السيد: طاهر بن أحمد الأنباري: فاضل فقيه وعالم نبيه حصل العلوم الدرسية والفنون المتداولة وبرع فيها وهو ممن تتلمذ على السيد الأجل: سليمان بن يحيى الأهدل وعلى العلامة: داود الجبرتي العقيلي الهاشمي وعبد الله بن عمر الخليل والجرهزي والجبيلي وعبد الخالق المزجاجي والقاضي: محمد الربعي وغيرهم.
الشيخ العلامة: عبد القادر بن خليل كدك: المحدث الحافظ المسند الرحلة وجيه الإسلام خطيب المدينة المشرفة وفد إلى مدينة زبيد ناشرا فيها علوم الإسناد إلى خير العباد بعد أن جال البلاد شرقا وغربا ولقي من المشائخ المسندين الأعلام عالما كثيرا وألف في ذلك كتابه المسمى: بالمطرب المعرب الجامع لأهل المشرق والمغرب قال في خطبته: وقد ارتحل لطلب الإسناد جمع من السلف والخلف رحل جابر بن عبد الله إلى مصر لأجل حديث واحد وكذلك ارتحل أحمد بن حنبل وغيرهما قال:
ارتحلت إلى مصر وغزة والرملة والقدس والشام وآبدين والروم ونلت ما نلت من ذلك ولما وفد إلى مدينة زبيد تلقاه علماؤها وأعيانها بالإعزاز والإجلال وازدحم عليه الأفاضل لأخذ الإجازة منه فأجازهم وهو الذي استجاز للسيد: عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن مقبول الأهدل ولجماعة من محدثي زبيد من: مسند الشام الحافظ الكبير: محمد بن سالم السفاريني محتدا الحنبلي مذهبا الأثري معتقدا القادري مشرباً.
وسفارين: قرية من قرى نابلس ثم وفد إلى مدينة صنعاء وتلقاه أهلها بالتعظيم والتبجيل.
واستجاز منه جماعة من العلماء والأعيان.
منهم: السيد العلامة: عبد الله بن محمد الأمير.
وله: مؤلف خاص في ذلك سماه: السر المؤتمن في شرح الرحلة إلى اليمن ثم عاد إلى المدينة المنورة وتصدى فيها لنشر علوم الإسناد وإملاء الأحاديث والاجتهاد في هذا الشأن العظيم.
وكانت وفاته بنابلس: من أرض الشام في ربيع الأول سنة ١١٨٥هـ الهجرية.
صفي الإسلام أحمد بن إدريس المغربي الحسيني المتوفى سنة ١٢٥٣هـ، بمدينة صبيا وقبره هناك معروف مشهور.
وفد إلى مدينة زبيد سنة ١٢٤٤هـ، ناشرا فيها ما منحه الله من علوم أسرار الكتاب والسنة وكاشفا من إشاراتهما الباهرة ولطائفهما الزاهرة بعبارته الجلية المشرق عليها نور الإذن الرباني واللائح عليها أثر القبول الرحماني وازدحم عليه الخاص والعام حينئذ على الاستفادة وتلقى كل أحد من تلك اللطائف على قدر الاستعداد:
على قدرك الصهباء تعطيك نشوة ... ولست على قدر السلاف تصاب
وكان مذهبه: ما صح به الحديث كما هي طريقة خلائق من العلماء الأعلام:
ومذهبي كل ما صح الحديث به ... ولا أبالي بلاح فيه أوزاري
وأجاز أهل زبيد خصوصا وأهل اليمن عموما كما وقع نظير ذلك للحافظ: ابن حجر العسقلاني عند قدومه زبيد ثم توجه إلى بندر الحديدة وتلقاه أهلها بالإعزاز والإكرام وامتدحه علماء البندر بعدة قصائد ثم صار إلى صبيا وكان باقيا فيها إلى سنة ١٢٤٨هـ، يذكر أيام الله ويملي من علوم السنة والكتاب ما يفيد
стр. 737
ذوي الدين والألباب وامتدحه أهل تلك الجهات أيضا بعدة قصائد منهم: المحقق العلامة: عبد الرحمن بن أحمد البهكلي - قاضي بيت الفقيه - وترجم له: السيد العلامة: محمد بن محمد الدئلي - قاضي زبيد - في كراريس السيد: عبد القادر بن أحمد بن عبد القادر الحسني الكوكباني للعلوم الزاخرة والأحوال الشريفة الفاخرة.
أخذ العلوم عن: الجهابذة من أهل صنعاء وزبيد والحرمين الشريفين.
ومن مشايخه: سلطان ذوي الاجتهاد وعمدة المحدثين النقاد السيد الإمام: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني والشيخان العلامتان: عبد الخالق ومحمد ابنا علاء الدين المزجاجيان والسيد الحبر: محمد بن الطيب المغربي الفاسي الآخذ عن: أبي الأسرار: الحسن بن علي العجيمي والشيخ المسند: محمد إبراهيم الكوراني.
وله من المشائخ: نيف وثلاثون شيخا ومن المؤلفات: ما يزيد على أربعين مؤلفاً.
منها: حاشية القسطلاني في مجلدين وشرح القاموس وشرح نظم فصيح ثعلب وحاشية المطول ومختصره.
ومن مشايخه أيضا: الشيخ: محمد حياة السندي: قال القاضي العلامة في ترجمته: مظهر السنة النبوية على رؤوس الأشهاد مبكتا لأهل البدعة في الحاضر والباد ولقد قام بهذا الواجب أتم قيام وذب عن سنة جده بين الأنام وأدخلها إلى آذان الفقهاء المقلدين وقبلها من له الفهم المكين والذهن الثمين وله اليد الطولى في كل فن والتحقيق الفائق من بين أبناء الزمن. انتهى ملخصاً.
وممن تخرج به: شيخنا القاضي العلامة: محمد بن علي الشوكاني والسيد: إبراهيم والسيد عبد الله والسيد: قاسم أولاد أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين: محمد بن إسماعيل الأمير وغيرهم رحمهم الله تعالى.
السيد المسند والجليل المعتمد، صارم الدين إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الأمير: قال القاضي العلامة: أحمد بن محمد قاطن - في ترجمته -: ذو الذهن الوقاد والفكر المستقل النقاد الحاوي لخصال الكمال بأكمل الخلال الراقي إلى أوج البلاغة في جميع الأحوال إن وعظ خلته الحسن وإن خطب أعلن السنن وأيقظ الوسن وقلد المنن وبغض السمن وجبب الخشن وضيق العطن ووسع الحزن وشجع الجبان وشبع الجنان زين الجنان وشيد الإيمان يخلط الترهيب بالترغيب والتبعيد بالتقريب والوعيد بالوعد والمطر بالرعد ... إلى آخر ما قال.
وله ولدان: السيد العلامة: علي بن إبراهيم والسيد: يوسف بن إبراهيم وكانا على استقامة تامة من ملازمة الاتباع وتجنب الابتداع كما هو طريقة سلفهم الصالح:
ليس الطريق سوى طريق محمد ... فهو الصراط المستقيم لمن سلك
من يمش في طرقاته فقد اهتدى ... سبل الرشاد ومن يزغ عنها هلك
ومن مؤلفات السيد علي بن إبراهيم: تشنيف الآذان بأسرار الآذان والبشائر والصلات بأسرار الصلوات والفتح الإلهي لتنبيه اللاهي وكتاب السوانح على وزن صيد الخاطر لابن الجوزي وكتاب
стр. 738
سوق الشوق لأهل الذوق من تحت إلى فوق في شرح حديث: إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها وهو مؤلف حافل وله نظم في الدرجة العليا قد جمعه ولده: السيد العلامة: حسن بن علي في ديوان.
وأما: السيد العلامة: يوسف فكان على قدم راسخ في العلوم المأثورة وله من النظم الرائق الفائق الشيء الواسع.
وأما: أخو السيد إبراهيم بن محمد المذكور فهو: السيد الجليل والعالم النبيل فخر الإسلام وزينة الليالي والأيام: عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأمير وكان من العلماء الأعلام أحد أئمة العصر وحامل لواء الفخر له اليد الطولى في العلوم العقلية والنقلية وجودة النظر والنقادة في الأحاديث النبوية مشتغلا بذلك غاية الاشتغال حتى نال من العلم الشريف كل منال ترك التعصبات المذهبية وأخذ بالسنة المطهرة السنية له شعر وتواليف صحح كتب والده وكتب بخطه كثيرا وعندي من خطه الشريف كتاب: سبل السلام شرح بلوغ المرام وغيره والسيد: عبد الرحمن بن سليمان الأهدل ممن تتلمذ له واستجاز منه فأجازه وأيضا تتلمذ على أخيه: السيد: قاسم فأجازه لفظاً.
صفي الإسلام الشيخ: أحمد بن محمد قاطن: كان من أجل الأعلام الأعيان كبير المقدار عظيم الشأن أخذ العلوم العقلية والنقلية من علماء صنعاء وغيرهم منهم:
السيد العلامة الإمام: محمد بن إسماعيل الأمير والعلامة الأوحد: زيد بن محمد بن الحسن شارح: الإيجاز في المعاني والبيان والمحقق: هاشم بن يحيى بن محمد الشامي والسيد: يحيى بن عمر مقبول الأهدل له منه إجازات وروايات.
له: تحفة الإخوان نظم فيها إسناد صحيح البخاري وشرحها شرحاً عظيماً.
ومن مشائخه: محمد حياة المدني السندي والشيخ: محمد الدقاق والشيخ: سالم بن عبد الله البصري والشيخ: محمد بن حسن العجيمي وقد ترجم لهؤلاء المشائخ في تحفة الإخوان المذكورة.
ومن مؤلفاته: نفحات العوالي بالأحاديث العوالي والإعلام بأسانيد الأعلام ووسيلة المستجير بالله الكبير ونزهة الطرف في أحكام الجار والمجرور والظرف وهو شرح عظيم على كتاب: العقد الوسيم لشيخه الإمام: صلاح الأخفش وله أشعار رائقة ذكرها في النفس اليماني والروح الريحاني وكان بينه وبين السيد: عبد الرحمن بن سليمان الأهدل مودة أكيدة وكان يحرضه على العمل بالسنة النبوية وسلوك الطريق السلفية وترك العصبية المذهبية وأخذ السيد منه إجازة له ولأولاده فكتب الإجازة - رحمه الله تعالى.
الشيخ أحمد بن عبد القادر بن بكري العجيلي: أخذ العلوم عن آبائه الكرام وعن غيرهم من الأعلام وهم كثيرون.
منهم: الشيخ عبد الخالق المزجاجي وعمه: محمد بن بكري والسيد: إبراهيم بن محمد الأمير والشيخ: إبراهيم الزمزمي - مفتي الشافعية في أم القرى بروايته عن الشيخ: عبد الوهاب بن أحمد الطنطاوي المصري مؤلف: بذل العسجد في شيء من أسرار اسم محمد.
وللشيخ أحمد: مؤلفات ورسائل منظومات ومسائل يطول ذكرها منها: النفحة القدسية في وظائف
стр. 739
العبودية وعقد جواهر اللآل في مدح الآل وعليه شرح وتقاريظ من جمع جم منهم: السيد الجليل: علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق كتبه بمكة المشرفة سنة ١٢٣٠هـ وللسيد: عبد الرحمن بن سليمان الأهدل منه إجازة في الحديث المسلسل بالأولية وله مناقب وفضائل شهيرة وكان لا يسمع بذي فضيلة في جهة من الجهات إلا وتعرف به واستطلع حقيقة فضيلته ومكث على هذه الحالة دهرا طويلا ثم آثر الخلوة والعزلة إلى أن انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى.
الشيخ إبراهيم بن محمد الزمزمي: تصدى في أم القرى للإفتاء والتدريس على مذهب الإمام: محمد بن إدريس فكان يقرئ فيه ويفيد ويبدئ ويعيد ويتكلم في سائر العلوم لفظاً ومعنى وعلى أصولها وفروعها حفظاً.
صفاته في العلوم إن ذكرت ... يغار منه النسيب والغزل
تعرف من عينه حقائقها ... كأنه بالعلوم مكتحل
استجيز منه للسيد: عبد الرحمن الأهدل في سنة ١١٩٢هـ قال: أخذت عن الشيخ: عبد الوهاب الطنطاوي الآمدي وعن المحقق: عبد الله النمرسي عن الشيخ: عبد الله بن سالم البصري.
وأما ولده: محمد صالح بن الشيخ إبراهيم الزمزمي فكان خلف أبيه في العلوم والفضائل منه إجازة للسيد: عبد الرحمن الأهدل ذكر فيها الأمهات الست وبقية العلوم مقرونا بسنده العالي عن المشائخ العظام في سنة ١٢٢٤هـ، وفيها: إن من أعلى أسانيدنا سيدي العلامة المحدث شيخنا: صالح بن محمد الفلاني العمري المغربي ومن أجل شيوخه الحافظ: محمد بن سنة العمري وهو أيضا: شيخ السيد: عبد الرحمن الأهدل كما صرح بذلك في: المنهج السوي حاشية المنهل الروي.
الشيخ: عبد الملك بن عبد المنعم القلعي: مفتي أم القرى على مذهب الإمام الأعظم. كان كنز الذخائر وبحر العلم الزاخر استجاز منه السيد: عبد الرحمن الأهدل فأجازه في سنة ١٢٢٤هـ، وذكر في الإجازة مشائخه من أهل الحرمين منهم: عبد الله بن سالم البصري.
سراج الإسلام: سالم بن أبي بكر الأنصاري الكراني: من أجل علماء المدينة المنورة له: حاشية على المنهج القويم لابن حجر الهيتمي في ستين كراسا وهو ممن تتلمذ على الشيخ: محمد بن سليمان الكردي الآخذ عن الشيخ: محمد الدمياطي والشيخ: محمد بن سعيد سنبل المكي والعلامة: أحمد الجوهري المصري.
الشيخ: محمد بن سليمان الكردي:
ولا تحسب الأكراد أبناء فارس ... ولكنهم أبناء عمرو ابن عامر
تتلمذ على المحقق: محمد بن سعيد سنبل مفتي الشافعية في أم القرى.
وأخذ عن الشيخ: أحمد النخلي وأجازه: عبد الله بن سالم البصري وعن الشيخ: طاهر بن إبراهيم الكوراني.
وله مؤلفات منها: فتح الفتاح بالخير على يريد معرفة شروط الحج عن الغير والثغر البسام عن معاني الصور التي تزوج فيها الحكام وأزهار الربا في بيان أبواب الربا وهو من مشائخ السيد عبد الرحمن الأهدل.
стр. 740
السيد عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس باعلوي المصري الإمام الكبير العلم الشهير أخذ عن: والده وعن السيد: عبد الرحمن بن عبد الله بافقيه والسيد العلامة: غلام حيدر الحسيني الهندي والسيد: فضل الله بن أحمد الهندي والحافظ المسند الشيخ: محمد حياة السندي وغيرهم.
ومن مؤلفاته: بسط العبارة في شرح ضبط الاستعارة وعليه: حاشية للمحقق الحفناوي وقطف الثمر في شرح المقولات العشر والمنهل العذب في الكلام على الروح والقلب.
أبو الفيض محمد مرتضى بن محمد الحسيني الواسطي البلكرامي: نزيل مصر تقدم ترجمته الشريفة في: ذيل علماء اللغة فراجعه وهو صاحب: تاج العروس في شرح القاموس وهو من مشائخ السيد: عبد الرحمن بن سليمان الأهدل.
السيد: عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل: ينتهي نسبه الشريف إلى: موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ صاحب كتاب: النفس اليماني والروح الريحاني في إجارة القضاة بني الشوكاني وهو شيخ شيخنا الإمام العلامة المجتهد المطلق الرباني: محمد بن علي بن محمد الشوكاني اليماني الصنعاني وشيخ أخويه: العلامة صفي الإسلام: أحمد وعماد الإسلام: يحيى رحمهم الله تعالى ألف الفقيه العلامة: سعد بن عبد الله سهيل في ترجمته كتابا حافلا في سنة ١٢٦٣هـ، سماه: فتح الرحمن في مناقب سيدي عبد الرحمن بن سليمان قال فيه: كان ﵁ من صدور المقربين صاحب العلوم الجمة والفنون الكثيرة والكرامات الباهرة والمقامات الفاخرة تصانيفه: دالة على سعة علمه وغزارة اطلاعه منها.
فتح الولي في معرفة سلب الولي والمنهج السوي١ حاشية المنهل الروي وفيه دلالة على كماله في علم الحديث وأنه من أجل أئمته وله: فرائد الفوائد وقلائد الخرائد مجلدان جمع فيه فأوعى والروض الوريف في استخدام الشريف وتلقيح الأفهام في وصايا خير الأنام وشرح بلوغ المرام بلغ فيه إلى التيمم في نحو عشرين كراسا ولم تساعده القدرة على إتمامه وفتح اللطيف شرح مقدمة التصريف والجنى الداني على مقدمة الزنجاني وكشف الغطا عن أسئلة ابن العطا ورسالة في البندقة وتحفة النساك في شرب التنباك ... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
ومن تلامذته: شيخنا الشوكاني ويا له من تلميذ وأستاذ.
