فهو لم يحصر هذه العصمة في الأربعة المذكورين في الحديث النبوي ولا في الأئمة الإثني عشر، بل قال باستمرار وجود إمام معصوم في كل عصر إلى يوم القيامة، بينما غيره يُقَدِّرُ أن العصمة تنحصر في الأئمة الإثني عشر ولهذا ينتظرون الإمام المهدي الثاني عشر لينقل لهم ما خفي عليهم (١).
ولم يقف عند ظاهر الآية القرآنية حيث تضمنت تطهير أهل البيت من الرجس، بل قال بامتداد العصمة لتشمل العصمة في تبليغ أحكام الله كما هو شأن رسل الله تعالى. وكل ذلك يخالف النصوص التي يستند إليها علماء الشيعة، بل من شأنه أن يصبح الإمام المعصوم كالأحبار والرهبان يُشَرِّعُ من دون الله تعالى.
بَرَاءَةُ الأَئِمَّةِ:
ليس صحيحًا أن أحدًا من الأئمة قد قال بهذه العصمة في الرواية لنفسه أو غيره، ولهذا نجد الشيخ جعفر كاشف الغطاء ينفي الصحة عن المراجع الأصولية عند الشيعة وهي " من لا يحضره الفقيه "، و" الكافي " و" التهذيب ".
فيقول عن أصحابها: (وهم الكُليني، ومحمد الصدوق، ومحمد الطوسي)، يقول: «كَيْفَ يُعَوَّلُ فِي تَحْصِيلِ العِلْمِ عَلَيْهِمْ وَبَعْضُهُمْ يُكَذِّبُ رِوَايَةَ بَعْضٍ، بِتَكْذِيبِ بَعْضِ الرُوَّاةِ» (٢).
ولهذا أيضًا جاء في كتاب " أعيان الشيعة ": «إِنَّ أَكْثَرَ الأَخْبَارِ المَرْوِيَّةِ غَيْرَ قَطْعِيَّة السَّنَدِ، وَإِنَّ أَحَادِيثَهَا مُخْتَلِفَةِ المَرَاتِبِ فَفِيهَا الصَّحِيحُ وَالحَسَنُ وَالمُوَثَّقُ وَالضَّعِيفُ وَالمُرْسَلُ وَالضَّعِيفُ وَغَيْرَ ذَلِكَ» (٣).
والسند غير المتصل قد اختلف في قبوله عند الشعية، فمنهم من قبله طالما أن الراوي ثقة، وفي " معالم الدين " قال (٤): «إِنَّ أَسَاسَ الرِّوَايَةِ الثِّقَةَ بِكُلِّ رِجَالِ السَّنَدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا مَعْرُوفَينَ حَتَّى يُمْكِنَ مَعْرِفَةَ مِقْدَارِ الثِّقَةِ فِيهِمْ». ص ٢١٤، ولكن الشيعة الإمامية مع طعنهم على البخاري لأنه لم يثبت روايات عن الإمام جعفر الصادق،
стр. 107
فهم يرون أنه لو كان بين الرواة شخص غير إمامي، فلا تقبل هذه الرواية حتى لو كان جميع الرواة من الثقات فقد ذكر الشيخ الطوسي في كتابه " عدة الأصول ": «أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً فِي العَمَلِ إِذَا كَانَ رَاوِيهِ مِنَ الطَّائِفَةِ المُحِقَّةِ أَيْ الاثْنَا عَشَرِيَّةِ» ص ٣١.
ثم يضع الطوسي شرطًا أخر يؤكد ضرورة اتصال السند من الإمامية الثقات فيقول عند التحقيق تبين أنه لا يعمل بالخبر الذي يرويه الإمامية مطلقًا، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمة ﵈ ودونهما الأصحاب، فليس كل خبر يرويه الإمامي يكون صحيحًا يجب العمل به، بل الخبر الصحيح الذي يجب العمل به هو ما يرويه الإمام عن الأئمة.
ومن الشيعة من قال بقبول رواية غيرهم إذا كان مُوَثَّقًا أو ممدوحًا منهم ففي رسالة " جواز الاكتفاء بتصحيح الغير " لأبي المعالي ص ٩: «لو كان بعض رجال السند غير إمامي مصرحا بالتوثيق أو مصرحا بالمدح لا بد من كون الباقي إماميا موثقا» (١). ولهذا فالإمام جعفر الصادق بَرِئَ مما ينسب إليه من عدم قبوله رواية غير الإمامية.
فقد كان يَرْوِي عنه حال حياته، مالك وأبو حنيفة وسفيان وَشُعْبَةُ، وهو لا يقبل بروايتهم عنه إذا كانوا غير عدول أو كانت روايتهم غير مقبولة، فكيف يرضى بروايتهم إذا كانوا غير أمناء في النقل عنه (٢).
ولقد روى جابر الجُعَفِي وهو من الإمامية أن الإمام محمد الباقر قال وهو يُوَدِّعُهُ عائدًا من العراق: «أبلغ أهل الكوفة أني بريء ممن تبرأ من أبي بكر وعمر ﵃ وَأَرْضَاهُمْ -» (٣). ولقد سئل الإمام الباقر ﵁ عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، فقال: «أصحاب محمد ﷺ ». فقال السائل يقولون هو (عَلِيٌّ)، قال الإمام محمد الباقر: «عَلِيٌٌّ مِنْهُمْ» (٤).
أما عن عصمة هؤلاء الأئمة بمعنى أن الله تعالى أودع عندهم أسرار الدين وعصمهم في النقل عنه أو عن النبي ﷺ أو عن النبي ﷺ بغير طريق الرواية المتصلة السند، فنجد
стр. 108
الإمام علي زين العابدين يقول ما يُكَذِّبُ ذلك، فهو الإمام الرابع عند الشعية وقد جاء في " حلية الأولياء " أنه كان يذهب إلى زيد بن أسلم ويجلس عنده فقال له نافع بن جبير: «أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ وَتَذْهَبُ إِلَى هَذَا العَبْدِ»، فقال الإمام: «إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ» ج ٢ ص ١٣٨.
والإمام جعفر الصادق قد قال للمعتزلة عند دعوتهم لبيعة محمد بن عبد الله بن الحسن: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ ضَرَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَفِي المُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهُوَ ضَالٌّ مُتَكَلِّفٌ " وَقَالَ لِلأَبِ: " إِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ وَلاَ لابْنِكَ وَإِنَّمَا هُوَ لِهَذَا - أَيْ السَفَّاحُ - ثُمَّ لِهَذَا (المَنْصُورُ) فَلَمْ يَقُلْ بِالعِصْمَةِ أَوْ الإِمَامَةِ لأَحَدٍ (١).
بَيْنَ الأَئِمَّةِ وَأُسْرَةِ أَبِي بَكْرٍ:
إن الإمام جعفر الصادق الذي ينسب إليه مذهب الشيعة الإمامية، أمه حفيدة أبي بكر الصِدِّيق، فهي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِدِّيقَ، والقاسم تربى في حجر عمته السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - وكان يروي عنها، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وأم فروة، أمها أسماء بنت أبي بكر الصديق والقاسم جَدُّ جعفر لأمه، عَلَّمَ جعفر مما آتاه الله من العلم فقد مات ﵁ عام ١٠٨ هـ، وكان جعفر في الثامنة والعشرين من عمره.
والإمام عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - قد رَبَّى وَعَلَّمَ محمد بن أبي بكر (والد القاسم) لأنه احتضنه بعد أن تزوج أمه أرملة أبي بكر الصديق (٢).
الصَّادِقُ وَالعِصْمَةُ:
والإمام جعفر ﵁ ينفي العصمة المنسوبة إليه وإلى الأئمة التي تتضمن التحليل والتحريم بغير نص في القرآن أو السُنَّةِ النبوية بدعوى أن الإمام مُلْهَمٌ فقد روى " الكافي " عن أبي بعير عن أبي عبد الله قال: «قلت له: «﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
стр. 109
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾» [التوبة: ٣١].، فقال: «والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون».
وقال أيضًا: «والله ما صاموا لهم ولا صلوا لهم ولكن أحلوا لهم حرامًا وَحَرَّمُوا عليهم حلالاً فاتبعوهم» (١).
الصَّادِقُ وَالتَّقِيَّةُ:
أما التقية التي تنسب إلى الإمام جعفر الصادق فيفسرها قوله عند الطبرسي: «نَصُونُ بِذَلِكَ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ نَتَعَرَّضَ لِلْهَلاكِ» (٢).
فهذه التقية ليست منهجًا لمذهب يدعو إلى التظاهر بموالاة الصحابة وتنزيه القرآن من التحريف ثم الاعتقاد بغير ذلك وترويجه سِرًّا كما يزعم بعض غلاة الشيعة.
فالإمام جعفر يقول بالتقية بمعنى مداراة الحكام الظالمين لدفع الأذى ومنع المخاطر التي نتجت عن مقتل الحسين ﵁ ومقتل زيد ﵁، ومقتل الأخوين محمد النفس [الزكية] وإبراهيم، ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن (٣).
الصَّادِقُ وَالقُرْآنُ:
إن ما نسب إلى الإمام جعفر الصادق عن القرآن افتراء عليه فقوله: «إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ حَلاَلِ اللهِ وَحَرَامِهِ مَا يَسَعُنَا كِتْمَانُهُ، مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَدِّثَ بِهِ أَحَدًا»، ليس له سند صحيح وَتُكَذِّبُهُ الروايات الصحيحة، فقد روى العياشي في " تفسيره " عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: «مَنْ فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، إِنْ أَصَابَ لَمْ يُؤْجَرْ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ السَّمَاءِ». وقد رُوِيَ عن الإمام الباقر: «مَا ضَرَبَ رَجُلٌ القُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِلاَّ كَفَرَ» (٤).
