السنة المفترى عليها
المستشار سالم البهنساوي
عدد الأجزاء: ١.
عدد الصفحات: ٣٧٠.
أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -.
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].
стр. 2
المستشار
سالم علي البهنساوي
السُنَّة المُفتَرَى عليها
الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية
دار الوفاء - المنصورة.
دار البحوث العلمية - الكويت.
стр. 3
الطبعة الثالثة:
١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م
دار الوفاء - القاهرة
دار البحوث العلمية للنشر والتوزيع - الكويت.
مع الكتاب المفترى عليه:
لقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٧ م، وذلك للدفاع عن السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وكشف خصومها المُحْدَثينَ وَالقُدَامَى وَمَنْ نَافَقُوهُمْ من العلماء حيث زعم كبيرهم أنَّ السُنَّةَ قد تراخى تدوينها فأصحبت متعارضة ونادى بالاكتفاء بالقرآن الكريم وادَّعى أنَّ عليَاً دخل الجنة بحديث نبوي ودخل النار بحديث آخر، وأنَّ عائشة ناقصة عقل بحديث ويؤخذ عنها الدين بحديث آخر.
وكنا نودُّ أنْ تتضافر الجهود لهدم هذه البدعة والتي خصصت بعض الأجهزة الرسمية لنشرها وحراستها وتطويق من نابذها العداء، ولكن حمى الخلافات التي سادت المجتمعات العربية قد تسربت إلى عقول بعض الكُتَّاب الإسلاميين فطالب أحدهم بمصادرة الكتاب:
[أ] لأنه خالف الإجماع في عدة مسائل وهي في الحقيقة محل خلاف واختار المؤلف أقرب الآراء في نظره إلى القرآن والسُنَّة النبوية.
[ب] أو لأنه لا يكفر بعض المذاهب التي تسب الصحابة، ولم يستجب المؤلف لهذا أو ذاك واحتج بأنَّ منهج السلف هو ألاَّ نُكَفِّرَ الواحد المعيَّن ولا نحكم بتخليده في النار لأنَّ ذلك موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه. (مجموع الفتاوى: ٣/ ٢٣٠ و ٧/ ٦١٩).
ولقد اجتمعت لجنة رسمية وأخرى أهلية لبحث هذه الاتهامات وانتهت إلى سلامة الكتاب مما وُجِّهَ إليه من المطاعن؛ بل أوضح بعض المتخصِّصِين أنَّ الكتاب هو المفترى عليه.
وها هي الطبعة الثالثة تصدر بعد أنْ تضمَّنَت المزيد من البحوث لتفنيد مزاعم من ظنوا أنهم من المُتخصِّصين في السُنَّة وهم من ألدِّ أعدائها بعلم أو بغير علم، كما تضمَّنت تفصيل الرد على المفتريات الموجَّهة ضد هذا الكتاب. كما نقل المؤلف الحوار الخاص بالشيعة إلى كتاب باسم الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السُنَّة وأبقى الحوار الخاص بالأحاديث النبوية وأضاف بحوثاً إلى بعض الفصول وفصلاً كاملاً عن الوحي الإلهي والعقل.
الناشر
٢١ رمضان ١٤٠٨ هـ - ٧ مايو ١٩٨٨ م.
стр. 7
هذا الكتاب بين الشكل والمضمون:
ما أنْ ظهر كتاب " السُنَّة المفترى عليها "، حتى تلقيت أكثر من عتاب من أخوة، تركَّزت اعتراضاتهم في الآتي:
أولاً: عنوان الكتاب يفيد الافتراء على السُنَّة النبوية، مع أنَّ هذا لا قدرة للناس عليه، مما يتعيَّن معه تعديل عنوان الكتاب: والجواب على ذلك أنَّ اللفظ قد ورد في القرآن الكريم في ستين موضعاَ، نذكر منها قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤٤]، [سورة الأعراف، الآية: ٣٧]، [سورة يونس، الآية: ١٧]، [سورة الكهف، الآية: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [سورة يونس، الآية: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].
ثم قوله : ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥].
وهذه المواضع تفيد أنَّ أعداء الله كانوا يفترون على الله ورسوله، وهذا لا يعني أنَّ ما زعموه صحيحاً، أو أنَّ استخدام هذه الكلمة تفيد التسليم لهؤلاء بالقدرة على تغيير شيء من الحق الذي جاء به القرآن والسُنَّة النبوية.
стр. 8
ثانياً: الكتاب فيه دعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية وهذا التقريب غاية يهودية، وأدنى ما يقال عنه إنه تنازل من كل طرف عن بعض معتقداته، وهذا فساد كبير.
وقد غاب عن هؤلاء ما يأتي:
١ - إنَّ التقريب بين المسلمين ليس من أعمال اليهود، وأعمالهم قد نهى الله عنها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
٢ - إنَّ النزاع والفرقة يؤدِّيان إلى الفشل والهزيمة إذْ قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
٣ - إنَّ التقريب لا يعني تنازل كل فرقة عن بعض معتقداتها لتقترب من الآخرين، بل هو ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
٤ - حتى يتم التقريب بالرد إلى الكتاب والسُنّة، فإنه من الواجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه وأنْ يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
ثالثاً: قيل إنَّ الكتاب جاء بمفهوم جديد للعصمة نفي عنهم الكفر إلا المعتقد أنَّ العصمة تتضمَّن الرواية عن الله مباشرة.
وقد تجاهلوا أنَّ أئمة السُنَّة لا يقولون بكفر هؤلاء، وتناسوا أنَّ العصمة التي حدَّدَ الكتاب معالمها، وحصرها في عصمة أئمة آل البيت في الرواية عن النبي ﷺ ؛ قد ذهب فقهاء من أهل السُنَّة إلى أنَّ هذه العصمة لازمة لجميع الرُواة وليس للأئمة
стр. 9
من آل البيت فقط. فقد قال الإمام علي بن حزم: «كل عدل روى خبراً قاله رسول الله ﷺ ، فذلك الراوي معصوم من تَعَمُّدِ الكذب ومن جواز الوهم» وقال: «التبليغ المعصوم فيه كما هو إلى الصحابة، هو إلى غيرهم إلى يوم القيامة لأنَّ حفظ الدين لازم للصحابة كما هو لازم لمن بعدهم» (راجع " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: جـ ١ ص ١١٧).
رابعًا: إنَّ الكتاب قطع بعدم وجود قرآن آخر عند الشيعة مع أنَّ مصحف فاطمة ورد ذكره في كتاب " الكافي " للكليني وفي مراجع أخرى لديهم. ولسنا ندري ماذا يضير الإسلام والمسلمين لو نقلنا عن فقهاء أخرين من الشعية - نقلاً صادقاً لا افتعال فيه - أنه لا يوجد لديهم قرآن آخر، وأنَّ ما كتب في ذلك روايات باطلة وهي من الإسرائيليات.
