء الجاري لا يقبل العفونة كالراكد.
واحتج الآخرون: بأن الظلمة أقدم من النور والنور طار عليها فالأقدم يبدأ به وغلبوا السكون على الحركة بإضافة الراحة والدعة إليه قال قائلهم:
بقدر هر سكون راحت بود بنكر مراتب را ... دويدن رفتن استادن نشستن خفتن ومردن
وقالوا: الحركة إنما هي للحاجة والضرورة والتعب نتيجة الحركة والسكون إذا دام في الاستقصاءات مدة ولم يولد فسادا فإذا دامت الحركة في الاستقصاءات واستحكمت فسدت وذلك كالزلازل والعواصف والأمواج وشبهها.
وعند أصحاب التنجيم أن اليوم بليلته من موافاة الشمس فلك نصف النهار إلى موافاتها إياه في الغد وذلك من وقت الظهر إلى وقت العصر وبنوا على ذلك حساب أزياجهم وبعضهم ابتدأ باليوم من نصف
стр. 612
الليل وهذا هو حد اليوم على الإطلاق إذا اشترط الليلة في التركيب فإما على التفصيل فاليوم بانفراده والنهار بمعنى واحد وهو من طلوع جرم الشمس إلى غروب جرمها والليل خلاف ذلك وعكسه.
وحد بعضهم أول النهار بطلوع الفجر وآخره بغروب الشمس لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وعورض بأن الآية إنما فيها بيان طرفي الصوم لا تعريف أول النهار وبأن الشفق من جهة المغرب نظير الفجر من جهة المشرق وهما متساويان في العلة فلو كان طلوع الفجر من أول النهار لكان غروب الشفق آخره وقد التزم ذلك بعض الشيعة.
وفي بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال: ما من يوم إلا وليلته قبله إلا يوم عرفة فإن ليلته بعده.
قلت: هذا مما اختلف فيه فحكي عن طائفة أن ليلة اليوم بعده والمعروف عند الناس أن ليلة اليوم قبله.
ومنهم من فصل بين الليلة المضافة إلى اليوم كليلة الجمعة والسبت والأحد وسائر الأيام والليلة المضافة إلى مكان أو حال أو فعل كليلة عرفة وليلة النفر ونحو ذلك فالمضافة إلى اليوم قبله والمضافة إلى غيره بعده واحتجوا بهذا الأثر المروي عن ابن عباس ﵄ ونقض عليهم بليلة العيد والذي فهمه الناس قديما وحديثا من قول النبي ﵌: "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ولا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي" إنها الليلة التي يسفر صبحها عن يوم الجمعة فإن الناس يتسارعون إلى تعظيمها وكره التعبد فيها عن سائر الليالي فنهاهم ﷺ عن تخصيصها بالقيام كما نهاهم عن تخصيص يومها بالصيام والله أعلم بالصواب وهذا آخر الجزء الثاني من الكتاب والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 613
القسم الثالث: الرحيق المختوم من تراجم أئمة العلوم
مدخل
...
القسم الثالث: الرحيق المختوم من تراجم أئمة العلوم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسملة باب الوجود حمد من اسمه الأقدس فاتحة كل كتاب وفهرسة نسخة الشهود ثناء من باكورة حمده في رياض الخير مطلع كل باب ونسائم التصلية والتسليم سارية إلى حمى النبي الكريم وأزهار التحية باسمة على عريش الأصحاب والآل ما برق ذكاء ولمع آل.
وبعد فهذا هو القسم الثالث من كتاب "أبجد العلوم" وكنا قد قسمناه على قسمين من قبل ولكن لما انتهى بنا الكلام إلى آخر القسم الآخر عن لنا أن نجعل له قسما ثالثا في تراجم أكابر أئمة العلوم المتداولة ليكون له كالمسك على الختام ويبلغ به الناظر فيه إلى غاية المرام وسميت هذا الثالث من الأقسام: الرحيق المختوم من تراجم أئمة العلوم وبالله التوفيق وإليه مصير كل موجود معدوم"
فؤادي داع واللسان مترجم ... ويا رب يا رحمن فضلك أكرم
وإني لمضطر وصنعي عاقني ... وهل غير رب العبد للعبد يرحم
قال في كتاب الجواهر المضيئة: إن ذكر فضائل العلماء تعرض لنفحات الوهب من الله تعالى فإن ذكرهم بالفضائل ذكر الله بالإنعام والإفضال وثمرة ذكر الله طمأنينة القلب كما نطق به الكتاب المبين ومن الحديث الدائر على الألسنة عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة رحمنا الله برحمته التي وسعت كل شيء.
وفي رسالة الشيخ المسند حسن العجيمي ما معناه: من ورخ أحدا من أهل الفضل والكمال فهو في شفاعته
قال الشاعر:
أرخهم تظفر بأجر وافر ... فبذكرهم يجلى عن القلب الصدأ
وفي كتاب تحقيق الصفا لمحب الدين الطبري: أن من ورخ مؤمنا فضلا عن عالم عامل فكأنما أحياه ومن أحيى مؤمنا فكأنما أحيى الناس جميعا. انتهى
أرخت أحبابي لكي ألقاهم ... ما دمت في الأحياء نصيب نواظري
وينال سمعي من لذيذ حديثهم ... خيرا وإن لم يبرحوا عن خاطري
ولبعضهم:
إن كان قد رحلوا عني وقد بعدوا ... فليس عن حبهم قلبي بمرتحل
في حبهم أنا موقوف على رشد ... ميل الغصون وميل الشارب الثمل
стр. 614
علماء اللغة
خليل بن أحمد البصري: صاحب كتاب العين في اللغة أستاذ سيبويه وهو أول من استخرج العروض وأخرجه إلى الوجود وحصر الأشعار بها في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرا ثم زاد فيه الأخفش بحرا واحد وسماه الخبب وله معرفة بالإيقاع والنغم وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض فإنهما متقاربان في المآخذ. وكان دعا بمكة أن يرزقه الله تعالى علما لم يسبق إليه ولا يؤخذ إلا عنه فرجع من حجه وفتح عليه بالعروض.
وكان من الزهاد في الدنيا والمنقطعين إلى العلم.
قال تلميذه نضر بن شميل: أقام الخليل في خص بالبصرة لا يقدر على فلسين وتلامذته يكتسبون بعلمه الأموال وكان الناس يقولون: لم يكن في العرب بعد الصحابة أذكى منه
وكان يحج سنة ويفرد سنة وأبوه: أول من سمي أحمد بعد النبي ﷺ
وكان يقول: أكمل ما يكون الإنسان عقلا وذهنا إذا بلغ أربعين سنة وهي السن التي بعث الله فيها محمدا ﵌ ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثا وستين سنة وهي السن التي قبض فيها رسول الله ﷺ وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر. ومن شعره:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
وأنشد:
يقولون لي: دار الأحبة قد دنت ... وأنت كئيب إن ذا لعجيب
فقلت: وما تغني الديار وقربها ... إذا لم يكن بين القلوب قريب
ذكر له ابن خلكان ترجمة حافلة في وفيات الأعيان
توفي الخليل سنة خمس وستين أو سبعين ومائة وله أربع وسبعون
وسبب موته أنه قال: أريد أن أعمل نوعا من الحساب تمضي به الجارية إلى البقال فلا يمكن أن يظلمها فدخل المسجد وهو يعمل فكره فصدمته سارية وهو غافل فانصدع ومات ورئي في النوم فقيل له: ما صنع الله بك؟ فقال: أرأيت ما كنا فيه لم يكن شيئا أو ما وجدت أفضل من: سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر.
علي بن حسن الهناني: المعروف بكراع النمل بضم الكاف. أبو الحسن النحوي اللغوي قال ياقوت: هو من أهل مصر أخذ عن البصريين وكان نحويا كوفيا كتب المنضد في لغة المجرد سنة سبع وثلاثمائة.
أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين اللغوي الرازي القزويني كان نحويا على طريقة الكوفي سمع أباه وعلي بن إبراهيم بن سلمة وقرأ عليه الأديب الهمذاني وكان إماما في علوم شتى خصوصا باللغة فإنه أتقنها وألف كتابه المجمل في اللغة وهو على اختصاره جمع شيئا كثيرا وله مسائل في اللغة وكان مقيما بهمذان فحمل منها إلى الري ليقرأ عليه أبو طالب بن فخر الدولة فسكنها وعليه اشتغل بديع الزمان صاحب المقامات وكان شافعيا فتحول مالكيا وقال: أخذتني الحمية لهذا الإمام أن يخلو مثل هذا البلد
стр. 615
عن مذهبه وكان الصاحب بن عباد تلمذ له ويقول: شيخنا ممن رزق حسن التصنيف وكان كريما جودا ربما سئل فيهب ثيابه وفرش بيته قال الذهبي: مات سنة ٣٩٥ وهو أصح ما قيل في وفاته. ومن شعره:
مرت بنا هيفاء مجدولة ... تركية تنمي لتركي
ترنو بطرف فاتر فاتن ... أضعف من حجة نحوي
إسحاق بن إبراهيم الفارابي: أبو إبراهيم صاحب ديوان الأدب في اللغة خال أبي نصر الجوهري ترامى به الاغتراب إلى أرض اليمن وسكن زبيد وبها صنف كتاب المجمل ومات قبل أن يروى عنه قريبا من سنة ٣٥٠، وقيل: في حدود السبعين وقال ياقوت: رأيت نسخة من هذا الكتاب بخط الجوهري وقد ذكر فيها: أنه قرأه إلى إبراهيم بقاراب وله رحمه الله تعالى أيضا: شرح أدب الكتاب وبيان الأعراب.