ومنهم: السيد العلامة: محمد بن طاهر الأنباري الملقب: بالشافعي الصغير والعارف بالله: محمد بن أحمد المشرع وكان في غاية من العبادة سيما قيام الليل وتلاوة الكتاب العزيز وكان هجيره هجير خلفاء النبي ﷺ وكان حسن الخلق لين الجانب قريب التناول يتصل به كل أحد يتكلم باللسان العالي في لطائف الأسرار ويقول: ليس العلم بلقلقة اللسان ولا بطول الإطناب وبديع البيان ولا في الكراريس الكثيرة والمجلدات الضخيمة والأوارق وإنما العلم ما أفادته الملكة التامة والرسوخ وكان مما ينفع صاحبه هداية ويقربه إلى رب العالمين وله أشعار فائقة وأبيات رائقة ذكر بعضها في: فتح الرحمن وأطال في بيان كلماته
стр. 741
الرفيعة الشأن واعتضدها بنقول العلماء والأعيان يطول ذكرها في هذا المكان.
وكانت ولادته في سنة ١١٧٩هـ ومرض مرض الموت قريبا من عشرة أيام وأتاه اليقين في ليلة الثلاثاء الأخيرة في الحادي والعشرين من شهر رمضان أحد شهور سنة ١٢٥٠هـ، وله من العمر إحدى وسبعون سنة وأرخ بعض الفضلاء وفاته بقوله: ليهنك الفردوس مفتي الأنام.
وله من الأولاد: محمد وعبد الباقي وسليمان وقد أجازهم وأولادهم ومن سيولدهم وكافة من أدرك حياته سيما من وقعت بينه وبينه المعرفة أو الاستفادة العلمية وأولادهم ومن سيولد لهم راجيا بذلك الخير الشامل الكثير إن شاء الله تعالى وهو من مشايخنا ولله الحمد.
الشيخ العارف بالله محمد بن عبد الرحمن: المتقدم ذكره أخلف والده في: هديه وسمته ودله وإفتائه وجميع أحواله المرضية السنية ونفع الله به خلقا كثيرا إلى أن توفي ﵀ في سنة ١٢٥٨هـ، وله من العمر ثمانية وأربعون سنة وله من الكرامات والمكاشفات ما لا يحصى وكان غاية في إطلاق اللسان يكتب الجوابات من غير مراجعة لكتب المذهب لسعة ملكته.
ولما توفي قام مقامه أخوه: السيد العلامة: عبد الباقي ﵀.
السيد محمد بن إبراهيم الوزير بن علي بن المرتضى ابن المفضل الحسني القاسمي الهادوي:
الإمام العلامة والمحدث الأصولي النحوي المتكلم الفقيه البليغ الرحلة الحجة السني الصوفي كان فريد العصر ونادرة الدهر خاتمة النقاد وحامل لواء الإسناد وبقية أهل الاجتهاد بلا خلاف وعناد رأسا في المعقول والمنقول إماما في الفروع والأصول.
يقول واصفه في وصفه: كشاف أصداف الفرائد قطاف أزهار الفوائد فاتح أقفال اللطائف مانح أنفال الظرائف مصيب شواكل المشكلات بنوافذ أنظاره ومطبق مفاصل المعضلات بصوارم أفكاره مضحك كمائم النكت من نوادره ومفتح أنظار الظرف في موارده ومصادره عز الدين محيي سنة سيد المرسلين فلان الحسني نسبا على السماك عاليا والسني مذهبا إلى الصواب هاديا، إلى آخر ما ذكره في ترجمته.
وبالجملة: كان مولده في شهر رجب سنة ٧٧٥هـ، في شطب: وهو جبل عال باليمن هكذا نقلته من خطه وحفظته من غيره من الأهل.
وله مصنفات عديدة ومجموعات مفيدة منها: كتاب: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم أربعة أجزاء في الرد على الزيدية اشتمل من الفوائد على ما لم يشتمل عليه كتاب وكتاب: البرهان القاطع في إثبات الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع ألفه في سنة ٨٠١هـ ومختصر جليل في علم الأثر ألفه بعد اطلاعه على نخبة الفكر سماه: تنقيح الأنظار في علوم الآثار صنفه في آخر سنة ٨١٣هـ ومنها: الروض الباسم مختصر: العواصم والقواصم وكتاب: التأديب الملكوتي مختصر فيه العجائب والغرائب وكتاب: العزلة وقبول البشرى بالتيسير لليسرى وكتاب إيثار الحق على الخلق صنفه في سنة ٨٣٧هـ إلى غير ذلك وغالبها عندي موجود ولله الحمد وله ديوان شعر سماه: مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق وشرحه سماه: بفتح الخالق والحسام المشهور في الذب عن الإمام المنصور وقد ذكر له الحافظ: ابن حجر العسقلاني في كتابه: الدرر الكامنة ترجمة حافلة وأثنى عليه ثناء كثيرا جميلا لم يثن بمثله أحدا توفي ﵀ في الطاعون الذي وقع في اليمن
стр. 742
شهيدا في سنة ٨٤٠ فكان جملة عمره: ستا وستين سنة.
السيد العلامة بدر الملة النير المؤيد بالله: محمد ابن الإمام المتوكل على الله: إسماعيل بن صلاح الأمير الصنعاني اليمني: وهو: الإمام الكبير المحدث الأصولي المتكلم الشهير قرأ كتب الحديث وبرع فيها وكان إماما في الزهد والورع يعتقده العامة والخاصة ويأتونه بالنذور فيردها ويقول: إن قبولها تقرير لهم على اعتقادهم أنه من الصالحين وهو يخاف أنه من الهالكين
حكى بعض أولاده: أنه قرأ وهو يصلي بالناس صلاة الصبح: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فبكى وغشي عليه وكان والده: ولي الله بلا نزاع من أكابر الأئمة وأهل الزهد والورع استوى عنده الذهب والحجر وخلف أولادا هم أعيان العلماء والحكماء وأعظمهم ولده هذا
قال الشيخ أحمد بن عبد القادر الحفظي الشافعي - في ذخيرة الآمال في شرح عقد جواهر اللآل -: الإمام السيد المجتهد الشهير المحدث الكبير السراج المنير: محمد بن إسماعيل الأمير مسند الديار ومجدد الدين في الأقطار صنف أكثر من مائة مؤلف وهو لا ينسب إلى مذهب بل مذهبه: الحديث.
قال: أخذ عن علماء الحرمين واستجاز منهم وارتبط بأسانيدهم وقرأ على الشيخ: عبد الخالق بن الزين الزجاجي والشيخ عليه واستجاز منه وأسند عنه مع تمكنه من علوم الآل وتأصله. انتهى على ما نقله السيد: حامد حسين المعاصر في كتابه: عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار.
ومن شيوخه: الشيخ: عبد القادر بن علي البدري والشيخ: محمد طاهر بن إبراهيم الكردي والشيخ: سالم بن عبد الله البصري وغيرهم.
وتتلمذ عليه أيضا خلق كثير منهم: الشيخ: عبد الخالق المزجاجي الزبيدي وهو أيضا أستاذه كما تقدم وأيضا ولده: السيد العلامة: عبد الله بن محمد الأمير وغيرهما له مصنفات جليلة ممتعة تنبئ عن سعة علمه وغزارة اطلاعه على العلوم النقلية والعقلية وكان ذا علم كبير ورياسة عالية وله في النظم اليد الطولى بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ولم يقلد أحدا من أهل المذاهب وصار إماما كاملا مكملا بنفسه وقد من الله تعالى علي بأكثر مصنفاته وهي أزيد من أن تذكر.
منها: سبل السلام شرح بلوغ المرام وهو عندي بخط ولده: السيد: عبد الله وفيه خطه الشريف أيضاً.
ومنها: منحة الغفار حاشية ضوء النهار وإسبال المطر على قصب السكر وجمع التشتيت في شرح أبيات التثبيت وتوضيح الأفكار في شرح تنقيح الأنظار، إلى غير ذلك من الرسائل والمسائل التي لا تحصى وكلها فريدة في بابها خطيبة في محرابها حج وزار واستفاد من علماء الحرمين الشريفين وغيرهم من فضلاء الأمصار فهو أكرم من أن يصفه مثلي وقفت له على قصائد بديعة ونظم رائق وكان له صولة في الصدع بالحق واتباع السنة وترك البدعة لم ير مثله في هذا الأمر وهو من مشائخي في سند الكتب الحديثة على ما صرحت به في سلسلة العسجد من ذكر مشائخ السند وقد ذكرت له ترجمة في كتابي: إتحاف النبلاء ونقلها عنه: السيد المعاصر: حامد حسين في العبقات على تشيعه فلا نطول الكلام هاهنا بذكر ذلك الإملاء.
توفي ﵀ في سنة ١١٨٢هـ.
стр. 743
وخرج في زمانه الشيخ: محمد بن عبد الوهاب النجدي الذي تنسب إليه الطائفة الوهابية فنظم قصيدة في ذلك وأرسلها إليه وأثنى على طريقته ثم لما سمع أنه يكفر أهل الأرض ويسفك الدماء رجع عما كان قاله في قصيدته - كما سيأتي ذلك مفصلا في ترجمة: محمد بن عبد الوهاب - وكان له ﵀ أولاد صلحاء تقدم تراجمهم في هذا الكتاب وقد أثنى عليه ولده: السيد: عبد الله في إجازة كتبها للشيخ المحدث شيخنا: عبد الحق بن فضل الله المحمدي الهندي المتوفى بمنى سنة ألف ومائتين وثمان وثمانين الهجرية القدسية قال فيه:
سمع مني حصة من صحيح الإمام البخاري وقد من الله علي بالمثول بين يدي أئمة السنة النبوية والسماع منهم للآثار والأحاديث المصطفوية. منهم: والدي وشيخي ناصر السنة مجدد المائة الحادية عشر ﵁ ... الخ والشيخ: عبد الحق المحمدي قد تتلمذ على شيخ شيوخنا: الشوكاني وكتب له إجازة بخطه الشريف يقول فيها:
إني أجزت للشيخ العلامة أي: الفضل بن عبد الحق بن الشيخ العلامة: محمد فضل الله المحمدي الهندي كثر الله تعالى بمنه وكرمه فوائده ونفع بمعارفه ما اشتمل عليه هذا الثبت الذي جمعته وسميته: إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر فليرو عني ما اشتمل عليه من كتب الإسلام على اختلاف أنواعها كما يراه فيه وهو أهل لما هنالك ولم أشترط عليه شرطا فهو أجل من ذلك وأعلى حرر يوم الجمعة بتاريخ ١٠ جمادى الآخرة سنة ١٢٣٨هـ كتبه: محمد بن علي الشوكاني. انتهى.
وقد أتحفني شيخي عبد الحق بكتاب شيخه الشوكاني: إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر ولي أسانيد أخرى إلى الشوكاني كما يلوح من: الحطة وإتحاف النبلاء وسلسلة العسجد ولله الحمد وله المنة.
الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ابن سليمان بن علي بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن مشرف صاحب نجد الذي تنسب إليه الطائفة الوهابية وهذا هو المعروف من نسبه ويذكر أنه من مضر ثم بني تميم.
ولد سنة ١١١٥هـ، بالعينية: من بلاد نجد ونشأ بها وقرأ القرآن وسمع الحديث أخذ عن أبيه وهم بيت فقه حنابلة ثم حج وقصد المدينة المنورة ولقي بها شيخا عالما من أهل نجد اسمه: عبد الله بن إبراهيم قد لقي أبا المواهب البعلي الدمشقي وأخذ عنه ثم انتقل مع أبيه إلى جريمل: قرية من نجد أيضا ولما مات أبوه رجع إلى العينية وأراد نشر الدعوة فرضي أهلها بذلك ثم خرج عنها بسبب إلى الدرعية وأطاعه أميرها: محمد بن سعود من آل مقرن يذكر أنهم من بني حنيفة ثم من ربيعة وهذا في حدود سنة ١٢٠٦هـ.
وانتشرت دعوته في: نجد وشرق بلاد العرب إلى عمان ولم يخرج عنها إلى الحجاز واليمن إلا في حدود المائتين والألف وتوفي سنة ١٢٠٩هـ.
قال الشيخ الإمام العلامة: محمد بن ناصر الحازمي الآخذ عن شيخ الإسلام: محمد بن علي الشوكاني: هو رجل عالم متبع الغالب عليه في نفسه الاتباع ورسائله معروفة وفيها المقبول والمردود وأشهر ما ينكر عليه خصلتان كبيرتان:
стр. 744
الأولى: تكفير أهل الأرض بمجرد تلفيقات لا دليل عليها وقد أنصف السيد الفاضل العلامة: داود بن سليمان في الرد١ عليه في ذلك٢.
الثانية: التجاري على سفك الدم المعصوم بلا حجة ولا إقامة برهان وتتبع هذه جزئيات ذكر السيد المذكور بعضها وترك كثيرا منها وهي حقيرة تغتفر مع صلاح الأصل وصحته. انتهى.
وللعلامة الفاضل: حسين بن غنام اليمني قصيدة بديعة رد فيها على محمد بن فيروز في قصيدة لم يكفر فيها أهل نجد ويحث الناس على قتالهم فأجاب عليه بالقصيدة المذكورة أولها:
على وجهها الموسوم بالشؤم قد خطا ... عروس هوى ممقوتة زارت الشطا
وللإمام العلامة: عبد الله بن عيسى بن محمد الصنعاني كتاب سماه: السيف الهندي في إبانة طريقة الشيخ النجدي ألفه في سنة ١٢١٨هـ، قال فيه:
كان مبتدأ أمره في بضع وستين ومائة وألف خرج محمد بن عبد الوهاب الحنبلي فنزل بمحلة الشيخ: عبد العزيز النجدي وكان أهل تلك المحلة قوم أعراب مضيعين لأركان الإسلام وهؤلاء أهل اليمامة فلما حل الشيخ: محمد - المذكور - ما زال يدعوهم إلى التوحيد ويعلمهم الشرائع من الصلاة والصيام وغير ذلك والشيخ: عبد العزيز بن محمد النجدي: أول من تابعه وأسلم على يديه.
ثم لما تم للشيخ ابن عبد الوهاب ما أراد في تلك القرى المجاورة للدرعية: وهي قرية الشيخ: عبد العزيز واجتمع على الإسلام معه عصابة قوية صاروا يدعون من حولهم من القرى بالرغبة والرهبة ويقاتلون من حولهم من الأعراب ثم لما تمكن في قلوبهم الإسلام وهم عرب أغنام قرر لهم: أن دعا من غير الله أو توسل بنبي أو ملك أو عالم فإنه مشرك شاء أو أبى اعتقد ذلك أم لا.
وتعدى ذلك إلى تكفير جمهور المسلمين وقد قاتلهم بهذا الوجه الذي أبداه وقد وقفت على رسالة لهم في هذا الشأن وقد كان المولى العلامة السيد: محمد بن إسماعيل الأمير بلغه من أحوال هذا النجدي ما سره فقال قصيدته المشهورة:
سلام على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
ثم لما تحقق الأحوال من بعض من وصل إلى اليمن وجد الأمر غير صاف عن الإدغال وقال:
стр. 745
رجعت عن القول الذي قلت في النجد ... فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي
ونقلت من خط العلامة وجيه الإسلام: عبد القادر ابن أحمد بن الناصر ما صورته في ذي القعدة سنة ١١٧٠هـ، سنة وصل إلينا الشيخ الفاضل: مربد بن أحمد بن عمر التميمي النجدي الجريملي: نسبة إلى جريمل: بلد قرب سدوس أول بلاد اليمامة من جهة الغرب وكان وصوله إلى اليمن لطلب تحقيق مسألة جرت بينه وبين الشيخ: محمد بن عبد الوهاب في تكفير من دعا الأولياء والشيخ يكفر من فعل ذلك ومن شك في كفره ويجاهد من خالفه وكان سبب وصوله إلى اليمن: أنه سمع قصيدة لشيخنا السيد العلامة: محمد بن إسماعيل الأمير كتبها إلى الشيخ: محمد بن عبد الوهاب وللشيخ: مربد عليها جواب صغير ولم يكن يتعاطى فيها الشعر قط فهذا كلام إمام ذلك الزمان في تحقيق مذهب الشيخ: محمد بن عبد الوهاب النجدي من قبل أن يولد أكثر هذه الطبقة التي نحن فيها. انتهى حاصله.
ثم رد في هذه الرسالة عليه بعض عقائده ومسائله.