خامسًا: قيل إنَّ الكتاب أخذ برأي مرجوح في شأن سُنَّة الآحاد فأخذ بها في العقائد والمعجزات خلافاً لرأي الجمهور، وقد غاب عن هؤلاء أنَّ المنهج هو ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ ، فكانو يعملون بأحاديث الآحاد في جميع الأمور طالما رواها العدل الضابط حسبما هو مُفصَّلٌ في الكتاب، كما أنَّ الفقهاء الذين قسَّموا السُنَّة إلى قطعية وظنية مجمعون على وجوب العمل بالسُنَّة كلها، لأنَّ هذا التقسيم قد جاء لبيان حكم من رَدَّ السُنَّة كما هو مُفَصَّلٌ في مواضعه، ولو علم أصحاب هذا المصطلح أنه سيكون مستنداً لاستبعاد حكم الله في الشؤون الدستورية وفي الحدود وفي الأمور الاقتصادبة - كما هو حاصل في عصرنا - لأبطلوا هذا التقسيم وأغلقوا باب هذه الفتنة التي يُصِرُّ عليها بعض المُقلِّدين.
سادسًا: قيل إنَّ الكتاب تعرَّض لموقف بعض العلماء ومنهم أصحاب المدرسة الإصلاحية، ومن يقولون إنَّ الإسراء كان بالروح فقط،
стр. 10
ومن يرُدُّون سُنَّةَ الآحاد في العقائد والمعجزات، وبهذا يكون قد وضعهم في عداد المفترين على السُنَّة النبوية.
وهذا الاستدلال غير صحيح، فلا تلازم بين المقدمة والنتيجة، ومع هذا فقد يفتري بعض العلماء على السُنَّة، وهم يحسبون أنهم يدافعون عنها كما فعل من ذكرنا في الفصل السابع والتاسع، وقد يظلم الإنسان نفسه ببعض الأعمال ولا يدرك ذلك. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢].
إنَّ هذه الاعتراضات وإنْ كانت لها أسباب أخرى عند بعض النقاد قد تجنح في كثير منها نحو الحزبية، إلاَّ أنها كانت سبباً في إعادة البحث في هذه الأمور وغيرها، وفي إضافة صفحات وبنود عن سُنَّة الآحاد، وعن الفتنة الكبرى، وعن مسألة تحريف القرآن، ومصحف فاطمة، وعن العصمة والبداء.
ونرجو أنْ يدرك أصحاب الرأي المخالف أنَّ الحد الأدنى من شعب الإيمان بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم، هو إصلاح النفوس حتى لا تحمل بغضاً ولا يبقى في قلوبنا غلٌّ للذين آمنوا بالله ورسوله. كما أنَّ نفي الكفر عن مذهب أو طائفة لا يعني صحة جميع ما لديهم ولا يتضمَّن الحكم بالإسلام لمن أظهر كفراً بواحاً لنا فيه برهان من الله تعالى.
سالم علي البهنساوي
١٥/ ٥ / ١٤٠١ هـ - ٢١/ ٣ / ١٩٨١ م.
стр. 11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بين يدي هذا الكتاب:
لقد أرسل الله رسوله محمداً ﷺ بالهُدى ودين الحق ليظهره على المناهج والنظم المحلية والعالمية. وفي هذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨].
وهذه الرسالة العالمية الخاتمة للرسالات النبوية والمُتَمِّمَة والمُهيمنة عليها، قد جاءت بفضائل الأعمال، ولهذا قد رضي بحكمها الشرفاء من الناس الذين لم يؤمنوا بها. وظل يعارضها من اصطدمت هذه الرسالة بمصالحهم ونزواتهم وسلطانهم الجائر على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
ولقد كانت معارضة هؤلاء لهذه الرسالة، هي الطعن في صحتها وفي صدق الرسول والرسالة، وسلكوا لذلك وسائل مختلفة ولكن ما لبثت أنْ انهارت أمام الحقائق التي أحاط بها الباحثون عن الحق والعدل.
ولقد كانت توجيهات الله أن يعرض المسلم عن هؤلاء المعاندين والجاهلين لأنَّ تعصُّبهم وجهالتهم ستزين لهم التكذيب دائماً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥].
стр. 12
كما كانت توجيها الله أنْ تمنع المسلم عن جدال أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلاَّ بالتي هي أحسن ليتفرَّغ المسلمون إلى ما هو أجدى وأنفع، قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].
ولقد افترى كثير من المشركين وأهل الكتاب على النبي ﷺ وعلى الرسالة التي جاء بها والممثلة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية.
فقد وصف دِرْمِنْجْهَمْ القرآن بأنه (قصص يسمى قصص محمد وقد ورد فيه أنَّ الإسلام يجيز اشتراك جملة رجال في زوجة واحدة) كما زعم كل من نيقولا دوكور وهو تنجر ومراشي وبيبلندر وبريدو أنَّ محمداً رجل كاذب وأنَّ الإسلام من أعمال الشياطين وأنَّ المسلمين قوم هُمَّج والقرآن كتاب متناقض.
أما البابا اينوشاتيوس الثالث فقد زعم أنَّ محمداً هو المسيح الدجال، هذه المزاعم وغيرها وردت في كتاب انتشر في الغرب واسمه " حاضر الإسلام "، ومؤلفه هولوثروب ستوارد (جـ ١، ص ١٦، ٨٣، ٨٥) وتوجد مزاعم أخرى في كتب ومؤلفات مماثلة قديماً وحديثاً ولم تمنع هذه من دخول الغربيين في الإسلام، بأعداد كبيرة، بل تكوَّنت منظمات إسلامية في أمريكا وكندا وأوروبا وألمانيا وقد أخذت على عاتقها نشر الإسلام بين هذه الشعوب.
أمام هذا الفشل؛ نقلت المعركة داخل صفوف المسلمين بعد أنْ تحوَّل المبشِّرُون والمستشرقون من العداء الصريح والتكذيب المفضوح إلى التسليم بالإسلام في جانب ثم الطعن فيه من جانب أخر.
стр. 13
أ - فوجدنا بين المسلمين من يزعم أنَّ السُنَّة النبوية لم تُدَوَّن إلاَّ بعد مدة طويلة تثير الشك في نسبتها إلى النبي ﷺ مما يجعلها غير ملزمة في زعمهم.
وهذا أساسه ما زعمه المستشرق اليهودي جولدتسيهر من أنَّ ألوف الأحاديث النبوية من صنع علماء الإسلام في الطبقات التالية لعصر الصحابة.
ب - ووجدنا بين المسلمين من يزعم أنَّ علماء الحديث لم يبحثوا في صحة متن الحديث مما أدخل على السُنَّة ما ليس منها.
جـ - ومن المسلمين من ردَّ أحاديث الآحاد في أمور العقيدة وفي المعجزات وفي الأمور الدستورية وفي الحدود.
د - ومن المسلمين من ادَّعى أنَّ السُنَّة لا تستقل بتشريع الأحكام ومن ثم فلا يعمل بها إنْ أتت بحكم ليس في القرآن الكريم.
وكما وجد خلاف حول قدرة السُنَّة النبوية على تخصيص عموم القرآن ونسخ بعض أحكامه، وحول شبهة التعارض بين النصوص الشرعية.