стр. 110
٢١ - حَدِيثُ الغَدِيرِ وَأَصْلُ الخِلاَفِ:
إن أصل الخلاف بين الشيعة والسُنَّةِ يرجع إلى رواية حديث الغدير ومؤداه أن الله قد أمر نبيه بإعلان وصاية الإمام علي من بعده فلم يفعل خشية أن يقال إن النَّبِيَّ يُحَابِي أقاربه كما يرويه الإمام كاشف الغطاء في كتابه " أصل الشيعة وأصولها ": ص ١٠٧.
وقد فصله الشيخ محمد إبراهيم الموحد القزويني في كتابه " عيد الغدير ": ص ١٦ فقال: «إنه أثناء عودة النَّبِيِّ ﷺ من حجة الوداع وهو في طريقه إلى المدينة والعراق ومصر واليمن وكان وصولهم في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة. وكانوا مائة وعشرين ألف مسلم عدا من انضموا إليهم في الطريق والتحقوا بهم من اليمن ومن مكة، فنزل جبريل على رسول الله بالآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
وأبلغ جبريلُ النَّبِيِّ أن اللهَ تعالى يأمره أن يقيم عَلِيَّ بن أبي طالب إمامًا على الناس وخليفة من بعده ووصيًّا له. فتوقف النَّبِيُّ ﷺ عن المسير وأمر أن يلحق به من تأخر عنه ويرجع من تقدم عليه فاجتمع المسلمون جميعًا حوله وأدركتهم صلاة الظهر فصلى بهم وخطب فيهم فأبلغهم أمر الله في الإمام علي وأن يُبَلِّغَ الشاهدُ منهم الغَائِبَ وكان مما قال: " اسمعوا وأطيعوا فإن الله مولاكم وعلي إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة. قَوْلِي عن جبريل عن اللهِ فلتنظر نفس ما قدمت لغد "» ص: ١٦. ثم يقول القزويني: «هذه الواقعة الخالدة المعروفة بواقعة الغدير من أشهر الوقائع التاريخية ومن أبرز الأحداث في حياة النَّبِيِّ ﷺ وقد شهد بها مائة وعشرة من الصحابة الذين حضروا الواقعة بأنفسهم منهم أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وَسَمُرَةَ بن جُندب والزبير بن العوام وطلحة بن [عبيد] الله والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر وغيرهم». ثم
стр. 111
ثم يقول: «إن هذه الواقعة ليس هناك مجال للإنكار والتشكيك في صحتها والمناقشة في سندها لأن العلماء والحفاظ والمحدثين والمؤرخين القُدامى أثبتوا صحتها، وحقيقتها واعتمدوا عليها منذ مئات السنين وحتى هذا اليوم ... لكونها واقعة إسلامية هامة في تاريخ الإسلام وفي تاريخ نبي الإسلام ولوقوعها في حجة الوداع وقبل وفاة النَّبِيِّ بسبعين يومًا» ص: ٣٠.
حَقِيقَةُ حَدِيثِ الغَدِيرِ:
يذكر القزويني مصادر هذه الواقعة وَرُوَّاتِهَا في كتب أهل السُنَّةِ ويذكر الصفحات.
وبالرجوع إلى هذه المصادر التي ذكرها تبين أنها لا تتصل من قريب أو بعيد بوصاية الإمام عَلِيٍّ بعد النَّبِيِّ ﷺ وحصر الخلافة والأئمة في اثني عشر شخصًا من ولد السيدة فاطمة. بل تتعلق بفضله وآل البيت وليس بالخلافة.
أما المصادر الأخرى التي وجدناها كما ذكر مصادرها وصفحاتها فهي كالآتي:
١ - رواية " صحيح مسلم ":
عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ " - فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ -، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، [أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي]» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: [لزيد بن أرقم] وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلاَءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ (*).
هذا الحديث يُسَمَّى حديث الثقلين وورد في " الموطأ " و " الترمذي " و " كنز العمال " «كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» وبالتالي فأهل البيت لا يطاعون إلا من خلال ما لديهم من سُنَّةِ النَّبِيِّ. فهي التي تُبَيِّنُ القُرْآنَ وَتُخَصِّصَ عُمُومَهُ.
بِطُولِهِ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِطُولِهِ (" المستدرك: ٣/ ١٠٩). .
٤ - رواية ابن حجر العسقلاني:
روى علي بن أبي طالب وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال يوم غدير خُمٍّ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (" تهذيب التهذيب ": ٧/ ٣٣٧).
٥ - رواية السيوطي:
«مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ».
«اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (" تاريخ الخلفاء ": ص ١١٤ و ١٦٩).
٦ - [رواية أبي نعيم]:
«مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (" حلية الأولياء ": ٤/ ٢٣). رواية أبي نعيم وهي كغيرها لا تتعلق بالخلافة أو الإمامة أو الوصاية.
٧ - روايات كتب التفسير:
يذكر القزويني أن كتب التفسير أجمعت على حديث الغدير كما ذكره، والثابت في هذه المراجع هو:
أ - وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر بِسَنَد ضَعِيف عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «لَمَّا نَصَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَنَادَى لَهُ بِالولاَيَةِ هَبَط جِبْرِيلٌ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]» (" الدر المنثور ": ٢/ ٢٥٩).
فهذه الروايات ضعيفة وليس فيها تعيين الإمام عَلِيٍّ وَصِيًّا وخليفة بعد النَّبِيِّ ﷺ وتعيين الأئمة الاثني عشر ولكن القزويني يوهم الناس بغير ذلك.
стр. 114
ب - ورد في " تفسير الفخر الرازي عن آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. ذكر المفسرون في سبب نزول الآية، أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» فَلَقِيَهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: هَنِيئًا لَكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ مَوْلاَيَ وَمَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ (" تفسير الرازي ": ٣/ ٤٣١).
ج - " تفسير ابن كثير ": يذكر القزويني أن حديث الغدير ورد بيانًا لقول الله تعالى للنبي: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ... وأن ابن كثير أورد الرواية محل الخلاف (ج ٢ ص ١٤).
وبالرجوع إلى هذا التفسير وجدناه كغيره قد خلا من الأصل الذي يساق من أجله حديث الغدير وهو تعيين عَلِيٍّ وَصِيًّا بعد النبي وإسناد الخلافة إلى الأئمة الاثني عشر من نسل فاطمة.
كما أورد ابن كثير رواية ابن أبي حاتم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لَمْ يُبْدِهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ. فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وَاللَّهِ مَا وَرَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سوداءَ فِي بَيْضَاءَ. قال: وهذا إسناد جيد.
كما ذكر ابن كثير رواية " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ سُئِلَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لاَ وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلاَّ فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلاً فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ (أي الراوي وهب): وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». والعقل يعني الديات.
٤ - " تفسير المنار ":
ذكر القزويني أن " تفسير المنار " (ج ٦ ص ٤٦٤) أورد رواية حديث الغدير كما نقلها القزويني وبالرجوع إلى تفسير القرآن الحكيم المُسَمَّى بـ " تفسير المنار " بنفس الجزء وبذات
الْجَمَاهِيرِ فَلاَ رَجَاءَ فِي تَحَرِّيهِمُ الْحَقَّ فِي مَسَائِلِ الخِلاَفِ، وَلاَ فِي تَجَنُّبِهِمْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الخِلاَفِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالْعَدَاءِ، وَلَوْ زَالَتْ تِلْكَ الْعَصَبِيَّةُ، وَنَبَذَهَا الْجُمْهُورُ لَمَا ضَرَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ ذَاكَ؛ لأَنَّهُمْ لاَ يَنْظُرُونَ فِيهِ حِينَئِذٍ إِلاَّ بِمِرْآةِ الإِنْصَافِ وَالاعْتِبَارِ، فَيَحْمَدُونَ الْمُحِقِّينَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُخْطِئِينَ ﴿اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
ثُمَّ إِنَّنَا نَجْزِمُ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الإِمَامَةِ لَوْ كَانَ فِيهَا نَصٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ لَتَوَاتَرَ وَاسْتَفَاضَ، وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا مَا وَقَعَ مِنَ الْخِلاَفِ، وَلَتَصَدَّى عَلِيٌّ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَطَبَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِالنَّصِّ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا يَحْسُنُ بَيَانُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ الإِمَامُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وَلاَ احْتَجَّ بِالآيَةِ هُوَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ آلِ بَيْتِهِ وَأَنْصَارِهِ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ، لاَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ (بعد وفاة النبي)، وَلاَ يَوْمَ الشُّورَى بَعْدَ عُمَرَ، وَلاَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلاَ بَعْدَهُ فِي زَمَنِهِ، وَهُوَ [هُوَ] الَّذِي كَانَ لاَ تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَلَمْ يَعْرِفِ التَّقِيَّةَ فِي قَوْلٍ وَلاَ عَمَلٍ؛ وَإِنَّمَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ، وَوُضِعَتْ لَهَا الرِّوَايَاتُ، وَاسْتُنْبِطَتِ الدَّلاَئِلُ بَعْدَ تَكَوُّنِ الْفِرَقِ، وَعَصَبِيَّةِ الْمَذَاهِبِ. وَالْوَصِيَّةُ بِالْخِلاَفَةِ لاَ مُنَاسَبَةَ لَهَا فِي سِيَاقِ مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهِيَ مِمَّا لاَ تَرْضَاهُ بَلاَغَةُ الْقُرْآنِ».
أما وجود الحديث في مراجع الشيعة فروايته غير متصلة فالراوي بينه وبين النَّبِيِّ ﷺ قرون ويروي عنه مباشرة، وَحُجَّتُهُمْ في ذلك أن أئمتهم لهم خاصية المعرفة دون حاجة إلى تلقين الرواة حسبما ذكره محمد رضا المظفري في كتاب " عقائد الإمامية ": ص ٩٦ والكُليني في " الكافي ": ج ١ ص ٢٧١.
وفقيه الشيعة العالم المحدث الشيخ يوسف البحراني في كتابه " الكشكول " تحت عنوان (حديث الغدير) نقل عن ابن الجوزي صحة الرواية وهي «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (" الكشكول ": ج ٢ ص ٣١٦ طبعة طهران، مكتبة نينوى الحديثة).
