← Акыда

Акыда · id 9585

دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية - عرض ونقد

عبد الله بن صالح الغصن

Полный текст (645 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وعدته: حلت له شفاعتي» (١) ، وهذا يبين الحث على سؤال الله الوسيلة لرسوله ﷺ (٢) . وبعد: فهذه ملامح ووقفات يسيرة تبين لنا تعظيم ابن تيمية لرسول الله ﷺ حق التعظيم، الذي هو مضبوط بالاتباع. أما التعظيم الذي يصل إلى درجة الغلو فيه فهذا منهي عنه في الإسلام من أوجه منها: ١ - النهي عن الغلو - عموماً - لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١] ، وقوله - سبحانه - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] . وقول الرسول ﷺ : «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٣) . ٢ - النهي عن الغلو في الرسول ﷺ كقوله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإني أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (٤) . ولما قال رجل لرسول الله ﷺ : ما شاء الله وشئت، عقب عليه وقال: «أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده» (٥) .

стр. 352

والذي عليه عامة المسلمين أن لا يُحلف بالنبي لقوله ﵊: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (١) . ٣ - التأكيد على عدم معرفة الرسول ﷺ الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فقد ذكر الله أن علم الغيب إنما هو من خصائص الربوبية: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ، وقال: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] ، وقد أمر الله نبيه أن يعلن للناس عدم علمه بالغيب بقوله: ﴿ُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] . وأما الأحاديث التي تبين عدم علم الرسول ﷺ الغيب فكثيرة منها: أنه ﵊ سمع جلبة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها» (٢) .

стр. 353

وقد نهى نبينا محمد ﷺ الجارية التي قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: «دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين» (١) . وأما الدليل على أن الله يطلع الرسول ﷺ على شيء من الغيب فهو قوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] ، وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] . ٤ - التصريح بأن الرسول ﷺ لا يملك لنفسه، ولا لغيره ضراً ولا نفعاً، لقوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً * قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾ [الجن: ٢٠ - ٢١] ، وقوله - سبحانه -: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] ، وقوله - سبحانه - عن رسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ، وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] . وثبت عنه ﷺ أنه قال: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً ... » (٢) . وقد صرح ﵊ على الملأ أنه لا يملك لأقرب قريب نفعاً ولا ضراً لقوله: «يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم من الله

стр. 354

لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً ويا فاطمة (١) بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً» (٢) . ومحبة ابن تيمية ﵀ لرسول الله ﷺ مقرونة بالاتباع كغيره من أهل السنة وأئمتهم وعلمائهم، أي هي المحبة التي يريدها الرسول ﷺ من المؤمنين به، والتي أمرهم بها، أما دعوى التعظيم للرسول ﷺ مع الغلو فيه، ودعوى أن المسلم كلما زاد في التعظيم كلما كانت محبته لرسول الله أكثر فهذا فهم خاطئ للمعنى الشرعي لمفهوم التعظيم لرسول الله ﷺ ، وقد بين ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ أن الرسول ﷺ برئ ممن عصاه بالغلو فيه، وإن كان قصده تعظيمه، قال ذلك راداً على السبكي (ت - ٧٥٦هـ) الذي رد على ابن تيمية في هذه المسألة (٣) . وحين يقول شيخ الإسلام ﵀ بحرمة شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة موافقاً بذلك نهي الرسول ﷺ ، متبعاً له في قوله، فلا يكون هذا بغضاً وجفاءً له، بل هو عين المتابعة والمحبة لرسول الله ﷺ ، إضافة إلى أنه قول جمهور العلماء كما تقدم. وأما رد السبكي (ت - ٧٥٦هـ) على ابن تيمية ﵀ إنكاره شد الرحل وجعل إنكار شد الرحل من لوازم انتقاص الرسول ﷺ ، فمن شد الرحل للزيارة فهو

стр. 355

المعظم لرسول الله ﷺ ، ومن أنكرها فهو المنتقص للرسول ﷺ ، فقد رد عليه ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) هذا التلازم مبيناً أن هذا لو كان تعظيماً له ﷺ لكان مما لا يتم الإيمان إلا به، ولكان فرضاً معيناً على كل من استطاع إليه سبيلاً، من قرب ومن بعد، ولما أضاع السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان هذا الفرض والواجب (١) . وبين ﵀ أن التعظيم نوعان: أحدهما: ما يحبه المعظَّم ويرضاه ويأمر به ويثني على فاعله فهذا هو التعظيم في الحقيقة، وهو موافقته على محبة ما يحب، وكراهة ما يكره، والرضا بما يرضى به، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه، والبعد عما حذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه ولا يقدم على قوله قول أحد سواه. والثاني: ما يكرهه المعظَّم ويبغضه ويذم فاعله، وهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو مناف للتعظيم، وهذا هو ما يفعله أهل الغلو في القبور وعبادها من التعظيم الذي لأجله حرم الرسول ﷺ اتخاذ القبور مساجد، كما قال المصطفى ﷺ : «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) . والتعظيم يكون باللسان، ويكون بالجوارح: فأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير. وأما التعظيم بالجوارح فهو: العمل بطاعته، والسعي في إظهار دينه،

стр. 356

وإعلاء كلمته، ونصر ما جاء به، وجهاد ما خالفه (١) . وأما مسألة التمسح بالقبر وتقبيله، فقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن هذا باطل، وقد اتفق المسلمون على النهي عنه، سواء أكان القبر لنبي أم لغيره، ولم يفعله أحد من سلف الأمة وأئمتها المشهود لهم بالعلم والتقوى، بل هذا من الشرك (٢) . وأما الدعاء عند القبر فهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزور القبور ويدعو بالدعاء الوارد عن الرسول ﷺ ، فهذا لا بأس به. الثاني: أن يتحرى الدعاء عند هذه القبور، بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوبُ منه في غيره، فهذا منهي عنه: إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيه، وهو إلى التحريم أقرب (٣) . إن قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هناك، رجاءً أكثر من رجائها بالدعاء في غير ذلك الموطن: أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء، بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية. وقصد القبور بالدعاء لا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة أو لا يكون. فإن كان أفضل لم يجز أن يخفى علم هذا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فتكون القرون الثلاثة الأولى الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم،