إنه ليس غريباً أنْ يفتري أعداء الإسلام على السُنَّة النبوية، فهذه رسالتهم في الدنيا ولا ضرر على الإسلام من هؤلاء لأنَّ كفرهم ظاهر. إنما يتجسَّدُ الضرر والخطر في أولئك الذين ينتسبون إلى الإسلام ثم يُحرِّفُون نصوصه في القرآن أو السُنَّة النبوية، أو يسعون إلى الشهرة أو السلطة على حساب هذا الدين، إما لجهل أو لعمالة ظاهرة أو مستترة.
ولئن كان خطر هؤلاء هو كونهم يهدمون الإسلام من داخله وباسم الإسلام. فإنَّ نبي الإسلام قد أخبر عنهم وأرشد إلى مجاهدتهم، فروى عنه
стр. 14
الإمام مسلم قوله: «ما بعث الله من نبي إلاَّ كان له من أمَّته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنَّته ويتقيَّدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ما لا يؤمرون به، فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
من أجل ذلك فقد فصل هذا الكتاب الشبهات التي قذف بها المستشرقون وسائر أعداء الإسلام، افتراء على الله فيما يتعلق بالسُنة النبوية التي تحولت المعركة إليها بالإنكار أو التطوير، لأنَّ هدمها هدم للدين وإضعافها إضعاف له، كما أنَّ نصر السنة وإظهارها نصر للإسلام وإظهار له على غيره.
وإذا كان الهدف من ذلك هو كشف وسائل هؤلاء هؤلاء الأعداء سواء كانوا كفار الصرحاء أو كانوا من المنافقين الذين يرتدون ثياب هذا الدين، فإنَّ الكتاب أيضاً قد فصل الأمور التي اختلف فيها المسلمون الأوائل حيث استغل العلمانيون وأعداء الإسلام هذا الخلاف لخدمة العلمانية، كما هو حاصل في استبعاد سنة الآحاد في الشؤون الدستورية وفي الحدود استناداً إلى ما وقع من خلاف حول قطعية ثبوتها.
كما كشف الكتاب أخطاء العلماء الذين حاولوا الدفاع عن الإسلام بالتسليم بأمور ليست منه، ثم محاولة تبريرها والدفاع عنها بدفاع ليس من الإسلام في شيء.
ونأمل أنْ تكون فصول الكتاب العشرة، قد تحقَّقت هذه الأغراض، وبالله وحده نعتصم ونتأيد.
سالم علي البهنساوي
стр. 15
الفَصْلُ الأَوَّلُ: بَيْنَ الرَّسُولِ وَحَقِيقَةِ السُنَّةِ:
- حقيقة السنة النبوية ومكانتها.
- أنواع السُنَّ ووظيفة الرسول.
- الجماعات الإسلامية والمنهج النبوي.
- السُنَّة بين النصارى والأعراب.
- استقلال السُنَّة بالحكم الشرعي.
стр. 16
١ - حَقِيقَةُ السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمَكَانَتُهَا:
السنة في اللغة العربية هي الطريقة والأسوة الحسنة أو السيئة. وفي هذا المعنى روى الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُِ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».
والسنة في القرآن الكريم هي التطبيق العملي للقرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وبهذا المعنى اقترنت السنة بالكتاب، فكان التمسك بها كالتمسك بالقرآن وهجرها هجر له، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وبهذا فالبدعة هي أن يدخل المسلم على الدين ما ليس منه، وفي هذا روى الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». وفي رواية البخاري: «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
стр. 17
كما روى الإمام مسلم أنه ﷺ قال: «فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
والسنة النبوية عند علماء الأصول هي كل ما ثبت عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
والسنة بهذا تكون مع القرآن الكريم المصدر الأساسي للتشريع الإسلامي. وفي هذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
لما كان ذلك كذلك فإنه ليس بمسلم من ردِّ السنة النبوية حتى لو زعم أنه يؤمن بالقرآن الكريم ويعمل به، لأنَّ ردَّ السنة تكذيب لدعواه الإيمان بصدق القرآن، لأنَّ الله يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، والمؤمن لا يمكن أنْ يتلمس من القرآن ما يظن أنه يناقض بعضه أو يناقض سنة النبي لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. وقد روى أحمد وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَدَارَؤُونَ (١) فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلاَ تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا بِهِ وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ».
إنَّ الذين يَرُدُّونَ السنة النبوية في عصرنا قد يقولون إنهم لاَ يَرُدُّونَ السنة التي لم تَرِدْ في القرآن الكريم، وهؤلاء قد أخبر عنهم النبي ﷺ وذلك في حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ونصه: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ
стр. 18
حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ» (١)، وأما الاحتجاج بحديث: «فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني وما أتاكم يخالف القرآن فليس مني» فهو من وضع الزنادقة كما قال الشافعي والمديني شيخ البخاري (" لمحات في أصول الحديث " للدكتور محمد صالح: ص ٣٧).
فالقرآن والسنة كلاهما من عند الله تعالى والرسول ليس إلاَّ مبلِّغاً وقد عصمه الله من الخطأ في التبليغ إذْ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
إنَّ الإجماع منعقد على أنَّ من رَدَّ السنة النبوية فقد ارتدَّ عن الإسلام، وفي هذا قال الفقيه ابن حزم الأندلسي: «لَوْ أَنَّ امْرِءًا قَالَ: لاَ نَأْخُذُ إِلاَّ بِمَا وَجَدْنَا فِي القُرْآنِ لَكَانَ كَافَرًا بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ» (٢).
إنَّ الله الذي عصم النبي في أداء الرسالة قد تعهَّد بحفظها فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ولهذا كان الوحي يستدرك على الرسول إنْ اجتهد قبل أنْ ينزل الوحي. وفي هذا روى الترمذي وابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي في " الدلائل " عن ابن مسعود قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيئَ بِالأَسَارَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. ولم يرد عليهم شيئاً فَقَالَ أُنَاسٌ يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِى بَكْرٍ، وَقَالَ أُنَاسٌ: يَأْخُذُ بِرِاْيِ عُمَرَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجَالٍ
стр. 19
فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ وَإِنَّ اللَّهَ يُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَالَ (مَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسَى ﵇ قَالَ (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرَ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ مُوسَى ﵇ قَالَ (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ) وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ ﵇ قَالَ (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا). ثُمَّ قَالَ ﷺ : «أَنْتُمْ عَالَةٌ (أي فقراء) فَلاَ يَنْفَلِتَنَّ أَحَدٌ مِنَ الأًسْرِى إِلاَّ بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
وبهذا عصم الله الرسالة من الخطأ في الاجتهاد وأنزل القرآن بهذه الحقيقة.
كما اجتهد ﷺ في إعراضه عن ابن أم مكتوم، وهو الأعمى الذي جاءه وهو مشغول بعرض الإسلام على زعماء قريش وفيهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة حسبما رواه الترمذي والحاكم وابن حبان عن عائشة وقد كان النبي يرجو إيمانهم فنزل قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ (٢)
стр. 20
إنَّ الله الذي حفظ القرآن والسنة هو المدافع عمَّن تمسك بهما إذْ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨].
