← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 957

الرسالة المصرية - ضمن نوادر المخطوطات

أبو الصلت الأندلسي

Полный текст (52 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرسالة المصرية لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي ٤٧٠ - ٥٢٨

стр. 2

مقدمة نزح كثيرون من رجال الأندلس إلى الشرق طلباً للعلم أو المال أو الجاه، أو رغبة في أداء فريضة الحج، وكان من أولئك النازحين إلى مصر رجل جمع إلى الأدب الحكمة، وإلى الطب التنجيم والموسيقى والرياضة، والبراعة في علم الحيل. هذا الرجل هو أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، المولود في مدينة دانية، من بلاد الأندلس سنة ٤٧٠ هـ. قدم أبو الصلت إلى الإسكندرية ومعه أمه - فيما يروى ابن خلكان - سنة ٤٨٧، أي في أيام الخليفة الفاطمي المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر بالله على بن الحاكم بأمر الله؛ ووزيره إذ ذاك والقائم بأمر دولته الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني. وكان يأمل أبو الصلت من وراء رحلته هذه بسطةً في العيش، وثراء من المال، كما أشار إلى ذلك في صدر رسالته. ويبدو أنه ظل دهراً خاملاً يتحين الفرص، إلى أن أتيح له أن يتصل بأحد المقربين إلى الوزير الأفضل (١)، في أيام الخليفة الآمر (٢)، وذلك الرجل هو تاج المعالي مختار (٣)، فخدمه بصناعتى الطبّ _________ (١) بدأت وزارة الأفضل للمستنصر الفاطمي سنة ٤٨٧ بعد وفاة أبيه بدر الجمالى، ثم وزر للمستعلى باللّه أحمد سنة ٤٨٨، ثم للآمر بأحكام اللّه سنة ٤٩٦. وقد استبد بهؤلاء الخلفاء جميعا إلى أن تمكن منه الآمر ودبر مقتله، فقتل سنة ٥١٥. النجوم الزاهرة (٥: ٢٢٢). (٢) هو الآمر بأحكام اللّه منصور بن المستعلى باللّه أحمد بن المستنصر باللّه. ولد في سنة ٤٩٠ واستخلف وله خمس سنين، وقيل سنة ٥٢٤. انظر النجوم الزاهرة (٥: ١٧) والخطط المقريزية عند ذكر «الجامع الأقمر». (٣) معجم الأدباء (٧: ٥٤).

стр. 3

والتنجيم، فأعجب به، ووصفه بحضرة الأفضل وأثنى عليه، وكان كاتب الأفضل ينفس عليه ذلك، ويخشى بأس تاج المعالي، وحدث أن تتابعت من تاج المعالي السقطات فأدى ذلك إلى أن يقبض عليه الأفضل ويعتقله، فيجد كاتب الأفضل الفرصة سانحة للقضاء على أبي الصلت، فيختلق له ما يدفع الأفضل إلى أن يلقى به في سجن المعونة (١) بمصر، مدة ثلاث سنين وشهر (٢)، بعد الذي دبج فيه من المدائح والشعر (٣). ويروى ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء. أن دخول أبي الصلت إلى مصر كان في حدود سنة ٥١٠ هـ، وأنه حبس في الإسكندرية في خلافة الآمر بأحكام الله ووزارة الأفضل (٤). فإن صحت هذه الرواية كانت سنداً في أن أبا الصلت ورد مرة أخرى بعد وفاة ولي نعمته أبي الطاهر يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس (٥) المتوفى سنة ٥٠٩، وهي سنة خروجه من مصر. _________ (١) ذكر المقريزي هذا السجن عند ذكر الدار المأمونية المنسوبة إلى المأمون البطائحي. قال: «وكان بجوار الدار المأمونية حبس المعونة». ثم قال: «ولم يزل هذا الموضع سجنا مدة الدولة الفاطمية، ومدة دولة بنى أيوب، إلى أن عمره الملك منصور قلاوون قيسارية أسكن فيها العنبرانيين في سنة ٦٨٠». وقال: «وكان حبس المعونة هذا يحبس فيه أرباب الجرائم … وأما الأمراء والأعيان فيسجنون بخزانة البنود». والدار المأمونية هي المعروفة بالمدرسة السيوفية. (٢) وقد روى المقرى في نفح الطيب (١: ٥٣٠ ليدن) رواية عجيبة: أن عمر أبى الصلت ٦٠ سنة، منها ٢٠ في أشبيلية، و ٢٠ في أفريقية عند ملوكها الصنهاجيين، و ٢٠ في مصر محبوسا في خزانة الكتب. (٣) انظر بعضها عند ابن أبي أصيبعة (٢: ٥٣، ٥٦). (٤) ذكر ابن أبي أصيبعة سبب حبسه في الإسكندرية: أن الأفضل طلب إليه أن يعمل الحيلة في رفع مركب غارق في البحر، فاجتهد أبو الصلت، ولكنه حينما قارب النجاح خانه جده، فهبط المركب إلى قعر البحر، بعد ما كبد الدولة خسائر فادحة، فحبسه الأفضل لذلك. (٥) ملك أبو الطاهر يحيى بن تميم، المغرب سنة ٥٠١ واستقر في ملكه إلى أن توفى سنة ٥٠٩. انظر تاريخ طرابلس الغرب لابن غلبون (ص ٣٩ - ٤٠).

стр. 4

ضاق أبو الصلت ذرعاً بمصر، وما لقى فيها من الخيبة والعنت. قال القفطي (١): «ودخل مصر في أيام أفضلها فلم ينل منه إفضالاً، وقصده للنيل فلم يجد لديه نوالاً». فحينئذ شد رحاله إلى المغرب في سنة ٥٠٦، واستعاد صلته بحضرة أبي الطاهر يحيى بن تميم بن باديس، الذي وضع له هذه «الرسالة المصرية». يصف له فيها ما عاينه في مصر وما عاناه، وتناول في هذه الرسالة القيمة: ١ - الوصف البلداني للديار المصرية ونيلها. ٢ - ثم أخذ في تصوير جمال ربوعها ومغانيها تارة بالشعر وأخرى بالنثر. ٣ - وعقب على ذلك بالكلام في سكانها وأجناسهم ومذاهبهم وأخلاقهم وعقائدهم، منذ عهد الفراعنة إلى ظهور الإسلام. ٤ - وتحدث بعد ذلك فيما تحتويه من الآثار العجيبة، كالهرمين والبرابي. ٥ - وذكر عواصم مصر في القديم والحديث. ٦ - وقدامى العلماء من اليونان والروم، مستطرداً بذلك إلى ندرة من لقيه بمصر من المشتغلين بالعلم والحكمة والطب. ٧ - وعجب من جهل من لقي بها من الأطباء، ونوه بفضل بعض الأطباء البارعين. ٨ - وتحدث في ولوع المصريين بأحكام النجوم وكثرة استعمالهم لها، وأورد في ذلك نوادر وطرائف. ٩ - ثم عرج على ذكر من لقيه بها من الأدباء والظرفاء. فهذه الرسالة تضرب بأسباب إلى علوم وفنون شتى، وتعدّ اليوم كما عدت _________ (١) انظر أخبار العلماء للقفطى (ص ٥٧) طبع السعادة.

