طيلة قرون عديدة وكان مجرد التعبير عن أي روح نقدية إزاء الكتب المقدسة خطيئية لا تغتفر!!.
ويقارن المؤلف بين موقف المسلمين من أحاديث الرسول ﷺ وموقف المسيحيين من الأناجيل وهي في رأي المؤلف تشبه أحاديث الرسول من حيث أنها مجموعة من الأقوال والأخبار والأفعال لمحمد ﷺ وليست الأناجيل بأكثر من هذا فيما يتعلق بالمسيح، فقد دله البحث أنه كتبت أولى الأحاديث بعد عشرات من السنوات بعد موت محمد ﷺ مثلما كتبت الأناجيل بعد سنوات من انصراف المسيح، وإذا كانت السنة النبوية عبارة عن أقوال النبي وأفعاله، فالمؤلف ظن أن السنة أفعال فقط.
فقال: «فالأحاديث والأناجيل عبارة عن شهادات بأفعال مضت ... وسنرى أن مؤلفي الأناجيل الأربعة المعترف بها كنيسًا لم يشهدوا الوقائع التي أخبروا بها والأمر نفسه ينطبق على المؤلفات في الأحاديث المشهورة بصحتها» كما يفهم المؤلف. ويقول أيضًا: «وهنا يجب أن تتوقف المقارنة وذلك لأن النقاش إذا كان قد دار وما زال يدور حول صحة هذا الحديث أو ذاك فإن الكنيسة قد حسمت!!! منذ قرونها الأولى وبشكل نهائي بين الأناجيل المتعددة وأعلنت أربعة منها فقط رغم التناقضات العديدة فيما بين هذه الأناجيل في كثير من النقاط. وهناك فرق آخر جوهري بين المسيحية والإسلام فيما يتلعق بالكتب المقدسة، ونعني بذلك فقدان نصوص الوحي الثابت لدى المسيحية في حين أن الإسلام لديه القرآن الذي هو وحي منزل وثابت حقًا».
ويضيف الباحث المسيحي: «فالقرآن هو الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ عن طريق جبريل وقد كتب فور نزوله ويحفظه ويستظهره المؤمنون عند الصلاة خاصة وقد رتب في سور بأمر من محمد نفسه وجمعت هذه السور فور موت النبي ﷺ وفي خلافة عثمان».
стр. 317
«أما الكتاب المسيحي المقدس! فإنه يختلف بشكل بَيِّنٍ عما حدث بالنسبة للقرآن ... فالإنجيل يعتمد على شهادات بشرية متعددة وغير مباشرة، وإننا لا نملك مثلاً أي شهادة لشاهد عيان لحياة عيسى وهذا خلاف لما يتصور الكثير من المسيحيين».
٦٤ - مُؤَلِّفُ التَوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ:
ويطرح المؤلف سؤاله التالي: «من هو مؤلف العهد القديم، أي التوراة؟!». ويجيب بأن الكثيرين من قراء العهد القديم سيرددون ما يقرأونه في حقيقة كتابهم العهد القديم: «إن مؤلف كل من هذه الكتب هو الرب برغم أنها كتبت بأقلام بشر». ويشير المؤلف إلى عدة من الدراسات التي أجابت عن هذا السؤال في رؤية شاملة وكاملة ومن هذه الدراسات دراسة أدموند جاكوب التي يقول فيها: «في البدء لم يكن هناك تعدد في النصوص: ففي القرن الثالث قبل الميلاد تقريبًا كان هناك على الأقل ثلاث مدونات للنص العبري للتوراة، وكان هناك النص المحقق والنص الذي استخدم جزئيًا على الأقل في الترجمة اليونانية والنص المعروف بالسامري (أو أسفار موسى الخمسة). ثم بعد ذلك في القرن الأول قبل الميلاد اتجه إلى تدوين نص واحد. ولكن تدوين نص الكتاب المقدس لم يتم إلا في القرن الأول بعد الميلاد ... ».
ويقول المؤلف: «لو كانت هذه المدونات الثلاث موجودة الآن لأمكن إقامة المقارنات للوصول ربما إلى رأي عما كان عليه النص الأصلي ولكن يشاء سوء الحظ ألا تكون لدينا أقل فكرة عنه! إن إقدم نص عبري للتوراة يرجع عهده إلى القرن التاسع بعد الميلاد».
стр. 318
ويختم المؤلف إجابته على سؤاله الذي طرحه بقوله: «بهذا تتضح ضخامة ما أضافه الإنسان إلى العهد القديم وبهذا أيضًا يتبين القارئ التحولات التي أصابت نص العهد القديم الأول من نقل إلى نقل آخر ومن ترجمة إلى ترجمة أخرى بكل ما ينجم عن ذلك من تصحيحات جاءت على أكثر من ألفي عام ... ».
العَهْدُ الجَدِيدُ ظَنِّيُّ الثُبُوتِ:
أما بخصوص الأناجيل وهي الكتب المقدسة المعترف بها من الكنيسة فيقول: «كثيرون من قراء الأناجيل يشعرون بالحرج بل الحيرة عندما يتأملون في معنى بعض الروايات أو عندما يقارنون روايات مختلفة لحدث واحد مروي في كثير من الأناجيل».
وينقل الكاتب عن الأب روحي قوله:
«في عصور ليست بعيدة تمامًا كانت أغلبية المسيحيين لا تعرف من الأناجيل إلا مقاطع مختارة عند القداس أو المواعظ».
كما أن غالبية المسيحيين يعتقدون أن كتاب الأناجيل شهود عيان على حياة المسيح وأنهم بهذا قد أقاموا شهادات لا تقبل الجدل عن الأحداث التي وقعت في حياته!!.
وينفي المؤلف نفيًا قاطعًا أن كاتبي الأناجيل كانوا شهودًا فيقول: «هذه الطريقة في تقديم الأمور لا تتفق مطلقًا مع الواقع، لأ، خروج النصوص التي نملكها اليوم إلى النور قد بدأ في عام ٧٠ م بعد تعديلات في المصادر والشكل،
стр. 319
ولا تشكل هذه الأناجيل أولى الوثائق الثابتة في المسيحية». ويقول: «إن الأناجيل التي أصبحت رسمية فيما بعد أي كنسية لم تعرف إلا في عصر متأخر»!!. بالإضافة إلى أنها كتبت كتعبير عن وجهات النظر الخاصة بجامعي التراث الشفهي المنتمي إلى مختلف الجماعات!!.
ويقرر المؤلف أن «نتيجة كل هذا هو أننا لم نعد متأكدين مطلقًا من أننا نتلقى كلمة المسيح بقراءة الإنجيل»!!.
٦٥ - مُقَارَنَةُ القُرْآنِ بِالكُتُبِ المُقَدَّسَةِ:
أما عن صحة القرآن وتاريخ تحريره فيقول المؤلف: «صحة القرآن لا تقبل الجدل وتعطي النقل مكانة خاصة بين كتب التنزيل ولا يشترك مع نص القرآن في هذه الصحة لا العهد القديم ولا العهد الجديد» ... والسبب في ذلك أن «القرآن فور تنزيله أولاً بأول كان النبي ﷺ والمؤمنون من حوله يحفظونه عن ظهر قلب وكان الكتبة من الصحابة يدونونه».