стр. 117
[الصَّحَابَةُ وَحَدِيثُ غَدِيرِ خُمْ]:
إن من يقول بصحة حديث غدير خم الذي قيل أنه اشتمل على وصية النَّبِيِّ ﷺ للأئمة الاثني عشر، ومن يعتقد ذلك يطعن في الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة بل ويرميهم بالخيانة والكفر وهو لا يجهل أن هؤلاء قد اتخذهم النَّبِيُّ ﷺ رُسُلاً له وزراء وقوادًا، وكان القرآن يتنزل على النَّبِيِّ ﷺ ، وكان يكشف المنافقين، أو بأعمال لله فيها حكم آخر، فمثلاً عن الأشخاص: حذر القرآن النبي ممن أقاموا مسجدًا من المنافقين فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ... ﴾ [التوبة: ١٠٧]، وعن الأعمال التي ألغاها القرآن قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ... ﴾ [الأنفال: ٦٧]. فلو كان كبار الصحابة من المنافقين أو خانوا النبي ﷺ ما نسي الخالق العليم أن ينبه إلى ذلك، ليعزلهم ويحذر منهم، ولنزل القرآن بذلك أيضًا، وبالتالي فلا حجة لمروجي هذه الأكاذيب (١).
بل إن الوصية التي قيل إنها نص في إمامة الاثنا عشر وعلى رأسهم الإمام عَلِيٍّ ﵁، هذه الوصية قد جاء في بعض مصادر الشيعة ما ينقضها، فقد روى اليعقوبي: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ خِيَارُهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ وَشِرَارُهُمْ عَلَى شِرَارِهِمْ» (٢). ويثبت الدكتور النشار أن كلمة الشيعة لم يرد ذكرها على الإطلاق في عصر الخلفاء الراشدين وحتى مرحلة خلافة الإمام عَلِيٍّ فلم يذكرها اليعقوبي أو المسعودي وهما مؤرخان شيعيان (٣)، بل إن الإمام عَلِيًّا قد نقل عنه ما ينفي هذه الوصية إذ يقول: «إما أن يكون عندي عهد من رسول الله ﷺ فلا والله ولكن لما قتل الناس عثمان نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها من رسول الله ﷺ قد هلكا ولا عهد لهما وإذا الخليفة الذي أخذها بمشورة المسلمين قد قتل» (٤).
стр. 118
ورواية اليعقوبي «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» هي بذاتها ما روتها كتب السنة المعتمدة عن أهل السنة والجماعة وهي لا تحدد أشخاصًا بأسمائهم كما جاء في رواية حديث غدير خم.
إن الاعتقاد بالإمامة والوصاية من أهم عقائد الشيعة الإمامية حيث يرون أن النبي ﷺ أثناء عودته من حجة الوداع وقف في غدير خُمْ في نحو عشرين ألفًا من الصحابة وأعلن أن عَلِيًّا هو الوصي والإمام من بعده وحصر الأئمة في اثنا عشر إمامًا كلهم معصومون ولا يجوز عليهم الخطأ وكل منهم ينص ويعلن عن الإمام الذي يليه (١)، وهذه من الأمور المتواترة عندهم ومن المعلوم من الدين بالضرورة ولكن الإمام الحسن ابن الإمام عَلِيٍّ وهو الإمام الثاني الاثنا عشر عندما قامت الحرب بينه وبين معاوية وتبادلا الرسائل ليقنع كل منهما الآخر في أحقيته بالخلافة، الإمام الحسن في هذه الرسائل التي أوردها الأصفهاني (٢) (الشيعي) لم يشر من قريب أو بعيد إلى حديث غدير خُمْ، بل انتهى مختارًا إلى نتيجة تنقض هذا الحديث، فعلى الرغم من كثرة أنصاره وأتباعه وعجز معاوية عن محاربته فقد تنازل عن الخلافة لمعاوية. والأمر الآخر أنه في كتاب الصلح الذي وجهه إلى معاوية ورد فيه: «وَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ أَنْ يَعْهَدَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، بَلْ يَكُونُ الأَمْرُ مِنْ بَعْدِهِ شُورَى بَيْنَ المُسْلِمِينَ». وهذا معتقد أهل السنة وهو أن الإمامة والخلافة شورى بين المسلمين وغير محصورة في الأئمة الاثنا عشر، والإمام الحسن في هذه الرسائل لم يعلل طلب الإمامة لنفسه بوصية النبي ﷺ ولا بحديث غدير خُمْ، بل طلب البيعة والطاعة له حتى يحقن دماء المسلمين، وفي رسالة معاوية كان الرد أنه الأكبر سِنًّا والأقدم تجربة والأكثر سياسة والأطول ولاية؟.
كما يذكر النُّوبَخْتِي من علماء الشيعة أن أتباع الحسن افترقوا بعد مقتل الحسين ومنهم من قال بإمامة محمد بن الحنفية وأنه الإمام المهدي بل منهم من قال أنه لم يمت وغاب ليعود ويملأ الأرض عدلاً (٣).
стр. 119
لما كان ذلك فإن من يدعي تواتر حديث الغدير ويتهم صحابة رسول الله ﷺ بكتمانه وخيانة الأمانة بذلك إنما يُكَذِّبُ القرآنَ الكريم الذي وَثَّقَ هؤلاء وزكاهم، كما أنه يتهم آل البيت بخيانة هذه الأمانة لعدم إظهارهم هذا الحديث (جَدَلاً)، وذلك لانتفاء عذر إخفائه حيث أن عصمتهم توجب أن يبلغوه ولا يخشون أحدًا، ما أن تجمع القوة بيدهم خلال خلافة الإمام عَلِيٍّ ثم مبايعة المسلمين للحسن والحسين يسقط كل أسباب كتمان مثل هذا الحديث إن وجد، فلو كانت وصية النبي ﷺ الواردة في هذا الحديث قد نزل بها جبريل وفيها قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. لو كان ذلك صحيحًا ما تخلف أئمة آل البيت ﵃، عن الجهر بها، بل ما تخلف أحد من الصحابة عن التسمك بها، فدل ذلك على عدم ثبوتها وأن هذه الآية قد نزلت في شأن اليهود والنصارى ويؤكذ ذلك ما قبلها وما بعدها من الآيات القرآنية.
стр. 120
٢٢ - دَعْوَى التَّكْفِيرِ بَيْنَ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ:
لقد لخص الإمام ابن تيمية عقيدة أهل السنة بشأن الفرق التي تنازعت وهي من أهل القبلة فقال: «وَأَمَّا السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي عَدَمِ تَكْفِيرِ المُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ [المُفَضِّلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ] وَلَمْ تَخْتَلِفْ نُصُوصُ أَحْمَدَ فِي أَنَّهُ لاَ يُكَفَّرُ هَؤُلاَءِِ» (١).
وقال عن الخوارج: «وَإِذَا كَانَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ ثَبَتَ ضَلاَلُهُمْ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ لَمْ يُكَفَّرُوا مَعَ أَمْرِ [اللَّهِ وَرَسُولِهِ] بِقِتَالِهِمْ فَكَيْفَ بِالطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفِينَ الَّذِينَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ الْحَقُّ فِي مَسَائِلَ غَلِطَ فِيهَا مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ؟ فَلاَ يَحِلُّ لأَحَدِ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ أَنْ تُكَفِّرَ الأُخْرَى وَلاَ تَسْتَحِلَّ دَمَهَا وَمَالَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا بِدْعَةٌ مُحَقَّقَةٌ» كما قال البغدادي: «فِرَقُ الإِمَامِيَّةِ مَعْدُودُونَ مِنْ فِرَقِ الأُمَّةِ» (٢).
كما لخص إمام الشيعة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء رأيه في هذه المسألة بقوله: «إن الجماعات الإسلامية بين السنة والشيعة لا تختلف في الاعتقاد بالله ونبوة محمد وأنه خاتم الرسل، وفرضية الصلاة والزكاة والصوم والحج والتصديق والمعاد. وما دام ذلك وما دامت القبلة واحدة والقرآن الكريم في مكان القداسة من الجميع فلا يعتد بالخلافات الأخرى. فإذا اقتصر المعتقد على التوحيد والنبوة والمعاد والعمل بالفرائض ولم يعتقد بالأئمة وعصمتهم تجري عليه جميع أحكام الإسلام» (٣).
ولكن هذه القواعد الأصولية لم يعمل بها أخوة من أهل السنة فقالوا بكفر الشيعة لاعتقادهم بالعصمة وبالإمامة وتحريف القرآن. كما أن جمعًا من الشيعة قد قالوا: نُكَفِّرُ أهل السنة والخوارج بل بكفر الصحابة وتحريف القرآن.
١ - يقول الشيخ محمد رضا المظفر: «نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها» (" عقائد الإمامية ": ص ٩٣، دار القدير).
«ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصومًا من جميع الرذائل والفواحش ومن السهو والخطأ والنسيان» (" عقائد الإمامية ": ص ٩٥).
стр. 121
٢ - ويقول الشيخ حسين ابن الشيخ محمد آل العصفور الدرازي البحراني: «إِنَّهُ لَيْسَ النَّاصِبُ إِلاَّ عِبَارَةٌ عَنْ التَّقْدِيمِ عَلَى عَلِيٍّ ﵇ غَيْرَهُ». ويقول: «هُوَ مَا يُقَالُ لَهُ عِنْدَهُمْ سُنِّيًّا» (" المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل " الخراسانية ": ص ١٤٧، ١٥٧. طبعة ١٣٩٩ هـ).
٣ - وقال في " شرح نهج البلاغة " للراوندي: إن النبي سئل عن الناصب فقال: «مَنْ يُقَدِّمُ عَلَى عَلِيٍّ غَيْرَهُ» (" شرح نهج البلاغة " للراوندي: ص ١٤٥).
٤ - يقول الخميني: «أَمَّا النَّوَاصِبُ وَالخَوَارِجُ لَعَنَهُمْ اللهُ فَهُمَا بَخْسَانِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ» (" تحرير الوسيلة ": ج ١ ص ١١٨).
