← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95845

السنة المفترى عليها

سالم البهنساوي

Полный текст (345 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قطع يد السارق أو قتل القاتل إلا أن المسيحيين لا يعارضون تطبيق حدود الشريعة الإسلامية في مصر». كما نقلت المجلة عن القس برسوم شحاته وكيل الطائفة الإنجيلية في مصر قوله: «لا بد من تطبيق حدود الشريعة الإسلامية لتحقيق العدالة والسلام والحب في المجتمع». أَهْلُ الذِمَّةِ وَعَهْدُ الأَمَانِ: لقد استشهد الشيخ عمارة بعبارات وردت في عهود الخلفاء لأهل الذمة الذين ارتضوا حكم الإسلام وزعم أنها تعني أن يطبق هؤلاء شرائعهم في المعاملات الدنيوية. والشيخ لا يجهل أن شرائعهم ليست فيها نصوص في هذا الشأن ولا يجهل أنه لم يحدث في التاريخ الإسلامي كله إن كانت لليهود والنصارى شرائع خاصة في المعاملات المالية على الرغم من أن الإسلام لا يجبرهم على حكمه في هذه المعاملات ولكن إن التجأوا إلى القاضي المسلم حكم بالإسلام إذ قد ارتضوا حكم الإسلام بهذا التحاكم. أما الحدود وهي العقوبات فلا توجد دولة في العالم تسمح باستثناء واحد من هذه العقوبات وهذا يسمى في الفقه القانوني المعاصر بمبدأ إقليمية القوانين. وقد شهد الممثلون للنصارى في مصر بما يخالف الشيخ عمارة ويفسر معنى هذه العهود أو حسبنا قول وكيل الطائفة الإنجيلية فيما نشرته مجلة " الدعوة " بذا العدد سالف الذكر «في كل عهد أو حكم إسلامي التزم المسلمون فيه بمبادئ الدين الإسلامي كانوا يشملون رعاياه من غير المسلمين والمسيحيين على وجه الخصوص بكل أسباب الحرية والأمن».

стр. 247

أما ممثل الأقباط الأرثوذكس فيقول: «لقد لقيت الأقليات غير المسلمة - المسيحيون بالذات - في ظل الحكم الإسلامي كل حرية وسلام وأمن في دينها ومالها وعرضها حيث كانت تتجلى روح الإسلام السمحة». أما بطريرك الأقباط الكاثوليك فقد قال: «لقد وجدت الديانات الأخرى والمسيحية بالذات في كل عصر التي كان الحكم الإسلامي فيها قائمًا بصورته الصادقة، ما لم تلقه في ظل أي نظام آخر من حيث الأمان والاطمئنان في دينها ومالها وعرضها وحريتها». نأمل أن يعيد الدكتور محمد عمارة النظر في ذلك لأن كتابه " الدين والدولة " قد تضمن مقارنة علمية مشرقة للإسلام والحضارة الغربية والفتح الإسلامي والتوحيد وأوضح أنه التوحيد الإسلامي: ص ١٩٩ - ٢٢٨. كما نأمل أن يدرك ذلك المسلمون المسيحيون واليهود حكامًا وشعوبًا، ونأمل أن يدرك صبيان العلماء وأتباع دعاة الشهرة والزعامة على حساب الدين، إن شبهة التعارض بين النصوص من القرآن والسنة النبوية قد تناولها علماء الحديث حتى أصبح لذلك علم خاص هو (علم اختلاف الحديث ومشكله)، والجدير بالذكر أن أقدم كتاب فيه هو " اختلاف الحديث " للإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سَنَةَ ٢٠٤ هـ، ثم كتاب " تأويل مختلف الحديث " للإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٢٧٦ هـ) و" مشكل الآثار " للإمام أحمد بن محمد الطحاوي (٣٢١ هـ) وهو في أربع مجلدات، و" مشكل الحديث " للإمام محمد بن الحسن الأنصاري (٤٠٦ هـ)، وقد قال الإمام السخاوي عن هذا العلم: «هو من أهم الأنواع مضطر إليه جميع الطوائف من العلماء وإنما يكمل للقيام به من كان إمامًا جامعًا لصناعتي الحديث والفقه غائصًا على المعاني الدقيقة» [" فتح المغيث " للسخاوي: ص ٣٦٢، و" نشأة علوم الحديث " (*) للدكتور محمد عجاج الخطيب: ص ٣٤٧].

стр. 248

الفَصْلُ الثَّامِنُ: السُنَّةُ وَنَسْخُ الأَحْكَامِ: - التعريف بالنسخ. - نسخ السنة بالقرآن. - الإجماع والنسخ.

стр. 249

٥١ - التَّعْرِيفُ بِالنَّسْخِ: النسخ هو بيان للحكم الشرعي وليس رفعًا للنصوص وإزالة لها، فيكون الحكم الأول قائمًا حتى تاريخ نزول الحكم الأخير (١). فقد نزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقد روى الإمام أحمد أنه بعد نزول هذه الآية، كان الناس يشربون الخمر حتى يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين بأصحابه صلاة المغرب فخلط في قراءته فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم بعد ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. فهذه الآيات من كتاب الله تعالى، تضمنت مراحل تحريم الخمر، حسب هذا التدرج وكل حكم يظل حكمًا شرعيًا صحيحًا في الفترة السابقة على التحريم.

стр. 250

والنبي ﷺ عندما ينهى عن أمر، ثم يبيحه، يكون بين انتهاء الحكم السابق وأتى بحكم جديد في زمان آخر غير الزمن الأول. فقد نهى النبي ﷺ عن زيارة القبور، ونهى عن الأكل من لحوم الأضاحي، ثم أباح ذلك، وفي هذا روى الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: «[نَهَيْتُكُمْ] عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» م ٣/ ٦٥. فهذا الحديث لا يكون لاغيًا للحديث الأول، بل يبين أن زمان العمل به قد انتهى. لهذا فإن آيات القرآن التي نسخ الله حكمها، ما زالت قرآنًا ثابتًا يتعبد المسلمون بتلاوته في الصلاة وفي غير الصلاة. ولهذا نجد أن النسخ لا يختلف كثيرًا عن تخصيص العام، فكلاهما نوع من الاستثناء ولكنه في النسخ يتأخر زمنًا فيظل الحكم الأول فترة. ولكن الاستثناء في التخصيص لا يأتي بعد زمن بل يكون معلومًا ابتداءً مع الحكم العام مثل عدة المطلقات الواردة في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١)، فهذا عام يشمل جميع المطلقات ولكن قد استثنى الله المطلقات قبل الدخول فلا يشملهن الحكم المذكور لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢). فالنسخ يكون بدليل من القرآن أو السنة كما يكون عند وجود فارق زمني بين النصين ولم يمكن الجمع بينهما.

стр. 251

لأنه لو أمكن ذلك فلا معنى للقول بالنسخ مثل «شَرُّ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ»، وحديث «خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ» فلم ينسخ أحدهما الآخر، فالأول خاص بالقرون المتأخرة حيث يكثر الفساد والثاني خاص بالقرون الأولى أو بمن شهد لوجود الحاجة الماسة إلى الشهادة، وهذ تفسير يظهره حديث رواه عمران بن الحصين عن النبي ﷺ «خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ القَرْنُ الذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (*) «إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ... ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ ... » (١) (**). شُبُهَاتٌ حَوْلَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ: لقد شنع الأخ سلامة جبر على الكتاب لأنه رجح القول بالتخصيص في حديث «شَرُّ الشُّهُودِ» وفي استثناء غير المدخول بها الوارد في الصفحة السابقة، ولا خلاف على أن آية الأحزاب قطعت بإعفاء المطلقة قبل الدخول من حكم العدة الوارد في سورة البقرة، ولا خلاف في أن حديث «شَرُّ الشُّهُودِ» خاص بمن حركته الأهواء في الشهادة وفي أن حكم النسخ هو إبطال العمل بالنص المنسوخ، والناقد لا يملك القول بنسخ الإقراء للمطلقات كلهن وكذا الأمر في خير الشهود، ومن ثم يكون النص الجديد استثناء لبعض أفراد النص الأول والخلاف هل يوصف بأنه نسخ أم تخصيص؟ والناقد يصر على أنه نسخ وأن القول بالتخصيص جهل