وأما السيد العلامة: محمد بن إسماعيل الأمير فعبارته في شرح قصيدة مذكورة له الموسوم: بمحو الحوبة في شرح أبيات التوبة لما بلغت هذه الأبيات نجدا يعني القصيدة الأولى وصل إلينا بعد أعوام من بلوغها رجل عالم يسمى: الشيخ: مربد بن أحمد التميمي وكان وصوله في شهر صفر سنة ١١٧٠هـ، وأقام لدينا ثمانية أشهر وحصل بعض كتب شيخ الإسلام: ابن تيمية والحافظ: ابن القيم بخطه وفارقنا في عشرين من شوال ١١٧٠هـ، راجعا إلى وطنه وكان من تلاميذ الشيخ: محمد بن عبد الوهاب الذي وجهنا إليه الأبيات فأخبرنا ببلوغها ولم يأت بجواب عنها وكان قد تقدمه في الوصول إلينا بعد بلوغها الشيخ الفاضل: عبد الرحمن النجدي ووصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء أنكرها عليه من: سفك الدماء ونهبه الأموال وتجاربه على قتل النفوس ولو بالاغتيال وتكفيره الأمة المحمدية في جميع الأقطار فبقي معنا تردد فيما نقله الشيخ: عبد الرحمن حتى وصل الشيخ: مربد وله نباهة ووصل ببعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في: وجه تكفير أهل الإيمان وقتلهم ونهبهم وحقق لنا أحواله وأفعاله وأقواله فرأينا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطرا ولم يمعن النظر ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية ويدله على العلوم النافعة ويفقهه فيها بل طالع بعضا من مؤلفات الشيخ: أبي العباس ابن تيمية ومؤلفات تلميذه: ابن القيم الجوزية وقلدهما من غير إتقان مع أنهما يحرمان التقليد.
ولما حقق لنا أحواله ورأينا في الرسائل أقواله وذكر لي أنه: إنما عظم شأنه بوصول الأبيات التي وجهناها إليه وأنه يتعين علينا نقض ما قدمناه وحل ما أبرمناه وكانت هذه الأبيات قد طارت كل مطار وبلغت غالب الأقطار وأتتنا فيها جوابات من مكة - المشرفة - ومن البصرة وغيرهما إلا أنها جوابات خالية عن الإنصاف ولما أخذ علينا الشيخ: مربد ذلك تعين علينا لئلا نكون سببا في شيء من هذه الأمور التي ارتكبها ابن عبد الوهاب - المذكور - كتبت أبياتا وشرحتها وأكثرت من النقل عن ابن القيم وشيخه لأنهما عمدة الحنابلة. انتهى كلام السيد - رحمه الله تعالى.
وقد وقفت على هذا الشرح وهو عندي موجود ألفه السيد المؤلف في سنة ١١٧٠هـ، ثم وقفت لهذا العهد على كتاب: رد المحتار وحاشية الدر المختار للسيد: محمد أمين بن عمر المعروف: بابن العابدين بمصر حالاً،
стр. 746
وكان في سنة ١٢٤٩هـ، ما لفظه: كما وقع في زماننا في أتباع ابن عبد الوهاب الذي خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم عساكر المسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف. انتهى.
هذا وقد وقفت على رسائل للشيخ: محمد بن عبد الوهاب منها: كتاب النبذة في معرفة الدين الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار وكتاب التوحيد المشتمل على مسائل من هذا الباب أوله: قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وليس لهذا الكتاب ديباجة بل يذكر فيه الآيات والأحاديث ثم يقول فيه مسائل وكتاب في مسائل خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية من أهل الكتاب وغيرهم وهو مختصر في نحو كراسة.
وكتاب كشف الشبهات في بيان التوحيد وما يخالفه والرد على المشركين.
ورسالة: أربع قواعد من قواعد الدين في نحو ورقة. وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
و: كتاب في تفسير شهادة: أن لا إله إلا الله.
وكتاب: تفسير سورة الفاتحة.
ورسالة: في معرفة العبد ربه ودينه ونبيه.
ورسالة: في بيان التوجه في الصلاة ورسالة: في معنى: الكلمة الطيبة أيضاً.
ورسالة: في تحريم التقليد.
وهذا جل ما وقفت عليه من تواليفه إلى الآن وفيها ما يقبل ويرد وعلى كتابه التوحيد شرح مبسوط مفيد للشيخ العالم العلامة مفتي الديار النجدية: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب حفيد المؤلف سماه: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد ولقبه: قرة عين الموحدين في تحقيق دعوة المرسلين.
ذكر فيه أنه تصدى لشرحه حفيده: الشيخ: سليمان بن عبد الله فوضع عليه شرحا أجاد فيه وأفاد وأبرز فيه من البيان ما يجب أن يطلب منه ويراد وسماه: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ولما قرأت شرحه رأيته أطنب في مواضع وفي بعضها تكرار يستغنى بالبعض منه عن الكل ولم يكمله فأخذت في تهذيبه وتقريبه وتكميله وربما أدخلت فيه بعض النقول المستحسنة تتميما للفائدة وسميته: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد ولأتباعه أيضا رسائل منها:
الرسالة الدينية في معنى الإلهية للشيخ: عبد العزيز بن محمد بن سعود قال فيها: من عبد العزيز إلى من يراه من العلماء والقضاة في الحرمين الشريفين والشام ومصر والعراق وسائر علماء الغرب والشرق سلام عليكم ورحمة الله بركاته أما بعد ... الخ.
ولما أراد الثويني - وهو رئيس بدوان العراق - أن يقدم على سعود بن عبد العزيز - المذكور - وقدم عليه في جيش عظيم فتلقاه رجل يقال له: طعيس فقتله وأغار سعود على جيشه فأخذهم وغنمهم فقال الشيخ العلامة: حسين بن غنام يهنيه بذلك:
تلألأ نور الحق وانصدع الفجر ... وديجور ليل الشرك مزقه الظهر
стр. 747
وشمس الأماني أشرقت في سعودها ... ولاح بأفق السعد نجمه الزهر
وهي قصيدة طويلة حسنة ألفها في سنة ١٢١٧ ثم وقفت بعد ذلك كله في سنة ١٢٨٥هـ، حين السفر إلى الحرمين الشريفين على رسالة للشيخ العالم: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب إمام الوهابية ذكر فيها ما لفظه:
وبعد فإنا معاشر موحدون لما من الله علينا وله الحمد بدخول مكة المشرفة نصف النهار يوم السبت ثامن شهر المحرم سنة ١٢١٨هـ، بعد أن طلب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو: سعود - حماه الله - وقد كان أمراء الحج وأمير مكة على القتال والإقامة في الحرم ليصدوه عن البيت فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم فتفرقوا شذر مذر كل واحد يعد الإياب غنيمة وبذل الأمير الأمان لمن بالحرم الشريف ودخلنا بالتلبية آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين غير خائفين من أحد من المخلوقين بل من مالك يوم الدين ... إلى قوله: ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد وعرض الأمير عافاه الله على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتلهم عليه قال: ثم دفعت إليهم الرسائل المؤلفة للشيخ: محمد في التوحيد واختصر من ذلك رسالة للعوام. انتهى.
وفي هذه الرسالة أنكر كثيرا مما ينسب إليه من المسائل والأقوال المخالفة لصحاح الكتب وللشيخ المحدث العلامة: محمد بن ناصر الحازمي: رسالة في المشاجرة مع أهل مكة المشرفة في المسائل التي اختلف فيها الوهابية وغيرهم أنصف في هذه الرسالة غاية الإنصاف وأتى بما يقضي منه العجب العجاب وله: رحمه الله تعالى رسالة أخرى في إثبات الصفات قال في مطاويها: قد بينا فيما تقدم عقيدة شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب وإن عقيدته وعقيدة أتباعه هي عقيدة السلف الماضيين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين. انتهى.
وقال فيها في موضع آخر: إن هذا الاعتقاد الذي حكيناه عن: محمد بن عبد الوهاب وأتباعه - يعني: في آيات الصفات وإجرائها على الظاهر - هو الاعتقاد والحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وكلام الصحابة وسائر الأمة ... إلى آخر ما ذكره.
وبالجملة: فالشيخ: محمد بن عبد الوهاب ممن اختلف فيه اعتقاد الناس فمنهم: من أثنى عليه في كل ما قاله ووضعه ونشره ودعا إليه وقاتل عليه وانتصر له وافتخر بالانتساب إليه وإلى طريقته.
ومنهم: من أساء الظن به كل الظن ورد عليه كل نقير وقطمير اختاره وذهب إليه وكفره وبدعه.
ومنهم: من سلك سبيل الإنصاف وترك - خشية الله تعالى - القول باعتساف فقبل من أقواله ما كان صوابا ورد ما خالف منها سنة وكتابا ولعمري هذا هو الطريق السوي والصراط المستوي وهو الذي درج عليه أئمة الأمة وسلفها عند اختلاف الناس وتنازعهم في الدين وقضوا بذلك وبه كانوا يعدلون بين المسلمين ومن حاد عن طريقهم وشذ عن فريقهم فهو على شفا حفرة من النار ولا عبرة بالعامة بل ولا بالخاصة في نصرة من أحبوه وحط من أبغضوه لأن ذلك دأب أكثر الناس في غالب الأمصار والأعصار إلا من عصمه الله ووفقه للنصفة والاعتبار - والله أعلم بالصواب.
محمد بن علي بن محمد الشوكاني: شيخنا الإمام العلامة الرباني والسهيل الطالع من القطر اليماني إمام الأئمة ومفتي الأمة بحر العلوم وشمس الفهوم سند المجتهدين الحفاظ فارس المعاني والألفاظ،
стр. 748
فريد العصر نادر الدهر شيخ الإسلام قدوة الأنام علامة الزمان ترجمان الحديث والقرآن علم الزهاد أوحد العباد قامع المبتدعين آخر المجتهدين رأس الموحدين تاج المتبعين صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها قاضي الجماعة شيخ الرواية والسماعة عالي الإسناد السابق في ميدان الاجتهاد على الأكابر الأمجاد المطلع على حقائق الشريعة ومواردها العارف بغوامضها ومقاصدها.
قال القاضي العلامة: عبد الرحمن بن أحمد البهكلي في كتابه: نفح العود في أيام الشريف حمود: كان مولد شيخنا الشوكاني يوم الإثنين الثامن والعشرين من ذي قعدة الحرام سنة اثنتين وسبعين بعد مائة وألف - كما أخبرني بذلك - في بلده: هجرة شوكان ونشأ على العفاف والطهارة وما زال يجمع النشأ ويحرز المكرمات له قراءة على والده ولازم إمام الفروع في زمانه القاضي: أحمد بن محمد الحرازي وانتفع به في الفقه.
وأخذ النحو والصرف عن السيد العلامة: إسماعيل بن حسن والعلامة: عبد الله بن إسماعيل النهمي والعلامة: القاسم بن محمد الخولاني وأخذ علم البيان والمنطق والأصلين عن العلامة: حسن بن محمد المغربي والعلامة: علي بن هادي عرهب ولازم في كثير من العلوم مجدد زمانه السيد: عبد القادر بن أحمد الحسني الكوكباني.
وأخذ في علم الحديث عن الحافظ: علي بن إبراهيم بن عامر وغير ذلك من المشائخ في جميع العلوم العقلية والنقلية حتى أحرز جميع المعارف واتفق على تحقيقه المخالف والموالف وصار مشارا إليه في علوم الاجتهاد بالبنان والمجلي في معرفة غوامض الشريعة عند الرهان
له المؤلفات في أغلب العلوم: ومنها: كتاب: نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار لجد ابن تيمية ﵀ في أربع مجلدات كبار لم تكتحل عين الزمان بمثله في التحقيق أعطى فيه المسائل حقها في كل بحث على طريق الإنصاف وعدم التقيد بمذهب الأسلاف وتناقله عنه مشائخه فمن دونهم وطار في الآفاق في حياته وقرئ عليه مرارا وانتفع به العلماء وكان يقول: إنه لم يرض عن شيء من مؤلفاته سواه لما هو عليه من التحرير البليغ وكان تأليفه في أيام مشائخه فنبهوه على مواضع منه حتى تحرر.
وله التفسير الكبير المسمى: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من التفسير وقد سبقه إلى التأليف في الجمع بين الرواية والدراية العلامة: محمد بن يحيى بن بهران فله تفسير في ذلك عظيم لكن تفسير شيخنا أبسط وأجمع وأحسن ترتيبا وترصيفا وقد ذكر الحافظ السيوطي في الإتقان: أنه جعله مقدمة لتفسير جامع للدراية والرواية سماه: مطلع البدرين ومجمع البحرين.
وله: مختصر في الفقه على مقتضى الدليل سماه: الدرر البهية في المسائل الفقهية وشرحه شرحا نافعا سماه: الدراري المضيئة أورد فيه الأدلة التي بنى عليها ذلك المؤلف.
وله: وبل الغمام حاشية على شفاء الأوام للأمير: حسين بن محمد الإمام.
وله: در السحابة في مناقب القرابة والصحابة.
وله: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.
وله: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول يعز نظيره وترصيفه وحسن ترتيبه وتصنيفه.
стр. 749
وله: السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار كان تأليفه في آخر مدته ولم يؤلف بعده شيئا فيما أعلم وقد تكلم فيه على عيون من المسائل وصحح من المشروع ما هو مقيد بالدلائل وزيف ما لم يكن عليه دليل وحسن العبارة في الرد والتعليل.
والسبب في ذلك: أنه نشأ في زمنه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة فجعل كلامه في ذلك الشرح في الحقيقة موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم وإيقاظهم إلى النظر في الدليل لأنه يرى تحريم التقليد وقد ألف في ذلك رسالة سماها: القول المفيد في حكم التقليد وقد تحاماه لما حواه جماعة من علماء الوقت وأرسل إليه أهل جهته بسببه سهام اللوم والمقت وثارت من أجل ذلك فتنة في صنعاء بين: من هو مقلد وبين من هو مقتد بالدليل توهما من المقلدين أنه ما أراد إلا هدم مذهب أهل البيت لأن الإزهار هو عمدتهم في هذه الأعصار وعليه في عبادتهم والمعاملة على المدار وحاشاه من التعصب على من أوجب الله تعالى محبتهم وجعل أجر نبينا ﷺ في تبليغ الرسالة مودتهم لأن له الولاء التام لهم وقد نشر محاسنهم في مؤلفه: در السحابة بما لم تخالج بعده ريبة لمرتاب على أن كلامه مع الجميع من أهل المذاهب سواء بسواء لأن المأخذ واحد والرد واحد والخطب يسير والخلاف في المسائل العلمية الظنية سهل لأنها مطارح أنظاره والاجتهاد يدخلها والمصيب من المجتهدين في ذلك له أجران والمخطي له أجر وهذا شأن أهل العلم في كل زمان ومكان ما بين راد ومردود عليه وكل مأخوذ من قوله ومتروك إلا صاحب العصمة عليه أفضل الصلاة والتسليم ومن طالع الكتب الإسلامية في الفروع والأصول على اختلاف أنواعها عرف ذلك وهان عليه سلوك هذه المسالك ومن وزن الأمور بالإنصاف لا تخفى عليه الحقيقة ومن جمد على التقليد وضاق عطنه عن مدارك الاستدلال فما له والاعتراض على المجتهدين ولا ينبغي أن يضائق المجتهد في اجتهاده لأجل توقفه في موقفه الذي هو: التقليد وقد تفضل الله عليه بالاجتهاد والتقليد لا يجوز إلا لغير المجتهد والاجتهاد غير متعذر ومن اعترض على المجتهد فيما أدى إليه اجتهاده فقد تحجر الواسع وجرى على خلاف نهج السلف من أهل العلم.
نعم أنا قد حبرت مقاصد السيل الجرار في مؤلف سميته: نزهة الأبصار وهو واف بالمقصود من إيراد تلك الأدلة من غير تعرض لما يقع به بسط الألسنة من الناس وللمترجم له: تاريخ حافل سماه: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع جرى فيه من ذلك الوقت إلى زمانه.
وابتدأ فيه بذكر عابد اليمن: إبراهيم الولي المشهور وله جملة رسائل من مطولات ومختصرات وقد جمعت فتاواه ورسائله فجاءت في مجلدين وسماها ابنه العلامة: علي بن محمد: بالفتح الرباني وله في الأدب اليد الطولى وله أشعار كثيرة مدونة قد رتبها ابنه المذكور على حروف المعجم فجاءت في ديوان وقد أخذت عنه في كثير من الفنون العلمية وأخذت عنه غالب مؤلفاته وبموته أطفئ على أهل اليمن مصباحهم المنير ولا أظن يرون مثله في تحقيقه للعلوم والتحرير وقد جرت بيني وبينه مكاتبة أدبية ومراسلة لمسائل علمية هي عندي مثبتة بخطه.
стр. 750
وعلى الجملة: فما رأى مثل نفسه ولا رأى من رأى مثله علما وورعا وقياما بالحق بقوة جنان وسلاطة لسان.
وقد أفرد ترجمته تلميذه الأديب: محمد بن حسن الجني الذفاري بمؤلف قصره على ذكر مشائخه وتلامذته وسيرته وما انطوت عليه شمائله وما قاله من شعر وما قيل فيه جاء في مجلد ضخم.
وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة في سنة خمسين بعد المائتين والألف وقد كان توفي قبله بمدة يسيرة ابنه العلامة: علي بن محمد وهو أحد محققي العلماء وممن لازم والده في جميع المعارف حتى بلغ ذروة العلوم تحقيقا وتدقيقا وقد شاركته في الأخذ على والده في كثير من مقروءاته وقد كنت قلت في والده مراثي لولا الإطالة لذكرتها. انتهى كلامه رحمه الله تعالى بلفظه ومعناه مع التلخيص.
قلت: ووجدت على ظهر كتابه: الدراري المضية أن مولده ﵁ كان عام سبع وسبعين ومائة وألف وقلد ولاية القضاء من جهة الإمام: المنصور بالله علي بن العباس في أوائل شهر شعبان سنة ١٢٢٩هـ، وتوفاه الله تعالى يوم الأربعاء في السادس والعشرين من جمادى الآخرة من شهور سنة ١٢٥٠هـ، وكان بين وفاته ووفاة ولده: علي بن محمد نحو شهر وكان قد توفاه الله قبله ولم يظهر والده جزعا ولا حزنا وكان ولدا صالحا عالما مبرزا في جميع العلوم وكان نادرة وقته على صغر سنه قيل: إنه توفي وهو في حدود العشرين رحم الله الجميع برحمته ثم ذكر له تصانيف عددها: ثلاثة وخمسون كتابا سماها بأسمائها.
قال السيد الجليل العلامة: عبد الرحمن بن سليمان ابن يحيى بن عمر مقبول الأهدل ﵀ في كتابه المسمى: بالنفس اليماني والروح الريحاني في إجازة قضاة بني الشوكاني ما عبارته:
وممن تخرج بسيدي الإمام: عبد القادر بن أحمد الحسني إمام عصرنا في سائر العلوم وخطيب دهرنا في إيضاح دقائق المنطوق والمفهوم الحافظ المسند الحجة الهادي في إيضاح السنن النبوية إلى المحجة عز الإسلام: محمد بن علي الشوكاني بلغه الله في الدارين أقصى الأماني:
إن هز أقلامه يوما ليعلمها ... أنساك كل كمي هز عامله
وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له
ولقد منح رب العالمين من بحر فضله الواسع هذا القاضي الإمام ثلاثة أمور لا أعلم أنها في هذا الزمان الأخير جمعت لغيره:
الأول: سعة التبحر في العلوم على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها.
الثاني: سعة التلاميذ المحققين والنبلاء المدققين أولي الأفهام الخارقة والفضائل الفائقة الحقيق أن ينشد عند حضور جمعهم الغفير ومشاهدة غوصهم على جواهر المعاني التي استخراجها من بحر الحقائق غير يسير:
إني إذا حضرتني ألف محبرة ... تقول: أخبرني هذا وحدثني
صاحت بعقوتها الأقلام ناطقة ... هذي المكارم لا قعبان من لبن
الثالث: سعة التأليف المحررة والرسائل والجوابات المحبرة التي تسامى في كثرتها الجهابذة الفحول وبلغ من تنقيحها وتحقيقها كل غاية وسول وقد ذكر لي بعض المعتمدين مؤلفاته الحاصلة الآن: مائة وأربعة عشر مؤلفا عدد سور كتاب الله تعالى قد شاعت في الأمصار الشاسعة فضلا عن القريبة ووقع
стр. 751
بها غاية الانتفاع والله المسؤول أن يبارك للإسلام والمسلمين في أوقاته وأن يمتع بحياته آمين ثم آمين:
كلنا عالم بأنك فينا ... نعمة ساعدت بها الأقدار
فوقت نفسك النفوس من بشر ... وزيدت في عمرك الأعمار
وقد اعتنى بشرح مناقبه وفضائله عدة من العلماء والأعلام والجهابذة الفخام منهم: السيد العلامة: إبراهيم بن عبد الله الحوثي.
ومنهم: بعض علماء كوكبان عظماء القدر كبراء الشأن.
ومنهم: السيد العلامة: محمد بن محمد الديلمي.
ومنهم: القاضي العلامة: محمد بن حسن الجني الذماري في كتاب حافل سماه: التقصار في جيد زمن علامة الأمصار.
ومنهم: الحبر العلامة والبحر الفهامة لطف الله جحاف وبالجملة: فمحل القول في هذا الإمام ذو سعة فإن وجدت لسانا قائلا فقل:
زد في العلا مهما تشا رفعة ... وليصنع الحاسد ما يصنع
فالدهر نحوي كما ينبغي ... يدري الذي يخفض أو يرفع
والله المسؤول أن يزيده مما أولاه وأن يصلح لكل منا آخره وأولاه فضلا من رب العالمين وكرما منه سبحانه اللهم آمين. انتهى كلامه ﵀. وللمترجم له كتاب: إتحاف الكابر بإسناد الدفاتر ذكر فيه مشائخه الأعلام وأسماء كتبه المقروءة والمسموعة ومروياته على التمام فمن شاء الزيادة فعليه بالكتاب المذكور فإن النظر فيه يقضي العجب العجاب وهذا الذي ذكرناه في هذا الكتاب قطرة من بحر فضائله التي لا تحصى وذرة من وادي فواضله التي لا تستقصى تشهد بذلك مؤلفاته وتنطق به مصنفاته والله يختص برحمته من يشاء وهو الذاب عن شريعة الإسلام باللسان والقلم والمناضل عن الدين النبوي وكم أبدى الحكم ولا عبرة بمن يرميه بما ليس فيه أو ينسبه بمجرد الهوى لقول غير وجيه فلم يضره قول الطاعن عن الحاسد والباغي الجاحد:
وما ضر نور الشمس إن كان ناظرا ... إليها عيون لم تزل دهرها عميا
غير أن الحسد يحمل صاحبه على اتباع هواه وأن يتكلم فيمن يحسده وبما يلقاه وما أحقه بقول القائل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا علمه ... فالقوم أعداء له وخصوم
فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور نفوسنا وحصائد ألسنتنا بمنه وفضله وقد روي عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه قال: كان الناس ورقا لا شوك فيه فصاروا اليوم شوكا لا ورق فيه فهذا زمان أبي ذر فما ذاك من زماننا وبأشراره:
إن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
فالمناسب جمع الخاطر عن علماء الوقت ورفع الهمة عنهم والقناعة بمن مضى من علماء السنة
стр. 752
المطهرة واقتصار النظر في كتبهم المحققة هذا وله - رحمه الله تعالى - مؤلفات مفيدة في فنون عديدة والتي وقفت عليها وهي عندي موجودة أيضا كثيرة جدا غير ما ذكر.
منها: كتاب آداب الطلب ومنتهى الأدب.
والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.
وإتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.
وتحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين.
وإرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات ردا على موسى بن ميمون الأندلسي اليهودي في ظاهر المستند والزنديق في باطن المعتقد.
والطود المنيف في الانتصاف للسعد على الشريف في المسألة المشهورة التي تنازعا فيها بين يدي تيمورلنك.
وشفاء العلل في زيادة الثمن لمجرد الأجل.
وشرح الصدور في تحريم رفع القبور.
وطيب النشر في المسائل العشر جواب على القاضي: عبد الرحمن.
ورسالة: أجاب بها على الشريف: إبراهيم بن أحمد ابن إسحاق.
ومنها: الصوارم الهندية المسلولة على الرياض الندية لإبطال قول من أوجب غسل الفرجين.
ورسالة: في اختلاف العلماء في تقدير النعاس.
ورسالة: في الرد على القائل بوجوب التحية.
والقول الصادق في حكم الإمام الفاسق.
ورسالة: في حد السفر الذي يجب معه قصر الصلاة.
وله: تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع.
والرسالة المكملة في أدلة البسملة.
وإطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال.
ومنها: رسالة: في الطلاق البدعي يقع أم لا.
ورسالة: الطلاق لا يتبع الطلاق.
ورسالة: في إرضاع الكبير هل يقتضي التحريم أم لا؟
ورسالة: تنبيه ذوي الحجا على حكم بيع الرجا.
ورسالة: القول المحرر في لبس المعصفر وسائر أنواع الأحمر.
وعقود الزبرجد في جيد مسائلا علامة ضمد.
ورسالة: إبطال دعوى الإجماع على تحريم السماع.
ورسالة: زهر النسرين في حديث المعمرين الفائح بفضائل العمرين.
وإتحاف المهرة في الكلام على حديث: لا عدوى ولا طيرة.
وعقود الجمان في بيان حدود البلدان.
стр. 753
وأخرى سماها: إرشاد الأعيان إلى تصحيح ما في عقود الجمان ردا على السيد العلامة: حسين بن يحيى الديلمي.
ورسالة: حل الإشكال في أجياد اليهود على التقاط الأزبال وأخرى: ردا على مناقضها السيد العلامة: عبد الله بن عيسى بن محمد الكوكباني التي سماها: إرسال المقال على إزالة حل الإشكال فرد شيخ الإسلام على تعقبه.
بتفويق النبال إلى إرشاد المقال.
ورسالة: البغية في مسألة الرؤية.
والتشكيك على التفكيك.
وإرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي.
ورسالة: رفع الجناح عن نافي المباح هل هو مأمور به أم لا؟
والعقد الثمين في إثبات وصاية أمير المؤمنين.
والقول المقبول في رد خبر المجهول من غير صحابة الرسول.
وجواب السائل في جواب: والقمر قدرناه منازل وأمنية المتشوق إلى معرفة حكم المنطق.
وإرشاد المستفيد إلى دفع كلام ابن دقيق العيد في الإطلاق والتقييد.
والبحث الملم المتعلق بقوله تعالى: إلا من ظلم.
والبحث المسفر عن تحريم كل مسكر.
وله: الدواء العاجل لدفع العدو الصائل.
ورسالة عجيبة: في رفع المظالم والمآثم.
والدرر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد.
ورسالة في وجوب التوحيد.
والمقالة الفاخرة في اتفاق الشرائع على الدار الآخرة.
ونزهة الأحداق في علم الاشتقاق.
ورفع الريبة فيما يجوز ولا يجوز من الغيبة.
وتحرير الدلائل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من الارتفاع والانخفاض والبعد والحائل.
وكشف الأستار عن حكم الشفعة بالجوار.
وإشراق النيرين في بيان الحكم: إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين.
ورسالة التسعير.
وكتاب: نثر الجوهر في شرح حديث أبي ذر.
ورسالة: في التحلي بالذهب للرجال.
ورسالة: منحة المنان في أجرة القاضي والسجان.
ورسالة: في مسائل العول.
стр. 754
ورسالة: تنبيه الأمثال على عدم جواز الاستعانة من خالص المال.
ورسالة: في الاتصال بالسلاطين.
وقطر الولي في معرفة الولي.
والتوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح.
ورسالة: جيد النقد في عبارة الكشاف والسعد.
وبغية المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من أهل التقليد.
والروض الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصار علم البديع.
وفتح الخلاق في جواب مسائل عبد الرزاق ... إلى غير ذلك.
وأما الأبحاث التي اشتمل عليها كتابه: الفتح الرباني وغيره فهي كثيرة جدا لا يسعها هذا المقام.
وكل بحث منها: كالرسالة في بابه وقد وقفت على أكثرها - بحمد الله تعالى - وانتفعت به نفعا عظيما صلح به قلبي وجسدي - وبالله التوفيق وهو المستعان.
الشيخ العلامة القاضي: حسين بن محسن الأنصاري ابن محمد بن مهدي بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن عثمان بن محمد بن عمر بن محمد بن حسين ابن إبراهيم بن إدريس بن تقي الدين بن سبيع بن عامر ابن غبشة بن ثعلبة بن غبشة بن عوف بن مالك بن عمر بن كعب بن الخزرج بن قيس بن سعد بن عبادة ابن دلهم بن حارثة بن خزام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الخزرجي الأنصاري كانت ولادة شيخنا: الحسين في شهر جمادى الأولى سنة ١٢٤٥هـ ولما بلغ ثلاث عشرة سنة من العمر توجه إلى قرية المراوعة لتحصيل طلب العلم على يد شيخه ومربيه شرف الإسلام وحسنة الليالي والأيام ذي المنهج الأعدل السيد: حسن بن عبد الباري الأهدل فأقام بها ثمان سنين مشتغلا بالطلب في التفسير والحديث والنحو والفقه على شيخه الموصوف وحصلت له منه الإجازة والإسناد كما ذلك معروف ومشهور وأخذ أيضا على أخيه وشقيقه الكبير القاضي العلامة: محمد بن محسن الأنصاري فقرأ عليه صحيح البخاري قراءة بحث وتحقيق من أوله إلى آخره وفي كثير من علوم الحديث والفقه والفرائض وغيرها والشيخ: محمد بن محسن المذكور من الآخذين على شيخه السيد: حسن بن عبد الباري أيضا وحصلت للشيخ: حسين المذكور الإجازة العامة وأيضا الملاقاة بشيخه القاضي العلامة: أحمد بن محمد بن علي الشوكاني في بندر الحديدة وأجازه إجازة عامة بجميع مروياته ومسموعاته وبشيخه الإمام العلامة الشريف: محمد بن ناصر الحازمي بمكة المشرفة في سنوات عديدة وقرأ عليه الأمهات الست قراءة بحث وتحقيق ومسند الدارمي وأوائل الشيخ: محمد سعيد سنبل المدني وشمائل الإمام الترمذي وإجازة بجميع مروياته ومسموعاته إجازة عامة - كما هي موجودة بخطه الشريف.
ورحل إلى مدينة بيدر وأخذ بها على شيخه السيد العلامة: نفيس الدين سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل مفتي مدينة زبيد حالا عافاه الله تعالى وقرأ عليه أوائل الأمهات وحصل له الإجازة منه بجميع مروياته ومسموعاته كما هي موجودة بخطه الشريف.
هذا والشيخ: حسين بن محسن شيخنا في العلوم الحديثة أخذت عليه أكثر الأمهات الست وغيرها وأجازني
стр. 755
بها إجازة عامة تامة كما هي موجودة عندنا بخطه الشريف مكتوبة في: سلسلة العسجد في ذكر مشائخ السند وقرأ عليه أيضا: ثمرة الفؤاد ونخبة المراد الولد نور الحسن بارك الله له وعليه وفيه الكتب الحديثة وحصل له منه الإجازة بجميع مروياته ومسموعاته وكتب له الإجازة بخطه الشريف وكم١ له من تلامذة في بلدتنا بهوبال المحمية وهو الغنيمة الكبرى للطالبين والنعمة العظمى للراحلين كان فيما مضى قاضيا ببلدة اللحية: من بلاد اليمن وهو في الحال نزيل بهوبال ومدرس المدرسة الرياسية يدرس ويفيد.
له علم نافع وعمل صالح وفكرة صحيحة وهمة في إشاعة علم الحديث رفيعة ولقاء مبارك جاءنا بمؤلفات علماء اليمن الميمون وأمطر علينا نفائس الكتب كالغيث الهتون كم قد ذهب في طلب كتب الحديث لنا إلى أرض الحجاز وغيرها ورجع من هناك برسائل نفيسة ومجاميع عزيزة وكتب الشروح والمتون ودواوين العلوم على الحقيقة دون المجاز - أحسن الله إليه كما أحسن إلي وتفضل علي - وقد بذلنا في تحصيل هذه الكتب وتلك الصحف مالا جما وجمعناها على يده من بلاد شتى: نحو صنعاء وزبيد وأبي عريش واليمن والحديدة والبصرة ومصر والحرمين الشريفين وهو - عافاه الله تعالى - صرف همته العليا في إشاعة مؤلفاتنا أيضا حتى بلغ بها إلى أقصى اليمن وأبلغها إلى الأماكن البعيدة سوى ما سارت بها الركبان إلى بلاد الله تعالى من هذه البلدة ومن مكة المشرفة - ولله الحمد كل الحمد والمنة.
стр. 756
علماء الهند
تقدم في القسم الأول من هذا الكتاب أن علماء الملة الإسلامية في العلوم الشرعية والعقلية أكثرهم من العجم وقليل من منهم من العرب فالأعاجم هم سباق حلبة العلوم وفرسان معركة المنطوق والمفهوم تعاطوا من دنان الحكم أصفى الحميا وتناولوا من غوامض العلوم ما كان بالثريا ولكن الله تعالى بعث في الأميين رسولا عربيا نسخ جميع الكتب والأديان وجاء الناس باليمن والإيمان وأخذ بنواصي كافة الأمم وألزم طاعته على رقاب العرب والعجم وهذا الفخر كاف للعرب العرباء واف في باب العلياء لا يدانيهم فيه أحد من الأعاجم ولا يبلغ شأوه فرد من الأعاظم.
ولما ورد الإسلام قبل الهند بالإيران والتوران وكشف نوره الأتم أغطية الظلم عن هذه البلدان نشأت العلوم الإسلامية سابقا بتلك البلاد وترعرعت بها أغصان هذا الشجر المياد.