ويقول: «لاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَى الكَافِرِ بِأَقْسَامِهِ حَتَّى المُرْتَدُّ وَمَنْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ مِمَّنْ اِنْتَحَلَ الإِسْلاَمِ كَالنَّوَاصِبِ وَالخَوَارِجِ» (" تحرير الوسيلة ": ج ١ ص ٧٩).
٥ - وَيُعَرِّفُ المامقاني الملقب بالعلاَّمة الثاني النواصب فيقول: «" كتبت إلى محمد بن علي بن عيسى أسأله عن الناصب هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ " فرجع الجواب: " من كان على هذا فهو ناصب "». ويقول: «يجري حكم الكافر على من لم يكن اثنا عشريًا» (" مقدمة تنقيح المقال ": ص ٢٠٧، طبعة النجف: ١٣٥٢ هـ).
[إِبَاحَةِ دَمِ النَّوَاصِبِ]:
[١] وحكم النواصب هو ما رواه شيخ الشيعة محمد بن علي بن بابويه الملقب بـ (الصَّدُوقِ) بسنده عن داود بن فرقد قال: «قلت لأبي عبد الله ﵇: ما تقول في مقتل الناصب؟»، قال: «حلال الدم ولكني أتقي عليك فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل». قلت: «ما ترى في ماله؟» قال: «توه ما قدرت عليه» (" علل الشرائع " للصدوق: ص ٦٠١، الطبعة الثانية).
[٢] ويقول الدرازي: «وقد تقدم خبر إسحاق بن عمار وفيه: إن كل شيء يملكه الناصب حلال إلا امرأته» (" المحاسن النفسانية ": ص ١٦٥، ١٦٦).
[٣] ويقول: «إن الأخبار في هذا بالغة حد التواتر المعنوي وكلها شاهدة بما ذكرنا فلا
стр. 122
عصمة لقول من ذهب إلى إسلامهم، «فَالَّظاهِرُ كُفْرُ مَنْ خَالَفَ الشِيعَةَ الاثْنَا عَشَرِيَّةَ» (المرجع السابق: ص ١٣٩ و ١٤٤).
٤ - ويروي الطوسي عن أبي عبد الله ﵇ قال: «خُذْ مَالَ النَّاصِبِ حَيْثُمَا وَجَدْتَهُ وَادْفَعْ إِلَيْنَا الخُمُسَ» (" تهذيب الأحكام: ج ٤ ص ١٢٢. و " وسائل الشيعة ": ج ٦ ص ٣٤٠).
٢٣ - الحَقِيقَةُ الغَائِبَةُ:
لقد غاب عن أصحاب هذه الأقوال أن الإمام عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - لم يقل بكفر الخوارج ولهذا رفض سبي نسائهم وأطفالهم وهذه الروايات تكفرهم.
كما أنه لم يثبت عن أحد من الأئمة الاثني عشر أنهم قالوا بكفر أهل السنة أو الخوارج أو غيرهم من المسلمين الذين خالفوا الشيعة الإمامية فأنكروا مسألة الإمامة، ومقتضاها: أن الأئمة بعد النبي ﷺ اثني عشر حددهم الله كما أنكروا عصمة هؤلاء الأئمة بمعنى تخويلهم خاصية الرواية عن الله مباشرة.
وغاب عن إخواننا الشيعة حقيقة هامة وهي أن هذه الروايات التي تقطع بكفر من لم يكن من الجعفرية الاثنا عشرية، ليست من الروايات الصحيحة المتصلة إلى هؤلاء الأئمة، فالروايات فيها عنهم أو عن النبي ﷺ مرسلة وغير متصلة، وهي موقوفة على من رواها ولكن بحوارنا مع علماء الشيعة المعاصرين قالوا: «لا نصحح أي كتاب عدا القرآن الكريم، ولا نأخذ بكل ما في كتبنا مهما كان المؤلف من الثقات. والنقد عندنا يبلغ حد القسوة أحيانًا في السند والدلالة والسياق وفي المقارنة وفي الصدور» (١).
ومعنى هذا أن هذه الروايات لاَ يُسَلِّمُونَ بِهَا بل تخضع للتمحيص.
ولكن العصمة عند الشيعة تشمل العصمة في التبليغ فيمتنع الكذب والسهو والخطأ على أئمتهم في تبليغ الأحكام عن الله تعالى، لكن نقلت عنهم الأحكام بالرواية المتصلة أو بروايات مجهولة ليست فيها إشارة إلى أسماء الرواة، ذلك أن اتصال الرواية بالراوي ليست شرطًا لصحة الرواية عندهم فيمكن أن ينسب قول إلى النبي أو أحد الأئمة المعصومين عند الشيعة دون أن يذكر الراوي أسماء من روى عنهم، مثل
стр. 123
الروايات السابقة التي تحكم بكفر من عدا الجعفرية والتي تُعَرِّفُ النواصب بأنهم أهل السنة وتضغ لهم أحكامًا هي أحكام الكفار والمرتدين عن الإسلام. وهذا ليس تكهنًا، فقد روى المُفِيدُ في " الأمالي " عن جابر قال: «قُلْتُ لأًبٍي جَعْفَرَ البَاقِرَ: «إِذَا حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثٍ فَأَسْنِدْهُ لِي». فقال: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي رَسُولَ اللهِ عَنْ جِبْرَائِيلَ عَنْ اللهِ، وَكُلَّمَا أُحَدِّثُكَ فَبِهَذَا الإِسْنَادِ».
وَقَالَ: «يَا جَابِرُ: الحَدِيثُ وَاحِدٌ تَأْخُذُهُ عَنْ صَادِقٍ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (" الأمالي " للشيخ المفيد: ص ٢٦).
وفي هذا يقول الشيخ الآصفي: «إِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَادِرٍ عَنْهُمْ فِي الأُصُولِ أَوْ الأَحْكَامِ لَيْسَ مِنْ رَأْيِهِمْ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ اِجْتِهَادِهِمْ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يَسْتَنِدُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، انْتَهَى عِلْمُهُمْ إِلَيْهِمْ وَيَرْوُونَهَا عَنْهُمْ، سَوَاءٌ رَوَوْهَا كَمَا يَرْوِي المُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ مُسَلْسَلاً، مُسْنَدًا، أَمْ أَرْسَلُوهَا إِرْسَالاً».
وهنا يكمن الخطر ففي الوقت الذي يؤكد فيه بعض علماء الشيعة المعاصرين على عدم قبولهم أي كتاب إلا القرآن الكريم.
نراهم هم أنفسهم يقولون إن العبرة بمدى ثقة الراوي وأن عدم إسناد الرواية إلى من رواها لا تقدح في هذه الرواية طالما صدرت عن ثقة. وعلى هذا فلدينا روايات عن الثقات من الشيعة لشأن حكم النواصب وهو أنه حلال المال والدم، وأن النواصب هم أهل السنة.
بينما النواصب في التاريخ الإسلامي هم من استخدمهم يزيد بن معاوية في محاربة آل البيت ﵃ وانتصر بهم عليهم (١). ولا وجود لهم في عصرنا.
وهكذا في جميع المسائل الرئيسية المختلف عليها مثل الزعم بتحريف القرآن وكفر الصحابة عدا قلة من آل البيت، نجد علماء من الشيعة ينكرون هذا الغلو والتطرف بل والتحريف.
ثم نجد غيرهم يصرون على هذه الروايات المزيفة والتي ليس لها من سند صحيح أو متصل بمن نسبوها إليهم من الأئمة المفترى عليهم بهذه الأقوال.
стр. 124
ونجد من أهل السنة من يقول: إن الذين ينكرون تحريف القرآن وكفر الصحابة إنما يقولون ذلك من باب التقية والمداراة ويستدلون بقول نعمة الله الجزائري: «إِنَّمَا صَدَرَتْ عَنْهُمْ مِنْ أَجْلِ مَصَالِحَ كَثِيرَةٍ» (" الأنوار النعمانية ": ج ٢ ص ٣٥٧).
ولهذا يحتاج هذا كله إلى وقفة موضوعية من علماء الشيعة الجعفرية خصوصً الذين يدل واقعهم على أنهم ينكرون هذه الروايات، فيلزمهم النظر في تعليل توثيقهم وغيرهم لأصحاب هذه الافتراءات وتعليل استمرار طبع هذه الكتب دون تحقيق علمي لها يثبت عدم صحة هذه الأقوال ورأيهم في الأمور التالية الواردة في كتبهم:
١ - عدم جواز الصلاة خلف أهل السنة إلا تقية:
(انظر " التقية " للخميني: ص ١٩٨. " الاستبصار " للطوسي: ١/ ٤٢٨. " الوافي ": ٥/ ١٦٤ - ١٨١. " جامع أحاديث الشيعة ": ٦/ ٤١٠ وما بعدها. " من لا يحضره الفقيه " للصدوق: ١/ ٨١. " التهذيب " للطوسي: ١/ ٢٥٥. " الكافي في الفروع " للكُليني: ١/ ٣١٨. " الخلل في الصلاة " للخُميني: ص ٩. " مصباح الفقيه ": ١/ ١٤٥. " مسالك الأفهام ": ص ٣٨. " المعتبر " للمحقق الحلي: ص ٢٤٢. " مستدرك الوسائل " للنوري: ١/ ٤٨٩. " الوسائل " للحر العاملي: - أبواب صلاة الجماعة، - استحباب حضور الجماعة خلف من لا يقتدى به للتقية والقيام في الصف الأول معه. " غنائم الأيام " للقمي: ص ٢٣٦).
