وأما الإجماع فيقول ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) : (وأما إجماع المسلمين فقد نقل جماعة من الأئمة حملة الشرع الشريف الذين عليهم المدار والمعول في نقل الخلاف والإجماع) (١) .
وأما القياس: فتقاس زيارة قبر نبينا محمد ﷺ على زيارة قبور غيره، بل زيارة قبر النبي ﷺ أولى وأحرى، وأحق وأعلى (٢) .
وأما كراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ قول بعض الناس: زرت قبر النبي، فهذا لهم عليه توجيهات:
منها: أن لفظة (الزيارة) تستعمل في زيارة قبر كل ميت، وكراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) لهذه اللفظة؛ إنما هو لرفعة مكانة النبي ﷺ أن يساوى وغيره بعبارة واحدة، فكراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ إنما هو لأجل أن كلمة أفضل من كلمة.
ومنها: أنه كره لفظة (الزيارة) ؛ لأن الزيارة تكون لوصل المزور ونفعه، وأما في زيارة قبر الرسول ﷺ فلا تقال هذه اللفظة لعدم حاجة الرسول ﷺ لذلك، وإنما الحاجة للزائر في رغبته الثواب من عند الله .
ومنها: أن كراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ لفظة الزيارة؛ لإضافتها إلى القبر، وأنه لو قال: زرنا النبي ﷺ لم يكرهه لقوله ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) . وبه قال القاضي عياض ﵀ (٤) .
стр. 317
ومنها: كراهة مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ لفظة (الزيارة) ؛ لأن الزيارة من شاء فعلها، ومن شاء تركها، وزيارة قبر النبي ﷺ من السنن الواجبة (١) .
ويدّعي المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يحرم شد الرحل إلى زيارة قبر النبي ﷺ وقبر غيره من الأنبياء والصالحين، وأنه قد بلغ الغلو والشطط في هذا الأمر (٢) .
ولذلك يردون عليه، فقد جعل السبكي (ت - ٧٥٦هـ) من شبه الخصم - ابن تيمية - فهمه الخاطئ لحديث شد الرحل فقال (فتوهم الخصم أن في هذا منع السفر للزيارة، وليس كما توهمه) (٣) .
وجعل من شبه الخصم - أيضاً -: كون هذا - أي السفر لزيارة القبر - ليس مشروعاً، وأنه من البدع، التي لم يستحبها أحد من العلماء، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من بعدهم (٤) .
ويذكر هؤلاء تقدير الاستثناء في حديث شد الرحل وأنه يمكن أن يكون التقدير: لفظ (المكان) ويرون أن هذا باطل - بلا خلاف - ولا قائل به؛ لأنه يلزم على هذا التقدير ألا نسافر إلى تجارة أو علم أو خير، وهذا ضرب من الهوس.
ويمكن أن يكون تقدير الاستثناء في الحديث لفظ (قبر) ، وهذا السياق
стр. 318
ظاهر في عدم انتظام الكلام، وغير لائق بالبلاغة النبوية.
ويمكن أن يكون التقدير لفظ (مسجد) ، وهذا التقدير أقرب الاحتمالات الثلاثة (١) ، ويحث هؤلاء على شد الرحل لزيارة القبر ويندبون إليها حتى للنساء، ويرون أنه لا زيارة إلا بسفر.
قال ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) : (وجه شمول الزيارة للسفر أنها تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور كلفظ المجيء الذي نصت عليه الآية الكريمة ... وإذا كانت كل زيارة قربة كان كل سفر إليها قربة.. والقاعدة المتفق عليها أن وسيلة القربة المتوقفة عليها قربة) (٢) .
ولا يكتفون بأن يجعلوها قربة بل هي من أعظم القربات عند الله (٣) .
стр. 319
المطلب الثاني
مناقشة دعوى أن شيخ الإسلام ينهى عن زيارة القبور
تتميز هذه الدعوى (مسألة شد الرحل) بالذات، والدعوى التي تليها (مسألة التوسل) ، عن غيرها من المسائل المنتقدة على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأمر مما يجعلها أكثر إثارة، وأوسع نقاشاً مع الخصم، ألا وهو: أن بداية الانتقاد على ابن تيمية ﵀ من قبل مناوئيه كان في حياته، فعُقدت جلسات، وقامت مناظرات بينه وبين خصومه، بل وأُلفت الكتب في الرد على ابن تيمية ﵀ في حياته، مما جعله يؤلف ردوداً عليها تبين وجه الحق في المسألة، والمسائل الملتبسة على الخصم وعلى العامة حتى يتضح الحق ويحيا من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، فألف (الرد على الأخنائي) وألف (الرد على البكري) ، إضافة إلى كتب ورسائل أخرى تبين قوله في الموضوع.
وقد بين ﵀ أن لفظ (الزيارة) لفظ مجمل يدخل فيها الزيارة الشرعية والزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك، بل صار في عرف كثير من الناس إذا أطلق لفظ زيارة قبور الأنبياء والصالحين إنما يفهم منه الزيارة البدعية.
وإذا كان اللفظ مجملاً يحتمل الحق والباطل عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه كلفظ السلام عليه. (١)
وقد ذكر ﵀ الخلاف الدائر بين السلف في شرعية زيارة القبور.
فقال طائفة من السلف: إن زيارة القبور محرمة مطلقاً، وأن النهي عن الزيارة لم ينسخ، فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀ ولم
стр. 320
تشتهر، ولما ذكر البخاري (ت - ٢٥٦هـ) ﵀ زيارة القبور احتج بحديث المرأة التي بكت عند القبر.
ومنهم من لا يستحبها، ومنهم من يكرهها مطلقاً، كما نقل عن النخعي (١) ،
والشعبي (ت - ١٠٤هـ) وابن سيرين (٢) ، وهؤلاء من أجلة التابعين.
ونقل ابن بطال (٣) عن الشعبي (ت - ١٠٤هـ) أنه قال: (لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابني) (٤) .
وقال النخعي (ت - ٩٦هـ) ﵀ (كانوا يكرهون زيارة القبور) (٥) .
ولا خلاف بين المسلمين أن النبي ﷺ قد نهى عن زيارة القبور، وقيل في سبب ذلك: لأن ذلك يفضي إلى الشرك، وقيل: لأجل النياحة عندها، وقيل: لأنهم كانوا يتفاخرون بها، كما ذكر طائفة من العلماء في قول الله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى (٦) .