стр. 252

بالشريعة يوجب مصادرة الكتاب الحجر على صاحبه. إنه لا يسمى الاستثناء نسخًا إلا إذا جاء بعد فترة زمنية، ويسمى تخصيصًا للعام إذا كان حكم الاستثناء قد ورد تاليًا للحكم السابق بغير فارق زمني، فقد اتفق الفقهاء على أن النسخ لا يفترض فلا يثبت إلا بدليل من القرآن والسنة (٢) ولا توجد أي قرينة على النسخ في هذين الحكمين، ولهذا رجحت الوصف بالتخصيص وحسبنا أن القول بالنسخ لا يكون بالاجتهاد وبالافتراض ولا دليل هنا على النسخ، ولم يذكر ابن كثير نسخًا في حكم العدة الورد في سورة البقرة كما أن الحافظ ابن حجر لم يقل بالنسخ في حديث «شَرُّ الشُّهُودِ» بل ذكر عدة طرق للتوفيق بين الحديثين، منها حمل الأول «شَرُّ الشُّهُودِ» على حقوق العباد، والآخر على حقوق الله أو حمل الأول على شهادة الزور، كما أن الإمام البيضاوي أورد حديثًا نبويا فيه «ثُمَّ [يَفْشُو] الكَذِبُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ» (٣). ومع هذا فلا تثريب على من قال بالنسخ فالخلاف في وصف الدليل أنه نسخ أو تخصيص لا يغير من النتيجة وهي أنه استثناء من الأصل. وبهذا تزول الشبهة التي نسبت إلى أبي مسلم الأصفهاني ونقلها الشيخ عبد المتعال الجبري في كتابه " النسخ " كما أفهمه، فقد أجيب أن أبا مسلم لا ينكر النسخ والنقل عنه في هذا مضطرب، والراجح أنه ينكر النسخ في القرآن لقول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. فما يسميه العلماء نسخًا يسميه هو تخصيصًا وبهذا قال التاج السبكي (٤) ملتمسًا العذر لفقيه

стр. 253

المعتزلة محمد بن بحر الأصفهاني (أبي مسلم) لكن ما استدل به وهو الآية السابقة تثبت حصول النسخ، وتنحصر الشبهة في نسخ السُنَّةِ للقرآن وهي تتعلق بالتسمية فقط هل هي ناسخة أو مخصصة. هذا وقد ينزل قرآن فينسخ السنة النبوية أو يخصص عمومها. فقد نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، فرفع بذلك الحكم الوارد في الحديث: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فلا يوجد تعارض بين الحديث والآية القرآنية، ولا بين هذا الحديث وحديث المبشرين بالجنة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في بند شبهة تعارض النصوص الشرعية. كما نزل قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فيخصص حديث النبي ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» (١). فالآية القرآنية تضمنت استثناء أهل الكتاب من عموم الحديث وأيضًا من عموم الحديث النبوي لا يراد به كل الناس فهو خاص بمشركي الجزيرة العربية فهو عام أريد به الخصوص (٢).

стр. 254

٥٢ - نَسْخُ القُرْآنِ لِلْسُنَّةِ: إذا كان ذلك فهل تنسخ السُنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الأحكام الواردة في القرآن الكريم؟ لقد قال بعض الفقهاء: إن السنة لا تنسخ القرآن لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. فقال قوم: إن السنة النبوية ليست خيرًا من القرآن حتى تنسخه فنرى التخصيص، فالنسخ قد يؤدي إلى التعارض بين القرآن والسنة أو إلى وصف السنة بعدم النسخ ثم العمل بنصوصها التي تخصص بعض أحكام القرآن الكريم. وعليه فالواجب النظر الدقيق في مفهوم هذه الآية لأن الاستدلال السابق يؤدي إلى هذه النتيجة. مع أن السنة من الوحي لقول الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤]. إن ربط الآية بما قبلها وما بعدها يعطي فهمًا آخر وهو أنها تتعلق بنسخ الرسالات والآيات الكونية المؤيدة لها، فالآية السابقة هي: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فالخطاب يرتبط بالرسالات السابقة التي نسخها القرآن الكريم والآية التي بعدها تؤكد ذلك في قول الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. والآية بمعنى المعجزة في آيات القرآن، وسواء كان سبب نزول الآية هو تعديل بعض أحكام التوراة أو

стр. 255

تحويل القبلة أو غير ذلك، فالثابت أن السُنَّةَ رفعت بعض أحكام القرآن من ذلك وعلى سبيل المثال الحكم الوارد في قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. فهذا يقرر الوصية للوالدين والأقربين ولو كانوا وارثين ولكنه تغير بالنسبة للأقارب الوارثين ولا خلاف في ذلك بين المسلمين فقد روى أصحاب السنن أن النبي ﷺ خطب على ناقته يوم الفتح فقال: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». فهذا الحديث منع الوصية للوارثين من الأقارب وهذا لا خلاف فيه، إنما الخلاف في وصف هذا الدليل الصارف للحكم الأول، الوارد في القرآن الكريم، فالأحناف يقولون إنه كلام مستقل منفصل عن النص العام القطعي فيقوى على نسخه، فيكون حكم الحديث ناسخًا لحكم الوصية للوارثين من الأقارب. بينما الشافعي والجمهور يرون أن الحديث يخصص هذه الآية ولا ينسخها. والإمام الغزالي يقول في هذا: «وَالتَّخْصِيصُ يُرَادُ بِهِ هُنَا قَصْرَ العَامِّ عَلَى بَعْضِ آحَادِهِ بِالإِرَادَةِ الأُولَى، فَدَليلَ التَّخْصِيصِ لَيْسَ لإِخْرَاجِ مَا دَخَلَ فِي العَامِّ، بَلْ لإِرَادَةِ الخُصُوصِ فِي اللَّفْظِ العَامِّ، وَأَنَّ تَسْمِيَةَ الأَدِلَّةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ مُخَصَّصَةٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ التَّجَوُّزِ» (١). إن المستقرئ لهذه الخلافات التي لم نتوسع فيها، يتضح له أن هذا خلاف نظري، فالجميع لا يختلف في النتيجة العملية وهو وجوب العمل بحكم الحديث

стр. 256

النبوي: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وقد ورد هذا على عموم الآية الخاصة بوجوب الوصية للأقربين وأخرج منها الورثة، وأما حكم الحديث النبوي وهل هو بطلان الوصية للوارثين كما يرى الإمام مالك أو تحريمها مع عدم بطلانها إلا إن جاوزت الثلث كما يرى غيره، فهذه مسألة أخرى تتعلق بدلالة النصوص. والإمام الشافعي يقطع بثبوت السنة النبوية التي منعت الوصية للورثة بينما نراه يصف هذه السنة الجديدة وصفًا ينفي عنها أنها تنسخ القرآن إذ قال: «أَنَّ السُنَّةََ لاَ نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِي تَبَعٌ لِلْكِتَابِ، بِمِثْلِ مَا نَزَلُ نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنًى مَا أَنْزَلَ اللهِ مِنْهُ جُمَلاً» (*) بينما يقول: إن حديث «خُذُوا عَنِّى» نسخ حكم آية الحبس في البيوت. ومع وصفه السنة بأنها لا ناسخة للقرآن يأخذ بحديث «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» الذي يراه غيره بأنه ناسخ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ... ﴾ [البقرة: ١٨٠]. فيقول في " الرسالة " (**): «وَوَجدْنا أهلَ الفُتْيَا، [ومَنْ حَفِظْنَا عَنْهُ] مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالمَغَازِي، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ: لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَامَ الفَتْحِ: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ... » (١). ويرى غيره أن هذا الحديث نسخ حكم آية الوصية. لهذا روى البيضاوي في " المنهاج " «أَنَّ لِلْشَافِعِيِِّ قولَيْنِ فِي هَذَا يَمْنَعُ نَسْخَ القُرْآنِ بِالسُنَّةِ مُطْلَقًا وَهُوَ رِوايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ الإِمَامِ أَحَمْدَ وَقولُ أَكْثَرِ الظَّاهِرِيَّةِ عَدَا اِبْنِ حَزْمٍ (٢) وَقَوْلٌ بِجَوَازِ هَذَا النُّسْخِ. فَالخِلاَفُ لَيْسَ فِي الحُكْمِ العَمَلِيِِّ، الوَارِدِ فِي الحَديثِ النُّبَوِيِّ (لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)».