стр. 357

ويعلمه من بعدهم، ولم يجز أن يعلموا ما فيه من الفضل العظيم ثم يزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لاسيما الدعاء. وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل: كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية وكان القول باستحبابه أو وجوبه تشريعاً من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] . وهذه العبادة عند المقابر - أي الدعاء عندها - نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطاناً، ومن جعل هذا من دين الله فقد قال على الله ما لا يعلم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . ويستحسن ابن تيمية ﵀ الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ [الأعراف: ٣٣] ، لئلا يحتج المبتدعة بالمقاييس والحكايات (١) . وأما التبرك (٢) بالرسول ﷺ وآثاره المكانية فهي نوعان: معنوية، وحسية. أما البركة المعنوية، فهي بركة العمل والاتباع للرسول ﷺ ، وهذه تحصل لمن اتبعه بسبب متابعته للرسول ﷺ وتحصل البركة للناس بحسب اتباعهم للرسول ﷺ قوة وضعفاً، قال ﵊ في النخلة: «إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم» (٣) .

стр. 358

وأما البركة الحسية فهي متعلقة بالرسول ﷺ وهذه تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: البركة في أفعاله مما أكرمه الله فيه من خوارق العادات مثال ذلك ما رواه أنس بن مالك (ت - ٩٣هـ) ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم» (١) . القسم الثاني: البركة في ذاته الشريفة ﷺ ، وبآثاره الحسية المنفصلة منه ﷺ ، والدليل على تبرك الصحابة بذات الرسول ﷺ أي بأعضاء جسده، ما روته عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها» (٢) . وأما دليل تبرك الصحابة - رضوان الله عليهم - بما انفصل منه ﷺ : أن النبي ﷺ كان يدخل بيت أم سليم (٣) ، فينام على فراشها وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك

стр. 359

على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق، واستنقع (١) عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها (٢) ، فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصر في قواريرها، ففزع النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «وما تصنعين يا أم سليم؟» فقالت يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: «أصبت» (٣) ، وهذا خاص به ﷺ في حياته، فلا يقاس عليه غيره. والتبرك بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته مشروع فيما بقي من آثاره، إلا أن آثاره ﷺ قد انتهت بعد انتهاء جيل الصحابة على الصحيح. وأما قصد الآثار المكانية كقبر الرسول ﷺ ، أو ما مسته يد الرسول ﵊؛ لأجل التبرك فهذا محذور من أوجه عدة منها: ١ - أن هذا النوع من التبرك لم يكن في عهده ﷺ ، ولم ينقل فيه شيء نقلاً مصدقاً، لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف، وإذا لم ينقل مع توافر الدواعي على نقله علم أنه لم يكن في زمانه ﷺ . ٢ - أن بركة ذوات الأنبياء لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، وإلا لزم أن تكون كل أرض وطئها، أو جلس عليها، أو طريق مر بها، تطلب بركتها، ويتبرك بها، وهذا لازم باطل قطعاً، فانتفى الملزوم. ٣ - أن الأمكنة الأرضية لا تكون مباركة إلا بدوام الطاعة فيها، وهي سبب إعطاء الله البركة، حتى المساجد فإنها مباركة لذلك، إلا أن بركتها لا تدوم مع زوال الطاعات عنها. ٤ - أن التبرك بالآثار المكانية وسيلة إلى ما هو أعظم من تقديسها، والاعتقاد فيها وهذا محذور.

стр. 360

٥ - أن تعظيم الرسول ﷺ ، والتماس بركته وتحريها يكون بما بقي لنا اليوم من نوعي البركة (١) ، وهي: بركة الاتباع، والعمل بسنته (٢) .

стр. 361

المبحث الرابع دعوى مخالفة ابن تيمية الصحابة في قولهم بجواز بناء المساجد على القبور ومناقشتها المطلب الأول دعوى مخالفة ابن تيمية الصحابة في قولهم بجواز بناء المساجد على القبور يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ أن البناء على القبور، وتشييدها، وجعل الستور عليها، وبناء المساجد عليها كله من الدين، وأن بناء المساجد على القبور سنة رائجة في صدر الإسلام (١) ؛ وأن عبارات العلماء قد تضافرت على بيان جواز البناء على القبور فكأنه إجماع عملي منهم (٢) . ويرون - بعد ذلك - أن ابن تيمية ﵀ هو مؤسس القول بحرمة بناء المساجد على القبور (٣) ، زاعمين أن من شبهة ابن تيمية ﵀ كما يذكر السبكي (ت - ٧٥٦هـ) ، أن اتخاذ القبور مساجد - مطلقاً - من أصول الشرك، وقد رد السبكي (ت - ٧٥٦هـ) على ابن تيمية ﵀ هذا الإطلاق، مبيناً أن الشرك هو