أحمد بن أبان بن سيد: اللغوي الأندلسي صاحب المعلم في اللغة أخذ عن أبي علي القالي وغيره وكان عالما إماما في اللغة والعربية حاذقا أديبا سريع الكتابة.
روى عنه الأفليطي صنف المعلم مائة مجلد مرتبا على الأجناس بدأ فيه بالفلك وختم بالذرة وشرح كتاب الأخفش وغير ذلك مات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
محمد بن أحمد بن الأزهر: طلحة بن نوح الهروي اللغوي الشافعي أبو منصور الأزهري ولد سنة ٢٨٢ وأخذ عن ربيع بن سليمان ونفطويه وابن السراج وأدرك ابن دريد ولم يرو عنه وورد بغداد وأسرته القرامطة فبقي فيهم دهرا طويلا وكان رأسا في اللغة واشتهر بها.
أخذ عنه الهروي صاحب الغريبين وكان قد رحل وطاف في أرض العرب في طلب اللغة وكان جامعا لشتات اللغة مطلعا على أسرارها ودقائقها وصنف في اللغة كتاب التهذيب وهو من الكتب المختارة يكون أكثر من عشر مجلدات وله تصنيف في غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء في مجلد واحد وهو عمدة الفقهاء في تفسير ما يشكل عليهم من اللغة المتعلقة بالفقه وكان عارفا بالحديث عالي الإسناد ثخين الورع.
ولد في سنة ٢٨٢، ومات في ربيع الآخر سنة ٣٧٠، وقيل سنة ٣٧١ بمدينة هراة وله أيضا تفسير ألفاظ مختصر المزني والتقريب في التفسير وغير ذلك ورأى ببغداد أبا إسحاق الزجاج وأبا بكر بن الأنباري ولم ينقل أنه رحمه الله تعالى أخذ عنهما شيئاً.
علي بن إسماعيل بن سيده: اللغوي النحوي المرسي الأندلسي أبو الحسن الضرير صاحب المحكم في اللغة وله كتاب المخصص في اللغة أيضا قيل: اسم أبيه: محمد وقيل: إسماعيل وكان أبوه ضريرا أيضا قيما بعلم اللغة اشتغل ولده كان حافظا لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها متوفرا على علوم الحكمة.
روى عن أبيه وأبي العلاء صاعد بن الحسن البغدادي وله شرح إصلاح المنطق وشرح الحماسة وشرح كتاب الأخفش مات سنة ٣٥٨، عن نحو ستين سنة أو نحوها وكان له في الشعر حظ وتصرف.
إسماعيل بن حماد الإمام: أبو نصر الفارابي الجوهري صاحب الصحاح.
قال ياقوت: كان من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلما أصله من فاراب الترك وكان إماما في اللغة والأدب وخطه يضرب به المثل وكان يؤثر السفر على الحضر ويطوف الآفاق لأجل العلم صنف كتاباً
стр. 616
في العروض ومقدمة في النحو قبل تغير عقله في آخر عمره فعمل لنفسه جناحين فصعد مكانا عليا فأراد أن يطير فوقع ميتا وبقي الصحاح في المسودة فبيضه تلميذه إبراهيم بن صلاح الوراق فغلط فيه في مواضع.
قال ياقوت: وقد رأيت كتاب الصحاح بخطه عند الملك الأعظم وقد كتبه في سنة ٣٩٢هـ
قال ابن فضل الله في المسالك: مات سنة ٣٩٦هـ.
عبد الله بن بري ابن عبد الجبار: أبو محمد المقدسي المصري النحوي اللغوي علق نكتا مفيدة على صحاح الجوهري وشاع ذكره واشتهر ولم يكن في الديار المصرية مثله كان قيما في النحو واللغة والشواهد.
صنف اللباب للرد على ابن الخشاب في رده على درة الغواص للحريري قال الصفدي: لم يكمل هو حواشي الصحاح وإنما وصل إلى وقس وهو ربع الكتاب فأكملها الشيخ عبد الله بن محمد البطي.
مات ابن بري سنة ٥٨٢هـ، وللصحاح تكملة وحواش للصغاني رحمه الله تعالى وجمع بينها وبين الصحاح مجمع البحرين.
محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم: الشيرازي الفيروزآبادي صاحب المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب والقاموس المحيط والقاموس الوسيط الجامع لما ذهب من لغة العرب شماطيط والعباب وقد بلغ تمامه ستين مجلدة والقاموس معظم البحر.
والقابوس الرجل الجميل الحسن الوجه الحسن اللون يقال: رجل وسيط فيهم أي: أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا ويقال: قوم شماطيط أي: متفرقة وجاءت الخيل شماطيط أي: أرسالاً.
وهو العلامة مجد الدين أبو الطاهر إمام عصره في اللغة.
قال الحافظ ابن حجر: كان يرفع نسبه إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه ثم ارتقى وادعى بعد أن ولي قضاء اليمن أنه من ذرية أبي بكر الصديق وكتب بخطه الصديقي ولد سنة ٧٢٩هـ بكازرون وتفقه ببلاده وسمع بها من محمد بن يوسف الزرندي المدني ونظر في اللغة إلى أن مهر وفاق واشتهر اسمه وهو شاب في الآفاق وطلب الحديث وسمع من الشيوخ منهم: الحافظ الإمام الواحد المتكلم الحجة ابن القيم تلميذ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني رحمهم الله تعالى وسمع بالشام من الشيخ تقي الدين أبي الحسن السبكي الكبير وولده أبي النصر تاج الدين السبكي الصغير وابن نباتة وابن جماعة وغيرهم وجال في البلاد الشمالية والشرقية ولقي جماعة من الفضلاء وأخذ عنهم وأخذوا عنه وظهرت فضائله وكتب الناس تصانيفه ودخل الهند ثم زبيد فتلقاه ملكها الأشرف إسماعيل بالقبول وقرره في قضائها وبالغ في إكرامه ولم يدخل بلدة إلا وكرمه متوليها وكان معظما عند الملوك أعطاه تيمورلنك خمسة آلاف دينار ودخل الروم فأكرمه ملكها ابن عثمان وحصل له مال جزيل ومع ذلك فإنه كان قليل المال لسعة نفقاته وكان يدفعه إلى من يمحقه بالإسراف ولا يسافر إلا وصحبته عدة أجمال من الكتب يخرج أكثرها في منزل ينظر إليه ويعيده إذا رحل وكان إذا أملق باعها وكان سريع الحفظ.
يحكى عنه أنه كان يقول: ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر ومصنفاته كثيرة وقد عد منها بضع
стр. 617
وأربعون مصنفا من اللغة والتفسير والحديث توفي بزبيد سنة ست أو سبع عشرة وثمانمائة وهو متمتع بحواسه ودفن بتربة الشيخ إسماعيل الجبرتي.
قلت: ومن مؤلفاته: كتاب سفر السعادة وهو بالعربية وبالفارسية وما أجمعه وأصحه وأوعاه لهدي النبي ﷺ وما أليقه للعمل لمريد السنة.
محمد بن مكرم بن علي: وقيل: رضوان بن أحمد بن أبي القاسم بن حنفية بن منظور
الأنصاري الأفريقي المصري جمال الدين أبو الفضل صاحب كتاب لسان العرب في اللغة الذي جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح وحواشيه والجمهرة والنهاية.
ولد في محرم سنة ٦٣هـ، وسمع من أبي المعز وغيره وجمع وعمر وحدث واختصر كثيرا من كتب الأدب المطولة كالأغاني والعقد والذخيرة ومفردات ابن البيطار.
يقال: أن مختصراته خمسمائة مجلد وخدم في ديوان الإنشاء مدة عمره وولي قضاء طرابلس وكان صدرا رئيسا فاضلا في الأدب مليح الإنشاء.
روى عنه السبكي والذهبي تفرد بالعوالي وكان عارفا بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة واختصر تاريخ دمشق في نحو ربعه وعنده تشيع بلا رفض مات في شعبان سنة إحدى عشر وسبعمائة.
أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني: النيسابوري أبو الفضل الأديب النحوي اللغوي صاحب كتاب السامي في الأسامي.