الحَقَائِقُ العِلْمِيَّةُ وَالكُتُبُ المُقَدَّسَةُ:
وللإجابة على ذات السؤال الأول الذي طرحه المؤلف عن مدى صحة كل من التوراة والإنجيل والقرآن، قام بمقابلة نصوص الكتب المقدسة بحقائق العلوم موضوع تفكير الإنسان في كل العصور ... وكشف عن الكثير من التناقضات والأمور غير المعقولة والتعارضات بين ما جاء في التوراة والإنجيل وبين المعارف اليقينية التي وصلت إليها البشرية اليوم واستدل بذلك على بشرية تلك النصوص «إذ لا يمكن في الحقيقة أن نقبل بأن رسالة ما منزلة تنص على
стр. 320
واقع غير صحيح بالمرة. وبناء على ذلك فليس هناك سوى إمكانية واحدة للتوفيق المعقول بين الأمرين وهي عدم صحة المقطع الذي يقول في التوراة بأمر غيره مقبول علميًا».
وفي نفس الوقت يقرر أنه: «لا شيء في القرآن يناقض كل ما نعرف اليوم ولا مكان مطلقًا للخرافة» وذلك أن استعراض أهم ما جاء في القرآن عن الإنسان والكون والحياة.
وعن السنة النبوية قال الدكتور موريس بوكاي: «لقد قام الذين جمعوا المصدر الثاني بتحقيقات تتسم دائمًا بالصعوبة، لهذا كان همهم الأول في عملهم العسير مُنْصَبًّا أَوَّلاً على دقة الضبط لهذه المعلومات الخاصة بكل حادثة في حياة النبي وبكل قول من أقواله. وقد نصوا على أسماء الذين نقلوا أقوال النبي ﷺ وأفعاله وذلك بالصعود في الإسناد إلى الراوي الأول من أهل بيت النبي أو من صحابته الذين نقلوا هذه المعلومات مباشرة منه نفسه، وذلك بعد الكشف عن حال الراوي والابتعاد عن الرواة غير المشهود لهم بحسن السيرة وصدق الرواية، وهذا ما قد انفرد به علماء الإسلام في كل ما روي عن نبيهم» (١).
٦٦ - نَحْنُ وَالأَعْرَابُ وَالزُّعَمَاءُ:
إن أمام الأعراب المسلمين من الزعماء أو العلماء أو غيرهم وهم الذين رَدُّوا السنة النبوية كلها أو بعضها أو أضعفوا حجية جانب منها، أمامهم أحد أمرين:
الأول: أمامهم سبيل واحد بدونه يصبحون منافقين، هذا الباب هو البحث في السنة وعلومها للوصول إلى صحة الحديث من عدمه، فإن كان
стр. 321
الحديث النبوي صحيحًا فهو ملزم لكل مسلم، ولا يقبل في دنيا العقلاء أن يظل الإنسان على إسلامه وفي الوقت نفسه ينكر بعض السنة النبوية، أو يضعف حجيتها في الحياة العملية.
وإن كان الحديث غير صحيح كان لهؤلاء ولغيرهم الحق في رده بل أصبح واجبًا عليهم ذلك مع إذاعة وإشاعة هذا الذي أدركوه عن طريق علوم السنة وليس عن طريق عقولهم أو عقول سادتهم.
الثاني: أن يخرج هؤلاء من الإسلام، فلا يوجد فئة من الناس تقبل أن ينتسب شخص إليها وفي الوقت نفسه يطعن في هذه الفئة ولا يعمل بقانونها ونظامها ومن هنا تبادر الجماعات والأحزاب إلى الإعلان عن الأشخاص الذين خرجوا على منهاج هذه الفئة إن لم يعلنوا هم عن هويتهم الجديدة. ولكن البدعة العالمية الجديدة هو أن يصبح الإسلام شرقيًا أو غربيًا وأن يصبح من أنكر هذه البدعة عرضة للتقتيل والسجن أو الاضطهاد، أو أن يصبح في قاموس العلمانية الجديد، أحد أربعة: موتور أو مأجور أو متخلف أو إِمَّعَةٌ.
فهل إلى علاج من سبيل؟
٦٧ - الدَّلاَلَةُ الظَنِّيَّةِ بَيْنَ العِلْمَانِيِّينَ وَالقَوْمِيِّينَ:
يردد الدكتور محمد خلف الله: «أن ما ورد في القرآن غير قطعي الدلالة لا يعمل به إلا إذا جاءت السنة بنص آخر قطعي الدلالة»، ولكنه قد كشف عن هدفه من ذلك بقوله: «ما عدا القرآن فكر بشري نتعامل مه بعقولنا». وهو بهذا يرد السنة النبوية ويدخلها ضمن الفكر البشري لأنه يدين بالعلمانية (١).
وفي البدعة الثانية يستعيد أحكام القرآن إذا كانت الآية ظنية الدلالة، مثال ذلك آية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإن القرء لفظ مشترك له معنيان هما الطهر أو الحيض وبالتالي يجوز احتساب عدة المطلقة بثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار، ولكن خلف الله يَدَّعِي أن مثل هذا الحكم لا يعمل به إلا إذا ورد حديث نبوي قطعي الدلالة، بينما جعل الله الألفاظ المشتركة للتيسير وليس لإنكار الحكم الشرعي.
ولكن عالمًا آخر هو الأستاذ عصمت سيف الدولة قد آمن بالله ورسوله وكفر بالعلمانية - وظهر ذلك من مقالاته عن العروبة والإسلام - قد أورد اجتهادًا في عبادات عامة لو فهمت على ظاهرها لكانت مرفوضة.
أما العبارات التي لو فهمت على ظاهرها لكانت مرفوضة من المسلمين لأنها أمر لا يقبل الخلاف وهو حجية السنة فهي قوله:
١ - «أن شهادة أن لا إله إلا الله تعني على سبيل القطع أنه ليس مقدسًا إلا كلام الله وليس ملزمًا للمسلمين كافة إلا أوامره ونواهيه، كل ما عدا ذلك ليس مقدسًا وغير ملزم للمسلمين إلا إذا حولوه إلى نظام ارتضوه فالتزموه»: ١٨/ ١٢ / ١٩٨٥.
فهذه العبارات ظاهرها يؤدي إلى القول أن السنة غير ملزمة فهي على سبيل القطع ليست كلام الله ولكن الله أمرنا أن نلتزم بما جاء فيها من أمر أو نهي ولا يجادل في ذلك أي مسلم.
٢ - «كل قاعدة تستند إلى حديث غير متواتر أو تجيء عن طريق تأويل
стр. 324
حديث متواتر هي قاعدة وضعية وليست بيانًا فهي ليست من قواعد النظام العام الإسلامي».
فهذه العبارات تؤدي إلى القول أن سنة الآحاد وضعية غير ملزمة، وهذا ما لا يقبله مسلم، فلا يجادل في قوة إلزام سنة الآحاد إلا من يجادل في قوة إلزام السنة كلها، وهذا لا يعد من المسلمين.