стр. 362

العكوف على القبور وتصوير الصور فيها (١) ، إذ يرى المناوئون أن تكريم أصحاب القور من صميم التوحيد (٢) . وذكروا أن الذي أشكل على ابن تيمية ﵀ هو حديث أبي الهيّاج الأسدي (٣) ، وهو قوله: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) (٤) ، فيقولون: إن هذا لا يدل على وجوب هدم البناء على القبور، وأن استدلال ابن تيمية به على تحريم البناء على القبور ليس بصحيح (٥) . وحديث أبي الهياج ﵁ قد أجابوا عنه بضعف في السند (٦) . وبحثوا عن علة النهي عن البناء على القبور، ثم أتوا بعلل واهية، وأجابوا عنها بأجوبة - رأوا أنهم - ردوا فيها على ابن تيمية ﵀: فذكروا أن العلة قد تكون للنهي عن البناء بما مسته النار كالجبس، والطوب الآجر وغيره، فأجابوا بأن هذا خاص ببناء القبر نفسه، لا بما يبنى عليه أو حوله. وذكروا أن العلة قد تكون لخوف تداعي القبر، وأجابوا بأن الإجراءات إذا اتخذت لتقوية القبر، فإن العلة تزول. وذكروا أن العلة قد تكون من خوف المباهاة والتفاخر، وأجابوا بأن

стр. 363

المباهاة انفعال شخصي يحاسب المرء عليه، ولا علاقة له بتحقق المصلحة العامة. وذكروا أن العلة قد تكون من أجل التشبه بغير المسلمين، وأجابوا بأن إيجاد أي فارق بالبناء، فإن العلة تنتفي (١) . وذكروا أن النهي في الحديث إنما هو للتنزيه، وليس للتحريم، أو أن معنى التسوية: هو التعديل إن كان القبر مسنماً، أو هدم الشرف إن كان مشرفاً فقط (٢) .

стр. 364

المطلب الثاني مناقشة الدعوى يقرر ابن تيمية ﵀ أن تعظيم القبور من أعظم أسباب الشرك، وهو ذريعة وطريق موصلة إلى تعظيم المقبورين من دون الله فيمن كان قبلنا، فقد قال الله عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤] . قال ابن عباس (١) ﵄: (كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح لما ماتوا عكفوا على قبورهم، فطال عليهم الأمد، فصوروا تماثيلهم ثم عبدوهم) (٢) . قال ابن تيمية ﵀: (وقد كان أصل عبادة الأوثان من تعظيم القبور) (٣) ، ولذلك كان هذا التعظيم للقبور من دين المشركين، ومن عمل أهل الكتاب، وقد أمرنا بمخالفة أهل الكتاب والمشركين أصحاب الجحيم (٤) . إن المأمور به في شريعة الإسلام هو عمارة المساجد لا بناء المشاهد على القبور، لكن الذين يعظمون القبور: يعمرون المشاهد، ويعطلون المساجد مضاهاة للمشركين، ومخالفة للمؤمنين، وقد قال الله ﵎: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] .

стр. 365

ولم يقل عند كل مشهد. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨] . ولم يقل: إنما يعمر مشاهد القبور، بل عمار المشاهد يخشون بها غير الله، ويرجون غير الله. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] ، ولم يقل: وأن المشاهد لله. وقال - سبحانه -: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] . قال ابن تيمية ﵀: (علم بالنقل المتواتر، بل علم بالاضطرار من دين الإسلام أن رسول الله ﷺ شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات، والاجتماع للصلوات الخمس، ولصلاة الجمعة والعيدين، وغير ذلك، وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي ولا رجل صالح لا من أهل البيت ولا من غيرهم لا مسجداً ولا مشهداً، ولم يكن على عهده ﷺ مشهد مبني على قبر ... ) (١) . وأما جعل بناء المساجد على القبور من الدين فهذا ليس بصحيح، وهي دعوى تحتاج إلى دليل بل هي مناقضة للدليل، وكل الأدلة القرآنية والأدلة من أقوال المصطفى ﷺ تخالف القول بجواز البناء على القبور، والصلاة إليها، بل الأدلة تحذر من هذا الفعل أشد التحذير، وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀

стр. 366

على الأدلة التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد بالتواتر، فحين ذكر المحدثات من الأمور في تعظيم القبور قال: (منها: الصلاة عند القبور مطلقاً، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه) (١) . ومما ورد في النهي عن ذلك: ما رواه جندب بن عبد الله (٢) ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لا تخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. إني أنهاكم عن ذلك» (٣) . وعن عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵁ قالت: (لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤) . وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥) ، وفي رواية لمسلم (ت - ٢٦١هـ) : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٦) .

стр. 367

وعن عبد الله بن مسعود (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (٢) . ولما ذكرت أم سلمة (٣) الكنيسة بأرض الحبشة، وذكرت ما فيها من التصاوير قال ﷺ : «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٤) . وقال ﵊: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥) . وقال ﷺ : «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (٦) . ومن هذه الأحاديث يرد ابن تيمية ﵀ على من جعل من الدين اتخاذ القبور مساجد، فهل من الدين أن يذكر الرسول ﷺ عمل الأمم السابقة، ويحذر منه، وينهى عنه.

стр. 368

وهل من الدين أن يذكر الرسول ﷺ لعن الله لمن اتخذ القبور مساجد، أو الدعاء بمقاتلة الله لمن فعل ذلك، أو الحكم عليهم بأنهم من شرار الناس، وشرار الخلق عند الله، ثم النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والنهي عن الصلاة إليها. قال ﵀: (وأما القبور فقد ورد نهيه ﷺ عن اتخاذها مساجد، ولعن من يفعل ذلك) (١) . وأما دعوى مخالفة ابن تيمية ﵀ إجماع الصحابة، فهذا باطل من أوجه عدة: الأول: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يقول واحد منهم، فضلاً عن حكاية إجماعهم بمخالفة الدين، ولا تقديم قولهم على قول الله ورسوله، أو أن يكون لهم الخيرة في أمرٍ قضاه الله ورسوله، وقد تقدم بيان تواتر الأحاديث التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد، ومن عظيم النهي عن هذا الأمر: أن النبي ﷺ جعل التحذير منه وصية مودع تأكيداً لتحذيره لهم في حال حياته، ولذا كثرت الأحاديث التي حذر النبي ﷺ فيها عن اتخاذ القبور مساجد في مرض موته. الثاني: أن الرسول ﷺ لم يشرع بناء المساجد على القبور، ولا وضع المشاهد، ولم يكن ذلك في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم -. قال ﵀: (المشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين من العامة، ومن أهل البيت كلها من البدع المحدثة المحرمة في دين الإسلام) (٢) .