стр. 5

بالأمس، وثيقة يرجع إليها البلداني، والمؤرخ، وباحث الآثار، والاجتماعي، والحكيم، والطبيب، والمنجم، والأديب. هذه الرسالة الصغيرة الحجم العظيمة القدر كانت متعارفة متداولة بين كبار العلماء والمؤرخين، ثم أضحت نادرة مجهولة، إلى أن تمكن المغفور له العلامة أحمد تيمور باشا - طيب الله ثراه - من اقتنائها في مكتبته الخاصة، وهي برقم ٦٠١ أدب. وعلى هذه النسخة الوحيدة في العالم - كما يتضح من مراجعة فهارس بروكلمان (١) - أعتمد في نشر هذه الرسالة الفريدة، التي أورد طرفاً منها ياقوت في «إرشاد الأريب»، والعماد في «الخريدة»، والقفطي في «إخبار العلماء»، وابن أبي أصيبعة في «عيون الأنباء»، والأسعد بن مماتي في «قوانين الدولة»، والمقرى في «نفح الطيب»، والمقريزي في «الخطط»، والأدفوى في «الطالع السعيد»، والسّيوطى في «حسن المحاضرة»، كما سيتضح لك عند تحقيق نصوصها. ولأبي الصلت غير الرسالة المصرية «كتاب الحديقة» على أسلوب «يتيمة الدهر» للثعالبي، وقد نقل منه العماد في «الخريدة». وله أيضاً «الأدوية المفردة» وهو محفوظ في مكتبة بودليان؛ و «رسالة في العمل بالأسطرلاب» في برلين وليدن وبودليان، و «تقويم الذهن» في المنطق، بمكتبة الإسكوريال، و «أوراق من كتاب في الفلك» بالإسكريال، و «كتاب في المعاني المختلفة للفظة نقطة» في مكتبة ليدن، و «قصيدة» بمكتبة برلين. _________ (١) انظر بروكلمان (١: ٤٨٦ - ٤٨٧) وملحقه الأول (ص ٨٨٩). على أنني عثرت فيما بعد على قطعة من الرسالة المصرية في دار الكتب المصرية برقم ٣٥٤ تاريخ، سأنبه على موضع بدئها ونهايتها في الحواشى.

стр. 6

وقد صنف معظم هذه الكتب وهو في اعتقال الأفضل بمصر، كما نص ابن خلكان. انتهت أيام أبي الصلت في المهدية، وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقيل سنة ٥٢٠ وقيل سنة ٥٢٨ (١). وإليك الرسالة: _________ (١) انظر ترجمته عند ياقوت (٧: ٥٢) وابن خلكان (١: ٨٠) والقفطي (٥٧) والمقرى (١: ٥٢٠) وابن أبي أصيبعة (٢: ٥٢).

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت رحمه الله تعالى: كنت إبان عصر الشباب مونق، وغصن الصّبا مورق. إذ لمتي مسودة … ولماء وجهي رونق (١) ممن سامحه الدهر بغفلة من غفلاته، وتجافى له عن غفوة من غفواته، فعاش آمن السرب، سائغ الشرب، لا يتفرغ من أدب يرود رياضه، ويرد حياضه، إلا إلى طرب يعمر ميدانه؟؟؟، ويسحب ذيوله وأردانه. ثم تلون فقلب لي ظهر مجنه، وسقاني دردى دنه، فتدارك ما أغفله، واسترد ما بذله، واضطررت إلى مفارقة الوطن، والخروج عن العطن، فتماسكت إشفاقاً من مفارقة أول أرض مس جلدي ترابها، وشدت على التمائم بها (٢). وجاءت أمور لا تطاق كبار، فلما لم يمكن القرار، ولم يبق إلا الفرار، قلت: ليس لي إلا أن أرمي بنفسي كل مرمى، وأطرحها كل مطرح. لأبلغ عذرا أو أنالَ رغيبة … ومبلغ نفس عذرها مثل منجح (٣) وسكت إلى البيت المشهور:

стр. 8

تلقى بكل بلاد إن حللت بها … أهلاً بأهل وأوطاناً بأوطان (١) وإن كان يقول العامة: ليس بين بلد وبلد نسب، فخير البلاد ما حملك - فجعلت أستقري البلاد لأتيمم أوفقها للمقام، وأعونها على مقارعة الأيام، فكانت مصر مما وقع عليه إختياري، وصدقت حسن ظني قبل اختباري، وسرت قاصداً إليها أعتسف المجاهل والتنائف، وأخوض المهالك والمتالف، فطوراً أمتطي كل حالكة الإهاب (٢)، مسودة الجلباب، ثابتة كصبغة الشباب، قد فسح ميدانها، ووضع براحة الريح عنانها، فجرت جري الطرف الجموح، وفاتت مدى الطرف الطموح؛ وطوراً كل نقب الأياطل، كالهياطل (٣)، سبط المشافر جعد الأشعار، أحتذى العقيق، أو الصنو الشقيق، إن علاقات ظليم خاضب، وإن هوى قلت شهاب ثاقب، يصل الذميل بالوخاد (٤)، وبلتهم التهائم والنجاد. فكم جزع واد جزعته، وجلباب ليل أدرعته، وكم بر خرقت مخارمه وفجاجه، وبحر شققت غواربه وأمواجه، وليس لي غير مصر مقصد، ولا وراءها مذهب، ولا دونها للغنى متطلب. وكم في الأرض من بلد ولكن … عليك لشقوتي وقع اختياري فلما تغمّرت ركابي من النيل، واستذرت بظل المقطم، ألقيت عصا التسيار، واستقرت بي النوى، وخفت ظهورهن من الرحال، وأرحتهن من الحل والترحال، وقلت: ضالتي المنشودة، وبغيتي المقصودة، هاهنا ألبث وأقيم،

стр. 9

فلا أبرح ولا أريم، «بلذة طيبة ورب غفور». وحيث التفت فروضه وغدير، وخورنق وسدير، وظل ظليل، ونسيم عليل. وكم تمنيت أن ألقى بها أحداً … يسلى من الهم أو يعدى على النوب (١) فما وجدت سوى قوم إذا صدقوا … كانت مواعيدهم كالآل في الكذب (٢) وكان لي سبب قد كنت أحسبني … أحظى به فإذا دائي من السبب فما مقلم أظفاري سوى قلمي … ولا كتائب أعدائي سوى كتبي (٣) ولم تطل مدة اللبث حتى تبينت بما شاهدته أنى فيها مبخوس البضاعة، موكوس الصناعة، مخصوص بالإهانة والإضاعة؛ وأن عيشها الرغد، مقصور على الوغد، وعقابها المر، موقوف على الحر، فلو تقدمت فعلمت ذلك لخف عنها مركبي (٤) وصرفت إلى سواها وجه مطلبي، ولكان لي في الأرض مرمى شاسع، ومنتاب واسع، بل تثبطت، حتى تورطت، حتى عوملت بما يعامل به ذوو الجرائر والذنوب، وجرعت من المذلة بأوفى ذنوب. هذا مع ما حبرته من المدح التي اشتهرت شهرة الصباح، وهبت هبوب الرياح، ولهج بها الحادي والملاح (٥). فسار بها من لا يسير مشمراً … وغنى بها من لا يغني مغرداً إلا أن الله جلت آلاؤه، وقدست أسماؤه، تدارك برحمته فأزال تلك المحنة بالمنحة، ونسخ تلك النقمة بالنعمة، وختم بالوصول إلى حضرة الملك الأجل أبي الطاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، الذي لم تزل حضرته مصاد

стр. 10

العناة (١)، ومراد العفاة، ومجتمع الفضائل، ومنتجع الأفاضل، ومشرع الجود، ومشعر الوفود. فلما استترت بجناحه، واستظهرت باستماحه، أعذب لي بسماحة الدهر جناه، واعتذر لي مما جناه، فكف دوني كفه، وصرف عني صرفه. كريم رفضت الناس لما بلغته … كأنهم ما خف من زاد قادم فكنت فيما مضيت عليه، وآلت حالي إليه، من إشراقها بعد الأفول، وإيراقها بعد الذبول، كنصل أهمل أمره، من جهل قدره، ولما وقع إلى الخبير به صان صفحته وحده، وحلى حمائله وغمده، ثم ادخره فيما يدخر وأعده، فإن انتضاه، يوماً ارتضاه، وإن جرده، أحمده، وإن هزه، سره في الضريبة حزه. ولكن أبى الله أن يكون الفضل إلا لمن نشأ في مغارسه، ونجم في منابته، وربى في جحره، وغذى بدره. فلم أستسغ إلا نداه فلم يكن … ليعدل عندي ذا الجناب جناب فما كل إنعام يخف احتماله … وإن هطلت منه علىّ رباب (٢) ولكن أجلّ الصنع ما جىّ ربه … ولم يأت باب دونه وحجاب وما شئت إلا أن أدل عواذلي … على أن رأيي في هواك صواب (٣) وأعلم قوماً خالفوني فشرقوا … وغربت أني قد ظفرت وخابوا والأولى أن أضرب عما سلف، وأترك ما فرط، وآخذ فيما أجريت إليه وقصدته، ونحوته واعتمدته، مما آثرت به الحضرة السامية (٤) - أدام الله