وأما الهند: فقد فتح في عهد الوليد بن عبد الملك على يد محمد بن قاسم الثقفي سنة اثنتين وتسعين الهجرية وبلغت راياته المظلة على الفوج من حدود السند إلى أقصى قنوج سنة خمس وتسعين وبعد ما عاد ولاة الهند إلى أمكنتهم وبقي الحكام من الخلفاء المروانية والعباسية ببلاد السند وقصد السلطان محمود الغزنوي أواخر المائة الرابعة غزو الهند وأتى مرارا وغلب وأخذ الغنائم وانتزع السند من الحكام الذين كانوا من قبل القادر بالله بن المقتدر العباسي لكن السلطان محمود لم يقم بالهند وكان أولاده متصرفين من غزنين إلى لاهور حتى استولى السلطان: معز الدين سام الغوري على غزنين وأتى
стр. 757
لاهور وقبض على خسرو ملك خاتم الملوك الغزنوية وضبط الهند وجعل دهلي دار الملك سنة تسع وثمانين وخمسمائة هـ ومن هذا التاريخ إلى آخر المائة الثانية عشر كانت ممالك الهند في يد السلاطين الإسلامية.
ولما انتشر الإسلام في هذه البلاد وطلعت شموسه البازعة على الأغوار والأنجاد وعلت الكلمة الطيبة في هذه الغبراء واجتمعت بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ظهر بها جمع من العلماء والأدباء الإسلامية الناثرين على بسط الأزمنة لآلي من السحب الأقلامية لكن لم يعمد أحد منهم إلى ضبط تراجمهم ولم يجتن جان زهرا من حواجمهم إلا نزرا يسيرا ولذلك لا ترى من السلف والخلف كتابا مستقلا في هذا الباب لا على طريق الإيجاز ولا على سبيل الإطناب ألا ترى أن عين العلم كتاب مفيد مصنفه على الأصح من أهل الهند كما ذكر ذلك علي القاري في شرحه له على ما صرح به الحافظ: ابن حجر العسقلاني ﵀ ومع وجود مثل هذا الكتاب لم يعرف واحد من مؤرخي الهند خبره وما أبقى الزمان الجائر مع إبقاء الكتاب أثره ومن ثم اندرست آثار جم غفير من العلماء الأجلاء واندثرت معالم كانت أفلاذ كبد الدهناء:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والخطوب الزواجر
وبالجملة: قد خرج من أرض الهند جماعة كبيرة من العلماء الفضلاء وطلع من بلادها طائفة من النبلاء الأدباء قديما وحديثا وإن لم يسر بذكرهم الركبان سيرا حثيثا وقد كنت يخطر ببالي أن أجمع لتراجمهم كتابا مستقلا لا يغادر صغيرا ولا كبيرا وأرتب لذكرهم سفرا مفردا يثبت لهم ذكرا جميلا وفضلا كثيرا لكن عاقني عن ذلك كثرة الأشغال وتشتت البال من تغير الأحوال حتى لم تتيسر تلك الأمنية إلى الآن فاقتصرت في تذكارهم في هذا الكتاب على ما وجدته في كتاب: سبحة المرجان مع زيادة يسيرة من تراجم المتأخرين الذين هم من العلم والفضل بمكان مكين فأقول وبالله أحول وأصول:
أبو حفص ربيع بن صبيح السعدي البصري: هو من أتباع التابعين وأعيان المحدثين كان صدوقا عابدا مجاهدا أول من صنف في الإسلام.
روى عن: الحسن البصري وعطاء.
وعنه: سفيان الثوري ووكيع وابن مهدي.
قال صاحب المغني: مات بأرض السند سنة ستين ومائة ومن ثم ذكرته في علماء الهند تيمنا بذكره والله الموفق.
مسعود بن سعد بن سلمان اللاهوري: أصله من همدان خرج أبوه سعد منها إلى الهند وورد لاهور في دولة السلاطين الغزنوية ولازم منهم السلطان: إبراهيم فأعطاه عدة من الأعمال واستوطن لاهور وتزوج بها واستولد كثيرا منهم: مسعود المذكور نشأ في كفالة والده واحتظى من العلم والكمال بطريفه وتالده إلى أن فوض إليه السلطان حكومة بعض الأمصار وكان شاعرا مجيدا محبا للشعراء يعطيهم صلات عظيمة على أدنى شعر وكان نديما لسيف الدين محمود بن السلطان إبراهيم.
стр. 758
توفي في سنة ٥١٥هـ، محبوسا في قلعة نائ وكان لبث في السجن عشرين سنة حفظ هناك القرآن ونظم الأشعار وكان عارفا بالألسنة الثلاثة: العربي والفارسي والهندي صاحب ثلاثة دواوين فيها وديوانه الفارسي متداول في بلاد الهند والإيران ولم يصل أحد من شعراء العجم في الطريقة إليه لا في حسن المعاني ولا في لطف الألفاظ والمباني صرح بذلك: نظامي العروضي في رسالته: جهار مقالة وله شعر حسن منه ما أورده الرشيد الوطواط في: حدائق السحر:
ثق بالحسام فعهده ميمون ... واركب وقل للنصر كن فيكون
ومنه: هذه القطعة في التورية:
وليل كأن الشمس ضلت ممرها ... وليس لها نحو المشارق مرجع
نظرت إليه والظلام كأنه ... على العين غربان من الجو وقع
فقلت لقلبي: طال ليلي وليس لي ... من الغم منجاة وفي الصبر مفزع
أرى ذنب السرحان في الجو طالعا ... فهل ممكن أن الغزالة تطلع
ذكره الأديب: صابر والنسائي الحكيم وجمال الدين عبد الرزاق في أشعارهم وأثنوا عليه ثناء جميلاً.
حسن بن محمد بن حسن بن حيدر العدوي العمري الصغاني الحنفي رضي الدين صاحب مشارق الأنوار أصله من صغان: بلدة من بلاد ما وراء النهر.
وولد بلاهور في سنة ٥٧٧هـ، وهو من نسل عمر بن الخطاب ﵁ كان محدثا لغويا فقيهاً
أخذ العلم عن والده ورحل إلى بغداد وأقام بها مدة له مشاركة في العلوم والتصانيف العديدة المفيدة فيها.
منها: كتاب: الشوارد في اللغات وكتاب الافتعال وكتاب العروض وكتاب مصباح الدجى والشمس المنيرة وشرح البخاري والعباب معجم في اللغة.
توفي ببغداد في سنة ٦٥٠هـ، أوصى بنقل ميته إلى مكة فدفن بها وكان قد أقام بمكة مجاورا مدة ثم عاد إلى العراق وأرسل برسالة إلى الهند.
وسمع الحديث بمكة وعدن والهند من شيوخ كثيرة وكان إماما دينا عالما متقنا وقد دعا لوقوع موته وقبره بمكة المكرمة في مبدأ مشارق الأنوار حيث قال: أماته بها حميدا فأقبره ثم إذا شاء أنشره فسمع الله تعالى نداءه.
شمس الدين يحيى الأودي: وأود: بلدة قديمة من الهند يقال: بناها شيث بن آدم ﵉ وكانت دار الإمارة لبعض الرؤساء.
أخذ العلم عن: ظهير الدين البكري وفريد الدين الشافعي شيخ الإسلام بأود وبايع الشيخ: نظام الدين الدهلوي البدايوني وبدايون: بلدة من توابع صوبة دهلي وهي - بكسر الدال وسكون الهاء -: دار الخلافة لسلاطين الهند ذكرها المجد في القاموس: كان عالما جليلا وفاضلا نبيلا مدحه تلميذه الشيخ: نصير الدين بقوله:
سألت العلم: من أحياك حقا ... فقال العلم: شمس الدين يحيى
стр. 759
درس بدهلي وانتهت إليه رياسة العلم بها ومات بعد شيخه النظام ﵀ بعدة سنين وتوفي شيخه في سنة ٧٢٥هـ الهجرية.
الشيخ حميد الدين الدهلوي: كان عالما كبيرا فقيها دينا له شرح على هداية الفقه لم يقصر فيه ذكره في كشف الظنون وأثنى عليه العلامة: ابن كمال توفي في سنة ٧٦٤هـ الهجرية.
القاضي عبد المقتدر بن القاضي ركن الدين الشريحي الكندي الدهلوي: كان عالما مقتدرا على العلوم الكثيرة بايع الشيخ: نصير الدين الدهولي وأخذ عنه الطريقة وأقام دولة العلم والتدريس وأفاض على الطلبة والمشتغلين عليه أنوار التقديس وكان طريقة شيخه وأكثر خلفائه: المحافظة على سنن الشريعة والاشتغال بدرس العلوم الدينية وكان يقول: الفكر في مسألة واحدة من الشريعة أفضل من ألف ركعة مشوبة بالعجب والرياء.
توفي القاضي في سنة ٧٩١هـ، وعمره: ثمان وثمانون سنة ودفن قريبا من الحوض الشمسي الواقع في دهلي وله قصيدة لامية طويلة أولها:
يا سائق الظعن في الأسحار والأصل ... سلم على دار سلمى وابك ثم سل
أورد أكثرها وترك أقلها أزاد في سبحة المرجان وغيره وعليها شرح لبعض العلماء وهي في مدح النبي ﷺ .
الشيخ: معين الدين العمراني الدهلوي كان فاضلا مشارا إليه بالأنامل درس بدهلي وأرسله السلطان: محمد بن تغلق شاه والي الهند المتوفي سنة ٧٥٢هـ، إلى القاضي: عضد الإيجي بشيراز والتمس قدومه بالهند فأمسكه السلطان: أبو إسحاق وأكرم الشيخ إكراما بليغا وظهرت منه آثار الفضل والعلم على أهلها وعلمائها له تصانيف منها: الحواشي على الكنز وعلى الحسامي وعلى مفتاح العلوم.
الشيخ: أحمد التانيسري: بلدة بين دهلي ولاهور كان عالما شاعرا من مريدي الشيخ: نصير الدين الدهلوي ولما أخذ تيمور الأعرج دهلي رغب في لقياه واختاره للمجالسة حين توجه من الهند إلى الروم فتأخر عن موكبه وتيمور فتح دهلي في سنة ٨٠١هـ، وفتح الروم في سنة ٨٠٥هـ، فقال مؤرخ للفتح الأول: فتح قريب وللثاني: غلبت الروم في أدنى الأرض ثم هاجر الشيخ من دهلي إلى كالبي واستوطنها واشتغل بالدرس والتعليم إلى أن توفي في داخل قلعتها له شعر جيد حسن وقصيدة بديعة مدح بها النبي ﷺ أولها:
أطار لبي حنين الطائر الغرد ... وهاج لوعة قلبي التائه الكمد
وأذكرتني عهودا بالحمى سلفت ... حمامة صدحت من لاعج الكبد
وهي مذكورة في السبحة وغيرها.
القاضي: شهاب الدين بن شمس الدين بن عمر الزاولي: ولد بدولة: آباد دهلي وتتلمذ على القاضي: عبد المقتدر ومولانا خواجكي الدهلوي وهو من تلامذة مولانا: معين الدين العمراني وفاق أقرانه وسبق إخوانه وكان أستاذه القاضي يقول في حقه: أتاني من الطلبة من جلده علم ولحمه علم وعظمه علم ولما توجه موكب تيمور إلى الهند خرج الشهاب في صحبة أستاذه خواجكي إلى كالبي فأقام هو بها وذهب الشهاب إلى جونفور: بلدة من صوبة إله آباد كانت دار الخلافة للسلاطين الشرقية خرج منها جمع جم من
стр. 760
أهل العلم والشيخوخة فاغتنم السلطان إبراهيم الشرقي قدومه ولقبه: بملك العلماء وهو: درس هناك وألف وأفاد وحرر وأجاد.
ومن مؤلفاته: البحر المواج بالفارسية تفسير والحواشي على كافية النحو والإرشاد: متن التزم فيه تمثيل المسألة في ضمن تعريفها وبديع الميزان في البلاغة وشرح البزدوي في أصول الفقه وشرح قصيدة بانت سعاد ورسالة في تقسيم العلوم ومناقب السادات وغير ذلك
توفي في سنة ٨٤٩هـ، ودفن بجونفور في الجانب الجنوبي من مسجد السلطان إبراهيم الشرقي.
الشيخ علي بن أحمد المهائمي: من طائفة النوائت١ قوم في بلاد الدكن ومهائم بندر من بنادركوكن وهي ناحية من الدكن مجاورة للبحر المحيط وكان الشيخ من علمائها الصوفية وكان مثبتا للتوحيد الوجودي مقتفيا بالشيخ ابن عربي توفي سنة ٨٣٥هـ، ودفن بها.
له مصنفات تدل على غزارة علمه وكمال قدرته على العلوم منها: التفسير الرحماني والزوارف شرح العوارف وشرح فصوص الحكم وشرح النصوص للشيخ صدر الدين القونوي وأدلة التوحيد ورسالة عجيبة: استخرج فيها من وجوه الإعراب في قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ما يبلغ عدده٢ إلى اثني عشر كرورا وثلاثة وثمانين لكا وأربعة وأربعين ألفا وخمسمائة وأربعة وعشرين وجها ويكتب ذلك بالهندسة هكذا: ١٢٨٣٤٤٥٢٤، ذكر جملة صالحة من بيان ذلك في سبحة المرجان في آثار هندوستان فليرجع إليه.
الشيخ: سعد الدين الخير آبادي: بلدة من صوبة أود كان أبو الشيخ قاضيا بهذه البلدة فمات وتركه صغيرا فحفظ القرآن الكريم في صغره ولما بلغ أشده تتلمذ على مولانا أعظم اللكنوي: بلدة من بلاد بورب ولبس الخرقة من الشيخ مينا المتوفي في سنة ٨٧٤هـ، وجلس للتدريس والإرشاد فأفاد وأجاد وأوصل المريدين إلى المراد وحرر شروحا غراء على الكتب المتداولة مثل: شرح البزدوي وشرح الحسامي وشرح الكافية وشرح المصباح وشرح رسالة شيخه مينا وكلما ينقل فيها قولا من شيخه يقول: قال شيخي الشيخ مينا - أدامه الله فينا - عاش حصورا على طريقة شيخه الأمجد حتى لقي من لم يلد ولم يولد ودفن بخير آباد وقبره يزار.
الشيخ: عبد الله بن إله داد العثماني التلنبي: بفتح التاء بلدة بقرب ملتان كان رأسا في العلوم النقلية والعقلية مدرسا في وطنه زمانا طويلا ثم هاجر منه إلى دهلي وأوى إلى السلطان إسكندر اللودي فاستوى فلكه على الجودي فأكرمه السلطان ونفع الله به أهل الزمان إلى أن توجه في سنة ٩٢٢هـ إلى جنة المأوى وكان تاريخه: أولئك لهم الدرجات العلى وقبره بدهلي ومن مؤلفاته: شرح ميزان المنطق.
стр. 761
الشيخ الهداد الجونفوري: ومعناه: عطية الله تتلمذ على الشيخ الفاضل: عبد الله التلنبي وبايع راجي حامد شاه المانكفوري: بلدة من صوبة إله آباد صرف عمره في الإفادة وحرر الحواشي على المتون والشروح كشرح هداية الفقه في عدة مجلدات وشرح البزدوي والحواشي على الحواشي الهندية والحاشية على تفسير المدارك.
الشيخ علي المتقي بن حسام الدين عبد الملك بن قاضي خان القادري الشاذلي المدني الجشتي.
أصله: من جونفور.
مولده: برهانفور: من بلاد الدكن.
تتلمذ على الشيخ: حسان الدين الملتاني وغيره من العلماء ثم سافر في سنة ٩٥٣هـ، إلى الحرمين الشريفين وصحب الشيخ: أبا الحسن البكري وتلمذ عليه.
يقول البكري: للسيوطي منه على العالمين.
وللمتقي منه عليه اشتغل بالتدريس والتأليف ورتب جمع الجوامع للسيوطي على أبواب الفقه تزيد مؤلفاته على المائة وكان الشيخ: ابن حجر المكي الفقيه الشافعي صاحب الصواعق المحرقة أستاذه وفي الآخر تتلمذ عليه ولبس الخرقة منه.
توفي ﵀ في سنة ٩٧٥هـ. ذكر له الشيخ: عبد الحق الدهلوي ترجمة حافلة في المقصد الأول من كتابه: زاد المتقين في سلوك طريق اليقين وأثنى عليه كثيرا وحرر أحواله الشريفة في أبواب خمسة بإيضاح تام.
وللشيخ عبد الوهاب المتقي كتاب سماه: إتحاف التقي في فضل الشيخ: علي المتقي أبان فيه عن فضائله الكثيرة وهو حقيق بذلك وقد وقفت على تواليفه فوجدتها نافعة مفيدة ممتعة تامة.
الشيخ محمد طاهر الفتني: صاحب: مجمع البحار في غريب الحديث وفتن: بلدة من بلاد كجرات.
تلمذ على علماء بلده وصار رأسا في العلوم الحديثة والأدبية ورحل إلى الحرمين الشريفين وأدرك علماءهما ومشائخهما سيما الشيخ: علي المتقي وذكره في مبدأ كتابه: مجمع البحار وأثنى عليه ثناء حسنا جميلا وعاد إلى بلده وقصر همته على إفادة العلوم وكانت طريقته الاشتغال بعمل المداد وإعانة كتبة العلوم بهذا الإمداد حتى في حالة الدرس أيضا يشتغل بحله.