стр. 369

وقال ﵀: (لم يكن على عهده ﷺ في الإسلام مشهد مبني على قبر، وكذلك على عهد خلفائه الراشدين، وأصحابه الثلاثة، وعلي بن أبي طالب ومعاوية، لم يكن على عهدهم مشهد مبني لا على قبر نبي ولا غيره) (١) . الثالث: أن الأنبياء والصالحين لا يقرون أحداً على الشرك مع قدرتهم على نهيه، فهم في حياتهم ينكرون ما هو أقل من الشرك من المنكرات، وإنكارهم للشرك في حياتهم بهم أو بغيرهم من باب أولى، وقد بينوا لأممهم أنهم يصلى خلفهم في حياتهم، ولا يجوز أن يصلى خلفهم بعد مماتهم. قال ابن تيمية ﵀: (الصلاة خلف أحدهم من أفضل العبادات في حال حياتهم، وبعد مماتهم: لا يجوز أن يصلى خلف قبورهم، ولا أن تتخذ قبورهم مساجد، ولا تستقبل في الصلاة) (٢) . الرابع: حرص الصحابة على حماية التوحيد، وسد جميع ذرائع الشرك، والبعد عنها اتباعاً للرسول ﷺ ؛ لأن الدين أصله متابعة النبي ﷺ ، وموافقته بفعل ما أمرنا به، وشرعه لنا، وسنه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها. أما الفعل الذي لم يشرعه لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلاً سن لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ ، فالدين مبني على أصلين: أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع لنا في كتابه، وبما شرعه رسوله ﷺ في سنته لا بالبدع. وما وجد في زمن الصحابة في البلاد المفتوحة من المشاهد فإنهم يزيلونها ويسوونها في الحال من غير تأخير (٣) .

стр. 370

الخامس: عدم وجود مشاهد، وبناء على القبور في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - ولا في زمن التابعين، ولا في عهد بني أمية، وبني العباس، وإنما ظهر ذلك وكثر بعد ذلك، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، فبنوا المشاهد المكذوبة، وصنف أهل الفرية الأحاديث في زيارة المشاهد، والصلاة عندها، والدعاء عندها، فصار الزنادقة والمبتدعة المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد (١) . قال ابن تيمية ﵀: (ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبور) (٢) . السادس: أن الإجماع المزعوم من الصحابة على اتخاذ القبور مساجد مردود على قائله، بإجماعهم ﵃ على عدم جواز بناء المساجد على القبور، وهو متفق مع نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة مربوط بموافقته النصوص، لا بمخالفته كل نصوص الكتاب والسنة. وحين رد ابن تيمية ﵀ قول القائل بتحديد مكان قبر نوح ﵊ قال بعد ذلك: (ولو كان قبر نبي، أو رجل صالح لم يشرع أن يبنى عليه مسجد بإجماع المسلمين، وبسنة رسول الله ﷺ المستفيضة عنه) (٣) . السابع: أن القائل بإجماع الصحابة على جواز بناء المساجد على القبور مطالب بتصديق دعواه، وذلك بأن يذكر أقوال الصحابة، أو أغلبهم، لإثبات هذا الإجماع المخالف لقول الرسول ﷺ وأنى له أن يجد قولاً واحداً. الثامن: أن رواية أحاديث المصطفى ﷺ التي تنهى عن البناء على القبور،

стр. 371

وجعل القبور مساجد، حتى بلغت حد التواتر، والتحديث بها في جيل الصحابة، ثم نقلها إلى جيل التابعين، ومن بعدهم، ولم ينقل لهم معارض أو مخالف، أو متردد في نقل الحديث، وتبليغ هذا الحكم للناس، لهو دليل واضح وكافٍ في أن الإجماع في عصر الصحابة على خلاف ما ذكره المبتدعة، وأهل تعظيم القبور. التاسع: أن النقول عن الصحابة والتابعين متوافرة على موافقة سنة المصطفى ﷺ . فقد رأى ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ فسطاطاً (١) على قبر عبد الرحمن (٢) فقال: (انزِعه يا غلام، فإنما يظله عمله) (٣) . وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ أنه أوصى أن لا يضربوا على قبره فسطاطاً (٤) . وعن محمد بن كعب (٥) قال: (هذه الفساطيط على القبور محدثة) (٦) .

стр. 372

وعن عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ أنها قالت بعد روايتها حديث (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت: (فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) (١) . وعن أنس (ت - ٩٣هـ) ﵁ قال: (كنت أصلي قريباً من قبر، فرآني عمر بن الخطاب فقال: القبر القبر) (٢) . العاشر: أن من جاء بعد الجيل الأول من الأئمة، كان على ما كان عليه سلفهم من الاتباع والتأسي بحبيبهم، وقدوتهم محمد ﷺ . فقال محمد بن الحسن الشيباني (٣) ﵀: (لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص، أو يطين، أو يجعل عنده مسجداً، أو علماً، أو يكتب عليه) (٤) . وقال الإمام الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀: (وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه وهو غير مسوى، أو يصلى إليه) (٥) . وقال ابن عبد البر (٦) ﵀: (يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء

стр. 373

والصالحين مساجد) (١) . وقال ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀: (ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور) (٢) حتى من جاء بعد ابن تيمية ﵀ من مناوئيه، فضلاً عن مؤيديه ممن يعتقد معتقد السلف، قالوا بحرمة اتخاذ المساجد على القبور، فيرى ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) أن اتخاذ القبور مساجد من الكبائر، وعدها الكبيرة الحادية والعشرين بعد المائة (٣) . وبعد هذا العرض لأقوال الرسول ﷺ ، وأقوال الصحابة والتابعين، وأقوال طائفة من علماء الأمة: هل يبقى شيء من الشك في أن ابن تيمية ﵀ لم يقل إلا بقول الصحابة والتابعين، وسلف الأمة، وأن المخالف لإجماع الصحابة في حرمة بناء المساجد على القبور إنما هم المناوئون أنفسُهم، ولكن أكثرهم لا يعلمون. إن الصلاة إلى القبور واتخاذها مساجد لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يتوجه المصلي، وينوي هذه الصلاة لصاحب القبر، فيسجد له من دون الله، ويدعوه من دون الله، ويخافه ويرجوه من دون الله فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ

стр. 374

النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ، فالعبادة يجب أن تكون خالصة لله ليس لأحد فيها نصيب غيره، كما قال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البينة: ٥] . الحالة الثانية: أن لا تكون الصلاة لصاحب القبر، لكن قصد المكان، إنما هو للتبرك بهذه البقعة - أي القبر - فهذا بدعة، وعده شيخ الإسلام ﵀ محادة لله ولرسوله ﷺ ، كما قال: (إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين، متبركاً بالصلاة في تلك البقعة: فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله) (١) . الحالة الثالثة: أن يصلي عند القبر اتفاقاً لا لقصد شيء: لا لعبادة صاحب القبر ودعائه من دون الله، ولا التبرك بصاحب القبر، وهذا محرم ولا يجوز، لما فيه من التشبه بالمشركين والوسيلة إلى الشرك. قال ابن تيمية ﵀: (ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور، ولو لم يقصد الصلاة عندها، فلا يقبل ذلك لا اتفاقاً ولا ابتغاء، لما في ذلك من التشبه بالمشركين، والذريعة إلى الشرك) (٢) . وقال ﵀: (المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا تجوز الصلاة فيها) (٣) وقد رد ﵀ على من ظن من الفقهاء أن تحريم الصلاة عند القبور، لكونه مظنة النجاسة، لاختلاط تربتها بصديد الموتى، ولحومهم. وذكر أن بعضهم يفرق بين المقبرة الجديدة والقديمة، وبين أن يكون بينه

стр. 375

وبين التراب حائل، أو لا يكون، وقال: (التعليل بهذا ليس مذكوراً في الحديث، ولم يدل عليه الحديث لا نصاً ولا ظاهراً، وإنما هي علة ظنوها) (١) . وذكر أن السبب هو التشبه بالمشركين واليهود والنصارى، ومظنة اتخاذها أوثاناً، كما نقل عن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ قوله: (كره - والله تعالى أعلم - أن يعظم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده) (٢) . فالنهي عن الصلاة إلى القبور لأجل أمرين: الأمر الأول: النهي عن التشبه بالمشركين، وقد قال ابن تيمية ﵀: (ونهى أن يستقبل الرجل القبر في الصلاة حتى لا يتشبه بالمشركين الذين يسجدون للقبور) (٣) . الأمر الثاني: سد ذريعة الشرك، قال ﵀: (والسبب الذي من أجله نهي عن الصلاة في المقبرة في أصح قولي العلماء هو سد ذريعة الشرك، كما نهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها) (٤) . أما الرسول ﷺ فإنه دفن في بيته، ولم يدفن في المسجد، كما أن مسجده ﷺ لم يبن على قبره. والبيت بما فيه القبر أدخل في المسجد، ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة، فأدخله الوليد بن عبد الملك (٥) ، وقد كان يحب عمارة المساجد،

стр. 376

فأمر عامله على المدينة عمر بن عبد العزيز (١) ﵀ أن يشتري حجر أزواج النبي ﷺ من ملاكها ورثة أزواج النبي ﷺ . وأما جابر بن عبد الله ﵁ فقد توفي سنة (٧٨هـ) أي قبل تولي الوليد بن عبد الملك (ت - ٩٦هـ) بثمان سنوات، إذ تولى الخلافة عام (٨٦هـ) . إن قبر الرسول ﷺ لا يمكن أن يباشر بالعبادة له من دون الله، وذلك استجابة من الله دعاء رسوله ﷺ بأن لا يجعل قبره وثناً يعبد، ولذلك قال ابن القيم (ت - ٧٥١هـ) ﵀: ولقد نهانا أن نصير قبره ... عيداً حذار الشرك بالرحمن ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثنًا من الأوثان فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان ولقد غدا عند الوفاة مصرحاً ... باللعن يصرخ فيهم بأذان وعنى الأُلى جعلوا القبور مساجداً ... وهم اليهود وعابدوا الصلبان والله لولا ذاك أبرز قبره ... لكنهم حجبوه بالحيطان قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمتنع ... السجود له على الأذقان (٢) ومما قاله ابن تيمية ﵀ في ذلك: (كان النبي ﷺ لما مات دفن في حجرة عائشة ﵂، وكانت هي وحجر نسائه في شرقي المسجد وقبليه، لم يكن

стр. 377

شيء من ذلك داخلاً في المسجد، واستمر الأمر على ذلك إلى أن انقرض عصر الصحابة بالمدينة) (١) . وقال ﵀: (لما أدخلت الحجرة في مسجده المفضل في خلافة الوليد بن عبد الملك بنوا عليها حائطاً وسنموه، وحرفوه لئلا يصل أحد إلى قبره الكريم ﷺ (٢) . وأما حديث أبي الهياج الأسدي، فلا شك في ثبوته، فكل ما ورد في صحيح مسلم ﵀ فهو صحيح، والمغالطة في صحة أحاديثه، مخالفة للقطعيات، وخرق لما عليه إجماع الأمة من تلقيه بالقبول، واتباع غير سبيل المؤمنين. قال مسلم (ت - ٢٦١هـ) ﵀ عن كتابه الصحيح: (لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث، فمدارهم على هذا المسند) (٣) . وقال ابن الصلاح (٤) ﵀: (جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر ... ؛ وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع) (٥) . وحين تحدث السخاوي (٦) ﵀ عن المفاضلة بين الصحيحين قال بعد