قال ياقوت: قرأ على الواحدي صاحب التفسير وغيره وأتقن اللغة والعربية وصنف كتاب الأمثال ولم يعلم مثله في بابه والأنموذج في النحو والمصادر ونزهة الطرف في علم الصرف وكان قد سمع الحديث ورواه وكان ينشد كثيرا وأظنهما له:
تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت: عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... ألا هل ترى صبحا بغير نهار
وقرأ عليه ابنه مات في رمضان سنة ٥١٨هـ. والميداني: نسبة إلى ميدان زياد بن عبد الرحمن وهي محلة بنيسابور قلت: وقد طبع كتابه الأمثال بمصر القاهرة لهذا العهد وابنه أبو سعد سعيد بن أحمد كان أيضا فاضلا دينا وله كتاب الأسماء في الأسماء وتوفي ﵀ سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
ناصر بن عبد السيد بن علي بن المطرزي الحنفي: أبو الفتح النحوي الأديب من أهل خوارزم قرأ على الزمخشري والموفق وبرع في النحو واللغة والشعر وأنواع الأدب والفقه على مذهب الحنفية ويقال: أنه كان خليفة الزمخشري وكان معتزليا تام المعرفة بفنه رأسا في الاعتزال داعيا إليه ينتحل مذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع فصيحا فاضلا في الفقه صنف شرح المقامات للحريري وهو على وجازته مفيد محصل للمقصود وله كتاب المغرب تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب وهو للحنفية بمثابة كتاب الأزهري للشافعية وما قصر فيه فإنه أتى جامعا للمقاصد وله مختصر الإقناع في اللغة والمصباح في النحو ومختصر الإصلاح لابن السكيت وغير ذلك وانتفع الناس بكتبه ودخل بغداد حاجا سنة ٦٠١هـ، وكان سائر الذكر مشهور السمعة بعيد الصيت له شعر كثير يستعمل فيه التجانس.
стр. 618
والمطرزي: نسبة إلى من يطرز الثياب ويرقمها ولا أعلم هل كان يتعاطى ذلك بنفسه أم كان في آبائه من يتعاطى ذلك فنسب إليه؟ قاله ابن خلكان.
ولد في رجب سنة ٥٣٨ هـ ومات بخوارزم في يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى الأولى سنة ٦١٠، ورثي بأكثر من ثلاثمائة قصيدة.
عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل: أبو حفص نجم الدين الإمام الزاهد قال السمعاني كان إماما فاضلا مبرزا متقنا لغوياً.
سمع أبا مجد محمد التنوخي وأبا الحسين محمد البزدوي وغيرهما.
وصنف في كل نوع من العلم في التفسير والحديث واللغة والشروط صنف قريبا من مائة مصنف.
ولد بنسف في شهور سنة اثنتين وستين وأربعمائة وتوفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وفي هذه السنة توفي أيضا الزمخشري صاحب الكشاف.
مبارك بن محمد بن محمد: مجد الدين أبو السعادات الجزري الإرملي المشهور بابن الأثير
أشهر العلماء ذكرا وأكبر النبلاء قدرا أحد الأفاضل المشار إليهم وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم كان نائب المملكة ولد سنة ٥٤٤ هـ بالجزيرة وانتقل إلى الموصل وأخذ النحو عن ابن دهان ويحيى بن سعدون القرطبي وسمع الحديث متأخرا وتنقل في الولايات وكتب في الإنشاء.
وله النهاية في غريب الحديث وجامع الأصول في أحاديث الرسول والبديع في النحو وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في التفسير وكتاب المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار وكتاب في صفة الكتابة صنف هذه الكتب وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الاختيار والكتابة وله شعر يسير مات سنة ٦٠٦هـ رحمه الله تعالى.
أبو الفيض محمد مرتضى بن محمد الحسيني: صاحب تاج العروس شرح القاموس
السيد الواسطي البلجرامي نزيل مصر شريف النجار عظيم المقدار كريم الشمائل غزير الفواضل والفضائل.
أخذ العلوم النقلية والعقلية في مدينة زبيد على جماعة أعلام منهم: السيد العلامة أحمد بن محمد مقبول الأهدل ومن في طبقته: كالشيخ عبد الخالق ابن أبي بكر المزجاجي والشيخ محمد بن علاء الدين المزجاجي قال في النفس١ اليماني والروح الريحاني: وأخذ عمن أخذ عنهم: كشيخنا الوالد ﵀ ثم توجه إلى إقليم مصر واستكمل فيها العلوم النقلية والعقلية وبرع في جميع العلوم سيما علمي الحديث واللغة وأدرك شيوخنا من أهل الأسانيد العالية وألف التآليف النافعة الواسعة واستجاز لي منه شيخنا الوالد وأجاز وكذلك استجاز لي منه السيد العلامة عبد الله السعدي مقبول الأهدل وأجاز واستجاز منه لنفسه ولأولاد شيخنا الوالد القاضي العلامة محمد بن إسماعيل الربعي.
стр. 619
وأجاز وكتب هذه الإجازة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أجاز على العمل الصحيح المقبول أحسن إجازة ووعد بوجادة ذلك يوم مناولة الكتاب باليمين وعدا لا يخلف سبحانه إنجازه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يسندها عن القلب اللسان ويرفع إسنادها على متن مسندها راية روايتها التي هي علم الإيمان والصلاة والسلام على سيدنا محمد المرفوع قدره على كل نبي مرسل المطهر نسبه الزكي المسلسل وعلى آله وصحبه الذين قامت لهم بمتابعته شواهد التفضيل وأضحى مدرجا في إجمال ما شهد به كل تفصيل.
وبعد فلما أشرق سبحانه على من أسعده شمس العناية وجلى قلبه بنور التوفيق بكمال الرعاية ووالى عليه طول إمداده عند بزوغ هلاله ولم يزل يعرج في منازل العز إلى أن بلغ أوج كماله كان من أصدق ما صدقت عليه هذه العبارة وأحرى من تنصرف إليه هذه الإشارة السالك بمقتضى التوفيق أبهج المسالك النبوية الراقي بهمته ذرى التحقيق فظفر منه بالغاية المقبولة المرضية وتحلى بالفضائل ما أوضح شاهده الدليل حيث صرف أوقاته النفيسة في التحصيل وأرق فكره في التفريع والتأصيل إلى أن اكتال من المعارف بالصاع الأوفى وروي من منهلها الأعذب الأصفى وتفيأ بظلال رياض العلوم بالمدد وروى حديث الفضل عالي السند وجاء مجليا في حلبة الفواضل محرزا قصب السبق بأطراف الأنامل ألا وهو النجيب الكامل صفي الإسلام أبو الإمداد محمد نجل شيخنا الإمام العلامة قاضي القضاة عماد الإسلام إسماعيل ابن الشهاب أحمد بن المرحوم إبراهيم بن عمر بن عبد القادر الربعي الأشعري وهو زاكي الحسب عريق في النسب إذ أم جده إبراهيم هي: آمنة ابنة الفقيه العلامة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل العلوي وقد تولى القضاء من أسلافهم جماعة في مور١ والمهجم٢ وبعضهم عند البدر الأهدل٣ مترجم نفعنا الله ببركات السلف الصالح وأعز جناب هذا الخلف الفالح وأدام النفع به ووصل أسباب الخيرات بسببه آمين.
وقد دعاه حسن الظن بي أن كتب إلي كتابا يستدعي فيه الإجازة مني حرصا على الانتظام في سلك من تحلى بما خصت به هذه الأمة من الإسناد والتمسك بسلسلته الموصلة لأشرف الرسل إلى العباد ولقد ذكرني - حفظه الله - بشيء كاد أن يكون نسيا منسيا ورعيا له فقد شوقني لما كان أمرا ظاهرا فعاد خفيا فقد كان فيما عبر من الزمان يرحل إلى الإسناد العالي إلى شاسع البلدان وتطلب الإجازة من بعيد تلك الديار وأطراف تلك الأقطار أما الآن فقد زال ذلك الانضباط وطوي ذلك البساط وتقاعدت الهمم عن طلبه وركت عن السعي في تحصيل رتبه وذهب المسدون الخلة ومن كانت تزدهي بوجودهم الملة كأن لم
стр. 620
يكن بين الحجون إلى الصفاء أنيس ول يسمر بمكة سامر ولكن بقي من آثارهم بقايا في زوايا الزمان ممن تحمل عنهم خبايا والعبد بحمد الله ممن تردد إلى مشائخ علم الحديث والإسناد قديما وصبغ بالتحمل عنهم في ساحته أديما وقد قرت عيني به الآن وابتهج خاطري بوجود طالب هذا الشان فلله الحمد على ذلك والشكر له على سلوك هذه المسالك فإنه الموفق لما هنالك المعطي المانع الملك المالك وقد أجبت لسيدنا المشار إليه إلى مطلوبه وسعفته بتحصيل مرغوبه وأجزته أن يروي عني جميع ما تجوز لي وعني روايته من مقروء ومسموع ومجاز ومناولة ووجادة وكتابة ووصية ومراسلة وفروع وأصول ومعقول ومنقول ومنثور منظوم وتأليف وتخريج وكلام وتصوف ولغة ونحو وتصريف ومعاني وبيان وبديع وتاريخ ودواوين وما ألفته وخرجته ونظمته ونثرته بشرطه الذي عليه عند أرباب هذا الشأن يعتمد وقرنت ذلك الاقتصار من الطرق التي رويت بها أعلى السند وكذلك أجزت بكل ما ذكر أولاد شيخنا الإمام العلامة نفيس الإسلام سليمان بن يحيى بن عمر - حفظه الله - وحاطهم بحسن رعايته ولطيف كلاءته ذكورا وإناثا وأنا أسأل من فضله أن لا ينساني من خالص دعواته في خلواته وجلواته وأتوسل إلى الله تعالى بخاتم أنبيائه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يرزقني وإياهم وجميع المسلمين حسن الختام آمين.