ولقد تكفَّل الله بنصره الذين ينصرون الإسلام الممثل في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
لقد هزم الله المسلمين الذي هزموا الإسلام في أنفسهم وأهليهم وبلادهم وهزم الذين أضعفوا السنة النبوية وإنْ صلُّوا وصاموا وتبتلوا!!
٢ - نُزُولُ الوَحْيِ بِالسُنَّةِ:
وكما نزل الوحي بالقرآن فقد نزل بالسنة وأخذ صوراً متعددة نذكر منها:
[١] النفث في الروع أي إلقاء المعنى في قلب النبي الذي قال: «إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنّهُ لنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَوْفِي رِزْقَها وَأَجَلَهَا فاتّقُوا الله وأجْمِلُوا في الطَّلبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حُرِّمَ» (رواه ابن حبان في " صحيحه " وابن كثير في " التفسير " جـ ٤ ص ١٢١).
[٢] نزول جبريل في صورة بشر يسأل النبي ليُعَلِّمَ الناس ويتعلَّمُوا وفي هذا روى مسلم والبخاري في " كتاب الإيمان " أنَّ النبي أتاه رجل سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان فأجابه ثم خرج فقال: «رُدُّوهُ» فلم يروا شيئاً فقال النبي: «هذا جبريل جاء يعلِّم الناس دينهم».
[٣] نزول جبريل في صورته الملائكية وفي هذا روى البخاري ومسلم أنَّ النبي قال: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ، جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
стр. 21
[٤] نزول الوحي في صورة غير مرئية ولكن توجد أمارات تدل عليه من ذلك ما رواه البخاري ومسلم في " كتاب الحج " أنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ بِالْجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: " كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَمَضِّخٌ بِطِيبٍ " فَسَكَتَ النَّبِيُّ سَاعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُ عَنْ الْعُمْرَةِ» فأتي بالرجل فقال النبي: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك. (اللؤلؤ والمرجان: جـ ١ ص ١٥ حديث ٧٣٣).
[٥] نزول الوحي بالسنة أو بالقرآن متضمِّناً تصحيحاً لاجتهاد أقدم النبي عليه بفطرته البشرية ولم يكن مبلِّغاً عن الله، ففي السنة روى أحمد عن عائشة أنَّ يهودية قالت لها: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ فسألت النبي، فقال: «كَذَبَتْ يَهُودُ، لاَ عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وهذه الرواية وردت في " صحيح مسلم " عن عائشة قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَهِيَ تَقُولُ هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.
كما روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنَّ النبي ﷺ قال بعد صلاة خسوف الشمس: «مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ».
أما نزول الوحي بالقرآن في هذا فتذكر منه إذنه لمن تخلف عن غزوة تبوك فنزل قول الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣].
وفي قبوله الفداء من أسرى بدر نزل قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. وفي إعراضه عن ابن أم مكتوم لانشغاله بزعماء المشركين أملاً في إسلامهم نزل قول
стр. 22
الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، ... ﴾ [عبس: ١ - ٤].
لما كان ذلك فإنَّ كل ما صحت نسبته إلى النبي ﷺ من قول وفعل وتقرير فمصدره الوحي الإلهي على النحو سالف الذكر.
ولقد حاول أئمة النفاق في عصرنا أنْ يرُدُّوا السنة النبوية بدعوى التمسك بالقرآن الكريم فقال محمد خلف الله: «إنَّ ما عدا القرآن فكر بشري نتعامل معه بعقولنا» وقال: «إنَّ ما ورد في القرآن غير قطعي الدلالة، لا يعمل به إلاَّ إذا جاءت السنة بنص آخر قطعي الدلالة» (١).
стр. 23
٣ - أَنْوَاعُ السُنَّةِ وَوَظِيفَةِ الرَّسُولِ:
لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على خاتم النبيين ليكون معجزة للناس جميعاً إلى يوم القيامة، فهو معجز في كلماته ومعجز في الحقائق والمعاني التي تضمنها في هذه الكلمات.
ومن قبيل الإعجاز في المعنى أن الله تعالى قد قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧].
وفي السنوات الأخيرة من هذا القرن فقط أثبت العلماء أنَّ قوة الجاذبية بين أجزاء الكون تقل بالتدريج بسبب تباعدها واتساعها.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وفي السنوات الأخيرة فقط اكتشف العلماء أنَّ مادة الكون كانت جامدة ثم حدث فيها انفجار شديد ولقد تطرَّق العالم الفرنسي موريس بوكاي إلى الحقائق العلمية الواردة في القرآن الكريم كخلق الجنين وتطوره وما يتعلق بالسماوات والأرض وما يتعلق بالنبات والإنسان وانتهى في كتابه " الكتب المقدسة في ضوء العلم الحديث "، إلى أنَّ كل ما جاء به القرآن يتَّفق تماماً مع ما توصَّل إليه العلم الحديث.
стр. 24
ولقد اقتضت حكمة الله تعالى أنْ يكون الرسول مبلِّغاً لهذا القرآن ومنفِّذاً لأحكامه، ومن ثم جعل الله للنبي صفة أخرى غير التبليغ وهي التبيان ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. كما قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
وصفة البيان كما تكون بإبلاغ القرآن للناس كافة، تكون بتفصيل أحكامه العامة وتنفيذها، ولهذا وردت الآية بطاعة الله أي أحكامه الواردة في القرآن الكريم، وبطاعة الرسول أي أحكامه التي بيَّنَها وهي السُنَّة النبوية.
ولهذا أوجب الله طاعة الرسول والتزام سُنَّته فقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
من أجل ذلك أوضح النبي ﷺ أنَّ السُنَّة من الله تعالى وهي مثل القرآن إذ يقول في الحديث الصحيح: «إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (١)
١ - السُنَّةُ القَوْلِيَّةُ:
وبيان الرسول وإبلاغه للسُنَّة قد يكون بالقول مثل حديث: «لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ» رواه البخاري ومسلم وغيرهما وحديث: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلاَ تَجَسَّسُوا
стр. 25
وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَنَافَسُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوانًا كَمَا أًَمَرَكُمْ اللهُ تَعَالَى، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» رواه الإمام مسلم.
٢ - السُنَّةُ العَمَلِيَّةُ:
وقد يكون البيان النبوي بالعمل كما هو الحال في الوضوء والصلاة والحج، فقد توضَّأ الصحابة مثل وضوئه، وصلُّوا مثل صلاته وفعلوا مثله في مناسك الحج وسائر الأمور العظيمة، ثم روى هؤلاء الصحابة ذلك إلى غيرهم دون بيان الركن من الشرط أو الفرض من المندوب، لأنه لا احتمال عندهم أنْ يترك أحد شيئاً من الدين حتى يبحثوا عن الفرض والمندور في أفعال النبي ﷺ . فقد قال فيما رواه البخاري: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى». وقال كما جاء في " صحيح مسلم ": «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».