стр. 378

ذلك: (وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث) (١) . وأما معنى الحديث فيذكره ابن تيمية ﵀ بقوله: (أمره بمحو التمثالين: الصورة الممثلة على صورة الميت، والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره، فإن الشرك يحصل بهذا وبهذا) (٢) . وأما علة النهي عن البناء على القبور: فهو سد ذريعة الشرك، ولذلك استدل ابن تيمية ﵀ بهذا الحديث حين قال: (ولما كان هذا مبدأ الشرك في النصارى، وفي القبور، سدّ النبي ﷺ ذريعة الشرك) (٣) . وقد ذكر ﵀ أن تعظيم القبور عند من يعظمها من المنتسبين إلى الإسلام، ولم ينقد إلى شرع الله فيها، أدى بهم إلى الشرك بالله فبعضهم يعتقد أن زيارة شيخه مرة أفضل من عشر حجج، ومنهم من إذا سافر إلى مكان يضاف إلى نبي يُحرم إذا ذهب إليه كما يحرم الحاج، ومنهم من يستقبل قبر شيخه إذا صلى، ويستدبر الكعبة، ويقول: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذه الحالات موجودة عند كثير من أعيان العباد والزهاد. وأما غير هؤلاء فمنهم من يصلي إلى القبر، ومنهم من يسجد له، ومنهم من يسجد من باب المكان المبني على القبر، ومنهم من يستغني بالسجود لصاحب القبر عن الصلوات الخمس. ومنهم من يطلب من الميت ما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي، وارزقني، وانصرني إلى أمثال هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله (٤) . ولورود النهي الصريح من الرسول ﷺ بعدم اتخاذ القبور مساجد، وعدم

стр. 379

البناء عليها؛ فإن شيخ الإسلام ﵀ ينقاد إلى هذه الأحاديث طائعاً متبعاً ليقول بحرمة بناء هذه المساجد المبنية على القبور فمن قوله: (المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا تجوز الصلاة فيها، وبناؤها محرم) (١) ، وقد استدل بنهي النبي ﷺ عن اتخاد المساجد على القبور بقوله: «فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٢) . وقال ﵀: (لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها، أو بقصد الصلاة عندها) (٣) . ولأن المسجد المبني على القبر قد قام أساسه على غير طاعة الله ، وعلى معصية الرسول ﷺ ، فإنه يتعين إزالته وهدمه، حتى تسد ذريعة الشرك، وحتى لا يتشبه الناس بالمشركين، وحتى لا يغرر الجهلة به، أو المارة فيصلون فيه وهم لا يشعرون بوجود قبر بداخله، إضافة إلى امتثال أمر الرسول ﷺ ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد. قال ابن تيمية ﵀: (هذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم: يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين) (٤) . وقال: (قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر) (٥) .

стр. 380

المبحث الخامس دعوى أن ابن تيمية يساوي في المنزلة بين قبور الأنبياء وقبور غيرهم ومناقشتها المطلب الأول دعوى أن ابن تيمية يساوي في المنزلة بين قبور الأنبياء وقبور غيرهم يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ أن قبور الأنبياء ليست كقبور غيرهم من سائر الناس من أمور متعددة، ويرون أن ابن تيمية ﵀ ينكر هذه الخصائص التي تميزت بها قبور الأنبياء عن قبور غيرهم، ولا يثبتها. فمما يرون أن ابن تيمية ﵀ أنكره: مسألة شد الرحل لقبور الأنبياء دون قبور غيرهم، ولذلك يقول الحصني (ت - ٨٢٩هـ) : (وكان السبب في اعتقاله - أي ابن تيمية - أنه قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وأن زيارة قبور الأنبياء لا تشد إليها الرواحل كغيرها) (١) . ويرون أنه ﵀ ينكر حياة الأنبياء في قبورهم، سواء كان ذلك بالتصريح (٢) ، أو أن يبحث المناوئون لابن تيمية مسألة حياة الأنبياء في قبورهم ويركزوا عليها في كتبهم المخصصة للرد على ابن تيمية كما فعل ذلك السبكي

стр. 381

(ت - ٧٥٦هـ) (١) وغيره (٢) . يقول التقي الحصني (ت - ٨٢٩هـ) : (والرأي السخيف الذي أخذ به هؤلاء المبتدعة من التحاقه ﷺ بالعدم حاشاه من ذلك، يلزمه أن يقال: إنه ليس رسول الله ﷺ اليوم) (٣) . وقال في رده على ابن تيمية ﵀: (بيان زندقة من قال: إن روحه ﵊ فنيت، وأن جسده صار تراباً، وبيان زيغ ابن تيمية وحزبه) (٤) . ويرون أن حياة الأنبياء حياة حقيقية، إلا أنهم لا يحتاجون إلى الطعام والشراب، وليس في العقل ما يحيل هذه الحياة الحقيقية، كما يقول السبكي (ت - ٧٥٦هـ) : (ولا يلزم من كونها حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب.... فليس في العقل ما يمنع من إثبات الحياة الحقيقية لهم) (٥) . ويوردون السبب في قولهم بأن ابن تيمية ينكر حياة الأنبياء بأنه: (التذرع بذلك إلى تحريم التوسل بهم عن هوى) (٦) . ويرى المناوئون أن زيارة قبر النبي أفضل من زيارة قبر غيره لحقه علينا، ولورود أدلة خاصة تحث على زيارة قبره ﷺ . قال السبكي (ت - ٧٥٦هـ) : (لا أحد من الخلق أعظم بركة منه، ولا أوجب

стр. 382

حقاً علينا منه فالمعنى الذي في زيارة قبره لا يوجد في غيره، ولا يقوم غيره مقامه، كما أن المسجد الحرام لا يقوم غيره مقامه، ومن ههنا شرع قصده بخصوصه، ويتعين بخلاف غيره من القبور) (١) . ثم قال: (فزيارة قبره ﷺ مستحبة بعينها، لما ثبت فيها من الأدلة الخاصة) (٢) .