فأقول: أخبرني ما بين قراءة وسماع وإجازة خاصة وعامة مشائخنا الأئمة الأعلام: السيد نجم الدين أبو حفص عمر بن أحمد بن عقيل الحسيني والشهابان: أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف بن عمر المجري الملوي وأحمد بن حسن بن عبد الكريم بن محمد بن يوسف الخالدي وعبد الله بن محمد الشبراوي والسيد عبد الحي بن الحسن بن زين العابدين البهنسي خمستهم عن: مسند الحجاز عطاء بن سالم البصري والشهاب أحمد بن محمد النخلي وشيخنا: النجم أبو المكارم محمد بن سالم بن أحمد الحنفي عن المسند عبد العزيز بن إبراهيم الزيادي وشيخنا المتفنن: أحمد بن عبد المنعم بن صيام الدمنهوري عن الشمس محمد بن منصور الأطفيحي وشيخنا: أبو المعالي الحسن بن علي المدابغي عن عبد الجواد بن القاسم المحلي وشيخنا المعمر: السيد محمد بن محمد التليدي عن أبي عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني وشيخنا: الشهاب أحمد بن شعبان بن غرام الرعيلي الشهير بالسابق قال: هو وهو أعلى بدرجة والزرقاني والمحلي والأطفيحي والزيادي والنخلي والبصري.
أخبرنا الحافظ شمس الدين محمد بن علاء الدين البابلي وزاد الزرقاني والأطفيحي والزيادي فقالوا: وأبو الضياء علي بن علي الشبراملسي.
وأخبرنا شيخنا عبد الله بن محمد بن أحمد العشماوي عن أبي العز محمد العجمي عن أبيه محدث القاهرة الشهاب أحمد بن محمد العجمي قال: هو والبابلي أخبرنا المسند نور الدين علي بن يحيى الزيادي عن كل من السندين: يوسف بن زكريا ويوسف بن عبد الله الأرميوني كلاهما عن الحافظ شمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي وبرواية البابلي والشبراملسي عن الشهاب أحمد بن خليل السبكي وبرواية البابلي خاصة عن خاله سليمان ابن عبد الدائم البابلي وأبي النجا سالم بن محمد السنهوري وعبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي والشهاب أحمد بن محمد بن يونس الحنفي،
стр. 621
والمعمر محمد بن محمد بن عبد الله القلقشندي الواعظ خمستهم: عن نجم السنة محمد بن أحمد بن علي الغيطي عن شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري.
وبرواية السنهوري عن الشهاب أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكي عن شيخ الإسلام وعن عبد الحق بن محمد السنباطي.
وبرواية الواعظ أيضا عن أحمد بن محمد السبكي عن الجمال إبراهيم بن أحمد ابن إسماعيل القلقشندي.
وبرواية شيخ مشائخنا البصري عن علي بن عبد القادر الطبري عن عبد الواحد بن إبراهيم الخطيب عن الشمس محمد بن إبراهيم العمري هو والجمال القلقشندي والسنباطي وشيخ الإسلام والسخاوي عن حافظ الأمة شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الشهير بابن حجر - قدس الله سره - بأسانيده المتفرعة إلى أئمة الكتب الستة وغيرهم مما أوردها في كتاب المعجم المفهرس وهو في جزء حافل وبرواية عبد الواحد الخطيب أيضا عن الجلال عبد الرحيم بن عبد الرحمن العباسي هو والأرميوني وأبو زكريا أيضا عن الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي بأسانيده المذكورة في معجمه.
ومن مشائخي: الإمامان الفقيهان: محمد بن عيسى ابن يوسف الدنجاوي ومصطفى بن عبد السلام المنزلي أخذت عنهما بثغر دمياط وهما يرويان عن الإمام أبي حامد بن محمد البديري عن الشيخ إبراهيم الكوراني وقريش بنت عبد القادر الطبري ومحمد بن عمر الشوبري ومحمد بن داود العناني والمقري: محمد بن قاسم البقري وأحمد بن عبد اللطيف البشيشي بأسانيدهم.
ومن مشائخي: سالم بن أحمد النفراوي وسليمان ابن مصطفى المنصوري وأبو السعود محمد بن علي الحسني وعبد الله بن عبد الرزاق الحريري ومحمد بن الطيب الفاسي ومحمد بن عبد الله بن أيوب التلمساني الشهير بالمنور وعلي بن العربي السقاط وعمر بن يحيى الطحلاوي وغيرهم.
وممن كتب بالإجازة إلي جماعة أجلهم: الشهاب أحمد بن علي الميني الحنفي من دمشق وعلي بن محمد السلمي من صالحيتها.
وأبو المواهب محمد صالح بن رجب القادري.
ومحمد بن إبراهيم الطرابلسي النقيب ومحمد بن طه العقاد وأحمد بن محمد الحلوي أربعتهم من حلب.
والمسند أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي من نابلس وأحمد بن عبد الله السنوسي ومحمد بن علي بن خليفة الفريابي كلاهما من تونس.
ولي غيرهم من الشيوخ ذي الرسوخ الموصوفين بالصلاح المنتظمين في سلك ذوي الفلاح تغمدهم الله بعفوه وزادهم من سلسبيل الجنة بصفوه وأسانيدهم مشهورة وفي صحف السماعات مسطورة أوزعنا الله وإياهم شكر نعمته وجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمته على بساط أنسه وحضرة قدسه.
ومما نسب إليه من التأليف والتخريج: فشرح القاموس المسمى بتاج العروس في عشرة أسفار كبار أتممته في أربع عشرة سنة.
стр. 622
وشرح إحياء علوم الدين أعانني الله على إكماله وقد وصلت فيه إلى كتاب الصلاة.
وتكملة القاموس مما فاته من اللغة لم يكمل.
وشرح حديث أم زرع أحد عشر مجلساً.
ورفع الكلل عن العلل.
وتخريج حديث: شيبتني هود.
وتخريج حديث: "نعم الإدام الخل".
والمواهب الجلية فيما يتعلق بحديث الأولية.
والمرقاة العملية في شرح الحديث المسلسل بالأولية.
والعروس المجلية في طرق حديث الأولية.
وشرح الحزب الكبير للشاذلي المسمى: بتنبيه المعارف البصير على أسرار الحزب الكبير وإنالة المنى في سر الكنى.
والقول المبتوت في تحقيق لفظ التابوت.
وحسن المحاضرة في آداب البحث والمناظرة.
ورسالة في أصول الحديث.
ورسالة في أصول المعمى.
وكشف الغطا عن الصلاة الوسطى.
والاحتفال بصوم الست من شوال.
وإيضاح المدارك عن نسب العواتك.
وإقرار العين بذكر من نسب إلى الحسن والحسين والابتهاج بذكر أمر الحاج.
والفيوضات العلية بما في سورة الرحمن من أسرار الصيغة الإلهية.
والتعريف بضروري علم التصريف.
والعقد الثمين في طرق الإلباس والتلقين.
وإتحاف الأصفياء بسلاسل الأولياء.
وإتحاف بني الزمن في حكم قهوة اليمن.
وإتحاف الإخوان في حكم الدخان.
والمقاعد العندية في المشاهد النقشبندية مائة وخمسون بيتاً.
والدرة المضيئة في الوصية المرضية مائتان وعشرون بيتاً.
وإرشاد الإخوان إلى الأخلاق الحسان مائة وعشرون بيتاً.
وألفية السند في ألف وخمسمائة بيت وشرحها في عشرة كراريس.
وشرح صيغة ابن مشيش.
وشرح صيغة السيد البدوي.
стр. 623
وشرح ثلاث صيغ لأبي الحسن البكري.
وشرح سبع صيغ المسمى: بدلائل القرب للسيد مصطفى البكري.
والأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة.
وتحفة العيد في كراس.
وتفسير سورة يونس على لسان القوم.
ولقطة العجلان في ليس في الإمكان أبدع مما كان.
والقول الصحيح في مراتب التعديل والتجريح.
والتحبير في الحديث المسلسل بالتكبير.
والأمالي الحنفية في مجلد.
والأمالي الشيخونية في مجلدين.
وقد بلغت أربعمائة مجلس إلى وقت تاريخ الكتابة إلى غير ذلك من رسائل منظومة ومنثورة مما لست أحصي أسماءها الآن.
وقد أجزت السيد المشار إليه ومن ذكر معه بكل ما ذكر إجمالا وتفصيلا إجازة عامة وخاصة قاله بفمه ورقمه بقلمه: الفقير لمولاه الشاكر لما أولاه أبو الفيض محمد مرتضى بن محمد الحسيني نزيل مصر وخادم علم الحديث بها غفر الله زلله وأصلح خلله وتقبل عمله وبلغه أمله في مجلس واحد من ليلة خروج المحمل الشريف وهي ليلة الاثنين تاسع شهر شوال سنة ١١٩٥هـ، أحسن الله تمامها وأسعد عامها والحمد الله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ووصل من السيد المذكور إلى شيخنا الوالد هذا الكتاب المشتمل على شرح بعض أحواله ومن أدركه من أهل الأسانيد العالية وصورته:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أستخدم نسائم الكمائم في إبلاغ تحياتي إلى جناب ذي الفضائل من مناهل المعارف من ندى مسائله.
وأستودع لمعان البوارق أمام الغوادي تسليماتي على حمال أهل الفواضل الناهض بأعباء علوم الشريعة على كاهله من قد كوكب فضله وأشرق وماس غصن شمائله فأورق.
