← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95845

السنة المفترى عليها

سالم البهنساوي

Полный текст (345 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كلمة طيراً، منقارهُ من ذهب، وريشه من مرجان»، وأخذ القاص يروي كلاماً نحو من عشرين ورقة. فلما فرغ من قصصه قال له يحيى بن معين مشيراً بيده، فحضر مُتَوَهِّماً عطاء سيأخذه - فقال له يحيى: من حدَّثَكَ بهذا الحديث؟ قال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين - فقال: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد، ما سمعتُ بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: لم أزل أسمع أنَّ يحيى بن معين أحمق، ما تَحَقَّقْتُ هذا إلاَّ الساعة، كأنْ ليس فيها أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما. خامساً: ركاكة اللفظ والمعنى كحديث «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» (" المنار " لابن القيم الجوزية: ص ٢٥). سادساً: تناقض المعنى مثل «الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» و «الْبَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» و «لَوْ كَانَ الأَرُزُّ رَجُلا لَكَانَ حَلِيمًا» (" المنار " لابن القيم: ص ١٩، ٢٠). سابعاً: مخالفة صريح القرآن والسُنَّة الصحيحة مثل «مقدار الدنيا أنها سبعة آلاف سَنَةٍ» (" توضيح الأفكار ": جـ ٢ ص ٩٦). ثامناً: مخالفة الوقائع التاريخية: من ذلك ما رُويَ عن أبي وائل قال: «خرج علينا ابن مسعود بصِفِّين» لذلك قال أبو نعيم أتراه بُعِثَ بعد الموت، فإنَّ ابن مسعود توفي قبل صِفِّين سَنَةَ (٣٢ هـ) (١). ومثل حديث: «وضع الجزية عن أهل خيبر، ففيه شهادة سعد بن معاذ الذي توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، كما أنَّ الجزية لم تكن

стр. 72

قد فرضت، حيث وضعها النبي ﷺ على نصارى نجران ويهود اليمن بعد غزوة تبوك» (١). تاسعاً: اشتمال الحديث على سخافات: مثل حديث «من اتَّخذ ديكاً أبيض لم يقربه شيطان ولا سِحْرٌ» (٢) وحديث «ثَلاثَةٌ تُزِيدُ فِي البَصَرِ: النَّظَرُ إِلَى الخُضْرَةِ، وَالمَاءِ الجَارِي، وَالوَجْهِ الْحَسَنِ» (٣) وحديث «النَّظَرُ إِلَى الوَجْهِ الجَمِيلِ عِبَادَةٌ» (٤) وأيضاً حديث «عوج بن عنق ففيه (٥) أنَّ طوله كان ثلاثة ألاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث، وفيه أنَّ نبي الله نوح - خاف من الغرق وقال لعون بن عنق احملني في قصعتك وأنَّ الطوفان لم يصل إلى كعبه». ١٥ - مَدَى التَّوَقُّفُ فِي مَتْنِ الحَدِيثِ وَطُرُقِ التَّخْرِيجِ: إنَّ الأصل والقاعدة عند أهل العلم بالسُنَّة أنه إذا كان رُواة الحديث من الثقات وسلموا من الطعن والشك في روايتهم فقد اعتبر الحديث صحيحاً، أي صادراً عن النبي ﷺ حتى لو خالف متنُهُ أي موضوعه أحاديث أخرى صحيحة. ولكن بعض العلماء يشترط لقبول الحديث أنْ يكون مَتْنُهُ مُوافقاً لسائر الأحاديث في هذا الموضوع ويُعَبِّرُون عن ذلك بشرط خلو الحديث من الشذوذ والعلَّة.

стр. 73

وإذا كان هذا مقبولاً في فترة جمع السُنَّة وتصفيتها بحيث يكون مثل هذا الشذوذ في المعنى سبباً لإعادة البحث في أحوال الرُواة، والتأكد من صِحَّة الحديث. فلا يجوز في عصرنا أنْ نجلس على الأرائك ونتغنَّى برَدِّ الحديث لأنَّ متنه يُعَدُّ شاذاً في نظرنا عن غيره، لأنَّ الذين جمعوا السُنَّة وتخصَّصُوا فيها قد بيَّنُوا لنا كل ذلك، وكان لديهم من العلم والملكات ما يؤهِّلُهُم لهذه المُهِمَّة، وكانوا يأخذون بذلك فترة الجمع والتمحيص. قال ابن دقيق العيد: «وكثيراً ما يحكمون بذلك - أي بالوضع - باعتبار يرجع إلى المَرْوِيِّ وألفاظ الحديث وحاصله أنها حصلت لهم - بكثرة محاولة ألفاظ النبي ﷺ هيئة نفسية وملكة يعرفون بها ما يجوز أنْ يكون من ألفاظه وما لا يجوز» (١). لهذا يرى السَّلَفِيُون وغيرهم أنَّ مخالفة الحديث لغيره من الأحاديث ليس شذوذاً ولا عِلَّةً تقدح في صِحَّتِهِ لأنَّ زيادة الثقات هي حكم جديد يجب العمل به، فإنْ تعارضت الزيادة مع حديث آخر صحيح فوجب الترجيح بين الروايتين كأنْ تكون ناسخة لغيرها إنْ تساوت معها في الزمن أو تأخَّرت عنها، ولا يجوز أنْ يقال إنَّ هذا حديث صحيح قد رواه الثقات، ولكن نَرُدَّهُ لأنَّ موضوعه يخالف العقل أو يخالف حديثاً آخر. غير أنَّ اتصال السند وعدالة الرُواة لم يمنعا علماء الحديث من البحث في السند والمتن إنْ كانت به عِلَّةٌ قادحة ٌ، مثال ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثاً، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (٢). ففي رواية لهذا الحديث نجد زيادة نَصُّهَا: «ثُمَّ لِيَغْتَرِفْ بِيَمِينِهِ مِنْ إِنَائِهِ، ثُمَّ لِيَصُبَّ عَلَى شِمَالِهِ فَلْيَغْسِلْ مَقْعَدَتَهُ».

стр. 74

[زِيَادَةُ الثِّقَاتِ وَالإِدْرَاجِ]: (*) فهذه الزيادة في المتن رواها الثقات ولكن العلماء النُقَّاد لما وجدوا أنَّ هذه الزيادة ليست هي المحفوظة بحثوا في المتن والسند وانتهوا إلى أنها من كلام الراوي إبراهيم بن طهمان (١) حيث كان يصل شرحه بالحديث فلا يُمَيِّزُهُ المُسْتَمِعُ، فيظنُّ أنه من الحديث وقد يرويه بهذه الزيادة وهذا يُسَمَّى الإدراج. ومثل حديث: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَ» فهو عن الزُهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وفيه قال أبو حاتم الرازي: «هذا خطأ المتن والإسناد». والإسناد هو الزُهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَلاَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا» (٢). رواه الدارقطني والعقيلي وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي بلفظ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ» (٣). ومثل حديث: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ». فقد روى الحاكم النيسابوري أنَّ الإمام مسلماً جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: هذا حديث مليح إلاَّ أنه معلول، فهو عن عون بن عبد الله، أي موقوف عليه وليس من قول النبي ﷺ (٤) لذلك يوجد عليم (علل الحديث) ولا يبحث في الصِحَّة والضعف والجرح والتعديل، - إنما قال الحاكم النيسابوري - يبحث في «أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإنَّ حديث المجروح ساقط، وعِلَّة الحديث يكثر في آحاديث الثقات أنْ يُحَدِّثُوا بحديث له عِلَّةٌ فيخفى عليهم علمه» (٥).

стр. 75

وقال ابن الصلاح: إنَّ معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقِّها وأشرفها، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب (١). طُرُقُ التَّخْرِيجِ: وخلاصة القول في ذلك أنه إذا وجد الباحث أنَّ متن الحديث فيه ركاكة في اللفظ أو فساد في المعنى أو يخالف صريح القرآن في حدود علمه فإنَّ الواجب عليه أنْ يقوم بتخريج الحديث والوقوف على درجته من حيث الصحة والضعف، ويمكنه التخريج بالطرق الآتية: [١] التخريج عن طريق الصحابي: إذا كان اسم الصحابي الذي روى الحديث مذكوراً فيمكن تخريجه عن طريق: أ - المسانيد: وهي الكتب المُصَنَّفَةُ بأسماء الصحابة كـ " مسند أحمد ". ب - المعاجم: وهي تُرَتِّبُ الأحاديث بأسماء الصحابة كـ " المعجم الكبير " للطبراني، و " معجم الصحابة " للموصلي أو الهمداني أو كـ " الأوسط " للطبراني. ج - كتب الأطراف وهي تقتصر على طرق من الحديث، ومنها ما هو مرتَّبٌ على مسانيد الصحابة أو مُرَتَّبَةٌ على الحروف طِبْقاً لأول المتن. [٢] التخريج عن طريق ألفاظ المتون: فهذه الكتب تُصَنِّفُ الحديث بأول كلمة من المتن مثل كتاب " الجامع الصغير " للسيوطي، ولهذه الطريقة وضع بعض العلماء فهارس ومفاتح لبعض كتب الحديث. [٣] التخريج عن طريق موضوع الحديث: وهذه تشمل المُصَنَّفات الحديثة المرتبة على الأبواب والموضوعات، كالجوامع والمستدركات والسُنن والموطآت.