٢ - نجاسة أهل السنة:
(انظر: " مسالك الأفهام ": ص ٣ - ٤. " مفتاح الكرامة " للعاملي: ص ١٤٣، ١٤٤. " مصابيح الفقيه ": ٤/ ١٩، ٣١، ٤٥ , ٥٣. " غنائم الأيام ": ص ٦٥، ٦٦، ٨٧، ٨٨. " المعتبر " للحلي: ص ٨٩. " الوافي ": ٥/ ٤٤٣. " الرسالة الصلاتية " للبحراني: ص ٢١. " الأنوار النعمانية ": ٢/ ٣٠٦. " الوسائل " للعاملي: - باب نجاسة ساري أصناف الكفار، و - باب كراهة الاغتسال بغسالة الحمام. " الاستبصار " للطوسي: ١/ ١٨. " الأصول من الكافي ": ٢/ ٦٥. " الروضة البهية " للشهيد الثاني: ١/ ٤٩. " تحرير الوسيلة " للخميني: ١/ ١١٨. " الفصول المهمة " للعاملي: ص ٩٢).
٣ - عدم صحة الصلاة على موتى أهل السنة ودفنهم في مقابر الشيعة وأن دفنوا وجب نبش قبورهم:
(انظر: " مسالك الأفهام ": ص ١٢. " مصباح الفقيه ": ٣/ ٢٤، ٢٥، ٧٣. " غنائم الأيام ": ص ٢٩٦. " مستدرك النوري ": ١/ ١١٢، " الوسائل " للحر العاملي: - باب كيفية الصلاة على المخالف. " تحرير الوسيلة " للخميني: ١/ ٧٩، ٨٩. " زبدة الأحكام " للخميني: ص ٤٤.
٤ - نقل البحراني في كتابه " الكشكول ": ج ١ ص ١٦٩: «أَنَّ الإِمَامِيَّةَ هُمْ الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ لاَ غَيْرَ، لأَنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ يَكُونُ بِالإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَبِوِلاَيَةِ أَهْلِ البَيْتِ».
стр. 125
الحَقِيقَةُ الغَائِبَةُ وَمَصْدَرُ تَبْلِيغِ الأَحْكَامِ:
نقلت قول الشيخ الآصفي في البند / ٥: «إِنَّ أَئِمَّةَ الشِّيعَةِ إِنَّمَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا يَقُولُونَ مِنْ أَحْكَامٍ».
وقد ذكر أنه لا حرج أن يستوعبوا من الأحاديث ما لم يستوعبه سائر الصحابة. ولكن أئمة الشيعة الذين عاصروا النبي ﷺ ويمكن أن ينقلوا عنه هم الأربعة (علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃) وهؤلاء روايتهم للحديث النبوي قليلة ومحدودة بشهادة كتب الشيعة، فأكثر الأحكام ينقلونها عن باقي الأئمة الذين لم يعاصروا النبي ﷺ وهم ستة رجال.
فهل يمتد عصر التشريع إلى ما بعد عصر النبوة حتى يملك هؤلاء التشريع؟ يقول الإمام محمد باقر الصدر في كتابه " تعارض الأدلة " ص ٣٠: «ثَبَتَ فِي مَحَلِّهِ انْتِهَاءَ عَصْرِ التَّشْرِيعِ بِانْتِهَاءِ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ الأَحَادِيثَ الصَّادِرَةَ عَنْ الأَئِمَّةِ المَعْصُومِينَ لَيْسَتْ إِلاَّ بَيَانًا لِمَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الأَحْكَامِ وَتَفَاصِيلِهَا» (١).
لما كان ذلك فإن الأحكام الشرعية الورادة في كتب الشيعة أو في غيرها من الكتب، لا حجة فيها إلا إذا استندت إلى نص صريح من القرآن الكريم أو السنة النبوية.
والأحاديث النبوية لا تعلم بالفراسة أو الإلهام أو الرؤيا إنما تعلم برواية الثقة عن غيره من الثقات حتى تتصل بالنبي ﷺ ، ولهذا يجب ذكر أسماء الرواة حتى يعلم مدى عدالتهم وبالتالي مدى قبول روايتهم، وفي هذا يوقل الشيخ محمد جواد مغنية وهو أحد علماء الشيعة المعاصرين: «إِنَّ عُلَمَاءَ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ قِيَاسَ العَمَلِ بِالحَدِيثِ هُوَ الثِّقَةُ بِصِدْقِ الرَّاوِي وَأَمَانَتِهِ فِي النَّقْلِ، سُنِّيًّا كَانَ أَوْ شِيعِيًّا، تَمَامًا كَالحِكْمَةِ يَأْخُذُهَا المُؤْمِنُ أَنَّى وَجَدَهَا» (١). فصدق الراوي وأمانته شرط جوهري في قبول ما يسنده من الأحاديث إلى النبي ﷺ ولهذا لا يقبل الحديث إذا
стр. 126
أخفى الراوي أحد الأشخاص الذين روى عنهم، ومن باب أولى لا يقبل من أحد نسبة حديث إلى النبي ﷺ قرون إلا إذا ذكر أسماء الرواة في جميع الطبقات من عصره إلى عصر النبي ﷺ لأن هذا الشخص حتى لو كان من أئمة الشيعة لا يمكن أن يستوعب الأحاديث النبوية ولا أن يتلقاها عن النبي ﷺ مباشرة حيث لم يكن معاصرًا له كما أنه لا يقول الشيعة باستمرار الوحي حتى آخر أئمتهم وهو الإمام محمد المهدي الذي يعتقدون أنه اختفى في سرداب في سُرَّ مَنْ رَأَى (سَامُرَّاءْ) وما زالوا ينتظرون خروجه، وبالتالي فهم لا ينسبون إلى الأئمة الاثني عشر التلقي عن الله لأن ذلك من خصائص الأنبياء وبالتالي ينتهي التشريع بانتهاء عصر النبي ﷺ وبهذا قال الإمام محمد باقر الصدر.
ولا ينكر مسلم أن النبي ﷺ قد كلفه الله أن يبلغ أحكام الشريعة إلى الناس، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤٤]. وقد بين ذلك عن طريق السنة القولية والعملية وكان هذا البيان لجميع الصحابة فلم يخصوا به الأربعة الذين هم أئمة الشيعة من آل البيت، كما لا يقول مسلم أنه خص هؤلاء بالأحكام الشرعية وأخفاها عن باقي الصحابة والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦٧].
فالذين رَوَوْا السنة النبوية القولية والعملية هم الصحابة جميعًا بما فيهم آل البيت مثل عَلِيٍّ وفاطمة والحسن والحسين أو غيرهم ممن لا يعدهم الشيعة من آل البيت كابن عباس وحمزة وجعفر وعاتكة وأم هانئ وغيرهم.
ولهذا فإن اشتراط علماء الشيعة أو بعضهم حصر الأحاديث النبوية في الأئمة المعصومين عندهم واشتراطهم عدم قبول رواية الحديث إلا إذا كان الراوي من الإمامية أي من الشيعة الجعفرية، هذا من شأنه رد الغالبية العظمى من أحاديث النبي ﷺ وهي التي رواها الصحابة ﵃ ثم يضطر هؤلاء إلى الالتجاء إلى القياس والاجتهاد لتبليغ أتباعهم أحكام الدين.
стр. 127
فهل يصبح هذا الاجتهاد والقياس حديثًا نبويًا لأن المجتهد من الشيعة الجعفرية أو أئمتهم؟.
لقد وجدت كتب للحديث النبوي عندهم وهي " الكافي " و " الاستبصار " و " التهذيب "، و " من لا يحضره الفقيه "، وهذه الكتب ليست كلها رواية متصلة من أصحابها إلى أئمتهم الذين وجدوا في عصر النبي ﷺ وبالتالي فإن الأحاديث المدونة بها قد خلا أكثرها من الإسناد فتجد الروايات تذكر عن عدة من أصحابنا أو عن الإمام جعفر ثم تعد هذه الأقوال أحاديث عن النبي ﷺ مع وجود الفارق الزمني الكبير بين أصحاب هذه الروايات وبين النبي ﷺ وهو فارق زمني يصل إلى عدة قرون، ويستند الشيخ الآصفي إلى الثقة في الراوي بينما هذا الراوي مجهول لم يذكر اسمه ثم يستند إلى أن الله لديه وسائل وأسباب للتلقي والتعليم تغيب عن علمنا ولكن مع التحفظ على هذا القول فإنه تجب التفرقة بين العلم الذي ينسب إلى صاحبه من العلماء أو الأئمة وبين الأحكام التي تنسب إلى النبي ﷺ فهذه لا تكون إلا وحيًا من الله ﵎، فالنبي ﷺ فيما يبلغ من الأحكام إنما يبلغ عن طريق الوحي من الله الذي قال في ذلك: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤].
فهل تبليغ النبي ﷺ للأحكام الشرعية لا يكون إلا عن طريق الوحي بينما تبليغ الأئمة الاثني عشر للأحكام الشرعية يكون بغير طريق الوحي؟
стр. 128
الفَصْلُ الرَّابِعُ: السُنَّةُ وَشُبْهَةِ الظَنِّيَّةِ:
- تقسيم السنة في الماضي والحاضر.
- مدى الشك في ثبوت السنة وسبب التفرقة بينهما.
- أحاديث الآحاد بين الظن واليقين.
- استحالة العمل بغير اعتقاد.
стр. 129
٢٤ - تَقْسِيمُ السُنَّةِ فِي المَاضِي وَالحَاضِرِ:
لقد اصطلح علماء الحديث على تقسيم الحديث النبوي إلى متواتر وآحاد وَعَرَّفُوا الحديث المتواتر بأنه الذي رواه في الطبقات الثلاث (أي في عصر الصحابة وعصر التابعين وعصر تابعي التابعين) عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب. وحد التوتر أي العدد الذي يصبح به الحديث متواترًا شيء غير متفق عليه، كما عَرَّفُوا الآحاد من الأحاديث بأنها تلك التي رواها في الطبقات الثلاث عدد لا يبلغ حد التواتر.
هذا التقسيم اصطلح عليه الفقهاء و [المُحَدِّثُونَ]، ولم يكن في عصر الصحابة أو التابعين إنما دعت الحاجة إليه بعد شيوع الفتن وبدء تمحيص السُنَّةِ وتحديد مراتبها.