٣ - «كل قاعدة جاءت بها آيات القرآن المحكمة أي القطعية الدلالة أو حديث متواتر قطعي الدلالة، هي قاعدة ملزمة ولا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها».
وكل ما عدا هذا مما يقال أنه من مصادر الشريعة الإسلامية هو من عند البشر، فهو موضوع وكل ما جاء من قواعد بناء عليه جاء بها البشر فهي موضوعة والاستنباط موضوع، والقياس موضوع، والاستحسان موضوع، والاستصحاب موضوع والإجماع موضوع ...
فهذه العبارات بهذا العموم تفيد:
أ - أن السنة النبوية لا تلزم إلا إذا كانت متواترة وقطعية الدلالة معًا.
ب - أن الأحكام المستمدة من آيات قرآنية غير محكمة أحكام وضعية أي من عند البشر، ولا تلزم المسلم.
ويرى أن المسلم لا يلتزم بما كان مصدره سنة الآحاد أو الآيات القرآنية ظنية الدلالة إلا إذا قبل ذلك وفي حدود ما يقبله.
وهذا يؤدي إلى عدم الالتزام بما كان مصدره سنة الآحاد مثل:
١ - المحرمات من الرضاع والنسب:
فالقرآن الكريم نص على المحرمات بسبب الرضاع في قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، والحديث النبوي فصل ذلك فقال النبي ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» فزاد بذلك محرمات أخريات مثل: أم زوج المرضعة، وبنات أبناء المرضعة، وبنات بناتها، والقرآن الكريم حَرَّمَ الجمع بين الأختين في قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].
стр. 325
والسنة النبوية في تفصيل هذا التحريم روى " البخاري " و" مسلم ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»، ولئن أخذنا بعموم هذه الأقوال والعبادات لكانت هذه المحرمات مرهونة بقبول المسلم لأنها في نظره من وضع الفقهاء الذين قالوا بها.
٢ - العبادات:
وبهذه القاعدة البشرية فأحكام الطهارة والنجاسات والصلاة والصوم والزكاة والحج مما كان مصدره أحاديث آحاد كل ذلك وهو الكثرة الغالبة من الأحكام يصبح من صنع البشر ولا يلزم المسلم إلا إذا قبله.
٣ - المعاملات:
وبهذه القاعدة البشرية تكون أحكام المعاملات من بيع وشراء وإجارة وأحكام الزواج والطلاق والمحرم من الطعام والشراب يصبح كل ذلك من وضع البشر لو كان مصدره سنة الآحاد.
فمثل هذا اللفظ لا يدل على المراد منه بنفس الكلمة بل يفهم من دلالة خارجة.
إن هذا النص يدل على أكثر من معنى ولكن هذا لا يعني أن الحكم المستفاد منه قول بشري غير ملزم حيث توجد قواعد لذلك نعرفها جميعًا ومنها:
١ - أن الأصل في النص الظاهر أنه يدل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي ولكن المراد منه ليس هو المقصود من البيان ومن ثم يحتمل التأويل من هذا الوجه كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
فالظاهر هو إباحة زواج ما حل من النساء ولكن هذا المعنى غير مقصود أصالة سياق الآية ولكن المقصود أصالة هو الزواج بواحدة وإباحة تعدد الزوجات إلى أربع عند القدرة وتحقيق العدالة.
стр. 326
٢ - وقد يدل اللفظ على ما سيق له مما يزيده وضوحًا على الظاهر مثل قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالنص في اللغة هو توضيح الشيء وتبيينه لهذا إذا تعارض الظاهر مع النص يقدم النص ويرجح على الظاهر ومن ثم يرجح الخاص على العام عند التعارض لأن الخاص هو المقصود أصالة بالحكم.
٣ - قد يكون اللفظ مفسرًا وهو ما دل بنفسه على معناه المفصل بحيث لا يبقى معه احتمال كقول الله في عقوبة القذف: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، ولهذا إذا تعارض النص مع المفسر يرجح المفسر.
٤ - ويكون اللفظ خفيًا أي تدل صفته على المراد منه بوضوح ولكن في تطبيقه يوجد خفاء في بعض أفراده، ويزول هذا الخفاء عن طريق المباحث اللغوية والقرائن مثل لفظ «السارق» فهو واضح الدلالة ولكن يعرض لبعض من يشملهم هذا اللفظ مثل النشال الذي يسرق الجيوب خفية والنباش الذي يسرق الكفن من القبر.
فتوصل العلماء بدخول النشال في عداد السارقين في حكم القرآن الكريم لأن اسمه دل على نوع خاص من السرقة ولا يمنع فهو يسرق في غفلة من الأعين الساهرة والآخر يسرق في غفلة من الأعين النائمة، أما النباش فلا يدخل في حد السرقة لأنه يسرق ما ليس له صاحب.
٥ - والمجمل: لفظ لا يدل بصيغته على المراد منه ولا توجد قرائن تبينه والسنة النبوية جاءت لتبين ذلك فعلاً، فلا يقال إن الحكم المستخلص من هذا اللفظ من وضع البشر، فقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، لفظ الصدقة فيه مجمل ولكن دلت القرائن على أنه قد أريد به زكاة المال حسبما فصلتها السنة النبوية، فوجب العمل بذلك ولا يقال: إن هذا التفصيل حكم بشري غير ملزم وكذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
الإجمال هنا في لفظ «أَخْرَجْنَا» فلم يبين المقدار وجاءت السنة النبوية وفصلت ذلك في قول النبي ﷺ :
«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ [بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ]» (فيما سقي بدلو أو راشية (*)
стр. 327
نصف العشر). وقوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ [صَدَقَةٌ] مِنْ حَبٍّ وَلاَ تَمْرٍ» (*).
٦ - أما اللفظ المشترك «مثل القرء وعين» لا يقال إنه يشمل جميع المعاني فتشمل العين حاسة الرؤية وعين الماء وعين الركبة وعين الجاسوس وعين الشمس بل يصبح هذا اللفظ المشترك موقوفًا على بيان المعنى المقصود بالقرائن أو سياق الكلام.
• بَيْنَ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ:
إن آيات القرآن تشتمل على ألفاظ تحتاج إلى بيان وأن بيانها يجيء في السنة وأكثرها آحاد وكل ما ثبت من الأحكام عن طريق السنة النبوية المتواتر منها، والآحاد هو وحي من الله ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقال: إن سنة الآحاد غير ثابتة وبالتالي فالحكم المأخوذ منها وضع بشري أو يقال: إن قطعي الدلالة من المتواتر هو الملزم وما عداه غير مرفوض، فلا يقبل من أحد أن يقول بوجوب الصلاة على الحائض بدعوى أن رفع هذا التكليف جاء عن طريق السنة النبوية التي أمرت الحائض بقضاء الصوم ولم تأمرها بقضاء الصلاة.
فقد جعل النبي ﷺ خبر الآحاد حجة في أمور الدين فأرسل آحَادًا يبلغون أحكام الإسلام إلى الآخرين (١).