له: المغني في أسماء الرجال وتذكرة الموضوعات وعزم على كسر البواهير المهدوية الذين كانوا قومه وعهد أن لا يربط العمامة على رأسه حتى يزيل تلك البدعة فلما استولى السلطان: أكبر والي دهلي في سنة ٩٤٠هـ على كجرات واجتمع بالشيخ ربط العمامة بيده على رأس الشيخ وقال: على ذمة معدلتي نصرة الدين وكسر الفرقة المبتدعين وفق إرادتك وكان قد فوض حكومة كجرات إلى أخيه الرضاعي: ميرزا عزيز كوكه الملقب: بالخان الأعظم فأعان الشيخ وأزال رسوم البدعة مهما أمكن ثم عزل الخان الأعظم ونصب مكانه عبد الرحيم خان خانان وكان شيعيا فاعتضد به المهدوية وخرجوا من الزوايا ورموا السهام
стр. 762
على الخبايا فحل الشيخ العمامة عن رأسه وانطلق إلى أكبر بادشاه وكان في مستقر الخلافة آكره فتبعه جمع من المهدوية سرا وهجموا عليه في حوالي أجين وقتلوه سنة ٩٨٦هـ، فاستشهد ونقل جسده إلى فتن ودفن في مقابر أسلافه وكان صديقي النسب من جهة أمه وأصله من البواهير١ وأسلافهم جديدو الإسلام.
وبيوهار: في الهندية: التجارة وبوهره: التاجر.
وقد ذكر الشيخ: عبد الحق الدهلوي ترجمته في أخبار الأخيار وذكرتها أنا في إتحاف النبلاء وأيضا أفردت ترجمتها في رسالة مستقلة ألحقتها في أوائل مجمع البحار.
قال الشيخ٢ عبد الوهاب المتقي: رأيت رسول الله ﵌ في الرؤيا فقلت: من أفضل الناس في هذا الزمان يا رسول الله؟ فقال: شيخك ثم محمد طاهر ويا لها من رؤيا تفضل على اليقظة.
وكتابه: مجمع البحار قد طبع بالهند لهذا العهد واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار وهو كتاب جمع فيه كل غريب الحديث وما ألف فيه فجاء كالشرح للصحاح الستة فإن لم يكن عند أحد شرح لكتاب من الأمهات الست فهذا الكتاب يكفيه لحل المعاني وكشف المباني وهو كتاب متفق على قبوله متداول بين أهل العلم منذ ظهر في الوجود - وبالله التوفيق.
الشيخ وجيه الدين العلوي الكجراتي: كان وجيها في الدنيا والآخرة وعالما عارفا ذا المناقب الفاخرة.
ولد في سنة ٩١١هـ، في جابانير من بلاد كجرات ونشأ بها وارتحل في طلب العلم وأخذ من ملا عماد الطارمي من أعيان علماء العصر ولبس الخرقة من الشيخ: قاضن واستفاد من الشيخ: محمد غوث الكواليري صاحب: الجواهر الخمسة حين ورد بكجرات. وتوفي في سنة ٩٩٨هـ، ودفن بها.
وتاريخ وفاته: لهم جنات الفردوس نزلاً.
وله المصنفات الكثيرة منها: حاشية تفسير البيضاوي وشرح النخبة في أصول الحديث وحاشية العضدي وحاشية التلويح وحاشية البزدوي وحاشية هداية وحاشية شرح الوقاية وحاشية المطول وحاشية المختصر وحاشية شرح التجريد وحاشية الأصفهاني وحاشية شرح العقائد للتفتازاني وحاشية الحاشية القديمة للمحقق الدواني وحاشية شرح المواقف وحاشية شرح حكمة العين وحاشية شرح
стр. 763
المقاصد وحاشية شرح الجغميني وحاشية شرح الحامي وشرح الإرشاد للشهاب في النحو ... إلى غير ذلك مما لا يحصى.
الشيخ أبو الفيض المتخلص: بفيضي الأكبر آبادي: كان فاضلا جيدا وشاعرا مجيدا مفلقا
بارعا في العلوم العقلية والأدبية.
ولد بآكرة في سنة ٩٥٤هـ، وتتلمذ على أبيه الشيخ: مبارك صاحب التفسير المسمى: بمنبع عيون المعاني المتوفى سنة ١٠٠١هـ إحدى وألف.
أخذ عنه الفنون المتداولة وحصل الفراغ منها وهو ابن أربع عشرة سنة وخاض كثيرا بالحكمة والعربية واختص بمزيد قربة السلطان أكبر ملك الهند ولقب: بملك الشعراء وله قصائد في مدحه وأبيات ديوانه الفارسي: خمسة عشر ألف بيت شعر وله تصانيف تدل على اقتداره في اللسان العربي منها: موارد الكلم في الأخلاق وترجمة ليلاوتي١ وأجل مصنفاته: سواطع الإلهام في تفسير القرآن الكريم الغير المنقوط صنفه في سنتين وأتمه في سنة ١٠٠٢هـ، يدل على إطالة يده في علم اللغة وأنا وقفت عليه وذكره في كشف الظنون وكان فيضي على طريقة الحكماء وكذا إخوانه أبو الفضل وغيره وكانوا معروفين بانحلال العقائد وسوء التدني والإلحاد والزندقة نعوذ بالله منها توفي في سنة ١٠٠٤هـ، ودفن عند قبر أبيه بآكرة.
السيد صبغة الله البروجي: بلدة من كجرات. أخذ العلوم عن الشيخ: وجيه الدين الكجراتي واشتغل بالتدريس والإرشاد برهة ثم رحل إلى مكة والمدينة وغيرهما وعاد إلى بروج ثم ارتحل إلى مالوه وأقام في أحمد نكر: من بلاد الدكن عند سلطانها: برهان الملك ثم سافر إلى الحرمين الشريفين ودخل بيجابو فخدمه السلطان إبراهيم وهيأ له أسباب السفر فدخل المدينة وسكن بجبل أحد وعرب الجواهر الخمسة وحرر عليه تلميذه الشيخ: أحمد الشناوي حاشية وذكر له الشيخ: محمد عقبلة المكي ترجمة حسنة في كتابه: لسان الزمان وله: كتاب الوحدة ورسالة: إراءة الدقائق في شرح مرآة الحقائق وما لا يسع المريد تركه كل يوم من سنن القوم
توفي بالمدينة سنة ١٠١٥هـ الهجرية وقبره بها.
الشيخ أحمد بن عبد الأحد بن زين العابدين الفاروقي السهرندي بلدة عظيمة بين دهلي ولاهور وهو المعروف: بمجدد الألف الثاني.
كان عالما عاملا عارفا كاملا ينتهي نسبه إلى الفاروق.
ولد في سنة ٩٧١هـ، حفظ القرآن وقرأ على أبيه أولا واستفاد منه جما من العلوم ثم ارتحل إلى سالكوت وتتلمذ على المحقق: كمال الدين الكشميري بعض المعقولات بغاية من التحقيق وأخذ الحديث
стр. 764
عن: الشيخ يعقوب المحدث الكشميري وكان صاحب كبراء المحدثين بالحرمين الشريفين وأسند الحديث عنهم وتناقل الحديث المسلسل بالرحمة بواسطة واحدة عن الشيخ: عبد الرحمن بن فهد - من كبراء المحدثين في زمانه بالهند - وتعاطى عنه إجازة كتب التفسير والصحاح الست وسائر مقروءاته.
وروى الحديث المسلسل بالأولية عن القاضي: بهلول البدخشاني عن ابن فهد المذكور ولعله هو الواسطة في الإجازة بينهما وفرغ من التحصيل في عمر سبعة عشرة سنة واشتغل بالتدريس.
وله: رسائل لطيفة باللسان العربي والفارسي.
وجاء إلى دهلي في سنة ١٠٠٢هـ، وأخذ الطريقة النقشندية عن خواجة عبد الباقي عن خواجه إمكنكي عن أبيه مولانا: درويش محمد عن خاله مولانا: محمد زاهد عن خواجه: عبيد الله أحرار وكذا الطرائق الأخرى عن شيوخ أخر ووصلت سلسلته من الهند إلى ما وراء النهر والروم والشام والعرب وأقصى المغرب مثل: فاس وغيرها.
وله مكتوبات في ثلاثة مجلدات هي حجج قواطع على تبحره وسمعت أنه عربها بعض العلماء ولكن لم أر المعربة وحبسه السلطان: جهانكير في حصن كواليا على عدم سجدة التعظيم منه له وإليه أشار آزاد في غزله:
لقد برع الأقران في الهند ساجع ... وجدد فن العشق يا للمغرد
فلا عجب أن صاده متقنص ... ألم تر في الأسلاف قيد المجدد
ولما حبس لبث في السجن ثلاث سنين ثم أطلق وأقام في العسكر يدور معه ثم عاد إلى سهرند والعود أحمد ثم توفي في سنة ١٠٣٤هـ، وله ثلاث وستون سنة دفن بسهرند.
ومن مؤلفاته: الرسالة التهليلية ورسالة: إثبات النبوة ورسالة: المبدأ والمعاد ورسالة: المكاشفات الغيبية ورسالة: آداب المريدين ورسالة: المعارف اللدنية ورسالة: رد الشيعة وتعليقات العوارف ... إلى غير ذلك.
ومن إفاداته أنه أوضح الفرق بين وحدة الوجود وبين وحدة الشهود وبين أن وحدة الوجود تعتري السالك في أثناء سلوكه فمن ترقى مقاما أعلى من ذلك تتجلى له حقيقة وحدة الشهود فسد بذلك طريق الإلحاد على كثير ممن كان يتستر بزي الصوفية ثم إنه باحث الملاحدة في زمانه وجادلهم بقلمه ولسانه ورد على الروافض وحقق الفرق بين البدعة والسنة وأقيسة المجتهدين واستحسانات المتأخرين والتعارف عن القرون المشهود لها بالخير وما أحدثه الناس في القرون المتأخرة وتعارفوه فيما بينهم فرد بذلك مسائل مما استحسنها المتأخرون من فقهاء مذهبه وكان فقيها ماتريديا حريصا على اتباع السنة مجتهدا فيه قليل الخطأ في دركه والمسائل المعدودة التي شدد بعض أهل العلم النكير بها عليه فالصواب أن لها تأويلا وقد شاركه فيها غيره ممن لا يحصى كثرة فليس إذا يخصه الإنكار.
ومن أبنائه: الشيخ محمد سعيد الملقب: بخازن الرحمة له حاشية على المشكاة توفي في سنة ١٠٢٠هـ، والشيخ: محمد معصوم يلقب: بالعروة الوثقى له مجموع من مكاتيبه مفيد توفي في سنة ١٠٧٧هـ.
وكان لهما أخ ثالث: يقال له: الشاه محمد يحيى أخذ عن أخويه وهو الذي خالفهم في مسألة الإشارة بالسبابة توفي في سنة ١٠٩٨هـ.
стр. 765
ومن أجلة أصحابه المتأخرين: الشيخ شمس الدين العلوي من ذرية محمد ابن الحنفية المعروف: بميرزا مظهر جانجان كان ذا فضائل كثيرة وقرأ الحديث على الحاج السيالكوني وأخذ الطريقة المجددية عن أكابر أهلها كان له في اتباع السنة والقوة الكشفية شأن عظيم.
وله شعر بديع ومكاتيب نافعة وكان يرى الإشارة بالمسبحة ويضع يمينه على شماله تحت صدره ويقوي قراءة الفاتحة خلف الإمام عام وفاته.
عاش حميداً مات شهيداً.
ومن أجلة أصحاب جانجان: القاضي ثناء الله الأموي العثماني من أهل بلدة باني بت: بقرب دهلي كان فقيها أصوليا زاهدا مجتهدا له اختيارات في المذهب ومصنفات في الفقه والتفسير وكان شيخه المظهر يفتخر به رأيت له مؤلفات على مذهب النعمان بالفارسية والعربية وبعضها موجود عندي رحمه الله تعالى.
الملا عصمة الله السهارنفوري: قصبة من: صوبة دهلي كان مكفوف البصر مكشوف البصيرة أفنى عمره في خدمة العلم والتدريس وهو من مشاهير العلماء.
وله تصانيف مفيدة منها: الحاشية على شرح الجامي توفي في سنة ١٠٣٩هـ.
الشيخ عبد الحق الدهلوي: وهو المتضلع من الكمال الصوري والمعنوي رزق من الشهرة قسطا جزيلا وأثبت المؤرخون ذكره إجمالا وتفصيلا وحفظ القرآن وجلس على مسد الإفادة وهو ابن اثنتين وعشرين سنة ورحل إلى الحرمين الشريفين وصحب الشيخ: عبد الوهاب المتقي خليفة الشيخ: علي المتقي واكتسب علم الحديث وعاد إلى الوطن واستقر به اثنتين وخمسين سنة بجمعية الظاهر والباطن ونشر العلوم وترجم كتاب المشكاة بالفارسي وكتب شرحا على سفر السعادة وبلغت تصانيفه مائة مجلد.
ولد في محرم سنة ٩٥٨هـ، وتوفي سنة ١٠٥٢هـ، وأخذ الخرقة القادرية من الشيخ موسى القادري من نسل الشيخ عبد القادر الجيلاني وكان ذا عصبية في المذاهب الحنفية وانتقد كلامه في مواضع من مؤلفاته وكان ينال من الشيخ أحمد السهرندي ثم تاب واستغفر ولما وردت بدهلي حضرت على مزاره وزرته فوجدت موضع القبر مؤنسا بردا عفا الله عنه ما كان منه من شدة التقليد وتأويل الأحاديث بمجرد رأي وحفظ للمذهب وغلو في اعتقاد الأولياء ولم يكن يعرف علم الحديث على وجهه بل على جهة الإجازة والاستجارة كما يلوح ذلك من مصنفاته وإنما كان له اليد الطولى في الفقه الحنفي الذي عليه نشأ وفيه درج - ولكل جواد كبوة وعفو الله يسع كل هفوة.
الشيخ نور الحق بن الشيخ عبد الحق الدهلوي: المذكور - تتلمذ على أبيه وولاه السلطان شاهجهان قضاء آكره فأدى هذا المنصب في نهاية الديانة والسداد له تصانيف كثيرة منها: ترجمة الصحيح للبخاري بالفارسية
عاش تسعين سنة ومات سنة ١٠٧٣هـ الهجرية.
ملا محمود الفارقي الجونفوري: صاحب كتاب: شمس البازغة في الحكمة وكان علامة الإشراقين ونقاوة المشائين.
стр. 766
وجونفور: من بورب وهو ملك وسيع في الشرقي من دهلي عبارة عن ثلاث صوب١ أود: إله آباد وعظيم آباد تتلمذ ملا على جده الشيخ: شاه محمد المتوفي سنة ١٠٣٢هـ وعلى أستاذ الملك الشيخ: محمد أفضل الجو نفوري وفرغ عن تحصيل العلوم وهو ابن سبع عشرة سنة.
له تصانيف شهيرة منها: الفرائد شرح الفوائد٢ وعلق عليه حاشية أحسن فيها كل الإحسان روي أنه لم يصدر عنه في تمام العمر قول يرجع عنه وكان يجيب السائل إن كان خاطره حاضرا أو يقول: خاطري في هذا الوقت غير حاضر.
قال مؤلف الصبح الصادق - وهو من تلامذته -: رحل الشيخ إلى آكره ولقي آصف خان من أعاظم أمراء السلطان شاهجهان وكنت معه في هذا السفر ثم عاد إلى جونفور واشتغل بالتدريس. انتهى.
له: رسالة في أربعة أوراق بالفارسية في أقسام النسوان خالية عن الأمثلة لأن الفرس مغازلتهم بالأمارد لا بالخرائد.
توفي في سنة ١٠٦٢هـ، فحزن عليه أستاذه حزنا عظيما ولم يتبسم أربعين يوما ثم لحق بالتلميذ.
قال السيد آزاد: ولا ريب أنه لم يظهر في الهند مثل الفاروقيين أحدهما: في علم الحقائق وهو الشيخ: أحمد السهرندي والثاني: في العلوم الحكمية والأدبية وهو: ملا محمود - صاحب الترجمة. انتهى.
ثم ذكر كلامه على مسألة الحدوث الدهري التي اخترعها: مير محمد باقر الاسترآبادي من الشمس البازغة.
الشيخ: محمد أفضل الجونفوري: كان أفضل فضلاء عصره وأمثل علماء دهره في العقليات والنقليات وكان حصورا تقيا حسن الخلق سليم المزاج مقيما لدولة العلم والتدريس هو وتلامذته بجو نفور أجلهم وأشرفهم: ملا محمود المذكور مات من حزن موت تلميذه المسطور في سنة ١٠٦٢هـ كما تقدم.
ملا عبد الحكيم السيالكوئي الفنجابي: نسبة إلى: بنجاب: معرب ببجاب وهو ملك وسيع في الغربي من دهلي عبارة عن صوبتين: لاهور وملتان.