стр. 11

سموها - من وصف ما عانيته من أرض مصر وعاينته، والاقتصار على الذي رأيته دون ما رويته، فليس من يقول: علمت هذا من طريق العلم والسماع، كمن يقول: تحققته بالمشاهدة والاطلاع، فإن ذا اللب الأمين لا ينخدع بمحال، ولا يرضى بانتحال. وأنا أبتدئ بذكر هذه البلاد وموقعها في المعمورة ومجرى النيل منها، وغنائه فيها، وأشفع ذلك بنبذ من ذكر أحوال أهلها في أخلاقهم، وسيرهم وعاداتهم، وما يتصل بذلك وينجرّ معه، ويجيء بسببه، ويدخل في تضاعيفه. وها أنا ذا آخذ في ذلك، وبالله أستعين، وعليه التوكل. (١) أرض مصر بأسرها واقعة من المعمورة في قسمي الإقليم الثاني والإقليم الثالث، ومعظمها في الثالث. وحكى المعتنون بأخبارها وتواريخها أن حدها في الطول (٢) من مدينة برقة التي في جنوب البحر الرومي، إلى أيلة من ساحل الخليج الخارج من بحر الحبشة والزنج والهند والصين. ومسافة ذلك قريب من أربعين يوما. قالوا: وحدها في العرض من مدينة أسوان وما سامتها من الصعيد الأعلى المتاخم لأرض النوبة، إلى رشيد (٣) وما حاذاها من مساقط النيل في البحر الرومي، ومسافة ذلك قريب من ثلاثين يوماً. ويكتنفها من مبدئها في العرض إلى منتهاها جبلان [أحدهما في الضفة الشرقية من النيل، وهو المقطم، والآخر في الضفة الغربية منه. والنيل منسرب فيما بينهما. وهما (٤)] أجردان غير شامخين، يتقاربان

стр. 12

جداَ في وضعيهما، من لدن مدينة أسوان إلى أن ينتهي إلى الفسطاط، فثم تتسع مسافة ما بينهما وتنفرج قليلاً، ويأخذ المقطم منهما مشرقاً والآخر مغرباً على وراب في أخذيهما (١) وتفريج (٢) في مسلكيهما، فتتسع أرض مصر من الفسطاط إلى ساحل البحر الرومي الذي عليه الفرماء (٣) وتنيس ودمياط ورشيد والاسكندرية، وهناك تنقطع في عرضها الذي هو مسافة [ما بين] أوغلها في الجنوب و [أوغلها] في الغرب والشمال. وإذا ما مسحت بالطريق البرهانية في طريق هذه المسافة [من الأميال (٤)] لم تبلغ ثلاثين ميلاً (٥)، بل تنقص عنها نقصاً ما له قدر، وذلك لأن فضل ما بين عرض أسوان التي هي أوغلها في الجنوب وعرض مدينة تنيس التي هي أوغلها في الشمال، تسعة أجزاء ونحو سدس جزء من الأجزاء التي بها تحيط الدائرة العظمى، [وهي (٦)] ثلاثمائة وستون جزءاً. وليس بين طوليهما فضل يقع بسببه في هذا الحساب ماله قدر يعتد به. فإذا ضاعفنا هذا العدد بما يخص الدرجة الواحدة من محاذاة ذلك من الأميال، وذلك ستة وخمسون ميلاً وثلثا ميل على ما دل علية البرهان، كان ذلك (٧) نحو خمسمائة وعشرين ميلاً بالتقريب، وذلك مسافة سير عشرين يوماً أو قريب من ذلك (٨). وفي هذه المدة من الزمان يقطع السفار أبدا ما بين هذين البلدين بالسير المعتدل في أكثر من ذلك قليلاً، لما في الطريق من التعريج وعدم الاستقامة (٩).

стр. 13

وليس تشتمل أرض مصر بعد الفسطاط الذي هو مقر الملك وكرسي الدولة، على مدائن لها قدر في كثرتها ولا فخامتها، لكن أجل مدائنها وأفخرها أما في الجهة الشمالية من الفسطاط فالاسكندرية وتنيس ودمياط، وأما في الجهة الجنوبية إلى أقصى الصعيد فقوص وقفط. فهذه صفة أرض مصر على الجملة. (١) وأما النيل فينبوعه من وراء خط الاستواء، من جبل هناك يعرف بجبل القمر، فإنه يبتدئ بالتزيد في شهر أبيب (٢)، الذي هو بالرومية يولية (٣). والمصريون يقولون: «إذا دخل أبيب، كان للماء دبيب». وعند ابتدائه في التزيد (٤) تتغير جميع كيفياته وتفسد، والسبب الموجب لذلك مروره بنقائع مياه آجنة (٥) يخالطها فيجتلبها، ويستخرجها معه ويستصحبها، إلى غير ذلك مما يحتمل (٦). فتصير مثل الحال التي وصفه بها الأمير تميم بن المعز لدين الله: أما ترى الرعد بكى فاشتكى … والبرق قد أومض فاستضحكا (٧) فاشرب على غيم كصبغ الدجى … أضحك وجه الأرض لما بكى (٨) [وقد حكى العود أنين الهوى … لكنّه جوّد فيما حكى] (٩)

стр. 14

وانظر لماء النيل في مده … كأنما صندل أو مسكا أو كما قال غيره من أهل العصر، من قصيدة يصف فيها أرض مصر: ولله مجرى النيل منها إذا الصّبا … أرتنا به في مرها عسكراً مجرا (١) فشط يهز السمهرية ذبلا … وموج يهز البيض هندية تبرا إذا مدّ حاكى الورد غضا وإن صفا … حكى ماءه لونا ولم يعده نشرا (٢) وهذا نظير ما أنشدنيه عبد الله بن سرية لنفسه: راقني النهر صفاء … بعد شوقي لصفائه كان مثل الورد غضا … ثم قد صار كمائه ولأبي بكر الصنوبري (٣) في مثل هذا المعنى: ولقد طربت إلى الفرا … ت بكل ذي كرم ومجد والشمس عند غروبها … صفراء مذهبة الفرند والماء حاشيتاه … خضراوان من آس ورند (٤) تحبوه أيدي الريح إن … هبت على قرب وبعد بطرائف من فضة … وطرائف من لازورد والسفن كالطير انبرت … في الجو من مثنى وفرد حتى إذا جزر الفرا … ت مضى وأعقبه بمدّ (٥)

стр. 15

أبصرته وكأنه … ملقى عليه رداء ورد متململاً كالصب أو … ذن من أحبته بصد وكأنما بحشاه ما … بحشاي من قلق ووجد وقال تميم المعز، وأحسن التشبيه (١): يوم لنا بالنيل مختصر … وبكل يوم مسرة قصر والسفن تصعد كالخيول بنا … فيه وجيش الماء ينحدر فكأنما أمواجه غرف … وكأنما داراته سرر وقال محمد بن الحسن: النهر مكسو من الأزهار … برداً أنيقاً مثل ثوب … يجري بمسك أو بذوب نضار (٢) وإذا استقام رأيت صفحة منصل … وإذا استدار رأيت عطف سوار وقال أبو الحسن محمد بن الوزير، في تدرج زيادة الماء إصبعاً إصبعاً، ومنفعة ذلك التدرج: أرى أبداً كثيراً من قليل … وبدراً في الحقيقة من هلال فلا تعجب فكل قليل ماء … بمصر مسبب لخليج مال زيادة إصبع في كل يوم … زيادة أذرع في حسن حال فإذا كان في الخامس عشر ذراعاً وزاد من السادس عشر إصبعاً واحدة كسر الخليج (٣). ولكسره يوم معدود، ومقام مشهود، ومجتمع غاص، يحضره العام والخاص. وإذا كسر فتحت التّرع - وهي فوّهات الخلجان - ففاض الماء