стр. 328
٦٨ - حَوْلَ " مَوَازِينِ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ ":
لقد ادعى أحد الكُتَّابِ أنه أثناء إعداده كتابًا في الأحاديث النبوية، اكتشف أن " صحيح البخاري " يحتوي على أحاديث ضعيفة وموضوعة، وطالب بإشهار ضعفها وبطلانها لأن عدم الإشارة إليها وفرزها عن الأحاديث الصحيحة سيكون في مصلحة أعداء السُنَّةِ من أدعياء المسلمين أو من بعض المستشرقين، ولأن السكوت على ذلك سيؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه للشك في كل الأحاديث النبوية ولا سيما إذا قاموا بتفنيدها وبيان تعارضها مع آيات القرآن الكريم ومع العقل والمنطق السليم (١).
ثم رتب الكاتب على هذه المقدمة أن يعرض الأحاديث النبوية على القرآن الكريم فقد علمنا كيف نقبل الخبر الصحيح ونرد الخبر الكاذب، ومن موازين القرآن للتمييز بين البريء والمذنب الاستناد إلى الأدلة العقلية والمنطقية في نظره.
وبهذه الموازين التي وضعها الكاتب ادعى بوجود أحاديث مكذوبة في " البخاري " و" مسلم " أشهرها في زعمه ما يتعلق بالقيامة وخلق الأرض.
استدل الكاتب على ذلك بما رواه " مسلم " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلاَمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ: «إِنْ عُمِّرَ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الغُلاَمُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ.
ثم نقل الكاتب قول النبي في " صحيح مسلم " لمن سأله عن الساعة: «إِنْ يَعِشْ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ».
ثم قال الكاتب: «ويظهر أن القيامة قد قامت منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام ونحن لا ندري؟» أم أن الغلام ما زال على قيد الحياة حتى الساعة.
هذا الكاتب لم يكلف نفسه عبء البحث في كُتُبِ السُنَّةِ عن معنى الحديث قبل أن يزعم أنه موضوع وأن البخاري ومسلم قد جمعا في " صحيحيهما " أحاديث مكذوبة على النبي ﷺ .
فقد قال الحافظ ابن كثير في كتابه " [البداية والنهاية]: ص ٣١ في [كتاب] الفتن والملاحم
стр. 329
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سُئِلَ عَنِ السَّاعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى غُلاَمٍ فَقَالَ: " لَنْ يُدْرِكَ هَذَا الهَرَمُ حَتَّى تَأْتِيَكُمْ سَاعَتُكُمْ "» (١).
وقال ابن كثير: «وَالمُرَادُ: انْخِرَامُ قَرْنِهِمْ، وَدُخُولُهُمْ فِي عَالَمِ الآخِرَةِ، [فَإِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ فِي حُكْمِ الآخِرَةِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ]».
ثم قال: «وَ [هَذَا] الكَلاَمُ بِهَذَا المَعْنَى صَحِيحٌ ... فَأَمَّا السَّاعَةُ العُظْمَى وَهُوَ اجْتِمَاعُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ [وَقْتِهِ]».
وفي " شرح النووي ": جـ ١٨ ص ٩٠ لهذا الحديث: «قَالَ القَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلُّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَعْنَى الأَوَّلِ - وهو حديث عائشة - وَالمُرَادُ بِسَاعَتِكُمْ مَوْتِهِمْ وَمَعْنَاهُ يَمُوتُ ذَلِكَ القَرْنُ أَوْ أُولَئِكَ المُخَاطَبُونَ».
قال النووي: «وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الغُلاَمَ لاَ يَبْلُغُ الهَرَمَ وَلاَ يُعَمِّرْ».
وفي " فتح الباري شرح صحيح البخاري ": ص ٥٣٣ باب ٩٥: ما يفيد أنه خاص بالمخاطبين لهذا فإن ابن حجر يؤيد القاضي عياض في أن المراد ساعتهم.
وبمثل هذا المنطق جاء آخر ونقل حديث " البخاري " عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ».
ولقد ادعى الناقد: «أن البخاري على جليل قدره ودقيق بحثه، [يثبت] أحاديث [دَلَّتْ] الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة» (٢) (*).
وهذا الكاتب لو اطلع على الرواية الكاملة لهذا الحديث في " البخاري " في باب السمر بعد صلاة العشاء من كتاب الصلاة لعلم أن هذه الرواية فيها قول النبي ﷺ : «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».
وقد أورد ابن حجر في كتاب " الإصابة في تمييز الصحابة ": ج ١ ص ٥ أن العلماء
стр. 330
قد تقصوا من كان آخر الصحابة مَوْتًا فتبين أنه عامر بن واثلة الذي مات سَنَةَ مائة وعشرة هجرية.
وقد قال الإمام ابن قتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث ": ص ٦٧: أن الحديث قد أسقط الرواة منه حرفًا أي كلمة وهي (مِنْكُمْ) فيكون النص: «لاَ يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ مِنْكُمْ بَعْدَ مِائَةِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ».
والحقيقة أن هذا التأويل لا ضرورة له، فالرواية الكاملة للحديث في " البخاري " فيها: «لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».
كما أن رواية جابر للحديث في " صحيح مسلم " هي: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ اليَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» فاليوم بمعنى منكم.
لهذا قال الإمام النووي: هذه الأحاديث يفسر بعضها بعضًا وفيها علم من علوم النبوة. ولكن الكاتب المسلم قد بلغت به الجرأة للحكم على الحديث بالوضع وعلى رواته بالكذب على رسول الله ﷺ وعلى " البخاري " بعدم الدقة في البحث.
وكل هؤلاء قد افترى عليهم هذا الكاتب وتعلل بضرورة مطابقة الحديث للعقل والمنطق وادعى أنه يخالف القرآن، وقد ابتدع موازين للحكم على الحديث أهمها ألا يخالف العقل وآخرها ألا يخالف القرآن، وهو يعلم أو يجب أن يعلم أن النبي يقول: «إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، فالحديث مبين للقرآن بوحي من الله.
أما العقل الذي يريد الكاتب أن يجعله حاكمًا على الأحاديث النبوية، فوسيلته في المعرفة هي الحواس الخمس أو المعلومات السابقة والأحاديث النبوية لا تقضي أمورًا تخضع للحواس الخمس، أو لمعلومات الإنسان السابقة فأكثرها أحكام من الله تعالى عن الحلال والحرام أو الجنة أو النار أو الإخبار عن شيء لا يتصل بمعرفة الإنسان، وبالتالي لا يختص العقل بالحكم على هذه الأحاديث بالصحة أو البطلان لأنها تخرج عن اختصاص العقل، فقد ظن بعض الناس تعارض القرآن مع بعض النظريات العلمية وبعد ذلك تغيرت النظريات وكشف العلم صدق ما ورد في القرآن الكريم. الحديث والنص القرآني كلاهما من عند الله ويخرجان من مشكاة واحدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
стр. 331
٦٩ - التَّمْحِيصُ الكَاذِبُ وَاسْتِبْعَادِ السُنَّةِ:
يحاول بعض الكُتَّابِ أن يتصف بالاجتهاد والتجديد دون أن يكلف نفسه عناء البحث والتمحيص لمعرفة ما يقبل الاجتهاد وما لا يقبله ومعرفة ما يدخل في اختصاص العقل وما يخرج عن هذا الاختصاص.