ولقد رتب الفقهاء والمحدثون على هذا التقسيم آثارًا أهمها أن السنة المتواترة تفيد العلم القطعي كالقرآن أما سنة الآحاد فتفيد العلم الظني، غير أن الحديث إذا صحت نسبته للنبي ﷺ أصبح واجب العمل والعلم، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، وبذلك قال السيوطي وابن الصلاح وابن حزم وغيرهم.
وهذا التقسيم من الناحية العملية ومن حيث وجوب العمل بالحديث النبوي لا يكاد يذكر لسببين.
стр. 130
الأول - أن الجميع متفقون على وجوب العمل بالمتواتر والآحاد من الأحاديث.
الثاني - أن الغالبية العظمى من الأحاديث النبوية ابتدأت آحادًا من حيث الرواية في عصر الصحابة، ثم تواترت في عصر التابعين وتابع التابعين، كما أن المتواتر يكون في اللفظ ويكون في المعنى، والتواتر اللفظي لا يزيد عن أربعة عشر حديثًا، وقيل أقل وقيل أكثر وذلك للاختلاف في حد التواتر.
أما المتواتر المعنوي فهو اشتراك العدد من الرواة في رواية معنى واحد بالألفاظ المختلفة، وهذا كثير جدًا في السنة القولية والعملية.
وأهم أثر لتقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد هو في أمر من رد الحديث، فمن أخذ باصطلاح المتواتر والآحاد - وهم أغلبية الفقهاء - لا يقولون بكفر من رد الأحاديث الآحاد لأنها ظنية الثبوت بينما يرون كفر من رد الأحاديث المتواترة.
ومن قال إن التواتر والآحاد قطعي الثبوت يقولون بكفر من رد شيئًا من الأحاديث سواء كانت بطريق التواتر أو الآحاد.
٢٥ - أَحَادِيثُ الآحَادِ بَيْنَ مَدْرَسَتَيْ الرَّأْيِ وَالحَدِيثِ:
ولكن مع هذا يختلف الفقهاء في شروط إعمال أخبار الآحاد تبعًا لمدى توثيقهم للخبر، فالأحناف وسائر علماء الكوفة والذين أطلق على فقههم اسم مدرسة الرأي كانوا يرون أن أخبار الآحاد ظنية، وبالتالي لا يعمل بها إن خالفت ما هو أقوى منها، أي القرآن والسنة المتوترة والمشهورة لأن الدليل المعارض قطعي وبالتالي لا تخصصه سُنَّةُ الآحاد أو القياس.
стр. 131
وفقهاء أهل المدينة والذين كانوا يسمون بمدرسة الحديث كانوا يرون أن دلالة العام ظنية، وبالتالي فسنة الآحاد لأنها من الخاص، تخصص عام القرآن وكما تخصص عام الأحاديث المتواترة والمشهورة، ويرون أن السنة كلها تستقل بتشريع الأحكام ولو كان راوي الخبر لم يعمل به فالمعمول عليه عندهم هو صحة السند، ولكن الإمام مالك وهو من فقهائهم كان يقدم عمل أهل المدينة على أخبار الآحاد، ونسب إليه أنه يقدم القياس وظاهر القرآن على سُنَّةِ الآحاد، ولهذا لم يعمل بحديث «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا [إِحْدَاهُنَّ] بِالتُّرَابِ» وذلك لعدم روايته التتريب مع الغسل (" تنوير الحوالك ": ص ٥٥، و" الموافقات " للشاطبي: ج ٣ ص ٢١).
وسبب ذلك أن الإمام مالك يرى أن عمل أهل المدينة هو بمثابة رواية جماعية وبالتالي يقدمه على الآحاد، وهو لا يقدم عليها القياس مطلقًا بل يقدم ما اعتضد منه بقاعدة عامة قطعية، وفي هذا يقول ابن رشد: «ومالك يرجح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول» (١).
بالتالي إذا تعارضت الرواية الجماعية مع رواية الآحاد قدم الرواية الجماعية على رواية الآحاد، وليس أدل على ذلك من أن الإمام مالك قال في كتابه " الموطأ ": «إن في كتابي هذا حديث رسول الله وقول الصحابة وقول التابعين ورأيا هو إجماع أهل المدينة».
كما أن الإمام مالك يبرأ من تقديم شيء على الكتاب والسنة فقد روى ابن حزم في كتابه " الأحكام " عن معين القزاز عن الإمام مالك أنه قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطىءُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي فَكُلُّ مَا وَافَقَ الكِتَابَ وَالسُنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُوَافِقْ الكِتَابَ وَالسُنَّةَ فَاتْرُكُوهُ».
стр. 132
وقد أثر عن الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس على أحاديث الآحاد، والحقيقة التي نقلها الشعراني في كتابه " الميزان " هي أن الإمام أبا حنيفة تبرأ من هذا الادعاء وقال: «كَذَبَ وَاللهِ وَافْتَرَى عَلَيْنَا مَنْ يَقُولُ إِنَّنَا نُقَدِّمُ القِيَاسَ عَلَى النَصِّ وَهَلْ يُحْتَاجُ بَعْدَ النَصِّ إِلَى القِيَاسِ». كما أنكر الإمام الكرخي القول بتقديم الأحناف القياس على أحاديث الآحاد وقال: «لَمْ يَقُلْ أَصْحَابُنَا - أَيْ الأَحْنَافُ - بِذَلِكَ بَلْ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى القِيَاسِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ عَمَلُوا بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا، أَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ، وَإِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ»، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «لَوْلاَ الرِّوَايَةَ لَقُلْنَا بِالقِيَاسِ» (١).
وقد نسب ابن أمير الحاج دعوى تقديم القياس على خبر الواحد إلى أحد فقهاء الحنفية وهو عِيسَى بْنُ أَبَانٍ المتوفى سَنَةَ ٢٣١ هـ.
حُجِيَّةُ أَحَادِيثِ الآحَادِ بَيْنَ العُمُومِ وَالخُصُوصِ:
والحقيقة أن التثبيت في قبلو أخبار الآحاد على الصورة التي عرفت إنما يرجع إلى فترة تاريخية معينة اكتشف فيها أن بعض أعداء الدين قد اختلقوا أحاديث ونسبوها إلى رسول الله ﷺ ، وبعد أن دونت السنة وكثرت الرحلات العلمية زالت هذه الشبهة وعاد الأمر إلى عصر الصحابة، وهو أن العبرة بتوافر الثقة في الراوي، فمن كان ثقة كان صادق الخبر ولو كان نفرًا واحدًا، ومن كان غير ذلك لا تقبل روايته وحسبنا أن النبي ﷺ كان يرسل عنه رسولاً واحدًا في المهام المختلفة مهما كانت طبيعة المهمة وخطورتها، فقد كان الإمام عَلِيٍّ هو رسول اللنبي إلى مكة سَنَةَ تسع من الهجرة ليخبرهم أحكام الله في المشركين وقتالهم، كما كان قيس بن عاصم هو الموفد بأحكام الإسلام إلى عشيرته نيابة عن النبي ﷺ ، كما كان معاذ بن جبل هو رسول النبي إلى اليمن، وكان غيرهم
стр. 133
أفرادًا إلى قومهم وروايتهم إليهم رواية آحاد، وكان في ردها أخطر الآثار ألا وهو القتال، ولكن النبي ﷺ لم يرسل مع هؤلاء الرسل عددًا ليبلغ حد التواتر، وكان يستطيع أن يفعل ذلك فدل فعله على صحة ما تضمنه هذا الكتاب وأن خبر الآحاد إذا صدر عن ثقة يكون حُجَّةً في جميع الأمور، ولهذا قال الإمام الشافعي في " الرسالة ": «فَلاَ يَجُوزُ عِنْدِي عَنْ عَالِمٍ أَنْ يُثْبِتَ [خَبَرَ وَاحِدٍ كَثِيرًا، وَيُحِلُّ بِهِ، وَيُحَرِّمُ]، وَيَرُدَّ مِثْلَهُ: إِلاَّ مِنْ جِهَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ يُخَالِفُهُ، أَوْ يَكُونَ مَا سَمِعَ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْثَقَ عِنْدَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ خِلاَفَهُ، أَوْ يَكُونَ مَنْ حَدَّثَهُ لَيْسَ بِحَافِظٍ، أَوْ يَكُونَ مُتَّهَمًا عِنْدَهُ، أَوْ يَتَّهِمَ مَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ، أَوْ يَكُونَ الحَدِيثُ مُحْتَمِلاً مَعْنَيَيْنِ، فَيَتَأَوَّلَُ فَيَذْهَبَُ إِلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ» (" الرسالة ": ص ١٠٠).
لقد أثر عن فقهاء الرأي عدم تخصيص عموم القرآن أو السنة المتواترة بأحاديث الآحاد وعدم الأخذ فيما زاد عن القرآن ولكنهم خالفوا ذلك في الأحكام العملية كانتقاض الوضوء بالضحك في الصلاة وبالنوم مضطجعًا، أما فقهاء مدرسة الحديث فيرون استقلال سُنَّةِ الآحاد بتشريع الأحكام كقضاء النبي بشاهد ويمين المدعي ورجم الزاني (١).
كما يرون أنها تخصص عام القرآن والسنة المتواترة لأن الدلالة هنا ظنية فيقوى خبر الآحاد على تخصيصها، بينما ترى مدرسة الرأي أن هذه الدلالة قطعية وكذلك دلالة الخاص قطعية فلا يخصص أحدهما الآخر إلا عند التعارض (٢) وأن عرف المتأخر منهما كان هو الناسخ فإذا لم يعرف يعمل بقطعي الثبوت منهما وهو القرآن والسنة المتواترة ومثلها المشهورة وإذا لم يعرف تاريخ العام أو الخاص كان العام هو الأخير احتياطًا (٣).