стр. 383

المطلب الثاني مناقشة الدعوى يتميز الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - بميزات عن غيرهم من سائر البشر، قد اختصهم الله بها تشريفاً لهم ورفعة منزلة. وليس الأمر فقط في قبورهم، بل حتى في قبض أرواحهم، فهم صلوات الله وسلامه عليهم يأتيهم ملك الموت يستأذنهم في قبض أرواحهم، ويخيرهم. ومن ذلك ما روته عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: «إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة» ، ثم يُحيا - أو يخير - فلما اشتكى، وحضره القبض، ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: «اللهم في الرفيق الأعلى» ، فقلت: إذاً لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح) (١) . وعن أبي سعيد (ت - ٧٤هـ) ﵁ (أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: «عبدٌ خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» ، فبكى أبو بكر وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به) (٢) .

стр. 384

وللأنبياء خصائص عديدة في قبورهم لا يشركهم فيها أحد غيرهم، قد أقر بها ابن تيمية ﵀ وأوْضَحَهَا، إلا أن الإشكال عند المناوئين لابن تيمية ﵀ أنهم يعادون عقيدة السلف كاملة عن طريق القدح في أعلامها، والدعاة إليها، فهم يتهمون ابن تيمية ﵀ بهذه التهمة؛ لأنه لم يوافقهم على بدعهم الضالة الباطلة، فهو لا يقول بجواز التوسل بالرسول ﷺ بعد مماته، ولا الاستغاثة به، وما دام الأمر كذلك فقد افتروا عليه بأنه يساوي في المنزلة بين قبور الأنبياء وقبور غيرهم (١) . وقبل بيان بعض خصائص الرسول ﷺ بعد دفنه، ينبه ابن تيمية ﵀ إلى بعض التنبيهات المهمة ومنها: ١ - أنه لا يشرع لقبره أي جنس من أنواع العبادات لم تشرع لغيره من القبور، بل لا يعمل عند قبره إلا ما يعمل عند قبور غيره من حيث السلام على المقبور والدعاء له (٢) . ٢ - أن السلام على الرسول ﷺ عند قبره ليس من خصائصه، بل هو كالسلام على غيره من المؤمنين، فليس لهذا السلام مزية عن غيره من القبور. يقول ابن تيمية ﵀: (وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشراً كما يصلي على من صلى عليه عشراً) (٣) . ٣ - عدم جواز شد الرحل، والسفر إلى قبره، وقبور غيره من الأنبياء كغيرها من قبور المؤمنين، للنهي العام عن شد الرحل إلا إلى المساجد الثلاثة،

стр. 385

وعدم وجود دليل ينص على جواز شد الرحل لزيارة قبر النبي ﷺ ، قال ابن تيمية ﵀: (أما السفر إلى مجرد زيارة قبر الخليل، أو غيره من مقابر الأنبياء والصالحين ومشاهدهم وآثارهم فلم يستحبه أحد من أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم) (١) . ٤ - أنه لا يجوز التوسل بالرسول ﷺ بعد مماته في قبره، ولا بث الشكوى إليه، والاستغاثة به، أو الاستشفاع به عند الله، وهذا ما سيتضح تفصيلاً في الفصل القادم. ٥ - أن قبور الأنبياء لا تستلم، ولا يتمسح بها، ولا يمرغ الخد عليها، ولا تستحب الصلاة عندها لذاتها، ولا تجوز الصلاة إليها، ولهذا يقول شيخ الإسلام - غفر الله له -: (اتفق السلف على أنه لا يستلم قبراً من قبور الأنبياء وغيرهم، ولا يتمسح به، ولا يستحب الصلاة عنده، ولا قصده للدعاء عنده، أو به؛ لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان) (٢) . ٦ - أن الداعي لا يتحرى الدعاء عند القبر لظنه أن الدعاء يستجاب في هذه البقعة أكثر منه في غيرها، بل نص العلماء على خلاف ذلك كما قال ابن تيمية ﵀: (ومع هذا لم يقل أحد منهم إن الدعاء مستجاب عند قبره، ولا أنه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجهاً إلى قبره ﷺ ، بل نصوا على نقيض ذلك، واتفقوا كلهم على أنه لا يدعى مستقبل القبر) (٣) . وقال - أيضاً - بعد أن ذكر أن الدعاء عند بقعة - بحكم الاتفاق لا قصداً - فإنه لا بأس به: (الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء

стр. 386

هناك أجوب منه في غيره، فهذا النوع منهي عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، وهو إلى التحريم أقرب) (١) . وإذا سلم الزائر لقبر النبي ﷺ فإنه لا يشرع له أن يحدث دعاء جديداً خاصاً بقبر المصطفى ﷺ (٢) . وبعد هذه التنبيهات المهمة التي ينبه عليها ابن تيمية ﵀ كثيراً في كتبه، يحسن أن أذكر وأتلمس بعض الخصائص التي يتميز بها الرسول ﷺ وهو في قبره عن غيره من آحاد المسلمين أو الصالحين، وذلك باستعراض ما كتبه شيخ الإسلام في هذا المجال من فتاوى، أو مباحث ومؤلفات، فإلى بعض الخصائص: الأولى: أن قبره ﷺ لايوصل إليه، بل هو داخل حجرته، ويسلم عليه الزائر لمسجده من بعد، فلا يستطاع الوصول إلى قبره الشريف، ولهذا قيل في أحد تخريجات كراهة مالك (ت - ١٧٩هـ) قول بعض الناس: زرت قبر النبي ﷺ ؛ لأن الزيارة الحقيقية التي يقف الزائر فيها على قبر المزور غير متحققة في قبر نبينا ﷺ ويوضح ابن تيمية ﵀ هذا المعنى بقوله: (ومما يوضح هذا أن الشخص الذي يقصد اتباعه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث يمكن زيارته، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر، ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه، بل يوسع المكان ليسع الزائرين، ومن اتخذه مسجداً جعل عنده صورة محراب، أو قريباً منه، وإذا كان الباب مغلقاً جعل له شباكاً على الطريق ليراه الناس فيه فيدعونه. وقبره ﷺ بخلاف هذا كله: لم يجعل للزوار طريق إليه بوجه من الوجوه، ولا قبر في مكان كبير يسع الزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر، بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة له) (٣) .