стр. 321
لكن اختلف العلماء بعد ذلك: هل نسخ هذا التحريم أم لا؟
فقيل لم ينسخ - كما سبق -، وقال آخرون: بل نسخ ذلك، واختلف هؤلاء هل نسخ إلى الندب أم إلى الإباحة؟
فقال قوم: إنما نسخ إلى الإباحة، وقال قوم: نسخ إلى الاستحباب (١) .
وبين أن الأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار:
فالزيارة إذا تضمنت أمراً محرماً من شرك أو كذب أو ندب أو نياحة: فهذه زيارة محرمة.
وأما إن كانت الزيارة لمجرد الحزن على الميت، لقرابته أو صداقته: فهي مباحة، وهذا كزيارة قبر الكافر فرخص فيها؛ لأجل تذكر الآخرة، لا للدعاء له والاستغفار له.
قال الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: «استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (٢) .
وأما إن كانت الزيارة لقبور المؤمنين للدعاء للموتى كالصلاة على الجنازة: فهذا مستحب قد دلت السنة عليه (٣) .
ويقسم ابن تيمية ﵀ الزيارة - في مواضع أخرى - إلى قسمين؛ زيارة شرعية، وزيارة بدعية، ومرد هذا الاختلاف إنما هو التنوع في التقسيم
стр. 322
والعرض، حسب حاجة المخاطب (١) .
وبهذا يتبين أن ابن تيمية ﵀ لم يحرم زيارة القبور مطلقاً، بل فرق بين الزيارة المحرمة، والزيارة المباحة، والزيارة المستحبة.
وأما زيارة قبر الرسول ﷺ الزيارة الشرعية فهي ما يفعله علماء المسلمين (يصلون في مسجده ﷺ ، ويسلمون عليه في الدخول للمسجد، وفي الصلاة، وهذا مشروع باتفاق المسلمين) (٢) .
وزيارة قبر النبي ﷺ ليست واجبة باتفاق المسلمين، ولم يرد في الكتاب والسنة أمر بزيارة قبر النبي ﷺ على وجه الخصوص، وإنما الأمر الموجود في الكتاب والسنة: الصلاة والتسليم عليه، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً (٣) ، فزيارة قبره مستحبة كزيارة قبور غيره.
وقد اتفق العلماء على أن أهل المدينة لا يزورون القبر النبوي كلما دخلوا المسجد أو خرجوا منه، لا للدعاء ولا لغيره، بل كانوا يأتون المسجد، وهم في كل صلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، أو في مسجد غيره يقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويصلون عليه ويسألون الله له الوسيلة إذا سمعوا الأذان.
وأما حكم إتيان أهل المدينة قبر الرسول ﷺ إذا قدموا من سفر، أو غير أهل المدينة إذا قدموا من سفر، فهذا فيه قولان:
القول الأول: الجواز لفعل ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ فتابعه جماعة، وإن لم يكن هذا من السنن المشهورة، إذ لم يأمرهم الرسول ﷺ بذلك، كما أمرهم أن يسلموا عليه في الصلاة.
стр. 323
والقول الثاني: المنع من إتيان القبر، والاكتفاء بالصلاة والسلام عليه في المسجد (١) .
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ الخلاف بين أهل العلم حين السلام على الرسول ﷺ عند القبر، وعلى صاحبيه، هل يستقبل القبر، أم يستقبل القبلة؟
فقال الأئمة الثلاثة مالك (ت - ١٧٩هـ) ، والشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ، وأحمد (ت - ٢٤١هـ) ، ﵏ إنه يستقبل القبر، ويستدبر القبلة، فيسلم على الرسول ﷺ من تلقاء وجهه، ثم ينحرف قليلاً فيسلم على أبي بكر (ت - ١٣هـ) ثم ينحرف قليلاً ويسلم على عمر (ت - ٢٣هـ) ﵄، وهذا فعل أكثر الصحابة.
وأما مذهب أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) ﵀ فإن المسلم على الرسول ﷺ يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره (٢) .
وأما وقت الدعاء فإنه يستقبل القبلة اتفاقاً، وكان مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ من أعظم الأئمة كراهية لذلك.
وأما الحكاية التي تذكر عنه أنه قال للمنصور (٣) لما سأله عن استقبال الحجرة بالدعاء فأمره بذلك، وقال: (هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم) ، فهذه كما يذكر ابن تيمية ﵀ كذب على مالك ليس لها إسناد معروف، وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه (٤) .
وأما قصد القبر ليدعو الزائر لنفسه، فهذا بدعة، لم يكن أحد من الصحابة يقف عند قبر الرسول ﷺ ليدعو لنفسه.
стр. 324
قال ابن تيمية ﵀ (لم يكن أحد من الصحابة يقصد شيئاً من القبور، لا قبور الأنبياء ولا غيرهم، لا يصلي عنده، ويدعو عنده، ولا يقصده لأجل الدعاء عنده، ولا يقولون إن الدعاء عنده أفضل، ولا الدعاء عند شيء من القبور مستجاب) (١) .
ويتعجب ﵀ من كثير من الناس وقد نهي عن الصلاة عندها وإليها، كما قال ﷺ : «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (٢) ، ثم هو يقصد الدعاء عندها، فهل يقول مسلم عاقل: إن مكاناً نهينا أن نعبد الله فيه بالصلاة لله يكون الدعاء فيه مستجاباً (٣) .
وهل يجوز التمسح بالقبر وتقبيله وتمريغ الخد عليه؟
أجاب ﵀ بأن هذا منهي عنه باتفاق المسلمين، وليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها. إلا الحجر الأسود، لما ثبت في الصحيحين أن عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ قال: (والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك) (٤) .
وأما الاستلام فلا يستلم إلا الركنان اليمانيان، فمن زار قبر النبي ﷺ فإنه لا يستلمه، ولا يقبله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
وكل هذا لأجل المحافظة على التوحيد، وحماية جنابه؛ لأن من أصول الشرك اتخاذ القبور مساجد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح: ٢٣] .
وبهذا يتبين أن شيخ الإسلام ﵀ لم ينه عن الزيارة الشرعية للقبور
стр. 325
مطلقاً، أو قبر الرسول ﷺ ، وإنما نهى عن الزيارة غير الشرعية وهي ما ينهى عنه الإسلام، وقد أنصفه ابن عابدين (١)
في قوله: (وما نسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنه يقول بالنهي عنها - أي زيارة قبر الرسول ﷺ ، فقد قال بعض العلماء: إنه لا أصل له، وإنما يقول بالنهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاث (٢) ، أما نفس الزيارة فلا يخالف فيه لزيارة سائر القبور) (٣) .