стр. 257

وإنما في وصف هذا الحديث هل هو مخصص لحكم القرآن ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ... ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أم هو ناسخ لهذه الآية؟. فالأحناف ومن معهم يرون أن الحديث ناسخ للآية لأنه دليل منفصل عنها وهو حديث مشهور ومتواتر في المعنى فيقوى على ذلك عندهم وغيرهم يرى أن الحديث مخصص للآية، لأن العام بعد التخصيص لا يبقى محتفظًا بقوته فيقوى خبر الواحد على تخصيصه. والخلاصة أن الفقهاء يختلفون في مسالة نسخ السنة للقرآن فقد قال به ابن حزم لأن السنة وحي من الله، وقد ثبت أن قول الله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] قد نسخه حديث: «خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ... ». وآية الوصية للوالدين والأقربين نسخها حديث «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (١). وجمهور الفقهاء يرون أن السنة لا تنسخ القرآن بل تخصص عمومه، وهذا في جوهره خلاف في الاصطلاح فقط لأن الإجماع منعقد على العمل بحديث «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». وحديث جلد الزاني الذي لم يسبق له الزواج ورجمه إن كان محصنًا أي سبق له الزواج، ولا يغير من هذه الحقيقة أن يقال: إن هذه الأحاديث النبوية قد نسخت هذه الآيات القرآنية أو خصصتها، فالنبي ﷺ قد خصه الله ببيان أحكام القرآن الكريم بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وهذا البيان يكون بإبلاغ القرآن للناس جميعًا، ويكون بتفسير وتقييد ما جاء منها مطلقًا كما هو مفصل بالفصل السابع.

стр. 258

أما حديث: «كَلاَمِي لاَ يَنْسَخُ كَلاَمَ اللَّهِ، وَكَلاَمُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلاَمِي، وَكَلاَمُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا» فهو غير صحيح ومنكر (١). ومع هذا فإن أكثر الفقهاء يرون أنه من الجرأة أن يقال: إن السنة تنسخ القرآن فقد قيل للإمام أحمد بن حنبل «السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ» فقال: «لاَ أَجْتَرِئُ [أَنْ أَقُولَ فِيهِ]، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ القُرْآنَ، وَلاَ يَنْسَخُ القُرْآنَ إِلاَّ القُرْآنُ» (٢). والحقيقة أن الآيات التي قيل أنها منسوخة بالسنة يوجد في القرآن آيات أخرى أجملت نسخها وجاءت السنة وفصلت ذلك، فآية ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] نسختها آيات سورة النور الخاصة بأحكام الزنا ثم جاءت السنة وفصلت ذلك، وآية الوصية نسختها آية المواريث بالنسبة للوارثين كما قال ابن عباس، ثم جاء الحديث وأكد أنه لا وصية لوارث (٣). ولذها نقل السيوطي أن الإمام الشافعي قال: «حَيْثُ وقعَ نَسْخُ القُرْآنِ بِالسُنَّةِ فَمَعَهَا قُرْآنٌ عَاضِدٌ لَهَا، وَحَيْثُ وقعَ نَسْخُ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ فَمَعَهُ سُنَّةٌ عَاضِدَةٌ لَهُ لِيَتَبَيَّنَ تَوَافُقُ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ» (٤). أما نسخ القرآن للقرآن فمنه الثابت وهو نسخ الحكم مع بقاء التلاوة كما في آيات القتال والزنا والخمر، ومنه ما لا يمكن التسليم به وهو نسخ التلاوة والحكم أو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم كما في رواية «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ» والسبب في إنكار هذه الروايات هو أنها أقوال آحاد ونسبتها إلى القرآن لا تكون إلا بطريق التواتر، ومن نسب أحكامها إلى القرآن فيرجع إلى أنه يقول عن السنة إنها حكم القرآن لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ... ﴾ [الحشر: ٧].

стр. 259

ومما يؤكد أن الصحابة كانوا إذا قالوا أن الحكم قد ورد في القرآن أو في كتاب الله، لا يفرقون بين ما ورد في السنة النبوية لأن كلاهما وحي من الله، ما أورده الشوكاني عن الجماعة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَ [زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ] ﵄، أَنَّهُمَا قَالاَ: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا [عَلَى] هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، [وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ، وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي] أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، ... وكان مما قاله: «عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ» كما قال: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (١) (*). ومن هذا يتبين أن رواية: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ»، ليست من القرآن الكريم حتى لو قال الصحابي أن هذا الحكم كان في القرآن الكريم، ولأن القرآن الكريم حتى لو قال الصحابي أن هذا الحكم كان في القرآن الكريم، ولأن القرآن إنما يثبت بالتواتر ولم يثبت هذا في القرآن الكريم. كما يتبين خطأ من زعم أن القرآن فيه تحريف لأن آية الرجم لم تدون به، أو لأن الصحابة أخذوا بحديث: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وتركوا حكم القرآن في ذلك، وجوهر الخطأ هو أنه لا توجد آية للرجم كما أوضحت، أما تخصيص السنة لعموم بعض آيات القرآن الكريم كحصر الوصية في غير الوارثين وتخصيص القراءة في الصلاة بسورة الفاتحة في كل ركعة، فذلك وغيره ليس تحريفًا للقرآن كما يزعم الجاهلون أو المجادلون بالباطل، وهذا مفصل بالفصل السابع.

стр. 260

٥٣ - الإِجْمَاعُ وَالنَّسْخُ: ليس صحيحًا أن الإجماع ينسخ نصًا في القرآن أو السنة لأن النسخ هو إنشاء أو إلغاء لشرع وهذا لا يكون إلا بوحي من الله أي في عصر النبي ﷺ وبهذا لاَ حُجَّةَ للإجماع إلا إذا كان له سند. قال ابن حزم: «النُّسْخُ بِالإِجْمَاعِ المَنْقُولِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ جَائِزٌ لأَنْ الإِجْمَاعِ أََصْلُهُ التَّوْقِيفُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إِمَّا بِنَصِّ قُرْآنٍ أََوْ بُرْهَانٍ قَائِمٍ مِنْ أَيِّ مَجْمُوعَةٍ مِنْهُ أَوْ بِنَصِّ سُنَّةٍ أَوْ بُرْهانٍ قَائِمٍ مِنْهَا كَذَلِكَ أَوْ بِفِعْلٍ مِنْهُ ﵇ أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ» (١). فالإجماع لا ينشىء بذاته حكمًا بل يكشف عن حكم الله ورسوله وبالتالي فالناسخ هو هذا الحكم وليس أقوال الصحابة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. لقد أوجب الله الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا النص القرآني وغيره في أمر الصلاة، لم يبين أوقاتها ولا عددها ولا كيفيتها، فكانت السنة النبوية هي المبينة لهذا إذ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فهذا البيان ملزم لكل مسلم سواء ورد لنا عن طريق رواية التواتر أو الآحاد، أو ورد في سنة وصنفت بأنها ناسخة أو مخصصة أو وردت عن طريق إجماع الصحابة. فإجماع الصحابة بعد رواية جماعية عن النبي ﷺ وبالتالي يكون ألزم من رواية الآحاد لأنه لا يقل عن الحديث المتواتر.