وتساوى في الثناء عليه يومه والأمس وأضاءت به أفلاك المكارم - ولا بدع - فإنه الشمس.
مستوطن سنام المجد الباذخ مقتعد صهوة الشرف الشامخ.
مشكاة العلوم إذا أظلمت سيل الجهالة ضياء العلوم إذا دارت على بدرها المنير هالة
السيد الشريف الجهيد العلامة العفيف شيخنا وأستاذنا: السيد سليمان بن يحيى، لازالت ربوع المكارم بحسن أنظاره تحيى. آمين أما بعد فقد وصل كتابكم أولا وثانيا وكانا مع الفرح توأمين.
وقرأناهما فقرت بمضمونها العين وزال الغين وماذا أصف؟ وحسبي أن أقف فالطوامير بالنسبة إلى شكره قصاصات عصفت بها الرياح والمناشير ولو كانت طلاع ما بين الثرى والأثير نبذت في جوانب فيافي البطاح وأشواقي إلى مشاهدة تلك الربوع الأنيسة ومشاهدة جماله الباهي فيها مع الاستئناس بحضرة الأحباب الكرام في تلك المشاهد الزكية المأهولة لا قدرة على إبراز مجملها فضلاً عن
стр. 624
مفصلها كيف وقد ترادفت جيوشها وتلاطمت أمواجها ولمعت بوارقها ولكني أسأل الواهب المنان كثير الجود والإحسان أن يقدر لي الوصول إلى تلك الديار لأجدد عهدي وأنسي بأولئك السادة الأبرار فإن هذا القدر الذي وصلت إليه إنما هو من بركات ملاحظاتهم وأسرار مشاهداتهم.
وقد اتفق أني حررت الجواب الذي ورد علينا سابقا مع الكتاب المرسل إلى حضرة شيخنا المرحوم قطب المكارم السيد الوجيه العيدروس وأرسلناهما وفيه بيان بعض الأخبار وإفشاء نبذ من الأسرار ثم أخبرت فيما بعد أن جواب مكتوبي لم يصل إلى حضرتكم قال ذلك بعض طلبة العلم: الشيخ علي العديني فقلت: لعله خير وإنما يمنعني من إرسال المكاتيب كثرة أشغالي وتضاعيف الهموم والأحزان بالقلب البالي والتي لا يخلو الإنسان منها ولو كان في أجل النعم ثم الذي أخبركم مما من الله تعالى به علي: أني حين وصولي إلى مصر افترصت المدة وانتهزت القعدة فأكببت على تحصيل العلوم وتكميل منطوقها والمفهوم وتشرفت بالسماع والصحيح على مسنديها الموجودين.
فمن الطبقة الأولى - وهم الذين أدركوا البصري والنخلي والبنا والبقري والعجيمي - جماعة وهم: الشيخ أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف المجري الملوي ورفيقه في الأخذ: الشهاب أحمد ابن حسن بن عبد الكريم الخالدي الجوهري وعبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي والشمس محمد بن أحمد بن حجازي العشماوي والشهاب بن عبد المنعم صائم الدمنهوري وسابق بن رمضان بن غرام الرعيلي الشافعيون والأخير: أدرك الحافظ البابلي وأجازه لأنه ولد سنة ١٠٦٨هـ، والبابلي وفاته سنة ١٠٧٨هـ، وتوفي شيخنا المذكور في سنة ١٠٨٣هـ، بعد وفاة شيخنا الشبراوي فهذا الرجل أعلى من وجدته سندا بالديار المصرية وكان له درس لطيف بالجامع الأزهر يحضر عليه الإفراد ولم يتنبه لعلو سنده إلا القليل لاشتغالهم بأحوالهم.
ثم أدركت الطبقة الثانية وهي مضاهية للأولى ومشاركة لهم فمنهم: الشيخ سليمان بن مصطفى المنصوري الحنفي والشيخ حسن بن علي المدابغي الشافعي والسيد محمد بن محمد التليدي الحسيني المالكي وعمر بن علي بن يحيى الطحلاوي المالكي والقطب عبد الوهاب بن عبد السلام المرزوقي العفيفي المالكي وعبد الحي بن الحسن الحسني البهنسي المالكي وعلي بن موسى الحسني المقدسي الحنفي ومحمد بن سالم الحنفي.
ثم أدركت بعد هؤلاء طبقة أخرى مشاركة لهم وهم كثيرون ورحلت إلى بيت المقدس فحطت بها جماعة مسندين وفي الرملة وثغريا ودمياط ورسد والحلة وسهنود والمنصورة وأبو صير ودمنهور وعدة من قرى مصر سمعت بها الحديث كما هو مذكور في المعجم الكبير الذي ذكرت فيه تفصيل ذلك.
ورحلت إلى أسيوط وجرجان وفرشوط وسمعت في كل منها وأجازني من مدينة حلب جماعة ومن مدينة فاس وتونس وسولا وتلمسان جماعة وأدركت من شيوخ المغاربة جماعة مسندين بمصر وغيرها.
وممن كتب إليه أستجيز منه لي ولحضرتكم ولأخيكم السيد أبكر١ ومحبنا العلامة عثمان الجبيلي خاتمة المحدثين بمدينة نابلس من الشام: الشمس محمد ابن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي وذلك في
стр. 625
سنة تسع وسبعين ومائة وألف فوصلت منه الإجازة وفيها أساميكم مسطرة على التفصيل في نحو كراس أخذها مني الشيخ عبد القادر بن خليل المدني وصل إليكم من مدة ثلاث سنوات وفي ظني الغالب أنه اجتمع بكم وأراكم هذه الإجازة ثم إن المذكور ورد علينا من اليمن وتوجه إلى نابلس وتوفي هناك وبقيت الإجازة في جملة كتبه فإن اطلعتم عليها وكتبتم منها نسخة فيها وإن لم تطلعوا عليها فإن أسانيد الشيخ المشار إليه المجيز لكم محفوظة عندي فإن سمحت نفسكم بالعمل بهذه الإجازة وطلبتم شيوخه أرسلت لكم ذلك.
ومما من الله تعالى علي: أني كتبت على القاموس شرحا غريبا في عشر مجلدات كوامل جملتها خمسمائة كراس مكثت مشتغلا به أربعة عشر عاما وشهرين واشتهر أمره جدا حتى استكتبه ملك الروم نسخة وسلطان دافور نسخة وملك الغرب نسخة ونسخة منها موجودة في وقف أمير اللوا محمد بيك بمصر بذل في تحصيله ألف ريال وإلى الآن الطلب من ملوك الأطراف غير متناه واتفق أنه جاءني كتاب من السيد العلامة فخر السادة الملوك الأشراف مولانا السيد١ عبد القادر الكوكباني صحبة فخر السادة الأشراف السيد علي الفتاوي يطلب نسخة من الكتاب فحصلت له الجزء الأخير منه وهو مشتمل على شرح الواو والياء المسمى: بالإعياء إلى آخر الكتاب وهذا العام قد توجه به السيد المذكور إلى بلاد اليمن فإن سمح خاطركم بإرسال مكتوب إلى السيد عبد القادر المشار إليه بتحصيله بالاستكتاب فلا بأس وإن قدر الله الإرسال إليكم بشيء من أوله فعلت وسأفعل إن شاء الله تعالى.
ثم أذن لي بالقاهرة في درس الحديث فشرعت في إقراء صحيح البخاري في مسجد شيخون بالصليبية مع إملاء حديث عقب الدرس على طريقة الحفاظ بسنده والكلام عليه بمقتضى الصناعة الحديثة فحررت تلك الأمالي إلى الآن فبلغت نحو أربعمائة مجلس في كل جمعة يومان فقط: الاثنين والخميس وقد جمع ذلك في مجلدات ونقلها الناس وأنا إلى الآن مستمر على هذه الطريقة ودرس آخر في الشمائل للترمذي في مقام القطب شمس الدين أبي محمود الحنفي قدس الله سره.
ولما وصلت إلى حديث أم زرع أمليت عليه نحو سبعة كراريس وأكثر في أربعة عشر مجلسا ونقلته الطلبة واشتهر بينهم وكتبت إجازة إلى غزة ودمشق وحلب وعين ناب وأذربيجان وتونس وحرار ونادلا وديار بكر وسناد ودارفور ومدراس وغيرها من البلدان على يد جماعة من أهلها الذين وفدوا علي وسمعوا مني واستجازوا لمن هناك من أفاضل العلماء فأرسلت إليهم مطلوبهم وتلك الأسانيد غالبها ما استفدنا منكم ومن حضرة شيخنا: المرحوم عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي ولقد حصلت الأسانيد شهرة في الديار المصرية والشامية والرومية والمغربية وأطرافها مما لا أحصي بيانه والحمد لله الذي وفقني لإحياء مراسم أشياخي وإنعاش ذكرهم على ممر الزمان ولم أزل في مجالسي أحييها بذكركم وأشوق الناس إلى زكي محاسنكم وكتبت في هذه المدة عدة رسائل ما بين مختصر ومطول.
فمن ذلك:
جزء في تخريج حديث: شيبتني هود.
стр. 626
وجزء في تخريج حديث: "نعم الإدام الخل".
وجزء في تحقيق الصلاة الوسطى.