وأما احتجاج مثبتة الزيارة البدعية بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٦٤] ، وأن ذلك يدل عليها، فقد رد ابن تيمية ﵀ عليهم مبيناً المعنى الصحيح للآية بقوله:
(دعاهم - سبحانه - بعدما فعلوه من النفاق إلى التوبة وهذا من كمال رحمته بعباده، يأمرهم قبل المعصية بالطاعة، وبعد المعصية بالاستغفار، وهو رحيم بهم في كلا الأمرين.. وقوله (جاءوك) : المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه.
وأما في مغيبه ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه، والرد إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة.
وكذلك المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره به ...
وأما مجيء الإنسان إلى الرسول ﷺ عند قبره، وقوله: استغفر لي، أوسل لي ربك ... فهذا لا أصل له، ولم يأمر الله بذلك، ولا فعله واحد من
стр. 326
سلف الأمة المعروفين في القرون الثلاثة، ولا كان ذلك معروفاً بينهم ... ) (١) ، فليس في الآية أمر بزيارة قبره ﷺ ولا شد الرحل إليه.
وأما الأحاديث التي تحث على زيارة قبر النبي ﷺ بخصوصه، فليس فيها حديث واحد صحيح، بل هي إما من الموضوع، أو من الحديث الضعيف الذي لا يصح الاحتجاج به، ولا العمل به.
فأما الحديث الأول الذي ذكروه في فضل الزيارة وهو: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» ، فهذا رواه الدارقطني (٢) ﵀ في سننه (٣) ، من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبد الله بن عمر العمري.
وموسى بن هلال: قال عنه أبو حاتم (ت - ٢٧٧) ﵀: مجهول (٤) .
وقال العقيلي (٥) : لا يتابع على حديثه (٦) .
وقال ابن عدي (٧) : أرجو أنه لا بأس به (٨) .
стр. 327
وقال الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) : صالح الحديث (١) ، لكن الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ أنكر عليه هذا الحديث (٢) .
ورواه موسى بن هلال عن عبد الله بن عمر العمري، خلافاً لمن قال إنه: عبيد الله بن عمر العمري، فالمكبر ضعيف، وأما أخوه عبيد الله المصغر فثقة ثبت.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ على من قال بأن الحديث من رواية عبيد الله الكبير المصغر الثقة، لا من رواية عبد الله الصغير المكبر المضعف، بأن أحد الأسانيد فيه التصريح بالكنية بأبي عبد الرحمن، وهي كنية الصغير المكبر المضعف فقال:
(فذكره هذا - أي الكنية بأبي عبد الرحمن - قاطع للنزاع من أنه عن المكبر لا عن المصغر، فإن المكبر هو الذي يكنى بأبي عبد الرحمن) (٣) .
وبهذا يتبين أن الحديث ضعيف كما قال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀:
(وهو مع هذا حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث منكر عند أئمة هذا الشأن، ضعيف الإسناد عندهم لا يقوم بمثله حجة، ولا يعتمد على مثله عند الاحتجاج إلا الضعفاء في هذا العلم) (٤) .
وأما الحديث الثاني وهو: (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي) .
فهذا رواه البيهقي (٥)
في سننه (٦) ، والدارقطني (ت - ٣٨٥هـ) في سننه (٧) ومدار الحديث على حفص بن سليمان:
стр. 328
وهذا قال عنه البخاري (ت - ٢٥٦هـ) : تركوه (١) .
وقال ابن حبان (٢) في المجروحين: (كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها، ويرويها من غير سماع، وقال ابن معين ﵀ ليس بثقة) (٣) .
وقال ابن أبي حاتم (ت - ٣٢٧هـ) ﵀: (ضعيف الحديث) (٤) .
وقال ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) ﵀: (وعامة حديثه عن من روى عنهم غير محفوظة) (٥) .
والخلاصة قول ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ (متروك الحديث مع إمامته في القراءة) (٦) .
وفي سنده - أيضاً -: ليث بن أبي سليم: وهو ضعيف متروك الحديث - أيضاً - كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ في تقريب التهذيب (٧) .
قال ابن تيمية ﵀ (وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا، دون قراءته) (٨) .
وأما الحديث الثالث وهو: (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) .
стр. 329
فهذا ذكره ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) في ترجمة النعمان بن شبل (١) .
قال عنه ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ) : بعد أن ذكر أنه يروي عن مالك: (يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات) (٢) .
وقال الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) عن هذا الحديث: إنه (موضوع) (٣) .
وعده جماعة من أهل العلم في عداد الموضوعات (٤) .
قال ابن تيمية ﵀ عن هذا الحديث: (لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، بل هو موضوع على رسول الله ﷺ ، ومعناه مخالف الإجماع، فإن جفاه (٥) الرسول ﷺ من الكبائر، بل هو كفر ونفاق ... وأما زيارته فليست واجبة باتفاق المسلمين) . (٦)
وأما حديث (من زار قبري أو من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً) .
فهذا رواه البيهقي (ت - ٤٥٨هـ) في سننه (٧) ، وقال بعد ذكر الحديث:
(هذا إسناد مجهول) (٨) ؛ لأن في سنده رجلاً من آل عمر.
وأما سوار بن ميمون راوي الحديث عن (رجل من آل عمر) فقال عنه ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) (شيخ مجهول الحال قليل الرواية، بل لا يعرف له رواية إلا هذا الحديث الضعيف المضطرب) (٩) .
ثم ذكر اختلاف الرواة في اسمه هل هو سوار أو ميمون ثم قال:
стр. 330
(والله أعلم هل كان اسمه سواراً أو ميموناً، فكيف يحسن الاحتجاج بخبر منقطع مضطرب نقلته غير معروفين، ورواته في عداد المجهولين) (١) .
وفي أحد أسانيد الحديث: هارون بن قزعة.
قال عنه الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) (هارون بن قزعة المدني عن رجل في زيارة قبر النبي ﷺ . قال البخاري: لا يتابع عليه) (٢) .
وذكر ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) كلام البخاري (ت - ٢٥٦هـ) عنه السابق ولم يعلق عليه (٣) ، مما يفيد أنه ارتضى هذا الحكم.
وقال الأزدي (٤) : متروك.
وقد ذكر الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) كلام الأزدي (ت - ٤٠٩هـ) هذا في ترجمة هارون بن قزعة، بعد قول الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) عنه (لا يعرف) (٥) .
لكن الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) تعقب الإمام الذهبي في إيراده كلام الأزدي (ت - ٤٠٩هـ) في الذي لا يعرف وقال: (والذي أراد الأزدي هو الأول) (٦) أي هارون بن قزعة، وقد بين ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ ضعف الحديث، وأن سبب هذا الضعف أمور متعددة وهي: (الاضطراب والاختلاف والانقطاع والجهالة والإبهام) (٧) .
وعلى كل حال: فليس في أحاديث فضل الزيارة حديث واحد صحيح، بل كلها إما ضعيفة، وإما موضوعة، كما قال ابن تيمية ﵀:
стр. 331
وليس في زيارة قبر النبي ﷺ حديث حسن، ولا صحيح، ولا روى أهل السنن المعروفة، كسنن أبي داود، والنسائي (١) وابن ماجه (٢) ، والترمذي (٣) ، ولا أهل المسانيد المعروفة كمسند أحمد ونحوه، ولا أهل المصنفات كموطأ مالك وغيره في ذلك شيئاً، بل عامة ما يروى في ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة) (٤) .
وأما حكاية الإجماع على استحباب الزيارة، وأن شيخ الإسلام لا يراها.
فقد أجاب شيخ الإسلام ﵀ بأكثر من أربعين وجهاً على هذه الحكاية للإجماع، وعلى زعمهم أنه يخالف الإجماع فيها: فذكر أنه لم يقل بخلاف الإجماع مطلقاً، وإنما مقصود المخالفين بلفظ (الزيارة) : الزيارة التي تستلزم السفر وشد الرحل، فهناك فرق بين زيارة القبور، وبين السفر لزيارة القبور، أما الأول فهو مستحب على قول الجمهور، وأما الثاني فلم يقل به الأئمة المجتهدون.
стр. 332
وأما جعل جنس الزيارة مستحباً بالإجماع فهذا باطل؛ لأنهم لم يفرقوا ويفصلوا بين المشروع والمحرم، فالزيارة بعضها مشروع، وبعضها محرم بالإجماع، والمخالفون لابن تيمية ﵀ أنكروا هذا التفصيل، وهذا مخالف للإجماع، والحكم به باطل بالإجماع.
وأما حكاية الإجماع على جواز السفر لزيارة القبر فهذا ليس بصحيح، بل فيه نزاع مشهور، ودعوى الإجماع باطلة ما لم تثبت بنقل صحيح، وبتتبع واستقراء لأقوال العلماء المجتهدين.
وإذا كان هذا الأمر لا إجماع فيه فهو مما تنازع فيه العلماء، وما تنازع فيه العلماء يجب رده إلى الله والرسول إجماعاً، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] .
وأيضاً: فإن الأمور المتنازع فيها بين العلماء المجتهدين لا يصح لأحد من القضاة أن يفصل النزاع فيها بحكم، وقوله كقول آحاد العلماء إن كان عالماً، وأما إن كان مقلداً كان بمنزلة العامة المقلدين (١) .
وأما الاحتجاج بالقياس على جواز زيارة قبر النبي ﷺ بجواز زيارة قبر غيره، فهذا لا ينكره أحد، حتى ابن تيمية ﵀ لم يحرم زيارة قبر النبي ﷺ لمن كان في مسجد رسول الله ﷺ ، ومن نقل عنه خلاف ذلك فهو باطل، والحكم المرتب على النقل الباطل باطل بالإجماع (٢) .
وأما تخريجات المناوئين لابن تيمية كراهة الإمام مالك (ت - ١٧٩هـ) لفظة (الزيارة) في قول الناس: زرت قبر النبي ﷺ ، فقد ذكر ابن تيمية تخريجات الناس لهذه الكراهة (٣) .
ورجح ثلاثة احتمالات:
стр. 333
الأول: أن قبر النبي ﷺ لم يرد في فضل زيارته أحاديث مخصوصة، أو سنة متبعة (١) .
الثاني: أن لفظ (الزيارة) صار في عرف الناس يحتمل الزيارة الشرعية، والزيارة المحرمة، فلا يصح الإطلاق لهذا اللفظ، وهذا محتمل لمعنى حق وآخر باطل (٢) .
الثالث: أن زيارة قبر الرسول ﷺ ليست في مقدور أحد، فهو داخل الحجرة، وإن ما يفعله الناس هو السلام عليه، فما بقي أحد يمكنه أن يزور قبره كما تزار سائر القبور، وإنما يمكن دخول مسجده، وهذا هو الذي يعنيه الناس بزيارة قبره، وهي تسمية غير متطابقة.
وقال ابن تيمية ﵀ عن هذا التخريج: (وهذا من أحسن ما يعلل به كراهة من كره أن يقال زرت قبره) (٣) .
وأما إذا أتى بلفظ (السلام) على رسول الله ﷺ فهذا لا يكره بالاتفاق (٤)
وأما حديث شد الرحل: فقد توقف عنده ابن تيمية ﵀ طويلاً مبيناً الكثير من جزئياته، حتى لا يلتبس كلامه، ولا يفهمه المخالف على غير ما أراده ﵀.
فبين أن السفر إلى المساجد الثلاثة مشروع بنص هذا الحديث، قال ﵀:
(وقد اتفق أئمة الدين على أنه يشرع السفر إلى المساجد الثلاثة: المسجد
стр. 334
الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، والمسجد الأقصى) (١) ، وذكر أن هذا هو فعل الصحابة - رضوان الله عليهم - (٢) .
ومشروعية السفر إلى المساجد الثلاثة ليست للوجوب إنما هي للندب والاستحباب، فلم يقل أحد: إن السفر إلى المسجد النبوي أو المسجد الأقصى واجب، مع أن النبي ﷺ قد شرع السفر إليهما (٣) .
والمساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام كالصلاة إليه دون غيره، والطواف ونحوه، وأما المسجد النبوي، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات فإنه يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر، ولا يشرع فيهما جنس لا يشرع في غيرهما، لكنهما أفضل من غيرهما، فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما (٤) .
وفضيلة المسجد النبوي ليس لأجل مجاورته القبر، بل هي ثابتة له في حياة الرسول ﷺ قبل أن يدفن في حجرة عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ وكذلك هي ثابتة بعد موته، كما أن المسجد الحرام مفضل لا لأجل قبره وكذلك المسجد الأقصى، فكيف لا يكون مسجد الرسول ﷺ مفضلاً لا لأجل القبر.
قال ﵀: (فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر، أو أنه إنما يستحب السفر إليه؛ لأجل القبر فهو جاهل مفرط في الجهل، مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم من سنة سيد المرسلين ﷺ ، وهذا تنقص بالرسول وبقوله ودينه، مكذب له فيما قاله، مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه) (٥) .
وأما السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة فغير مشروع اتفاقاً، وحرمه الجمهور، مع أن المساجد أحب البقاع إلى الله، كما ثبت في الحديث
стр. 335
الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها» (١) .
وقد ذكر ﵀ الخلاف في حكم السفر إلى زيارة القبر، وأن للعلماء فيه قولين مع أن النزاع مرجوح ضعيف في هذه المسألة، فمن قائل: إنه معصية وهو قول الجمهور، ومن قائل: إنه ليس بمحرم، لكن لا فضيلة فيه، وليس بمستحب، فهو مباح، ولم يقل أحد باستحباب السفر إلى زيارة القبر، ومن قال به فهو مخالف للإجماع (٢) .
وهذا يجعلنا نفهم مراد العلماء الذين استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا محمد ﷺ ، فإن مرادهم بالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، وليس إلى قبره؛ لأن السفر إلى مسجده هو المشروع باتفاق المسلمين سلفهم وخلفهم، أما السفر إلى قبره - فكما ذكر آنفاً - أنه لم يقل أحد باستحبابه (٣) .
وأما أصل زيارة القبور فلم يحرم ابن تيمية زيارتها، بل يرى الاستحباب - كما هو قول الجمهور - ومع ذلك فقد قال بعدم نسخ المنع من زيارة القبور بعض أئمة التابعين كالنخعي (ت - ٩٦هـ) ، والشعبي (ت - ١٠٤هـ) وابن سيرين (ت - ١١٠هـ) ﵏ جميعاً - (٤) .
ولذا فإن ابن تيمية ﵀ يفرق بين الزيارة الشرعية المستحبة، وبين السفر لزيارة القبر، فالأول مشروع اتفاقاً، وأما الثاني فغير مشروع (٥) ، فلم يكن أحد
стр. 336
من الصحابة والتابعين يسافر إلى قبر، لا قبر نبي ولا غيره، بل كان عامتهم يأتون المدينة النبوية، ويصلون في مسجده ﷺ ، ويسلمون عليه في الصلاة، ويرون ذلك هو غاية المطلوب (١) وأما حديث (لا تشد الرحال) ، فهل المقصود به النهي، أو النفي فقط؟
فقد ذكر ﵀ أنه لم يعرف نزاع بين السلف من الصحابة، والتابعين والأئمة أن مراد هذا الحديث هو النهي عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة.
وقد جاء الحديث بصيغة النهي كما ورد عن أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشدوا الرحال» (٢) .
وقد أجاب ﵀ على من قال بأن النفي في الحديث محمول على نفي الاستحباب بثلاثة أوجه:
الأول: أن هذا التخريج تسليم من قائله أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة، ولا هو من الحسنات، ومن سافر لاعتقاده أن هذا السفر طاعة فإن ذلك محرم بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحداً لا يسافر إليها إلا لذلك.
وأما إذا قدر شد الرحل إليها لغرض مباح فهذا جائز من هذا الباب.
الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم.
الثالث: يكدر على تخريجهم النفي في الحديث على نفي الاستحباب، ما رواه أبو سعيد (ت - ٧٤هـ) - في الحديث السابق - عن رسول الله ﷺ قوله: «لا تشدوا الرحال» (٣) .
وهو نهي صريح منه ﷺ لأمته عن شد الرحل لغير المساجد الثلاثة (٤) .
стр. 337
ويرجح ﵀ في تقدير الاستثناء المفرغ في الحديث لفظ (مكان) فيكون معنى الحديث:
لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى ثلاثة مساجد، ومن ظن أن هذا التخريج يلزم منه النهي عن السفر لطلب علم أو تجارة أو غير ذلك، فهو ظن خاطئ، ولا يلزم من ذلك التقدير هذا اللازم، قال ﵀:
(أما السفر لتجارة، أو جهاد، أو طلب علم، أو زيارة أخ في الله، أو صلة رحم، أو نحو ذلك، فإنها لم تدخل في الحديث؛ لأن تلك لا يقصد فيها مكان معين، بل المقصود ذلك المطلوب حيث كان صاحبه، ولهذا لم يفهم أحد من هذا هذه الأمور) (١) .
وأجاب ﵀ عن الشبهة القائلة بأن زيارة قبر النبي ﷺ ميتاً، كزيارته في حياته، وقد استدل أصحابها بحديث الذي سافر لزيارة أخ له في الله وهو قول الرسول ﷺ : «إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها (٢) ، قال: لا غير أني أحببته في الله ، فقال: فإني رسول الله إليك، فإن الله أحبك كما أحببته فيه» (٣) .
وبين ﵀ أن زيارة الأخ في الله الحي - كما في الحديث - نظير زيارة النبي ﷺ في حياته، وذلك بزيارة أصحاب النبي ﷺ له حال حياته.
وأما قياس زيارة القبر كزيارته حياً فهذا لم يقل به أحد من علماء المسلمين، وهذا من أفسد القياس، فمن المعلوم أن من زار الحي حصل له بمشاهدته، وسماع كلامه، ومخاطبته، وسؤاله، وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه.
стр. 338
وليس رؤية القبر أو ظاهر جدار الحجرة بمنزلة رؤية الرسول ﷺ ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا لكان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه ﷺ ، وهذا من أبطل الباطل.
وأما السفر إلى الرسول ﷺ في حياته فهو:
إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة كالسفر قبل الفتح، فيكون المسافر إليه مسافر للمقام عنده بالمدينة، وهذا السفر انقطع بفتح مكة لقوله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» (١) .
وإما أن يكون المسافر إليه وافداً إليه ليسلم عليه، ويتعلم منه ما يبلغه قومه كالوفود الذين كانوا يفدون إليه ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة، وقد أوصى ﷺ في مرضه قبل أن يموت بثلاث فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم» (٢) ، وكان السفر إليه في حياته لتعلم الدين، ولمشاهدته وسماع كلامه ﷺ .
ومعلوم أنه ﷺ لو كان حياً في المسجد لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، وأما قصد القبر بالسفر: فليس عند قبره ﷺ مصلحة من مصالح الدين، وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع، فلا ينبغي أن يكون المسافر للزيارة غير معظم للرسول ﷺ التعظيم التام، والمحبة التامة إلا عند قبره، بل هو مأمور بهذا في كل مكان، فكانت زيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر لمجرده مفسدة راجحة لا
стр. 339
مصلحة فيها بخلاف السفر إلى مسجده فإنه مصلحة راجحة، ومن شبه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه (١) .
وأما دعوى أن الزيارة إذا كانت جائزة أو قربة، فالوسيلة إليها جائزة أو قربة، فهذه دعوى باطلة، فليس كل ما كان جائزاً، أو مستحباً، أو واجباً جاز التوسل إليه بكل طريق، بل هذا الطريق يكون في المحرم المنهي عنه فقط، فكل ما كان منهياً عنه كان التوسل إليه محرماً.
وأما ما كان مأموراً به فلا بد أن يكون له طريق، لكن لا يجوز أن يتوسل إليه بكل طريق، بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله - مثل الفواحش والبغي والشرك به والقول عليه بغير علم - لم يجز ذلك.
وإتيان المساجد للجمعة والجماعة من أفضل القربات، وقد قال ﵊: «صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة» (٢) .
ولو أراد مع هذا أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة ليصلي هناك جمعة أو جماعة لم يكن هذا مشروعاً، بل هو محرم عند جمهور العلماء.
وكون الرحلة إلى القربة معصية كثير في الشريعة كالرحلة للصلاة والاعتكاف في غير المساجد الثلاثة، وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بدون إذن الزوج كحج التطوع، وكذلك لو رحل العبد إلى الحج بدون إذن سيده، وكذلك لو رحلت المرأة بغير زوج ولا ذي محرم لأمر مشروع غير واجب، وكذا لو أراد أن يسافر إلى الحج لكن الطريق يحصل فيه ضرر في دينه أو عرضه أو ماله.
وكذلك من طولب بقضاء دين لزمه قضاؤه لم يكن له أن يسافر بالمال
стр. 340
الذي يجب صرفه في قضاء دينه، وهذا كثير في الشريعة أن يكون العمل في أصله مشروعاً، لكن الطريق إليه والوسيلة غير مشروعة (١) .
وبعد هذا تبين لنا أن شيخ الإسلام ﵀ متابع لمن قبله من السلف والأئمة، يجيز زيارة القبور الزيارة الشرعية - بما فيها قبر الرسول ﷺ ، وينهى عن الزيارة غير الشرعية، ويرى حرمة شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة، وأنه لا صحة لما لفّقه أعداؤه عليه، وما لبسوا فيه من الحق بالباطل على عامة الناس، ولهذا قيل في الرد عليهم:
وما نسبتم إليه عند ذكركم ... ترك الزيارة أمرٌ لا يقول به
فقد أجابكم عن ذا بأجوبة ... أزال فيها صدى الإشكال والشبه
وقد تبين هذا في مناسكه ... لكل ذي فطنة في القول معربه
رميتموه ببهتان يشان به ... فالله ينصفه ممن رماه به
وفي الجواب أمور من تدبرها ... سقى الأنام بها من صفو مشربه
ولم يكن مانعاً نفس الزيارة بل ... شد الرحال إليها فادر وانتبه
تمسكاً بصحيح النقل متبعاً ... خير القرون أولي التحقيق والنَّبه
مع الأئمة أهل الحق كلهم ... قالوا كما قال قولاً غير مشتبه
وقد علمت يقيناً حين وافقه ... أهل العراق على فتياه فافت به (٢)
стр. 341
المبحث الثالث
دعوى أن شيخ الإسلام ينتقص من منزلة الرسول ﷺ ومناقشتها
المطلب الأول
دعوى أن شيخ الإسلام ينتقص من منزلة الرسول ﷺ ومناقشتها
يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه ينتقص من منزلة الرسول ﷺ ولا يعظمه حق تعظيمه، ولا يحله المنزلة التي يرضاها الله له والمؤمنون، فقالوا عنه: إنه يزدري النبي ﷺ (١) .
وقالوا عنه: إنه في قلبه ضغينة على الرسول ﷺ (٢) .
ويرون أن مقلدة ابن تيمية (قد اعتقدوا أن كل ما فيه إجلاله ﷺ من قول أو فعل فهو شرك وعبادة له من قائله أو فاعله، فسجلوا على أنفسهم للعالم الإسلامي أنه (٣) موتورون منه ﷺ ، يسوءهم ما فيه توقيرهم (٤) ، ويسرهم ما فيه انتهاك حرمته ﷺ (٥) ..
وحين حكم ابن تيمية ﵀ بحرمة شد الرحل، جعل المناوئون ذلك من عدم توقيره للمصطفى ﷺ (٦)
وحين رد السبكي (ت - ٧٥٦هـ) على ابن تيمية ﵀ في تحريم شد الرحل
стр. 342
ذكر أن هذه الزيارة لأجل التبرك والتعظيم فقال: (ومن المعلوم أن الزيارة بقصد التبرك والتعظيم لا تنتهي في التعظيم إلى درجة الربوبية، ولا تزيد على ما نص عليه في القرآن والسنة (١) ، وفعل الصحابة من تعظيمه في حياته وبعد وفاته، فكيف يتخيل امتناعها) (٢) .
ولذلك فالمناوئون في ردهم على ابن تيمية يذكرون أنواعاً من الغلو في التعظيم للرسول ﷺ مثل التمسح بالقبر وتقبيله، فحين ذكر ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) أقوال العلماء في حكم التمسح ووضع اليد وتقبيل القبر ذكر قولاً مرتضياً له وهو قوله: (والناس تختلف مراتبهم في ذلك كما كانت تختلف في حياته ﷺ ، فأناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم بل يبادرون إليه، وأناس فيهم أناة يتأخرون، والكل على خير) (٣) .
ويذكرون الدعاء عند القبر رجاء بركة من فيه (٤) .
ويذكرون التبرك بما مسته يد النبي ﷺ (٥) .
стр. 343
المطلب الثاني
مناقشة الدعوى
يربط المناوئون لابن تيمية ﵀، بل وأعداء عقيدة السلف - غالباً - بين محبة الرسول ﷺ ، وبين الزيارة غير الشرعية المتضمنة للمحرمات أو البدع أو الشركيات، ويرون أن من لم يوافقهم على هذه المخالفات الشرعية في الزيارة وغيرها مما يتعلق بشخص النبي ﷺ فهو منتقص من منزلة الرسول ﷺ ، محتقر له، لا يوقره حق توقيره، وقد قالوا مثل هذا في شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وسأستعرض عرضاً سريعاً موقف ابن تيمية ﵀ من النبي ﷺ ، محبة، وتعظيماً، واتباعاً، ليتبين موقفه الواضح من هذه القضية.
وبادئ الأمر يحسن ذكر مقولة أحد تلاميذه المقربين منه ليعطينا صورة سريعة عن محبة ابن تيمية ﵀ للرسول ﷺ ، ألا وهو الحافظ البزار (ت - ٧٤٩هـ) ﵀ فيقول عنه: (وكان لا يذكر رسول الله ﷺ قط إلا ويصلي ويسلم، ولا والله ما رأيت أحداً أشد تعظيماً لرسول الله ﷺ ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى إذا كان أورد شيئاً من حديثه في مسألة، ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائناً من كان، وقال ﵁: كل قائل إنما يحتج لقوله لا به إلا الله ورسوله) (١) .
وتظهر محبة ابن تيمية لرسول الله ﷺ من وجوه متعددة منها:
أولاً: عرضه سيرة المصطفى ﷺ ، وبيانه صفات الرسول ﷺ الخلقية
стр. 344
والخُلقية فمما قاله في ذلك: ( ... كان من أكمل الناس تربية ونشأة، لم يزل معروفاً بالصدق والبر والعدل، ومكارم الأخلاق، وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم، مشهوداً له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، وممن آمن به، وممن كفر بعد النبوة، لا يعرف له شيء يعاب به، لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في أخلاقه، ولا جرب عليه كذبة قط، ولا ظلم، ولا فاحشة.
وكان خلقه وصورته من أكمل الصور وأتمها، وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أمياً من قوم أميين لا يعرف لا هو ولا هم، ما يعرفه أهل الكتاب: التوراة والإنجيل، ولم يقرأ شيئاً عن علوم الناس، ولا جالس أهلها.
ولم يدّع نبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبرنا بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله) (١) .
ثم قال: (وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم، فتجتمع في الموسم قبائل العرب، فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة، ويدعوهم إلى الله صابراً على ما يلقاه من تكذيب المكذب، وجفاء الجافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب، وكانوا جيران اليهود، قد سمعوا أخباره منهم، وعرفوه، فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي تخبرهم به اليهود) (٢) .
ثم تحدث عن الهجرة وما بعدها قائلاً: (فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة، وبها المهاجرون والأنصار، ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ولا برهبة، إلا قليلاً من الأنصار أسلموا في الظاهر، ثم حسن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجهاد، ثم أمر به، ولم يزل قائماً بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها من الصدق والعدل والوفاء، لا يحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلمٌ لأحد، ولا غدرٌ بأحد، بل كان أصدق الناس، وأعدلهم، وأوفاهم بالعهد، مع اختلاف
стр. 345
الأحوال عليه: من حرب وسلم، وأمن وخوف، وغنى وفقر، وقلةٍ وكثرة، وظهوره على العدو تارة، وظهور العدو عليه تارة، وهو على ذلك لازم لأكمل الطرق وأتمها ... وهو ﷺ مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على النفس والأموال مات ﷺ ولم يخلف درهماً ولا ديناراً، ولا شاة ولا بعيراً له إلا بغلته وسلاحه..) (١) .
ثانياً: أن من سب الرسول ﷺ من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله، وقد قرر شيخ الإسلام ﵀ هذه المسألة في أغلب مباحث كتابه (الصارم المسلول) (٢) .
ثالثاً: أن من آذى الرسول ﷺ فقد آذى الله، وهو محاد لله ومن شاق الرسول فقد شاق الله، ومن عصى الرسول فقد عصى الله، قال الله : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٢ - ٦٣] ، فأذى النبي ﷺ محادة لله؛ لأنه ذكر هذه الآية بعد قوله : ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١] ، وبين الله أن من حاد الله ورسوله فهو أذل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] ، والأذل أبلغ من الذليل.
وبين أن المحادين لله ورسوله كبتوا كمن كان قبلهم بقوله: ﴿ِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] ، والكبت: الإذلال والخزي والصرع (٣) .
وجعل الله مشاقته ومشاقة رسوله ومحادته ومحادة رسوله، وأذاه وأذى رسوله، ومعصيته ومعصية رسوله بمنزلة واحدة، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٠] ،
стр. 346
وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣] ، وقال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] .
وقذف أزواج النبي ﷺ من أذاه في عرضه، فمن قذفهن فقد آذى الرسول ﷺ في عرضه، وقال الله فيهن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] .
ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي ﷺ قول الرسول ﷺ في حادثة الإفك: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي (١) ، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً» (٢) .
قال ابن تيمية ﵀ (فقوله: (من يعذرني) : أي من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من أذاه في أهل بيتي والله لهم، فثبت أنه ﷺ قد تأذى بذلك تأذياً استعذر منه) (٣) .
رابعاً: أن الاستهزاء بالرسول ﷺ والاستخفاف به كفر مخرج من الملة، لقوله : ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (٤) .
خامساً: وجوب التحاكم إلى الرسول ﷺ ، والتسليم لحكمه ظاهراً وباطناً لقوله : ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥] .
وجعل من رفض التحاكم إليه منافقاً بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى
стр. 347
الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١] .
وبين - سبحانه - حال المنافقين ثم حال المؤمنين وموقفهم من التحاكم إلى الله ورسوله بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١] .
وبهذا يتبين وجوب التحاكم إلى الرسول ﷺ ، وأن أقرب الطرق إلى مرضاته هو اتباع شرعه (١) ، وأقرب الطرق إلى محبة الله اتباع الرسول ﷺ كما قال - سبحانه -: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] .
وتعظيم الرسول ﷺ يكون بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
سادساً: ذَكر بعض حقوق المصطفى ﷺ على أمته ومنها:
١ - أن الله أخبر أنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم بقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ ، فمن حقه أنه يجب أن يؤثره العطشان بالماء، والجائع بالطعام، وأنه يجب أن يوقّى بالأنفس والأموال كما قال : ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن
стр. 348
نَّفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] (١) .
٢ - أن الله خصه بالمخاطبة بما يليق، فلا ينادى أو يخاطب كغيره من المخاطبين باسمه المجرد أو بكنيته، قال : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣] .
٣ - أن الله حرم على الأمة أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضاً، تمييزاً له، مثل نكاح أزواجه من بعده فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
وأوجب الله احترام أزواجه وجعلهن أمهات المؤمنين فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
٤ - أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (٢) ، ونصر الرسول ﷺ وتعزيره واجب.
وبين ابن تيمية ﵀ معنى التعزير والتوقير بقوله: (والتعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه.
والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) (٣) .
ومن توقيره ﷺ أن الله حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرم رفع الصوت فوق صوته، وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وأخبر أن ذلك سبب حبوط العمل، فهذا يدل على أنه يقتضي الكفر؛ لأن العمل لا يحبط إلا به قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا
стр. 349
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] .
قال ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذه الآية:
(فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يُخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر، ويحبط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك وسبب فيه، فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير، والتوقير، والتشريف، والتعظيم والإكرام، والإجلال) (١) .
وبين ﵀ أن قيام المدحة للرسول ﷺ ، والثناء عليه، والتعظيم، والتوقير له: قيامُ الدين كله، وسقوط ذلك سقوط الدين كله (٢) .
٥ - أن الله أمرنا بمحبته ﷺ أكثر من محاب الدنيا جميعاً، ومنها محبوبات الدنيا الثمانية التي ذكرها الله بقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] .
وثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان - وذكر منها - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» (٣) .
وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٤) .
стр. 350
وتصديق هذا في القرآن قول الله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
قال ابن تيمية ﵀: (والنبي ﷺ يجب علينا أن نحبه حتى يكون أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأهلنا وأموالنا، ونعظمه ونوقره، ونطيعه ظاهراً وباطناً، ونوالي من يواليه، ونعادي من يعاديه، ونعلم أنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته ﷺ (١) .
٦ - أن الله أمرنا بالصلاة على الرسول ﷺ بعدما ذكر أنه وملائكته يصلون عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وقال ﵊: «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً» (٢) .
وقد أُمر بها مع الأمر بطلب الوسيلة له ﷺ ، كما قال ﵊: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٣) .
وثبت عنه ﷺ أنه قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي
стр. 351
وعدته: حلت له شفاعتي» (١) ، وهذا يبين الحث على سؤال الله الوسيلة لرسوله ﷺ (٢) .
وبعد: فهذه ملامح ووقفات يسيرة تبين لنا تعظيم ابن تيمية لرسول الله ﷺ حق التعظيم، الذي هو مضبوط بالاتباع.
أما التعظيم الذي يصل إلى درجة الغلو فيه فهذا منهي عنه في الإسلام من أوجه منها:
١ - النهي عن الغلو - عموماً - لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١] ، وقوله - سبحانه - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وقول الرسول ﷺ : «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٣) .
٢ - النهي عن الغلو في الرسول ﷺ كقوله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإني أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (٤) .
ولما قال رجل لرسول الله ﷺ : ما شاء الله وشئت، عقب عليه وقال: «أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده» (٥) .
стр. 352
والذي عليه عامة المسلمين أن لا يُحلف بالنبي لقوله ﵊: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (١) .
٣ - التأكيد على عدم معرفة الرسول ﷺ الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فقد ذكر الله أن علم الغيب إنما هو من خصائص الربوبية: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ، وقال: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] ، وقد أمر الله نبيه أن يعلن للناس عدم علمه بالغيب بقوله: ﴿ُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وأما الأحاديث التي تبين عدم علم الرسول ﷺ الغيب فكثيرة منها:
أنه ﵊ سمع جلبة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها» (٢) .
стр. 353
وقد نهى نبينا محمد ﷺ الجارية التي قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: «دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين» (١) .
وأما الدليل على أن الله يطلع الرسول ﷺ على شيء من الغيب فهو قوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] ، وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
٤ - التصريح بأن الرسول ﷺ لا يملك لنفسه، ولا لغيره ضراً ولا نفعاً، لقوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً * قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾ [الجن: ٢٠ - ٢١] ، وقوله - سبحانه -: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] ، وقوله - سبحانه - عن رسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ، وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] .
وثبت عنه ﷺ أنه قال: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً ... » (٢) .
وقد صرح ﵊ على الملأ أنه لا يملك لأقرب قريب نفعاً ولا ضراً لقوله: «يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم من الله
стр. 354
لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً ويا فاطمة (١) بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً» (٢) .
ومحبة ابن تيمية ﵀ لرسول الله ﷺ مقرونة بالاتباع كغيره من أهل السنة وأئمتهم وعلمائهم، أي هي المحبة التي يريدها الرسول ﷺ من المؤمنين به، والتي أمرهم بها، أما دعوى التعظيم للرسول ﷺ مع الغلو فيه، ودعوى أن المسلم كلما زاد في التعظيم كلما كانت محبته لرسول الله أكثر فهذا فهم خاطئ للمعنى الشرعي لمفهوم التعظيم لرسول الله ﷺ ، وقد بين ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ أن الرسول ﷺ برئ ممن عصاه بالغلو فيه، وإن كان قصده تعظيمه، قال ذلك راداً على السبكي (ت - ٧٥٦هـ) الذي رد على ابن تيمية في هذه المسألة (٣) .
وحين يقول شيخ الإسلام ﵀ بحرمة شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة موافقاً بذلك نهي الرسول ﷺ ، متبعاً له في قوله، فلا يكون هذا بغضاً وجفاءً له، بل هو عين المتابعة والمحبة لرسول الله ﷺ ، إضافة إلى أنه قول جمهور العلماء كما تقدم.
وأما رد السبكي (ت - ٧٥٦هـ) على ابن تيمية ﵀ إنكاره شد الرحل وجعل إنكار شد الرحل من لوازم انتقاص الرسول ﷺ ، فمن شد الرحل للزيارة فهو
стр. 355
المعظم لرسول الله ﷺ ، ومن أنكرها فهو المنتقص للرسول ﷺ ، فقد رد عليه ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) هذا التلازم مبيناً أن هذا لو كان تعظيماً له ﷺ لكان مما لا يتم الإيمان إلا به، ولكان فرضاً معيناً على كل من استطاع إليه سبيلاً، من قرب ومن بعد، ولما أضاع السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان هذا الفرض والواجب (١) .
وبين ﵀ أن التعظيم نوعان:
أحدهما: ما يحبه المعظَّم ويرضاه ويأمر به ويثني على فاعله فهذا هو التعظيم في الحقيقة، وهو موافقته على محبة ما يحب، وكراهة ما يكره، والرضا بما يرضى به، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه، والبعد عما حذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه ولا يقدم على قوله قول أحد سواه.
والثاني: ما يكرهه المعظَّم ويبغضه ويذم فاعله، وهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو مناف للتعظيم، وهذا هو ما يفعله أهل الغلو في القبور وعبادها من التعظيم الذي لأجله حرم الرسول ﷺ اتخاذ القبور مساجد، كما قال المصطفى ﷺ : «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) .
والتعظيم يكون باللسان، ويكون بالجوارح: فأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير.
وأما التعظيم بالجوارح فهو: العمل بطاعته، والسعي في إظهار دينه،