ولد بسيالكوت: بلدة من توابع لاهور وقام في سن التمييز على طلب العلم وتتلمذ على ملا كمال الدين الكشميري نزيلها الذي كان أستاذ المجدد السهرندي واشتغل بإفادة العلوم في عهد السلطان جهانكير ولما جلس ابنه شاهجهان على سرير المملكة وتصدى لترويج العلم والعلماء جاء ملا إلى سدته مرارا ووزنه السلطان مرتين في الميزان وأعطاه في كل مرة ستة آلاف من الربابي٣ وأنعم عليه
стр. 767
قرى متعددة بها كان يعيش ويدرس ويصنف حتى توفي في سنة ١٠٩٧هـ، ودفن ببلده.
له: حواشي تفسير البيضاوي ومقدمات التلويح والمطول والشريفية وشرح العقائد التفتازانية والعقائد الدوانية وحاشية على الخيالي وعلى شرح الشمسية وعلى عبد الغفور وعلى شرح المطالع والدرة الثمينة في إثبات الواجب تعالى والحواشي على هوامش "شرح حكمة العين" وعلى "شرح هداية الحكمة للميبذي" وعلى هوامش مراح الأرواح.
الشيخ عبد الرشيد الجونفوري الملقب: بشمس الحق تتلمذ على الشيخ: فضل الله اشتغل بالتدريس ثم أقبل على كتب الحقائق سيما تصانيف ابن عربي وأول كلامه على محامل حسنة ونأى بجانبه عن اختلاط الأمراء والأغنياء واستطلبه السلطان شاهجهان وأرسل إليه كتابا صحبة رسول مهذب فلبى ولم يخرج من زاوية العزلة حتى لقي الله في تحريمة صلاة الفجر.
ولد سنة ١٠٨٣هـ له تصانيف مفيدة:
منها: الرشيدية في المناظرة وزاد السالكين وشرح أسرار الخلوة لابن عربي والحواشي المتفرقة على: مختصر العضدي وعلى الكافية ومقصود الطالبين في الأوراد وديوان الشعر بالفارسية عفا الله عنه.
مير زاهد بن القاضي محمد أسلم الهروي الكابلي: ولد بالهند ونشأ بها وقرأ على أبيه وغيره من علماء الهند وكان ذا ذهن ثاقب وفكر صائب فسبق في التدقيق السابقين وتفرد في الحاضرين وانسلك إلى السلطان شاهجهان فجعله محرر وقائع كابل في سنة ١٠٦٢هـ، ولما تولى السلطان عالمكير ارتحل إلى معسكره فولاه احتساب عسكره سنة ١٠٧٧هـ، ثم طلب منه صدارة كابل فسلمها له فعاد إلى كابل وزين بها دست الإفادة ومتع الطلبة بالحسنى وزيادة.
له: حاشية شرح المواقف وشرح التهذيب للدواني وحاشية التصور والتصديق للقطب الرازي وحاشية شرح الهياكل قال آزاد: سألت أسلم خان ابن الابن لمير محمد زاهد عن عام وفاته؟ فقال: سنة ١١٠١هـ، ثم ذكر شيئا من تحقيقه في العلم وأنه من أي مقولة.
القاضي محمد أسلم والد: مير زاهد ولد بهرات وهو من أحفاد: خواجه كوهي من مشائخ خراسان دخل القاضي لاهور لطلب العلم وتتلمذ على الشيخ بهلول من صناديد العلماء بها ثم قصد السلطان جهانكير بآكره واعتنى السلطان بشأنه لكونه من قربى مولانا: كلان المحدث أستاذ السلطان وولاه قضاء كابل واشتهر بالتدين في أمور القضاء ثم ولاه قضاء عسكره ولما جلس شاهجهان قرره على القضاء وزاد عليه المنصب الهزاري١ واستمر على القضاء ثلاثين سنة في نهاية الديانة والأمانة وكان موردا للعنايات السلطانية إلى الغاية حتى وزنه السلطان في الميزان وجاء في كفته: ستة آلاف وخمسمائة من الربابي توفي سنة ١٠٦١ الهجرية ودفن بلاهور.
стр. 768
مولانا: كلان هو: السبط لخواجه كوهي أخذ العلوم الدرسية بكمالها والحديث: عن ميرك شاه الشيرازي وصحب مشائخ كثيرة وحج ودخل الهند وتوفي بها سنة ٩٨٣هـ، وهو ابن مائة سنة ودفن بآكره وكان أستاذ جهانكير بن أكبر شاه وأخذ عنه الحديث جماعة كثيرة من أهل الهند وهو من شيوخ: علي القاري.
قال في المرقاة شرح المشكاة: إني قرأت بعض أحاديث المشكاة على مولانا الشهير: بمير كلان وهو قرأ على زبدة المحققين: ميرك شاه وهو على والده السيد السند: جمال الدين المحدث صاحب روضة الأحباب وهو على عمه السيد: أصيل الدين الشيرازي. انتهى.
ملا: قطب الدين الشهيد السهالوي: نسبة إلى قصبة سهالي من أعمال لكهنؤ وشيوخها فريقان:
فرق أنصاري.
وفريق عثماني ورياستها تتعلق بكليهما فملا: من الأنصار أخذ العلوم عن ملا: دانيال الجوراسي نسبة إلى جوراس: قصبة من بورب وهو تلميذ ملا: عبد السلام الديوي نسبة إلى ديوه: قصبة من بورب أيضا وعن القاضي: كاشي وهو تلميذ محب الله الإله آبادي صاحب رسالة التسوية في التصوف وشارح الفصوص بالفارسية وكان الشيخ قطب الدين مقداما في العقليات والنقليات وإليه انتهى رياسة العلم والتدريس في بورب وسلسلة تتلمذ أكثر علماء بورب وغيره تنتهي إليه هجم العثمانية ليلة على داره فقتلوه وأحرقوا داره فمات سنة ١١٠٣هـ له: حاشية على شرح العقائد الدوانية في غاية الدقة.
السيد: قطب الدين الشمس آبادي أصله من سادات أميئهي قصبة من قصبات بورب رحل عنها إلى الشمس آباد قصبة من توابع قنوج وتوطن بها وهو قطب العلماء والمدار عليه للفضلاء.
تتلمذ على ملا: قطب الدين - المذكور - وغيره من أساتذة العصر ودرس إلى آخر العمر بشمس آباد.
تتلمذ عليه خلق كثير وكان من القانعين تمر الأيام ولا توقد في بيته نار ويقاسي الفاقات ولا يظهر الحاجات ويدرس طلق الوجه واللسان والحالة هذه وهذا مقام لا يثبت فيه إلا من رزق القوة من الله تعالى.
مات ﵀ سنة ١١٢١هـ الهجرية وهو ابن سبعين سنة.
القاضي: محب الله البهاري: نسبة إلى بهار: بكسر الموحدة بلدة عظيمة في شرقي بورب تعرف في القديم بالصوبة ثم أطلق ذلك على: بئنة والبلدتان متصلتان.
ولد القاضي بموضع كره من توابع محب على فور وهي معمورة من مضافات بهار وعشيرة القاضي تعرف بملك والقاضي جاب ديار بورب وأخذ أوائل الكتب الدرسية من مواضع شتى ثم انقطع برمته إلى حوزة درس القطب الشمس آبادي فصار بحرا من العلوم وبدرا بين النجوم ورحل إلى الدكن ولازم السلطان عالمكير فولاه قضاء لكهنؤ ثم بعد مدة قضاء حيدر آباد - وهي دار الإمارة للديار الشرقية من دكن - ثم عزله ثم أمره بتعليم ابن ابنه: رفيع القدر بن محمد معظم ثم لما فوض عالمكير في آخر عمره حكومة كابل إلى ابنه: محمد معظم الملقب: بشاه عالم وسافر هو مع ابنه: رفيع القدر من الدكن إلى كابل صحبه القاضي ولما توفي عالمكير في الدكن سنة ١١١٨هـ، وانتهض شاه عالم من كابل إلى الديار الهندية أعطى القاضي منصبا جليلا وولاه صدارة ممالك الهند كلها ولقبه: بفاضل خان سنة ١١١٩هـ، فتوفي في هذه السنة.
стр. 769
ومن مؤلفاته: سلم العلوم في المنطق ومسلم الثبوت في أصول الفقه والجوهر الفرد في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ وهذه الثلاثة: مقبولة متداولة في مدارس العلماء.
الحافظ: أمان الله بن نور الله بن حسين البنارسي بلدة من بلاد بورب وهي معبد الهنود حفظ القرآن وبرع في المعقول والمنقول وتبحر في الفروع والأصول له: كتاب المفسر في أصول الفقه وكتب عليه شرحا سماه: محكم الأصول وله حواش على تفسير البيضاوي والعضدي والتلويح والحاشية القديمة وشرح المواقف وحكمة العين وشرح عقائد الدواني والرشيدية في المناظرة.
وله: محاكمة بين مير باقر الإسترآبادي وملا محمود الجونفوري في مسألة الحدوث الدهري وكان متقلدا بصدارة لكهنؤ من قبل السلطان عالمكير وكان محب الله البهاري قاضيا بها وكانا يجتمعان وتجري بينهما مباحث علمية توفي في بنارس سنة ١١٣٣هـ، ودفن بها.
الشيخ: غلام نقشبند بن الشيخ: عطاء الله اللكهنوي: تتلمذ على مير: محمد شفيع الدهلوي وهو على الشيخ: عطاء الله والد الشيخ: غلام نقشبند وفرغ من التحصيل على شيخ شيخه بير: محمد اللكهنوي وصار خليفة له ونفع خلقا كثيرا بالتدريس والتلقين ولاقاه شاه: عالم بن عالمكير فأكرمه وكان حاميا لحمى الشريعة الغراء وحارسا لبيضة الملة البيضاء.
توفي في سلخ رجب سنة ١١٢٦هـ، ودفن بلكهنؤ.
له: تفسير لربع القرآن وحواشيه وتفسير بعض السور القرآنية وكتاب: فرقان الأنوار واللامعة العرشية في مسألة وحدة الوجود وشرح القصيدة الخزرجية في العروض وغيرها وهو أستاذ السيد: عبد الجليل البلكرامي جد مير: آزاد من جهة الأم والله أعلم.
الشيخ: أحمد المعروف: بملا جيون الصديقي الأميبهوي: وجيون: بالهندية: الحياة حفظ القرآن وتنقل في قصبات بورب وأخذ العلوم الدرسية من علمائها وفرغ من التحصيل عند ملا: لطف الله الكوروي وكوره: بضم الكاف: بلدة من نواحي بورب ثم رحل إلى السلطان عالمكير فأكرمه وراعى أدبه إلى الغاية وكذلك يحترمه شاه: عالم وغيره من أولاد السلطان وكان ذا حافظة قوية يقرأ عبارات الكتب الدرسية صفحة صفحة وورقة ورقة من غير أن ينظر في الكتاب وكان يحفظ قصيدة طويلة بسماع دفعة واحدة حج وعاد إلى الهند ودرس وألف وتوفي بدار السلطنة: دهلي سنة ١١٣٠هـ، ونقل جسده إلى أميهي ودفن بها.
له: التفسير الأحمدي يختص بآيات الأحكام الفقيهة ونور الأنوار في شرح المنار في أصول الفقه على طريقة الحنفية وفيهما الرطب واليابس.
السيد: عبد الجليل بن السيد: أحمد الحسيني الواسطي البلكرامي: ولد ببلكرام قصبة عظيمة بقرب قنوج وهي بلدة مشهورة مذكورة في القاموس يرجع نسبه إلى علي العراقي من نسل زيد الشهيد.
كان علامة بارعا وكوكبا ساطعا مزج العلم بالطهارة وصاغ الزهد في الإمارة.
ولد في سنة ١٠٧١هـ، بمحلته: ميدان فوره ونشأ بهذه المعمورة.
أخذ العلوم ولقي الجهابذة.
стр. 770
وسمع الحديث عن السيد: مبارك المحدث الواسطي الحسيني البلكرامي المتوفى سنة ١١٠٥هـ، وهو أخذ عن الشيخ: نور الحق وهو عن أبيه الشيخ: عبد الحق.
وتأدب على الشيخ: غلام نقشبند اللكهنوي وتفنن في الفنون العالية سيما التفسير والحديث والسير وأسماء الرجال وتاريخ العرب والعجم.
وأما اللغة: فحسابها في بنانه وكان القاموس على لسانه.
وأما الأدب: فهو معدن جواهره ولجة عنابره كان عارفا بالعربية والفارسية والتركية والهندية وتكلم بالأربعة المذكورة في غاية الطلاقة وأنشأ في كل منها أشعارا في نهاية الرشاقة
واجتمع بالسيد: علي معصوم صاحب: سلافة العصر بأورنك آباد فقال: ما رأيت لهذا السيد بالهند نظيرا لازم السلطان عالمكير فأعطاه عمل بخشيكري ووقائع نكاري - بلدة كجرات من بلاد فنجاب ثم بلدة بكر وبلدة سيرستان من: بلاد السند فعمل فيها بالسيرة الحسنى وتقررت عليه هذه الأعمال في الطبقات التي بعد عالمكير وعاد في سنة ١١٢٦هـ من بكر إلى شاهجهان آباد ولازم السلطان: فرخ سير ثم استعفى عن الخدمات وفوض خدمته إلى ابنه السيد: محمد وأتى بلكرام فتتلمذ عليه حفيده: السيد آزاد ثم رجع بعد سنة إلى دهلي وأقام بها.
وتوفي في سنة ١١٣٨هـ، ونقل جسده إلى بلكرام ودفن بها في: بستان محمود وخرج من التابوت سالما قال آزاد في تاريخ وفاته: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وأيضا: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ومن تفرداته دليل هندسي على إبطال جزء لا يتجزأ ذكره في سبحة المرجان ومن أشعاره الفصيحة البليغة:
يا صاح لا تلم المتيم في الهوى ... هو عاشق لا ينثني عن خله
يأبى الدواء سقامه كعيونه ... فعلى الطبيعة يا معالج خله
حبيبي قوس حاجبه كنون ... وصاديد ابن مقلة شكل عينه
لعمري أنه نص جلي ... على أن الرماية حق عينه
ذكر له حفيده السيد: آزاد ترجمة حافلة في سرد آزاد وتسلية الفؤاد وغيرهما من مؤلفاته وذكر من أشعاره وفضائله شيئا كثيرا لا نطول بذكرها الكلام ونظم في مدحه قصائد عظاما منها: قصيدته المشهورة التي أولها:
أدرك عليلا لقاء منك يكفيه ... وطرفك الناعس الممراض يشفيه
السيد علي بن السيد: أحمد بن السيد: المعصوم الدشتكي: هو من مشاهير الأدباء وصناديد الشعراء بيته بشيراز بيت العلم والفضل والمدرسة النظامية بها منسوبة إلى جدة مير: غياث الدين منصور والسيد اشتهر: بعلي المعصوم تزوج بأخت شاه عباس الثاني الصفوي وتوطن مكة المكرمة وولد له من بطنها السيد: أحمد نشأ بمكة واكتسب العلوم وفاق الأقران.
ثم إن مير: محمد سعيد المخاطب: بمير جملة وزير السلطان: عبد الله قطب شاه والي حيدر آباد من بلاد الدكن طلبه إلى حيدر آباد فزوج قطب شاه بنته بالسيد أحمد وما جاء له منها ولد وكان قد تزوج قبل
стр. 771
خروجه من مكة إلى الدكن بمكة وتولد السيد: علي بالمدينة ولما مات قطب شاه وتملك أبو الحسن سعى في إتلاف أخلاف السيد أحمد فهرب السيد علي عن الأسر وجاء إلى السلطان عالمكير ببرهانبور فأعطاه منصب هزاري وبانصدي وثلاثمائة فارس كل واحد منهم صاحب فرسين ولقبه: بسيد عليخان.
ولما انتهض السلطان إلى أحمد نكركان السيد حارسا على أورنك آباد مدة ثم أخذ من السلطان حكومة ماهور قلعة مشهورة من ديار برار ثم استعفى عنها وأخذ ديواني برهانبور ثم رحل إلى الحرمين الشريفين وبغداد وسر من رأى وكربلاء ونجف وطوس ثم إلى أصفهان وأدرك السلطان: حسين الصفوي وذهب إلى شيراز وأقام بالمدرسة المنصورية وأفنى عمره في إفادة طلبة العلم.
وتوفي سنة ١١١٧هـ، ولم يكن في أصله من الهند وإنما دخل الهند وتوطن بها مدة طويلة.
له مصنفات منها: أنوار الربيع في أنواع البديع وسلافة العصر وشرح الصحيفة الكاملة.
السيد محمد بن السيد: عبد الجليل البلكرامي: كان حافلاً لأصناف العلوم وارثا لفضائل والده المرحوم ولد في سنة ١١٠١هـ، بمحروسة بلكرام تتلمذ على السيد: محمد الأترولوي وكان محررا لسوانح سلطان: فرخ سير ومتقلدا عمل بخشيكري - ببلدة بكر - وسيوستان له شعر حسن منه:
صنت عن عارضيه ناظرتي ... وتركت الهوى بلا ضنه
قال لي: لا ترد ريحانا ... إنه خارج من الجنه
وله: مختصر كتاب المستطرف ألفه في سنة ١١٥٥هـ، وسماه: الجزء الأشرف من المستطرف وللسيد آزاد في مدحه قصائد أمجاد
توفي سنة ١١٨٨هـ، وله أيضا: تبصرة الناظرين بالفارسي في التاريخ.