стр. 261

ولا يراد بالإجماع هنا، ما يوجد في كتب الفقه من القول بالإجماع على أمر من الأمور، بل المراد هو ما قامت الحجة القاطعة على أنه إجماع وبالتالي لا يدخل في ذلك الإجماع السكوتي، ويراد به شيوع رأي مع عدم معرفة ما يخالفه، ولا يدخل في ذلك ما كان محل خلاف على أنه إجماع من عدمه. قال ابن حزم: «الإِجْمَاعُ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ المِلَّةِ يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُ، إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ» (١). وقد علق ابن تيمية على ذلك بأن كفر من أنكر الإجماع ليس باعتبار أنه أنكر الإجماع بل باعتبار أنه أنكر ما ثبت من الدين بالضرورة. وحجية الإجماع موضع خلاف، ولم يكفروا النَظَّامَ بإنكار حجيته وإنما كفره من كفره لأمور أخرى، وفي موضع الإجماع اليقيني لا بد من وجود كتاب أو سنة متواترة فيكون منكر الحكم الثابت به غير منكر لحجية الإجماع فقط بل للكتاب أو السنة المتواترة أيضًا. وابن حزم في كتابه " الإحكام " يقرر أنه لا يتصور إجماع إلا إذا بني على نص بل توقيف من رسول الله ﷺ ، إما بكلام منه فيقول ولا بد محفوظ حاضر، وإما فعل منه ﵇ فهو منقول أيهما، وأما إقراره إذ علمه فأقره ولم يبتكره فهي أيضًا حال منقول محفوظة (٢). والفرق بين ابن حزم وبين الأئمة المشهورة مذاهبهم في هذه المسألة هو أن ابن حزم لا يعتد بالإجماع إلا إذا كان إجماعًا على نص من القرآن أو السنة النبوية وهذا ما يسميه الأئمة بالإجماع اليقيني. وابن حزم ينكر الإجماع المستند إلى القياس والأئمة يعتدون به ويسمى عندهم الإجماع الظني، كما أنهم لا يكفرون من لم يحتج بالإجماع المستند إلى أحاديث الآحاد لأنه إجماع ظني عندهم.

стр. 262

وأما أن دعوى الإجماع تحتاج إلى دليل قاطع، فمثال ذلك ما ذكره ابن المنذر من الإجماع على أن دية المرأة نصف دية الرجل وقد اشتهر هذا في كتب الفقه وبالبحث تبين أنهم يسندون ذلك إلى صحيفة عمرو بن حزم حيث أن بها هذا الحكم مرفوعًا إلى النبي ﷺ وتبين أن هذا الحكم ليس في صلب الحديث النبوي بل ورد في حديث معاذ بن جبل وإسناده غير ثابت (٤). لهذا لم يثبت أي إجماع إلا إجماع الصحابة ﵃ حيث ثبت إجماعهم في الأحكام الشرعية بالتواتر ولذلك لم يختلف أحد في إجماعهم حتى نفاة الإجماع لا ينازعون في إجماع الصحابة على حكم شرعي لأن إجماع الصحابة له سند، فإجماعهم على ميراث الجدة إلى خبر المغيرة بن شعبة، وإجماعهم على تحريم الجمع بين المحارم استند إلى ما رواه أبو هريرة (٥) وإجماعهم على تحريم الجدات مع أنهن غير الأمهات هو الاستناد إلى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، لأن المراد تحريم الأصول، وإجماعهم على رأي عمر في عدم تقسيم الأراضي المفتوحة، استند إلى فعل النبي ﷺ في عدم تقسيم أرض مكة قد فتحت عنوة على ما هو الأصح، وعدم تقسيم أرض بني قريظة وبني النضير وغيرها من دور العرب (٦).

стр. 263

الفَصْلُ التَّاسِعُ: العَقْلُ البَشَرِيُّ وَالتَّحْرِيفُ العِلْمِي: - الطعن في البخاري. - وسائل جديدة لهدم السنة. - الطعن في أبي هريرة. - الصحابة والإكثار من السنة. - تحريف النصوص بين المستشرقين وعلماء الشهرة.

стр. 264

٥٤ - العَقْلُ البَشَرِيُّ وَالتَّحْرِيفُ العِلْمِيُّ: كان من تأثَّر بعض كُتَّاب المسلمين بآراء المستشرقين أنْ وجدنا انسياقاً وراء مزاعمهم دون بحث أو تدقيق فتأثَّر بهم بعض الكُتَّاب وذلك بالطعن في كتب الصحاح وعلى بعض الصحابة وفي رَدِّ السُنَّة النبوية أو نقدها بالعقل البشري المعاصر وعلى سبيل المثال: الطعن في البخاري: ذكر أحمد أمين أنَّ البخاري تطرَّق إلى بعض أحاديثه الضعف فقال (١) في كتابه " ضُحى الإسلام ": «نرى للبخاري نفسه على جليل قدره ودقيق بحثه، يثبت أحاديث دَلَّتْ الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال كحديث " لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ "» وحديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ». وقد زعم الدكتور صُبحي محمصاني (٢) أنَّ المُجَدِّدِينَ أمثال ابن تيمية

стр. 265

ومحمد عبده طعنوا في صحة هذا الحديث وغيره وفي " البخاري" و " مسلم " لمخالفتهما للعلم والواقع وهذا كذب يتجدَّدُ كما هو مُفَصَّلٌ بالبند ٦٩. ولو أراد أحد الناقدين أن يتحرى عن حقيقة هذين الحديثين لبحث كغيره من العلماء أمثال الدكتور مصطفى السباعي (١) الذي أوضح في كتابه " السنة ومكانتها في التشريع " أن الحديث الأول «هو جزء من حديث كامل أخرجه " البخاري " في باب السمر [في الفقه والخير] بعد العشاء من كتاب الصلاة، وهو أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاَةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ سَنَةٍ لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ (اليَوْمَ) عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ "» فنص الحديث واضح أن الرسول أخبر صحابته في آخر حياته بل جاء في رواية جابر أن ذلك قبل وفاته ﷺ بشهر، أن من كان منهم على ظهر الأرض حَيًّا حين قال الرسول تلك المقالة، لا يعمر أكثر من مائة سنة ولم يفطن بعض الصحابة إلى قول الرسول ممن هو على ظهرها اليوم، فنبههم عبد الله بن عمر إلى هذا الوارد في لفظ حديث وَبَيَّنَ لهم المراد منه وكذلك فعل علي بن أبي طالب ﵁ في رواية الطبراني. وقد استقصى العلماء من كان آخر الصحابة موتًا فوجدوه أبا الطفيل عامر بن واثلة وقد مات سنة عشر ومائة (٢)، فيكون الحديث معجزة للنبي ﷺ وليس شاهدًا على عدم صحته كما ظن النقاد الذين جهلوا أصول النقد العلمي للسنة النبوية.

стр. 266

لقد قال الحافظ ابن حجر في كتاب " فتح الباري " (١): «وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن عُمَرَ فِي هَذَا الحَدِيث مُرَاد النَّبِيّ ﷺ [وَأَنَّ مُرَادَهُ] أَنَّ عِنْدَ اِنْقِضَاءِ مِائَة سَنَةٍ مِنْ [مَقَالَتهِ تِلْكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنُ] فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ» منهم على ظهر الأرض. كما ذكر الإمام مسلم هذا الحديث في رواية عن جابر بلفظ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ اليَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ». وقال الإمام النووي: «هَذِهِ الأَحَادِيثُ قَدْ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَفِيهَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ وَالمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَرْضِ لاَ تَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ، [سَوَاءٌ قَلَّ أَمْرُهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لاَ] وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ» (٢). ٥٥ - حَقِيقَةُ النَّقْدِ العِلْمِيِّ: فهل من الإسلام وشمسه وضحاه أن يغفل الناقد المسلم عن هذا وينسى هذه الحقائق ثم يظهر أقوال المستشرقين التي تزعم أن البخاري على دقة بحثه قد تطرق إلى بعض أحاديثه الضعف وعدم الصحة؟. لا شك أن الكاتب والمؤلف الناقد لم يطلع على هذه المراجع واكتفى بأقوال المستشرقين وصدقهم فالتمس بذلك سبيلاً سهلاً ليكون ناقدًا لعلوم الحديث ورجاله وليكون مؤلفًا وكاتبًا في هذه المادة دون أقل تحقيق أو بحث علمي. أما الحديث الثاني المتضمن وقاية العجوة للسم والسحر فقد جاء في رواية الإمام مسلم أن هذا خاص بتمر المدينة، ففي الرواية: «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا» وفي رواية: «إِنَّ فِي عَجْوَةِ العَالِيَةِ شِفَاءً» (٣)

стр. 267

والحديث عن عجوة المدينة وتمرها. كما أنه لم يثبت أن هذا التمر قد تناوله شخص أو أكثر بهذه الكمية وواظب عليه ثم أضره السحر أو السم الذي كان معروفًا في عصر النبوة، فضلاً عن أن السحر مرض نفيسي يزول بهذا الفعل مع الاعتقاد، كما أن السم الذي كان شائعًا في هذا العصر لا يمكن أن يضر الشخص الذي تناول يوميًا هذا العدد من التمرات لأن العجوة مليئة وطاردة للديدان فكانت تمنع ضرر مثل هذه السموم في هذا الوقت. لم يظهر في عصرنا بحث طبي يثبت أن العجوة ليس لها الخاصية بالنسبة لهذه السموم فكيف يحكم هذا الناقد المسلم بعدم صحة حديث النبي وقد قال الله عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤]. لقد أكد الدكتور مصطفى السباعي ذلك وقال أنه جرب تمر المدينة مدة خمسة أشهر كاملة خلال عام فكان يتصبح بسبع تمرات رغم أنه مصاب بمرض السكر، ثم أجرى تحليلاً للدم والبول، فلم يجد أي أثر للسكر في البول ولم تزد نسبة السكر في الدم عما كانت عليه قبل هذه التجربة (١). فهل يقتنع بذلك المستشرقون ومن نقل عنهم؟ إن الله العليم بخلقه رَدَّ دعوى الإيمان التي أظهرها المنافقون فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. نرجو أن يدرك ذلك من يريدون الكتابة والنقد العلمي.