ولقد ظن هؤلاء النقاد وهو قلة قليلة أن بعض الأحاديث النبوية تتعارض مع القرآن الكريم فراحوا يؤلفون الكتب ويتظاهرون بالحرص على السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ ويتمثل هذا الحرص في استبعادهم الكثير من الأحاديث الصحيحة بدعوى تعارضها مع القرآن الكريم وتجاهلوا أن الأحاديث النبوية تخصص عموم القرآن. وتقيد مطلقه وبالتالي فما تضمنته من تفصيل لا يعد متعارضًا مع القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
لقد تبنى هذه البدعة كتاب " موازين القرآن والسنة للأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة " (١) ... ومما ورد في هذا الكتاب: أن ابن كثير روى (٢) في الجزء الأول من " تفسيره " عن قول الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١].
قال المؤلف: أورد ابن كثير في تفسير هذه الآية الحديث التالي: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْيَوْمِ تَقْتُلُ ثَلاَثَمِائَةِ نَبِيٍّ، ثُمَّ يُقِيمُونَ سُوقَ بَقْلِهِمْ فِي آخِرِ النَّهَارِ». ثم يقول المؤلف: «ومن المعلوم أن القرآن الكريم ذكر بأن لكل أمة رسول، قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧]. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ (*) [النحل: ٣٦]».، ويعلق على هذه الآيات بقوله: «ليس من المعقول أن يرسل الله هذا الحشد الهائل من الأنبياء إلى قوم من الناس، ثم يقوم هؤلاء القوم بقتلهم كل يوم ثم يرسل الله لهم في اليوم التالي ثلاثمائة نبي آخر فلا يأتي آخر النهار إلا ويكون بنو إسرائيل قد نجحوا بإلقاء القبض عليهم ثم قتلهم ودفنهم». ويقول
стр. 332
المؤلف: «لو افترضنا أن الله كان يرسل لكل قرية نبي فهل من المعقول أن ينجح بنو إسرائيل في اليوم الواحد بإلقاء القبض على ثلاثمائة نبي من ثلاثمائة قرية ثم قتلهم ودفنهم؟».
ولقد غاب عن هذا الكاتب أن ابن كثير لم يذكر حرفًا واحدًا يشير إلى أن هذا حديث عن النبي ﷺ فقد أسند القول إلى عبد الله بن مسعود نقلاً عن أبي داود (*) فكيف يجرؤ الكاتب أن ينسب هذا القول للنبي ﷺ وهو ليس حديثًا نبويًا، بل حكاية عن أحد الصحابة وهي ليست وحيًا من الله تعالى، كما أنها خبر لم يذكر فيه سلسلة الرواة حتى يتم البحث في مدى عدالة الرواة الذين أسندوا ذلك إلى الصحابة، ولو رجع الكاتب إلى فقه الحديث النبوي لاستراح وأراح. ومن ناحية أخرى فإن تقرير القرآن ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧]، ليس معناه نفي وجود أنبياء كثيرين بجانب الرسول في كل أمة من الأمم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. فهذا يفيد أنه من حلال رسالة رسول الله موسى أرسل الله أنبياء تابعين لهذا الرسول وهذه الرسالة كما أنه لا يوجد ما يمنع من وجود ثلاثمائة نبي أو يزيد لأمة واحدة إذا كانوا مجموعات متفرقة لكل منهم نبي كبني إسرائيل، فقد أرسل الله لهم رسولاً واحدًا ثم أرسل لهم أنبياء كثيرين ولا يوجد ما يمنع من قيام بني إسرائيل بقتل هؤلاء الأنبياء حتى لو كانوا ثلاثمائة لأن كل مجموعة أو بلدة تقتل نبيها مع التأكيد على أن الرواية التي نقلها ليست عن النبي ﷺ ، والناقد يعلم أنها منسوبة إلى ابن مسعود ﵁. كما أنه لم يثبت أن هذه الأقاويل صحيحة في نسبتها إلى الصحابي.
والمثل الأخير الذي ساقه المؤلف الناقد هو أن الإمام مسلم قد روى حديثًا فيه: «خَلَقَ اللهُ [ ] التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ [فِيهَا الْجِبَالَ] يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ [العَصْرِ مِنْ] يَوْمِ الجُمُعَةِ ... »
стр. 333
ولقد علق المؤلف الناقد على الحديث فقال: «إنه يعرض هذا الحديث النبوي على القرآن الكريم وحدث أنه يتعارض معه جملة وتفصيلاً لأن الله تعالى ذكر في كتابه الكريم أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام بينما نجد أن الحديث النبوي يذكر الأيام الستة في خلق الأرض فقط، فمن خلق السماوات؟»، ثم يقول المؤلف: «إن القرآن يذكر أن خلق الأرض في يومين، والحديث النبوي ذكر أن خلق الأرض في يوم واحد».
والمؤلف بهذا يتجاهل أن الحديث النبوي ليس خاصًا بخلق الأرض بل بخلق التربة ففيه خلق الله التربة يوم السبت ثم يتناول ما خلقه الله بالكرة الأرضية من التربة والجبال والشجر والمكروه والنور. والمؤلف لا يجهل أن الحديث النبوي فيه خلق الله التربة يوم السبت وليس فيها أن خلق الأرض يوم السبت.
والمؤلف لا يجهل أن التربة غير الأرض، ولا يجهل أن الأيام الستة الواردة في الحديث النبوي لا تتعلق بخلق الأرض والسماوات حتى يزعم بوجود تعارض بين ما ورد بالقرآن الكريم وما ورد بالحديث النبوي عن خلق الأرض.
وخلاصة القول في ذلك أن الكاتب ظن أن الحديث يتعارض مع القرآن وَادَّعَى أن موازين القرآن الكريم تقضي برد هذا الحديث وتحكم أنه ليس صحيحًا، لأن الحديث النبوي مع النص القرآني كلاهما من عند الله ويخرجان من مشكاة واحدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
والشبهة التي يستند إليها في ادعاء التعارض سببها أنه ظن أن الحديث يذكر أن خلق الأرض يوم السبت أي في يوم واحد بينما القرآن الكريم ينص على أن الله خلق الأرض في يومين. ولكن الحديث النبوي نص على خلق التربة وهي مواد من أديم الأرض، فلم يذكر خلق الأرض. والشبهة الثانية أن الكاتب ظن أن الحديث النبوي عندما ذكر خلق التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد والشجر يوم الاثنين
стр. 334
والمكروه يوم الثلاثاء والنور يوم الإربعاء والدواب يوم الخميس يكون قد خالف القرآن في تفصيله للأيام الستة الواردة فيه في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].
فهذه الآيات القرآنية تبين أن الله خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي وقدر أقواتها في يومين آخرين فتلك أربعة أيام، وخلق السماوات السبع في يومين.
ولكن هذه الأيام الستة ليست هي التي فصلها الحديث النبوي فهو لم يذكر خلق السماوات ولا خلق الأرض حيث ورد ذلك في القرآن الكريم بل ذكر خلق التربة والجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما تم بعد خلق الأرض والسماوات ولا تعارض بين هذا التفصيل وبين ما ورد في القرآن الكريم ولا يوجد أيضًا أي تعارض لو كان خلق هذه الأشياء خلال الأيام الستة التي خلق الله فيها الأرض والسماوات.