السيد: سعد الله السلوني هو العالم المجدد لقول: سلوني والإمام القائل: أنا طلاع الثنايا فاعرفوني.
ولد بسلون قصبة من صوبة إله آباد وهو سبط الشيخ: بير محمد السلوني من مشاهير المشائخ - وفق في صغر سنه باكتساب العلوم وطوى مسافة التحصيل في زمان يسير وتربع على دست التدريس وأطلق اليراع في مسارح التأليف وحج وأقام برهة في أم القرى واعتقده أهل الحرمين الشريفين وتتلمذوا عليه وأخذوا عنه الطريقة.
منهم: الشيخ عبد الله البصري المكي: صاحب: ضياء الساري شرح صحيح البخاري ثم عاد إلى الهند وتزوج بالبندر المبارك سرة وصار مرجعا للأنام وتوفي بسرة في سنة ١٠٣٨هـ الهجرية رحمه الله تعالى.
السيد طفيل محمد بن السيد: شكر الله الحسيني الأترولوي البلكرامي: كان فاضلاً عارفاً كاملاً عالماً بالعلوم الدرسية من العقلية والنقلية.
ولد بأترولي في سنة ١٠٧٣هـ قصبة من توابع: آكره رحل مع عمه السيد: أحسن الله إلى دهلي وقرأ الدرس الأول من: ميزان الصرف على السيد: حسين الملقب: برسول نما ثم قرأ على عمه المذكور شرح الجامي وجاء إلى بلكرام طلبا للعلم وتتلمذ على السيد المربي المتوفى في سنة ١١١٧هـ، والحاج السيد: سعد الله المتوفي سنة ١١١٩هـ، تلميذ ملا: عبد الرحيم قاضي مراد آباد من توابع شاهجهان آباد وهو تتلمذ على عبد الحكيم السيالكوني وعلى القاضي: عليم الله الكجندوي المتوفى سنة ١١١٥هـ، والسيد: قطب الدين الشمس آبادي ثم أحيى العلوم سبعين عاما وكان رفيق السيد: عبد الجليل البلكرامي في سفر آكره ولم يتزوج.
стр. 772
توفي في سنة ١١٥١ وله شعر حسن منه:
بهجتي غادة قالت لجارتها ... شخص أراه خليعا فارغ البال
يحوم كل أوان حول مشربتي ... إني لأقتله في أسرع الحال
مدحه السيد آزاد بقصيدة بديعة أولها:
يا للأحبة ساروا في التباشير ... فاسود يومي كأحداق اليعافير
الشيخ: نور الدين بن محمد صالح الأحمد آبادي: كان أوحد زمانه وفرد أوانه.
تتلمذ على ملا: أحمد السليماني وملا: فريد الدين الأحمد آباديين.
وأخذ من كل فن حظا وافرا وقسطا متكاثرا وحج وعاد إلى أحمد آباد ولبس الخرقة عن السيد محبوب عالم الملقب: بشاه عالم الثاني وبنى مدرسة بها رفيعة وعكف على التدريس والتصنيف وتواليفه تزيد على: مائة وخمسين كتاباً.
منها: تفسير مختصر والحاشية على البيضاوي ونور القاري شرح صحيح البخاري والحاشية القويمة على الحاشية القديمة وحاشية شرح المواقف وحل المعاقد حاشية شرح المقاصد وحاشية شرح المطالع وحاشية التلويح وحاشية العضدي والمعول حاشية المطول والحواشي على: شرح الوقاية وعلى شرح الجامي على الكافية وعلى المنهل والشمسية في المنطق وشرح تهذيب المنطق: وهو أدق تصانيفه والطريق الأمم شرح فصوص الحكم.
ولد بأحمد آباد في سنة ١٠٦٤هـ وتوفي بها في سنة ١١٥٥هـ، عن إحدى وتسعين سنة تاريخ وفاته أعظم الأقطاب.
ملا: نظام الدين بن ملا: قطب الدين السهالوي:
كان فاضلاً جيداً عارفا بالفنون الدرسية والعلوم العقلية والنقلية تتلمذ على الشيخ: غلام نقشبند اللكهنوي وأقام بلكهنؤ واشتغل بالتدريس والتأليف وانتهت إليه رياسة العلم في بورب بايع الشيخ: عبد الرزاق البانسوي المتوفى سنة ١١٣٦هـ، وأخذ النصوص الكثيرة عن السيد: إسماعيل البلكرامي المتوفي سنة ١١٦٤هـ.
قال السيد آزاد: اجتمعت به فوجدته على طريقة السلف الصالحين وكان يلمع من جبينه نور القدس توفي في سنة ١١٦١هـ.
ومن تصانيفه: حاشية على شرح هداية الحكمة للصدر الدين الشيرازي وشرح على مسلم الثبوت في أصول الفقه رحمه الله تعالى.
مسند الوقت الشيخ الأجل: شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم المحدث الدهلوي.
له رسالة سماها: الجزء اللطيف في ترجمة العبد الضعيف ذكر فيها ترجمته بالفارسية مفصلة.
وحاصلها: أنه ولد يوم الأربعاء رابع شوال وقت طلوع الشمس في سنة ١١١٠هـ الهجرية تاريخه عظيم الدين ورأى جماعة من الصلحاء - منهم: والده الماجد - مبشرات قبل ولادته وهي مذكورة في كتاب: القول الجلي في ذكر آثار الولي للشيخ: محمد عاشق بن عبيد الله البارهوي البهلتي المخاطب بعلي واكتسب في صغر سنه الكتب الفارسية والمختصرات من العربية وشرع في قراءة شرح الجامي وهو ابن
стр. 773
إحدى عشرة سنة وتزوج وهو ابن أربع عشرة سنة واستسعد ببيعة والده في الخامسة عشر من عمره واشتغل بأشغال المشائخ النقشبندية ولبس خرقة الصوفية وقرأ البيضاوي وأجيز بالدرس وفرغ من تحصيل العلم وقرأ طرفا من: المشكاة والصحيح للبخاري والشمائل للترمذي والمدارك.
ومن علم الفقه: شرح الوقاية والهداية بتمامها إلا طرفا يسيراً.
ومن أصول الفقه: الحسامي وطرفا صالحا من التوضيح والتلويح.
ومن المنطق: شرح الشمسية وقسطا من شرح المطالع.
ومن الكلام: شرح العقائد وجملة من الخيالي وشرح المواقف وقطعة من العوارف.
ومن الطب: موجز القانون.
ومن الحكمة: شرح هداية الحكمة.
ومن المعاني: المختصر والمطول وبعض الرسائل في الهيئة والحساب إلى غير ذلك وبرع في هذه كلها وأجازه والده بأخذ البيعة ممن يريدها وقال: يده كيده.
ثم اشتغل بالدرس نحوا من اثنتي عشرة سنة وحصل له فتح عظيم في التوحيد والجانب الواسع في السلوك ونزل على قلبه العلوم الوجدانية فوجا فوجا وخاض في بحار المذاهب الأربعة وأصول فقههم خوضا بليغا ونظر في الأحاديث التي هي متمسكاتهم في الأحكام وارتضى من بينها بإمداد النور الغيبي طريق الفقهاء المحدثين واشتاق إلى زيارة الحرمين الشريفين فرحل إليهما في سنة ١١٤٣هـ، وأقام هناك عامين كاملين وتتلمذ على الشيخ: أبي الطاهر المدني وغيره من مشائخ الحرمين وتوجه إلى المدينة المنورة واستفاض فيضا كثيرا وصحب علماء الحرمين صحبة شريفة ثم عاد في سنة ١١٤٥هـ إلى الهند.
ومن نعم الله تعالى عليه: أن أولاه خلعة الفاتحية وألهمه الجمع بين الفقه والحديث وأسرار السنن ومصالح الأحكام وسائر ما جاء به ﷺ من ربه حتى أثبت عقائد أهل السنة بالأدلة والحجج وطهرها من قذى أمس المعقول وأعطي علم الإبداع والخلق والتدبير والتدلي مع طول وعرض وعلم استعداد النفوس الإنسانية لجميعها وأفيض عليه الحكمة العملية وتوفيق تشييدها بالكتاب والسنة وتمييز العلم المنقول من المحرف المدخول وفرق السنة السنية من البدعة الغير المرضية. انتهى.
وكانت وفاته في سنة ١١٧٦هـ الهجرية وله: مؤلفات جليلة ممتعة يجل تعدادها.
منها: فتح الرحمن في ترجمة القرآن والفوز الكبير في أصول التفسير والمسوى والمصفى في شروح الموطأ والقول الجميل والخير الكثير والانتباه والدر الثمين وكتاب: حجة الله البالغة وكتاب: إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء ورسائل التفهيمات وغير ذلك.
وقد ذكرت له ترجمة حافلة في كتابي: إتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدثين وذكر له معاصرنا المرحوم: المولوي محمد محسن بن يحيى البكري التيمي الترهتي ﵀ ترجمة بليغة في رسالته: اليانع الجني وبالغ في الثناء عليه وأتى بعبارة نفيسة جدا وأطال في ذكر أحواله الأولى والأخرى وأطاب فإن شئت زيادة الاطلاع فارجع إليهما.
وقد طبع كتابه الحجة لهذا العهد بمصر، وكذا الإزالة بالهند بنفقة الشيخ الوزير محمد جمال الدين خان
стр. 774
مدير مهمات الرياسة عافاه الله تعالى وكان له أولاد صالحون: الشيخ عبد العزيز والشيخ رفيع الدين والشيخ عبد القادر والشيخ عبد الغني: والد الشيخ محمد إسماعيل الشهيد الدهلوي وكلهم كانوا علماء نجباء حكماء فقهاء كأسلافهم وأعمامهم كيف وهم من بيت العلم الشريف والنسب الفاروقي المنيف وقد آذن الزمان الآن بانصرام ذلك البيت وأهله فإنا لله وإنا إليه راجعون وكان بيته في الهند بيت علم الدين وهم كانوا مشائخ الهند في العلوم النقلية بل والعقلية أصحاب الأعمال الصالحات وأرباب الفضائل الباقيات لم يعهد مثل علمهم بالدين علم بيت واحد من بيوت المسلمين في قطر من أقطار الهند وإن كان بعضهم قد عرف بعض علم المعقول وعد على غير بصيرة من الفحول ولكن لم يكن علم الحديث والتفسير والفقه والأصول وما يليها إلا في هذا البيت لا يختلف في ذلك مختلف من موافق ولا من مخالف إلا من أعماه الله عن الإنصاف ومسته العصبية والاعتساف وأين الثرى من الثريا والنبيذ من الحميا والله يختص برحمته من يشاء.
ولكل من أخلافه ﵏: مؤلفات ممتعة نافعة: كفتح العزيز في التفسير والتحفة الإثنا عشرية في الرد على الروافض وسر الشهادتين وغيرها للشيخ: عبد العزيز الدهلوي.
ومثدمة العلم ورسالة العروض وكتاب: التكميل للشيخ: رفيع الدين.
وموضح القرآن للشيخ: عبد القادر ورسالة في أصول الفقه ورسالة في الإمامة ورد الإشراك للشيخ: محمد إسماعيل الدهلوي إلى غير ذلك وهذه المصنفات: ممتعة نافعة متداولة بين الناس وفضائلهم شهيرة وهي متلقاة بالقبول من العلماء الأكياس.
لا يدرك الواصف المطري خصائصهم ... وإن لم يكن بالغافي كل ما وصفا
والشيخ: عبد العزيز عمري: فاروقي في النسب وكان السلف من آبائه من حفدة السيد: ناصر الدين الشهيد وجده الأعلى: وجيه الدين الشهيد حفيد للسيد: نور الجبار المشهدي ونسبه يتصل بالإمام موسى الكاظم.
ولد عام تسعة وخمسين ومائة وألف دل عليه لقبه: غلام حليم قال صاحب: اليانع الجني: ومنها كتابه: بستان المحدثين جمع فيه علوم الحديث مهذبة واختصرها منقحة غير أني لم أقف عليها بعد. انتهى.
قلت: ليس فيه علوم الحديث بل فهرس كتبها وتراجم بعض أهلها على غير ترتيب وتهذيب وقد أدرجته في مطاوي كتابي: إتحاف النبلاء فليراجعه.
ومن أصحاب الشيخ عبد العزيز: أخوه: عبد القادر كان عالماً زاهداً فاضلاً عابداً ذا ورع في الدين وله وجه وأي وجه بين المتقين صادق الفراسة حسن التوسم أخذ عنه جماعة أجلهم: الشيخ أبو العلاء فضل الحق العمري الخير آبادي أحذق الناضرة والأدباء في زمانه قال في اليانع الجني: حدثنا هو بذلك وسمعته غير مرة يثني عليه ويحكي لنا من كراماته. انتهى.
ومنهم: أخوه: الشيخ رفيع الدين المحقق المتقن. كانت له خبرة بعلوم الأوائل وله مؤلفات جيدة يكثر فيها من رموز خفية يعسر الاطلاع عليها ويجمع مسائل كثيرة في كلمات يسيرة وكتابه: دمغ الباطل في بعض المسائل الغامضة من علم الحقائق معروف أثنى عليه به أهلها وله: مختصر جامع بين فيه سريان
стр. 775
الحب في الأشياء كلها وأوضح للناس أطواره يسمى: أسرار المحبة ومن أجل تلاميذه: سيدي الوالد الماجد العلامة: حسن بن علي بن لطف الله المحدث الحسيني القنوجي البخاري - قدس سره - واستنتج من رسائله كتبا كثيرة بيده الشريفة أوان طلب العلم بدهلي منها: كتاب: التكميل ورسالة العروض والقافية ورسالة مقدمة العلم وغير ذلك ثم إن الأخوين توفيا قبل الشيخ: عبد العزيز وكذا أخوهما: عبد الغني أبو إسماعيل الشهيد.
ومن أصحابه أيضا ختنه: الشيخ: عبد الحي البكري من برانه بلدة من أعمال دهلي وكان من أحسنهم خبرة بالفقه الحنفي وأمرسهم بالكتب الدرسية.
قال في اليانع الجني: رأيت له رسالة في حث الناس على تزويج أياماهم وردعهم عن استقباح ذلك توفي في الغزوة المشهورة بأرض الأفاغنة. انتهى.
قلت: وكان من أخبار سيدي الوالد وليس له تأليف مستقل إلا هذه الفتاوى التي كتبها ويذكر عنها في الحوائج وله إجازة عن شيخنا وبركتنا: الشوكاني مكاتبة وهو أول من جاء بتأليفه إلى أرض الهند وأشاعه ثم تتابع الناس.
ومنهم: ابن أخيه: إسماعيل بن عبد الغني كان من أذكى الناس بأيامه وكان أشدهم في دين الله وأحفظهم للسنة يغضب لها ويندب إليها ويشنع على البدع وأهلها ومن مصنفاته: كتاب الصراط المستقيم في التصوف والإيضاح في بيان حقيقة السنة والبدعة ومختصر في أصول الفقه وتنوير العيني.
قال في اليانع الجني: انفرد فيها بمسائل عن جمهور أصحابه واتبعه عليها أناس من المشرق ومن بنجالة وغيرها أكثر عددا من حصى البطحاء.
وله كتاب آخر في التوحيد والإشراك فيه أمور في حلاوة التوحيد والعسل وأخرى في مرارة الحنظل فمن قائل: إنها دست فيه وقائل: إنه تعمدها والله عالم بالسرائر. انتهى.
وأقول: ليس في كتابه الذي أشار إليه وهو المسمى: برد الإشراك في العربية وبتقوية الإيمان بالهندية شيء مما يشان به عرضه العلي ويهان به فضله الجلي وإنما هذه المقالة الصادرة عن صاحب اليانع الجني مصدرها تتلمذه بالشيخ: فضل حق الخير آبادي فإنه أول من قام بضده وتصدى لرده في رسائله التي ليست عليها آثاره من علم الكتاب والسنة وإن شئت زيادة الاطلاع على حاله ومآله فارجع إلى كتابنا: إتحاف النبلاء يتضح عليك ما تذهب به الشحناء من صدرك إن شاء الله تعالى.
ومنهم: ابن بنته: الشيخ محمد إسحاق المهاجر يقال: إنه ولد على التقوى ترجمة المشكاة له معروفة مرغوب فيها على ما فيها من عوج وكذا بعض رسائل فارسية تنسب إليه نعم كان كثير العبادة قليل العلم غزير التقوى نزره الاطلاع على الفنون.
ومنهم: الشيخ جمال الدين المعروف: بحسن علي الهاشمي اللكنوي كان له خبرة في الحديث يعتني بعلومه.
واشتهر أنه كان شافعي المذهب رأيت له فتاوى بالفارسية على طريقة الفقهاء ولم يجد له عزما يمتاز به عن غيره.