стр. 134
٢٦ - مَدَى الشَكِّ فِي ثُبُوتِ السُنَّةِ وَسَبَبِ التَّفْرِقَةِ بَيِْنَهَا:
نظرًا لأن السُنَّةَ النَّبَوِيَّةَ ولا سيما الأحاديث القولية لم تدون كلها في عهد الرسول ﷺ ، كما أن روايتها تعتمد على فقه الراوي وحفظه، فقد كان الصحابة يتحرون الدقة في رواية الأحاديث النبوية وقد تمثلت هذه الدقة في أمرين:
الأول - كان بعض الصحابة يتوقفون في قبول روايات مَنْ هُمْ محل شك في قدرتهم على الحفظ والنقل ويعرضون هذه الرواية على ما ورد في القرآن الكريم وفي السُنَّةِ النَّبَوِيَّةَ المنقولة عن الثقات في الحفظ والروية ومن الأمثلة على ذلك:
١ - ما روته فاطمة بنت قيس من أن زوجها طلقها ثلاثًا وأن رسول الله لم يقض لها بالنفقة والسكن (١)، فقد أورد ذلك النسائي ولكن هذه الشهادة لم يطمئن إليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وَرَدَّهَا مُعَلِّلاً الرَدَّ بقوله: «لاَ نَدَعُ كِتَاب رَبِّنَا وَسُنَّة نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ». جاء هذا في " صحيح مسلم "، كما قالت عائشة: «يَا فَاطِمَةُ أَلاَ تَتَّقِينَ اللهَ» (٢)، فالرد للمرأة وليس لحديث ثابت عن النبي ﷺ .
стр. 135
٢ - أيضًا ما رواه أبو داود عن معقل بن يسار (*) من أن النبي قضى في المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول وقبل أن يسمي المهر بأن لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط.
ولكن الإمام علي ﵁ لم يطمئن إلى هذا الراوي لوجود ما يعارض روايته وهو قول الله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ففهم الإمام من الآية أن من طلقها زوجها قبل التدخول وقبل أن يجعل لها مهرًا لا تستحق صداقًا لرفع الله الجناح عن الزوج ومثلها من مات عنها زوجها قبل الدخول وتحديد المهر ولقد فهم الصحابي عبد الله بن مسعود غير ذلك وعنه أخذ بعض الفقهاء ولكن الخلاف لم يكن حول قبول الحديث بل حول ثبوته.
الأمر الثاني - الروايات المنقولة عن النبي ﷺ وتعارض نَصًّا في القرآن أو حُكْمًا ثابتًا للنبي ﷺ فالدقة والأمانة جعلت بعض الصحابة يستوثق من صدق الراوي أو من حفظه خصوصًا إذا كان الحكم جديدًا على الصحابي الذي سمع الحديث.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - أن خليفة رسول الله أبا بكر الصديق رفض أن يعطي الجدة ميراثًا من تركة حفيدها لأنه قال كما جاء في " سنن أبي داود " و " الترمذي ": «مَا أَجِدُ لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى [شَيْءٌ]، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا»، ولكن لما عارضه المغيرة بن شعبة وقال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْطِيهَا السُّدُسَ»، احتاط أبو بكر فسأله: «هَلْ مَعَكَ أَحَدُ الشُّهُودِ بِذَلِكَ؟»، قَالَ: «مَعِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ»، فلما اطمأن أبو بكر أخذ بهذه السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وقضى بها للجدة.
стр. 136
ومن الأمثلة على الدقة في الرواية:
٢ - الإمام علي قال: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ [مِنْهُ]، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ» (١).
٣ - ومن الأمثلة على رد الرواية للشك في حفظ الراوي ما رواه الإمام مسلم أن عائشة ﵂ قد ذكر لها أن عبد الله بن عمر روى حديثًا فيه: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ»، فقالت عائشة: «يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ» إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» (٢).
وإن كانت أم المؤمنين ﵂ قد حفظت هذه الرواية ورجحتها بقول الله تعالى: ﴿وَََلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ومن ثم نسبت الخطأ أو النسيان إلى ابن عمر ﵄ ولكن ثبت أيضًا أن البخاري ومسلمًا رَوَيَا عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ» وفي رواية «بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (٣)، ولا يوجد تناقض بين الروايتين فقد قال ابن جرير الطبري وانتصر له ابن تيمية أنه يعذب بمعنى يتألم ويحزن لبكاء أهله عليه أو نياحتهم، وفسرها آخرون بمعنى يعاقب (وهذا يكون إذا صدرت منه وصية بذلك، وقد أخرج البخاري حديثًا آخر عن عائشة ﵂ ونصه: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ» (٤).
стр. 137
طَبِيعَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الآحَادِ وَالمُتَوَاتِرِ:
إن هذا التثبت ليس رَدًّا لحديث قد ثبت عن النبي بل هو مراجعة على الراوي، وهذا يشمل كل ما يروى عن النبي ﷺ ، فلم ينص أحد على التفرقة بين الحديث المتواتر وحديث الآحاد، لأن الاصطلاح لم يظهر في عصر الصحابة حتى يقال إنهم كانوا يتقبلون الأحاديث المتواترة ويردون أحاديث الآحاد أو يضيقون نطاقها، بل كانوا جميعًا يقبلون الحديث النبوي متى اطمأنوا إلى الرواية على النحو الذي سبق ذكره، وظل هذا خلال عصر التابعين بل والعصر الذي يليه (١).
وفي هذا قال ابن حزم: «إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا» (٢) وقال أيضًا: «القرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض وهما شيء واحد في أنهما من عند الله - ومن جاء بعده خبر عن رسول الله يقر أنه صحيح وأن الحجة تقوم بمثله، أو قد صح مثل ذلك الخبر في مكان آخر، ثم ترك مثله في هذا المكان لقياس أو لقول فلان أو فلان، فقد خالف أمر الله ورسوله» (٣).
لقد جاءت عصور فيها وضع العلماء مصطلحات ظنها المتأخرون قواعد شرعية، وهي ليست من القرآن ولا من السنة ولا من آثار الصحابة ﵃، ولكن كان الغرض من هذا المصطلح هو التفرقة في الحكم بالكفر
стр. 138
بين من رد حديثًا متواترًا، فهذا يكون كافرًا، وبين من رد حديثًا غير متواتر لشكه في الرواية فهذا لا يكون كافرًا.
وكفر من رد الحديث النبوي المتواتر لا يكون إلا في حق من يعلم أن الحديث ثابت عن النبي ﷺ ، ثم أصر على أنه غير ملتزم بالسنة النبوية الواردة في هذا الحديث وجحد حكمها وأنكره سواء تعلق الحكم بفرائض كعدد الصلوات أو نوافل كهيئة الصلاة وما ورد فيها من تسبيح لأن الرد والإنكار في هذه الأحوال ليس هو ترك العمل، فهذه معصية بل ينصب حول رد الوحي والرسالة في شطر منها، وهذا كفر بالله ورسوله (١).
٢٦ - أَخْطَاءٌ وَجِنَايَةٌ ضِدَّ السُنَّةِ:
إن قول عمر بن الخطاب: «لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرْي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ».
وكذلك تَحَفَّظَ بعض الصحابة كأبي بكر وعلي وعائشة وتحريهم نسبة الحديث إلى النبي ﷺ أصبح لدى بعض علماء عصرنا وخصوصًا بعض أساتذة علوم الشريعة منهجًا خاصًا في شأن رد خبر الآحاد لأنه ظني الثبوت مع أن هؤلاء الصحابة لم يصرحوا أو يلمحوا بذلك، بل لم يعرفوا اصطلاح المتواتر والآحاد لأنه ظهر بعد عصرهم. كما أن اصطلاح فقهاء المذاهب الجماعية في تقسيم الحديث النبوي إلى متواتر ومشهور، والآحاد تحول أثره من التفرقة بين من يحكم بردته وكفره وهو الذي يرد الحديث المتواتر، ومن لا يحكم عليه بالكفر وهو رد حديث الآحاد، تحول من هذا الأثر إلى القول إن أحاديث الآحاد ليست حُجَّةً في أمور مختلفة إذ يقول الشيخ محمد
стр. 139
عبده «ولا يمكن أن يعتبر حديث من حديث الآحاد دليلاً على العقيدة» (١).
ويرى الدكتور عبد الحميد متولي أن سنة الآحاد لا يمكن أن يثبت بها حكم دستوري. ويرى آخرون أنها لا تصلح في الحدود والعقوبات، وهكذا ظهرت مادة علمية تغرس في نفوس الطلاب أن السنة النبوية ظنية الثبوت، وهم يعلمون أن الأحاديث المتواترة، نادرة، وأن أحكام الشريعة أكثرها من سنة الآحاد وأنها ملزمة للأمة، ومن ثم تصبح هذه الأقوال جناية ضد السنة النبوية لا تقل أثرًا عن جناية المستشرقين وتلاميذهم من المسلمين، لأن هذه الأقوال قد خلت من بيان المقصود من هذه الظنية وأنه لا أثر لها على العمل بهذه السنة في العبادات والمعاملات والحدود وغيرها ولم يذكر هؤلاء أن جمعًا من الفقهاء يقولون أن أحاديث الآحاد تفيد العلم وتوجب العمل لأنه لا عمل بغير علم حيث قال بذلك الإمام أحمد وبعض أهل الحديث وداود الظاهري وابن حزم وآخرين كما لم تقترن أوصاف هؤلاء لهذه السنة بالظنية، بما قرره الأحناف والشافعية وجمهور المالكية من أن هذا الظن يوجب العمل بهذه السنة لأنه لا تلازم بين وجوب العمل وإفادة علم اليقين بل يكفي الظن الراجح، بل قال الغزالي: أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يسمي الظن علمًا وهذا لا يتعارض مع قطعية وجوب العمل بها فالظن والقطع غير [واردين] على محل واحد، فمبعث الظن هو المخبر عنه من جواز الخطأ والنسيان ومعبث القطع إنما هو حكم الله ولا تعارض في أن حكم الله يوجب العمل بمقتضى الظن والعمل بخبر الآحاد قد تواتر بإجماع الصحابة وبتواتر الأحاديث الدالة على عمل النبي (٢).
стр. 140
٢٧ - السُنَّةُ وَالمُصْطَلَحَاتُ الحَدِيثَةُ:
الحديث المتواتر عند من يأخذون بهذا الاصطلاح هو الذي يرويه عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب، ويشترط أن يتوفر هذا العدد من الرواة في زمن صحابة النبي ﷺ وزمن التابعين، ثم عصر تابع التابعين.
أما الحديث المشهور أو المستفيض فهو ما رواه الآحاد من الرواة في عصر الصحابة، ثم رواه في الطبقتين التاليتين عدد يبلغ حد التواتر.
أما حديث الآحاد فهو الذي لم يبلغ حد الشهرة ولا حد التواتر، ولكن من الفقهاء من يقسم السنة النبوية إلى متوتر وآحاد، وبذلك يكون المشهور ضمن أحاديث الآحاد.
إن أصحاب هذا المصطلح لم يتفقوا على عدد الرواة الذي يكون فاصلاً بين المتواتر والمشهور والآحاد فقد اختلفوا في عدد رواة الحديث من كل نوع حتى تجد المشهور عند قوم متواترًا عند آخرين، فالباقلاني يحدد المتواتر بما رواه أربعة فأكثر واشترط غيره عشرة، بينما عند أبي الهذي عشرين فأكثر.
قال الحافظ ابن كثير: «والشهرة أمر نسبي، فقد يشتهر عند أهل الحديث أو يتواتر ما ليس عند غيرهم [بالكلية]، ثم [قد] يكون المشهور متواترًا أو مستفيضًا، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة.
وعن القاضي الماوردي: أن المستفيض أقوى من
стр. 141
المتواتر. وهذا اصطلاح [منه]» ... وقال: «وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها، أو هي موضوعة بالكلية. وهذا كثير جدًا، ومن نظر في كتاب " الموضوعات " لأبي الفرج بن الجوزي عرف ذلك، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: " أربعة أحاديث تدور بين الناس في الأسواق لا أصل لها: " مَنْ بَشَّرَ بِخُرُوجِ آذَارْ بَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ " وَ " مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ " وَ " نَحْرُكُمْ يَوْمَ صَوْمِكُمْ " وَ " لِلْسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ "».
إن المتواتر عند من يأخذون به ينقسم إلى متواتر في اللفظ وهو الذي روي في الطبقات الثلاث بلفظ واحد مثل حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».
ومتواتر في المعنى وهو الذي تختلف ألفاظه ورواياته ولكن يتواتر معناه مثل أحاديث الصلوات ومناسك الحج وغيرها مما لا مجال لحصره لأنه كثير منهم من يروي الأحاديث بالمعنى، أي بألفاظ من عنده فالخطبة الواحدة أو الموضوع الواحد يرويه بألفاظ مختلفة ولم ينكر أحد منهم ذلك، وفي هذا قال الصحابي زُرَارَةُ بْنِ أَوْفَى: «لَقِيتُ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ وَاجْتَمَعُوا فِي المَعْنَى» (١).
وقد استدلوا لذلك بقول النبي ﷺ : «نَضَّرَ اللَّهُ امَرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» (٢).
والتواتر المعنوي في الأحاديث النبوية، هو الذي قصده شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله:
стр. 142
«فَالمُسْلِمُونَ عِنْدَهُمْ [نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ بِأَلْفَاظِ القُرْآنِ وَمَعَانِيهِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَبِالسُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ] مِثْلُ: كَوْنِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَالعِشَاءِ أَرْبَعًا، وَ [كَوْنِ] المَغْرِبِ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ، وَكَوْنِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ وَمِثْلُ الجَهْرِ فِي العِشَائَيْنِ وَالفَجْرِ [وَالْمُخَافَتَةِ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَمِثْلُ كَوْنِ الرَّكْعَةِ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ]، وَكَوْنِ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا، وَرَمْيِ الجَمَرَاتِ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ» (١) (*).
ومع هذا فإن المتواتر المعنوي قد عده أصحاب هذا المصطلح ضمن أحاديث الآحاد مع كثرة رواته في الطبقات الثلاث، فمثلاً خطبة النبي في حجة الوداع تدخل ضمن المتواتر المعنوي، ولا يعدونها قطعية الثبوت.
إن النتائج المترتبة على هذا التقسيم قد تبدلت في عصرنا عن بعض الكُتَّابِ، فالذين أتوا باصطلاح الحديث المتواتر لم يرتبوا على هذا التقسيم رد سُنَّةِ الآحَادِ وعدم العمل بها، فهم متفقون على أن حديث الآحاد إذا رواه العدل الثقة وجب العمل به، ومنهم من قال إنه قطعي الثبوت (٢).
وهذا يشمل أمور الدين كلها سواء كانت عقائد أم عبادات أم معاملات.
وكما اختلفوا في مسألة التواتر وشروطها، فقد اختلفوا في العمل بآحاديث الآحاد، إذا خالفت القرآن أو المتواتر من حديث النبي ﷺ . فيرى أبو حنيفة ألا يعمل رواية بخلافه في الحياة العملية، ويرى مالك أنه إن خالف عمل أهل المدينة دل على عدم صحة نسبته إلى النبي ﷺ ، وقال الجبائي: لا يعمل به إلا إذا رواه اثنان فأكثر، بينما يكتفي
стр. 143
الإمام الشافعي بصحة السند واتصاله بالنبي عن طريق رجال ثقات عدول وهو نفس منهج الإمام أحمد وأهل الظاهر.
كما يختلفون في أمر لا أثر له على قبول الحديث والعمل به. فمنهم من يرى أن حديث الآحاد يفيد غلبة الظن ولا يفيد اليقين وبالتالي فهو ظني الثبوت، ويرى آخرون أنه قطعي الثبوت ثم ظهر بعد ذلك من رأى عدم الأخذ به في العقائد، بل تجاوز بعض المسلمين ذلك فقالوا: الحكم الشرعي في العقائد يحرم أن يكون دليلاً ظنيًا، وكل مسلم يبني عقيدته على دليل ظني يكون قد ارتكب حرامًا، وكان آثمًا عند الله (١).
والذي يلفت النظر أن اصطلاح أحاديث الآحاد والأحاديث المتواترة وما نتج عن ذلك من تفرقة في الأحكام الشرعية، لم يكن عند صحابة رسول الله ﷺ فلم تؤثر هذه التفرقة، فهي لم توجد إلا على أثر ظهور أحاديث موضوعة من أعداء الإسلام أو من غيرهم ومنسوبة إلى النبي ﷺ ، مما استوجب التثبت في الأمر والتأكد من صحة نسبة الحديث إلى النبي ﷺ . ومثل هذا التثبت يتفاوت الناس فيه - ومن هنا كانت العلة في هذا التقسيم وكانت نتيجته أن من توقف في قبول حديث من هذا النوع لا يعد كافرًا - بينما من توقف في الأخذ بحديث من الأحاديث المتواترة وأنكره يعد كافرًا.
بِدْعَةُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ:
لقد تجاوز بعض العلماء المعاصرين الغاية التي من أجلها وجد تقسيم الحديث
стр. 144
إلى متواتر وآحاد ألا وهي عصمة دم من رد حديثًا غير متواتر للشك في الراوي:
١ - «فوجدنا من يقطع بأنه لا يمكن أن تتخذ حديثًا من أحاديث الآحاد دليلاً على العقيدة، مهما قوي سنده، لأن المعروف عند الأئمة قطبة أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن، وأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وهذه نتيجة تغاير تمامًا المعروف عند العلماء كما أوضحناه من قبل.
٢ - ووجدنا من يقول إن كل مسلم يبني عقيدته على دليل ظني يكون قد ارتكب جرمًا وإثمًا.
٣ - كما قيل إنه لا فرق بين القرآن وبين السنة في حق الصحابة من حيث وجوب الامتثال، بينما يختلف هذا الموضوع في حق من جاء في الأعصر المتأخرة، لأن الأحاديث لم تصلهم عن طريق متواتر يقيني» (١).
كما قال الدكتور عبد الحميد متولي: «إن أحاديث الآحاد لا تصلح في الأمور الدستورية لأهميتها، وقال غيره: إنها لا تصلح في العقوبات لخطورتها، ثم كان رد بعض العلماء بأن عدم يقينية أخبار الآحاد هو ما قرره جميع فقهاء الشريعة الإسلامية، بل قيل لم نسمع أن فقيهًا واحدًا ادعى أن أخبار الآحاد تفيد اليقين» (٢).
стр. 145
جَوْهَرُ الخَطَأِ العِلْمِيِّ:
إن جوهر الخطأ في هذه الأقوال هو القطع بأن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن، والزعم بأن أحدًا لم يقل أو يدعي أنها تفيد اليقين.
والقطع بأنها لا تصلح في أمور العقيدة بل من المحزن القول بأن من بنى عقيدة على حديث آحاد قد ارتكب إثمًا.
ومن دواعي الحزن والأسى أن أكثر مدرسي الفقه الإسلامي بالجامعات يتوسعون في إثبات ظنية أحاديث الآحاد، ويلقنون هذه الظنية دون بيان سبب هذا المصطلح المستحدث وآثاره، مما يسر اقتناع الطلاب بالتيارات التي تدعي رد هذه السُنَّةِ في بعض الأمور. وقد حدد الشيخ النجدي هذا الخطر بقوله: «رأوا تقسيم الأحاديث إلى متواترة وآحادية، فادعوا أنه لا يقبل في العقائد إلا المتواتر، وقد ادعى من جازف منهم وقل علمه بالإجماع على ذلك وهذا قول ينادي على فساد نفسه» (١).
وبعض الخطأ يكمن في نقل مصطلح وجد أثناء تصفية السنة، وقد زال بعد ثبوتها وتدوينها وأصبح معلومًا أن الشك أو الظن في الأحاديث لا محل له بعد القرن الثالث الهجري.
وإن العلة في التفرقة بين المتواتر والآحاد هي عصمة دم من رَدَّ حديثًا غير متواتر للشك في رواته؟ ومع هذا فالتواتر اللفظي أنكر ابن الصلاح وآخرين وجوده وأقر غيره وجوده في عدة أحاديث ولكن الإجماع منعقد على أن العمل بأحاديث الآحاد واجب ولا تحل مخالفته (٢).