стр. 268

٥٥ - وَسَائِلٌ جَدِيدَةٌ لِهَدْمِ السُنَّةِ: لقد ظهر بمصر حديثًا (١) كتاب باسم " الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها " وهو كتاب فاخر الطباعة ويباع بسعر رمزي، وينسب إلى من يدعى (السيد صالح أبو بكر). يزعم واضع الكتاب أن عمدة المراجع للأحاديث النبوية هو " صحيح البخاري "، وقد اشتمل على مائة حديث مكذوب دسها اليهود على النبي، ثم جاء البخاري وحكم بصحتها ونسبها إلى النبي ﷺ . والمؤلف يدعي أنه قد اكتشف هذه الإسرائيليات في " صحيح البخاري " من خلال المراجع العلمية التي أوردها في الجزء الأول من كتابه وهي: أولاً - كتاب " أضواء على السنة المحمدية " للمدعو محمود أبو رية الذي قال ص ٥٢: «إن قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] معناه: أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه وإنما جاءت البلوى من التقول على النبي ونسبة الأحاديث إليه وهو لم يقلها بدليل أنه لم يدونها كما دَوَّنَ القرآن». وهذا المرجع يزعم أن الأحاديث النبوية كلها مختلفة استنادًا إلى هذه الآية التي أراد أن يهدم بها السنة النبوية. ولقد اختلق محمود أبو رية أقوالاً كثيرة في كتابه هذا ونسبها إلى " البخاري " وزعم أنها في " فتح الباري ".

стр. 269

ومن هذه الروايات أن «عبد الله بن عمرو أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس " عن النبي "». وكتاب " فتح الباري " ليس فيه عبارة «عَنْ النَّبِيِّ» بل فيه «وَكَانَ يَرْوِيهَا لِلْنَّاسِ». بهذا يريد أبو رية أن يوهم القارئ أن الأحاديث النبوية أكثرها إسرائيليات من كتب اليهود والنصاري وحيث كانت تروى عن النبي بينما المتقول إن عبد الله بن عمرو كان يروي ما عثر عليه من صحف أهل الكتاب على أساس أنها أقوالهم وليست أقوال النبي ﷺ . ولقد جاء السيد أبو بكر: ص ٥٨ وكرر نقل هذه الرواية المحرفة مؤكدًا أنها هي الحقيقة التاريخية التي تثبت أن عبد الله بن عمرو نقل الأحاديث عن أهل الكتاب كما اختلق أبو رية ونسبها إلى كتاب " البداية والنهاية " لابن كثير ونصها: قال عمر لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ». وكتاب " البداية والنهاية " فيه: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ الأُوَلِ) ... » أي عن اليهود والنصارى وليس عن رسول الله، وهذه الأكاذيب سبق أن فصلناها في البند ٥٩. هذا هو المرجع العلمي الذي يستند إليه من ينسب الإسرائيليات إلى " البخاري "، وهو مرجع كثر فيه الكذب والتحريف حتى وضع الشيخ عبد الرزاق حمزة كتابًا سماه " ظلمات أبي رية " كما وصفه الشيخ عبد الحليم محمود بأنه «كَذَّابٌ وَمُحَرِّفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ».

стр. 270

ولو اتبعنا أبا رية فيما زعمه من أنه لا يوجد إلا القرآن لأن السنة غير صحيحة لكانت الصلوات الخمس وأعمال الحج ونصاب الزكاة وشروطها من الإسرئيليات المكذوبة على الإسلام، لأنها لم ترد في القرآن الكريم، أي أن المرجع العلمي يريد هدم الإسلام عن طريق هدم السُنَّةِ وهو ما يسعى إليه المبشرون والمستشرقون. وأبو رية وكذا المتهم الجديد المدعو السيد [صالح] أبو بكر لا يجهلان أن القرآن الكريم قد أمرنا باتباع سُنَّةَ النبي، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ولا يجهلان أن إجماع الصحابة والأمة قد انعقد على أن من رد الأحاديث النبوية كان كافرًا. ثانيًا - المصدر العلمي الثاني: روايات محرفة: والنوع الثاني من المراجع العلمية التي يستند إليها المؤلف في دعواه وجود روايات إسرائيلية في أحاديث " البخاري ". هذا النوع هو روايات محرفة يستند إليها للوصل إلى النتيجة التي سطرها في الجزء الأول من كتابه وهي رد السنة النبوية إذ رغم أن: «ما يروى عن النبي وليس له سند في القرآن إنما هو من وحي الخيال الخرافي والكيد الإسرائيلي اللعين»: ص ٥.

стр. 271

ومن الأمثلة على الروايات المحرفة: ١ - أورد في الجزء الأول من كتابه: ص ٢٣ ما نصه: «روت عائشة حديث رؤية النبي لربه ليلة الإسراء الذي رواه الشيخان عن عامر بن مسروق»، ليثبت أن البخاري قد وردت به إسرائيليات ردها الصحابة. والتحريف يكمن في أنه لا يوجد عند الشيخين (البخاري ومسلم) حديث رؤية النبي لربه، فهذا اختلاق من المؤلف، فالذي رواه الشيخان هو (حديث عائشة عن مسروق) ونصه: عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ يَا أُمَّتَاهْ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلاَثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرأَتْ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]؛ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]؛ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية؛ وَلكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي [صُورَتِهِ] مَرَّتَيْنِ. (المرجع: " اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ": الحديث ١١١ ص ٤١). من هنا يتضح أن عائشة لَمْ تُكَذِّبْ رواية " البخاري " و" مسلم " كما زعم المؤلف بل لقد نقلا عنها الرواية سالفة الذكر، ثم كيف تكذبهما ولم يكونا في عصرها؟ ولكن المؤلف يريد أن يختلق وجود تناقض في روايات " البخاري " ليتوصل لهدم السنة النبوية بزعمه أن " البخاري " روى حديث رؤية النبي لله. ٢ - وزعم المؤلف أن عائشة ردت حديث عبد الله بن عمر في " الصحيحين ": «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وردت حديثًا في " البخاري " و" مسلم

стр. 272

وغيرهما عن قتلى المشركين في بدر. وانتهى من هذا إلى أن أصحاب النبي يُكَذِّبُونَ بعضهم بعضًا في الأحاديث النبوية كما جاء في تحقيق أبي رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " وهو كتاب قد حَرَّفَ الروايات والأحاديث. ورواية " البخاري " و" مسلم " وسائر كتب السنة ليست فيها الرواية سالفة الذكر، وأم المؤمنين عائشة لَمْ تُكَذِّبْ " البخاري " و" مسلم " كما يحلو للمؤلف أن يوهم القارئ بذلك. بل كتب الحديث فيها أن عائشة استدركت على بعض الصحابة عند روايتهم هذين الحديثين أي قبل أن توجد كُتُب السنة، وبالتالي دَوَّنَ البخاري ومسلم هذا وهو الحديث رقم ٥٣٦ كما جاء في كتاب " اللؤلؤ والمرجان ": «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمكَّةَ، وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا ... فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلاَ تَنْهَى عَنِ البُكَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذلِك». ثم ختم الرواية بقول ابن عباس: «فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)؛ وَلكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عِنْدَ ذلِكَ: " وَاللهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى "]، قَالَ ابْنُ أُبِي مُلَيْكَةَ: " وَاللهِ مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ شَيْئًا "». فالبخاري ومسلم بهذا رويا أن ابن عمر كان يحدث عن النبي قوله: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» ورويا استدراك عائشة وتوضيحها لنص الحديث وهو: «إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». كل ذلك كان في حياة الصحابة وفي فترة جمع الحديث النبوي وتمحيص

стр. 273

الرواية وتحقيقها، تلك الفترة التي بدأت في عصر الصحابة مرورًا بعصر البخاري المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٥٦ هـ، وكان دوره السادس عشر في سلسلة من تخصصوا في جمع السنة وتمحيصها، وقد بلغوا الثلاثين أو يزيد (١). أما ما زعمه المؤلف من أن عائشة قد رَدَّتْ حديثًا في البخاري عن سماع قتلى بدر لخطاب النبي ﷺ ، فهذا تحريف آخر فيه لأن عائشة لم تعاصر البخاري حتى ترد حديثًا له، وإنما قد روى بسنده عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ) فَقَالَتْ: [وَهَلَ] ابْنُ عُمَرَ ﵀. إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ) قَالَتْ: [وَذَاكَ] مِثْلُ قَوْلِهِ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى القَلِيبِ وَفيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ) إِنَّمَا قَالَ: (إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌ) ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] وَ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. (" اللؤلؤ والمرجان "، الحديث ٥٣٧). فهذا ما سمعته عائشة من رسول الله ﷺ ، وهذا ما استدركت على ابن عمر حسبما روى " البخاي "، وهذا لا ينفي أن يسمع غيرها من النبي ما يؤكد سماع قتلى بدر خطاب النبي فقد روى مسلم في " صحيحه " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: [يَا رَسُولَ اللهِ] كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ،

стр. 274

وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا» ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي [قَلِيبِ بَدْرٍ]». وقد أجاب الشيخ الألباني أن (قول النبي): «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»: «لا يفيد بأن الموتى يسمعون، إذ جاء في " صحيح البخاري " عن قتادة: أن الله أحياهم للنبي ليسمعوا ذلك» (" مختصر صحيح مسلم " للمنذري، تحقيق الألباني: جـ ٢ ص ٧٢، الحديث ١١٥٩، طبعة وزارة الأوقاف بدولة الكويت). ثالثًا - المصدر العلمي الثالث: أحاديث مختلفة: أما المصدر العلمي الثالث الذي استند إليه المؤلف لإثبات وجود إسرائيليات في " البخاري " وبالتالي إضعاف الثقة فيه وفي كتب السنة ليصل إلى النتيجة التي رسمها له أسياده وهي هدم السنة النبوية، هذا المصدر هو أحاديث نبوية محرفة مثل: ١ - الحديث رقم ١ في الجزء الثاني من كتابه: ص ١٢٤: حيث قال: «ذروة الكذب في حديث يقول إن النبي الذي عصمه الله حاول الانتحار عندما تأخر عنه الوحي. " البخاري ": ص ٣٨ مجلدة كتاب الشعب» وبالرجوع إلى المجلد الخامس سالف الذكر تبين أن هذه الصفحات في باب مناقب الأنصار وبالبحث تبين أن رواية نزول الوحي على النبي هي الحديث الثالث في " صحيح البخاري " أي بالجزء الأول وليس في هذه الرواية بطبعة الشعب ولا بطبعة الحلبي ولا في طبعة دار الإرشاد من بيروت الإضافة التي وضعها هذا المؤلف والمتضمنة (أن النبي حاول الانتحار عندما تأخر عنه الوحي). و" صحيح مسلم " أورد نفس الحديث، وهو حديث عروة عن عائشة بشأن بدء الوحي في غار حراء حيث جاء الملك وقال للنبي: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» ... وليس فيه الزيادة التي نسبها المؤلف إلى " البخاري " ليصفه بأنه ذروة الكذب، بل إن كتاب " التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول " (*) والذي يحوي

стр. 275

" الكتب الستة " أورد في الجزء الثالث فيه: (أول نزول الوحي) ص ٢٥٢ طبعة دار الفكر ببيروت، وليس في حديث عائشة سالف الذكر الزيادة المشار إليها. ولكن أحد كتب السيرة غير المحققة ورد به أنه بعد نزول جبريل المرة الأولى وقال للنبي: «اقْرَأْ»، انقطع عنه مدة أرجح الأقوال فيها أربعون يومًا، فكان خلالها ياتي ذروة الجبل فيبدي له أن يرمي نفسه حذرًا من قطيعة الله له، فنطق له الملك قائلاً: «أنت رسول الله حَقًّا، فيطمئن خاطره» (" [نور] اليقين في سيرة سيد المرسلين " للشيخ محمد الخضري: ص ٣٢. وهذا ليس من قبيل الانتحار، وذلك على الرغم من أن رواية الخضري هذه لم ينسبها إلى أي مصدر من كتب السنة أو كتب السيرة، ولكن أشهر وألو كتب السيرة وهو " سيرة ابن إسحاق " التي رواها ابن هشام قد خلت من هذه الرواية مما يدل على أنها من الإسرائيليات، فالوارد عند ابن هشام تحت عنوان (فترة الوحي) «أن الوحي قد فتر حتى شق ذلك على النبي فأحزنه فجاء جبريل بسورة الضحى حيث يقسم الله فيها أنه ما ودعه وما كرهه ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]». ٢ - الحديث رقم ٥٢ من الجزء الثاني من الكتاب المذكور: ص ٢٤١: قال المؤلف: «الحديث رقم ٥٢ فيه افتراء على القرآن لأنه ذكر المرأة تحت اسم النعجة» " البخاري ": مجلد ٢ كتاب ٣ وذلك بتفسير قول الله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [سورة ص، الآية: ٢٣]، ثم ذكر المؤلف أسبابًا عقلية تنفي صحة إطلاق اسم النعجة على المرأة وقال: «ومن هذه الأسباب نجرم بعدم صواب ذلك ونبرئ البخاري ورسول الله منه»: ص ٢٤٢. وهذا يفيد أن إطلاق كلمة امرأة على اسم النعجة من قول النبي ﷺ ، ولكن بالرجوع إلى المصدر الذي نقل عنه المؤلف وهو

стр. 276

" صحيح البخاري " تبين أن الكلام منسوب إلى البخاري وليس للنبي أو أحد من الصحابة، والنص هو: «يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ نَعْجَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا شَاةٌ»: جـ ٤ ص ١٩٦. أي عند العرب، والبخاري إنما ينقل المعنى الذي اتصل بعلمه وعلم غيره ولم ينسب ذلك إلى النبي أو إلى القرآن حتى يقول المؤلف إن هذا افتراء ثم يبرأ القرآن والنبي منه. رابعًا - المصدر العلمي الرابع: العقل البشري: لقد زعم المؤلف أنه اكتشف الإسرائيليات في " صحيح البخاري " من خلال المراجع العملية وقد ذكرنا أمثلة منها، وهي كلها تحريف للكلم عن مواضعه. ولا يبقى من المراجع العملية التي استند إليها المذكور في رده " صحيح البخاري " وباقي كتب السنة إلا منطقه وعقله البشري الذي احتكم إليه وزعم أنه يحتكم إلى القرآن فما كان به من أشياء توافق الحديث النبوي أخذنا بالحديث وإلا كان مكذوبًا، وبهذه المقدمة العقلية يريد أن يقنع المسلمين بترك السنة كلها لأنها ما جاءت إلا لتفصيل ما سكت عنه القرآن أو جاء به مجملاً غير مفصل مثل الصلوات الخمس ومناسك الحج والحلال والحرام وسائر المعاملات. وأيضًا يريد المؤلف أن ينسب الجهل إلى صحابة رسول الله ﷺ والعصور التالية لهم إلى يومنا لأنهم لم يدركوا ما توصل إليه. وفيما يلي أمثلة لهذه الأوهام العقلية التي ذكرها في كتابه: ١ - الحديث رقم ٨ في كتابه: ص ١٤٧ والخاص بالتوسل بالعباس: يقول المؤلف: «الحديث فيه دعوى جواز التوسل إلى الله بالصالحين مع أن ذلك شرك صريح».

стр. 277

والوارد في " البخاري " ليس حديثًا نبويًا بل رواية من البخاري بسنده الصحيح عن عمر بن الخطاب: أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. ولكن المؤلف يضع بعقله قاعدة ليكذب البخاري والصحابة فيقول: «إن الصحابة لم يتوسلوا بالنبي في دعاء أو رجاء لأن الشرك الذي نص عليه القرآن وحرمه على المسلمين، لم يكن إلا توسل الناس بالصالحين». ثم يقول: «من باطن التوحيد وظاهره يصدر اعتقادنا ببطلان هذا الحديث وبطلان نسبته إلى أصحاب النبي»: ص ١٤٩. وقد حرف الكلم عن مواضعه عندما قال: «إن الشرك هو التوسل بالصالحين»، فالشرك في القرآن عبادة الناس استقلالاً أو زلفى إلى الله حيث وصف ذلك بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. أما التوسل بالصالحين في رجاء أو دعاء فليس شركًا، بل قد أخرج الترمذي والنسائي والطبراني عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ رَجُلاً ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قَالَ: فَادْعُهْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ»، قَالَ عُثْمَانُ: «فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقْنَا [وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ] حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ [قَطُّ]». فالتوسل الممنوع هو التوسل بالأموات من غير الأنبياء ومخالفته ليست كفرًا أو شركًا (١) بل من المعاصي طبقًا للضوابط الشرعية.

стр. 278

٢ - الحديث رقم ٩ في فضل عائشة على نساء بني آدم: يقول المؤلف: «روى البخاري أن النبي ﷺ " كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلاَّ [آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ]، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَ [إِنَّ] فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ "». ثم يرد الحديث لأنه يفضل عائشة على مريم وامرأة فرعون وهي لم تذكر في القرآن مثلهما مما يجعل المغرضين يعللون ذلك بتعصب النبي لزوجته. وهذا منطق الجهلاء الذين لا يؤمنون بالسنة النبوية ولا يسلمون أنها وحي من الله ولكن التبليغ بألفاظ النبي حتى لا تختلط بالقرآن كما يجهلون أن الحديث لم يحصر الكمال في مريم وامرأة فرعون استنتاجًا بل بتوقيف من الله تعالى. وأما قول النبي: «وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». فهذا ليس عطفًا على الكمال بل استئناف لكلام جديد والواو هنا ليست للعطف بل للمغايرة واستئناف حكم جديد، وتشبيه عائشة بالثريد لا يفيد كمالها على نساء العالمين كما زعم المؤلف، فالثريد غير كامل حتى يكون التشبيه للكمال. ٣ - الحديث رقم ١٥ بكتابه ص ١٥٨: يذكر المؤلف أن البخاري روى عن أبي هريرة، قال: «وَإِنَّ [إِخْوَتِي] مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ [إِخْوَتِي] مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ، أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ».

стр. 279

ويرد المؤلف الرواية لأنها في نظر أسياده تخريف لا يليق بالنبي وصاحبه ودس رخيص من أعداء الإسلام. ومن الأسباب العقلية الأخرى: أ - إنه قد جاء في كتاب " [أضواء] على السنة المحمدية ": «أن أبا هريرة أسلم وسنه سبع سنوات وعندما توفي النبي كان سن أبي هريرة عشر سنين، أي أنه لم يعاصر النبي إلا وهو طفل بين السابعة والعاشرة». وسبق أن أوضحنا أن محمود أبو رية كذاب ومحرف للكلم عن مواضعه وكتبه ليست مصدرًا علميًا، وليس أدل على ذلك من أن أكبر خصوم الإمام أبي هريرة وهو الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي الذي تضمن كتابه " أبو هريرة " وصفًا له من محمد سعيد العريان بأنه أمي مفرط مكثار كذاب، مغلول، مهول، متزلف، سخيف، سقيم العقل، صنيعة بني أمية: ص ٣. هذا الذي نقل ذلك عن أبي هريرة يقول عن نشأته (ص ٢٠): «نشأ في اليمن وشب حتى أناف على الثلاثين ... وهاجر إلى المدينة بعد فتح خيبر وأسلم ... وأما صحبته فقد صرح في حديث أخرجه " البخاري " بأنها كانت ثلاث سنين». ب - أنه ليس معقولاً أن يحفظ أبو هريرة وينسى أبو بكر وعمر وأعلام الصحابة. ولقد أوضح ذلك البخاري في " التاريخ " فروى عن الصحابي طَلْحَةَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ - قَوْلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «[وَاللَّهِ] مَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا لَمْ نَسْمَعْ وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَغْنِيَاءَ وَلَنَا بُيُوتَاتٌ وَأَهْلُونَ، وَكُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ

стр. 280

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ] ثُمَّ نَرْجِعُ، وَكَانَ هُوَ مِسْكِينًا لاَ مَالَ لَهُ وَلاَ أَهْلَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، فَمَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ وَسَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ». ٤ - الحديث رقم ٢٤ بشأن عقوبة الزنا: ينقل المؤلف عن " البخاري " أن أعرابيًا جاء إلى النبي وقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، [اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ]، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا [لِي]: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَارْجُمْهَا»، فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا. وَأُنَيْسٌ شخص ثالث كلفة النبي بإقامة هذا الحد. والمؤلف لا يعجبه ذلك فيرد الحديث النبوي لأنه أورد أمرين لا أصل لهما في القرآن الكريم، الأول تغريب عام والثاني الرجم (ص ١٨٠) والجدير بالذكر أن قضاء النبي بكتاب الله ليس معناه أن هذا القضاء في القرآن، فكتاب الله هنا يعني حكم الله لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقد أقسم النبي أن يحكم بينهما بكتاب الله وهو يعلم أن حكم الرجم ليس في القرآن، ولكن يبين أنه مخول بتفسير مجمل القرآن في قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١). والمؤلف يردد أقوال المنافقين والزنادقة من أنه لا التزام إلا بما في القرآن

стр. 281

فقط وقد نقل في ذلك عن أبي رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " أن النبي حذر من الأخذ بشيء لم يرد في القرآن فقال: «إن الأحاديث ستكثر بعدي كما كثرت عن الأنبياء قبلي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عني قلته أو لم أقله» وهذا الحديث من وضع الزنادقة كما قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من رجال الحديث، والثابت أن النبي قال: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، وهؤلاء لا يجهلون أن السنة وحي من الله وهي البيان التفصيلي للقرآن الكريم للقرآن الكريم ولهذا فصلت أحكام الصلاة والصوم والزكاة والحج والحدود والعقوبات والمعاملات، وفي خصوص جريمة الزنا روى مسلم في " صحيحه " عن عبادة بن الصامت قال: «خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بِالبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ رَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ». كتاب الحدود. خامسًا - جدول المراجع العلمية المحرفة: والمؤلف في سبيل إعطاء الشرعية لبدعته التي زعم فيها أن " البخاري " به إسرائيليات مدسوسة على النبي تبلغ مائة وعشرين حديثًا وهي الأحاديث التي لم يقبلها عقل المؤلف السقيم وقد أوردنا أمثله منها. نراه يصل إلى نتيجة وهي رد السُنَّةِ كلها «ومن تبرئة النبي منها وذلك عملاً على تطهير ديننا من شوائب الدس الإسرائيلي»: ص ٣ من المقدمة. وليصل إلى هذه الشرعية وضع جدولاً ص ١٠٧ به مقتطفات من مراجع علمية اقتصر فيها على شطر الكلام يؤيد بدعته كالذي يقتصر على قول الله ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولا يذكر باقي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].

стр. 282

أ - فمثلاً ينقل عن الدهلوي في كتابه " الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " أن السنة هي العملية المتواترة التي رآها الناس والنبي يفعلها (بينما هذه الرسالة تضمنت باقي أنواع السنة القولية والتقريرية وهذا ما أغفله المؤلف). ب - وينقل عن الشيخ محمد عبده أنه قال: «يجب اعتبار القرآن هو السند [الوحيد] لقبول الحديث» بينما الشيخ محمد عبده في " تفسير المنار ": ص ١٠٣ يقول: «لا بد من الرجوع بالأحاديث والمذاهب إلى القرآن» ولا يعني بذلك الاستغناء عن السنة. ج - وينقل عن " الرسالة " للإمام الشافعي: «جَمِيعُ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ». والشافعي يعني بذلك اجتهاد الرسول فيما لم ينزل فيه وحي بالسنة النبوية بدليل أنه في ذات " الرسالة " يقول: «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ مَا لَيْسَ فِيهِ بِعَيْنِهِ نَصَّ كِتَابٍ، وَكُلَّ مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ فَقَدْ أَلْزَمَنَا اللهُ اِتِّبَاعَهُ». د - وينقل المؤلف عن الشيخ مصطفى عبد الرازق أن عمر ﵁ حبس أصحاب رسول الله المعاصرين له بالمدينة عن الانتشار في الأرض حتى لاَ [يُحَدِّثُوا] عن رسول الله فيزيد الناس عنهم أو ينقصون حتى أطلقهم عثمان: ص ١٠٨. (*). الثورة الاجتماعية والمحرفون الجدد: وفي الوقت نفسه ينقل مجتهد آخر هو الدكتور محمد عمارة في كتابه " عمر بن عبد العزيز " الصادر عن دار الهلال في شوال ١٣٩٨ هـ / سبتمبر ١٩٧٨ م تحريفًا آخر عن سبب انتشار الصحابة فيزعم أن «هذا الذي استقر عليه الإسلام والمسلمون حتى عهد عمر قد بدأ يتغير منذ خلافة عثمان بن عفان، فأشراف قريش الذين حجزهم عمر بالمدينة ومنعهم من السعي لحيازة الثروات وامتلاك الأرض في البلاد الغنية المفتوحة، قد انطلقوا وحققوا مطامحهم ومطامعهم على عهد عثمان، وكما يقول الطبري: فإن "عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ حَجَرَ عَلَى أَعْلامِ

стр. 283

قُرَيْشٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ الْخُرُوجَ فِي الْبِلْدَانِ إِلا بِإِذْنٍ وَأَجَلٍ ... فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ لَمْ يَأْخُذْهُمْ بِالَذِي كَانَ يَأْخُذُهُمْ بِهِ عُمَرُ "»: ص ٤٤. ووجه التحريف في الروايتين هو: أ - أن منع الصحابة (لا المهاجرين فقط) من مغادرة المدينة كان قرارًا نافذًا خلال خلافة أبي بكر وعمر وسنتين من خلافة عثمان لسبب ليس ما زعمه الكاتب الأول أو الثاني، بل هو رجوع الخليفة إليهم لأن أحكام السنة النبوية لم تكن قد جمعت كلها وهم يحفظون على تفاوت بينهم. ولكن لما كثرت الفتوحات الإسلامية في خلال خلافة عثمان اضطر للسماح لهم بالهجرة إلى هذه البلاد ليعلموا أهلها أحكام الإسلام وليس للسلب والنهب والمطامع كما يزعم الشيخ عمارة الذي يتجاهل ويذكر هنا اسم الطبري في واقعة منع الصحابة من الهجرة ليوحي للقراء أن السبب الذي اخترعه من أقوال الطبري، فالمنع من الهجرة لم يكن بسبب الخوف من الزيادة أو النقصان على رسول الله كما زعم الدجال الأول وليس للحيلولة دون السلب وامتلاك الأراضي، كما زعم الكاتب الآخر الذي امتد فكره إلى القرطبي فنسب إليه أنه بالجزء الثالث من كتابه " الجامع لأحكام القرآن ": ص ٦٢ قد قطع أن جمهور المفسرين يرون أن معنى قول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، هو أن الواجب إنفاقه، هو ما فضل عن العيال أي عن الحوئج: (ص ٤٣ من كتابه). بينما القرطبي ينقل عن قيس بن سعد أن (العفو) هو الزكاة المفروضة ويغفل قوله عن جمهور العلماء إنها نفقة التطوع كما ينقل القرطبي عن غيرهم أن آية الزكاة قد نسخت هذه الآية، ثم يقول: والظاهر يدل على الأول أي أن

стр. 284

الزيادة المطلوب إخراجها كما قال الجمهور هي نفقه التطوع، وكل ذلك حَرَّفَهُ الشيخ عمارة وكذب على القرطبي. وهذه الزيادة كما قال الشهيد سيد قطب في " الظلال ": «حق قد يؤديه صاحبه ابتغاء مرضاة الله - وهذا هو الأكمل والأجمل - فإن لم يفعل واحتاجت إليه الدولة المسلمة التي تنفذ شريعة الله، أخذته فأنفقته فيما يصلح الجماعة المسلمة»: ص ٣٣٦ جـ ١. مَوْقِفُ القُرْآنِ مِنَ السُنَّةِ وَصِبْيَانِ العُلَمَاءِ: إن صبيان العلماء الذين يستغلون لرد الحديث النبوي، قد يموهون على العوام فيستدلون بما جاء في أمهات المراجع الإسلامية عن ارتباط السنة بالقرآن وتفصيلها له، غير أن هذه الأقوال لم تأت لرد السنة النبوية وقد فصلنا ذلك في البند ٦١ من هذا الكتاب وفصلنا سائر المراجع ومنها كتاب " مقدمة في تفسير الرسول للقرآن " للأستاذ محمد العفيفي. إن ما ورد في أمهات الكتب وصرح أصحابه أن المراد به أن السنة تفصل أحكام القرآن ولا تهدمه أو تعارضه ولهذا يردون أحكام السنة إلى أصل عام في القرآن وفي هذا قال الإمام الزركشي: «اعْلَمْ أَنَّ القُرْآنَ وَالحَدِيثَ أَبَدًا مُتَعَاضِدَانِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الحَقِّ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ مَدَارِجِ الحِكْمَةِ حَتَّى إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخَصِّصُ عُمُومَ الآخَرِ وَيُبَيِّنُ إِجْمَالَهُ ثُمَّ مِنْهُ مَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمَعَهُ مَا يَغْمُضُ وَقَدِ اعْتَنَى بِإِفْرَادِ ذَلِكَ بِالتَّصْنِيفِ الإِمَامُ أَبُو الحَكَمُ ابْنُ بَرَّجَانَ فِي كِتَابِهِ المُسَمَّى بـ " الإِرْشَادِ " (١) وَقَالَ: مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 285

مِنْ شِيْءٍ فَهُوَ فِي القُرْآنِ وَفِيهِ أَصْلُهُ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ فَهِمَهُ مَنْ فَهِمَهُ وَعَمِهَ عَنْهُ مَنْ عَمِهَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أَلاَ تَسْمَعُ [إِلَى] قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الرَّجْمِ: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله" وَلَيْسَ فِي نَصِّ كِتَابِ اللَّهِ الرَّجْمُ وَقَدْ أَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَكِنَّ الرَّجْمَ فِيهِ تَعْرِيضٌ مُجْمَلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]، وَأَمَّا تَعْيِينُ الرَّجْمِ مِنْ عُمُومِ ذِكْرِ العَذَابِ وَتَفْسِيرِ هَذَا المُجْمَلِ فَهُوَ مُبَيَّنٌ بِحُكْمِ الرَّسُولِ وبأمره بِهِ، وَمَوْجُودٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر: ٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]». ثم قال: «وَهَذَا البَيَانُ مِنَ العِلْمِ جَلِيلٌ وَحَظُّهُ مِنَ اليَقِينِ جَزِيلٌ، وَقَدْ نَبَّهَنَا ﷺ عَلَى هَذَا المَطْلَبِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ خِطَابِهِ، مِنْهَا حِينَ ذَكَرَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لأَوْلِيَائِهِ فِي الجَنَّةِ فَقَالَ: "فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ" ثُمَّ قَالَ: "اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ... وَوَصَفَ الجَنَّةَ فَقَالَ: " فِيهَا شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ وَلاَ يَقْطَعُهَا" ثُمَّ قال: "اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]». ولقد عدد الإمام الزركشي الأحاديث النبوية وربطها بالآيات القرآنية في فصل كامل بعنوان (النوع الأربعون في معاضدة السنة للقرآن) (١)، وكان مما ذكره: الروايات التي ساق بعضها صاحب كتاب " الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرئيلية وتطهير البخاري منها ": ص ٢٢٣، فكان من ذلك الحديث الخاص بالشمس وفيه: «وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ» وحديث
следующие страницы →