٦ - اسْتِقْلاَلُ السُنَّةِ بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ:
إنَّ من وسائل إضعاف السُنَّة النبوية القول إنها مُفسِّرة للقرآن الكريم، ولا تستقل بالتشريع، وإنها كالمذكرة التفسيرية للقانون. وحتى تتَّضِحَ خطورة هذه الدعاوى نُبيِّنُ وضع السُنَّة النبوية:
١ - فالسُنَّة قد تأتي تأكيداً لما جاء في القرآن الكريم وتُسَمَّى السُنَّة المؤكدة، من ذلك ما رواه البخاري بسنده عن النبي قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» فقد جاء ذلك مؤكداً لقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
٢ - والسُنَّة قد تكون مُبيِّنةً، وهي التي جاءت بأحكام مفصَّلة تُبَيِّنُ ما جاء في القرآن مُجملاً، فقد أمر الله في القرآن بالصلاة والصوم والزكاة والحج دون أنْ يفصل الأحكام العلمية، كما ورد مثل ذلك في المعاملات والحدود، فجاءت السُنَّة النبوية وبيَّنت الصلوات المفروضة وأوقاتها وأركانها كما فعلت ذلك في سائر الأحكام المجملة.
٣ - والسُنَّة قد توجب حُكماً جديداً سكت عنه القرآن الكريم مثل عقوبة الزاني المُحصن، فقد ورد في القرآن عقوبة الجلد مائة وأضافت السُنَّة الرجم لمن كان مُتزوِّجاً (١). وبالرجوع إلى مناهج الفقهاء نجد اختلافاً لا يعدو
стр. 37
أن يكون خلافًا في الاصطلاحات، فبعضهم كابن القيم في كتاب " الطرق الحكمية " يسمي النوع الأول السُنَّة الموافقة، بينما يسمِّي النوع الثاني بالسُنَّة المُفَسِّرَة، ونجد الخلاف يزداد في النوع الثالث فقد يراه بعضهم أنها سُنَّة زائدة عما في الكتاب، وَيُُسَمِّيهَا آخرون باِلسُنَّةِ المُوجِبَةِ، ولكن تختلف الأسماء بينما المُسَمَّى لا يختلف حكمه.
فالإمام الشافعي يقول (١): «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ مَعَ كِتَابِ اللهِ، وَسَنَّ فِيمَا لَيْسَ فِيه بِعَيْنِهِ نَصُّ كِتَابٍ وَكُلُّ مَا سُنَّ فَقَدْ أَلْزَمَنَا اللهُ بِاِتِّبَاعِهِ».
بينما نراه يصف هذه السُنَّة الجديدة وصفاً ينفي عنها أنها تنسخ القرآن، «أَنَّ السُنَّةََ لاَ نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِي [تَبَعٌ] لِلْكِتَابِ، بِمِثْلِ مَا نَزَلُ نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنًى مَا أَنْزَلَ اللهِ مِنْهُ جُمَلاً».
ولكن مع وصفه السُنَّة بأنها لا ناسخة للقرآن يوجب الأخذ بحديث: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» الذي يراه غيره بأنه ناسخ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ... ﴾ [البقرة: ١٨٠].
يقول الإمام الشافعي: «وَجَدْنَا أَهْلَ الفُتْيَا وَمَنْ حَفِظْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالمَغَازِي مِنْ قُرَيْشِ وَغَيْرَهَا لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَامَ الفَتْحِ: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ "» (٢).
стр. 38
لهذا روى البيضاوي في " المنهاج " أنَّ للشافعي قولين في هذا قول يمنع نسخ القرآن بالسُنَّة مطلقاً وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد وعن أكثر الظاهرية عدا ابن حزم (١).
والقول الآخر للشافعي هو جواز النسخ وقد استنكر بعضهم ذلك عليه، ولكن الخلاف ليس في الحكم العملي، الوارد في الحديث النبوي «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، بل الخلاف بين الفقهاء والأصوليين هو في وصف هذا الحديث هل هو مخصص لحكم القرآن ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] أم هو ناسخ لهذه الآية والنتيجة العملية واحدة.
فالأحناف ومن معهم يرون أنَّ الحديث ناسخ للآية لأنه دليل منفصل عنها، وهو حديث مشهور ومتواتر في المعنى. فيصلح للنسخ عندهم. وغيرهم يرى أنَّ الحديث مُخصِّصٌ للآية.
والخلاف كما هو ظاهر لا أثر له على الحكم كما أنه خلاف في الاصطلاح فالنسخ والتخصص متشابهان «لأَنَّ النُّسْخَ تَخْصِيصٌ فِي الأَزْمَانِ وَالتَّخْصِيصُ تَخْصِيصُ الأَعْيَانِ، وَالمَعْنَى الذِي مِنْ أَجْلِهِ صَارَ النُّسْخُ يُصَارُ إِلَى التَّخْصِيصِ أَلاَ وَهُوَ أَوَْلَوِيَّتُهُ عَلَى إِلْغَاءِ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَالإِتْيَانِ بُحْكُمٍْ جَدِيدٍ» (٢).
والجدير بالذكر أنَّ النوع الأول والثاني من السُنَّة هما موضوع اتفاق الفقهاء، أما النوع الثالث فهو محل خلاف نظري.
فالسُنَّة التي أتت بحكم جديد، منهم من قال إنها لا تستقل بإثبات هذا الحكم وإنما تستند إلى نص عام في القرآن، تفرَّعت عنه، أو استقت منه
стр. 39
وبنيت عليه. ومنهم من قال إنَّ السُنَّة تستقل بتشريع الأحكام فتحريم غير الأمهات وحرمة الجمع بين البنت وعمَّتها والبنت وخالتها، وحرمة لحم الحُمُر الأهلية وكل ذي مخلب من الطير أو ناب من السباع. وغير ذلك من الأحكام التي لم ترد في القرآن إنما استقلَّت بها السُنَّة، لأنَّ الله تعالى أوجب طاعة الرسول، استقلالاً في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
ووجه الاستدلال بالنص أنَّ طاعة الرسول جاءت استقلالاً، أما طاعة أولي الأمر فجاءت في حدود ونطاق طاعة الله ورسوله لأنها عطفت عليهما.
ولقد زعم بعض تلاميذ المستشرقين ممن انتسبوا إلى العلم بأنه يلزم عرض السُنَّة على القرآن، فإنْ أتَتْ بحكم ليس فيه فلا نأخذ به، وقد تبنى ذلك الشيخ أبو رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية ".
ولكن الخلاف الواقع بين الفقهاء لا ينبغي أنْ يكون سندًا لهؤلاء المُغرضين، لأنه خلاف في المصطلحات والمناهج فحسب، فقد يراها البعض أمراً زائداً على ما جاء به الكتاب، بينما يراها آخرون مجرد بيان، ويراها البعض تأكيداً لما جاء به النص القرآني لا أكثر من ذلك، ويرجع هذا إلى مداخل وجوه البيان الناتجة عن دقة ملاحظة الفوارق بينها.
فالخلاف الواقع في صدر الأمَّة في هذا الشأن نظري. ولهذا فالنتيجة العملية أنَّ السُنَّة الزائدة عما ورد في القرآن، حُجَّةٌ يجب العمل بها وإنْ اختلفوا في وصف هذه السُنَّة، وفي هذا قال ابن القيم: «السُنَّة مع القرآن على ثلاثة أوجه إحداها أنْ تكون موافقة له من وجه، والثاني أنْ تكون بياناً لما ورد بالقرآن وتفسيراً له، والثالث أنْ تكون موجبة لحكم سكت القرآن
стр. 40
عنه أو بحرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام، فما كان فيها زائداً على القرآن فهو تشريع مبتدأ يجب طاعته فيه ولا تحل معصيته» (١).
وصحابة رسول الله ﷺ لم يفرِّقُوا بين سُنَّة ورد فيها نص من القرآن وسُنَّة الحكم فيها يعتمد على الحديث وحده، لأنَّ الله تعالى قد قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وفي هذا قال ابن حزم: «لَوْ أَنَّ امْرِءًا قَالَ: لاَ نَأْخُذُ إِلاَّ بِمَا وَجَدْنَا فِي القُرْآنِ لَكَانَ كَافَرًا بِإِجْمَاعِ [الأُمَّةِ]» (٢).
لقد انتهى عصر جمع السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وعصر تمحيصها وأصبح من اليسير معرفة وضع الحديث النبوي ودرجته من الصحة أو الضعف أو الوضع والبطلان، فلا يجوز والحالة هذه أنْ يضعِّف أحد من السُنَّة النبوية بالإقلال من منزلة أحاديث الآحاد، والتركيز على أنها ظنية الثبوت، لأنَّ هذا المصطلح كان لأسباب خاصة في تحديد من يجوز أنْ يتهم بالكفر في مجال رد الحديث النبوي.
وقد أجمعت الأمَّة على مر العصور، على أنَّ السُنَّة حُجَّة ويجب العمل بها كالقرآن الكريم، لا فرق في ذلك بين المتواتر منها والآحاد.
ولا يختلف مسلم مخلص اليوم على أنَّ من وسائل إضعاف الإسلام في نفوس المسلمين هو إبعاد السُنَّة كلها أو بعضها، وهذا يتحقق باستبعاد سُنَّة
стр. 41
الآحاد في الأمور الدستورية أو التشريعية أو الاقتصادية، وهذا ما قد ظهر في عصرنا استناداً إلى أنَّ هذه السُنَّة ظنية الثبوت، فهل يدرك من يتمسَّكون بهذا الاصطلاح الذي لا مبرِّرَ له في عصرنا إلاَّ أنْ يكون سنداً لأعداء هذه السُنَّة وهذا الدين أو لأصحاب الأهواء.
العقل العربي والتدوين:
لقد نشرت دار الطليعة بلبنان كتاب " تكوين العقل العربي " للدكتور محمد عابد الجابري، ادَّعى فيه أنَّ العقل العربي أخذ تصوراته عن الإنسان والكون والمجتمع من عصر التدوين الذي بدأ عام ثلاثة وأربعين ومائة للهجرة لأنَّ تدوين السُنَّة والفقه لا يخلو من وجود رأي للذي قام بالتدوين فلا بد أنه قام بحذف وتقديم وتأخير في المرويات مما يعد إعادة تشكيل الموروث الثقافي (ص ٦٤)، وادَّعى أنَّ الرأي في التدوين يتضح من تعمُّد أهل السُنَّة السكوت عن التدوين عند الشيعة وكذلك سكوت مراجع الشيعة عن التدوين عند أهل السُنَّة (ص ٩٦).
وهذا الكاتب قد تعمَّد تضليل المُثقفين الذين كتب لهم هذه المقدمات الكاذبة ليخول لنفسه حق تصحيح ما زعم أنه تناقضات في تكوين العقل العربي، بينما التناقض في عقله هو فيما يلي:
١ - أنَّ تصورات العرب عن الإنسان والكون لم تؤخذ من عصر التدوين سالف الذكر بل مصدرها القرآن الكريم وهذا ما سجله الدكتور موريس بوكاي في كتابه " دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة " والمبين في الفصل الأخير.
٢ - أنَّ التدوين الرسمي العام بدأ سنة ٩٩ هـ عندما تولى عمر بن عبد العزير الخلافة ومن قبله ومنذ عصر الرسول ﷺ كان هناك تدوين للأفراد وكل ذلك قبل بدء تدوين مذهب الشيعة وكتبهم ومُدوَّناتهم فقد بدأت بكتاب " الكافي " للكُليني والمتوفَّى سنة ٣٢٩ هـ، فلا يقال إنَّ أهل السُنَّة عند التدوين أغفلوا مرويات الشيعة فلم يكن لهؤلاء وجود مرويات عند بدء التدوين.
стр. 42
٣ - إنه لم يكن للرأي دور في التدوين فقد نقل الراوي كل ما سمعه من السُنَّة أو أقوال الصحابة، والرأي ينحصر في شروط الراوي الممثلة في العدالة والضبط، ولا يمس النص في شيء ولكن المؤلف زعم أنهم أهملوا الرأي في المرويات بالحذف والإضافة فهذا لم يقل به أحد حتى المستشرقين حيث قرَّرُوا الواقع وهو لا يعني حذف شيء أو إضافته والمراجع تكذب المؤلف.
стр. 43
الفَصْلُ الثَّانِي: الفِتْنَةُ وَشُبُهَاتٌ حَوْلَ تَدْوِينِ السُنَّةِ:
كتابة السُنَّة بين التاييد والمعارضة.
كتابة السُنَّة في العصر النبوي.
من وسائل حفظ السُنَّة.
كتب السُنَّة ونشأتها.
علوم الحديث وأهميتها.
ردُّ السُنَّة بين السند والمتن.
стр. 44
٧ - كِتَابَةُ السُنَّةِ بَيْنَ التَّأْيِيدِ وَالمُعَارَضَةِ:
لما كان القرآن الكريم هو المعجزة التي تحدَّى الله بها البشر إلى يوم القيامة في عدة مواضع من هذا الكتاب الكريم، منها قول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. ومنها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
والجدير بالذكر أنَّ التحدي كان بالإتيان بسورة من مثل سور القرآن، لأنَّ الآية الواحدة ليست محلاً لهذا التحدِّي، فمن الآيات ما هو كلمة واحدة كما في سورة الرحمن في وصف الجنتين، إذ قال الله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، وهذه آية، لذلك كان محل التحدِّي هو السورة، وهي قد تكون من ثلاث آيات قصار مثل سورة الكوثر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١، ٢، ٣].
لما كان ذلك، فإنَّ النبي ﷺ في أول الأمر قد نهى عن كتابة السُنَّة النبوية حتى لا تختلط بالقرآن، وليظل القرآن هو المعجزة الخالدة.
ولما كان هذا هو سبب النهي عن كتابة السُنَّة، فإنه قد أبيحت الكتابة في الحالات التي لا يخشى فيها اختلاطها بالقرآن الكريم، فوجدنا كُتُبًا لرسول
стр. 45
الله فيها أحكام من السُنَّة النبوية، وكتباً لبعض صحابته في هذا الشأن وقد عرفت باسم الكتب أو الصحف، وظل الأصل هو معرفة السُنَّة عن طريق الحفظ والرواية وهذه الصحف وغيرها تؤكد أنَّ السُنَّة قد نقلها الصحابة إلى التابعين إما بكتابة التابعي أو الصحابي.
ومن الأمثلة على الكتابة:
١ - كتب النبي ومعاهداته التي أملاها للإمام علي ومنا ما كان في قراب سيف النبي وقد روى البخاري عن أبي هريرة: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثاً منِّيْ إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ». (١).
٢ - كما روى الترمذي أنَّ رجلاً من الأنصار شكى إلى النبي ﷺ قلة حفظه فقال له: «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ» أي بالكتابة (٢): وقال: «قيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» (٣).
٣ - وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنه لما فتح الرسول ﷺ مكة قام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: اكتب لي، فقال النبي: «اكْتُبُوا لَهُ» كما رواه البخاري في كتاب العلم ومسلم في كتاب الحج وكذا أبو داود والترمذي (٤).
٤ - وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أنه لما اشتد المرضى بالنبي ﷺ قال: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ
стр. 46
كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ... فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، فَقَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ "» (١)
وهذا يؤكد أَنَّ الكتابة لم تكن ممنوعة إلاَّ خشية اختلاط السُنَّة بالقرآن، فإذا زال هذا السبب كانت كتابة السُنَّة مطلوبة.
وفي هذا روى أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن عبد الله بن عمرو أنه قَالَ للنبي: إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الشَّيْءَ [أَفَأَكْتُبُهُ؟]، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى؟ قَالَ النَّبِيُّ: «نَعَمْ، فَإِنِّي لاَ أَقُولُ إلاَّ حَقًّا» (٢).
وهذا وغيره مما لا مجال لحصره يرجِّحُ أنَّ النبي ﷺ نهى عن كتابة الحديث بقوله: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» كما رواه مسلم في " صحيحه " وكما رواه غيره، إنما كان في أول أمر نزول القرآن مخافة أنْ يختلط بالسُنَّة النبوية، فلما زال هذا السبب أذن النبي في الكتابة. قال الإمام الصنعاني: «صَارَ الأَمْرُ لِلْجَوَازِ» (٣).
قال الرامهرمزي: «وحديث أبي سعيد - حرصنا أنْ يأذن لنا النبي ﷺ في الكتابة فأبى - أحسب أنه كان محفوظاً في أول الهجرة - وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن» (٤).
стр. 47
وقال المحقق الدكتور السباعي: «وأعتقد أنه ليس هنالك تعارض حقيقي بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، إذا فهمنا النهي على أنه نهي عن التدوين الرسمي كما كان يدوَّن القرآن، وأما الإذن فهو سماح بتدوين نصوص من السُنَّة لظروف وملابسات خاصة أو سماح لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون السُنّة لأنفسهم والتأمل في نص حديث النهي قد يؤيد هذا الفهم» (١).
٨ - التَّدْوِينُ الرَّسْمِي وَحِفْظُ السُنَّةِ:
فضلا ًعن ذلك كله فمن المعلوم أنَّ الله الذي تولى حفظ الإسلام وحفظ رسوله ليبلغ هذه الأمانة قد وفر أسباب هذا الحفظ.
فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
فالسُنَّة النبوية إنما جمعت من أفواه الذين سمعوها وحفظوها عن النبي ﷺ ، وفي هذا روى الدارمي عن أبي العالية قال: «[إِنْ] كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالْبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ نَرْضَ، حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» (٢).
وقد وضع البغدادي كُتُبًا في هذا باسم " الرحلة في طلب الحديث " (٣).
стр. 48
ووضع الرامهرمزي كتابًا عن العلماء الذين رحلوا لطلب العلم (١) وفعل آخرون مثله، نكتفي بكتاب " مكاتيب الرسول "، حيث جمع فيه مؤلفه ٣١٦ من كتب الرسول وصحفه التي (٢) بكتب الحديث والسيرة.
إنَّ هذا الحفظ الدقيق لِلْسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ قد انبهر به الذين اطلعوا على بعض جوانب علم الحديث من علماء الغرب - ولكن بعض الأعراب من المسلمين ما زالوا يبحثون عن ميدان الشهرة، فلم يجدوا ما يشتهرون به إلاَّ أنْ يكونوا ممن قال الله فيهم ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]؟
إنَّ هذه النصوص القاطعة تخرس الذين يزعمون أنَّ السُنَّة دونت بعد فترة طويلة تبعث على الشك فيها، ومن ثم ينادون بالاكتفاء بالقرآن الكريم.
إنَّ السُنَّة قد كتبت منها الكثير في العصر النبوي، ثم دونت بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز، وذلك من أفواه من حفظوها عن الصحابة مباشرة ومن الكتب التي تركها الصحابة ﵃، كما هو ثابت في الفصول التالية.
أما تدوين السُنَّةِ بمعرفة الشيعة فيبدأ - حسبما ورد بمقدمة " الكافي " (٣) - بصحيفة الإمام علي التي أملاها النبي ﷺ ومنها ما كان في قراب سيفه، ثم دَوَّنَ أبو رافع القبطي مولى الرسول كتاب السنن والأحكام
стр. 49
والقضايا، وهذا التدوين في عصر الصحابة أي قبل ظهور الشيعة فأول من دوَّن منهم الكُليني المتوفى سنة ٣٢٩ هـ بكتابه " الكافي "، ثم دوَّن ابن بابويه المتوفى سن ٣٨١ هـ كتاب " من لا يحضره الفقيه "، ثم دوَّن الشيخ الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠ كتاب " تهذيب الأحكام " وبعد ذلك كتاب " جامع الأخبار " للشيخ عبد اللطيف الهمذاني المتوفى سنة ١٠٥٠ هـ.
وأما المذهب الزيدي من كتبه " أحاديث الشفاء " للضمدي (*) وأحاديث " البحر الزخار " لابن بهران و " المجموع الفقهي " ويضم ما رواه الإمام زيد. والجعفرية يخلطون الحديث بالفقه أي أقوال النبي بأقوال أئمتهم بسبب العصمة ومن ثم تحتاج إلى تمحيص طويل ودقيق للسبب المبيَّن في الفصل الثالث والجدير بالذكر أنَّ " صحيفة الإمام علي " التي أشار إليها كتاب " الكافي " تتضمَّن أموراً حصرها الإمام علي ﵁ في الحديث الذي رواه " البخاري " عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: «لاَ، إِلاَّ كِتَابَ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ». قَالَ قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (١) فهذه الصحيفة قد خلت من ذكر حديث الغدير الذي بنى عليه الخلاف بين السُنَّة والشيعة وهي لا تُعَدُّ من مدونات الشيعة لأنَّ مذهبهم ظهر بعد قتل الإمام علي ﵁.
أما التدوين الرسمي للسُنَّة فكان في عصر الخليفة عمر بن عبد العزيز ووالده وبأمر منهما إلى جميع البلدان ففي عصرهما جمع ما عند التابعين وهم الذين نقلوا عن الصحابة مباشرة (٢)، وإنْ كان هذا التدوين الرسمي قد حفظ السُنَّة، فإنَّ عصر النبي لم تمتنع فيه الكتابة حيث سار النهي الأول إلى الجواز كما قال الخطابي في " معالم السُنن "،
وهذا يؤكد قول عبد الله بن عمرو: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا. فَأَمْسَكْتُ عَنِ الكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: "اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ "» (٣)
стр. 50
٩ - كِتَابَةُ السُنَّةِ فِي العَصْرِ النَّبَوِيِّ:
لما كان القرآن الكريم مُعجزاً في لفظه ومعناه وقد تحدَّى الله به البشر جميعاً، فإنَّ المستشرقين والمُبشرين الذين تخصَّصُوا في تشويه هذا الدين لم يجرؤوا على الطعن في القرآن.
ولما كان القرآن مُجملاً في أمور والسُنَّة النبوية هي المفصِّلة لهذه الأحكام، فإنَّ الطعن عليها يهدم قواعد هذا الدين، ومن ثم وجدنا بعض المستشرقين يردِّدُ أنَّ الحديث النبوي لم يكتب في عصر الصحابة، وبناء على ذلك فإنَّ أحاديث الآحاد وهي عماد السُنَّة لا يعمل بها في أمور كثيرة لأنَّ الظن قد تطرَّق إلى روايتها، ووجدنا من ردَّدَ هذا من المسلمين ولكن كانت غايته التي أظهرها الدفاع عن السُنَّة (١).
وقد تجاهل المستشرقون ومن قلَّدهم من المسلمين أنَّ كتابة الحديث النبوي بدأت في عصر النبي ﷺ ولكن بطريقة فردية، كما أنَّ النبي اكتفى بحفظ الصحابة للسُنَّة حتى جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز وأمر بالتدوين الرسمي، وكان ذلك في عصر التابعين، أي الطبقة التالية للصحابة والتي نقل أهلها عن صحابة رسول الله مباشرة، وبالتالي دونت السُنَّة النبوية بمعرفة الذين حفظوها عن صحابة النبي مباشرة.
أما كتابة السُنَّة النبوية في عصر النبي فنذكر منها على سبيل المثال:
стр. 51
أولاً - دستور النبي بالمدينة:
عندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وضع لهم قانوناً ودستوراً ينظِّمُ شؤون المسلمين بعضهم ببعض مع غيرهم من سكان يثرب وأهلها ومما جاء به: (١)
١ - أنهم أمَّة من دون الناس.
٢ - المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم (أي يدفعون الديات من باب التكافل) وهم يَفْدُونَ أسيرهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٣ - وأنه من يتبعنا من يهود لهم النصرة والأخوة غير مظلومين ولا نتناحر عليهم.
٤ - وأنه لا يحل لمؤمن اقرَّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أنْ ينصر مُحْدِثاً أو يأويه.
٥ - وأنَّ اليهود يقفون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٦ - وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإنَّ مردّه إلى الله وإلى محمد.
وهذه الصحيفة قد أوضحت أنَّ المسلمين أمَّة واحدة من دون الناس وبالتالي فما ورد في الأحاديث النبوية عن كفر مفارقة الجماعة أو خلع البيعة إنما ينصرف إلى هذه الأمًَّة الواحدة، فمفارقتها ردة عن الإسلام.
وهذه الصحيفة أوجبت على المؤمنين الرجوع إلى الله ورسوله عند الخلاف باعتبارين:
стр. 52
الأول: كونهم أعضاء الجماعة أو الأمَّة المؤمنة. والثاني كونهم من رعايا هذه الدولة. وهذا الاعتبار يشترك فيه اليهود والنصارى ومن هنا كان خضوعهم للقانون الإسلامي.
ثانيًا - كتاب النبي في الصدقات:
كان عند رسول الله ﷺ كتاب في الصدقات ثم أرسله الخليفه أبو بكر لأنس بن مالك وغيره وهو مختوم بخاتم النبي وقد رواه الإمام أحمد في " مسنده " (١). وروى عن ابن الحنفية محمد بن علي بن أبي طالب أنه قال: أرسلني أبي وقال: «خُذْ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان فإنَّ فيه أمر النبي بالصدقة» (٢).
ثالثًا - كتاب سعد بن عبادة:
وكان عند سعد بن عبادة الأنصاري كتاباً فيه بعض أحاديث النبي ﷺ ، وروى الإمام البخاري أنَّ هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى الذي كان يكتب الأحاديث بيده في عصر النبي ﷺ (٣).
رابعًا - كتاب النبي لأهل حضرموت:
كما سلم رسول الله كتاباً لوائل بن حجر ليعمل به أهل حضرموت (٤) فيه أركان الإسلام وتعاليمه وفريضة الزكاة وحد الزنا والخمر.
стр. 53
خامسًا - كتاب النبي لأهل اليمن:
وعندما ولي رسول الله عمرو بن حزم على اليمن أعطاه كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات وغيرها. وقد عرف الكتاب باسم " صحيفة عمرو بن حزم ".
وقد روى أبو داود هذا الكتاب في " سُننه ". وكذا النسائي وابن حبان والبيهقي والحاكم والدارقطني. وقال القاضي أحمد شاكر: إنَّ الكتاب، إسناده صحيح جداً (١).
سادسًا - " الصحيفة الصادقة ":
كما توجد الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص الذي سمح له النبي بكتابة الحديث. وقد عرف سندها في كتب السُنَّة باسم عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والجد هو صاحب الصحيفة الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص، ويرجَّح أنَّ حفيده عمرو بن شعيب كان يروي منها، وقد نقل الإمام أحمد محتواها في " مسنده "، كما نقلت عنها بعض كتب السُنَّة (٢).
وقد وردت شبهة بشأن هذه الصحيفة، فردَّ البعض رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولكن قال الإمام تقي الدين بن تيمية (٣) وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء فيحتجُّون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ونحوها ونقل الشافعي وأحمد وإسحاق مثل ذلك.
стр. 54
سابعاً: صحيفة جابر بن عبد الله:
كما توجد صحيفة الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري وقد ذ كرها ابن سعد في ترجمة مجاهد (١).
ثامناً - الصحيفة الصحيحة:
كما توجد الصحيفة الصحيحة للتابعي همام بن منبه الذي التقى بالصحابي الجليل أبي هريرة ونقل عنه كثيراً من أحاديث النبي، وجمع ذلك في صحيفة. وقد وصلت كاملة إذ عثر عليها الدكتور المُحقِّق محمد حميد الله في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين (٢)، كما نقلها الإمام أحمد كاملة في " مسنده "، ونقل عنها " البخاري " في أبواب مختلفة، والجدير بالذكر أنَّ الصحابي أبا هريرة مات سنة ٥٩ هـ وهو الذي نقلت عنه أحاديث هذه الصحيفة.
١٠ - الحَقِيقَةُ بَيْنَ العِلَّةِ وَالمَعْلُولِ:
إنَّ هذه الصحف ليست وحدها التي اشتملت على ما كتب في عصر النبي وصحابته، بل هي أهم ما دونه هذا العصر، ومع هذا فهي تحوي أموراً كثيرة من أركان الإسلام وفروعه، وقد كتبت قبل الحرب التي نشبت في زمن الإمام عليٍّ، وقد نقل البخاري وغيره عن هذه المدوَّنات، وبالتالي فالتعليل بردِّ السُنَّة لأنها كتب بعد الحروب ويخشى معها أنْ يكذب الذين اقتتلوا فيروُون غير الحق عن النبي علة باطلة، من حيث الشكل، إذ توجد
стр. 55
كتابة وصحف عن النبي قبل الحرب، وباطلة موضوعاً لأنَّ التاريخ كله بل أعداء الإسلام أنفسهم يشهدون أنَّ الحروب لم تؤثر على الأحاديث النبوية، لأنَّ المتحاربين اجتهدوا في تنفيذ حكم الله ولم يكن قتالهم يسقط عدالتهم.
كما أنَّ كتب الشيعة وأهل السُنَّه لا تخرج عن هذا، فبعض الشيعة يقولون عن الصحابه (١) «إنَّ عداوتهم والنيل منهم والقدح فيهم لأجل دينهم أو صحبتهم لرسول الله ﷺ كفر وضلال وخروج عن الإسلام» كما يُعرِّف السُنَّة النبوية بأنها «مجموع ما ورد عن النبي ﷺ وتلقاه عنه أهل بيته والعدول الأمناء من أصحابه من الأحاديث والأخبار من قول أو فعل أو تقرير» (١).
كما أنَّ عقيدة أهل السُنَّة في هذا الشأن أنَّ «الصحابة كلهم عدول من لاَبَسَ الفتن وغيرهم لإجماع من يعتد به» (٢).
فهل يدرك ذلك أصحاب هذه العلة، أم أنَّ زعامتهم وشهرتهم تحول دون رجوعهم إلى الحق وتوبتهم عن هذا ألافتراء على النبي ﷺ وعلى سُنَّته وصحابته!
وهل يجهل الذين يزعمون أنَّ السُنَّة لم تدوَّن إلاَّ بعد عصور الفتن، أنه بالاضافة إلى ما أشرنا إليه أنَّ النبي ﷺ قد أرسل كتباً ورسائل إلى الملوك والرؤساء كما زود رسله إلى قومهم بكتب تضمَّنت الحلال والحرام وأمور الدين وقد جمع أكثرها في مكاتيب الرسول يضم ٣١٦ كتابًا (٣).
стр. 56
السُنَّةُ وَالمُنَافِقُونَ حَدِيثًا:
إنَّ أقواما سخرتهم شياطين الإنس لهدم الإسلام من داخله بوسيلة مكشوفة تتمثل في إظهار التمسك بالقرآن والاكتفاء به لأنَّ السُنَّة ظن إذ لم تُدَوَّن وقد تسرب إليها الضعف خصوصاً سُنَّة الآحاد. وهؤلاء هم المنافقون الذين قال الله فيهم ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
وإذ نحيل القاريء إلى كتاب النفاق والمنافقون للصديق الأستاذ المرحوم حسن عبد الغني حيث فصل أعمال المنافقين وأحصى خصالهم بما لا نجده في كتاب آخر.
فإننا نؤكد أنَّ نفاق هؤلاء , نعرفه من إظهارهم العمل بالقرآن وهم في الحقيقة لا يعملون به، فقد جاء به أنَّ من مهام النبي ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فمن رَدَّ السُنَّة القولية والعملية في هذه الأمور يكون قد رَدَّ القرآن الذي أخبر أنَّ الله قد خول نبيه هذه الصفات والخصائص وأمر بطاعته مع طاعة الله اي العمل بالسُنَّة والقرآن إذ قال الله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
وقد أخبر الله عن هؤلاء فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]. وأخبر أنَّ طاعة الرسول طاعة الله فقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
стр. 57
١١ - مِنْ وَسَائِلِ حِفْظِ السُنَّةِ:
إنَّ حفظ الله تعالى للسُنَّة تجلى في تخصص رجال في تتبع أحوال من رووا عن النبي ﷺ من حيث العدالة والحفظ والضبط، فكان لذلك علم يسمى علم الجرح والتعديل أو علم الحديث رواية، كما تخصَّص هؤلاء أيضاً في بحث موضوع الحديث أي متنه وألفاظه ليتأكدوا من أنه لا يصطدم بالقرآن أو السُنَّة المجمع على صحتهما، بحيث إذا تطرَّق إلى ذلك الشك أعادوا البحث في أحوال الرواة ليتأكدوا من صحة نسبة المتن إلى النبي ﷺ ولما كان الرسول ﷺ هو المُبَيِّنُ لمُجمل القرآن والمُفصل لأحكامه فقد قال الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فقد وجدنا من الفقهاء كابن حزم الأندلسي من يؤكد أنَّ الذكر الذي حفظه الله يشمل القرآن والسُنَّة لأنَّ الله هو الذي تعهَّد بعصمة النبي.
طَرِيقَةُ حِفْظِ السُنَّةِ وَكُتُبِهَا:
ولهذا حفظ أكثر الصحابة الحديث ونقلوه إلى من بعدهم، وهو في هذا ينفِّذون قول النبي ﷺ «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ
стр. 58
هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» ثَلاثٌ لا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، والنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» (١).
وقد حفظ الله السُنَّة بوسائل مختلفة أهمها:
أولاً: كانت السُنَّةُ النبوية تتداول بالحفظ. ولهذا وجدنا الإسناد الذي اختص به علماء الحديث فصنَّفوا رُواة الأحاديث، ومدى اتصال روايتهم إلى الصحابة، ثم إلى رسول الله ﷺ ليميزوا بين ما روى عن الصحابي ولم يرفعه إلى النبي ﷺ ، وعرفوا ذلك بالحديث الموقوف أي موقوف على الصحابي. كما بيَّنُوا ما رفع إلى النبي ﷺ وسمَّوْهُ بالحديث المرفوع. كما تعقَّبُوا الرُواة من حيث العدالة والثقة والحفظ فصنَّفوهم إلى (أوثق الناس) أو (ثقة ثقة) أو (ثقة حافظ) و (ثقة فقط) أو عدل وهكذا إلى مجهول الحال، وليِّنُ الحديث، وضعيف ومجهول ومتروك الحديث، أو متَّهم وكذَّب. ولقد كان من دقَّتهم في ذلك أنْ قال أحمد بن حنبل وأبو بكر الحُميدي (شيخ البخاري) وأبو بكر الصيرفي، وأخرين: «إنَّ من كذب على النبي ﷺ ولو بحُسن نيَّة لا عبرة بتوبته في مجال الرواية، فلو تاب وحسُنتْ توبته لا تقبل روايته»، وقد رأى غيرهم أنَّ قواعد التوبة شرعاً تسمح بقبول رواية التائب، ولكن هؤلاء يحتاطون لأنَّ الأمر يتعلق برواية الحديث النبوي. ومِنْ دقَّتهم أنَّ العدالة لا تتوفر إلاَّ باجتماع أمور كثيرة، أما الجرح فيثبت بشيء واحد أي بقول شخص واحد، لأنَّ الجَرْحَ مُقدَّم على التعديل، فمن وثَّقه أشخاص
стр. 59
ولكن طعن فيه شخص واحد قدم الجرح (أي الطعن) على التعديل (أي على شهادة الأشخاص الذين وثقوا هذا الراوي) وعليه تستبعد روايته.
ثانياً: كما تداولت السنة بالكتابة من بعض الصحابة أوضحناه من قبل ثم من التابعين، ولكنها لم تدوَّن آنذاك رسميا بأمر من النبى اكتفاء بالحفظ، وذلك حتى لا تختلط بالقرآن، لأنَّ القرآن والسُنَّة كانا يكتبان في الحجارة وسعف النخيل والجلد ومن ثم كان الاختلاط آنذاك هو الغالب لو دُوِّنت السُنَّة.
ثالثاً: ثم جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز وهو من طبقة التابعين، أي الطبقة التالية للصحابة والتي حفظت منهم مباشرة، فأمر بتدوين السُنَّة النبوية فقد أخرج أبو نعيم قي " تاريغ أصبهان " (١) أنَّ هذا الخليفة كتب إلى أهل الآفاق أي جميع الولايات والأمصار «انظروا إلى حديث رسول الله فاجمعوه».
رابعاً: لهذا قام عمرو بن حرم والي المدينة فجمع ما عند السيدة عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية (٩٨ هـ) (٢) وما عند القاسم بن محمد بن أبي بكر (١٠٦ هـ).
خامسًا: ثم أكمل هذا الجمع عَلَمٌ من أعلام الحديث النبوي وهو الإمام محمد بن شهاب الزُهري (١٢٤ هـ)، وهو الذي نسب إليه تدوين السنة النبوية.
стр. 60
سادساً: ثم جاء بعده من أتقنوا أداء هذه الأمانة ومنهم:
١ - بمكة ابن جريج (١٥٠ هـ) وابن إسحاق (١٥١ هـ).
٢ - بالمدينة سعيد بن أبي عروبة (١٥٦ هـ) - والربيع بن صُبيح (١٦٠ هـ) والإمام مالك (١٧٩ هـ).
٣ - وبالشام أبو عمر الأوزاعي (١٥٧ هـ) وهُشيم (١٧٣ هـ).
٤ - وبالبصرة حماد بن سلمة (١٦٧ هـ) ومن بعده صَنَّفَ [مسدد] بن مسرهد البصري مسنداً.
٥ - وبالكوفة سفيان الثوري (١٦١ هـ) ومن بعده صَنَّفَ عبيد الله بن موسى العبسي مسنداً وذلك على رأس مائتين.
٦ - وبخراسان - عبد الله بن المبارك.
٧ - وباليمن معمر (١٥٤ هـ).
٨ - وبمصر الليث بن سعد (١٧٥ هـ) كما صَنَّفَ نُعيم بن حماد الخُزاعي مسنداً.
٩ - ثم كانت المسانيد كـ " مسند أحمد " وأبي بكر الحميدي وأبي داود سليمان الطيالسي وأسد الأموي ومسدد الأسدي البصري الموصلي.
١٠ - ثم كان دور الدقة والتخصص في التصحيح فجمع الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (٢٥٦ هـ) الصحيح فحسب طبقاً لقاعدة وضعها وهي اشتراط المعاصرة والسماع ليقبل رواية الشخص عن غيره، وهكذا حتى اتصال ذلك بالنبي ﷺ ، أي يشترط أنْ يكون الراوي معاصراً في الزمن والمكان لمن روى عنه وسمع منه.
стр. 61
١١ - وكان مثله الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٦١ هـ)، ولكنه اكتفى بشرط المعاصرة لأنه يتضمَّنُ السماع، إذ معاصرة الراوي لِمَنْ روى عنه دليل على سماعه منه خصوصاً أنه يروي عنه ويُصَرِّحُ باسم صاحب الرواية.
ثم تتابعت كتب السُنَّة التي جمعت الصحيح وغيره، وقد بيَّن أصحابها درجة الحديث من الصحة والضعف حسب مصطلحات وضعوها وبيَّنُوها فكان ما يأتي:
١٢ - " سُنن أبي داود " المتوفى سنة (٢٧٥ هـ).
١٣ - و " سُنن ابن ماجه " المتوفى سنة (٢٧٣ هـ).
١٤ - و " جامع الترمذي " [المتوفى سنة] (٢٧٣ هـ).
١٥ - و " سنن النسائي " المتوفى سنة (٣٠٣ هـ).
١٦ - ثم جاء بعد هؤلاء من أخذ عنهم ثم استدرك عليهم بالبحث والتمحيص مثل الإمام سليمان الطبراني (٣٦٠ هـ) فوضع " المعاجم الثلاث " مرتَّية حسب الروايات.
١٧ - كما جمع الدارقطني (٣٨٥ هـ) كتاب " السنن ".
١٨ - ومثله ابن حبان (٣٥٤ هـ).
١٩ - وابن خزيمة (٣١١ هـ).
٢٠ - والطحاوي (٣٢١ هـ) (*).
٢١ - ثم كانت بعض الكتب للاستدراك على كتب الصحاح، كما فعل أبو عبد الله الحاكم (٤٠٥ هـ)، فوضع كتابه " المستدرك " فاستدرك على
стр. 62
البخاري ومسلم في أحاديث صحيحة على شرطهما، ولكنها لم يخرجاها في " صحيحيهما "
فاعبترها الحاكم صحيحة على شرط البخاري أو مسلم حسب تحقيقه لتوفر شروط القبول عند كل منهما، كما وَهِمَ الحاكم في بضعة أحاديث عند البخاري ومسلم فظنَّ أنها ليست صحيحة.
٢٢ - وتعقَّب الحافظ ابن حجر الأحاديث التي استدركها الحاكم على البخاري ومسلم وأثبت صحَّتها لأنَّ الحاكم قد وَهِمَ في استدراكه على " الصحيحين ".
٢٣ - كما وضع كتاباً أسماه " القول المُسدَّد في الذب عن المسند " (راجع فيه الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، في الأحاديث الموضوعة حيث أورد أربعة وعشرين في " مسند الإمام أحمد " وعدَّها من الموضوعات، وهي ليست كذلك حسبما أثبته ابن حجر في كتابه هذا.
٢٤ - ومن ذلك التمحيص أنْ وضع السيوطي ذيلاً لهذين الكتابين سمَّاهُ " القول الحسن في الذبِّ عن السُنن " لأنَّ ابن الجوزي حكم على بضعة وعشرين حديثاً من تلك الواردة في " كتب السُنَّة الأربعة " , وضعَّفها قكشف السيوطي أنها صحيحة وأنَّ ابن الجوزي تسرَّعَ في البحث والتصحيح.
٢٥ - وأخيراً فحسب الباحث عن الحقيقة أنْ يجد مُدوَّناتٍ تحتوي على رسائل النبي وكُتُبه إلى الملوك والرؤساء وإلى الأمراء والمبعوثين، ومن هذه المُدوَّنات كتاب " مجموعة الوثائق السياسية " للأستاذ محمد حميد الله (*)، وكتاب " مكاتيب الرسول " للشيخ علي الأحمدي، وقد ضمَّ هذا ثلاثمائة وستة عشر رسالة كل رسالة مصدرها من كتب السُنَّة أو السيرة النبوية.
стр. 63
١٢ - عُلُومُ الحَدِيثِ وَأَهَمِيَّتُهَا:
إنَّ هذا التمحيص الذي للسُنَّة النبوية نشأ عنه ظهور علوم للحديث وهذه نوجزها فيما يلي:
١ - يوجد علم الحديث رواية وهو يتعلَّق بنقل الحديث وتحديد أسانيد روايته وحفظ ألفاظه وتحديد أسماء الرُواة وهذا يسمَّى السند أو سلسلة الرُواة.
٢ - وعلم الحديث دراية وهو يبحث في حقيقة الرواية وشروطها وأحوال الرُواة وشروط قبولهم وأنواع الأحاديث ودرجتها. وهذا العلم يُسَمَّى علم أصول الحديث، وقد تفرَّعتْ عنه علوم هي من علوم الحديث وأخصها:
٣ - علم الجرح والتعديل، وهو علم يبحث في جرح الرْواة واستبعاد روايتههم أو في تعديلهم وقبول الحديث عنهم.
٤ - علم تاريخ الرجال ويبحث في تاريخ الرُواة ونشأتهم وشيوخهم وتلاميذهم ورحلاتهم ومن التقوا بهم ثم عاداتهم وأخلاقهم وأقوال العلماء والعارفين بهم ليمكن الحكم لروايتهم بالثقة فيها أو استبعادها.
٥ - علم مختلف الحديث ويبحث في ظاهرة التعارض كالمُطْلَقِ والمُقَيَّدِ
стр. 64
والعام والخاص، لأنه لا يوجد تعارض بين الأحاديث الصحيحة، وفي هذا قال ابن خزيمة: «لا أعرف أنه روي عن النبي ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضاربين فمن كان عنده فليأتني به» (١).
٦ - علم الناسخ والمنسوخ: وبحث التدرج في أحكام الشريعة بالنسخ في بعض الأحاديث، كأن يرفع الحديث المتأخر حكم الحديث المتقدِّم، وقد يكون هذا صريحًا كحديث: «كُنْت (*) نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا» رواه مسلم. وقد يعرف النسخ بالزمن والتاريخ كحديث: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» وهذا كان في عام الفتح أو في حَجَّة الوداع (٢)، قال الشوكاني ينبغي أنْ يحمل على أنَّ كُلاً من الصوم والإحرام وقع في حالة مستقلة وهذا لا مانع منه (٣).
٧ - علم علل الحديث: ويبحث في الأسباب الغامضة التي تقدَّم في الحديث ما يوجب البحث في مدى صحَّته وانقطاعه وتوثيقه وسنده ومتنه.
٨ - علم غريب الحديث: ويبحث في المعاني الغريبة والألفاظ الغريبة وسببها.
١١ - كتب مصطلح الحديث وعلومه:
إنَّ هذا العلم قد بدأ مع جمع السُنَّة وتمحيصها، فكان أول من اشتهر
стр. 65
في ذلك الإمام علي بن المديني (١) شيخ البخاري:
١ - ثم وضع البخاري كتباً فيه كـ " التاريخ الأوسط " و " الكبير "، ومن أنواع الكتب ما كان خاصاً بالضعفاء والمتروكين، وفي ذلك ألف البخاري والنسائي والدارقطني وابن الجوزي.
٢ - وضع الذهبي كتاب " ميزان الاعتدال ".
٣ - ومنها ما هو خاص بالثقات كـ " كتاب العجلي " المتوفى سنة (٢٦١ هـ) و" كتاب الحافظ قاسم في الثقات " من غير رجال الكتب الستة.
٤ - وقد وضع أبو محمد الرامهرمزي كتاباً مُتخصِّصاً، ولذا قيل إنه أول من ألَّف، والكتاب اسمه " المحدث الفاصل بين الراوي والسامع " وقد توفي سنة (٣٦٠ هـ) قبل أنْ يستوعب كل بحوث هذا العلم.
٥ - وجاء الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى سنة (٤٠٥ هـ) فجمع في ذلك كتابه " معرفة علوم الحديث ".
٦ - ثم فعل مثله أبو نعيم الأصفهاني المتوفى (٤٣٠ هـ).
٧ - ثم جاء الخطيب أبو بكر البغدادي المتوفى سنة (٤٦٣ هـ) فألَّف قواعد وقوانين الرواية في كتاب أسماه " الكفاية ".
٨ - ووضع في آداب وشروط الرواية كتاباً سماه " الجامع لآداب الشيخ والسامع ".
٩ - ثم وضع القاضي عياض المتوفى (٥٤٤ هـ) كتاب " الإلماع ".
١٠ - ثم وضع الشيخ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح كتابه المشهور باسم " مقدمة ابن الصلاح " (مات سنة ٦٤٣ هـ).
стр. 66
١١ - ثم شاع هذا العلم على يد العراقي والسخاوي والنووي والسيوطي وابن كثير وابن حجر والزركشي وغيرهم.
بِدَايَةُ عِلْمِ المُصْطَلَحِ:
ولا يخفى أنه وإنْ كان هذا العلم لم يكتب مستقلاً إلاَّ في عصر الإما المديني شيخ البخاري.
١ - إلاَّ أنَّ من الفقهاء من تناوله في كتب الفقه وأصوله، من ذلك الإمام أبو حنيفة المتوفى سنة (١٥٠ هـ) حيث تضمَّن فقهه قواعد التشدُّد في قبول الأخبر ولا سيما أحاديث الآحاد إنْ خالفت عموم القرآن أو السُنَّة المشهورة كما هو منقول عنه في غير هذا المبحث.
٢ - وأيضاً الإمام مالك بن أنس المتوفى سنة (١٧٩ هـ) قد وضع كتابه " الموطأ " وهو من كتب السُنَّة ومن العلماء من يقدِّمُهُ على " البخاري " و " مسلم " لمكانة الإمام مالك، ولشدَّته في التمحيص ومنهم من ساوى بينهم، ولكن جمهور المحدثين على أنَّ كتاب " الموطأ " دونهما و" البخاري " و " مسلم " في المقدمة.
٣ - وأيضاً الإمام الشافعي المتوفى سنة (٢٠٤ هـ) فقد تناول ذلك في كتابه " الرسالة ".
إنَّ هذا العرض الموجز جداً يُبيِّنُ أنَّ الأحاديث ليست كما يتصوَّرُ المعترضون على السُنَّة النبوية، أو كما يريد بعضنا من الشهرة بنقد الأحاديث بغير علم بأصول النقد ورجاله، أو كما يتصوَّرُ من كانت ثقافته أجنبية عن السُنَّة النبوية، فيستسيغ ردَّ بعض الأحاديث التي لا تتفق مع الأفكار الغربية أو الشرقية دون أدنى جهد وبحث في هذه العلوم للوصول إلى الحقيقة.
стр. 67
١٣ - رَدُّ السُنَّةِ بَيْنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ:
ولقد تأثَّر الأخ الصديق الأستاذ محمد عبد الله السمان بهذا التيار، فكتب «إنَّ مشكلة الأحاديث ما زالت مُعَقَّدَةً لم تحل بعد، ولم يتوفَّر العلماء المخلصون لعلاجها وتصفيتها. ألوف المصنَّفات الدينية القديمة محشوٌّ بالأحاديث المنسوبة إلى رسول الله دون أنْ يتكرَّم واضعوها بالإشارة إلى روايتها، ودون أنْ يتصدَّى العلماء من بعدهم لتخريجها وتصنيفها .. . كثيراً ما تشاهد تناقضاً في أحاديث الرسول الصحيحة المعتمدة تناقضاً في الشكل والجوهر» (١).
ومن الأمثلة التي ذكرها قوله: ما رواه أحمد وغيره أنَّ الرسول قال لعائشة حين سألته عن أولاد المشركين «هُمْ تَبَعٌ لآبَائِهِمْ» ويروي الطبراني أنَّ الرسول قال: «هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ» ويرى الصديق أنَّ هذا من التناقضات التي ذكر أنها كثيرة، دون أنْ يُفَصِّلَهَا ودون أنْ يذكر أسماء الكتب والمُصنَّفات المحشوَّة بالأحاديث المنسوبة إلى الرسول، واكتفى بأنها آلاف ... ؟
وكان الأجدر به وهو الغيور على الإسلام المدافع عنه والمُمْتحن من أجله عدة سنوات أنْ يُبَيِّنَ هذه الكتب إنْ وجدت حقاً، حتى لا يرتاب أحد في المراجع الإسلامية كلها، وأيضاً كان عليه أنْ يتصدَّى للبحث والتخريج لها ولما يعتقده من تناقضات في بعض الأحاديث النبوية، أما أنْ يطلب من غيره
стр. 68
أن بحث في كتب لم يُبَيِّنْهاوتناقضات لا يؤمن بها فذلك غير مقبول، وهو علَّةُ العلل في عصرنا إذ يكتفي كل منا بتوجيه النقد اللاذع دون أنْ يدرك أنه مسؤول أيضاً مثل غيره، تماماً إنْ لم تكن مسؤوليته أشد لأنه علم ما لم يعلم غيره وأقدر عن غير العالم.
أَطْفَالُ المُشْرِكِينَ:
إنَّ أدنى مراجعة لبعض كتب السُنَّة بشأن أطفال المشركين نجد قول النبي ﷺ : «هُمْ تَبَعٌ لآبَائِهِمْ» أو «هُمْ مِنْهُمْ» (١) ورد جواباً على سؤال عن هؤلاء الأطفال عند القتال، وقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان (٢) وكان جوابه: «هُمْ تَبَعٌ لآبَائِهِمْ»، أي لا يمكن وقف القتال لوجود أطفال بين المشركين، أما بعد انتهاء المعركة فقد روى أحمد والنسائي أنَّ النبي قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَاوَلُونَ الذُّرِّيَّةَ؟»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «إنَّ خِيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ، أَلاَ إِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَة تُولَدُ إِلاَّ وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ فَمَا تَزَالُ عَلَيْهَا حَتَى يُبَيِّنُ عَنْهَا لِسَانُهَا» وفي هذا روى مسلم الحديث القدْسيَّ: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ» (*) كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (٣) ولهذا فما قيل عن التعارض هنا ليس صحيحاً (٤).
стр. 69
١٤ - مَتْنُ الحَدِيثِ وَمُشْكِلَةُ الوَضْعِ:
إنَّ الأحاديث النبوية ليست مشكلة، فقد تخصَّص العلماء الأقدمون في تتبع رُواة الأحاديث حتى صنَّفُوا الرواية إلى صحيح وحسن وضعيف وموضوع.
والحديث الموضوع هو المختلق والمنسوب كذباً إلى رسول الله، وتحرم روايته إلاَّ إذا كان الغرض هو التحذير منه. ومن ظنَّ أنه إنْ كان في باب القصص والمواعظ فلا حرج من التساهل فقد ضلَّ وأضلَّ، لأنه من المتواتر عن النبي ﷺ قوله: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».
أمَّا كيف تعرف الصحيح من الموضوع، فتلك صناعة النُقَّادِ في علم الحديث، فيجب الرجوع إلى كتبهم مثل كتاب " الموضوعات من الأحاديث الموفوعات " للحسين بن إبراهيم الهمذاني المتوفى سنة (٥٤٣ هـ)، وكتاب " الضعفاء " لابن حِبَّان، ومثله للعقيلي والأزدي، وكتاب " الموضوعات " للحافظ عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة (٥٩٧ هـ) ويضمُّ كثيراً من الأحاديث الموضوعة في كتاب كبير من مجلدين. وكل ما علينا اليوم من بحث هو أنْ نرجع إلى ما كتبه هؤلاء العلماء الذين وهبوا أنفسهم لخدمة السُنَّة فطهَّرُوها من محاولات التحريف التي قام بها أعداء الإسلام وهذا مُوَضَّحٌ بأخر الفصل.
عَلاَمَاتُ الوَضْعِ:
وعلامات الحديث الموضوع كما اشار إليها هؤلاء العلماء هي:
أولاً: الإقرار وهو سَيِّدُ الأدلَّة، ومثاله ما أقرَّ به ميسرة بن عبسة الفارسي أنه وضع أحاديث في فضائل القرآن، وسبعين حديثاً في فضائل أحد الصحابة، وكما أقرَّ أبو عِصْمَةَ نوح بن أبي مريم المُلَقَّبْ بنوح الجامع،
стр. 70
أنه نسب إلى ابن عباس ﵄، أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة.
ثانيًا: ما ينزل منزلة الإقرار من القرائن في الراوي والمروي، ومثاله ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي قال: كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكُتَّاب يبكي، وقال: ضربني المُعلّمُ، فقال [سعد]: لأُخْزِيَنَّهُم اليوم، حدّثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: «مُعَلِّمُو صبيانك شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين»، فهذا الراوي الكذَّاب مُتَّهَمٌ بالزندقة وأسقط العلماء رواياته.
ثالثًا: كما يعرف الكذب بمعارضة الحديث المروي للمعقول والمعلوم من خصائص النبوَّةِ، ومثال ذلك ما رواهُ ابن الجوزي عن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن جده مرفوعاً بلفظ «إنَّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً وصَلَتْ عند المقام ركعتين». ومثاله أيضاً ما رُويَِ أنَّ جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبي ﷺ سفارج، فأعطى أصحابه واحدة واحدة وأعطى معاوية ثلاثاً وقال: «ألقني بهِنَّ في الجنة». فالوضع في هذا الحديث يتَّضح لمعارضته للحقائق التالية: أنَّ جعفر استشهد في غزوة مؤتة في جمادى الآخرة سَنَةَ ثمان من الهجرة، ومعاوية أسلم بعد ذلك في رمضان من تلك السَنَةِ فلا تعاصر بينهما في عصر الإسلام كما أنَّ معاوية ﵁ ليس من المُبَشَّرين بالجنة.
رابعًا: أنْ يكون الحديث المروي مُعارضاً لدلالة الكتاب والسُنَّة المشهورة واستحال الجمع بينهما ومثال ذلك، ما رُوِيَ عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين أنهما صَلَّيَا في مسجد الرصافة، فقام قاَصٌّ فقال: حدَّثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدَّثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال لا إله إلاَّ الله، خلق الله من كل
стр. 71
كلمة طيراً، منقارهُ من ذهب، وريشه من مرجان»، وأخذ القاص يروي كلاماً نحو من عشرين ورقة. فلما فرغ من قصصه قال له يحيى بن معين مشيراً بيده، فحضر مُتَوَهِّماً عطاء سيأخذه - فقال له يحيى: من حدَّثَكَ بهذا الحديث؟ قال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين - فقال: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد، ما سمعتُ بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: لم أزل أسمع أنَّ يحيى بن معين أحمق، ما تَحَقَّقْتُ هذا إلاَّ الساعة، كأنْ ليس فيها أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما.
خامساً: ركاكة اللفظ والمعنى كحديث «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» (" المنار " لابن القيم الجوزية: ص ٢٥).
سادساً: تناقض المعنى مثل «الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» و «الْبَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» و «لَوْ كَانَ الأَرُزُّ رَجُلا لَكَانَ حَلِيمًا» (" المنار " لابن القيم: ص ١٩، ٢٠).
سابعاً: مخالفة صريح القرآن والسُنَّة الصحيحة مثل «مقدار الدنيا أنها سبعة آلاف سَنَةٍ» (" توضيح الأفكار ": جـ ٢ ص ٩٦).
ثامناً: مخالفة الوقائع التاريخية:
من ذلك ما رُويَ عن أبي وائل قال: «خرج علينا ابن مسعود بصِفِّين» لذلك قال أبو نعيم أتراه بُعِثَ بعد الموت، فإنَّ ابن مسعود توفي قبل صِفِّين سَنَةَ (٣٢ هـ) (١). ومثل حديث: «وضع الجزية عن أهل خيبر، ففيه شهادة سعد بن معاذ الذي توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، كما أنَّ الجزية لم تكن
стр. 72
قد فرضت، حيث وضعها النبي ﷺ على نصارى نجران ويهود اليمن بعد غزوة تبوك» (١).
تاسعاً: اشتمال الحديث على سخافات:
مثل حديث «من اتَّخذ ديكاً أبيض لم يقربه شيطان ولا سِحْرٌ» (٢) وحديث «ثَلاثَةٌ تُزِيدُ فِي البَصَرِ: النَّظَرُ إِلَى الخُضْرَةِ، وَالمَاءِ الجَارِي، وَالوَجْهِ الْحَسَنِ» (٣) وحديث «النَّظَرُ إِلَى الوَجْهِ الجَمِيلِ عِبَادَةٌ» (٤) وأيضاً حديث «عوج بن عنق ففيه (٥) أنَّ طوله كان ثلاثة ألاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثلث، وفيه أنَّ نبي الله نوح - خاف من الغرق وقال لعون بن عنق احملني في قصعتك وأنَّ الطوفان لم يصل إلى كعبه».
١٥ - مَدَى التَّوَقُّفُ فِي مَتْنِ الحَدِيثِ وَطُرُقِ التَّخْرِيجِ:
إنَّ الأصل والقاعدة عند أهل العلم بالسُنَّة أنه إذا كان رُواة الحديث من الثقات وسلموا من الطعن والشك في روايتهم فقد اعتبر الحديث صحيحاً، أي صادراً عن النبي ﷺ حتى لو خالف متنُهُ أي موضوعه أحاديث أخرى صحيحة.
ولكن بعض العلماء يشترط لقبول الحديث أنْ يكون مَتْنُهُ مُوافقاً لسائر الأحاديث في هذا الموضوع ويُعَبِّرُون عن ذلك بشرط خلو الحديث من الشذوذ والعلَّة.
стр. 73
وإذا كان هذا مقبولاً في فترة جمع السُنَّة وتصفيتها بحيث يكون مثل هذا الشذوذ في المعنى سبباً لإعادة البحث في أحوال الرُواة، والتأكد من صِحَّة الحديث.
فلا يجوز في عصرنا أنْ نجلس على الأرائك ونتغنَّى برَدِّ الحديث لأنَّ متنه يُعَدُّ شاذاً في نظرنا عن غيره، لأنَّ الذين جمعوا السُنَّة وتخصَّصُوا فيها قد بيَّنُوا لنا كل ذلك، وكان لديهم من العلم والملكات ما يؤهِّلُهُم لهذه المُهِمَّة، وكانوا يأخذون بذلك فترة الجمع والتمحيص. قال ابن دقيق العيد: «وكثيراً ما يحكمون بذلك - أي بالوضع - باعتبار يرجع إلى المَرْوِيِّ وألفاظ الحديث وحاصله أنها حصلت لهم - بكثرة محاولة ألفاظ النبي ﷺ هيئة نفسية وملكة يعرفون بها ما يجوز أنْ يكون من ألفاظه وما لا يجوز» (١).
لهذا يرى السَّلَفِيُون وغيرهم أنَّ مخالفة الحديث لغيره من الأحاديث ليس شذوذاً ولا عِلَّةً تقدح في صِحَّتِهِ لأنَّ زيادة الثقات هي حكم جديد يجب العمل به، فإنْ تعارضت الزيادة مع حديث آخر صحيح فوجب الترجيح بين الروايتين كأنْ تكون ناسخة لغيرها إنْ تساوت معها في الزمن أو تأخَّرت عنها، ولا يجوز أنْ يقال إنَّ هذا حديث صحيح قد رواه الثقات، ولكن نَرُدَّهُ لأنَّ موضوعه يخالف العقل أو يخالف حديثاً آخر.
غير أنَّ اتصال السند وعدالة الرُواة لم يمنعا علماء الحديث من البحث في السند والمتن إنْ كانت به عِلَّةٌ قادحة ٌ، مثال ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثاً، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (٢). ففي رواية لهذا الحديث نجد زيادة نَصُّهَا: «ثُمَّ لِيَغْتَرِفْ بِيَمِينِهِ مِنْ إِنَائِهِ، ثُمَّ لِيَصُبَّ عَلَى شِمَالِهِ فَلْيَغْسِلْ مَقْعَدَتَهُ».
стр. 74
[زِيَادَةُ الثِّقَاتِ وَالإِدْرَاجِ]: (*)
فهذه الزيادة في المتن رواها الثقات ولكن العلماء النُقَّاد لما وجدوا أنَّ هذه الزيادة ليست هي المحفوظة بحثوا في المتن والسند وانتهوا إلى أنها من كلام الراوي إبراهيم بن طهمان (١) حيث كان يصل شرحه بالحديث فلا يُمَيِّزُهُ المُسْتَمِعُ، فيظنُّ أنه من الحديث وقد يرويه بهذه الزيادة وهذا يُسَمَّى الإدراج.
ومثل حديث: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَ» فهو عن الزُهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وفيه قال أبو حاتم الرازي: «هذا خطأ المتن والإسناد». والإسناد هو الزُهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَلاَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا» (٢). رواه الدارقطني والعقيلي وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي بلفظ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ» (٣).
ومثل حديث: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ». فقد روى الحاكم النيسابوري أنَّ الإمام مسلماً جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: هذا حديث مليح إلاَّ أنه معلول، فهو عن عون بن عبد الله، أي موقوف عليه وليس من قول النبي ﷺ (٤) لذلك يوجد عليم (علل الحديث) ولا يبحث في الصِحَّة والضعف والجرح والتعديل، - إنما قال الحاكم النيسابوري - يبحث في «أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإنَّ حديث المجروح ساقط، وعِلَّة الحديث يكثر في آحاديث الثقات أنْ يُحَدِّثُوا بحديث له عِلَّةٌ فيخفى عليهم علمه» (٥).
стр. 75
وقال ابن الصلاح: إنَّ معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقِّها وأشرفها، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب (١).
طُرُقُ التَّخْرِيجِ:
وخلاصة القول في ذلك أنه إذا وجد الباحث أنَّ متن الحديث فيه ركاكة في اللفظ أو فساد في المعنى أو يخالف صريح القرآن في حدود علمه فإنَّ الواجب عليه أنْ يقوم بتخريج الحديث والوقوف على درجته من حيث الصحة والضعف، ويمكنه التخريج بالطرق الآتية:
[١] التخريج عن طريق الصحابي:
إذا كان اسم الصحابي الذي روى الحديث مذكوراً فيمكن تخريجه عن طريق:
أ - المسانيد: وهي الكتب المُصَنَّفَةُ بأسماء الصحابة كـ " مسند أحمد ".
ب - المعاجم: وهي تُرَتِّبُ الأحاديث بأسماء الصحابة كـ " المعجم الكبير " للطبراني، و " معجم الصحابة " للموصلي أو الهمداني أو كـ " الأوسط " للطبراني.
ج - كتب الأطراف وهي تقتصر على طرق من الحديث، ومنها ما هو مرتَّبٌ على مسانيد الصحابة أو مُرَتَّبَةٌ على الحروف طِبْقاً لأول المتن.
[٢] التخريج عن طريق ألفاظ المتون:
فهذه الكتب تُصَنِّفُ الحديث بأول كلمة من المتن مثل كتاب " الجامع الصغير " للسيوطي، ولهذه الطريقة وضع بعض العلماء فهارس ومفاتح لبعض كتب الحديث.
[٣] التخريج عن طريق موضوع الحديث:
وهذه تشمل المُصَنَّفات الحديثة المرتبة على الأبواب والموضوعات، كالجوامع والمستدركات والسُنن والموطآت.