стр. 16

وساح، وعم الغيطان والبطاح (١)، وانضم الناس إلى أعلى مساكنهم من الضياع والمنازل، وهي على آكام وربى لا ينتهي إليها الماء، ولا يتسلط السيل عليها، فتعود عند ذلك أرض مصر بأسرها بحراً غامراً لما بين جبليها المكتنفين لها. وتثبت على هذه الحال ريثما يبلغ الحد المحدود، في مشيئة الرب المعبود. وأكثر ذلك يحوم حول ثمانية عشر ذراعاً، ثم يأخذ عائداً في منصبه، إلى مجرى النيل [ومسربه، فينضب أولاً عما كان (٢)] من الأرض مشرفا عاليا، وبصير فيما كان منها متطامناً (٣)، فيترك كل قرارة كالدرهم، ويغادر كل تلعة كالبرد المسهم. وفي هذا الوقت من السنة تكون أرض مصر أحسن شيء منظراً، ولا سيما متنزهاتها المشهورة، ودياراتها المطروقة، كالجزيرة، وبركة الحبش (٤) وما جرى مجراها من المواضع التي يطرقها أهل الخلاعة، وينتابها ذو والأدب والطرب. واتفق أن خرجنا في مثل هذا الزمان إلى بركة الحبش، فافترشنا من زهرها أحسن بساط، واستظللنا من دوحها بأوفى رواق، وطلعت علينا من زجاجات الأقداح شموس في خلع البدور، ونجوم (٥) بالصفاء تنور، إلى أن جرى ذهب الأصيل على لجين الماء، ونشبت نار الشفق بفحمة الظلماء، فقال في ذلك بعضنا (٦)

стр. 17

لله يومي ببركة الحبش … والأفق بين الضياء والغبش والنيل تحت الرياح مضطرب … كصارم في يمين مرتعش قد نسجتها يد الغمام لنا … فنحن من نسجها على فرش ونحن في روضة مفوفة … دبج بالنور عطفها ووشى (١) فعاطني الراح، إن تاركها … من سورة الهم غير منتعش وسقني بالكبار مترعة … فهن أروى لشدة العطش (٢) فأثقل الناس كلهم رجل … دعاه داعي الصبا فلم يطش (٣) وقال أيضاً: علل فؤادك باللذات والطّرب … وباكر الرّاح بالغايات والنخب أما ترى البركة الغناء لابسة … وشياً من النّور حاكته يد السّحب وأصبحت من جديد النبت في حلل … قد أبرز القطر منها كل محتجب من سوسن شرق بالطل محجره … وأقحوان شهى الظلم والشنب وانظر إلى الورد يحكى خد محتشم … من نرجس ظل يبدي لحظ مرتقب والياسمين وقد أربى على درر … والراح من درر تطفو على ذهب كم مرة قد شفينا فيه غلتنا … بجاحم من فم الإبريق ملتهب (٤) شمس من الراح حيانا بها قمر … موف على غصن يهتز في كثب أرخى ذوائبه، وانهز منعطفاً … كصعدة الرمح، في مسودة العذب فاطرب ودونكها فاشرب فقد نغبت … على التصابي دواعي اللهو والطرب ومما يتعلق بوصف النيل من أبيات له كتبها إلى الأفضل ليلة المهرجان:

стр. 18

أبدعت للناس منظرا عجبا … لا زلت تحيى السرور والطربا ألّفت بين الضّدّين مقتدرا … فمن رأى الماء خالط اللهبا كأنّما النيل والشموع به … أفق سماء تألّقت شهبا قد كان من فضّة فصار سما … وتحسب النار فوقه ذهبا وقد تعاور الشعراء ..... شعاع على صبح [¬*]. ومن مليح ما قيل فى ذلك قول بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن على بن أبى البشر الكاتب: شربنا مع غروب الشمس شمسا … مشعشعة إلى وقت الطلوع وضوء الشمع فوق النيل باد … كأطراف الأسنة فى الدّروع وأنشد أبو منصور الثعالبى (فى يتيمة الدهر) لمنصور بن كيغلغ (١): قام الغلام يديرها فى كفه … فحسبت بدر التّمّ يحمل كوكبا والبدر يجنح للأفول كأنه … قد سلّ فوق الشطّ سيفا مذهبا (٢) وأنشد فيه (٣) للقاضى أبى القاسم على بن إبراهيم بن أبى الفهم التنوخى: أحسن بدجلة والدّجى متصوّب … والبدر فى أفق السماء مغرّب فكأنها فيه بساط أزرق … وكأنه فيها طراز مذهب (٤) وقال ابن وكيع التّنّيسى: غدير يدرّج أمواجه … هبوب الشمال ومرّ الصّبا إذا الشمس من فوقه أشرقت … توهّمته جوشنا مذهبا

стр. 19

وقال بعض أهل العصر من قصيدة: باطى نهر كان الر … وهو اللجين به ذوبا (١) إذا حمشته الصبا رأيته … كأنه زردا مذهبا [¬*] وقال أبو عبادة البحترىّ يصف بركة: إذا علتها الصبا أبدت بها حبكا … مثل الجواشن مصقولا حواشيها (٢) إذا النّجوم تراءت فى جوانبها … ليلا حسبت سماء ركّبت فيها وقد أحسن عبد الله بن المعتز فى قوله: وتبدّى لهن بالنّجف المق … فر ماء صافى الجمام غرىّ (٣) فإذا قابلته درّة شمس … خلته كسّرت عليه الحلىّ (٤) وقال ابن التّمّار الواسطى يصف ضوء القمر على دجلة: قف فانتصف من صروف الدهر والنّوب … واجمع بكأسك شمل اللهو والطّرب أما ترى الليل قد ولّت عسا كره … مهزومة وجيوش اللهو فى الطلب والبدر فى الأفق الغربىّ تحسبه … قد مدّ جسرا على الشّطّين من ذهب وقال محمد بن عبد الله السّلامى: ونهر تمرح الأمواج فيه … مراح الخيل فى رهج الغبار إذا اصفرّت عليه الشمس خلنا … نمير الماء يمزج بالعقار *** وأمّا سكّان أرض مصر فأخلاط من الناس مختلفة الأصناف (٥): من قبط وروم وعرب وبربر وأكراد وديلم وحبشان وأرمن (٦)، وغير ذلك من

стр. 20

الأصناف والأجناس على حسب اختلافاتهم، وقالوا: إن السبب فى اختلافهم، والموجب لاختلاطهم، اختلاط المالكين لها، والمتغلّبين عليها، من العمالقة واليونانيين والروم والعرب وغيرهم، فلهذا اختلطت أنسابهم فاقتصروا من التعريف بأنفسهم على الانتساب إلى مواضعهم (١)، والانتماء إلى مساقطهم ومواقعهم. وحكى جماعة من المؤرّخين أنهم كانوا فى الزمن السالف عبّاد أصنام، ومدبرى هياكل، إلى أن ظهر دين النّصرانية وغلب على أرض مصر فتنصّروا، وبقوا على ذلك إلى أن فتحها المسلمون فى أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فأسلم بعضهم وبقى بعض على دين النصرانية، ومذهبهم مذهب اليعاقبة. وأما أخلاقهم فالغالب عليهم اتّباع الشهوات، والانهماك فى اللذات، والاشتغال بالتّرّهات، والتصديق بالمحالات، وضعف المرائر والعزمات، إلى غير ذلك مما حكاه أبو الحسين على بن رضوان فى ذلك واقتصّه، وأورده من الأمور الطبيعية وموجبه (٢)، وكفى به حكما منصفا، وشاهدا عدلا. وحكى الوصيفىّ فى كتابه الذى ألّفه فى أخبار مصر أنّ أهلها فى الزمن السابق كانوا يعتقدون أنّ هذا العالم، الذى هو عالم الكون والفساد أقام برهة من الدهر خاليا من نوع الإنسان، عامرا بأنواع أخر غير الإنسان، وأن تلك الأنواع مختلفة على خلق فاذّة (٣)، وهيئات شاذّة، ثم حدث نوع الإنسان فنازع تلك الأنواع فغلبها واستولى عليها، وأفنى أكثرها قتلا، وشرّد ما بقى منها إلى القفار، وأن تلك المشرّدة هى الغيلان والسّعالى وغير ذلك، مما حكاه من اعتقاداتهم المستحيلة، وتصوّراتهم الفاسدة، وتوهّماتهم النافرة. إلا أنّه يظهر من