ولقد أورد ابن كثير (١) ما ذكره " البخاري " «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي القُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ» وذكر قول الله تعالى: وَقَالَ: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧]-إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ، [ثُمَّ قَالَ]: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]. فذكر في هذه الأرض قبل السماء، فقال ابن عباس: إن الآيات تفيد أن الله خلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما
стр. 335
بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله تعالى: ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، ثم قال ابن عباس: «فلا يختلفن عليك القرآن، فإن كلا من عند الله تعالى».
وأخيرًا يدعي الناقد أن الحديث النبوي ذكر خلق التربة يوم السبت بينما يعلم الجميع أن اليوم هو حصيلة دوران الأرض حول محورها دورة كاملة بالنسبة للشمس، وقبل أن يخلق الله الأرض والشمس وتدور الأرض حول محورها لم يكن هناك سبت ولا أحد، لهذا فالحديث النبوي في نظره غير صحيح (٢).
ولقد غاب عن الناقد أن الحديث النبوي يشير إلى خلق التربة وهي غير خلق الأرض كما ذكرت، فقد أشار الحديث إلى خلق التربة، خلق الجبال والشجر وغير ذلك مما يوجد على الأرض ولا تناقض بين ذلك وبين ما ورد في القرآن الكريم عن خلق الأرض، كما غاب عنه أن الله الخالق يعلم الأيام والشهور وأسماءها، قبل خلقها، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
والكاتب يعلم أن النبي ﷺ ما قال ذلك إلا بوحي من الله تعالى الذي قال في ذلك: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. ذلك أن السنة والقرآن ينبعان من مشكاة واحدة وبهذا قال النبي فيما رواه الترمذي وابن ماجه: «إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، كما قال فيما رواه الطبراني في " الأوسط " (*): «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مَأْمُورٌ مَا أُمِرْتُ بِهِ فَعَلْتُ» ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (٣).
стр. 336
٧٠ - " المُسْلِمُ الحَزِينُ فِي القَرْنِ العِشْرِينْ ":
إن بعض الكُتَّابِ قد اتجه إلى الشريعة الإسلامية، ليجدد فيها وينتقد فقهاءها دون أن يكون له رصيد من الدراسات الإسلامية المتخصصة، وبالتالي اتبع السبل العلمانية فتفرقت به عن سبيل الله.
ولعل أحدث هذه الاجتهادات الشاذة ما كتبه أحدهم من أنه قد شاع بين الناس حديث رواه " النسائي " بلفظ: « ... وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
ويعلق الكاتب على الحديث بقوله: «فكان كلما اطلع عليه أحد من الفقهاء برأي قالوا له: (أهو شيء سمعته عن رسول الله؟ أم هو رأي رأيته؟) فأدرك الفقهاء أنه ما من فرصة أمام الرأي ليصادف القبول لدى الجمهور المؤمنين، ما لم يستند إلى سنة متواترة».
ثم يقول الكاتب: «ومن ثم لجأ الفقهاء والعلماء إلى تأييد كل رأي يرونه صالحًا ومرغوبًا فيه، بحديث يرفعونه إلى النبي ﷺ ، وكان شأنهم في ذلك شأن أولئك الذين وضعوا " سفر تثنية الاشتراع " من التوراة ثم نسبوه إلى موسى، كي يسبغوا عليه الثقة ثم يقول: لقد أصبح هذا المسلك من الأمور اليسيرة نسبيًا بعد انقضاء جيل الصحاب الذين كان بوسعهم وحدهم أن ينفوا أن يكون الرسول قد تحدث بهذا الحديث أو ذاك».
ثم يقول الكاتب: «وقد هدأ من روع الفقهاء وطمأن ضمائرهم إذ يتقولون على النبي، اعتقادهم أنهم يخدمون بذلك دين الإسلام» (١).
هذه الأقوال تفيد ما يأتي:
أولاً: أن النسائي قد نسب هذا الحديث إلى النبي ﷺ ولم يصدقه الفقهاء وكانوا
стр. 337
يسألونه: هل هو رأي له أم هو حديث سمعه من النبي ﷺ .
وبهذا يثبت الكاتب المجتهد أنه قد جهل الآتي:
١ - أن النسائي قد ولد بعد وفاة النبي ﷺ بمائتي عام، فكيف يسأله الفقهاء هل سمع الحديث من النبي أم هو رأي له.
٢ - أن الحديث قد رواه " النسائي " و" البخاري " و" مسلم " (٢)، ولم يطعن أحد من علماء الحديث في أحد من رواة هذا الحديث، كما لا يوجد أي غرابة في لفظ الحديث أو معناه.
٣ - أن محدثات الأمور التي تعد من البدعة هي اختراع في أمور الدين ولا صلة له بأمور الدنيا، ففيها قال النبي ﷺ كما في " صحيح مسلم ": «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ» (*)، وقد شرح الإمام الشاطبي البدع وأنواعها في كتابه " الاعتصام " المكون من جزئين كبيرين فأوضح أن المبتدع في الدين جعل نفسه كالمضاهي لله في شرائعه ففتح أبوابًا للشقاق والخلاف ورد قصد الشارع في الإنفراد بالتشريع (٣).
ثانيًا: أن الكاتب اختلق أقوالاً نسبها إلى الفقهاء وهي مناقشتهم للنسائي في أمر الحديث وقولهم: إن الحديث النبوي لا يقبل لدى جمهور المسلمين إلا إذا كان متواترًا، ولقد تجاهل الكاتب أن أبسط قواعد الأمانة أن يُعَيِّنَ أسماء الفقهاء الذين نسب إليهم هذه الأقاويل وأن يذكر المصدر العلمي الذي نقل منه ذلك.
ولكنه لم يفعل لأن هذه الأقوال من نسخ خياله.
ثم زعم أن السنة النبوية لا يعمل بها إلا إذا رويت بطريق التواتر ونسب ذلك إلى الفقهاء ظُلْمًا وَزُورًا.
ولقد أوضح الإمام الشاطبي أن من قال ذلك فقد ابتدع أصلاً في الدين، لأن عامة التكاليف الشرعية مبنية على أحاديث الآحاد (٤).
стр. 338
ثالثًا: لقد افترى هذا الكاتب وكذب على الفقهاء بأن ادعى أنه أيدوا كل رأي لهم بحديث نسبوه إلى النبي ﷺ كَذِبًا وَزُورًا ويبدو أن الكاتب يجهل أن السنة النبوية قد دونت ومحصت تمحيصًا دقيقًا وذلك منذ خمسة عشر قرنًا من الزمان، وبالتالي لا يستطيع أحد أن يكذب على النبي ﷺ بنسبة قول إليه ليؤيد به رأيه، وبهذا لم يستطع الكاتب أن يذكر حديثًا واحدًا من تلك التي زعم أنها مكذوبة.
رابعًا: يزعم الكاتب أن الفقهاء قد اطمأنت ضمائرهم باختلاقهم أحاديث ونسبتها إلى النبي ﷺ لاعتقادهم أنهم يخدومون دين الإسلام، وهذا الادعاء لا يجرؤ أن يقول به شياطين الجن أنفسهم.