٣ - السُنَّةُ التَّقْرِيرِيَّةُ:
وتكون السُنَّة النبوية بتقرير حال أو السكوت عن أمر بما يدل على إقراره، ومثال ذلك أنَّ النبي ﷺ أمر صحابته بالتوجه إلى بني قريظة لقتالهم بسبب خيانتهم في غزوة الأحزاب، وكان أمره هذا بقوله الوارد في البخاري ومسلم بلفظ: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، ولكن الإسراع وليس إرجاء الصلاة عن ميقاتها، وفهم آخرون الأمر على ظاهره فالتزموا به فلا صلاة إلاَّ في بني قريظة ولو فات وقت العصر،
стр. 26
ولما بلغ النبي ﷺ اجتهاد الطائفتين، لم ينكر على أي منهما فدلَّ سكوته على إقرار الاجتهاد في تنفيذ الأمر.
ومن قبيل السنة التقريرية أيضاً ما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والدارقطني والحاكم عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة شديدة البرودة فأشفقت إنْ اغتسلت أنْ أهلك فتيمَّمْتُ ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ذكروا ذلك له فقال ﷺ : «يَا عَمْرُو صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟». فقلتُ: يا رسول الله ذكرت قول الله ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيمَّمت وصليت فضحك رسول الله ولم يقل شيئًا.
بهذا السكوت أقرَّ النبي ﷺ التيمم عند الخوف من حصول ضرر من الماء إما لمرض بالجلد، أو لبرد يضر الإنسان إذ استحمَّ بهذا الماء.
وأيضاً يستفاد من اختلاف الصحابة في فهم قول النبي: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ومن اختلافهم في فهم قول الله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (*) [النساء: ٤٣] و [المائدة: ٦] أنَّ النبي ﷺ أقرّ كل طائفة على اجتهادها في تنفيذ أوامر الشريعة.
والاجتهاد لا يكون في أصول الدين ومصادره (١) ولا يكون جَرْياً وراء الأهواء والمصالح ومن لا يجوز تأويل الفروع ووصفها بالأصول ليكون ذلك مبرِّراً للخلاف.
стр. 27
٤ - الجَمَاعَاتُ الإِسْلاَمِيَّةُ وَالمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ:
إنَّ سكوت النبي ﷺ له حكمة بالغة وهو إقرار الاجتهاد في فهم النص الشرعي إذا كان النص يقبل التأويل وغير قطعي الدلالة، لأنَّ افتراض عدم العمل بالنص الشرعي إلاَّ إذا اجتمعت الأُمَّة على معناه فيه تعطيل لهذا الدين القيم إذا ما اختلف أحد في فهم بعض النصوص أو أكثرها، وهذا الخلاف محتمل وأمر طبيعي لاختلاف عقول الناس وإدراكهم، لهذا روى البخاري ومسلم أنَّ النبي ﷺ قال: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».
إنَّ هذا المنهج قد غفلت عنه بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة وبالتالي بذلت جهداً كبيراً في الطعن على الجماعات الإسلامية الأخرى التي تخالفها في فهم بعض النصوص الشرعية، بل من الجماعات من يعلن أنَّ ما هم عليه من التمسُّك بالسُنَّة العملية يعجعلهم الجماعة الوحيدة الناجية وغيرهم يصبح من الفرق الضالة الداخلة في النار، بل منا من جعل بعض فروع الإسلام أصولاً عقائدية يكون العمل في دائرتها جهاداً في سبيل العقيدة يقدم على القتال والجهاد بالمدفع.
ومن أفراد الجماعات الإسلامية من تبنَّى فهماً للنصوص التي تقبل الخلاف. وفرض هذا الفهم على أفراد جماعتهم، وقيل لهم: يأثم من خالفه لأنه في نظرهم الفهم القاطع، وبذلك يصبح الفرد مخيَّراً بين الأخذ
стр. 28
بهذا الفهم أو ترك هذه الجماعة، وهذا كله يخالف منهج النبي ﷺ الذي أقرَّ الاختلاف في فهم النصوص كما أنَّ هذه الأساليب ينطبق عليها قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
التَّطَرُّفُ وَتَلْبِيسُ إِبْلِيسَ:
ومن السُبُلِ التي يدخل بها الشيطان على أفراد بل جماعات إسلامية تزيينه الفرقة والخلاف لهم وإيهامهم أنهم هم الناجون من عذاب الآخرة، وباقي الأفراد والجماعات الإسلامية في النار لأنَّ رسول الله ﷺ قال: «وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةٍ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم على شرط مسلم.
وهؤلاء يجعلون تمسًّكهم بِالسُنَّةِ العَمَلِيَّةِ كالمحافظة على الصلاة في الجماعة، والمحافظة على السواك واللحية، هو مقومات كونهم أهل النجاة، لأنهم على مثل ما كان عليه النبي وصحابته، أما غيرهم فالنار مثواهم.
ولقد تناسى هؤلاء أنَّ ترك هذه السُنَّة لا يترتب عليه دخول النار لنصوص شرعية لا تُحصَى، منها ما رواه البخاري ومسلم أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَبِيَّ ﷺ عَنْ عَمَلٍ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، فَقَالَ الأَعْرابِيُّ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا».
ولقد نسي هؤلاء أنَّ المقصود بالملل أو الفرق التي تفترق عن الإسلام، هي التي ترتدُّ إلى الكفر مثل البهائية والقاديانية والنُصَيْرِيَّة والإسماعلية.
стр. 29
أما الفئات التي أخطأت بما لا يخرجها عن الإيمان مثل الخوراج والمعتزلة فلا يقال إنها ضمن أهل النار ومن ادَّعَى كفرها فقد تكلَّف بغير دليل من الشرع أو العقل (١)، وإنما يقال إنَّ أمرهم لا يخرج عن حكم العُصاة من المسلمين فهو متروك إلى الله إنْ شاء غفر وإنْ شاء عَذَّبَ. لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦] (١).
ومع هذا قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: «من قال إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منها يكفر كفراً ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسُنَّة وإجماع الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -» (٢).
وهذا الرأي محل نظر فقد قال الإمام إبراهيم بن موسى الشاطبي في كتابه " الاعتصام ": «إنَّ هذه الفرق تحتمل من جهة النظر أنْ يكونوا خارجين عن الملة بسبب ما أحدثوا فهم قد فارقوا أهل الإسلام بإطلاق وليس ذلك إلا الكفر ... ويدل على هذا الاحتمال ظواهر من القرآن والسُنَّة كقول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. ومن السُنَّة ذكر رواية للحديث نصها: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَعْظَمُهَا فِتْنَةً الذِينَ يَقِيسُونَ الأُمُورَ بِرَأْيهِمْ، فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ يُحَرِّمُونَ الحَلالَ» (٣).
إنَّ هذا الحديث يؤكِّدُ ما تضمنته الطبعة الأولى والثانية من أنَّ الفرقة الناجية هو أهل القبلة فتشمل جميع طوائف المسلمين ويؤيِّدُ ذلك رواية ابن ماجه برقم ٣٩٩٢ وفيها: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ». وقد رجحت ذلك لأنَّ بعض الأفراد والجماعات يشيعون أنهم الفرقة الموصوفة في الحديث وغيرهم في النار، وهذا كما قال الإمام محمد بن عبد الوهاب، من صفات الجاهلية وهو ادِّعاء كل طائفة حصر الحق فيها (٤). وقد أبطل ابن تيمية هذا الرأي حيث ينبني عليه تكفير أهل البدع الذين هم من أهل الوعيد بمنزلة الفُساق والعُصاة (٥) ويكون قول النبي ﷺ «هُمْ فِي النَّارِ» أي مثل ما جاء في سائر الذنوب ولكن هذا لم يعجب أحد الدُعاة فاتَّهمنا بالجهل ومخالفة الإجماع وطلب الحجر علينا.
стр. 30
٥ - السُنَّةُ بَيْنَ النَّصَارَى وَالأَعْرَابِ:
إنَّ روح الإسلام ومنهاجه العملي يتمثَّلُ في التطبيق العملي للقرآن والسُنَّة: وهو التطبيق الذي لا ينكره إلاَّ الجاهل أو الحاقد.
لهذا فإنَّ من النصارى مَنْ طرح العصبية وشهد بما لا يجعله جاهلاً أو حاقداً، فشهد بمكانة السُنَّة وبموضعها الصحيح من القرآن والحياة.
يقول جيمس ميتشيز: «لقد اتهم الإسلام في ذلك العصر بأنه خلو من التفكير الاقتصادي، بل اتهم بالرجعية الرأسمالية. وسِرُّ اتهامهم له الجهل بالإسلام ونظمه وروحه ورسالته وتعاليمه السمحة. لقد جاء الإسلام في كافة نظمه وتشريعاته دعوة تحريرية على الجمود والضعف والرجعية المادية والعقلية فهو توازن وتعادل. لقد جاء في نظامه الاقتصادي بقوانين تُحقِّقُ التعاون بين الطبقات في ظل المحبة كما تكفل التطور الهادف ... ».
ويقول ماسينيون: «يحتل الإسلام مكاناً وسطاً بين نظريات الرأسمالية والبرجوازية ونظريات البلشفية والشيوعية، فالحياة الاقتصادية في الإسلام حياة تراحم وتعاون وتكافل ورحمة، حياة إنسانية لها مُثُلُها العليا، وتستمدها من رسالتها وعقيدتها بينما هي في النظرة الرأسمالية والشيوعية على السواء حياة صراع وتقاتل وسيطرة واستعباد، صراع تحترق فيه وتفنى كافة القيم العليا لتبقى قيمة واحدة هي قيمة الرأسمال الفردي والجماعي وبذلم نجد
стр. 31
الرأسمالية تنظر إلى الإنسان كسلعة وتنظر الشيوعية إليه كآلة مُسَخَّرة، وينظر الإسلام إلى المادة كشيء مُسَخَّرٌ لخدمة الإنسان».
ويقول جوستاف لوبون: «إِنَّ العَرَبَ المُسْلِمِينِ هُمْ سَبَبُ اِنْتِشارِ المَدَنِيَّةِ فِي بِلاَدِ أُورُوبَا».
ويقول الشاعر الألماني جيتة: «إذَا كَانَ هَذَا هُوَ الإِسْلاَمُ فَنَحْنُ جَمِيعًا نَدِينُ بِالإِسْلاَمِ» (١).
إنَّ الإسلام مع واقع المسلمين جعل جيتة وغيره يشك في إسلام العرب المسلمين الذي لا يعملون بالإسلام.
والجانب الاقتصادي في الإسلام الذي امتدحه ماسنيون وجيمس متشرز وغيرهما يرجع غالبه إلى السُنَّة النبوية، فهي التي بيَّنتْ أحكام الزكاة وشؤون المال. فلو أخذنا بالقرآن فقط لأمكن لقوم أنْ يُطوِّرُوا الإسلام ليصبح رأسمالياً أو اشتراكياً أو شيوعياً، ولكن السُنَّة هي التي حدَّدتْ معالمه، فكان مُتميِّزاً عن هذه النظريات جميعاً. وفي مقارنة بين المصادر الإسلامية وبين الكتب السابقة ومنها الأناجيل والتي تُسَمَّى كتب " العهد الجديد " يقول الدكتور موريس بوكاي: «إنَّ الأناجيل دُوِّنَتْ في القرن الرابع وتوجد بردية ترجع إلى القرن الثاني، ولكنها لا تنقل إلاَّ أجزاء منفصلة»، كما يقول: «إنَّ أقدم مخطوطتين يونانيتين ترجعان إلى القرن الرابع» (٢) ويقول أيضاً: «توجد نصوص أخرى قد استبعدتها الكنيسة وأخفتها من أنظار المؤمنين، وبرغم
стр. 32
ذلك هناك مؤلفات مثل أناجيل الناصريين والعبرانيين والمصريين و" إنجيل توما " و " إنجيل برنابا ". كما يقول وربما كان مما حذف مائة إنجيل وقد احتفظت الكنيسة فقط بأربعة أناجيل (١)، ولينتهي إلى أنَّ القرآن وحده هو الكتاب الثابت عن الله تعالى وأنَّ ما جاء به يطابق ما توصَّل إليه العلم الحديث.
إنَّ ما أدركه هؤلاء الغربيون المسيحيون لم يدركه بعض المسلمين، فزعم أحدهم أنَّ القرآن متناقض وادَّعَى آخر أنَّ الإسلام يصلح كشعائر للعبادات، أما في الجانب الاقتصادي فالماركسية هي الواجبة الاتباع. وقال ثالثٌ: إنَّ المرأة يجب أنْ تتساوى مع الرجل في الميراث، وبهذا يصدِّقُون «كرومر» في زعمه أنَّ الإسلام لا يصلح للحضارة، وأن السبيل الصحيح هو الفكر الغربي الذي تحمله الألسنة العربية (٢).
ولقد أصيب أكثر القائلين بتناقض القرآن أو السُنَّة، بأمراض نفسية وعصبية، ثم ماتوا، ولم تنفعهم هذه الدعاوى. فهل يدرك هذا الذين ينظرون إلى الإسلام من خلال المناظير الأجنبية شرقاً أو غرباً. وهل آن لهم أنْ ينظروا إلى ما قدَّمُوهُ إلى الله ورسوله لأنه وحده الذي يبقى في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
إنَّ السُنَّة التي تركها بعضهم قد دُوِّنتْ وحُفظت من أفواه الصحابة الذين حفظوها من النبي ﷺ ، كما دوَّنَهَا العلماء الذين أخذوا
стр. 33
عن الصحابة ﵃ بالكتابة أو الحفظ المباشر بغير انقطاع أو فارق زمني.
ومع هذا خضعت لنقد وتمحيص لم تشهده أية رواية في العالم حتى اليوم. ولقد شهد بهذا غير المسلمين أمثال «باسورث سميث» عضو كلية التثليث في أكسفورد وكارليل و «برناردشو» والدكتور «سبرنكر كان» فقد أعلنوا إعجابهم بطريقة جمع الأحاديث النبوية والعلم الخاص بذلك عند المسلمين، وهو علم الجرح والتعديل (١)، فالتحقيقات التي قام بها الذين جمعوا الأحاديث، والشروط التي وضعوها لقبول الرواية عن النبي ﷺ تحوَّل دون تسرُّب الشك إلى السُنَّة. وفي هذا يقول الكاتب العالمي الدكتور موريس بوكاي: «قد نشرت أول مجموعة للأحاديث في العشرات من السنين التي تلت مباشرة وفاة محمد ﷺ ، وقد كانت كمية الأحاديث التي جمعت في القرن الأول بعد وفاته محدودة ... » (٢).
ويقول (٣): «لقد كانت معلومات هذا المصدر الثاني تعتمد على النقل الشفهي، لذلك كان الذين بادروا إلى جمع هذه الأقوال والأفعال في نصوص قد قاموا بتحقيقات تتسم دائماً بالصعوبة، ولهذا كان هَمُّهُم الأول في عملهم العسير ي مُدَوَّناتهم منصباً أولاً على دِقَّة الضبط لهذه المعلومات الخاصة بكل حادثة في حياة النبي، وبكل قول من أقواله والتدليل على ذلك الاهتمام بالدِقَّة والضبط لمجموعات الأحاديث المعتمدة فإنهم قد نصُّوا على أسماء الذين نقلوا أقوال النبي ﷺ وأفعاله، وذلك بالصعود في الإسناد إلى الأول من أسرة النبي ﷺ ومن صحابته الذين قد نقلوا هذه المعلومات مباشرة منه نفسه، وذلك بعد الكشف على حال الراوي في جميع سلسلة
стр. 34
الرواية، والابتعاد عن الرُواة غير المشهود لهم بحسن السيرة وصدق الرواية، ونحو ذلك من دلائل ضعف الراوي المُوجبة لعدم الاعتماد على الحديث الذي روي عن طريقة. وهذا ما قد انفرد به علماء الإسلام في كل ما روي عن نبيِّهِم ﷺ .
وبعد فهذه أمثلة قليلة جداً مما كتبه المنصفون من غير المسلمين في بحوثهم وكتبهم، وقد يكون ذلك بدافع التجرد في البحث العلمي، أو لأنه ليس من الحكمة الطعن في أمر هو في الواقع من المسائل الظاهرة التي يعجز الجميع عن الطعن فيها، وقد يكون التجرد عن العصبية وراء هذه الكتابات.
وأيّاً كانت الدوافع لهذه الكتابات، فهي ليست تملُّقاً للمسلمين، لأنها قد كتبت في فترات ضعفهم وتخلُّفهم وزوال سلطانهم وقوتهم، ولا يبقى إلاَّ أنْ يدرك هؤلاء المسلمون الذين تركوا السُنَّة النبوية أنه لا محل لهذه الشُبهة عند غير المسلمين، وأنَّ كل مسلم يدرك أنَّ من ردَّ الحديث النبوي أو حُكماً من أحكامه يبعد المسلم عن دار الإسلام، ولهذا حارب الخليفة الأول من ردَّ حُكم الزكاة أو امتنع عن أدائها ولم يُفرِّق بين الصلاة والزكاة، لأنَّ الله تعالى لم يُفرِّق بين الشعائر التعبُّدية وبين الشرائع القانونية الاقتصادية، إذ أوحى إلى نبيِّهِ كما جاء في القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
ولم يفرِّق بين القرآن والسُنَّة في الأحكام فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] و [التغابن: ١٢] وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
والالتزام بما ورد في القرآن والسُنَّة دون تفرقة بينهما مجمع عليه في الماضي والحاضر. قال الأستاذ محمد العفيفي في كتابه " مقدمة في تفسير الرسول للقرآن الكريم " ص ٥:
стр. 35
«فإنَّ القرآن والسُنَّة وحي من الله تعالى، يفسِّرُ بعضُها بعضاً، ويدل كل منهما على صدق الآخر.
وقد جعل الله سُنَّة رسوله ﷺ ، بياناً للقرآن، وتطبيقاته في كل قول وعمل من أقوال الرسول وأعماله، ليكون الرسول هو الأسوة الحسنة كما يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال: ومن الدلائل الكبرى على أنَّ القرآن والسُنَّة يفسِّرُ بعضها بعضاً أنَّ القرآن مركب من آيات مرتبة، ترتيباً معجزاً، حتى يمكننا أنْ نصل إلى جديد من المعاني بكل آية أو بكل جزء من أجزائها، كلما تعدَّدتْ ارتباطاته بالقرآن كله»
وقد أورد الإمام بدر الدين الزركشي فصلاً في كتابه " البرهان في علوم القرآن " (١) تضمَّن إجماع الأمَّة على معاضدة السُنَّة بالقرآن فقال: «اعلم أنَّ القرآن والحديث أبداً متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة حتى أنَّ كل واحد منهما يخصِّصُ عموم الآخر ويُبَيِّنُ إجماله، وقد اعتنى بإفراد ذلك بالتصنيف الإمام أبو الحكم بن برجان في كتابه المُسمَّى بـ " الإرشاد "» (٢).
стр. 36
٦ - اسْتِقْلاَلُ السُنَّةِ بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ:
إنَّ من وسائل إضعاف السُنَّة النبوية القول إنها مُفسِّرة للقرآن الكريم، ولا تستقل بالتشريع، وإنها كالمذكرة التفسيرية للقانون. وحتى تتَّضِحَ خطورة هذه الدعاوى نُبيِّنُ وضع السُنَّة النبوية:
١ - فالسُنَّة قد تأتي تأكيداً لما جاء في القرآن الكريم وتُسَمَّى السُنَّة المؤكدة، من ذلك ما رواه البخاري بسنده عن النبي قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» فقد جاء ذلك مؤكداً لقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
٢ - والسُنَّة قد تكون مُبيِّنةً، وهي التي جاءت بأحكام مفصَّلة تُبَيِّنُ ما جاء في القرآن مُجملاً، فقد أمر الله في القرآن بالصلاة والصوم والزكاة والحج دون أنْ يفصل الأحكام العلمية، كما ورد مثل ذلك في المعاملات والحدود، فجاءت السُنَّة النبوية وبيَّنت الصلوات المفروضة وأوقاتها وأركانها كما فعلت ذلك في سائر الأحكام المجملة.
٣ - والسُنَّة قد توجب حُكماً جديداً سكت عنه القرآن الكريم مثل عقوبة الزاني المُحصن، فقد ورد في القرآن عقوبة الجلد مائة وأضافت السُنَّة الرجم لمن كان مُتزوِّجاً (١). وبالرجوع إلى مناهج الفقهاء نجد اختلافاً لا يعدو
стр. 37
أن يكون خلافًا في الاصطلاحات، فبعضهم كابن القيم في كتاب " الطرق الحكمية " يسمي النوع الأول السُنَّة الموافقة، بينما يسمِّي النوع الثاني بالسُنَّة المُفَسِّرَة، ونجد الخلاف يزداد في النوع الثالث فقد يراه بعضهم أنها سُنَّة زائدة عما في الكتاب، وَيُُسَمِّيهَا آخرون باِلسُنَّةِ المُوجِبَةِ، ولكن تختلف الأسماء بينما المُسَمَّى لا يختلف حكمه.
فالإمام الشافعي يقول (١): «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ مَعَ كِتَابِ اللهِ، وَسَنَّ فِيمَا لَيْسَ فِيه بِعَيْنِهِ نَصُّ كِتَابٍ وَكُلُّ مَا سُنَّ فَقَدْ أَلْزَمَنَا اللهُ بِاِتِّبَاعِهِ».
بينما نراه يصف هذه السُنَّة الجديدة وصفاً ينفي عنها أنها تنسخ القرآن، «أَنَّ السُنَّةََ لاَ نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِي [تَبَعٌ] لِلْكِتَابِ، بِمِثْلِ مَا نَزَلُ نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنًى مَا أَنْزَلَ اللهِ مِنْهُ جُمَلاً».
ولكن مع وصفه السُنَّة بأنها لا ناسخة للقرآن يوجب الأخذ بحديث: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» الذي يراه غيره بأنه ناسخ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ... ﴾ [البقرة: ١٨٠].
يقول الإمام الشافعي: «وَجَدْنَا أَهْلَ الفُتْيَا وَمَنْ حَفِظْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالمَغَازِي مِنْ قُرَيْشِ وَغَيْرَهَا لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَامَ الفَتْحِ: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ "» (٢).
стр. 38
لهذا روى البيضاوي في " المنهاج " أنَّ للشافعي قولين في هذا قول يمنع نسخ القرآن بالسُنَّة مطلقاً وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد وعن أكثر الظاهرية عدا ابن حزم (١).
والقول الآخر للشافعي هو جواز النسخ وقد استنكر بعضهم ذلك عليه، ولكن الخلاف ليس في الحكم العملي، الوارد في الحديث النبوي «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، بل الخلاف بين الفقهاء والأصوليين هو في وصف هذا الحديث هل هو مخصص لحكم القرآن ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] أم هو ناسخ لهذه الآية والنتيجة العملية واحدة.
فالأحناف ومن معهم يرون أنَّ الحديث ناسخ للآية لأنه دليل منفصل عنها، وهو حديث مشهور ومتواتر في المعنى. فيصلح للنسخ عندهم. وغيرهم يرى أنَّ الحديث مُخصِّصٌ للآية.
والخلاف كما هو ظاهر لا أثر له على الحكم كما أنه خلاف في الاصطلاح فالنسخ والتخصص متشابهان «لأَنَّ النُّسْخَ تَخْصِيصٌ فِي الأَزْمَانِ وَالتَّخْصِيصُ تَخْصِيصُ الأَعْيَانِ، وَالمَعْنَى الذِي مِنْ أَجْلِهِ صَارَ النُّسْخُ يُصَارُ إِلَى التَّخْصِيصِ أَلاَ وَهُوَ أَوَْلَوِيَّتُهُ عَلَى إِلْغَاءِ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَالإِتْيَانِ بُحْكُمٍْ جَدِيدٍ» (٢).
والجدير بالذكر أنَّ النوع الأول والثاني من السُنَّة هما موضوع اتفاق الفقهاء، أما النوع الثالث فهو محل خلاف نظري.
فالسُنَّة التي أتت بحكم جديد، منهم من قال إنها لا تستقل بإثبات هذا الحكم وإنما تستند إلى نص عام في القرآن، تفرَّعت عنه، أو استقت منه
стр. 39
وبنيت عليه. ومنهم من قال إنَّ السُنَّة تستقل بتشريع الأحكام فتحريم غير الأمهات وحرمة الجمع بين البنت وعمَّتها والبنت وخالتها، وحرمة لحم الحُمُر الأهلية وكل ذي مخلب من الطير أو ناب من السباع. وغير ذلك من الأحكام التي لم ترد في القرآن إنما استقلَّت بها السُنَّة، لأنَّ الله تعالى أوجب طاعة الرسول، استقلالاً في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
ووجه الاستدلال بالنص أنَّ طاعة الرسول جاءت استقلالاً، أما طاعة أولي الأمر فجاءت في حدود ونطاق طاعة الله ورسوله لأنها عطفت عليهما.
ولقد زعم بعض تلاميذ المستشرقين ممن انتسبوا إلى العلم بأنه يلزم عرض السُنَّة على القرآن، فإنْ أتَتْ بحكم ليس فيه فلا نأخذ به، وقد تبنى ذلك الشيخ أبو رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية ".
ولكن الخلاف الواقع بين الفقهاء لا ينبغي أنْ يكون سندًا لهؤلاء المُغرضين، لأنه خلاف في المصطلحات والمناهج فحسب، فقد يراها البعض أمراً زائداً على ما جاء به الكتاب، بينما يراها آخرون مجرد بيان، ويراها البعض تأكيداً لما جاء به النص القرآني لا أكثر من ذلك، ويرجع هذا إلى مداخل وجوه البيان الناتجة عن دقة ملاحظة الفوارق بينها.
فالخلاف الواقع في صدر الأمَّة في هذا الشأن نظري. ولهذا فالنتيجة العملية أنَّ السُنَّة الزائدة عما ورد في القرآن، حُجَّةٌ يجب العمل بها وإنْ اختلفوا في وصف هذه السُنَّة، وفي هذا قال ابن القيم: «السُنَّة مع القرآن على ثلاثة أوجه إحداها أنْ تكون موافقة له من وجه، والثاني أنْ تكون بياناً لما ورد بالقرآن وتفسيراً له، والثالث أنْ تكون موجبة لحكم سكت القرآن
стр. 40
عنه أو بحرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام، فما كان فيها زائداً على القرآن فهو تشريع مبتدأ يجب طاعته فيه ولا تحل معصيته» (١).
وصحابة رسول الله ﷺ لم يفرِّقُوا بين سُنَّة ورد فيها نص من القرآن وسُنَّة الحكم فيها يعتمد على الحديث وحده، لأنَّ الله تعالى قد قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وفي هذا قال ابن حزم: «لَوْ أَنَّ امْرِءًا قَالَ: لاَ نَأْخُذُ إِلاَّ بِمَا وَجَدْنَا فِي القُرْآنِ لَكَانَ كَافَرًا بِإِجْمَاعِ [الأُمَّةِ]» (٢).
لقد انتهى عصر جمع السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وعصر تمحيصها وأصبح من اليسير معرفة وضع الحديث النبوي ودرجته من الصحة أو الضعف أو الوضع والبطلان، فلا يجوز والحالة هذه أنْ يضعِّف أحد من السُنَّة النبوية بالإقلال من منزلة أحاديث الآحاد، والتركيز على أنها ظنية الثبوت، لأنَّ هذا المصطلح كان لأسباب خاصة في تحديد من يجوز أنْ يتهم بالكفر في مجال رد الحديث النبوي.
وقد أجمعت الأمَّة على مر العصور، على أنَّ السُنَّة حُجَّة ويجب العمل بها كالقرآن الكريم، لا فرق في ذلك بين المتواتر منها والآحاد.
ولا يختلف مسلم مخلص اليوم على أنَّ من وسائل إضعاف الإسلام في نفوس المسلمين هو إبعاد السُنَّة كلها أو بعضها، وهذا يتحقق باستبعاد سُنَّة