стр. 21

أمرهم أنه كان فيهم طائفة من ذوي المعارف والعلوم، خصوصاً بعلم الهندسة والنجوم (١). ويدل على ذلك ما خلفوه من الأشغال (٢) البديعة المعجزة، كالأهرام والبرابي، فإنها من الآثار التي حيرت الأذهان (٣) [الثاقبة، واستعجزت الأفكار الراجحة]، وتركت لها شغلاً بالتعجب منها، والتفكر فيها. وفي مثلها يقول أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري في قصيدته التي يرثي بها أباه (٤): تضلّ العقول الهبر زيّات رشدها … ولا يسلم الرأي القويم من الأفن وقد كان أرباب الفصاحة كلما … رأوا حسناً عدّوه من صنعة الجن وأي شيء أعجب وأغرب بعد مقدورات الله ومصنوعاته، من القدرة على بناء جسم [جسيم (٥)] من أعظم الحجارة، مربع القاعدة مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع ونحو سبعة عشر ذراعاً (٦) يحيط به أربعة سطوح مثلثات متساويات الأضلاع، طول كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعاً (٧) وهو مع هذا العظم (٨)، من إحكام الصنعة وإتقانها (٩)، في غاية من حسن التقدير بحيث لم يتأثر (١٠) إلى هلم جرا (١١) بعصف الرياح وهطل السحاب،

стр. 22

وزعزعة الزلازل. وهذه صفة كل واحد من الهرمين المحاذيين للفسطاط من الجانب الغربي، على ما شاهدناه منهما (١). وقال بعضهم وقد ذكر عجائب مصر: «وما على وجه الأرض بنية إلا وأنا أرثي لها من الليل والنهار، إلا الهرمين فإني أرثى لليل والنهار منهما». وهذان الهرمان (٢) لهما إشراف على أرض مصر وإطلال [على] بطائحها، وإصعاد على ذراها. وهما اللذان أراد أبو الطيب المتنبي بقوله: أين الذي الهرمان من بنيانه … ما قومه، ما يومه، ما المصرع (٣) كنا نظن دياره مملوءة … ذهباً فمات وكل دار بلقع (٤) تتخلف الآثار عن أربابها … حيناً ويدركها الخراب فتتبع (٥) واتفق أن خرجنا يوماً إليهما، فلما أطفنا بهما واستدرنا حولهما كثر تعجبنا منهما، فتعاطينا القول فيهما، فقال بعضنا (٦): بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً … على طول ما أبصرت من هرمي مصر (٧) [أنافا عناناً للسماء وأشرفا … على الجوّ إشراف السّماك أو النّسر (٨)

стр. 23

وقد وافياً نشزاً من الأرض عالياً … كأنهما نهدان قاما على صدر (١) وزعم قوم أن الأهرام قبور ملوك عظام، آثروا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميزوا عنهم في حياتهم، وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور، وتراخي العصور. ولما وصل الخليفة المأمون إلى مصر (٢) أمر بنقبها، فنقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد، وعناء طويل، فوجدوا داخله مهاوي ومراقي يهول أمرها، ويعسر السلوك فيها، ووجدوا في أعلاها بيتاً مكعباً، طول كل من أضلاعه نحو من ثمانية أذرع، وفي وسطه حوض رخام مطبق، فلما كشف غطاؤه لم يجدوا فيه غير رمة بالية، قد أتت عليها العصور الخالية، فعند ذلك أمر المأمون بالكف عن نقب ما سواه. ويقال: إن النفقة على نقبه كانت عظيمة، والمئونة شديدة. ومن الناس من زعم أن هرمس الأول، المدعو بالمثلث بالنبوة والملك والحكمة، وهو الذي يسميه العبرانيون خنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇ وهو إدريس ﵇ استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان يعم الأرض، فأكثر من بنيان الأهرام، وإيداعها الأموال وصحائف العلوم، وما يشفق عليه من الذهاب والدروس، حفظاً لها، واحتياطاً عليها. ويقال: إن الذي بناها ملك اسمه سوريد بن سهلوق بن سرياق. وقال آخرون: إن الذي بنى الهرمين المحاذيين للفسطاط شداد بن عاد، لرؤيا رآها. والقبط تنكر دخول العمالقة بلد مصر،

стр. 24

وتحقق أن بانيهما سوريد (١)، لرؤيا رآها، وهي أن آفة تنزل من السماء، وهي الطوفان. وقالوا إنه بناهما في مدة ستة أشهر، وغشاهما بالديباج الملون، وكتب عليهما: «قد بنيناهما في ستة أشهر، قل لمن يأتي من بعدنا يهدمهما في ستمائة سنة، فالهدم أيسر من البنيان، وكسوناهما الديباج الملون فليكسهما حصراً، فالحصر أهون من الديباج». ورأينا سطوح كل واحد من هذين الهرمين مخطوطة من أعلاها إلى أسفلها بسطور متضايقة متوازية، من كتابة بانيها، لا تعرف اليوم أحرفها، ولا تفهم معانيها. وبالجملة الأمر فيها عجيب، حتى إن غاية الوصف لها والإغراق في العبارة عن حقيقة الموصوف منها، بخلاف ما قاله على (٢)] بن العباس الرومي، وإن تباعد الموصوفان، وتباين المقصودان، إذ يقول: إذا ما وصفت امرأ لا مرئ … فلا تغل في وصفه واقصد فإنّك إن تغل تغل الظنو … ن فيه إلى الغرض الأبعد فيصغر من حيث عظمته … لفضل المغيب على المشهد وكذلك أمر البرابى، كبربا إخميم، وبربا سمنود (٣)، وبربا دندرا (٤)، فإن فيها من الإحكام وجودة الشكل وحسن التصوير، ما يدل على أن عمّارها

стр. 25

ذوو عقول راجحة، وأنه قد كانت لهم بالحكمة عناية بالغة، لا سيما بصناعتى الهندسة والنجوم. وقال بعض أهل العناية بأخبار الأمم وتواريخهم: كان بمصر بعد الطوفان علماء بضروب الحكمة، من العلوم الرياضيّة والطبيعية ولإلهيّة، ومتحقّقون بعلم المرايا المحرقة، وبالطّلّسمات والنّير نجيات وغير ذلك. والملك بمصر من قديم الزمان بمدينة منف، وهي في غربي النيل، على مسافة اثني عشر ميلاً من الفسطاط. ولما بنى الإسكندر مدينة (الإسكندرية) منذ نحو ألف سنة وأربعمائة سنة وأربعين سنة، رغب الناس في عمارتها (١)، وكانت دار العلم، ومقر الحكمة، إلى أن تغلّب عليها المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب، رضوان الله عليه، واختط عمرو بن العاص مدينته المعروفة (بالفسطاط) فانسرب أهل مصر وغيرهم من العرب والعجم إلى سكناها، فصارت قاعدة ديار مصر ومركزها إلى وقتنا هذا. فيقال إن من قدماء أهل العلم بها هرمس الثالث (٢)، وكان فيلسوفاً جوالاً في البلاد، طوافاً في المدائن، عالماً بنصبتها (٣)، وطوالعها وطبائع أهلها، وله تصانيف جليلة مفيدة في فنون من الحكمة. ومنهم دبوفنطس (٤) صاحب المقالات الموضوعة في علم العدد وخواصه على طريق الجبر والمقابلة.