وجزء في تخريج هذا العلم من كل خلف عدوله.
والأربعين المنتقى من العلل للدارقطني والكلام معه بمقتضى الصناعة.
ومعارف الأبرار فيما للكنى والألقاب من الأسرار.
وجزء في تخريج حديث: اسمح يسمح لك.
والعقد المنظم في أمهات النبي ﷺ .
والعقد الثمين في رجال الخرقة والذكر والتلقين.
والفوائد الجليلة على مسلسلات ابن عقيلة عشرة كراريس.
والمرقاة العلية في شرح المسلسل بالأولية وضعتها على ترتيب: منتهى الآمال في حديث إنما الأعمال للحافظ السيوطي وغير ذلك مما لم يحضرني حال تسطير الأحرف وهي كثيرة
ومن أعظم ذلك: أني شرعت في شرح كتاب الإحياء للغزالي وأمليته درسا فأتممت شرح كتاب العلم وحده في نحو سبعين كراسا والعام الماضي جاءني كتاب من عالم مكة وصالحها: مولانا الشيخ إبراهيم الزمزمي يطلب ما تيسر منه فنقل له من المسودة نحو عشرين كراسا وأرسلت إليه هذا العام ولكن بعد إرسال ذلك إليه حين التبييض زدت فيه من فوائده المغلقة به شيئا كثيرا حتى إن الكتاب مغائر له وقد عزمت في هذه السنة على إرسال ما بيضته وزدت عليه ليكون الاعتماد على النسخة الأخيرة فإذا أرسلتم إلى مكة من يستكتب لكم منه نسخة فإنه قريب الحصول ومع ذلك فإني نويت على إرسال شرح كتاب العلم منه إلى حضرتكم السعيدة مع شيء من شرح القاموس فإن ساعدت الأقدار بحصول أمنيتي فعلت ذلك وسأفعله إن شاء الله تعالى وهذا الشرح يا مولانا غريب الشكل والوصف فإنه قد حضرت لي المواد المتعلقة به مالا أحصيها لكثرة وغرابة وهي مذكورة في أوله ثم إنه شرح ممزوج متكفل لبيان رموزه ونسخه وإشاراته ومآخذه ونرجو من علو همتكم أن لا تنسوا تلميذكم من صالح الأدعية وبالتوفيق والرضا والتيسير للعمل الصالح خصوصا إتمام هذا الشرح على الوتيرة المرضية وساعة تاريخ الجواب كنت أشرح الرسالة القدسية وهو ثاني كتاب بعد كتاب العلم وقد بقي منه شيء قليل وسنشرع في كتاب أسرار الطهارة إن شاء الله تعالى كل ذلك ببركة نفسكم الطاهر ودعائكم الفاخر فالبعد الظاهر لا عبرة به عند أرباب القلوب والله علام الغيوب.
ونخبر شيخنا - أدام الله فضله علينا -: أن في جواب الكتاب السابق الذي لم يصل إليكم كنت أرسلت أستجيز منكم لي على سبيل التجديد ثم الجماعة من خواص أحبابي الذي يترددون علي للتلقي ولهم بنا صحبة ومحبة واشتياقهم لحضرتكم شديد وإنما منعهم من الوصول إليكم بعد الديار وكثرة الأخطار وأرجو من فضلكم إرسال إجازة لي منكم ولمن يسمى بعد في هذه المحلة وإذا كتبتم الإجازة في كراريس فليكتب عليها كذلك من بقي الآن بمدينة زبيد - حرسها الله - من المسندين المعمرين كل ذلك بهمتكم ويكون إرسالها على يد من يعتمد عليه من الثقات لا زلتم أهلا لإنجاح الحاجات.
стр. 627
وهذه أسامي المجازين بعد كاتبه الفقير:
معيد دروسنا: السيد الفاضل أبو الصلاح الحسين بن عبد الرحمن الحسيني الشيخوني.
وأبو العدل موسى بن داود بن سليمان الحنفي خطيب المسجد الذي أنا أقرأ فيه.
والشيخ الصالح: أبو البر أحمد بن يوسف الحسيني الشنواني.
وأبو الصلاح يوسف بن نور الدين الطحلاوي المالكي خطيب جامع توضون.
ورضوان بن عبد الله الدفراوي مولى نعم ولأولاده: أبو البقاء وعثمان ومحمد وأحمد وسلمان ونفيسة وأبو العرفان عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الحلواني الحنفي ولوالده المذكور وفتاي: بلال الحبشي وزوجي: زبيدة بنت المرحوم ذو العفار الدمياطي وفتياتي: سعادة ورحمة الحبشيتان كل ذلك بتصريح أساميهم تفصيلا مع ذكر ما ينبغي ذكره من اللطائف الإسنادية والغرائب الحديثة وذكر بعض الكتب من أسانيد والدكم المرحوم ومشائخكم الذي أخذتم عنهم والله يجزيكم عنا كل خير ويمد في حياتكم وعمركم ويجعلكم ملجأ الوافدين.
ثم المسؤول إبلاغ شريف سلامي وتحياتي إلى حضرة سلالة المشائخ الكرام: العارف بالله سيدنا الوجيه عبد الرحمن المشرع وقد كنت حررت له جوابا في طي جوابكم ولم يتفق وصوله وإلى حضرة أخيكم وصنوكم: السيد أبي بكر ومحبنا الفقيه العلامة عثمان الجبيلي ثم إلى حضرة شيخنا العلامة عبد الله الجوهري ثم إلى حضرة سيدنا الإمام العلامة القاضي إسماعيل الربعي ثم إلى أولاد شيخنا المرحوم عبد الخالق بن أبي بكر وإلى أولاد شيخنا المرحوم محمد بن علاء الدين ثم كل من يسأل عنا ويحويه مجلسكم السعيد وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. انتهى ما في النفس اليماني والروح الريحاني.
وأقول: أن السيد أصله من السادة الواسطية من قصبة بلكرام وهي على خمس فراسخ من بلدتنا قنوج ما وراء نهر كنك.
قال السيد العلامة مير غلام علي آزاد البلجرامي - قدس سره السامي - في مآثر الكرام تاريخ بلجرام تحت ترجمة السيد قادري ما تعريبه:
ومن نيائره: السيد محمد مرتضى بن السيد محمد بن السيد قادري حصل الكتب العربية ووفق في حداثة السن لمزيارة الحرمين الشريفين في سنة أربع وستين ومائة وألف الهجرية واكتسب علم الحديث الشريف في أماكن متبركة وهو نزيل زبيد اليمن في هذه الأيام يستند فن الحديث عند الشيخ عبد الخالق الزبيدي - بارك الله في عمره وأولاده - الترقيات الدينية. انتهى.
قلت: وقد أقام ﵀ بزبيد حتى قيل له: الزبيدي واشتهر بذلك واختفى على كثير من الناس كونه من الهند ومن بلجرامها وقد ذكر في برنامجه الذي كتبه للسيد باسط علي بن السيد علي بن السيد محمد بن السيد قادري بمصر نحوا من ثلاثمائة شيخ له الذين أخذ عنهم العلم وسمى منهم من علماء الهند ومشائخها: الشيخ المحدث العلامة محمد فاخر بن محمد يحيى الإله آبادي المتخلص بالزائر ومسند الوقت: الشيخ ولي الله المحدث الدهلوي صاحب كتاب حجة الله البالغة قال: وحضرت بمنزله في دهلي.
стр. 628
وقد أجاز له مشائخ المذاهب الأربعة وعلماء البلاد الشاسعة ولقي الشيخ أبا الحسن بن محمد صادق السندي المدني صاحب الشروح على الصحاح الستة والمولوي خير الدين السورتي بن محمد زاهد وغيرهما.
ومؤلفاته المذكورة في البرنامج تزيد على مائة كتاب وذكر مشائخه وكتبه فيه على ترتيب حروف الأعجام وقد طبع كتابه: تاج العروس شرح القاموس لهذا العهد بمصر القاهرة لكن خمس مجلدات منه فقط وهو شاع في الأمصار وبلغ إلى الأقطار يتضح من النظر فيه علو كعبه في علم اللغة وكونه إماما فيه وشرحه هذا يغني عن حمل جملة الدفاتر المؤلفة في فن اللغة.
وقد وقع تأليفه في علم الفقه والحديث وأصولهما والتصوف والسير وكلها نافعة مفيدة على اختصار في أكثرها وعندي منها نحو سبع عشرة رسالة واستجاز منه الملك الأعظم أبو الفتح نظام الدين عبد الحميد خان سلطان الروم لكتب الحديث فكتب له الإجازة وسند الحديث المسلسل المأثور المشهور: الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ مع غيره من الإجازات أولها: الحمد الله الذي رفع مقام أهل الحديث مكانا عليا ... الخ وكان ذلك في سنة ١١٩٣هـ، وأتحف معها إلى السلطان قصيدة نظمها في مدحه أولها:
سقى الله ربعا كان لي فيه مربعا ... ومغنى به غصن الشبيبة أينعا
وحيا مقاما كان لي فيه جيرة ... بهم كان كأسي بالفضائل مترعا
ألا ورعا دهرا تقضى بأنسهم ... ولولا الهوى ما قلت يوما له: رعا
خليلي ما لي كلما لاح بارق ... تكاد حصاة القلب أن تتصدعا
وإن نسمت ريح الصبا من ديارهم ... بكت أعيني دمعا يساجل أدمعا
إلى آخر الأبيات.