стр. 76

[٤] التخريج عن طريق ألفاظ الحديث: وهذه الطريقة اتّبعها المستشرقون الذين وضعوا " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي " الذي شمل تسعاً من كتب السُنَّة فيجب الرجوع إليها. [٥] التخريج عن طريق المتن: إذا كانت علامات الركاكة والوضع في متن الحديث ظاهرة فيرجع إلى كتب الموضوعات، ومنها ما هو مُرَتَّبٌ على الحروف مثل كتاب " المصنوع في معرفة الحديث الموضوع " ويُسمَّى " الموضوعات الصُغرى " للشيخ علي القاري الهروي ومنها المُرَتَّبُ على الأبواب مثل كتاب " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة " لأبي الحسن علي الكتاني (١) والحكم على المتن يختص به كبار أئمة علماء الحديث فمن الجراءة والسخافة أنْ يدَّعي ذلك كل من كتب أو صنَّف. [٦] التخريج عن طريق السند: ويكون ذلك بدراسة سلسلة الإسناد بالرجوع إلى ترجمة كل منهم ومعرفة أحوال الرُواة ومدى قبولهم ومدى الاتصال أو الانقطاع والاطلاع على رأي أئمة الجرح والتعديل في هذا الشأن (٢). وقد وضع علماء الحديث كثيراً من المُصنَّفَات عن الرجال أشهر أنواعها في معرفة الصحابة، وفي الطبقات، وفي رُواة الحديث، وفي رجال كتب مخصوصة، وفي الثقات وفي الضُعفاء، وفي رجال بعض البلدان وفي مُصنَّفات مُرَتَّبة على الحروف. هذا والأحاديث التي بحث الأئمة الثقات أسانيدها وبيَّنُوا مراتبها من الصِحَّة والضعف فيمكن الاكتفاء بحكمهم ما لم يكن أحدهم مشهوراً بالتساهل في حكمه لأنَّ التخريج عن طريق السند ليس باباً مفتوحاً على مصراعيه لكل من أراد

стр. 77

الفَصْلُ الثَّالِثِ: السُنَّةُ وَالفِتْنَةُ الكُبْرَى: أدب الخلافة والعصمة الجديدة. الحديث بين السُنَّة والشيعة والخوارج. حوار حول العصمة وحديث الغدير. أقوال الأئمة والسُنَّة. حقائق عن السُنَّة والعصمة. مصدر الأئمة في تبليغ الأحكام والحقيقة الغائبة.

стр. 78

١٦ - السُنَّةُ وَالفِتْنَةُ الكُبْرَى: لقد كان من آثار الفتنة التي ظهرت بين المسلمين أنْ نازع الصحابي معاوية (بصفته أمير الشام)، وخرج على الإمام عليٍّ مُتَّهِماً إياه بالتهاون في معاقبة قَتَلَةِ أمير المؤمنين عثمان، وكان الإمام عليٌّ قد آثر التروي وعدم الأخذ بالشُبهات عملا بقواعد الإسلام وأصوله. ونتج عن الحرب التي وقعت بين الإمام عليٍّ والفئة التي وقفت مع معاوية أنْ انشق على الإمام علي طائفة حاربته وسُمِّيتْ بالخوارج لأنهم خرجوا عليه عندما قبل التحكيم بينه وبين معاوية. كما ترتَّب على هذا أنْ اشتدَّتْ طائفة في مناصرتها للإمام عليٍّ وتشيَّعتْ له وعرفت باسم الشيعة. وكان لهذا ولهذه الفتنة أثر بالنسبة للسُنَّة النبوية، إذا أنها لم تُدَوَّنْ في عصر النبي ﵇ في كتاب واحد يجمع عليه المسلمون كما هو الشأن في القرآن الكريم، وهذا الأثر ينحصر فقط في المصدر الذي تؤخذ منه السُنَّة النبوية، ففي الوقت الذي حدثت فيه الفتنة كانت السُنَّة محفوظة ورُواتها محل ثقة، ولكن بسبب الفتنة وجدنا أنَّ الخوارج قد رَدُّوا الأحاديث النبوية التي رُوِيَتْ من غير أئمتهم ظناً منهم أنَّ جمهور صحابة رسول الله ﷺ الذين قبلوا التحكيم بعد انتصار الإمام عليٍّ لا يكونون محلَّ ثقة في تلقي الحديث

стр. 79

النبوي عنهم. كما وجدنا أنَّ الشيعة - فيما عدا الزيدية - أكثرهم يرُدُّون الحديث النبوية المرويَّ عن غير أئمتهم، لأنَّ عقيدتهم أنَّ من بايع أبا بكر وعمر وعثمان يكون قد خان وصيَّةَ الرسول ﷺ باستخلاف الإمام عليٍّ من بعده، وهذه غير ثابتة عند أهل السُنَّة، وأيضاً أهل السُنَّة منهم من يتوقَّفُ في أخذ الأحاديث النبوية من مصادر الشيعة. هذه الحواجز يجب أنْ تزول وأنّْ تُراجع الأحاديث في جميع هذه المصادر، لأنَّ من رحمة الله بالأمَّة، أنَّ الذين رَوَوْا السُنَّة من الصحابة كثيرون حتى وجدنا أكثرها عند جميع الطوائف الإسلامية. والقول إنَّ الله تعالى أوصى أنْ يتولَّى الإمام (عليٌّ) أمر المسلمين من بعده (١) ولكن النبي لم يُبَلِّغْ ذلك خشية أنْ يقال أنه آثر ابن عمه، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، هذا القول محل نظر لقصره السُنَّة على آل البيت. بينما سياق الآيات القرآنية يُرَجِّحُ المعنى الآخر الذي أورده (أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي والشيعي)، والمُلَقَّبْ بشيخ الطائفة، إذ أورد المعنى السابق ثم قال: قلنا قال ابن عباس: معناه إنْ كتَمْتَ آية مِمَّا أنزل إليك فما بلَّغْتَ رسالته (٢)، وبيان ذلك تجده بعنوان حديث غدير خُمْ.

стр. 80

وقوله له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، معناه يمنعك أنْ ينالوك بسوء فعل أو شر أو قهر. كما أنَّ الآيات السابقة واللاحقة خاصة بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ولهذا قال الشهيد سَيِّدْ قُطْبْ: «يبدو من السياق قبل هذا النداء وبعده أنَّ المقصود به مباشرة هو مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ما هُمْ عليه وبحقيقة صفتهم التي يستحقُّونهاعما هم عليه ومواجهتهم بأنهم ليسوا على شيء» (١). إنَّ وصيَّة الرسول بخلافة عليٍّ، كما يرى الشيعة، يجب أنْ تزول آثاره، فإنها تنحصر في أمر لا يؤثِّرُ على السُنَّة النبوية، وقد زال سبب الخلاف حول أحقية الإمام عليٍّ بالخلافة بعد النبي ﷺ . وأولى بكل مسلم أن يأخذ كل ما ورد عن النبي، لأنَّ الذين رَوَوْا السُنَّة إنما نقلوها قبل وفاته ﷺ ، فلا مجال للزيادة أو النقص فيها، ولا يجوز رَدَّ رواية بعض الصحابة لمُجرَّدِ أنهم ليسوا من أهل البيت أو لم يكونوا من أئمة الخوارج، لسبب جوهري هو أنه قد جاءت صفاتهم في القرآن الكريم الذي يؤمن به أهل السُنَّة والشيعة والخوارج، وهو مصحف عثمان الموجود بين أيدينا جميعاً، لقد قال الله عن صحابة رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، والآية لم تُفرِّق بين الصحابة الذين حضروا بيعة الرضوان قبل فتح مكة، وهؤلاء جُلُّ الذين رويت عنهم الأحاديث النبوية. فالذين ﵃ لا ينبغي لمسلم أنْ يطعن فيهم، أو يَرُدَّ روايتهم عن النبي ﷺ أو رواية بعضهم، لأنهم ليسوا من أهل البيت أو من أئمة الخوارج أو لأنهم مُتَشَيِّعُونَ لأهل البيت أو كانوا مع الخوارج. فالواجب على المسلمين أنْ يَقْبَلُوا

стр. 81

روايات الصحابة دون تفرقة بين أحد منهم بسبب القرابة أو اجتهادهم ومواقفه من الخلافات. بَيْنَ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ: إنَّ أعظم فتنة أصابت المسلمين هي انقسامهم إلى سُنَّةٍ وَشِيعَةٍ، ولكن هذا الانقسام لا يترتَّبُ عليه قطع أواصر الأخُوَّة والمودة بين الطائفتين، ولا يترتب عليه اختلافهم في مصدر التشريع وهو القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولم تكن الشيعة التي كانت مع عليٍّ، يظهر منها تنَقُّصٌ لأبي بكر وعمر، ولا فيها من يُقَدِّمُ عَلِيًّا على أبي بكر وعمر ولا كان سَبُّ عثمانَ شائعاً فيها، وإنما كان يتكلم به بعضهم فيرُدُّ عليه آخر». وقال كذلك: «الشيعة المتقدِّمُون كانوا يُرَجِّحُون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات والقدرة والشفاعة ونحو ذلك» (" مجموع الفتاوى ": المجلد ٤ ص ١١٢ و ٤٣٦). ولكن في العصور المتأخِّرة اتسعت رقعة الخلاف بين الطائفتين متى وجدنا من أهل السُُنَّة من يرمي الشيعة بالكفر لاعتقادهم بعصمة الأئمة ولوجود رواية في كتاب " الكافي في الأصول " للكُلَيْنِي عن مصحف فاطمة، ووجدنا من الشيعة من يرمي أهل السُنَّة بالكفر لإنكارهم عصمة الأئمة عند الشيعة وهي من المعلوم من الدين بالضرورة عندهم. ولقد ظل هذا الجدار من عدم الثقة قائماً حتى توالت النكبات على بلاد المسلمين في فلسطين وغيرها، وتحالف الغرب والشرق ضِدَّهُمْ وخضعت لذلك حكومات واصلت الحرب على دُعاة الإسلام من الطائفتين، مِمَّا أدَّى إلى وجود تيار يدعو إلى التقريب بين الطائفتين ليتعاونوا فيما اتَّفقُوا عليه لا للتنازل كل طائفة عن بعض معتقداتها، بل ليتنازل كل منهما عن الخطأ والفتنة، وذلك بالاحتكام إلى القرآن وعمل الصحابة قبل الحروب.

стр. 82

هذا التقريب وصفه نفر من أهل السُنَّة بأنه يخدم الصهيونية والاستعمار، بينما كان رَدُّ أحد الشيعة هو «أنَّ المشاكل التي نعانيها لا تتصل في واقعاه بقضية التشيع والتسنُّن من قريب أو بعيد، بل إنَّ الحديث عن هذه القضية والاهتمام بها يزيد المشاكل تعقيداً، ويجعلها مستحيلة أو عسيرة الحل وهذا ما يريده لنا المستعمرون والصهاينة أعداء الدين والوطن أنهم يريدون أنْ نتلهَّى بالمشاحنات والنعرات الطائفية». ثم وصف الكتب والنشرات التي تصف الشيعة بالكفر بقوله: «لقد دأب هذا الجهاز في تأليفه ونشراته على مهاجمة الشيعة وتصويرهم كطائفة ملحدة مجرمة تكيد للإسلام والمسلمين، والغرض الأول هو تنفيذ الخطوط العريضة التي رسمها الاستعمار لإيقاظ الفتنة وإشاعة الفرقة بين المسلمين» (١). هذه النشرات تستند إلى روايات في كتب الحديث النبوي عند الشيعة تفيد أنَّ لهم مصحفاً آخر يُسَمَّى " مصحف فاطمة "، وتفيد عصمة أئمتهم بمعنى أخذ ما يصدر عنهم من قول أو فعل أو تقرير على أنه رواية عن رسول الله ﷺ . ولما كانت هذه الروايات غير صحيحة أو محل نظر حسبما دلت عليه مراجع للشيعة، فوجب وقف المعركة لأنَّ الحد الأدنى من الإيمان بين أهل القبلة هو ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]. فإذا لم ينشرح صدر غُلاة السُنَّة والشيعة لما تضمَّنه هذا الكتاب من تصحيح الروايات والمفاهيم أسوة بمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية فلا أَقَلَّ من أنْ يتمسَّكُوا عن إثارة الفتنة لأنهم جميعاً طوعاً أو كرهاً أمام عَدُوٍّ مشترك، وفي هذا قال الإمام حسن البنا في " رسالة المؤتمر الخامس ": «من فروع النظرة الشمولية للإسلام اعتبار المسلمين كلهم على ما بينهم من اختلاف كياناً واحداً فرقته أحداث الزمان، وفرض على المسلمين بعث الكيان الدولي للإسلام».

стр. 83

وفي هذا يقول الدكتور الشيخ سليمان دنيا في كتابه " الشيعة وأهل السُنَّة " نقلاً عن الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه " أصل الشيعة وأصولها " ص ١٣٤: «إنَّ الجماعات الإسلامية بين السُنَّة لا تختلف في الاعتقاد بالله ونبوَّة محمد وأنه خاتم الرسل وفرضية الصلاة والصوم والحج والتصديق بالمعاد، ما دام ذلك وما دامت القبلة واحدة والقرآن في مكانة القداسة من الجميع فإنه لا يعتدُّ بالخلافات الأخرى» كما ينقل عن كاشف الغطاء «أنه إذا اقتصر المعتقد على التوحيد والنبوَّة والمعاد والعمل بالفرائض ولم يعتقد بالأئمة وعصمتهم، تجري عليه جميع أحكام الإسلام». وهذه الاتجاهات تمثِّلُ عناصر التقريب بين المسلمين وهو ما قال عنه الإمام آية الله الخميني: «إننا نريد أن نحكم بالإسلام كما نزل على محمد ﷺ ، لا فرق عندنا بين سُنَّة وشيعة لأنَّ هذه المذاهب لم تكن في زمن الرسول» (١). غير أنَّ هذا لم يطبَّق وساد الاتجاه المذهبي. ١٧ - أَدَبُ الخِلاَفِ وَالعِصْمَةِ الجَدِيدَةِ: لقد ظهر كتاب " السُنَّة المفترى عليها " لكشف الشُبُهات الحديثة التي صُوِّبَتْ نحو السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، ووقف منها المختصون موقف المتفرِّج. ولهذا لم يتعقَّب الكتاب مواطن الخلاف بين الأفراد والجماعات ولم يفصل الرد على المخالفين، باعتبار أنَّ الأمور الخلافية هي أمور اجتهادية، ولا يوجد بين المجتهدين من خَوَّلَهُ الله تعالى خاصية الفصل فيها ولقد غاب هذا عن بعض الإخوة، وهم يؤمنون بانتفاء العصمة لأحد بعد النبي ﷺ ، فغفلوا عن معركة الإسلام الرئيسية، وشرعوا في افتعال المعارك بين المسلمين، بأسلوب يتنافى مع آداب الإٍٍسلام وقيمه، ومنا ألاَّ يكون المسلم سَبَّاباً ولا لعَّاناً، والاَّ يعطي نفسه صفة الأحبار الذين يزعمون أنَّ قولهم هو الحق، وماذا بعده إلاَّ الضلال المبين. ولقد كان لهذا الكتاب وصاحبه نصيب من القذائ التي تؤدِّي إلى النزاع

стр. 84

غافلين قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] .. ولقد حمل السيد / محمد سلامة جبر على المؤلف والناشر وطلب مصادرة الكتاب والحجر على صاحبه حتى بعد أنْ ثبت له بحضور من اختارهم هو أنَّ الأمور التي طلب تعديلها لظنه مخالفتها الإجماع، قد قال بها جمع لا يستهان بعلمهم وفقههم. لهذا فصل الكتاب كشف هذه الشبهات في مواضعها. كما سعى آخر إلى مصادرة الكتاب لأنه يدعو إلى التقريب بين السُنَّة والشيعة وهذه دعوة يهودية في ظنه القائم على أساس أنَّ الشيعة الجعفرية ليسوا من المسلمين، ولما نوقش فيما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الشأن والمشار إليه فيما بعد، جنح الأخ إلى أنَّ التقريب يعني تنازل كل فئة عن بعض معتقداتها، وقد تضمَّنت الطبعة الثانية إزالة هذه الشبهة، لأنًّ الأصول التي جعلها الكتاب مبادئ للتقريب تنفي هذا الظن بل تدعو إلى الأخذ بما ورد في القرآن الكريم وبالثابت من السُنَّة النبوية التي رواها الصحابة ﵃ وذلك قبل أنْ تنشأ المذاهب والفرق. كما أنَّ التقريب يغلق باب الفتنة التي من شأنها إشعال نار الحرب بين أهل السُنَّة والشيعة، وهذا ليس من صالح الطرفين بل هو الذي تسعى إليه الصهيونية العالمية وحلفاؤها. كما وجد الكتاب، حرباً أخرى من غلاة الشعية، فأمروا شبابهم بعد اقتنائه أو تصفُّحه، لأنه رجس من عمل الشيطان، حيث نقل عن علماء الشيعة ما يؤيِّدُ مذهب أهل السُنَّة، كما نقل عنهم تضعيفاً لعلماء الشيعة المخالفين لأهل السُنَّة. ولقد حاول أحد هؤلاء النقل عن الكتاب نقلاً تنقصه الأمانة فأثبت الأقوال والعبارات التي تدعو إلى التقريب، وأغفل بل وحذف ضوابط التقريب وأهمها: ما أكده الكتاب في المقدمة وفي هذا الفصل هو كفر من قال بتحريف شيء من القرآن الكريم أو قال إنَّ الأئمة لهم خاصية أو عصمة تخوِّلهم تخصيص عام القرآن أو تقييد مطلقه، أو نسخ أحكامه. أورد ذلك عز الدين إبراهيم في " السُنَّة والشيعة ". [الشِّيعَةُ وَمَذْهَبِ السَّلَفِ] لما كان ذلك وكان الأخ إحسان ظهير قد حمل على الكتاب ومؤلفه لأنه لم يأخذ

стр. 85

بأسلوبه عندما تناول الكتاب موضوع الشيعة والسُنَّة. وقد نسي بأنَّ الكتاب يتعلق بالأحاديث النبوية وضرورة الأخذ بها سواء كان رُواتها من أهل البيت أو من غيرهم من الصحابة، وقد استلزم هذا نزع سلاح التكفير الذي شهره الغُلاة من الفريقين، وبالتالي إبطال ما يقال عن تحريف القرآن الكريم وما يقال عن العصمة والبداء، والأستاذ إحسن إلهي ظهير قد جانبه الصواب فيما ظنه أنَّ هذا الفصل يكذبه فيما نقل من كتب الشيعة. وفيما قاله من وجوب رجوعي إليه قبل نشر أقوال الشيعة في كتابي لأتثبَّتَ من الموضوع. فجوهر الخطأ في ظنه بغير دليل أو شبهة دليل أنَّ الأقوال التي نشرتها عن الشيعة وضعت لتكذيبه بينما هي تكذب رُواتها وهم من الشيعة الذين يرى هو كفرهم. وعليه فجوهر الخلاف هنا ليس تكذيبي لما نقله عن المراجع الشيعية بل الخلاف في أنه قطع بكفر الشيعة الجعفرية وبالتالي قطع بجهل من يدعو إلى التقريب بينهم وبين أهل السُنَّة. والحكم بيننا وهؤلاء الأخوة هو مذهب السلف الذي لخَّصه إمام أهل السُنَّة أحمد بن حنبل ومن بعده الإمام ابن تيمية الذي نقل عن عبد الله بن المبارك أنَّ أصول البدع أربعة، الروافض (الشيعة) والخوارج والقدريَّة والمُرجئة، ثم يقول: «والأئمة لم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة ونحو ذلك ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع. وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة» (١). أما من قال بكفر من خالفهم وأنَّ الصحابة غيَّرُوا في الدين وبدَّلُوا فقد قال عنهم ابن تيمية: «إنهم أبعد عن الكتاب والسُنَّة» (٢).وقال: «غلظت بدعتهم» (٣) ولهذا عَدَّهُم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ضمن الطوائف الإسلامية حتى من اتَّصف منهم بالهوس والتعصُّب (٤). ولم يقولوا بكفرهم. ومن قال إنَّ ابن تيمية كتب عن الروافض من الشيعة وهؤلاء لم يقولوا بالعصمة للأئمة، فهؤلاء نحيلهم على قول ابن تيمية «وأصل قول الرافضية إنَّ النبي نَصَّ على خلافة عَلِيٍّ نصاً قاطعاً للعذر وأنه إمام معصوم ومن خالفه كفر وأنَّ المهاجرين والأنصار كتموا النص وكفروا بالإمام المعصوم واتَّبعوا أهواءهم وبدَّلوا الدين وغيَّروا الشريعة بل كفروا إلاَّ نفراً قليلاً منهم (٥).

стр. 86

إنَّ الشيعة أصحاب هذه العقيدة يعدُّهم ابن تيمية ضمن الفرق الإسلامية إذ يقول: «سائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم يقولون إنَّ الشخص الواحد قد يعذِّبه الله بالنار ويدخله الجنة» (٦). ولهذا تجنب الكتاب إصدار أحكام بكفر الشيعة الجعفرية ورفض ترديد هذه المقولة: ما رَدَّ بدعة تكفير أهل السُنَّة من جانب غُلاة الشيعة ورفع لواء التقريب سالف الذكر ولكن الغُلاة من الطرفين شنَّعُوا على هذا المنهج حسبما جاء في كتاب " بين الشيعة وأهل السُنَّة " للأستاذ إحسان إلهي ظهير. وكتاب " السُنَّة والشيعة " باسم عز الدين إبراهيم. وأمام إصرار الغُلاة على نبذ التقريب وعلى رفع سلاح التكفير نقلت هذا الحوار الأخوي إلى كتاب مستقل هو ضوابط التقريب، بفصوله الأربعة ليظل كتاب " السُنَّة المفترى عليها " لما نشر من أجله ولهذا يتناول هذا الفصل ما يتعلق بالحديث النبوي. ١٨ - الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ بَيْنَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ وَالخَوَارِجِ: لقد كان المسلمون في عصر النبي ﷺ وحتى خلافة الإمام عليٍّ ﵁، لا يختلفون في أمر السُنَّة النبوية، ثم ظهرت الفتنة بعد خروج الصحابي معاوية ومن معه، واعتراضهم على الإمام عَلِيٍّ، بدعوى أنه تهاون في إقامة الحد على قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ جَمِيعًا -.

стр. 87

ولقد أشعل المنافقون نار الفتنة فنشبت الحرب بين معاوية ومن معه وبين أهل السُنَّة والجماعة بقيادة خليفة للمسلمين الإمام عليٍّ ﵁، وعندما قبل التحكيم حقناً للدماء خرجت عليه فرقة سُمِّيَتْ بالخوارج وحاربوه فكان رد الفعل أنْ ظهرت طائفة الشيعة وتغالت في حب الإمام عليٍّ، ورَدَّتْ الطائفتان الأحاديث النبوية التي رويت عن غير طريق أئمَّتهم، وانفردت الشيعة باعتبار أقوال أئمَّتهم وأفعالهم وتقريرهم أحاديث نبوية حتى ولو لم ترفع إلى النبي ﷺ فهي أحاديث نبوية في ذاتها لعصمة الأئمة عندهم. لهذا أثبت هنا رسالة الشيخ الآصفي عن العصمة عندهم، يليها تحرير الخلاف حول حديث الغدير والعصمة والتكفير للمسلمين وكذلك نزاهة هؤلاء الأئمة من هذه البدعة ومن الربوبية. بيان الشيخ الآصفي عن العصمة وتبليغ الأحكام: (١) نعتقد نحن بعصمة الأنبياء ﵈ وعصمة رسول الله ﵌ وعصمة الأئمة من أهل بيته ﵈. والعصمة على قسمين: عصمة في السلوك تعصم صاحبها عن ارتكاب المعاصي والمحرَّمات، وعصمة في التبليغ تعصمه عن الكذب والسهو والخطأ في تبليغ أحكام الله تعالى وحدوده. والعصمة التي نعتقد بها في الأئمة من أهل البيت لا تزيد على هذين الأمرين (٢). وبقدر ما يتعلَّق بالائمة من أهل البيت أذكر لكم بعض الأدلَّة التي يستدلُّ بها على عصمتهم من القرآن الكريم ومِمَّا صَحَّ من حديث رسول الله ﷺ .

стр. 88

آيَةُ التَّطْهِيرِ: أما الدليل من القرآن الكريم فآية التطهير في سورة الأحزاب الآية ٣٣: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرً﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومن الضروري أنْ نقف وقفات قصيرة عند كلمات هذه الآية الكريمة. وأول ما نلتقي به في هذه الآية الكريمة كله ﴿إِنَّمَا﴾ ولا شك أنها من أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية وتفيد إثبات ما بعدها ونفي ما عداه. فيكون المعنى في ضوء ذلك إثبات التطهير لأهل البيت ونفي أنْ يكون الله تعالى قد أراد «إرادة تكوينية» التطهير لغيرهم حين نزول الآية الكريمة. وهذا واضح لا لبس فيه لمن أنس أسلوب العرب في الكلام وعرف أصول اللغة وقواعدها. وبعد ذلك تأتي جملة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ والإرادة هنا لا شك إرادة تكوينية، وليست تشريعية. ومن المعروف أنَّ الإرادة الإلهية قسمين: تكوينية وتشريعية، والتكوينية هي التي لا تتخلل إرادة أخرى بين إرادته تعالى ومراده. وهذه الإرادة لا تتخلف ولا يحول دونها شيء. يقول : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. والإرادة التشريعية هي التي تتخلل إرادة المكلف واختياره بين إرادته تعالى وما يريده تعالى من أعمال المكلفين. وتتعلق هذه الإرادة دائماً بأفعال العباد الاختيارية. كما في الواجبات التي يريدها الله تعالى من عباده فيستجيب له ناس ويعصيه آخرون

стр. 89

ولا شك أنَّ إرادة الله تعالى في هذه الآية ليست من الإرادة التشريعية. إذ لا معنى لحصر إرادة التطهير في أهل البيت فقط. فإنَّ الله يريد التطهر لكل عباده دون استثناء. ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). فينحصر الأمر - إذن - أنْ تكون الإرادة في هذه الآية الكريمة إرادة تكوينية، وهي التي لا يمكن أنْ تتخلف. ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. والرجس، كما يقول الراغب: «كل شيء قذر». يقول الطبري في تفسير الآية الكريمة «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهَ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ يَا أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، وَيُطَهِّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَهْلِ مَعَاصِي اللَّهِ تَطْهِيرًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ» (٢). ويقول النيسابوري في تفسير الآية الكريمة: «فاستعار للذنوب الرجس» (٣). فقد شاء الله - إذن - ولا رَادَّ لمشيئته أنْ يذهب الذنوب والرجس والمعاصي عن نبيِّه ﵌ وأهل بيت نبيِّه ﵈. وفي حدود ما ذكرنا لا يبقى مجال للمناقشة والتشكيك في فقرات الآية الكريمة.

стр. 90

يبقى السؤال عن أهل البيت من هم؟ هل هم زوجات رسول الله ﷺ أم هم زوجاته وسائر أهله من آل عباس وآل عقيل وآل عَلِيٍّ؟ والحديث في ذلك يطول في دراسة إسناد الروايات التي اختلفت في تحديد أهل البيت. ونقتصر هنا على بعض الروايات التي صحت نسبتها إلى رسول الله ﵌ في تحديد أهل البيت. روى الحاكم في " المستدرك " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ، قَالَ: لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرَّحْمَةِ هَابِطَةً، قَالَ: «ادْعُوا لِي، ادْعُوا لِي» فَقَالَتْ صَفِيَّةُ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَهْلَ بَيْتِي عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ» فَجِيءَ بِهِمْ فَأَلْقَى عَلَيْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ كِسَاءَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ آلِي فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ» (١). وروى مسلم في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه " والبيهقي في " السُنن الكبرى " وكل من الطبري وابن كثير والسيوطي في تفسير الآية الكريمة واللفظ للأول: عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجِّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الحُسَيْنٌ فَدَخَلَ مَعَهُ ثُمَّ

стр. 91

جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء عليٌّ فأدخله، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأَحْزَاب: ٣٣] (١). وروى كل من الطبري وابن كثير في " تفسيريهما " والترمذي في " صحيحه " والطحاوي في " مشكل الآثار " واللفظ للأول عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ ... ﴾ فَدَعَا حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَةَ فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَدَعَا عَلِيًّا فَأَجْلَسَهُ خَلْفَهُ فَتَجَلَّلَ هُوَ وَهُمْ بِالكِسَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» (٢). وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ، وَفِي عَلِيٍّ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَفَاطِمَةَ» (٣). والروايات بهذا المعنى كثيرة ومتضافرة ودالة على حصر أهل البيت في الخمسة الطاهرين. وإمعانًا في تحديد أهل البيت، وإعلامًا لِلأُمَّةِ أخذ رسول الله ﵌ يتلو هذه الآية كل يوم على باب بيت عَلِيٍّ والزهراء حيث يجمع عَلِيًّا وفاطمة والحسن والحُسين.

стр. 92

عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَةَ [عَشَرَ] شَهْرًا، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَتَى بَابَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: " الصَّلاَةُ عَلَيْكُمْ، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾» [الأحزاب: ٣٣] (١). عَنْ [أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] (**)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلاَةِ الفَجْرِ يَقُولُ: «الصَّلاَةَ يَا أَهْلَ البَيْتِ» ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٢).

стр. 93

حَدِيثُ الثَّقَلَيْنِ: وورد هذا الحديث في روايات كثيرة عن رسول الله ﵌ ويبدو أَنَّ رسول الله ﵌ تحدث به في أكثر من موضع ورواه أئمة الحديث بألفاظ مختلفة. ففي " صحيح الترمذي " عن رسول الله ﵌ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي» عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١). وروى الترمذي أيضًا في " الصحيح " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» (٢). وروى مسلم في " الصحيح " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (٣).

стр. 94

والحديث قد روي بصورة مستفيضة عن رسول الله ﵌ لا يسعنا المجال لذكر إسناده ومصادره. وقد قال السمهودي: «وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة» رَوَوْا حديث الثقلين، وصححه السيوطي في " الجامع الصغير " وقال المناوي في " شرحه ": «قال الهيثمي: " رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ». ويكفي أَنَّ " مسلم " قد روى هذا الحديث (١). وفي الحديث: ١ - يجعل رسول الله ﵌ أهل بيته صنوًا للقرآن لا يفتران حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة. ٢ - ويعتبر التمسك بهما عاصمًا من الضلال. ٣ - ويوصيهم أنْ لا يعلوهما ولا يسبقونها في قول أو في فعل فإنهما أعلم منهم. وفي بعض ذلك كفاية في عصمة أهل البيت ومرجعيتهم في تبليغ وتبيان حدود الله تعالى وحلاله وحرامه. • • • ولا نتردد كثيرًا في معرفة من هم أهل البيت إذا عرفنا أنهم مع القرآن في كل شيء وأنهم لن يفترقوا عن القرآن حتى يردوا على رسول الله ﵌ الحوض. فهم والقرآن صنوان لا يفترقان. وهما يستمران إلى يوم القيامة إلى جنب

стр. 95

أحد من المسلمين لواحد من أهل البيت عدا الأئمة الإثني عشر الذين يعتقد الشيعة الإمامية عصمتهم. فإنَّ الحديث صريح في عصمة أهل البيت في التبليغ وبيان أحكام الله تعالى والاستقامة على نهج الله تعالى. وصريح في استمرار هذا الخط التبليغي لأحكام الله، معصومًا عن الخطأ إلى يوم القيامة في أهل البيت. مَصْدَرُ الأَئِمَّةِ فِي تَبْلِيغِ الأَحْكَامِ: فالأئمة من أهل البيت - إذن - انطلاقًا من هذا الشرح معصومون عن الخطأ والكذب في تبليغ أحكام الله تعالى. فما يحدثونا ويبلغون من أحكام الله تعالى وحلاله وحرامه ليس اجتهادًا في الرأي يصيب حينًا ويخطئ حينًا آخر. وبذلك يفترقون في سائر أئمة الفقه وفقهاء المسلمين. فالفقهاء يجتهدون في إصابة الحكم الشرعي فيصيبون حينًا ويخطئون حينًا آخر. ولذلك يختلفون في الرأي والاجتهاد. وليس في حدود الله تعالى وحلاله وحرامه اختلاف وتعدد. • • • ويثار السؤال: ومن أي مصدر إذن يُحَدِّثُونَ وَيُحَدِّدُونَ الحلال والحرام، إنْ لم يكن اجتهادًا في الرأي؟

стр. 96

فنقول: إِنَّ كل حديث صادر عنهم في الأصول أو الأحكام ليس من رأيهم، وليس فيه شيء من اجتهادهم مطلقًا، وإنما يستندون في ذلك إلى سُنَّةٍ لرسول الله ﵌، انتهى علمها إليهم، وَيَرْوُونَهَا عنهم، سواء رَوَوْهَا كما يروي المحدثون عن رسول الله مسلسلاً، مسندًا، أم أرسلوها إرسالاً (١). روى ثقة الإسلام الكُلَيْنِي عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا: سمعنا أبا عبد الله (الصادق) يقول: «حديثي، حديث أبي، وحديث أبي حديث جَدِّي، وحديث جَدِّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله ﵌ -قول الله » (٢). وروى المفيد في " الأمالي " عن جابر قال: قلت لأبي جعفر الباقر: «إِذَا حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثٍ فَأَسْنِدْهُ لِي». فقال: «قُلْتُ لأًبٍي جَعْفَرَ البَاقِرَ: «إِذَا حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثٍ فَأَسْنِدْهُ لِي». فقال: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي رَسُولَ اللهِ عَنْ جِبْرَائِيلَ عَنْ اللهِ، وَكُلَّمَا أُحَدِّثُكَ [فَبِهَذَا] الإِسْنَادِ». (٣). وروى الكليني عن يونس بن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد الله (الصادق) عن مسألة، فأجابه فيها. فقال الرجل: أرأيت إِنْ كان كذا وكذا ما يكون

стр. 97

القول فيها؟ فقال له: مه. ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله. لسنا من (أرأيت) في شيء (١). ونلخص ما تقدم من الحديث عن العصمة فيما يلي: ١ - أهل البيت معصومون عن المعاصي والذنوب في سلوكهم الشخصي. ٢ - ومعصومون عن الخطأ والكذب والتبليغ. ٣ - ويستمر هذا الامتداد المعصوم من الكذب والخطأ في تبليغ أحكام الله إلى يوم القيامة ضمن نطاق أهل بيت رسول الله، وفي كل عصر منهم إمام يعود الناس إليه في معرفة أحكام الله وحدوده. ٤ - ولم يمارس أئمة أهل البيت رأيًا واجتهادًا في الرأي في معرفة وتبليغ أحكام الله. ٥ - ولم يزيدوا فيما يقولون ويحدثون ويبينون من أحكام الله تعالى عن حديث رسول الله ﵌ • • • ويبقى السؤال: كيف استوعب الأئمة من أهل البيت من حديث رسول الله ﵌ وسُنَّته ما لم يستوعبه سائر الصحابة والمحدثون من حديث رسول الله ﵌ وسُنَّته. والجواب: أَنَّ ما يغيب عن علمنا مما خلق الله تعالى من وسائل وأسباب

стр. 98

التلقي والتعليم أكثر مما نعرف، وماذا يضرنا إنْ لم نعرف ذلك بعد أَنْ علمنا أنهم صادقون في كلامهم وفي حديثهم عن رسول الله ﵌. ويكفينا ذلك في قيام الحُجَّةِ ووجوب الاتباع. ولا نريد أنْ نزيد هنا على ذلك. فهؤلاء الأئمة من أهل البيت بشهادة كلام الله وبشهادة حديث رسول الله ﵌ صادقون لا يكذبون. وقد أخبرونا أنهم يحدثونا عن سُنَّة رسول الله ﵌ وحديثه في كل ما يحدثون ويكفينا ذلك. على أنَّ الإمام علي بن أبي طالب كانت له مجالس خاصة مع رسول الله ﵌ ينقلها المحدثون، وكان رسول الله ﵌ يملي عليه كتابًا في الحلال والحرام. وقد نقل الإمام البخاري من هذا الكتاب، كما نقل غيره من أئمة الحديث عن الإمام علي عن رسول الله من طريق هذا الكتاب .. وقد توارث أهل بيته من بعد هذا الكتاب. ولكننا لا نريد إطلاقًا أَنْ نقول: إِنَّ كل مرويات أهل البيت عن هذا الكتاب، لقد رَوَوْا منه من غيره. وإنما نكتفي بما علمنا من القول، وذلك أنهم يَرْوُونَ في كل ما يُحَدِّثُونَ عن رسول الله ﵌، وإنهم صادقون لا يكذبون. وقد بَرَّأَهُمْ الله تعالى وَنَزَّهَهُمْ عن ذلك. وهذا هو خلاصة الكلام فيما نعتقده في عصمة الأئمة من أهل البيت ﵈ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الكويت: محمد مهدي الآصفي في ٥ شوال ١٣٩٩ هـ.

стр. 99

١٩ - حَقَائِقَ عَنْ السُنَّةِ وَالعِصْمَةِ: وتعليقًا على البيان الذي نقلناه عن الشيخ الآصفي نضع أمام القارئ الحقائق التالية: [١] إنَّ حصر الشيعة آل البيت في النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين يستند إلى الأحاديث النبوية ولكنها لا تفسخ القرآن الكريم الذي أدخل أمهات المؤمنين في آل البيت. فلا يوجد سبب يؤدي إلى استبعاد زوجات النبي ﷺ من آل البيت بعد أنْ أثبت القرآن لهن هذه الصفة. [٢] لا يجوز أنْ يضاف إلى آل البيت غير من ذكرنا لأنَّ ثبوت هذا كان عن طريق الوحي أي القرآن أو السُنَّة ولا يتنزل الوحي على أحد بعد النبي ﷺ . كما أنَّ العصمة بمعنى التطهير من الكبائر والرجس لا تتعدى آل البيت المشار إليهم لأنها ليست ميراثًا لطائفة أو مذهب. [٣] استيعاب آل البيت أو أئمة الشيعة للأحاديث النبوية لا يكون إلاَّ بالرواية المتصلة إلى النبي ﷺ وهذا فقه للإمام محمد باقر الصدر في كتابه، فلا وحي بعد النبي ﷺ ، وقد فَصَّلَ ذلك في كتاب " الحكم " وكذلك كتاب " ضوابط التقريب بين الشيعة وأهل السُنَّة ". [٤] لا جدال في أنَّ عَلِيًّا قد روى عن النبي ﷺ ونقل ذلك البخاري وغيره، ولكن هذه الروايات هي المدونة في كتب السُنَّة وليست أسرارًا كنسية لا يعرفها أحد إلاَّ الإمام الغائب، كما أنه لا يوجد عند أهل البيت روايات خاصة لا يعلمها أحد وتوارثها سرًا أئمة الشيعة فقد روى الإمام مسلم عن الإمام عَلِيٍّ ﵁ أنه قال: «من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلاَّ كتاب الله وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل وَشَيْءٌ من الجراحات فقد كذب»، فصحيفة الإمام عَلِيٍّ ليس فيها سوى هذه الأحكام وليست موسوعة في الأحاديث النبوية ولم يذكرها الإمام عَلِيٍّ إلاَّ للأئمة لأنَّ من عاصره منهم بنوه وهؤلاء لم يُؤْثَرْ عنم إلاَّ الثابت في كتب السُنَّة. [٥] يرتب بعض الشيعة على القول بالعصمة أَنَّ رواية غير أئمة الشيعة للحديث النبوي لا يعمل بها إلاَّ إذا وافقت مذهبهم، كما رَتَّبُوا على هذه العصمة

стр. 100

ما قاله نصير الدين الطوسي إنَّ الإمامية هم الفرقة الناجية لا غير وما نقل عن نعمة الله الجزائري من أنَّ دخول الجنة لا يكون إلاَّ بالإقرار بالشهادتين والإقرار بولاية أهل البيت. (" الكشكول ": ج ١ ص ١٤٠ و ١٤١ و ١٦٩) للفقيه يوسف البحراني، مكتبة نينوى طهران. وانظر تفصيل ذلك في كتاب " ضوابط التقريب ": ص ٥٠ وما بعدها. [٦] يؤكد ابن حجر الهيثمي أنَّ حديث غدير خم «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» ليس نصًا في إمامة (عَلِيٍّ) ولا إمامة غيره من الأئمة عند الشعية، فلم يحتج به هو والعباس مع قرب العهد جدًا بيوم الغدير إذ بينهما نحو الشهرين، وجواز نسيان عَلِيٍّ والعباس وسائر الصحابة السامعين لخبر يوم الغدير، محال، فيجزم العاقل بأدنى بديهته أنه لم يقع منهم نسيان ولا تفريط وأنهم حال بيعتهم لأبي بكر كانوا متذكرين لذلك الحديث عالمين به. إنَّ ادعاء الشيعة والرافضة أنَّ الصحابة علموا هذا النص ولم ينقادوا له، عناد ومكابرة بالباطل، وزعمهم أنَّ عليًا تركها تقية، كذب وافتراء، فقد كان في منعة من قومه مع كثرتهم وشجاعتهم، ولقد قال الأنصار: «منا أمير ومن المهاجرين أمير» واحتج عليهم بحديث «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ»، فكيف سلموا بهذا ولم يقولوا أنه ورد حديث في إمامة عَلِيٍّ. ويستطرد ابن حجر الهيثمي فيقول: الشيعة أقل فحشًا في عقائدهم من الرافضة، وذلك لأن الرافضة يقولون بتكفير الصحابة لأنهم عاندوا بترك النص بإمامة عَلِيٍّ. بل زاد أبو كامل (رئيس الفرقة الكاملية) فَكَفَّرَ عَلِيًّا زاعمًا أنه أعان على كتمان وستر ما لا يتم الدين إلاَّ به لأنه لم يرد عنه قط أنه لم يحتج بالنص على إمامته (١).

стр. 101

٢٠ - الشِّيعَةُ وَبَرَاءَةُ الأَئِمَّةِ: يرى الشيعة أَنَّ إمام المسلمين لا يعنيه إلاَّ الله تعالى ويفوضه في أمور الدين وهذا ما جعلهم يقولون بعصمة الأئمة مستدلين بقول الله تعالى: الاِخْتِلاَفُ حَوْلَ الأَئِمَّةِ: تثبت الإمامة لدى الشيعة بنص صريح متواتر أو بالمعجزة (١) والإمامة والنص هو حديث غدير خُمْ، فيقولون إنَّ النبي ﷺ وقف في غدير خُمْ (وهو مكان بين المدينة ومكة) وذلك عند عودته من حجة الوداع وخطب في الناس بعد أنْ رفع يد الإمام علي بن أبي طالب بجانب يده ﷺ ، وأعلن إمامة الإمام علي وحدد المعصومين من بعده، وقد أنكر علماء الحديث من أهل السُنَّة هذه الرواية وأثبتوا أَنَّ عليًا كان في اليمن خلال حجة الوداع، ثم يختلفون في بيان الأئمة، فبعد اتفاقهم على الإمام علي بن أبي طالب، اختلفوا في الأئمة من بعده. فمنهم من حصرها في ذرية الإمام علي ﵁ من السيدة فاطمة ومنهم من وقف عند إمام ثم حصرها في ذريته أو في إخوانه (٢). كما أنه يوجد خلاف فيما بينهم في الأئمة بعد الإمام جعفر الصادق. فمنهم من يرى أنَّ الإمامة بعد الإمام جعفر الملقب بالكاظم وتلاه علي بن موسى الرضا، ومحمد النقي وعلي النقي والحسن العسكري ومحمد المهدي، الذي اختفى في مدينة سُرَّ من رأى (سامراء) بالعراق وكان عمره خمس سنوات وما زالوا

стр. 102

ينتظرون عودته على أنه المهدي المنتظر، في الوقت الذي تعتقد طائفة أنَّ المهدي المنتظر هو محمد بن الحنفية وهو ابن الإمام علي بن أبي طالب من أخرى غير السيدة فاطمة (١) وهؤلاء هم الكيسانية ومنهم من قال بنبوة الإمام عَلِيٍّ وبنيه الثلاثة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وآخرون من القرامطة زعموا نبوة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (٢). ولكن من يتصف بالعصمة من الأئمة؟ وهل تنحصر في هؤلاء فقط؟ بَيْنَ العِصْمَةِ وَالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: إنَّ الخلاف في معنى العصمة خلاف حاد بعضه يمكن أن يسمح بالتقارب بين السُنَّة والشيعة، ومنه خلاف يؤدي إلى الكفر فلا تقريب ولا تقارب. [أ] فمنهم من يقول: «إنَّ الإمامة صفة من الله تعالى وتحقيقها في محل معين وهو الشخص المعين، لا يجوز عليه الخطأ» ويقول: «قول الإمام وفعله وتقريره وتركه حُجَّةٌ» (٣). [ب] ومنهم من يقول: «النبي يوحى إليه فينبه على وجه الخطأ فيتوب منه والإمام لا يوحى إليه، فيجب عصمته» (٤). [ج] ومن يقول: «حكمة التدرج افتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه - سَلاَمُ اللهِ عَلَيْهِ - أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد بها إلى الآخر لينشرها في الوقت المناسب حسب الحكمة» انظر " الملل والنحل " (هامش " الفصل ": ج ٣ ص ٢٢) و" المذاهب الإسلامية " للشيخ أبو زهرة " ج ١ ص ٥٥. [د] ومنهم من يقول: «كل من شك في وجود الباري أو وحدانيته أو نبوة النبي ﷺ أو جعل له شريكًا في النبوة فهو خارج عن دين الإسلام، والشيعة يبرأون من جميع الغلاة وَالمُفَوِّضَةِ وفعالهم» (٥).

стр. 103

أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: يوجد من الشيعة من يقول إن العصمة تعني أن الإمام إذا قال شيئًا في أصول الدين أوالأحكام فلا يخطئ لأن قوله ليس من اجتهاده ورأيه مطلقًا إنما يبلغ عن رسول الله ﷺ ، ولا يشترط أن يكون هذا البلاغ بطريق الإسناد المتصل إلى النبي ﷺ كما هو الحال في رواية السُنَّة النبوية. ومن قال ذلك إنما يقول بالإلهام الذي قال عنه الشيخ محمد رضا المظفري في كتابه " عقائد الإمامية ": «إذا استجد شيء لا بد أن يعلمه عن طريق الإلهام بالقوة الفرسية التي أودعها الله فيه»: ص ٩٦ وانظر " الأصول " للكُليني: ج ١ ص ٢٧١ - ٢٧٤. وهؤلاء يرتبون على ذلك أن الإمام المعصوم إذا قال قولاً يخالف القرآن الكريم أو الحديث النبوي، لا يرد قوله بل يعمل به لأنه في عقيدتهم يملك تخصيص عموم القرآن والسُنَّةِ وتقييد المطلق ونسخ أحكامها. ولقد أفتى هؤلاء بما يخالف القرآن في أمور كحرمان الزوجة من الميراث في الأراضي الفضاء فلا ترث إلا في المباني، فمن مات ولا يملك بنايات بل يملك أراضي فضاء، لا ترث فيها أرملته، بينما يستحق باقي الورثة، وإذا ترك بنايات يستنزل منها قيمة الأرض، وفي هذا إنقاص لفرضها المحدد في القرآن الكريم. كما أفتوا باستقلال البنات بتركة مورثهن فيرثن التركة كلها إذا لم يكن معهن أخ ولذلك خلافًا لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]. ومنهم من يقول بالرد على البنت. وقالوا لا تطلق الزوجة قضائيًّا إذا تركها زوجها وسافر نهائيًّا، طالما أنه يرسل إليها النفقة إذ لا حق لها في الباه، أي الاستمتاع بالرجل واستقرت أحكامهم على ذلك كله فإذا كان عن أثر يمحص وإن كان إلهامًا بمقتضى العصمة فضلال. إن هؤلاء الأئمة لم يقولوا أبدًا بالعصمة هذه ولم يكن هذا شائعًا في عصرهم وسكتوا عنه، ومن يقلدون هذه الأحكام الاجتهادية يعتقدون أنها من أصول الدين ويجهلون أنها تنطوي على نسخ بعض أحكام القرآن أو تخصيصها.

стр. 104

نَزَاهَةُ الأَئِمَّةِ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ: لقد أدرك بعض علماء الشيعة أن من يقول باختصاص الأئمة بتخصيص القرآن وَالسُنَّةِ ونسخ أحكامهما، إنما يجعلهم يشرعون كالأحبار والرهبان الذين ورد فيهم قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. ولهذا قال الإمام محمد باقر الصدر: «ثبت في محله من انتهاء عصر التشريع بانتهاء عصر النبي ﷺ ، وأن الأحاديث الصادرة عن الأئمة المعصومين ليست إلا بيانًا لما شَرَّعَهُ النبي ﷺ من الأحكام وتفاصيلها» (١). كما أنه لا خلاف بين الناس جميعًا أن يروي عن شخص لا بد أن يكون معاصرًا له، فلا يروي حفيد عن أجداد لم يعاصروه لوفاتهم قبل أن يولد، ولهذا فرواية علماء الشيعة عن أئمتهم يلزم أن يذكر فيها سلسلة الرواة ليمكن معرفة مدى معاصرة الراوي لمن روى عنه ومعرفة مدى توفر شروط العدالة والضبط في الرواة، ولكن الشيخ الآصفي يقول: «إن كل حديث صادر عنهم في الأصول أو الأحكام، ليس من رأيهم وليس فيه شيء من اجتهادهم مطلقًا، وإنما يستندون في ذلك إلى سُنَّةِ رسول الله ﷺ انتهى علمها إليهم ويروُونها عنهم سواء رَوَوْهَا كما يروي المحدثون عن رسول الله مسلسلاً، مسندًا أم أرسلوها إرسالاً» (٢). وهذا يعني أن أي إمام من الأئمة الاثني عشر لو قال شيئًا، لا يحتاج إلى أن يذكر اسم من سمع منهم أو روى عنهم وبالتالي يروي عن رسول الله ﷺ حتى لو كان بينه وبين عصر الصحابة عشرة قرون. وهذا لا يقول به إلا من يَدَّعِي أن هؤلاء جميعًا يوحى إليهم من الله أو يعلمون عن طريق الإلهام كما يقول الشيخ محمد رضا المظفري في كتابه " عقائد الإمامية ": ص ٩٦. وهذا الافتراض لا يقبله إلا من زعم أن هؤلاء يوحى إليهم ولهذا يصبح عندهم ادعاء أن الأئمة إذا قالوا بخلاف القرآن صح ذلك لأن الله أعلمهم بذلك. والشيخ الآصفي يقول في موضع آخر: «لكي يسلم الحديث عند فقهاء وعلماء الإمامية

стр. 105

يخضع لمراحل متعددة من النقد في السند وفي الدلالة وفي المقارنة وفي الصدور، فإذا سلم الحديث في هذه المراحل جميعًا يؤخذ به» (١). وإذا وجب هذا التمحيص لقبول قول رسول الله ﷺ ، فلماذا يقرر إعفاء أقوال الأئمة من هذا التمحيص ومن اشتراط الإسناد والعدالة والضبط؟ لقد روى الإمام أحمد (*) عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (أي الإمام جعفر) هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال: لا. من قال هذا أخزاه الله» (٢). حَوْلَ تَحْدِيدِ آلِ البَيْتِ: إن سند علماء الشيعة في عصمة الأئمة كما ذكر الشيخ [الآصفي] وغيره، ينحصر في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٣]، وفي حديث: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي». فمن هو أهل البيت الوارد ذكرهم في النصين المذكورين؟ يرى علماء الشيعة حصر آل البيت في عَلِيٍّ وفاطمة وابنيهما، أما زوجات النبي ﷺ فقد أخرجوهن من أهل البيت بينما القرآن الكريم قد خَصَّهُنَّ بوصف أهل البيت، ويقول الشيعة: إن الحديث النبوي نسخ القرآن في ذلك حيث قال النبي ﷺ «أَهْلُ بَيْتِي: عَلِيًّا وَفَاطِمَةُ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ». إن هذا الحديث لم ينسخ الآية القرآنية فلا تعارض بينهما إذ أن وصف أهل البيت يشمل زوجات النبي ﷺ ويشمل من ورد ذكرهم في الحديث النبوي. ومع هذا لو اقتصر علماء الشيعة على حصر العصمة في الإمام عَلِيٍّ والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين، لما حدثت الفتن والاضطرابات والخلافات. فالشيخ الآصفي يقول: «ويستمر هذا الامتداد المعصوم من الكذب والخطأ في تبليغ أحكام الله إلى يوم القيامة ضمن نطاق أهل بيت رسول الله، وفي كل عصر منهم، إمام يعود الناس إليه في معرفة أحكام الله وحدوده» (٣).

стр. 106

فهو لم يحصر هذه العصمة في الأربعة المذكورين في الحديث النبوي ولا في الأئمة الإثني عشر، بل قال باستمرار وجود إمام معصوم في كل عصر إلى يوم القيامة، بينما غيره يُقَدِّرُ أن العصمة تنحصر في الأئمة الإثني عشر ولهذا ينتظرون الإمام المهدي الثاني عشر لينقل لهم ما خفي عليهم (١). ولم يقف عند ظاهر الآية القرآنية حيث تضمنت تطهير أهل البيت من الرجس، بل قال بامتداد العصمة لتشمل العصمة في تبليغ أحكام الله كما هو شأن رسل الله تعالى. وكل ذلك يخالف النصوص التي يستند إليها علماء الشيعة، بل من شأنه أن يصبح الإمام المعصوم كالأحبار والرهبان يُشَرِّعُ من دون الله تعالى. بَرَاءَةُ الأَئِمَّةِ: ليس صحيحًا أن أحدًا من الأئمة قد قال بهذه العصمة في الرواية لنفسه أو غيره، ولهذا نجد الشيخ جعفر كاشف الغطاء ينفي الصحة عن المراجع الأصولية عند الشيعة وهي " من لا يحضره الفقيه "، و" الكافي " و" التهذيب ". فيقول عن أصحابها: (وهم الكُليني، ومحمد الصدوق، ومحمد الطوسي)، يقول: «كَيْفَ يُعَوَّلُ فِي تَحْصِيلِ العِلْمِ عَلَيْهِمْ وَبَعْضُهُمْ يُكَذِّبُ رِوَايَةَ بَعْضٍ، بِتَكْذِيبِ بَعْضِ الرُوَّاةِ» (٢). ولهذا أيضًا جاء في كتاب " أعيان الشيعة ": «إِنَّ أَكْثَرَ الأَخْبَارِ المَرْوِيَّةِ غَيْرَ قَطْعِيَّة السَّنَدِ، وَإِنَّ أَحَادِيثَهَا مُخْتَلِفَةِ المَرَاتِبِ فَفِيهَا الصَّحِيحُ وَالحَسَنُ وَالمُوَثَّقُ وَالضَّعِيفُ وَالمُرْسَلُ وَالضَّعِيفُ وَغَيْرَ ذَلِكَ» (٣). والسند غير المتصل قد اختلف في قبوله عند الشعية، فمنهم من قبله طالما أن الراوي ثقة، وفي " معالم الدين " قال (٤): «إِنَّ أَسَاسَ الرِّوَايَةِ الثِّقَةَ بِكُلِّ رِجَالِ السَّنَدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا مَعْرُوفَينَ حَتَّى يُمْكِنَ مَعْرِفَةَ مِقْدَارِ الثِّقَةِ فِيهِمْ». ص ٢١٤، ولكن الشيعة الإمامية مع طعنهم على البخاري لأنه لم يثبت روايات عن الإمام جعفر الصادق،

стр. 107

فهم يرون أنه لو كان بين الرواة شخص غير إمامي، فلا تقبل هذه الرواية حتى لو كان جميع الرواة من الثقات فقد ذكر الشيخ الطوسي في كتابه " عدة الأصول ": «أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً فِي العَمَلِ إِذَا كَانَ رَاوِيهِ مِنَ الطَّائِفَةِ المُحِقَّةِ أَيْ الاثْنَا عَشَرِيَّةِ» ص ٣١. ثم يضع الطوسي شرطًا أخر يؤكد ضرورة اتصال السند من الإمامية الثقات فيقول عند التحقيق تبين أنه لا يعمل بالخبر الذي يرويه الإمامية مطلقًا، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمة ﵈ ودونهما الأصحاب، فليس كل خبر يرويه الإمامي يكون صحيحًا يجب العمل به، بل الخبر الصحيح الذي يجب العمل به هو ما يرويه الإمام عن الأئمة. ومن الشيعة من قال بقبول رواية غيرهم إذا كان مُوَثَّقًا أو ممدوحًا منهم ففي رسالة " جواز الاكتفاء بتصحيح الغير " لأبي المعالي ص ٩: «لو كان بعض رجال السند غير إمامي مصرحا بالتوثيق أو مصرحا بالمدح لا بد من كون الباقي إماميا موثقا» (١). ولهذا فالإمام جعفر الصادق بَرِئَ مما ينسب إليه من عدم قبوله رواية غير الإمامية. فقد كان يَرْوِي عنه حال حياته، مالك وأبو حنيفة وسفيان وَشُعْبَةُ، وهو لا يقبل بروايتهم عنه إذا كانوا غير عدول أو كانت روايتهم غير مقبولة، فكيف يرضى بروايتهم إذا كانوا غير أمناء في النقل عنه (٢). ولقد روى جابر الجُعَفِي وهو من الإمامية أن الإمام محمد الباقر قال وهو يُوَدِّعُهُ عائدًا من العراق: «أبلغ أهل الكوفة أني بريء ممن تبرأ من أبي بكر وعمر ﵃ وَأَرْضَاهُمْ -» (٣). ولقد سئل الإمام الباقر ﵁ عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، فقال: «أصحاب محمد ﷺ ». فقال السائل يقولون هو (عَلِيٌّ)، قال الإمام محمد الباقر: «عَلِيٌٌّ مِنْهُمْ» (٤). أما عن عصمة هؤلاء الأئمة بمعنى أن الله تعالى أودع عندهم أسرار الدين وعصمهم في النقل عنه أو عن النبي ﷺ أو عن النبي ﷺ بغير طريق الرواية المتصلة السند، فنجد

стр. 108

الإمام علي زين العابدين يقول ما يُكَذِّبُ ذلك، فهو الإمام الرابع عند الشعية وقد جاء في " حلية الأولياء " أنه كان يذهب إلى زيد بن أسلم ويجلس عنده فقال له نافع بن جبير: «أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ وَتَذْهَبُ إِلَى هَذَا العَبْدِ»، فقال الإمام: «إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ» ج ٢ ص ١٣٨. والإمام جعفر الصادق قد قال للمعتزلة عند دعوتهم لبيعة محمد بن عبد الله بن الحسن: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ ضَرَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَفِي المُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهُوَ ضَالٌّ مُتَكَلِّفٌ " وَقَالَ لِلأَبِ: " إِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ وَلاَ لابْنِكَ وَإِنَّمَا هُوَ لِهَذَا - أَيْ السَفَّاحُ - ثُمَّ لِهَذَا (المَنْصُورُ) فَلَمْ يَقُلْ بِالعِصْمَةِ أَوْ الإِمَامَةِ لأَحَدٍ (١). بَيْنَ الأَئِمَّةِ وَأُسْرَةِ أَبِي بَكْرٍ: إن الإمام جعفر الصادق الذي ينسب إليه مذهب الشيعة الإمامية، أمه حفيدة أبي بكر الصِدِّيق، فهي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِدِّيقَ، والقاسم تربى في حجر عمته السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - وكان يروي عنها، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وأم فروة، أمها أسماء بنت أبي بكر الصديق والقاسم جَدُّ جعفر لأمه، عَلَّمَ جعفر مما آتاه الله من العلم فقد مات ﵁ عام ١٠٨ هـ، وكان جعفر في الثامنة والعشرين من عمره. والإمام عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - قد رَبَّى وَعَلَّمَ محمد بن أبي بكر (والد القاسم) لأنه احتضنه بعد أن تزوج أمه أرملة أبي بكر الصديق (٢). الصَّادِقُ وَالعِصْمَةُ: والإمام جعفر ﵁ ينفي العصمة المنسوبة إليه وإلى الأئمة التي تتضمن التحليل والتحريم بغير نص في القرآن أو السُنَّةِ النبوية بدعوى أن الإمام مُلْهَمٌ فقد روى " الكافي " عن أبي بعير عن أبي عبد الله قال: «قلت له: «﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ

стр. 109

أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾» [التوبة: ٣١].، فقال: «والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون». وقال أيضًا: «والله ما صاموا لهم ولا صلوا لهم ولكن أحلوا لهم حرامًا وَحَرَّمُوا عليهم حلالاً فاتبعوهم» (١). الصَّادِقُ وَالتَّقِيَّةُ: أما التقية التي تنسب إلى الإمام جعفر الصادق فيفسرها قوله عند الطبرسي: «نَصُونُ بِذَلِكَ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ نَتَعَرَّضَ لِلْهَلاكِ» (٢). فهذه التقية ليست منهجًا لمذهب يدعو إلى التظاهر بموالاة الصحابة وتنزيه القرآن من التحريف ثم الاعتقاد بغير ذلك وترويجه سِرًّا كما يزعم بعض غلاة الشيعة. فالإمام جعفر يقول بالتقية بمعنى مداراة الحكام الظالمين لدفع الأذى ومنع المخاطر التي نتجت عن مقتل الحسين ﵁ ومقتل زيد ﵁، ومقتل الأخوين محمد النفس [الزكية] وإبراهيم، ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن (٣). الصَّادِقُ وَالقُرْآنُ: إن ما نسب إلى الإمام جعفر الصادق عن القرآن افتراء عليه فقوله: «إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ حَلاَلِ اللهِ وَحَرَامِهِ مَا يَسَعُنَا كِتْمَانُهُ، مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَدِّثَ بِهِ أَحَدًا»، ليس له سند صحيح وَتُكَذِّبُهُ الروايات الصحيحة، فقد روى العياشي في " تفسيره " عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: «مَنْ فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، إِنْ أَصَابَ لَمْ يُؤْجَرْ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ السَّمَاءِ». وقد رُوِيَ عن الإمام الباقر: «مَا ضَرَبَ رَجُلٌ القُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِلاَّ كَفَرَ» (٤).

стр. 110

٢١ - حَدِيثُ الغَدِيرِ وَأَصْلُ الخِلاَفِ: إن أصل الخلاف بين الشيعة والسُنَّةِ يرجع إلى رواية حديث الغدير ومؤداه أن الله قد أمر نبيه بإعلان وصاية الإمام علي من بعده فلم يفعل خشية أن يقال إن النَّبِيَّ يُحَابِي أقاربه كما يرويه الإمام كاشف الغطاء في كتابه " أصل الشيعة وأصولها ": ص ١٠٧. وقد فصله الشيخ محمد إبراهيم الموحد القزويني في كتابه " عيد الغدير ": ص ١٦ فقال: «إنه أثناء عودة النَّبِيِّ ﷺ من حجة الوداع وهو في طريقه إلى المدينة والعراق ومصر واليمن وكان وصولهم في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة. وكانوا مائة وعشرين ألف مسلم عدا من انضموا إليهم في الطريق والتحقوا بهم من اليمن ومن مكة، فنزل جبريل على رسول الله بالآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وأبلغ جبريلُ النَّبِيِّ أن اللهَ تعالى يأمره أن يقيم عَلِيَّ بن أبي طالب إمامًا على الناس وخليفة من بعده ووصيًّا له. فتوقف النَّبِيُّ ﷺ عن المسير وأمر أن يلحق به من تأخر عنه ويرجع من تقدم عليه فاجتمع المسلمون جميعًا حوله وأدركتهم صلاة الظهر فصلى بهم وخطب فيهم فأبلغهم أمر الله في الإمام علي وأن يُبَلِّغَ الشاهدُ منهم الغَائِبَ وكان مما قال: " اسمعوا وأطيعوا فإن الله مولاكم وعلي إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة. قَوْلِي عن جبريل عن اللهِ فلتنظر نفس ما قدمت لغد "» ص: ١٦. ثم يقول القزويني: «هذه الواقعة الخالدة المعروفة بواقعة الغدير من أشهر الوقائع التاريخية ومن أبرز الأحداث في حياة النَّبِيِّ ﷺ وقد شهد بها مائة وعشرة من الصحابة الذين حضروا الواقعة بأنفسهم منهم أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وَسَمُرَةَ بن جُندب والزبير بن العوام وطلحة بن [عبيد] الله والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر وغيرهم». ثم
следующие страницы →