стр. 26

ومنهم الإسكندراني (١) صنف كتاب الأفلاك، وكتاب القانون في تقويم الكواكب. ومنهم روسم (٢) صاحب التصانيف في الكيميا. ومنهم أنقلاؤس الإسكندري (٣) وأصحابه، الذين اختصروا كتب جالينوس في صناعة الطب، وألفوها على طريق المسألة والجواب، يدل حسن اختصارهم لها على وفور علمهم، وفضل معرفتهم. ومنهم واليس (٤) صاحب الكتاب المعروف بالبريدج الرومي، المصنف في المواليد وما يتقدمها من المدخل إلى علم أحكام النجوم. ويقال إنه الذي استخرج بطول التحري (٥) ومواصلة العناء، جدود المصريين. فهؤلاء هم المشهورون من أهل الحكمة بمصر في ذلك الزمان. وأما زماننا هذا فقد دثر منها كل علم وامحي رسمه، وجهل اسمه، ولم يبق إلا رعاع وغثاء وجهلة دهماء، وعامة عمياء، وجلهم أهل رعانة (٦) ولهم خبرة بالكيد والمكر،

стр. 27

وفيهم بالفطرة قوة عليه وتلطف فيه وهداية إليه، لما في أخلاقهم من الملق والسياسة (١) التي أربوا فيها على كل من تقدم وتأخر، وخصوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم، حتى صار أمرهم في ذلك مشهوراً، والمثل بهم مضروباً. وفي خبثهم ومكرهم يقول أبو نواس (٢): محضتكم يا أهل مصر نصيحتي … ألا فخذوا من ناصح بنصيب (٣) رما كم أمير المؤمنين بحية … أكول لحيات البلاد شروب [ولا تثبوا وثب السفاة فتركبوا … على حد] حامي الظهر غير ركوب (٤) فإن يك باقي إفك فرعون فيكم … فإن عصا موسى بكف خصيب وأما حال المنتسبين إلى العلم منهم فأنا ذاكر منها ما وقفت عليه، وكشفت بالمحنة عنه. كنت في أول جلوسي بها شديد العناية بكتب جالينوس وبقراط، باحثاً عن مشكلها، فاحصاً عن مستغلقها، فحرصت كل الحرص، وجهدت كل الجهد على أن أجد من أهل هذه الصناعة من أستفيد منه وأستزيد بمذاكرته وأقدح خاطري بمفاوضته، فلم أجد غير قوم طبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم، وطمس أفهامهم، وحال بين الحكمة وبينهم، فكانوا وإياي، كما قال الشاعر: قوم إذا جالستهم … صدئت بقربهم العقول لا يفهموني قولهم … ويدق عنهم ما أقول فهم كثير بي كما … أنّى بجمعهم قليل

стр. 28

وقد تخلقوا بكثرة الخلاف، وقلة الإنصاف، ولزموا البهت والمعاندة، والشغب والمكابرة، وجهلهم بصناعة الكتب وخلوهم من أداتها، وعدمهم لعددها وآلاتها، وإهمالهم لشرائطها، وإغفالهم للوازمها، وقصور أذهانهم عن إدراك دقائقها، وبعد عقولهم عن تصور حقائقها، ولم يعلموا أن الطبيب محتاج إلى أشياء تعينه في صناعته، وتفتح له مغالقها، وتوضح مشكلها، وتشرح مشتبهها، وتبين له مستعجمها، وتذيقه برد اليقين (١)، وتجلو عن عين بصيرته ظلم الشكوك والظنون، وهي العلوم الطبيعية التي تعرفه مبادئها وأوائلها، وتعطيه استقصّاتها وعناصرها (٢)، والقوانين القياسية التي تسدد ذهنه نحو الصواب فيما يلتمس علمه، ويتطلب فهمه، وتعرفه كيف يحيل (٣) مطلوباتها إليه، ويبنى قياساته عليها، وكيف يتطرق من جليها إلى خفيها، ويستدل بظاهرها على غائبها، ويأمن الزلل، ووقوع الخطل والخلل، ويحقّق الأسباب والعلل. ولا بدّ لمن أراد أن يكون طبيباً كاملاً، وحكيماً فاضلاً، من النظر في العلوم الرياضية، ولا سيما النجومية منها والموسيقاوية. وأولى الناس بأن يكون على هذه الصفة أطباء الملك التبعى الألمعى، الذي إنما يستعمل الطبيب والمنجم على جهة الاستظهار، لا على جهة الافتقار والاضطرار. وكيف ونظره الأعلى، وقدحه المعلى، وسهمه الأسد، وباعه الأمد. ومن كان مثله - ولا مثل له في تطبيق المفاصل، وإصابة الشواكل - فخليق به أن يختار، ولا يختار، ويستبد، ولا يستمدّ.

стр. 29

هيهات أن يأتي الزمان بمثله … إن الزمان بمثله لبخيل فلما [لم] يأخذوا نفوسهم بالإتقان لما قد سلف تعديده، بل استطالوه، واستبعدوا الأمد إليه، ورأوا أن غرضهم من صناعة الطب الذي هو عندهم وبحسب رأيهم، التكسب بما يتم لهم بأقرب مما شرطه الأوائل متناولاً، وأسهل مراماً، لم يحفظوا (١) غير أسماء أدوية قليلة العدد يصرفونها في مداواة كل مرض دون إعمال فكرهم في حقيقة نوعه وسببه، ومقتضيه وموجبه. وقد ذم جالينوس من فرق الطب الثلاث الفرقة الجبلية (٢)، لحذقها جميع لوازم الصناعة الطبية، واقتصارها في المداواة على النظر في المرض، هل من جنس الاستفراغ فيقابل بالإمساك، أو من جنس الإمساك فيقابل بالاستفراغ، دون الفحص عن أمر المزاج والسن والسجية، والبلد والعادة والماهية. فما ظنك بجالينوس لو شاهد هؤلاء الذين لا يثبتون على نحلة، ولا ينتسبون إلى فرقة، فإن برئ على أيديهم عليل فبرؤه على جهة الاتفاق، وإن هلك فبالواجب والاستحقاق، وهم كما قال الشاعر في مثلهم: وطبيب مجرب ما له بال … نجح في كل ما يجرب عادة مر يوماً على عليل فقلنا … قر عيناً فقد رزقت الشهادة وكما قال الآخر في بعض حكمائنا المشهورين عند العوام بالحذق والتقدم: قل للوبا أنت وابن زهر … قد جزتما الحد والنهاية ترفقا بالورى قليلاً … في واحد منكما كفاية أو كما قال بعض أهل العصر أيضاً فيهم: وطبيب مشعبذ … يمزج الطب بالرّقى

стр. 30

ما رأيناه قط ط … بّ عليلا فوفّقا بل عدم الصّحّة فى ال … جسم والقلب والبقا ذو صفات تغادر ال … جسم مما به لقى عادما للحراك والح … سّ والخفّة والنقا (١) قد سقاه بها الحما … م ولم يدر ما سقى وقال آخر: ما خطر النبض على باله … يوما ولا يعرف ما الماء (٢) بل ظنّ أن الطبّ درّاعة … ولحية كالقطن بيضاء (٣) [¬*] *** ومن ظريف ما سمعته أنّه كان بمصر منذ عهد قريب رجل ملازم للمارستان يستدعى للمرضى كما تستدعى الأطبّاء، فيدخل على المريض فيحكى له حكايات مضحكة، وخرافات مسلّية، ويخرج له وجوها مضحكة، وكان مع ذلك لطيفا فى إضحاكه وبه خبيرا، وعليه قديرا؛ فإذا انشرح صدر المريض وعادت إليه قوّته تركه وانصرف، فإن احتاج إلى معاودة المريض عاده إلى أن يبرأ، أو يكون منه ما شاء الله. فليت أطبّاء عصرنا هذا بأسرهم قدروا على مثل هذا العلاج الذى لا مضرّة فيه ولا غائلة له، بل أمره على العليل هيّن، ونفعه ظاهر بيّن؛ كيف لا وهو ينشّط النفس ويبسط الحرارة الغريزية، ويقوّى القوى الطبيعية، ويقوّى البدن على دفع الأخلاط الرديّة المؤذية والفضول، مع الاستظهار بحفظ الأصول. وأكثر أطبائها المبرزين (٤) نصارى ويهود، وفى ذلك يقول بعضهم:

стр. 31

أقول المسلمين طراً … تبغون في طبنا (١) اشتهاراً هيهات حاولتم محالا … كونوا إذا هوداً أو نصارى (٢) وأشبه من رأيته منهم وأدخله في عداد الأطباء، رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة بن رحمون، فإنّه لقى أبا الوفاء (٣) المبشر بن فاتك (٤)، فأخذ عنه شيئاً من صناعة المنطق تخصص به وتميز عن أضرابه، وأدرك أبا كثير بن الزفان (٥) تلميذ أبي الحسن علي بن رضوان (٦)، وقرأ عليه بعض كتب جالينوس، ثم نصب نفسه لتدريس جميع كتب المنطق، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه وفسر ولخص، ولم يكن بذاك (٧) في تحصيله وتحقيقه، واستقصائه عن لطيف العلم ودقيقه، بل كان يكثر (٨) كلامه فيضل، ويسرع جوابه فيزل. ولقد سألته في أول لقائي واجتماعي به، عن مسائل استفتحت مباحثته (٩) بها مما يمكن أن يفهمها من لم يمتد بعد في العلم باعه، ولم يكثر تبحره واتساعه، فأجاب عنها بما أبان عن تقصيره ونطق بعجزه، وأعرب عن سوء

стр. 32

تصوره وفهمه. وكان مثله في عظم دعاويه، وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه (١) كقول الشاعر: يشمر للج عن ساقه … ويغمره الموج في الساحل أو كما قال آخر: تمنيتم مائتي فارس … فردكم فارس واحد (٢) وكان (٣) بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى «جرجس»، ويلقب بالفيلسوف، على نحو ما قيل في الغراب: أبو البيضاء، وفي اللديغ: سليم، وقد تفرغ للتولع [بأبي الخير سلامة بن رحمون اليهودي الطبيب المصري (٤)] والإزراء عليه، وكان يزور فصولا طبية وفلسفية يبرزها في معارض ألفاظ القوم، وهي محال لا معنى لها، وفارغة لا فائدة فيها، ثم ينفذها (٥) إلى من يسأله عن معانيها، ويستوضحه أغراضها، فيتكلم عليها ويشرحها بزعمه دون تيقظ (٦) و [لا (٧)] تحفظ، بل باسترسال واستعجال، وقلة اكتراث وسوء اهتبال، فيؤخذ منه (٨) ما يضحك منه ويشرح الصّدر. [وأنشدت (٩)] لجرجس هذا فيه، وهو من أحسن ما سمعته في هجو طبيب مشئوم (١٠)، وأنا متّهم له فيه:

стр. 33

إنّ أبا الخير على جهله … يخفّ فى كفّته الفاضل عليله المسكين من شومه … فى بحر هلك ما له ساحل ثلاثة تدخل فى دفعة … طلعته والنعش والغاسل ولبعضهم: لأبى الخير فى العلا … ج يد ما تقصّر كلّ من يستطبّه … بعد يومين يقبر والذى غاب عنكم … وشهدناه أكثر (١) ومما قيل فيه: جنون أبى الخير الجنون بعينه … وكلّ جنون عنده غاية العقل خذوه فغلّوه وشدّوا وثاقه … فما عاقل من يستهين بمختلّ وقد كان يؤذى الناس بالقول وحده … فقد صار يؤذى الناس بالقول والفعل [¬*] وأما المنجّمون الآن بمصر فهم وأطباؤهم كما قد الشّراك من الجلد، بل كما حذيت النّعل بالنعل، لا يتعلّق أمثلهم من علم النجوم بأكثر من زايجة يرسمها (٢) ومراكز يقوّمها. فأما الإمعان والتبحّر فى معرفة الأسباب والعلل (٣)، والمبادى

стр. 34

الأول، فليس منهم من يرقى إلى هذه الدرجة، ويسمو إلى هذه المرتبة، ولا يحلق في هذا الجوّ، ويستضيء بهذا الضو (١) إلا أبو الحسن علي بن النضر (٢) المعروف بالأديب، ﵁، من أهل صعيد مصر الأعلى، فإنه كان من الأفاضل [الأعيان (٣)]، المعدودين من حسنات هذا الزمان (٤). وسنذكره فيما نستأنفه إن شاء الله تعالى. وأما الطائفة المقلدة التي حظّها من المعارف القشور دون اللبوب (٥)، والظواهر دون البواطن، والأشباح دون الأرواح، فأمثل من بها منهم الآن رجل يعرف برزق الله النحاس (٦)، فإن له في فروع هذه الصناعة بعض دربه وتجربة، وبتجريباتها (٧) بعض خبرة، وهو أكبر المنجمين بها وكبيرهم الذي علمهم، وأميرهم الذي يلوذون به (٨)، فجميعهم إليه منسوب، وفي جريدته مكتوب، وبفضله معترف، ومن بحره (٩) مغترف، وهو شيخ مطبوع يتطايب ويتخالع (١٠). ومن حكاياته الظريفة عن نفسه قال: سألتني امرأة مصرية أن أنظر لها في مسألة جملية تخصها، فأخذت ارتفاع الشمس للوقت، وحققت درجة الطالع والبيوت الإثني عشر ومركز الكواكب، ورسمت ذلك كلّه بين يدىّ

стр. 35

في تخت الحساب (١)، وجعلت أتكلم على بيتٍ بيت منها على العادة، وأنا في خلال ذلك أتحسس أمرها (٢) وهي ساكتة لا تنبس، فوجمت لذلك وأدركتني فترة عظيمة، وألقت إلى درهما (٣). قال: فعاودت الكلام وقلت: أرى عليك قطعاً في بيت مالك (٤) فاحتفظي واحترزي! فقالت: الآن أصبت وصدقت، قد كان والله ما ذكرت. قلت: وهل ضاع لك شيء؟ قالت: نعم، الدرهم الذي ألقيته إليك! وتركتني وانصرفت. والمصريون أكثر الناس استعمالاً لأحكام النجوم وتصديقاً لها وتعويلاً عليها، وشغفاً بها وسكوناً إليها، حتى إنه قد بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلى أن لا يتحرك واحدٌ منهم حركةً من الحركات الجزئية التي لا تُحصر فنونها ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها، ولا تضبط جهاتها، ولا تقيّد غاياتها (٥)، ولا تعد ضروبها إلا في طوالع يختارونها، [ونصب يعتمدونها (٦)]. ولقد شهدت يوماً رجلاً من الوقّادين في أتون الحمام (٧)، يسأل رزق الله المذكور عن ساعة حميدة لقص أظفاره، فتعجبت من سمو همته على خساسة قدره (٨) ووضاعة مهنته. ومن الحكايات العجيبة في فرط استعمالهم لأحكام النجوم وعنايتهم بها،