وكتب إجازة أخرى أيضا للدستور الأعظم أبي المظفر محمد باشا صدر الوزارة ونظام الملك أولها: الحمد لله الذي دل على الخيرات والبرنامج المشار إليه عليه خطه بقلمه الشريف مؤرخة لسنة ١٣٠٠هـ، وكان وفاته ﵀ بعد تلك السنة.
ولي منه ﵀ قرابة قريبة من جهة الأخوات يصل نسبنا إلى سيد الساجدين الإمام زين العابدين علي بن حسين بن علي السبط ﵁ وينتهي نسبه إلى زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين السبط فهو شبل ذاك الأسد ونخبة أهل هذا البيت المجد.
وإنما أطلت الكلام في ترجمته هذه لجهل أكثر أهل العلم عن حاله ومآله وقد أفنى ﵀ عمره في اشتغال العلم والتدريس بمصر والعلم عند الله .
أبو عبد الله محمد بن زياد: المعروف بابن الأعرابي الكوفي صاحب اللغة وهو من موالي بني هاشم كان أحد العالمين باللغة المشهورين بمعرفتها.
أخذ الأدب عن الكسائي وغيره.
وأخذ عنه ثعلب وابن السكيت وغيرهما وناقش العلماء واستدرك عليهم وخطأ كثيرا من نقلة اللغة وكان رأسا في الكلام الغريب وكان يزعم أن أبا عبيدة والأصمعي لا يحسنان شيئا وكان يقول: جائز في
стр. 629
كلام العرب أن يعاقبوا بين الضاد والظاء فلا يخطأ من يجعل هذه في موضع هذه وينشد:
إلى الله أشكو من خليل أوده ... ثلاث خلال كلها لي غائض بالضاد
ويقول: هكذا سمعته من فصحاء العرب.
وكان يحضر مجلسه خلق كثير من المستفيدين ويملي عليهم ولد في الليلة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة ﵀ وذلك في رجب سنة ١٥٠هـ، وتوفي سنة ٢٣١هـ بسر من رأى.
والأعرابي: نسبة إلى الأعراب يقال: رجل أعرابي إذا كان بدويا وإن لم يكن من العرب. ورجل عربي: منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا ورجل أعجم وأعجمي: إذا كان في لسانه عجمة وإن كان من العرب ورجل عجمي: منسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً.
أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد: الأزدي اللغوي البصري إمام عصره في اللغة والأدب والشعر الفائق أورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين.
له كتاب الجمهرة وهو من الكتب المعتبرة في اللغة وله كتاب الاشتقاق وكتاب اللغات.
وكان يقال: هو أعلم الشعراء وأشعر العلماء.
ولد بالبصرة سنة ٢٢٣هـ، وتعلم فيها أخذ عن أبي حاتم السجستاني والرياشي والأصمعي ثم سكن عمان ثم خرج إلى نواحي فارس ثم انتقل إلى فارس ذكر له ابن خلكان ترجمة حافلة توفي ﵀ سنة ٣٢١هـ ببغداد.
أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد: الخوارزمي الزمخشري صاحب الكشاف الذي لم يصنف قبله مثله.
كان إماما في اللغة والنحو وعلم البيان من غير مدافع تشد إليه الرحال في فنونه.
له الفائق في غريب الحديث وأساس البلاغة في اللغة وربيع الأبرار وضالة الناشد والرائض في الفرائض والمفصل في النحو وشقائق النعمان في حقائق النعمان وشافي العي من كلام الشافعي ﵀ والقسطاس في العروض ومعجم الحدود والمنهاج في الأصول ومقدمة الأدب وغير ذلك.
وكان قد سافر إلى مكة - حرسها الله تعالى - وجاور بها زمانا فصار يقال له: جار الله لذلك وكان هذا الاسم علما عليه قال ابن خلكان: وسمعت من بعض المشائخ: أن إحدى رجليه كانت ساقطة وأنه كان يمشي في جارن خشب ثم ذكر لذلك قصة وكان معتزلي الاعتقاد متظاهراً به ولد سنة ٤٦٧هـ بزمخشر: قرية كبيرة من قرى خوارزم وتوفي سنة ٥٣٨هـ بجرجانية: وهي قصبة خوارزم وهي على شاطئ جيحون - رحمه الله تعالى.
أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري: اللغوي النحوي العلامة قال الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه وكان يبغض العرب وألف في مثالبها كتبا وكان يرى رأي الخوارج وكان أبو نواس يتعلم منه ويصفه ويسب الأصمعي ويهجوه وكان إذا أنشد بيتا لا يقيم وزنه وإذا تحدث أو قرأ ألحن ويقول: النحو محدود ولم يزل يصنف حتى مات وتصانيفه تقارب مائتي
стр. 630
مصنف ذكر منها عدد وافر في ابن خلكان وقال: ولولا خوف الإطالة لذكرت جميعها
وكان الأصمعي إذا أراد الدخول إلى المسجد قال: انظروا لا يكون فيه ذاك يعني أبا عبيدة خوفا من لسانه فلما مات لم يحضر جنازته أحد لأنه لم يكن يسلم من لسانه أحد لا شريف ولا غيره وكان وسخا ألثغ مدخول النسب مدخول الدين وأخباره كثيرة ذكر جملة صالحة منها في وفيات الأعيان ولد في سنة ١١٠هـ في الليلة التي توفي بها الحسن البصري وتوفي في سنة ٢٠٩هـ.
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق: المعروف بابن السكيت صاحب كتاب إصلاح المنطق وغيره ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق وكان يؤدب أولاد المتوكل.
روى عن الأصمعي وأبي عبيدة والفراء وكتبه جيدة صحيحة ولم يكن له نفاذ في علم النحو وكان يميل في رأيه واعتقاده إلى مذهب من يرى تقديم علي بن أبي طالب قال ثعلب: كان ابن السكيت يتصرف في أنواع العلوم وكان من أصحاب الكسائي حسن المعرفة بالعربية ولم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة منه وله شعر حسن وكتب كثيرة ذكر جملة منها ابن خلكان.
قال بعض العلماء: ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل إصلاح المنطق ولا شك أنه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة ولا نعرف في حجمه مثله في بابه
قتل بأمر المتوكل في سنة ٢٤٤هـ، وبلغ عمره ثمانيا وخمسين سنة لأن المتوكل كان كثير التحامل على علي بن أبي طالب وابنيه وكان ابن السكيت من المغالين في محبتهم والتوالي لهم فقال: والله إن قنبرا خادم علي ﵁ خير منك ومن ابنيك فقال المتوكل: سلوا لسانه من قفاه ففعلوا ذلك به فمات ﵀.
стр. 631
علماء التصريف
مازن أبو عثمان بكر المازني بصري.
روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد.
وروى عنه المبرد وجماعة وهو أول من دون علم الصرف وكان إماما في العربية متسعا في الرواية يقول بالإرجاء وكان لا يناظره أحد إلا قطعه بقدرته على الكلام وقد ناظر الأخفش في أشياء كثيرة فقطعه قال المبرد: ولم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو منه.
وأخذ عن الأخفش وقيل: عن الجرمي واختلف إليه إلى أن برع وكان يناظره وكان يقول: من أراد أن يصنف كتابا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي مات في سنة ٢٤٨هـ، كذا قال الخطيب البغدادي وقال غيره: مات سنة ٢٣٠هـ.
عثمان بن جني أبو الفتح: كان من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف وعلمه بالصرف أقوى وأكمل من علمه بالنحو.
وسببه: أنه كان يقرأ النحو بجامع الموصل فمر به أبو علي الفارسي فسأله عن مسألة في التصريف فقصر فيها فقال له أبو علي: تزببت قبل أن تحصرم فلزمه من يومئذ مدة أربعين سنة واعتنى بالتصريف ولما مات أبو علي تصدر ابن جني مكانه ببغداد وأخذ عنه عبد السلام البصري وأبو الحسن السمسمي.
стр. 632
قال في دمية القصر: وليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المخلقات وشرح المشكلات ما له سيما في علم الإعراب وكان يحضر عند المتنبي ويناظره في النحو من غير أن يقرأ عليه شيئا من شعره أنفة وإكبارا لنفسه وكان المتنبي يقول فيه: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس صنف الخصائص في النحو وغيره مولده قيل: سنة ٣٠٣هـ، ومات في صفر من سنة ٣٩٢هـ.
محمد بن عبد الله بن مالك: جمال الدين أبو عبد الله الطائي الجياني الشافعي النحوي نزيل دمشق إمام النحاة وحافظ اللغة.
قال الذهبي: ولد سنة ٦٠٠هـ، أو سنة ٦٠١هـ، وسمع بدمشق من السخاوي والحسن الصباح وجماعة.
وأخذ العربية عن غير واحد وجالس بحلب ابن عمرون وغيره وتصدر بها لإقراء العربية وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وحاز قصب السبق وأربى على المتقدمين.
وكان إماما في القراءة وعللها.
وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقد غريبها والاطلاع على وحشيها.
وأما النحو والتصريف فكان فيه بحرا لا يجارى وبرا لا يبارى.
وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو فكان الأئمة الأعلام يتحيرون فيه ويتعجبون من أين يأتي بها وكان نظم الشعر سهلا عليه رجزه وطويله وبسيطه وغير ذلك هذا ما هو عليه من الدين المتين وصدق اللهجة وكثرة النوافل وحسن السمت ورقة القلب وكمال العقل والوقار والتؤدة.
أقام بدمشق مدة يصنف ويشغل.
روى عنه ابنه الإمام بدر الدين والشمس بن أبي الفتح والبدر بن جماعة والعلاء بن العطاء وخلق. انتهى كلام الذهبي.
قال أبو حيان: لم يكن لابن مالك شيخ مشهور يعتمد عليه إلا أن بعض تلامذته ذكر أنه قال: قرأت على ثابت بن حيان وجلست في حلقة أبي علي بن الشلوبين نحوا من ثلاثة عشر يوما ولم يكن ثابت بن حيان من أئمة النحو وإنما كان من أئمة المعربين.
قال السيوطي: وله شيخ جليل هو: ابن يعيش الحلبي.
وأما تصانيفه فكثيرة جدا منها: الألفية في النحو تسمى الخلاصة والعمدة وإكمال العمدة وشرحها والتسهيل وشرحه ولم يتم وقصيدة في الأفعال وأرجوزة في المثلث وقصيدة في المقصور والمدود وشرحها وإعراب بعض أحاديث صحيح البخاري وقصيدة في الضاد والظاء وأخرى فيما هو مهموز وغير مهموز وتعريف في الصرف وشرحه وسبك المنظوم وفلك المحتوم إلى غير ذلك تصدر بالتربة العادلية والجامع المعمور وتخرج به جماعة كثيرة وصنف تصانيف مشهورة وإذا صلى بالعادلية - وكان إمامها - يشيعه قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان إلى بيته تعظيما له وكان آية في الاطلاع على الحديث وإذا لم يجد شاهدا في القرآن عدل إلى الحديث ثم إلى أشعار العرب وكان كثير العبادة والنوافل حسن السمت كامل العقل.
стр. 633
وانفرد عن المغاربة بشيئين: الكرم ومذهب الشافعية وكان الشيخ زكي الدين القريع يقول: إن ابن مالك ما خلى للنحو حرمة توفي ابن مالك ﵀ ثاني عشر شعبان سنة ٦٧٢هـ، اثنتين وسبعين وستمائة.
عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس: العلامة جمال الدين أبو عمر بن الحاجب الكردي الدويني الأصل الأسنائي المولد المقري النحوي المالكي الأصولي الفقيه صاحب التصانيف المنقحة ولد سنة ٥٧٠هـ، أو سنة ٥٧١هـ بأسنا من الصعيد.
قال الذهبي: وكان أبوه جنديا كرديا حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي - قال مازن بن مرشد الصلاحي محقق هذا الكتاب: وهو أحد أجدادنا القدماء - اشتغل في صغره بالقاهرة وحفظ القرآن وأخذ بعض القراءة عن الشاطبي وسمع منه اليسير وقرأ بالسبع على أبي الجود وسمع من البوصيري وجماعة وتفقه على أبي منصور الأنباري وغيره وتأدب على ابن البناء ولزم الاشتغال حتى برع في الأصول والعربية وأتقنها غاية الإتقان وكان من أذكياء العالم.
ثم قدم دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية وأكب الفضلاء على الاشتغال عليه والأخذ عنه وكان الأغلب عليه النحو والعربية وصنف في الفقه مختصرا وفي الأصول مختصرا آخر أكبر منه سماه: المنتهى وفي النحو الكافية وشرحها ونظمها الوافية وشرحها وفي التصريف الشافية وشرحها إلى غير ذلك وكل مصنفاته في غاية الحسن والإفادة ورزقت قبولا تاما لحسنها وجزالتها.
وقد خالف النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات وإلزامات مفحمة يعسر الجوابات عنها وكان فقيها مناظرا مفتيا مبرزا في عدة علوم متبحرا ثقة دينا ورعا متواضعا مطرحا للتكلف
ثم دخل مصر هو والشيخ عز الدين بن عبد السلام وتصدر هو بالفاضلية ولازمه الطلبة
قال ابن خلكان: وكان من أحسن خلق الله ذهنا وجاءنا مرارا بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع في العربية مشكلة فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام. انتهى.
ثم انتقل إلى الإسكندرية ليقيم بها فلم تطل مدته هناك ومات بها في سنة ٦٤٦هـ، وأسنا: بلدة صغيرة من أعمال القوصية بالصعيد الأعلى من مصر
علي بن مؤمن بن محمد بن علي أبو الحسن بن عصفور
النحوي الحضرمي الإشبيلي كان لواء العربية في زمانه بالأندلس.
قال ابن الزبير: أخذ عن الرباح والشلوبين ولازمه مدة ثم كانت بينهما منافرة ومقاطعة وتصدر للاشتغال مدة وأقبل عليه الطلبة وكان أصبر الناس على المطالعة لا يمل من ذلك ولم يكن عنده ما يؤخذ عنه غير النحو ولا تأهل لغير ذلك.
وقال الصفدي: ولم يكن عنده ورع وجلس في مجلس شراب فلم يزل يرجم بالتاريخ إلى أن مات في رابع عشر ذي القعدة سنة ٦٦٩هـ، أو سنة ٦٦١هـ، ومولده سنة ٥٩٩هـ، وصنف الممتع في التصريف.
أحمد بن الحسن الشيخ فخر الدين الجاربردي: قال السبكي في طبقات الشافعية: نزيل تبريز كان إماما فاضلا دينا خيرا وقورا مواظبا على العلم وإفادة الطلبة.
أخذ عن القاضي ناصر الدين البيضاوي وصنف شرح منهاجه وشرح الحاوي في الفقه لم يكمل وشرح الشافية لابن الحاجب وشرح الكشاف مات في رمضان سنة ست وأربعين وسبعمائة بتبريز ﵀.
стр. 634
عبد الوهاب بن إبراهيم بن أبي المعالي الخزرجي الزنجاني: صاحب شرح الهادي المشهور الذي أكثر الجاربردي من النقل عنه في شرح الشافية قال السيوطي: وقفت عليه بخطه وذكر في آخره: أنه فرغ عنه في بغداد سنة ٦٥٤هـ، ومتن الهادي له أيضا وله التصريف المشهور: بالغربي وله مؤلفات في العروض والقوافي وخطه في غاية الجودة وعلى مختصره في التصريف شروح مفيدة مشهورة عند أبناء الزمان أفضلها وأحسنها شرحا السعد التفتازاني والسيد الشريف الجرجاني - رحمهما الله تعالى.
حسن بن محمد النيسابوري المشهور بالنظام الأعرج: شرح الشافية مزجا وهو مشهور متداول
قال السيوطي: لم أقف له على ترجمة.
أحمد بن علي بن مسعود: صاحب مراح الأرواح قال السيوطي: لم أقف له على ترجمة وعليه شروح مفيدة يتداولها المتأدبون من الصبيان والمراح: طبع بالهند مراراً.
стр. 635
علماء النحو
ظالم بن عمرو بن ظالم - وقيل: ابن سفيان - أبو الأسود الدؤلي الكوفي المولد البصري المنشأ كان من سادات التابعين ومن أكمل الرجال رأيا وأسدهم عقلا شيعيا سريع الجواب ثقة في حديثه.
روى عن أبي ذر وغيره وصحب علي بن أبي طالب وشهد معه صفين وقدم على معاوية فأكرمه وأعظم جائزته.
وولي قضاء البصرة وهو أول من وضع علم النحو ونقط المصحف.
مات سنة ٦٩هـ للهجرة بطاعون الجارف وعمره خمس وثمانون سنة وقيل: إنه مات قبل الطاعون بعلة الفالج.
وتخرج به: معاذ بن مسلم الهراء وخلف أبو الأسود خمسة نفر أدبوا الناس.
أولهم: عيينة بن معدان الفيل ولم يكن فيمن أخذ عنه النحو أبرع منه.
وثانيهم: ميمون الأقرن.
وثالثهم: يحيى بن يعمر العدواني التابعي.
قال الحاكم: فقيه أديب نحوي مبرز سمع ابن عمر وجابرا وأبا هريرة.
ورابعهم:......
وخامسهم: ابنا أبي الأسود: عطاء وأبو حرب.
ثم خلف هؤلاء رجالا أحدهم: عبد الله الحضرمي أحد الأئمة في القراءة والعربية.
وثانيهم: عيسى الثقفي إمام في النحو وأخذ عنه الأصمعي وصنف في النحو: الإكمال والجامع يقال: إن له نيفا وسبعين مصنفا ذهبت كلها مات سنة ١٤٩هـ، أو سنة ١٥٠هـ.
ثالثهم: أبو عمرو بن العلاء المازني النحوي المقري أحد القراء السبعة والأصح أن اسمه: ريان
قال أبو عبيدة: كان أعلم الناس بالقراءة والعربية وأيام العرب والشعر وكانت دفاتره تملأ بيته إلى السقف ثم تنسك فأحرقها وكان من أشراف العرب مدحه الفرزدق ووثقه يحيى بن معين.
قال الذهبي: قليل الرواية للحديث وهو صدوق حجة في القراءة وكان نقش خاتمه: