← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95845

السنة المفترى عليها

سالم البهنساوي

Полный текст (345 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فقط وقد نقل في ذلك عن أبي رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " أن النبي حذر من الأخذ بشيء لم يرد في القرآن فقال: «إن الأحاديث ستكثر بعدي كما كثرت عن الأنبياء قبلي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عني قلته أو لم أقله» وهذا الحديث من وضع الزنادقة كما قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من رجال الحديث، والثابت أن النبي قال: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، وهؤلاء لا يجهلون أن السنة وحي من الله وهي البيان التفصيلي للقرآن الكريم للقرآن الكريم ولهذا فصلت أحكام الصلاة والصوم والزكاة والحج والحدود والعقوبات والمعاملات، وفي خصوص جريمة الزنا روى مسلم في " صحيحه " عن عبادة بن الصامت قال: «خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بِالبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ رَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ». كتاب الحدود. خامسًا - جدول المراجع العلمية المحرفة: والمؤلف في سبيل إعطاء الشرعية لبدعته التي زعم فيها أن " البخاري " به إسرائيليات مدسوسة على النبي تبلغ مائة وعشرين حديثًا وهي الأحاديث التي لم يقبلها عقل المؤلف السقيم وقد أوردنا أمثله منها. نراه يصل إلى نتيجة وهي رد السُنَّةِ كلها «ومن تبرئة النبي منها وذلك عملاً على تطهير ديننا من شوائب الدس الإسرائيلي»: ص ٣ من المقدمة. وليصل إلى هذه الشرعية وضع جدولاً ص ١٠٧ به مقتطفات من مراجع علمية اقتصر فيها على شطر الكلام يؤيد بدعته كالذي يقتصر على قول الله ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولا يذكر باقي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].

стр. 282

أ - فمثلاً ينقل عن الدهلوي في كتابه " الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " أن السنة هي العملية المتواترة التي رآها الناس والنبي يفعلها (بينما هذه الرسالة تضمنت باقي أنواع السنة القولية والتقريرية وهذا ما أغفله المؤلف). ب - وينقل عن الشيخ محمد عبده أنه قال: «يجب اعتبار القرآن هو السند [الوحيد] لقبول الحديث» بينما الشيخ محمد عبده في " تفسير المنار ": ص ١٠٣ يقول: «لا بد من الرجوع بالأحاديث والمذاهب إلى القرآن» ولا يعني بذلك الاستغناء عن السنة. ج - وينقل عن " الرسالة " للإمام الشافعي: «جَمِيعُ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ». والشافعي يعني بذلك اجتهاد الرسول فيما لم ينزل فيه وحي بالسنة النبوية بدليل أنه في ذات " الرسالة " يقول: «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ مَا لَيْسَ فِيهِ بِعَيْنِهِ نَصَّ كِتَابٍ، وَكُلَّ مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ فَقَدْ أَلْزَمَنَا اللهُ اِتِّبَاعَهُ». د - وينقل المؤلف عن الشيخ مصطفى عبد الرازق أن عمر ﵁ حبس أصحاب رسول الله المعاصرين له بالمدينة عن الانتشار في الأرض حتى لاَ [يُحَدِّثُوا] عن رسول الله فيزيد الناس عنهم أو ينقصون حتى أطلقهم عثمان: ص ١٠٨. (*). الثورة الاجتماعية والمحرفون الجدد: وفي الوقت نفسه ينقل مجتهد آخر هو الدكتور محمد عمارة في كتابه " عمر بن عبد العزيز " الصادر عن دار الهلال في شوال ١٣٩٨ هـ / سبتمبر ١٩٧٨ م تحريفًا آخر عن سبب انتشار الصحابة فيزعم أن «هذا الذي استقر عليه الإسلام والمسلمون حتى عهد عمر قد بدأ يتغير منذ خلافة عثمان بن عفان، فأشراف قريش الذين حجزهم عمر بالمدينة ومنعهم من السعي لحيازة الثروات وامتلاك الأرض في البلاد الغنية المفتوحة، قد انطلقوا وحققوا مطامحهم ومطامعهم على عهد عثمان، وكما يقول الطبري: فإن "عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ حَجَرَ عَلَى أَعْلامِ

стр. 283

قُرَيْشٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ الْخُرُوجَ فِي الْبِلْدَانِ إِلا بِإِذْنٍ وَأَجَلٍ ... فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ لَمْ يَأْخُذْهُمْ بِالَذِي كَانَ يَأْخُذُهُمْ بِهِ عُمَرُ "»: ص ٤٤. ووجه التحريف في الروايتين هو: أ - أن منع الصحابة (لا المهاجرين فقط) من مغادرة المدينة كان قرارًا نافذًا خلال خلافة أبي بكر وعمر وسنتين من خلافة عثمان لسبب ليس ما زعمه الكاتب الأول أو الثاني، بل هو رجوع الخليفة إليهم لأن أحكام السنة النبوية لم تكن قد جمعت كلها وهم يحفظون على تفاوت بينهم. ولكن لما كثرت الفتوحات الإسلامية في خلال خلافة عثمان اضطر للسماح لهم بالهجرة إلى هذه البلاد ليعلموا أهلها أحكام الإسلام وليس للسلب والنهب والمطامع كما يزعم الشيخ عمارة الذي يتجاهل ويذكر هنا اسم الطبري في واقعة منع الصحابة من الهجرة ليوحي للقراء أن السبب الذي اخترعه من أقوال الطبري، فالمنع من الهجرة لم يكن بسبب الخوف من الزيادة أو النقصان على رسول الله كما زعم الدجال الأول وليس للحيلولة دون السلب وامتلاك الأراضي، كما زعم الكاتب الآخر الذي امتد فكره إلى القرطبي فنسب إليه أنه بالجزء الثالث من كتابه " الجامع لأحكام القرآن ": ص ٦٢ قد قطع أن جمهور المفسرين يرون أن معنى قول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، هو أن الواجب إنفاقه، هو ما فضل عن العيال أي عن الحوئج: (ص ٤٣ من كتابه). بينما القرطبي ينقل عن قيس بن سعد أن (العفو) هو الزكاة المفروضة ويغفل قوله عن جمهور العلماء إنها نفقة التطوع كما ينقل القرطبي عن غيرهم أن آية الزكاة قد نسخت هذه الآية، ثم يقول: والظاهر يدل على الأول أي أن

стр. 284

الزيادة المطلوب إخراجها كما قال الجمهور هي نفقه التطوع، وكل ذلك حَرَّفَهُ الشيخ عمارة وكذب على القرطبي. وهذه الزيادة كما قال الشهيد سيد قطب في " الظلال ": «حق قد يؤديه صاحبه ابتغاء مرضاة الله - وهذا هو الأكمل والأجمل - فإن لم يفعل واحتاجت إليه الدولة المسلمة التي تنفذ شريعة الله، أخذته فأنفقته فيما يصلح الجماعة المسلمة»: ص ٣٣٦ جـ ١. مَوْقِفُ القُرْآنِ مِنَ السُنَّةِ وَصِبْيَانِ العُلَمَاءِ: إن صبيان العلماء الذين يستغلون لرد الحديث النبوي، قد يموهون على العوام فيستدلون بما جاء في أمهات المراجع الإسلامية عن ارتباط السنة بالقرآن وتفصيلها له، غير أن هذه الأقوال لم تأت لرد السنة النبوية وقد فصلنا ذلك في البند ٦١ من هذا الكتاب وفصلنا سائر المراجع ومنها كتاب " مقدمة في تفسير الرسول للقرآن " للأستاذ محمد العفيفي. إن ما ورد في أمهات الكتب وصرح أصحابه أن المراد به أن السنة تفصل أحكام القرآن ولا تهدمه أو تعارضه ولهذا يردون أحكام السنة إلى أصل عام في القرآن وفي هذا قال الإمام الزركشي: «اعْلَمْ أَنَّ القُرْآنَ وَالحَدِيثَ أَبَدًا مُتَعَاضِدَانِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الحَقِّ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ مَدَارِجِ الحِكْمَةِ حَتَّى إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخَصِّصُ عُمُومَ الآخَرِ وَيُبَيِّنُ إِجْمَالَهُ ثُمَّ مِنْهُ مَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمَعَهُ مَا يَغْمُضُ وَقَدِ اعْتَنَى بِإِفْرَادِ ذَلِكَ بِالتَّصْنِيفِ الإِمَامُ أَبُو الحَكَمُ ابْنُ بَرَّجَانَ فِي كِتَابِهِ المُسَمَّى بـ " الإِرْشَادِ " (١) وَقَالَ: مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 285

مِنْ شِيْءٍ فَهُوَ فِي القُرْآنِ وَفِيهِ أَصْلُهُ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ فَهِمَهُ مَنْ فَهِمَهُ وَعَمِهَ عَنْهُ مَنْ عَمِهَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أَلاَ تَسْمَعُ [إِلَى] قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الرَّجْمِ: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله" وَلَيْسَ فِي نَصِّ كِتَابِ اللَّهِ الرَّجْمُ وَقَدْ أَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَكِنَّ الرَّجْمَ فِيهِ تَعْرِيضٌ مُجْمَلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]، وَأَمَّا تَعْيِينُ الرَّجْمِ مِنْ عُمُومِ ذِكْرِ العَذَابِ وَتَفْسِيرِ هَذَا المُجْمَلِ فَهُوَ مُبَيَّنٌ بِحُكْمِ الرَّسُولِ وبأمره بِهِ، وَمَوْجُودٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر: ٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]». ثم قال: «وَهَذَا البَيَانُ مِنَ العِلْمِ جَلِيلٌ وَحَظُّهُ مِنَ اليَقِينِ جَزِيلٌ، وَقَدْ نَبَّهَنَا ﷺ عَلَى هَذَا المَطْلَبِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ خِطَابِهِ، مِنْهَا حِينَ ذَكَرَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لأَوْلِيَائِهِ فِي الجَنَّةِ فَقَالَ: "فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ" ثُمَّ قَالَ: "اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ... وَوَصَفَ الجَنَّةَ فَقَالَ: " فِيهَا شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ وَلاَ يَقْطَعُهَا" ثُمَّ قال: "اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]». ولقد عدد الإمام الزركشي الأحاديث النبوية وربطها بالآيات القرآنية في فصل كامل بعنوان (النوع الأربعون في معاضدة السنة للقرآن) (١)، وكان مما ذكره: الروايات التي ساق بعضها صاحب كتاب " الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرئيلية وتطهير البخاري منها ": ص ٢٢٣، فكان من ذلك الحديث الخاص بالشمس وفيه: «وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ» وحديث

стр. 286

«رَأْسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ»، ولكن الإمام الزركشي ربط الحديث بقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤]، وقول الله: ﴿لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧]. أما المدعو السيد أبو بكر والمسخر اسمه لهدم الإسلام عن طريق هدم السنة، فقد زعم أن الحديثين يناقضان القرآن الكريم ولذا فهما من الإسرائيليات ورتب على ذلك استبعاد الأحاديث النبوية كلها وقدم فَهْمًا مغلوطًا للحديث النبوي زعم فيه أنه أراد بالمشرق الخليج العربي والكويت والسعودية لأنها تقع شرق المدينة، والحديث خاص بالشمس وليس بشرق المدينة أو غربها. ونكتفي بهذا في كشف هذه الكتب التي ينفق على ترويجها أعداء الإسلام ويسخرون لذلك بعض الحكام وبعض صبيان العلماء والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 287

٥٦ - الطَّعْنُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّ المستشرقين الذين لم يجدوا وسيلة لهدم السُنَّة النبوية، ألقوا سمومهم في بعض كتبهم ومن هذه السموم التشكيك في بعض الصحابة. لقد نقل أحمد أمين أنَّ الصحابي أبا هريرة كان يُحَدِّثُ عن النبي ﷺ بغير ما سمعه منه واستدلَّ على ذلك بأنه روى عن النبي: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صَوْمَ لَهُ» فلما أنكرت عائشة ذلك قال: «إِنَّهَا أَعْلَمُ مِنِّي وَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ بَلْ سَمِعْتُهُ مِنَ الفَضْلِ بْن العَبَّاسِ» (١). ولقد أجاب الدكتور السباعي بأنَّ كُتُبَ الصحيح لم تذكر عن عائشة أنها أنكرت بل جاء في هذه الكتب أنَّ أبا هريرة استفتى في صوم من أصبح جُنُباً، فأفتى بأنه لا صوم له، فاستفتَتْ عائشة وأم سلمة، فأجابتا بصِحَّةِ الصوم وقالتا: كان رسول الله يصبح جنباً ثم يصوم. فلما قيل ذلك لأبي هريرة رجع عن فتواه وقال: «هُمَا أَعْلَمُ مِنِّي» (٢). كما أنَّ الرواية التي نسبها المسلم الناقد إلى كتاب " شرح مُسَلَّم الثبوت " ليس فيها حصول الإنكار والرَدِّ من عائشة أو أنَّ أبا هريرة نسب الحديث إلى

стр. 288

النبي ﷺ لأن رواية " مسلم " فيها أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال: سمعت أبا هريرة يقول: «مَنْ أَدْرَكَهُ الفَجْرُ جُنُبًا فَلاَ يَصُمْ» (١). ولكن الكاتب تأثرًا بمنهج المستشرقين زعم أن الصحابي الجليل كان يحدث عن النبي ﷺ ما لم يقله النبي، والسبيل لإثبات ذلك هو مجاراة المستشرقين في النقل عن كتاب " شرح مسلم الثبوت " رواية ليست فيه كما نسب إلى أبي هريرة أنه زاد في روايته الحديث: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ) انْْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» والزيادة هي: (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ) (٢). وفي إثبات هذه التهمة ذكر أنه قد قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يزيد في الرواية (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ) فقال: «إنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا»، ويعلق الناقد المسلم على ذلك بقوله: «وَهَذَا نَقْدٌ مِنْ ابْنِ عُمَرَ لَطِيفٌ فِي البَاعِثِ النَّفْسِيِّ» (٣). أي أن أبا هريرة زاد في الرواية لمصلحته حيث إنه صاحب زرع، ومن أراد التحقيق العلمي يتضح له أن الرواية التي فيها الزرع رواها " مسلم " عن ابن عمر أيضًا بلفظ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ ... » (٤). وإن الحافظ ابن حجر في كتاب " فتح الباري " أوضح أن ابن عمر أكد رواية أبي هريرة وأن سفيان بن زهير وعبد الله بن مغفل قد وافقاه على هذه الزيادة (٥).

стр. 289

قال النووي في " شرح مسلم ": «(قول ابن عمر: «إنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا») [قَالَ الْعُلَمَاءُ]: لَيْسَ [هَذَا] تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلاَ شَكًّا فِيهَا، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ وَحَرْثٍ اعْتَنَى بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَهُ» (١). وأخيرًا وليس آخرًا فإن رواية " مسلم " عن أبي هريرة نفسها: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذُكِرَ لابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ» (٢). قال الشيخ محمد ناصر الألباني: «قول ابن عمر هذا لا يصح عنه لأن الزهري لم يدركه فهو منقطع وليس على شرط الصحيح» (٣). فأين هذا كله مما زعمه الناقد الأمين؟ وهل يجهل أن الشافعي والبخاري قالا عن أبي هريرة إنه أحفظ من روى الحديث؟ (٤). ٥٧ - الإِسْرَافُ فِي نَقْدِ الحَدِيثِ وَشِفَاءِ العُيُونِ: لقد تأثر بعض الكُتَّابِ بالمستشرقين في نقد متن الحديث النبوي ومن الأمثلة على ذلك دعواهم بالتوقف في صحة الأحاديث النبوية حتى يخضع الحديث للتجارب الطويلة.

стр. 290

لقد طالب بعضهم إخضاع الحديث للتجارب الطويلة والتحاليل الطبية لنعلم صحة نسبته إلى النبي ﷺ ، ولقد نقل أحدهم حديث «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ» ثم قال: «فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة، وهل فيها ترياق؟ نعم إنهم رَوَوْا أن أبا هريرة قال: " أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ فِي قَارُورَةٍ وَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَشْمَاءُ فَبَرَأَتْ" ولكن هذا لا يكفي لصحة الحديث، فتجربة جزئية [نَفَعَ فيها شيء مرة] لا تكفي منطقيًا لإثبات الشيء في [ثبت الأدوية]، [إنما الطريقة] أن تجرب مِرَارًا، وخير من [ذلك] أن تحلل» (١) (*). إن هذا الحديث قد رواه " البخاري " و" مسلم " وسنده لا يتطرق إليه الشك حتى نتوقف في قبوله على النتائج العملية أو التجارب الفردية. فضلاً عن أن الأطباء الأقدمين قد أكدوا أن ماءها مفيد للبصر (٢). أما الطب الحديث فإنه في معامل موسكو، قام مدير مستشفى الرمد بالمنوفية وهو الدكتور المعتز بالله محمد مراد المرزوقي وأجرى أبحاثًا على الكمأة فثبت أنها تعالج الرمد الحبيبي (التراكوما) وهو مرض يؤهل لالتهاب تقيحي يساعد على العمى. ولكن الكاتب يريد أن يجعل الحديث النبوي رهن تجارب أشخاص يخطئون أكثر مما يصيبون حتى يصلوا إلى الحقائق بعد كثير من الضحايا. وكان أجدر بهؤلاء أن يرجعوا إلى الأسباب التي اتفق علماء الحديث على أنها وسيلة رد متن الحديث دون أن يبتدعوا أسبابًا ليست قطعية ولا يقينية، أو أن يجعلوا العقل البشري حكمًا على الكتاب والسنة النبوية.

стр. 291

وأجدر بمن قلدهم أن يدرك أن المؤلف المسلم أحمد أمين في قوله: «إن المحدثين عنوا عناية تامة بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي ... فلم يعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أو لا؟» (*). هذا المسلم كان يقلد المستشرق كايتاني الذي نقل عنه زميله يوسف شاخت قول: «كل قصد المحدثين ينحصر في واد جدب ممحل، من سرد الأشخاص [الذين] نقلوا المروي - النقد الخارجي - ولا يشغل أحد نفسه بنقد العبارة والمتن نفسه» (١). وهل جهل احمد أمين أن من دلائل معرفة الوضع في الحديث كان النظر في السند، حتى وجدنا للحديث أوصافًا تتعلق بالمتن مثل، الشاذ والمقلوب والمضطرب والمدرج والمصحف. ومع هذا فإن الأطباء الذين أجروا تجارب على ما ورد بالسنة النبوية متعلقًا بأمور علمية أو طبية قد توصلوا إلى مطابقة الأحاديث النبوية للنتائج الطبية والعلمية، وكتاب الدكتور موريس بوكاي (٢) قد أورد كثيرًا من ذلك في القرآن والسنة، والبحث المقدم إلى المؤتمر العالمي للطب الإسلامي المنعقد بالكويت، قد كشف عن أنه بفحص ستمائة طفل وبعلاج ثمانية منهم من الرمد الحبيبي بماء الكمأة لمدة ثلاثين يومًا تبين أنه قد امتنع حدوث التليف في هذا المرض (التراكوما) مما يحول دون حصول مضاعفات لهذا المرض المؤدي إلى العمى (٢). كما قدم لنفس المؤتمر (٣) بحثًا آخر عن الحديث الذي رواه البخاري

стр. 292

بلفظ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي [شَرَابِ] أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً». وقد جاء في البحث أن العالم الألماني بريفلر، من جامعة هال اكتشف سنة ١٨٧١ م أن الذبابة مصابة بفطر يتكاثر ويلتصق بجسمها، وأنه في سنة ١٩٤٧ م اكتشف مفليش وجود مضادات حيوية تفرزها هذه الفطريات من جسم الذبابة وأنها فعالة ضد الجراثيم العضوية السالبة مثل التيفود والدوسنتاريا، وهذه المضادات فعالة بحيث أن الغرام منها يحفظ ألف لتر لبن من التلوث بالجراثيم المذكورة التي هي مصدر خطورة الذباب، وأن غمس الذبابة في السائل يجعل المضاد الحيوي يخرج ويذوب في السائل ويعطيه وقاية من المكروبات. يقول الدكتور أمين رضا أستاذ جراحة العظام بجامعة الإسكندرية: إن الجراحين الذين عاشوا قبل اكتشاف مركبات السلفا راوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب حيث كان يربى لذلك خصيصًا وبني على هذا اكتشاف فيروس البكتريوناج القاتل للجراثيم، على أساس أن الذباب يحمل في آن واحد الجراثيم التي تسبب المرض والبكتريوناج الذي يهاجم هذه الجراثيم، وتوقف هذا العلاج يرجع إلى اكتشاف مركبات السلف التي جذبت أنظار العلماء وكل هذا مفصل بدقة في جزء من رسالة الدكتوراه للزميل أبو الفتوح مصطفى عيد والمقدمة إلى جامعة الإسكندرية إشرافي. " مجلة التوحيد " الصادرة بمصر، العدد الخامس، سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م) نقلاً عن كتاب " فتاوى معاصرة " للدكتور يوسف القرضاوي: ص ١٠٧.

стр. 293

٥٨ - الصَّحَابَةُ وَالإِكْثَارُ مِنَ السُنَّةِ: لقد كان بعض صحابة رسول الله ﷺ أكثر تفرغًا من غيرهم ولهذا اشتهروا بكثرة الرواية عن النبي ﷺ . لقد كان أبو هريرة ﵁ من هؤلاء الصحابة وهذا مما أغضب المستشرق اليهودي (جولدتسيهر) فقال عنه: «ويظهر أن علمه الواسع بالأحاديث التي كانت تحضره دائمًا قد أثار الشك في نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة والذين لم يترددوا في التعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر» (١). ولكن كاتبًا مسلمًا لم يقف عند هذا الذي زعمه جولدتسيهر من أن كثرة رواية أبي هريرة أثارت الشك في نفوس من أخذوا عنه أي التابعين، بل زاد الكاتب المسلم أن بعض الصحابة كَذَّبُوا أبا هريرة (٢). لهذا نوضح هذه المسألة ليزداد المؤمن إيمانًا بالسنة ورواتها، ولقد أسلم أبو هريرة سَنَةَ سَبْعٍ من الهجرة فكان يسمى عبد شمس بن صخر فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن بن صخر ويكنى بأبي هريرة لأنه كان يحمل هرة صغيرة. وعلى الرغم من تأخر إسلامه إلا أنه روى كثيرًا من الأحاديث كما كان يفتي للصحابة فقد روى الإمام مسلم بسنده عن عروة عن عائشة - رَضِيَ

стр. 294

اللهُ عَنْهَا -، قالت: «أَلاَ يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ [سُبْحَتِي]، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ، وَاللهُ المَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا: «أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي هَذَا، ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ» فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَوْلاَ آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (١). هذا هو سبب كثرة روايات أبي هريرة فكان ذلك ذريعة جولدتسيهر أنهم أكثروا من نقده والشك في صدقه فظن كاتب مسلم أنه لم يقتصر على ما سمع من النبي ﷺ بل كان يروي عنه أحاديث لم يسمعها (٢). لقد استند الناقد المسلم إلى روايات نسبت إلى أبي هريرة فنقل عنه أنه قد روى حديث: «مَنْ حَمَلَ جَنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» فلم يأخذ به ابن عباس وقال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ».

стр. 295

وقد أجاب على ذلك الدكتور السباعي (١) أنه لم يجد: «لهذا الحديث [بهذا النص] أَثَرًا في كتب الحديث قاطبة، ولا في كتب الفقه والخلاف» ولكن ذكرها بعض علماء الأصول وهؤلاء يتساهل بعضهم في ذكر الأحاديث التي ليس لها أصل أو أصلها جاء من طريق ضعيف والسبب أن الحديث ليس صناعتهم ولا هو من اختصاصهم. والجدير بالذكر أنه قد شاع هذا الحديث في كتب أصول الفقه التي تدرس بالجامعات ومنهم من نسب هذا القول إلى السيدة عائشة كسبب لرد رواية أبي هريرة، وهؤلاء ينقلون عن بعض الكتب دون تحقيق في مدى ثبوت هذا الحديث، ومع هذا فليس فيما نقله الكاتب المسلم ما يدل على أن ابن عباس كَذَّبَ أبا هريرة أو طعن فيه بل رواية تخالف القواعد الشرعية. كما نقل الكاتب أن عائشة رَدَّتْ رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ : «مَتَى اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». قال الناقد البصير: إن عائشة لم تأخذ بالحديث حسب الثابت في كتاب " مسلم الثبوت ": (٢/ ١٧٨) إذ قالت: «[كَيْفَ] نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟»، ولكن المرجع الذي نقل عنه أحمد أمين وهو " شرح مسلم الثبوت " فيه قول الشارح: «قَالَ فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا مِنْهُمَا - أَيُّ مِنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - وَإِنَّمَا ثَبَتَ مِنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ [قَيْنٍ] الأَشْجَعِيِِّ [وَفِيْ صُحْبَتِهِ خِلاَفٌ]» والحديث لم ينفرد به أبو هريرة بل رواه الترمذي عن ابن عمر. كما أن النهي مخصوص بالماء المحفوظ في الإناء كما هو ثابت من رواية " مسلم "، ولكن الكاتب المسلم أغفل كل ذلك وأظهر ما يفيد تكذيب بعض الصحابة لأبي هريرة ﵁، وهذا لم يحدث مطلقًا. وإذا كان بعض الصحابة لم يعمل برواية لشكه في قدرة الراوي على تحمل الرواية إما لسوء حفظه أو غفلته أو غير ذلك، فلا يجوز للمسلم في عصرنا أن يجعل من ذلك سببًا في رد حديث قد ثبتت صحته عن النبي - صَلََّى

стр. 296

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأن التوقف في العمل بحديث ما كان له ما يبرره أما اليوم فلا يوجد لرد حديث ثبت أنه صحيح، ومن فعل ذلك فليس من الإسلام في شيء.

стр. 297

٥٩ - تَحْرِيفُ النُّصَوصِ بَيْنَ المُسْتَشْرِقِينَ وَعُلَمَاءَ الشُّهْرَةِ: إن وسيلة أعداء الإسلام لهدمه، لم تقف عند المغالطات والتحريف في المعنى، بل استخدمت الكذب والتحريف الكلمي، فقد قامت بعض العناصر اليهودية بطبع مصحف أنيق عن طريق مطابع خاصة فحرفت فيه بعض الكلمات. من ذلك الآية ٦٤ من سورة المائدة فنصها هو: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾. فانصب التحريف في الطبعة الإسرائيلية على فصل اللام عن العين وإقلاب العين إلى ميم. وبذلك كتبت (وآمنوا بما قالوا) للتمويه لأن بعض المراجعين يكتفي بملاحظة عدد الأسطر في الصفحة وعدد كلمات السطر، ليطمئن أن الطبعة مماثلة للطبعة المنقول عنها. أما تحريف المعنى في الطبعة فلا يخفى على أحد لأن (آمنوا بما قالوا) عكس (لعنوا بما قالوا) فضلاً عن التشكيك في القرآن لأن الآية تصبح (غلت أيديهم وآمنوا بما قالوا) وهذا فيه تناقض وفي نطاق السنة نضرب مثلاً من التحريف والكذب المفضوح، فقد لجأ أحد رجال الأزهر الشريف، ألا وهو الشيخ محمود أبو رية إلى الدفاع عن السنة بوسيلة جديدة، فوضع كتابًا باسم " قصة الحديث النبوي "، لجأ فيه إلى قصر حُجِّيِّةِ السُنَّةِ على نطاق تفسير القرآن، وللتدليل على حتمية ذلك نقل عن المستشرقين أن رجلاً كذب على رسول الله ﷺ ، خلال حياته ﵇، ولم يسند هذه الرواية لأي مصدر من المصادر، ثم اتبع أسلوبًا آخر في كتابه " أضواء على السنة المحمدية ": (فنقل أبو رية): «أن عبد الله بن عمرو أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب وكان يرويها للناس عن النبي». وقد نسب هذا القول لابن

стр. 298

حجر في كتاب " فتح الباري ": الجزء الأول، ولكن هذا المصدر ليس فيه عبارة «عن النبي» بل نص العبارة «كان يرويها للناس»، فوهم الشيخ بهذه العبارة أو نقلها عن كذاب مثل (جولدتسيهر) والنتيجة التشكيك في السنة النبوية. كما نقل أبو رية في كتابه هذا عن " البداية والنهاية " لابن كثير، الجزء الثامن: أن عمر قال لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنْ [الأُوَلِ]» (*) وليس عن رسول الله. والسبب أن الوارد في جميع المراجع الإسلامية، أن أمير المؤمنين عمر وجد أن التحدث بما في كتب الأولين أي اليهود والنصارى، قد يخلط ما فيهما بالسنة النبوية، فنهى عن هذا. والجزء الثامن من كتاب " البداية والنهاية " لابن كثير بريء مما نسبه إليه أبو رية. وسواء حَرَّفَ هو أو كان المحرف للحكم هو أحد المستشرقين ونقل عنه أبو رية، فالنتيجة واحدة وهي الكذب على الصحابة والتشكيك في بعضهم، لهذا قال الدكتور مصطفى السباعي: «إِنَّ كَذِبَ أَبِي رَيَّةَ عَلَى السُنَّةِ كَثِيرٌ» (١). كما تعقب فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر هذه المفتريات ونقل أكاذيب وتضليل أبي رية كما فصلها المرحوم الدكتور مصطفى السباعي ثم قال: «إِنَّ مَقَايِيسَ البَحْثِ العِلْمِيِِّ الصَّحِيحِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، تُسْقِطُ عَدَالَةَ أَبِي رَيَّةً، وَتَشْهَدُ بِهِ كَكَذَّابٍ وَكَمُحَرِّفٍ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ» (٢)، كما تعقب الدكتور فضيلة الشيخ عبد الرزاق حمزة هذا في كتابه " ظلمات أبي رية ". ويقول الدكتور عبد الحليم محمود أيضًا: «إِنَّ المَعْرُوفَ أَنَّ الاسْتِشْرَاقَ

стр. 299

فِي طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْه إِنَّمَا هُوَ اِمْتِدَادٌ لِلْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ» ثم يقول: «المُسْتَشْرِقُونَ لَهُمْ صِبْيَانٌ مَعْرُوفُونَ، إِنَّ لَهُمْ صِبْيَانًا تَابِعِينَ مُقَلِّدِينَ». فالمستشرقون وأتباعهم هم الذين يشككون في السنة فقد كذب اليهودي (جولدتسيهر) على الإمام الزهري فنقل عنه: «إِنَّ [هَؤُلاَءِ] الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» بينما ما قاله الزهري هو: «إِنَّ [هَؤُلاَءِ] الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثَ» (١) أي على تدوين السنة النبوية. فتحريف جولدتسيهر جاء أكثر دقة من تحريف أبي رية، فقد اكتفى (تسيهر) بحذف الألف واللام من كلمة (الأَحَادِيثَ) لتصبح (أَحَادِيثَ) فيختلف المعنى دون أن يشعر المسلم، اللهم إلا من أمعن النظر في المعنى ورجع بدقة إلى أصل الكلام للزهري، وهذا ما فعله الدكتور مصطفى السباعي ﵀. فالتعريف لكلمة الأحاديث تفيد أن الإكراه وقع على كتابة الأحاديث النبوية أي على تدوينها، لأن الزهري كغيره ممن دونوا السنة كانوا يتحرجون من التدوين لأن النبي ﷺ كان قد نهى عن كتابة السنة وقال: «لاَ تَكْتُبُوا [عَنِّي]، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» رواه " مسلم ". ولقد أراد النبي ﷺ بذلك حفظ خاصية الإعجاز للقرآن فمنع التدوين العام للسنة. ولكن الأمراء لما وجدوا أن السنة قد دخل عليها ما ليس منها بفعل الملحدين والمنافقين ووجدوا أن القرآن جمع وكتب وقد حفظ ومن ثم لا خوف أن يختلط بالسنة، أمروا بكتابة الأحاديث النبوية فجاء الخلفية عمر بن عبد العزيز وأمر [ابن] (*) شهاب الزهري بمباشرة هذه المهمة، فسجل الزهري ذلك، فيقول: «إِنَّ [هَؤُلاَءِ] الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثَ» فأتى (جولدتسيهر) فَحَرَّفَ الكلمة ونقلها: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ». وهذا يقلب

стр. 300

المعنى إلى نطاق وضع الأحاديث النبوية. وجولدتسيهر يريد بهذا التحريف أن يسبغ شرعية لحقده وأهدافه التي ورد في كتابه " العقيدة والشريعة " إذ زعم أن ألوف الأحاديث هي من صنع العلماء. وهذا وسلفه من الطاعنين ومن تبعهم يريدون الاكتفاء بما جاء في القرآن الكريم من أحكام حتى لا تكشف السنة أغراضهم ولا تحول دون أهوائهم لأنه باستبعاد السنة يستطيعون الوصول إلى حرية وضع الأحكام المتفقة مع زعمائهم دون أن يوصفوا بأنهم يهدمون الدين ودون أن يشعر المسلمون بذلك، وقد شجع هذا بعض العلماء لاجتهاد خاطئ كما فعل الدكتور مصطفى محمود في كتاب أضفى عليه اسم " التفسير العصري للقرآن " ففيه قال: إن الله قد حرم الخبيث الضار وأحل النافع المفيد ولكن مصطفى محمود في تفسيره للخبيث الضار ظن أن إمعان النظر إلى العاريات على شواطئ البحار ليس من الخبيث وبالتالي فليس من المحرم وكذلك ارتداء الفتيات الملابس القصيرة جدًا تمشيًا مع شرف العصر ليس من الخبيث لأن العبرة بالقلوب وبالتالي فإمعان النظر للعاريات بالشوطئ هو تفكر في خلق الله أي من العبادة، وقد تراجع مصطفى محمود عن موقفه فهداه الله إلى الحق. والغرض من هذا التطوير قد أفصح عنه (تيومان) فهو وسيلة لغاية قال عنها: «فإذا أمكن للمبادئ الإسلامية أن تتطور مع الزمن المتطور عندئذ سوف يتحرر ملايين البشر من هذه العقائد» (١).

стр. 301

٦٠ - التَّحْرِيفُ وَمُوَالاَةُ أَهْلِ الكِتَابِ: لقد أفصح المستشرقون والمبشرون عن أهدافهم من الدعاوى الهدامة ومنها التوفيق بين الإسلام والأديان السماوية وهو توفيق يراد به تطوير الإسلام ليقر علماء الأزهر الشريف يردد مزاعم المستشرقين وهذا ما فعله الشيخ علي عبد الرازق في كتابه " الإسلام وأصول الحكم "، وما فعله الشيخ محمود أبو رية في كتبه السابقة، وما فعله الشيخ محمد عمارة في كتابه " الإسلام والوحدة الوطنية " الذي أوضحنا جانبًا من التحريف الوارد به ونشير إلى اجتهاد آخر هو: مُوَالاَةُ أَهْلِ الكِتَابِ: لقد نهى الإسلام عن موالاة اليهود والنصارى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. ولكن جاء الشيخ محمد عمارة وقال: «لا حجة لأنصار الطائفية والشقاق الديني، لأن الآية - في اجتهاده الصائب - تنهى عن الخيانة الوطنية في حالة الحرب وليس فيها من قريب أو بعيد ما يتصل بالدعوة إلى حجب النصرة والموالاة عن المخالفين لنا في الشريعة وخاصة إذا كانوا لنا إخوة لنا في القومية والوطن». وقد نسب ذلك إلى القرطبي بل قال: «وأكثر من هذا فإن المفسرين يحددون أن المنهي عنه هو أن يعضد هؤلاء الأعداء على المسلمين، في حالة الحرب»: ص ١٠٦ (١). والإمام القرطبي لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى أن هذه الآيات تتعلق بالخيانة الوطنية أو أنها خاصة بالقتال فقط بحيث تجوز الموالاة بعد المعركة

стр. 302

فقد قال في تفسير هذه الآية: هذا يدل على قطع الموالاة شرعًا وقد مضى في آل عمران بيان ذلك، وآية آل عمران نصها: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وفي تفسير هذه الآية نقل القرطبي عن ابن عباس قوله: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَهَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ يُلاَطِفُوا الْكُفَّارَ فَيَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ».ثم قال القرطبي: «وَمَعْنَى ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أَيْ فَلَيْسَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَلاَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فِي شَيْءٍ». وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، يقول القرطبي: «أَيْ يَعْضُدْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ». وقد زعم الشيخ عمارة أن المراد هنا الخيانة الوطنية في حالة الحرب وزعم أن هذا رأي القرطبي والمفسرين، بينما الإمام القرطبي حدد المراد بقوله: «بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِهِمْ، وَهُوَ يَمْنَعُ إِثْبَاتَ المِيرَاثِ لِلْمُسْلِمِ مِنَ المُرْتَدِّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلاَّهُمِ ابْنُ أُبَيٍّ ثُمَّ هَذَا الحُكْمُ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي قَطْعِ المُوَالاَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] ... ». كما أن القرطبي في تفسير قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ... ﴾ [المائدة: ٥٧]، قال: «فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالْمُشْرِكِينَ أَوْلِيَاءَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ اتَّخَذُوا دِينَ الْمُؤْمِنِينَ هُزُوًا وَلَعِبًا». ثم نقل القرطبي أن هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، ونقل القرطبي حديثًا عن جابر فيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى أُحُدٍ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: نَسِيرُ مَعَكَ، فَقَالَ ﵊ «إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ عَلَى أَمْرِنَا بِالمُشْرِكِينَ». ولو أن الدكتور عمارة قد أوضح أن الموالاة ممنوعة أيضًا في غير حالات الحرب إذ كانوا يتآمرون على الإسلام والمسلمين ويعادوننا كمن يساعد إسرائيل ولو تظاهر بصداقة العرب والمسلمين.

стр. 303

الفَصْلُ العَاشِرُ: مَنْزِلَةُ السُنَّةِ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ: - السنة وتفسير القرآن. - السنة والمذكرة الإيضاحية. - شهادة من الغرب حول القرآن والسنة. - الكتب المقدسة والعلم الحديث.

стр. 304

٦١ - السُنَّةُ وَتَفْسِيرُ القُرْآنِ: إن السنة النبوية هي البيان النبوي المكمل للقرآن الكرم، وقد امتن الله على المؤمنين بهذا فقال : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وفي هذا قال الإمام الشافعي: «ذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: " الحكمة سُنَّةُ رسول الله» (١). لقد جعل الله من خصائص الرسول البيان وهو تفصيل القرآن الكريم، إما زيادة عما ورد في القرآن أو تخصيصًا لعمومه وتقييدًا للأحكام المطلقة به، بل جعل سلطانه شاملاً لجميع الأمور صغيرها وكبيرها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢). وفي هذا قال ابن القيم: «فَإِذَا [جُعِلَ] مِنْ لَوَازِمِ الإِيمَانِ أَنَّهُمْ لاَ يَذْهَبُونَ

стр. 305

مَذْهَبًا إذَا كَانُوا مَعَهُ إلاَّ بِاسْتِئْذَانِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ لَوَازِمِهِ أَنْ لاَ يَذْهَبُوا إلَى قَوْلٍ وَلاَ مَذْهَبٍ عِلْمِيٍّ إلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ، وَإِذْنُهُ [يُعْرَفُ بِدَلاَلَةِ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ فِيهِ]». إن كل ذي حس وبصيرة يدرك أن قول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وغير ذلك مما ورد في القرآن عن طاعة الرسول كلها آيات بينات على لزوم السنة وحفظ الله لها، إذ لو كان القرآن وحده هو المصدر التشريعي للمسلمين لما كان لهذه الآيات وغيرها معنى لأنها تشير إلى بيان الرسول، وهذا البيان ليس في القرآن الكريم، لهذا أمر الله بطاعة الرسول فيما أمرنا به أو نهانا عنه. كما جاءت السنة النبوية بأحكام ليست في القرآن الكريم مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في الزواج (١). ومنها عقوبة شرب الخمر ورجم الزاني المحصن وميراث الجدة، كما خصصت السنة أحكامًا جاءت عامة في القرآن، فالله تعالى يقول: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ... ﴾ [النساء: ١١]. ولكن جاءت السنة وخصصت هذا بحديث: «لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ» (٢). وفصلت السنة أمورًا كانت مجملة في القرآن مثل عدد الصلوات ومواقيتها وكيفيتها ومناسك الحج والأموار الخاضعة للزكاة وشروط ذلك وأحكام الصوم. ولقد أجمع أهل الإسلام على أن هذه الأحكام واجبة كتلك الواردة في القرآن ولا فرق ولكن يوجد بين الفقهاء خلاف لفظي في وصف السنة فنجد

стр. 306

الشافعي يقول: «السُنَّةََ لاَ نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِي تَبَعٌ لِلْكِتَابِ ... » بينما يقول: «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ فِيمَا لَيْسَ فِيه نَصُّ الكِتَابِ» (١)، والشافعي مع قوله: «السُنَّةََ لاَ نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ» يأخذ بحديث: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ولكنه يصفه بأنه مخصص لعموم قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وليس ناسخًا لها. بينما يرى غيره أن هذا الحديث ناسخ لهذه الآية وليس مخصصًا لها، فالخلاف في هذه الاصطلاحات ليس له أثر على العمل بالسنة النبوية، فمن قال: السنة مبينة للقرآن كمن قال: إنها مفسرة له، فكلاهما يأخذ بالسنة إن جاءت بحكم جديد ليس في القرآن، والفارق بينهما أن الذي يقول: إن السنة مفسرة يرد أحكام السنة إلى أصل عام في القرآن وبالتالي لا يرى أن الحديث زائد عن القرآن، والذي يرى أن السنة مبينة أو مكملة للقرآن يستند إلى ما جاء في القرآن، الذي يرى أن السنة مبينة أو مكملة للقرآن يستند إلى ما جاء في القرآن من وجوب طاعة الرسول، فالخلاف يرجع إلى اختلافهم في الوصف أو النظر إلى صفة السنة وليس في وجوب العمل بها ولهذا قال الشافعي: «وَكُلَّ مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ فَقَدْ أَلْزَمَنَا اللهُ اِتِّبَاعَهُ». أ - ولكن منهم من يصف هذا القضاء الزائد بأنه تفصيل لنص عام في القرآن فلا نجد في السنة حكمًا إلا وقد دل القرآن عليه إجمالاً أو تفصيلاً، فهي في تصورهم «بَيَانٌ لِمَا فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى كَوْنِهَا رَاجِعَةً إِلَيْهِ» (٢). ب - ومنهم من يصف حكم النبي الزائد عما ورد في القرآن الكريم، بأنه استقلال في التشريع، وفي هذا يقول الأوزاعي: «الكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ

стр. 307

مِنَ السُنَّةِ إِلَى الكِتَابِ»، وقال ابن عبد البر: «يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْضِي عَلَيْهِ وَتُبَيِّنُ المُرَادَ مِنْهُ» (١). وقال آخرون: «يَجِبُ أَنْ يَكُونَ المَعْلُومُ لَدَى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ أَنَّ القُرْآنَ أَحْوَجَ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُنَّةِ إِلَى القُرْآنِ، فَالسُنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ وَلَيْسَ الكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُنَّةِ» (٢). ولكن هذه الأوصاف غير دقيقة فقد كان جواب الإمام أحمد عن القول: «السُنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ» قوله: «مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا [أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ]: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (٣). فالقرآن والسنة مصدرهما واحد هو الوحي عن الله تعالى، فهما شيء واحد يعملان معًا في تنسيق كامل ويفترقان في أن القرآن معجز في لفظه ومعناه، والسنة معجزة في معانيها فقط لأن المعنى من الله واللفظ من النبي الذي أجاز الرواية: «إِنَّ القُرْآنَ وَالسُنَّةَ لَهُمَا مَقَاصِدَ وَاحِدَةً فِي جُمْلَتِهَا وَهِي مُتَّسِقَةً بَيْنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ بِحَيْثُ نَجِدَ أَحْكَامًا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ فِي القُرْآنِ وَأَحْكَامًا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ فِي السُنَّةِ لِيَظَلَّ النَّاسُ فِي حَاجَةٍ دَائِمَةٍ إِلَى الكِتَابِ وَالسُنَّةِ مَعًا فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكَانٍ» (٤). لقد أخرج الخطيب والسمعاني بسنديهما إلى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَنَّهُ كان جالسًا ومعه أصحابه كَانَ جَالِسًا وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: «لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالقُرْآنِ»، فَقَالَ لَهُ:

стр. 308

[ادْنُهْ] , فَدَنَا , فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ لَوْ وُكِّلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ إِلَى القُرْآنِ أَكُنْتَ تَجِدُ فِيهِ صَلاَةَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَصَلاَةَ العَصْرِ أَرْبَعًا وَالمَغْرِبَ ثَلاَثًا؟ , تَقْرَأُ فِي اثْنَتَيْنِ , أَرَأَيْتَ لَوْ وُكِّلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ إِلَى القُرْآنِ أَكُنْتَ تَجِدُ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا وَالطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ , ثُمَّ قَالَ: أَيْ قَوْمُ خُذُوا عَنَّا فَإِنَّكُمْ , وَاللَّهِ إِلاَّ تَفْعَلُوا لَتَضِلُّنَّ ". فالقرآن أحكم ذلك والسنة تفسر ذلك (١) والقرآن الكريم قد أمر بالعمل بالسنة النبوية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وفي هذا قال ابن حزم: «القُرْآنُ وَالخَبِرُ الصَّحِيحُ [بَعْضُهَا] مُضَافٌ إِلَى بَعْضٍ وَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي أَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» (" الأحكام ": جـ ١ ص ٨٨). ولهذا نفى الله الإيمان على من ينكر سنة النبي وحكمه، فقد قال : ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. من أجل ذلك قال الإمام الشوكاني (٣): بـ «ثُبُوتِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ وَاسْتِقْلاَلَهَا». فالقرآن والسنة هما المصدران الرئيسيان للشريعة الإسلامية، أما الإجماع والقياس وغيرهما من المصادر الأخرى فهي ليست مصادر مستقلة، فلا يؤخذ منها الحكم لأنها بذاتها واجبة الاتباع، بل هي طرق للتعبير وبناء الحكم من المصدر وهو الكتاب والسنة، وهي لا تنشئ حكمًا بل تكشف عنه. ولقد أشرت إلى هذا في الفصل الثامن عن الإجماع والنسخ.

стр. 309

٦٢ - السُنَّةُ وَالمُذَكِّرَةُ الإِيضَاحِيَّةُ: إذا كان فقهاء السلف، قد اختلفوا في شيء من أمر السنة النبوية فإنما كان هذا الخلاف حول الاصطلاحات والمفاهيم، فمن فهم أن السنة النبوية لا تستقل بتشريع الأحكام بل تأتي تبعًا للكتاب وتبنى على أصل عام منه، يوجب العمل بالسنة كلها حتى لو جاءت بحكم جديد، وبالتالي فهذا الفريق لا يرد الأحكام الواردة في السنةالنبوية بل يبحث عن أصل عام في القرآن ويربطها به حتى ولو كانت سنة زائدة عما جاء في القرآن، وتكون النتيجة العملية هي الأخذ بالسنة كلها وهنا يلتقي هذا الفريق مع من قال أن السنة تستقل بتشريع الأحكام. وهذا هو حال علماء السلف ﵃، ولكن بعض طلاب العلم بنى على هذا الخلاف قضية أخرى تنتهي بحكم آخر وهو حصر نطاق السنة في تفسير القرآن وَرَدِّ ما جاء في السنة النبوية زائدًا عما في الكتاب الكريم - وبالتالي يستحلون كثيرًا من المحرمات ويردون جانبًا من الحدود - والعقوبات بل إن بعضهم يعلل ذلك بأنه يدافع عن السنة النبوية (١). وهذه هي وسيلة المستشرقين للطعن على الدين، فالمستشرق اليهودي (جولدتسيهر)

стр. 310

يقول في كتابه " العقيدة والشريعة ": «ألوف الأحاديث هي من وضع العلماء الذين أرادوا أن يجعلوا من الإسلام دينًا شاملاً فخلقوا هذه الأحاديث، والقرآن لم يعط من الأحكام إلا القليل، ولا يمكن أن تكون أحكامه شاملة لهذه العلاقات غير المنتظرة». هذا المستشرق لم يجد لمزاعمه دليلاً، ولكن بعض المسلمين التمسوا الدليل في سببين: ١ - الأول هو حديث موضوع نصه: «[إِذَا جَاءَكُمُ الْحَدِيثُ] فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَقَدْ قُلْتُهُ وَمَا خَالَفَهُ لَمْ أَقُلْهُ»، وما يؤكد عدم صحته أنه يتعارض مع حديث آخر صحيح رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ونصه: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»، وقد جاء هذا الحديث برواية أخرى وفيها يقول النبي ﷺ : «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ [الكِتَابَ] وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ». لقد كشف علماء الحديث أن الحديث الأول من وضع الزنادقة، قال بذلك يحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي، كما قال الشافعي: أنه غير صحيح ويتعارض مع قول الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ومع ما رواه " البخاري " و" مسلم ": «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ». من هذه اللحمة يستبين أن المستشرقين قد أدركوا أن السنة تجعل الإسلام دينًا شاملاً كاملاً وبالتالي فلا سبيل لهدمها أو تطويرها إلا بتجميدها وأيسر وسيلة هي التشكيك فيها أو ادعاء أن أكثرها موضوع وهو المنهج الذي تبناه جولدتسيهر، أما بقية الأحاديث التي لا يستطيعون الطعن عليها فسبيل تجميدها هو القول بعرضها على القرآن، فإن جاءت بحكم ليس في القرآن لا تلتزم به.

стр. 311

٢ - والحجة الثانية عندهم هي قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. فيقولون: إن الرسول ﵊ ليس إلا مُبَيِّنًا وَمُفَسِّرًا لما جاء في القرآن وقد شاع على ألسنتهم وغيرهم وصف السنة بالمذكرة التفسيرية للقانون ولكن هذه المذكرة غير ملزمة للقاضي ولا لغيره من الناس وقد تكون كاشفة عن سبب الحكم ولكن ما تتضمنه من تفسير لا يلزم أحدًا وهذا بخلاف السنة النبوية، فهي ملزمة لجميع المسلمين. والآية القرآنية تبين بجلاء أن الله أنزل الذكر على النبي ليبين للناس وَهْمَ الكُفَّارِ حكم الله لعلهم يتفكرون فيهتدون إلى الإيمان (١). فالناس هنا هم الكفار لا يؤمنون كما أن الذكر هو القرآن وبيان النبي ﷺ يكون بتلاوته على الناس جميعًا كما يكون البيان للناس عن طريق الأحاديث النبوية، ولكن ظاهر هذه الآية لا ينطبق إلا على الكفار لأنهم هم الذين يعرضون عن الإيمان، فتلاوة القرآن عليهم وبيانه يقيم الحجة عليهم ولعلهم يتفكرون فيهتدون إلى الإيمان، أما المؤمنون فهم مهتدون إلى الإيمان بنعمة الله وليسوا في حاجة إلى إقامة الحجة أو طلب إيمانهم بالله، ويزيد ذلك وضوحًا الآيات الأخرى الواردة في هذا المعنى في نفس السورة وهي سورة النحل، قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٣، ٦٤]. وهذا لا يكون إلا بالنسبة للكفار كما أن القرآن هدى ورحمة لمن آمن به وهؤلاء لا يقول الله عنهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].

стр. 312

والنتيجة التي نود إظهارها هي أن السنة النبوية تختلف عن المذكرة التفسيرية للقانون الوضعي، فالأخيرة لا تعد تشريعًا وبالتالي لا تلزم القاضي ولا غيره بينما لا خلاف بين المسلمين على أن السنة النبوية هي تشريع من الله الذي عصم نبيه من الخطأ في بيان حكم الله للناس، ولهذا فما ورد بها يجب العمل به ولو كان حكمًا جديدًا لم تتضمنه نصوص القرآن وتستوي بعد ذلك أن توصف السنة بأنها مبينة أو مفسرة أو مكملة لأن هذه الأوصاف لا يترتب عليها استبعاد حكمها أو إضعافه، ولهذا لا وجه بأن تشبه السنة بالمذكرة التفسيرية للقانون. إن الخطأ الشائع بأن السنة كالمذكرة التفسيرية للقانون يرجع إلى عدم معرفة منزلة هذه المذكرة من القانون، فالسنة مصدر تشريعي يعبر عنها بالمصدر الثاني، أما المذكرة التفسيرية للقوانين الوضعية، فهي ليست نصًا تشريعيًا ولا مصدرًا لنص تشريعي إنما تفصح عن المصدر الذي استقى منه النص ثم تبين سبب وضع النص بهذه الصياغة، وبالتالي فهي ليست ملزمة ملزمة للقاضي أو الفقيه بل تكون محل استئناس عند تفسير النص، وعليه فمن شبه السنة النبوية بالمذكرة التفسيرية يضع السنة في غير موضعها، فهي ملزمة للقاضي والفقيه، بل ولكل فرد من المسلمين وهي مصدر تشريعي بجانب القرآن الكريم، وما يرد بها مفسرًا للنص القرآني يستوى ف الإلزام مع ما يرد في السنة من أحكام سكت عنها القرآن لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكذا للأسباب السابق ذكرها. ومن رد حديثًا ثبت صحته بدعوى أنه غير ملتزم إلا بما جاء في القرآن، يكون بهذا الرد قد ارتد عن الملة، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].

стр. 313

فالاحتكام والتحكيم يكونان للقرآن والسنة معًا، ولا خلاف في هذا، فلا يحل لمسلم أن يطلب الاحتكام إلى غير القرآن والسنة ولا يحل للقضاة أو الحكام أن يحكموا بغير ما أنزل الله أو بغير سنة رسول الله ﷺ ، ومن استحل هذه المخالفة فقد كفر لإنكاره حكم الله ولتحليله ما حرم الله، أما من مالت نفسه فخالف مع إيقانه وتصريحاته وإعلانه أن حكم الله ورسوله هو الأولى وهو الواجب والأحسن فذاك المخالف يكون عاصيًا. ولقد حذر النبي ﷺ من هذا فقال: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». رواه أبو داود وغيره (" التاج الجامع للأصول ": جـ ١ ص ٤٦). وقد زعم البعض أن الآيات القرآنية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، لا تفيد كفر من استحل الحكم بخلاف القرآن والسنة، وهؤلاء نسوا قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. كما تركوا ما رواه الترمذي بسنده الصحيح عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: «يَا [عَدِيُّ اطْرَحْ] عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (*). إن آيات سورة المائدة قد وصفت من استحل الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وصفًا يفيد الكفر والظلم والفسق، وهذه الأوصاف الثلاث تتعلق بحقيقة واحدة هي استحلال الحكم بغير الكتاب والسنة النبوية، وبالتالي

стр. 314

فالكفر في هذا الصدد هو نفسه الفسق وهو أيضًا الظلم، لأن هذه الأوصاف الثلاث قد ترد بمعنى الكفر المخرج عن الملة، كما في هذا الشأن، وفي قوله تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقد ترد هذه الأوصاف بمعنى المعصية كما في سورة الحجرات عن السخرية والتنابز بالألقاب إذ قال الله عنه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. كما قال الله عن الجهاد في سورة التوبة: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وهذا الخطاب موجه إلى المؤمنين ولذلك كان الفسق بمعنى المعصية وأيضًا ورد الكفر بما يفيد المعصية في الحديث النبوي الذي رواه " مسلم " بلفظ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَاله كُفْر»، لأن الله تعالى لم ينف الإيمان عن المسلمين الذين اقتتلوا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. وهكذا فإن كلمات الكفر والظلم والفسق قد ترد بمعنى الكفر المخرج عن الملة وقد تأتي بمعنى المعصية والذي يحدد المقصود هو سياق الآيات في كل موضوع وليس أهواء الناس ومصالحهم. وقد فصلت ذلك في كتاب " الحكم وقضية تكفير المسلم ".

стр. 315

٦٣ - شَهَادَةٌ مِنَ الغَرْبِ حَوْلَ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ: إن هؤلاء العرب المجاملين بالباطل لم يدركوا الحقيقة الكبرى التي آمن بها المنصفون من غير المسلمين، الذين ينادونهم أن يعيدوا قراءة علوم السنة النبوية ليقفوا على ما أدركه بعض الباحثين الغربيين من أن الحديث النبوي يوازي عندهم التوراة والإنجيل (قبل التحريف الذي أصاب جانبًا منها)، فالكاتب الفرنسي موريس بوكاي أصدر كتابه في ذلك وعقد فيه مقارنة علمية بين القرآن والسنة والإنجيل والتوراة (١). وتأتي أهمية هذا الكتاب من كون مؤلفه أوروبي مسيحي معاصر يشهد شهادة حق من خلال دراسته العلمية الموضوعية لمدى صحة كل من التوراة والأناجيل والقرآن. ويقرر المؤلف أن معالجة الكتب المقدسة من خلال علم الدراسة النقدية للنصوص شيء قريب العهد في بلدان أوروبا. ففيما يخص العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الإنجيل) ظل الناس يقبلونهما على ما هما عليه

стр. 316

طيلة قرون عديدة وكان مجرد التعبير عن أي روح نقدية إزاء الكتب المقدسة خطيئية لا تغتفر!!. ويقارن المؤلف بين موقف المسلمين من أحاديث الرسول ﷺ وموقف المسيحيين من الأناجيل وهي في رأي المؤلف تشبه أحاديث الرسول من حيث أنها مجموعة من الأقوال والأخبار والأفعال لمحمد ﷺ وليست الأناجيل بأكثر من هذا فيما يتعلق بالمسيح، فقد دله البحث أنه كتبت أولى الأحاديث بعد عشرات من السنوات بعد موت محمد ﷺ مثلما كتبت الأناجيل بعد سنوات من انصراف المسيح، وإذا كانت السنة النبوية عبارة عن أقوال النبي وأفعاله، فالمؤلف ظن أن السنة أفعال فقط. فقال: «فالأحاديث والأناجيل عبارة عن شهادات بأفعال مضت ... وسنرى أن مؤلفي الأناجيل الأربعة المعترف بها كنيسًا لم يشهدوا الوقائع التي أخبروا بها والأمر نفسه ينطبق على المؤلفات في الأحاديث المشهورة بصحتها» كما يفهم المؤلف. ويقول أيضًا: «وهنا يجب أن تتوقف المقارنة وذلك لأن النقاش إذا كان قد دار وما زال يدور حول صحة هذا الحديث أو ذاك فإن الكنيسة قد حسمت!!! منذ قرونها الأولى وبشكل نهائي بين الأناجيل المتعددة وأعلنت أربعة منها فقط رغم التناقضات العديدة فيما بين هذه الأناجيل في كثير من النقاط. وهناك فرق آخر جوهري بين المسيحية والإسلام فيما يتلعق بالكتب المقدسة، ونعني بذلك فقدان نصوص الوحي الثابت لدى المسيحية في حين أن الإسلام لديه القرآن الذي هو وحي منزل وثابت حقًا». ويضيف الباحث المسيحي: «فالقرآن هو الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ عن طريق جبريل وقد كتب فور نزوله ويحفظه ويستظهره المؤمنون عند الصلاة خاصة وقد رتب في سور بأمر من محمد نفسه وجمعت هذه السور فور موت النبي ﷺ وفي خلافة عثمان».

стр. 317

«أما الكتاب المسيحي المقدس! فإنه يختلف بشكل بَيِّنٍ عما حدث بالنسبة للقرآن ... فالإنجيل يعتمد على شهادات بشرية متعددة وغير مباشرة، وإننا لا نملك مثلاً أي شهادة لشاهد عيان لحياة عيسى وهذا خلاف لما يتصور الكثير من المسيحيين». ٦٤ - مُؤَلِّفُ التَوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ: ويطرح المؤلف سؤاله التالي: «من هو مؤلف العهد القديم، أي التوراة؟!». ويجيب بأن الكثيرين من قراء العهد القديم سيرددون ما يقرأونه في حقيقة كتابهم العهد القديم: «إن مؤلف كل من هذه الكتب هو الرب برغم أنها كتبت بأقلام بشر». ويشير المؤلف إلى عدة من الدراسات التي أجابت عن هذا السؤال في رؤية شاملة وكاملة ومن هذه الدراسات دراسة أدموند جاكوب التي يقول فيها: «في البدء لم يكن هناك تعدد في النصوص: ففي القرن الثالث قبل الميلاد تقريبًا كان هناك على الأقل ثلاث مدونات للنص العبري للتوراة، وكان هناك النص المحقق والنص الذي استخدم جزئيًا على الأقل في الترجمة اليونانية والنص المعروف بالسامري (أو أسفار موسى الخمسة). ثم بعد ذلك في القرن الأول قبل الميلاد اتجه إلى تدوين نص واحد. ولكن تدوين نص الكتاب المقدس لم يتم إلا في القرن الأول بعد الميلاد ... ». ويقول المؤلف: «لو كانت هذه المدونات الثلاث موجودة الآن لأمكن إقامة المقارنات للوصول ربما إلى رأي عما كان عليه النص الأصلي ولكن يشاء سوء الحظ ألا تكون لدينا أقل فكرة عنه! إن إقدم نص عبري للتوراة يرجع عهده إلى القرن التاسع بعد الميلاد».

стр. 318

ويختم المؤلف إجابته على سؤاله الذي طرحه بقوله: «بهذا تتضح ضخامة ما أضافه الإنسان إلى العهد القديم وبهذا أيضًا يتبين القارئ التحولات التي أصابت نص العهد القديم الأول من نقل إلى نقل آخر ومن ترجمة إلى ترجمة أخرى بكل ما ينجم عن ذلك من تصحيحات جاءت على أكثر من ألفي عام ... ». العَهْدُ الجَدِيدُ ظَنِّيُّ الثُبُوتِ: أما بخصوص الأناجيل وهي الكتب المقدسة المعترف بها من الكنيسة فيقول: «كثيرون من قراء الأناجيل يشعرون بالحرج بل الحيرة عندما يتأملون في معنى بعض الروايات أو عندما يقارنون روايات مختلفة لحدث واحد مروي في كثير من الأناجيل». وينقل الكاتب عن الأب روحي قوله: «في عصور ليست بعيدة تمامًا كانت أغلبية المسيحيين لا تعرف من الأناجيل إلا مقاطع مختارة عند القداس أو المواعظ». كما أن غالبية المسيحيين يعتقدون أن كتاب الأناجيل شهود عيان على حياة المسيح وأنهم بهذا قد أقاموا شهادات لا تقبل الجدل عن الأحداث التي وقعت في حياته!!. وينفي المؤلف نفيًا قاطعًا أن كاتبي الأناجيل كانوا شهودًا فيقول: «هذه الطريقة في تقديم الأمور لا تتفق مطلقًا مع الواقع، لأ، خروج النصوص التي نملكها اليوم إلى النور قد بدأ في عام ٧٠ م بعد تعديلات في المصادر والشكل،

стр. 319

ولا تشكل هذه الأناجيل أولى الوثائق الثابتة في المسيحية». ويقول: «إن الأناجيل التي أصبحت رسمية فيما بعد أي كنسية لم تعرف إلا في عصر متأخر»!!. بالإضافة إلى أنها كتبت كتعبير عن وجهات النظر الخاصة بجامعي التراث الشفهي المنتمي إلى مختلف الجماعات!!. ويقرر المؤلف أن «نتيجة كل هذا هو أننا لم نعد متأكدين مطلقًا من أننا نتلقى كلمة المسيح بقراءة الإنجيل»!!. ٦٥ - مُقَارَنَةُ القُرْآنِ بِالكُتُبِ المُقَدَّسَةِ: أما عن صحة القرآن وتاريخ تحريره فيقول المؤلف: «صحة القرآن لا تقبل الجدل وتعطي النقل مكانة خاصة بين كتب التنزيل ولا يشترك مع نص القرآن في هذه الصحة لا العهد القديم ولا العهد الجديد» ... والسبب في ذلك أن «القرآن فور تنزيله أولاً بأول كان النبي ﷺ والمؤمنون من حوله يحفظونه عن ظهر قلب وكان الكتبة من الصحابة يدونونه». الحَقَائِقُ العِلْمِيَّةُ وَالكُتُبُ المُقَدَّسَةُ: وللإجابة على ذات السؤال الأول الذي طرحه المؤلف عن مدى صحة كل من التوراة والإنجيل والقرآن، قام بمقابلة نصوص الكتب المقدسة بحقائق العلوم موضوع تفكير الإنسان في كل العصور ... وكشف عن الكثير من التناقضات والأمور غير المعقولة والتعارضات بين ما جاء في التوراة والإنجيل وبين المعارف اليقينية التي وصلت إليها البشرية اليوم واستدل بذلك على بشرية تلك النصوص «إذ لا يمكن في الحقيقة أن نقبل بأن رسالة ما منزلة تنص على

стр. 320

واقع غير صحيح بالمرة. وبناء على ذلك فليس هناك سوى إمكانية واحدة للتوفيق المعقول بين الأمرين وهي عدم صحة المقطع الذي يقول في التوراة بأمر غيره مقبول علميًا». وفي نفس الوقت يقرر أنه: «لا شيء في القرآن يناقض كل ما نعرف اليوم ولا مكان مطلقًا للخرافة» وذلك أن استعراض أهم ما جاء في القرآن عن الإنسان والكون والحياة. وعن السنة النبوية قال الدكتور موريس بوكاي: «لقد قام الذين جمعوا المصدر الثاني بتحقيقات تتسم دائمًا بالصعوبة، لهذا كان همهم الأول في عملهم العسير مُنْصَبًّا أَوَّلاً على دقة الضبط لهذه المعلومات الخاصة بكل حادثة في حياة النبي وبكل قول من أقواله. وقد نصوا على أسماء الذين نقلوا أقوال النبي ﷺ وأفعاله وذلك بالصعود في الإسناد إلى الراوي الأول من أهل بيت النبي أو من صحابته الذين نقلوا هذه المعلومات مباشرة منه نفسه، وذلك بعد الكشف عن حال الراوي والابتعاد عن الرواة غير المشهود لهم بحسن السيرة وصدق الرواية، وهذا ما قد انفرد به علماء الإسلام في كل ما روي عن نبيهم» (١). ٦٦ - نَحْنُ وَالأَعْرَابُ وَالزُّعَمَاءُ: إن أمام الأعراب المسلمين من الزعماء أو العلماء أو غيرهم وهم الذين رَدُّوا السنة النبوية كلها أو بعضها أو أضعفوا حجية جانب منها، أمامهم أحد أمرين: الأول: أمامهم سبيل واحد بدونه يصبحون منافقين، هذا الباب هو البحث في السنة وعلومها للوصول إلى صحة الحديث من عدمه، فإن كان
следующие страницы →