стр. 387

وقال في كلام له نفيس: (لا تمكن زيارة قبره، فإنه دفن في بيته، وحجب قبره عن الناس، وحيل بين الزائر وبين قبره، فلا يستطيع أحد أن يزور قبره كما تزار سائر القبور ... ولهذا لم ينقل عن أحد من السلف أنه تكلم بزيارة قبره فإن ذلك غير ممكن، ولهذا كرهها من كرهها؛ لأن مسماها باطل....) (١) . مع أن الصلاة والسلام على الرسول ﷺ عند قبره حسنٌ، لكن لو تمكن الناس منها لاتخذوها عيداً، ولأدت إلى الشرك، ولهذا نهي عن القرب من قبره، ودخول حجرته ﷺ (٢) . الثانية: أن الأنبياء لا يبلون، فلا تأكل الأرض أجسادهم، ولذلك فإن تراب قبورهم طاهر، ودليل ذلك ما رواه أوس بن أوس (٣) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أكثروا عليّ من الصلاة فيه - أي يوم الجمعة -، فإن صلاتكم معروضة علي» ، قال رجل: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - يعني بليت - قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٤) . يقول ابن تيمية ﵀: (مقابر الأنبياء لا تنتن، بل الأنبياء لا يبلون، وتراب قبورهم طاهر) (٥) . الثالثة: أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وقد دفن نبينا محمد ﷺ في

стр. 388

مكانه الذي مات فيه، في بيته، في حجرة عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ (١) . ويروى في هذا حديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لن يقبر نبي إلا حيث يموت» (٢) . الرابعة: أن الرسول ﷺ يدعى له من بعد ومن قرب، ويسلم عليه - أيضاً - من بعد ومن قرب، بخلاف غيره، فإنه لا يسلم عليه إلا عند قبره، وسلامنا على الرسول ﷺ من بُعد أو قرب يبلغه ﷺ ويعرض عليه، وهذا ما دلت عليه النصوص: كقوله ﷺ : «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (٣) . وعن أبي هريرة (ت - ٥٧هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤) . قال ابن تيمية ﵀: (وقد أمرنا الله أن نصلي عليه، وشرع لنا ذلك في كل صلاة أن نثني على الله بالتحيات، ثم نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وهذا السلام يصل إليه من مشارق الأرض ومغاربها، وكذلك إذا صلينا عليه فقلنا: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم

стр. 389

إنك حميد مجيد) (١) ... ) (٢) . فالرسول ﷺ يشعر بالسلام عليه، ويبلغ به من قبل الملائكة. قال ﵀: (وأما كون النبي ﷺ يشعر بالسلام عليه، فهذا حق، وهو يقتضي أن حاله بعد موته أكمل من حاله قبل مولده) (٣) . وقال - أيضاً -: (فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة والسلام يعرضان عليه، وأن ذلك يصل حيثما كنا) (٤) . لكن هل يسمع صلاة وسلام البعيد أم يعرضان عليه، وتبلغه بهما الملائكة؟. الصواب الذي عليه عامة أهل العلم، وهو مقتضى الأحاديث الصحيحة: أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه. وأما قول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد فممتنع. فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة. وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، وليس لأحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم (٥) . وأما سلام القريب: فإن الذي يسلم على الرسول ﷺ ، فإنه ﵊ يسمعه بخلاف البعيد، كما قال ابن تيمية ﵀: (لكن إذا صلى وسلم

стр. 390

عليه من بعيد بلغ ذلك، وإذا سلم عليه من قريب سمع هو سلام المسلم عليه) (١) . وقال ﵀ عن المصطفى ﷺ : (إنه يسمع سلام القريب، ويبلغ سلام البعيد وصلاته) (٢) . لكن السلام على الرسول ﷺ الذي تعبدنا الله به في الصلاة أفضل من السلام عليه ﷺ عند قبره. وهذا مما يدل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة أن السلام الذي لا يوجب الرد كما في الصلاة، أفضل من السلام الذي يوجب الرد. والسلام الذي لا يوجب الرد هو الذي يسلم الله على العبد بكل مرة عشراً، وأما السلام الموجب للرد فإنه ﷺ يرد على المسلم، كما كان يرد السلام على من سلم عليه في حياته؛ ولأن السلام الذي لا يوجب الرد مأمور به في الصلاة، وفي كل صلاة، وأما السلام الذي يوجب الرد فهو في مكان مخصوص، وفي زمن مخصوص لا يحصل إلا في بعض الأوقات، فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكن أحدهم يأتي إلى القبر ويسلم على الرسول ﷺ كلما دخل المسجد النبوي؛ لأنه غير مأمور به شرعاً. ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق المسلم عموماً فيشرك الرسول ﷺ غيره في هذا السلام، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ولهذا كان الصحابة والتابعون يعلمون أن السلام والصلاة غير الموجبة للرد أفضل من الذي يرد جوابه (٣) . ومن وجهة أخرى: فإن رد الرسول ﷺ السلام على من سلم عليه لا يوجب الدعاء له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، وهذا معلوم بالضرورة،
следующие страницы →