стр. 36

ما شهدت بالصعيد الأعلى. وذلك أن بعض الولاة حبس رجلاً من [بعض (١)] أهل تلك الناحية كان ينظر في علم النجوم، وشفع (٢) إليه فيه من يكرم عليه، فشفعه فيه، وأمر بإطلاقه وكان من الحبس في عذاب واصب، وجهد ناصب، فلما أتوه وقالوا له: انطلق لشأنك (٣)، أخرج من كمه أصطرلاباً فنظر فيه ثم أخذ طالع الوقت فنظر فيه، فوجده مذموما، فسألهم أن يتركوه مكانه (٤) إلى أن يتفق وقت يصلح للخروج من السجن، فعادوا إلى الوالي فأخبروه يخبره (٥)، فضحك منه وتعجب من جهله، وفساد عقله، وأجابه إلى سؤاله، وتركه على حاله، وأطال مدة اعتقاله. وفيما أوردته من أخبار الأطباء والمنجمين الآن بمصر كفاية وبلاغ، إلى أن أنتصب له انتصاباً ثانياُ، فأقول فيه قولاً شافياً. وأما الآن فإني ذاكر على الشرط من لقيته من أدبائها وظرفائها، وفضلائها في الأدب وعلمائها. وأولاهم بالتقديم، وأحقهم بالحظ الأوفر من التعظيم «القاضي أبو الحسن علي ابن النضر (٦)» المعروف بالأديب، ذو الأدب الجم والعلم الواسع، والفضل البارع. وله في سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى، والرتبة الأولى. وقد كان ورد الفسطاط يلتمس من وزيرها الملقب الأفضل تصرفا وخدمة فخاب فيه أمله،

стр. 37

وضاع رجاؤه، وأخفق سعيه، فقال من قصيدة يعاتب فيها الزمان، ويشكو الخيبة والحرمان: بين التعززِ والتذللِ مسلكٌ … بادى المنار لعين كلَّ موفقِ فاسلكه في كل المواطن واجتنب … كبر الأبيّ وذلةَ المتملقِ ولقد جلبتُ من البضائع خيرها … لأجلَّ مختار وأكرم متقِ (١) ورجوتُ خفض العيش تحت رواقه … لا بد إن نفقت وإن لم تنفق (٢) ظناً شبيهاً باليقين ولم أخلْ … أن الزمان بما سقاني مشرقي ولعائبي بالحرص قول بين … لو كنتَ شمتَ سحابةُ لم تطرق (٣) ما ارتدتً إلا خيرَ مرتادٍ ولم … أصلِ الرجاءَ بحبل غير الأوثق (٤) وإذا أبى الرزقَ القضاءُ على امرئ … لم تغنِ فيه حيلةُ المسترزق ولعمرُ عاديةِ الخطوب وإنْ رمت … شملي بسهم تشتّت وتفرّق (٥) لأقارعنّ الدهرَ دون مروءَتي … وحرمتُ عزَّ النًصرِ إن لم أصدق (٦) وله في سفرته هذه (٧) وقد قوى يأسه من بلوغ أمله ونيل بغيته، وعزم على الصدر (٨) عن الفسطاط إلى مستقره، يحض على الزّهادة، ويحرّض على القناعة

стр. 38

ويذمّ الضّراعة، ويتأسّف على إذالة خدّه، وإراقة ماء وجهه: لهفى لملك قناعةٍ لو أنني … متعت فيه بعزه المتملكِ ولكنزِ يأسٍ كنتُ قد أحرزتُه … لو لم تعثْ فيه الخطوبُ وتفتكِ آليتُ أجعلُ ماء وجهي بعده … كدمٍ يهلُّ به الحجيجُ بمنسك وأخٍ من الصبر الجميل قطعته … في طاعة الأمل الذي لم يدرك يا قاتلَ الله الضرورة حالةً … أيَّ المسالكِ بالفتى لم تسلك (١) كم بات مشكوّ إليه [تحيفت … حلقاته قرعا] براحةِ ممسك (٢) وفمٍ على قدم رمت، ونواظر … كحلت محاجرها بموطئ سنبك (٣) ومسربل بالصبر والتقوى دعت … فأجامها في معرض المتنسك (٤) ظلت تصرفه كتصريف العصا … رأسَ البعير لمبرك عن مبرك وله إلى رئيس كان يكلفه زيارته ويقعد عن ذلك تعاظما وتكبراً: أكبرتَ نفسك أن تسعى مصادفةً … وسمتنيه لقد كلفتني شططا (٥) لا تكذبنَّ فما كنّا لنوجب من … حقٍ وأنت تراه عنك قد سقطا لو بعتك النفس بيعاً كنت تملكها … به لكان عليك العدل مشترطاً (٦) فهل سبيلٌ إلى أن لا تواصلني … ولا تكلف مثلى هذه الخططا (٧) عسى صحيفةُ ما بيني وبينك أن … تطوى وما ضمّنت غير الذي فرطا (٨)

стр. 39

وله (١) في صدر رسالة: أتى كتابك عن سخط فآنسنى … بما تضمن أنس العين بالوسنِ (٢) قرأته فجرت في كلّ جارحة … منّى معانيه جرى الماء في الغصن (٣) فما أقول بعثتَ الروح فيه إلى … قلبي ولكن بعثتَ الروح في بدني وله في شدة أصابته: يا مستجيبَ دعاء المستجير به … ويا مفرج ليلِ الكربة الداجي قد أرتجت دوننا الأبوابُ وامتنعت … وجلَّ بابك عن منعٍ وإرتاج تخافُ عدلك أن يجري القضاءُ به … ونرتجيك فكن للخائف الراجي (٤) ومن شعرائها المشهورين أبو الطاهر بن إسماعيل بن محمد المعروف بابن مكنسة (٥)، وهو شاعر كثير التصرف، قليل التكلف، مفتن في وشي (٦) جد القريض وهزله، وضارب بسهم في رقيقه وجزله. وكان في ريعان شبيبته، وعنفوان حداثته، يعشق غلاماً من أبناء عسكرية المصريين، يدعى عز الدولة فائق، وهو الآن بمصر من رجال دولتها المعدودين وأكابرها المقدمين. ولم يزل مقيما على عشقه له، وغرامه به إلى أن محا محاسنه الشعر، وغير معالمه الدهر. ولم يزل معز الدولة (٧) هذا متعهّدا له محسنا إليه، مشتملا عليه، إلى أن فرق الدهر بينهما. وكان في أيام أمير الجيوش بدر الجمالي منقطعاً إلى عامل من النصارى يعرف بأبى مليح،

стр. 40

وأكثر أشعاره فيه، فلما انتقل الأمر إلى الأفضل تعرّض لامتداحه، فلم يقبله ولم يقبل عليه، وكان سبب حرمانه ما سبق لأبي مليح ومراثيه ميتا، لا سيما قوله: طويت سماء المكرما … تِ وكورت شمسُ المديحِ ما كان بالنكس الدن … ي من الرجال ولا الشحيح كفر النصارى بعد ما … عقدوا به دين المسيح وكفله عز الدولة بن فائق، وقام بحالة إلى أن مات. ولم يقبل الأفضل على أحد من الشعراء كإقباله على رجل من أهل معرة النعمان (١) يدعى أبا الحسن علي بن جعفر بن النون (٢) فإنه أفاض عليه سحائب إحسانه، وأدر له حلوبة إنعامه، ولقبه بأمين [الملك (٣)] وأدناه واستخلصه، ولم يكن شعره هناك (٤) بل كان متكلفاً متعسفاً، ولست أعرف أحداً من أهل تلك البلاد يروي له بيتاً واحداً فما فوقه، لمنافرة الطباع كلامه، ونبو الأسماع عن طريقته. وقد كان أمره الأفضل يوماً أن يصف مجلساً عبّيت فيه فواكه ورياحين، فقال من مزدوجته (٥) يصف الأترج المصبع: كأنما أترجه المصبعُ … أيدي جناة من زنود تقطع فغلط ولم يفطن، وأساء أدبه ولم يشعر؛ لأنه قصد مدح الأترجّ فقذر نفس الملك منه وصرفها عنه، ولو قصد ذمة لما زاد على ما وصف به من الأيدي المقطوعة من زنودها. والبليغ الحاذق من إذا وصف شيئاً أعطاه حقه، ووفاه شرطه، ووصفه بما
следующие страницы →