[إنهم] يعلمون أن السنة قد دونت وحفظت وأنه لا يستطيع أحد أن ينسب إلى النبي ﷺ قولاً كاذبًا حتى يسهل كشف هذا الكذب والحكم على هذا المدعي بالافتراء وإخراجه من زمرة العلماء العدول وكفره إذا أحل وحرم.
ولو كان الكاتب قد اطلع على الأحاديث المتواترة وهي تعد على أصابع اليدين لعلم قول النبي ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ»، وعندئذٍ يستحي أن ينسب إلى الفقهاء الكذب على النبي ﷺ .
خامسًا: يزعم الكاتب أن الصحابة وحدهم هم الذين كانوا يستطيعون إثبات صحة الحديث أو نفي صدوره عن النبي ﷺ . وهذا يدل على أن الكاتب المجتهد لا يعلم شيئًا عن تدوين الحديث النبوي، فقد كانت السنة محفوظة في صدور صحابة رسول الله ﷺ ثم نقلوها إلى من بعدهم من التابعين فضلاً عن أن عصر النبي ﷺ لَمْ يَخْلُ من الكتابة.
ثم شاع تدوين السنة في عصر التابعين حتى أن الخليفة عمر بن عبد العزيز أرسل إلى والي المدينة أبي بكر بن حزم وإلى ولاة الأقاليم طالبًا تدوين السنة النبوية وقد تولى الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري جمع وتدوين ما في المدينة من سنة رسول الله ﷺ .
ثم شاع تدوين السنة في القرن الثاني للهجرة على يد ابن جريج (١٥٠ هـ) وابن
стр. 339
إسحاق (١٥١ هـ) بمكة، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦ هـ) والربيع بن صبيح (١٦٠ هـ) والإمام مالك (١٧٩ هـ) بالمدينة وبالبصرة حماد بن سلمة (١٦٧ هـ)، وبالكوفة سفيان الثوري (١٦١ هـ)، وبالشام أبو عمرو [الأوزاعي] (١٥٧ هـ)، وكذا بواسط هُشَيْمٌ (١٧٣ هـ)، وفي خراسان عبد الله بن المبارك (١٨١ هـ)، وباليمن معمر (١٥٤ هـ)، وبالري جرير بن عبد الحميد (١٨٨ هـ)، وكذا سفيان بن عيينة (١٩٨ هـ)، والليث بن سعد (١٧٥ هـ)، وشعبة بن الحجاج (١٦٠ هـ).
ثم كان عصر التمحيص والتحقيق وهو القرن الثالث للهجرة، فكان البخاري (٢٥٦ هـ) ومسلم (٢٦١ هـ) وأبو داود (٢٧٥ هـ) والنسائي (٣٠٣ هـ) والترمذي (٢٧٥ هـ) وابن ماجه (٢٧٣ هـ) وغيرهم (٥).
стр. 340
٧١ - أَحَادِيثُ الآحَادِ وَالحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ:
تطوع الشيخ الدكتور محمد سعاد جلال فنشر بجريدة " الوطن " مقالاً يوم ١٠/ ٩ / ١٩٨٢ م وبوصفه من المجتهدين كما قال عن نفسه، قدم سَنَدًا للمرجفين الذين عارضوا الحدود الشرعية ولا سيما حد الرجم في جريمة الزنا فقال: «إن أخبار الآحاد دليل فيه شبهة فلا يثبت بها الحد كما لا يثبت بالقياس لمكان الشبهة فيه لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهو القول المعتمد في مذهب الأحناف، وإليه ذهب فخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي وهما المؤسسان لأصول الحنفية وهو ما نذهب إليه».
والجواب على ذلك:
إن قاعدة درء الحدود بالشبهات تتعلق بالشبهات التي تحول دون تطبيق الحد ولا تتصل بذات الحد من حيث أنه حكم شرعي.
فالشبهة في حد السرقة تمنع قطع اليد إن كان السارق شريكًا في المال المسروق أو كانت شروط إقامة الحد غير متوفرة، ولا يقال حينئذٍ أن ذات الحد فيه شبهة.
والأحناف وغيرهم يقولون بعدم وجوب حد الرجم ولا يطبقون على هذا الحد قاعدة «ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ». وشيخنا في رده الأول المنشور يوم ٢٧/ ٨ / ١٩٨٢ م قد ذكر أن حكم الرجم هو الرأي المشهور وعليه عمل الناس حتى اليوم وهو المقرر في المذاهب الفقهية.
وعلى ذلك فلا يقال إن الأحناف لا يأخذون بحكم الرجم أو أنهم يرون أن الشبهة قد تمكنت منه فلا يقام هذا الحد.
وكتب الأحناف بين أيدينا تشهد بذلك. ففي كتاب " بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع " للإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، الطبعة الأولى (*): ج ٧ ص ٣٣.
стр. 341
يقول: «وَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَنَوْعَانِ: جَلْدٌ، وَرَجْمٌ، وَسَبَبُ [وُجُوبِ] كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الزِّنَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الشَّرْطِ، وَهُوَ الإِحْصَانُ، فَالإِحْصَانُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الجَلْدِ» ...
«وَأَمَّا الإِحْصَانُ، فَالإِحْصَانُ نَوْعَانِ: إحْصَانُ الرَّجْمِ، وَإِحْصَانُ الْقَذْفِ. أَمَّا إحْصَانُ الرَّجْمِ فَهُوَ عِبَارَةٌ - فِي الشَّرْعِ - عَنْ اجْتِمَاعِ صِفَاتٍ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ، وَهِيَ سَبْعَةٌ: العَقْلُ وَالبُلُوغُ وَالحُرِّيَّةُ وَالإِسْلاَمُ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَكَوْنُ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ» ص ٣٨، ص ٣٩.
وفي كتاب " شرح فتح القدير " للإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهُمَامِ: ج ٥ ص ٦٠ قال: «(قَوْلُهُ وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ وَهِيَ غَائِبَةٌ فَإِنَّهُ يُحَدُّ) أَجْمَعَ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا بِغَائِبَةٍ يُحَدُّ الرَّجُلُ بِإِجْمَاعِهِمْ لِحَدِيثِ مَاعِزٍ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِغَائِبَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ [وَرَحِمَهُ] (*) ﵊».
وقال شيخنا: «قد نبه بعض العلماء إلى ضعف أدلة أصحاب المذاهب التقليدية في أصل هذه المسألة وأقر بأن الأحاديث الواردة في إثبات حكم الرجم إنما هي أحاديث آحاد وأنها لا تثبت الحدود التي لا تثبت إلا بالأدلة القطعية على مذهب الحنفية».
وهذه المقولة نشأت عن تقسيم الأحناف الأحاديث النبوية إلى متواترة ومشهورة وآحاد، قد قسمها غيرهم إلى المتواترة والآحاد.
وشيخنا نفسه قد نقل أن من الفقهاء من أنكر وجود أحاديث متواترة أي أن السنة كلها آحاد، وممن قال: فهذا التقسيم حصر المتواتر في خمسة أحاديث. هذا التقسيم اصطلاح نشأ عن جمع السنة وتمحيص الروايات وأثره عدم كفر من توقف في حديث آحاد وكفر من رد الحديث المتواتر فما شرعية إلزام المسلمين بهذا التقسيم وشرعية ترتيب آثار أخرى عليه، ومنها ما قاله الدكتور عبد الحميد متولي من عدم صلاحية أحاديث الآحاد لإثبات الأحكام الشرعية في الشؤون الدستورية والسياسية.
стр. 342
وما قاله بعض أتباع الماركسية من العرب أن هذه الأحاديث لا تصلح في الشؤون الاقتصادية. وما شرعية ما قال به بعض رجال القانون من عدم صلاحية هذه الأحاديث في إثبات الحدود ومنها حد الرجم.
ونستطيع أن نقطع أنه لا يوجد أي سند شرعي لإضعاف حجية أحاديث الآحاد في هذه الأمور أو غيرها بل قال النبي ﷺ : «[أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ]، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ». كما تقطع أن النبي ﷺ وصحابته كانوا يقبلون خبر الواحد في هذه الأمور وغيرها حسبما فصله الإمام الشافعي في كتابه " الرسالة " والإمام علي بن حزم في كتابه " الإحكام في أصول الأحكام " فضلاً على أن القرآن الكريم قد اعتد بخبر الواحد كما هو معلوم.
وتقسيم الأحاديث إلى آحاد ومتواتر ليس وحيًا من الله كما أن النتائج الخاطئة المترتبة على هذا التقسيم لا يستند إلى القرآن أو السنة الصحيحة حتى يمكن الأخذ بها في رد حكم الأحاديث النبوية التي تلقتها الأمة بالقبول «منها أحاديث رجم الزاني المحصن بدعوى أن السنة لا تخصص عموم القرآن وحسبنا أن النبي وصحابته قد عملوا بأخبار الآحاد في جميع أمور الدين وربنا يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
قال ابن حزم: لقد ثبت أن النبي ﷺ قد رجم ماعزًا ولا ينسب إلى رسول الله أنه خالف حكم الله وإن قالوا: إن هذا يخالف القرآن فقد نسبوا إلى النبي ﷺ أنه خالف أمر ربه القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]» (١).
стр. 343
٧٢ - رَدُّ العَقْلِ لِلْسُنَّةِ:
يقول شيخنا محمد سعاد جلال في مقاله الأخير: «إن الحديث النبوي له صورتان في الانقطاع. الانقطاع الظاهر وهو انقطاع السند بسقوط فرد أو أكثر من سلسلة السند وهو يقضي بعدم حجية الحديث، والانقطاع الباطن أي أن يكون سند الحديث متصلاً لكن يقع معناه على خلاف مقتضى العقل فيكون ذلك من أسباب انقطاع معناه وترك العمل به».
ولقد نسب هذه المقولة إلى الخوارج وعززها بقوله: «إن روح العصر الحاضر ومشاعر الناس في هذا الزمن لم تعد تحتمل وقع هذه العقوبة الشنيعة وأصبح ذلك موضع نقد موجه إلى أحكام الفقه الإسلامي الاجتهادي لا نقول إلى الشريعة الإسلامية وهو نقد غير مرفوض حتى من وجه نظر الشريعة نفسها، لأن الشريعة يجب أن تكون فيما لا يصطدم بقطعي أداة قانونية مرنة موظفة للتعبير مشاعر الجماهير المتطورة بتطور العصر».
هذا الذي يؤمن به شيخنا ويدعو المسلمين للإيمان به يحتاج إلى وقفة موضوعية لأن الإيمان به من شأنه أن يصبح كل من يظن أن عقله قد بلغ مرتبة الاجتهاد حاكمًا على النبي ﷺ فيرد ما يشاء منها ويحل منها ما يشاء ويحرم ما يشاء وبهذا يصبح عند المسلمين الآلاف من الأرباب الذين يملكون التحليل والتحريم وهذا ما حذر منه الله في القرآن الكريم وفصله في السنة النبوية.
ولسنا ندري ما هو العقل الذي سيحكم على الحديث النبوي بعدم حجيته وعدم جواز العمل به لأن معناه يخالف العقل مع أنه ليس مما يخضع للتجارب المادية والنبي ﷺ بوحي من الله قد أخبر أن شؤون الدنيا تخضع لعقول الناس وتجاربهم فقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ» (*). أما ما يخرج عن نظام الحواس فلا يختص به الناس: أي لا يخضع للعقل.
стр. 344
إن الإسلام قد صحح الانحرافات التي مارسها كثير من رجال الدين من أهل الكتاب حيث زعموا أن بيدهم صكوك الغفران والحرمان فجاء القرآن وأبطل اختصاص هؤلاء بالتحليل والتحريم. فهل تعود هذه الانحرافات مرة أخرى تحت اسم جديد هو حكم العقل؟. إن العقل لا يصدق أن يرد عالم البصر للأعمى أو يحيي الموتى ولكن القرآن قد أخبر أن نبي الله عيسى فعل ذلك فصدقنا ذلك وقبلناه لا بحكم العقل بل بالإيمان بصدق القرآن.
والإيمان بصدق النبي ﷺ هو الذي يجعلنا نقبل الأحكام التي جاء بها عن طريق السنة أو القرآن.
كما أن عقول الأوربيين تحسن الزنا وتراه أمرًا عاديًا وليس جريمة في حق المجتمع، فهل تصبح هذه العقول حكمًا على سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ سواء نطق بهذا الحكم شخص غير مسلم أو نطق به مسلم بلسانه لكنه أوروبي بعقله وبيانه.
إن مشاعر أصحاب هذه العقول لا تحكم على الله ورسوله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. إن مشاعر ملايين من البشر في روسيا قد تقبل أن يقتل السارق ولكنها لا تقبل أن تعاقب الزوجة الزانية بأدنى العقوبات، ومشاعر دعاة الحرية الجنسية ترى أن الرجم عقوبة شنيعة بينما رجم القرى والمدن بأهلها بوابل من القنابل في لبنان وفلسطين وأفغانستان وإرتريا وكشمير وتشاد والفلبين لا يعد أمرًا شنيعًا أو ماسًا بمشاعر الناس، ومع هذا يصبح من الاجتهاد في شرع الله أن يقال إن اعتراض هؤلاء على عقوبة الزنا نقد غير مرفوض من وجهة نظر الشريعة نفسها حسبما يزعم الشيخ متجاهلاً أن الطب أثبت أن الزنا يضر بالفرد والمجتمع.
ثم من هو الذي يملك أن يتحدث وحده باسم الشريعة ليقول: إن هذا النقد مقبول من وجهة نظر الشريعة. إن الشريعة الإسلامية لا تعبر عن مشاعر الجماهير المتطورة بتطور العصر، فهذه المشاعر تحل الزنا والخمر والقتل الجماعي وغير ذلك من الموبقات والمهلكات، وقد جاء الإسلام لتحكم نصوصه من قرآن
стр. 345
وَسُنَّةٍ على أعمال هؤلاء وتصحح أخطاءهم فكيف تتبع الشريعة مشاعرهم.
حسبنا أن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
وحسبنا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وبالله تعالى نعتصم ونتأيد (١).