← Акыда

Акыда · id 9585

دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية - عرض ونقد

عبد الله بن صالح الغصن

Полный текст (645 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقد انتقد ابن الصلاح (ت - ٦٤٢هـ) ﵀ ابن عبد البر (ت - ٤٦٣هـ) ﵀ إيراده ما شجر بين الصحابة، فحين أثنى على كتابه (الاستيعاب) قال بعد ذلك: (لولا ما شانه به من إيراده كثيراً مما شجر بين الصحابة) (١) . وقال الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀: (تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين -، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا: فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه، لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة، وآحاد العلماء) (٢) . ثم جعل شروطاً لجواز الاطلاع على هذه الأمور، والبحث فيها بقوله: (وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوةً: للعالم المنصف، العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله - تعالى - حيث يقول ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] ، فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محّاء، وعبادة ممحصة) (٣) . ومن الإيمان بالصحابة: الإقرار بمنزلة أهل بيت الرسول ﷺ ، وفيهم أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأن لهم مكانة خاصة بحكم قربهم منه ﷺ (٤) .

стр. 492

ومما ورد فيهم في كتاب الله قوله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً * يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٣٢] . ومن السنة قول المصطفى الكريم صلوات ربي وسلامه عليه حين قام خطيباً: «أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (١) . وقد أمرنا بالصلاة عليهم في كل صلاة، وصيغتها ما ذكره الرسول ﷺ بقوله: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٢) . وقد كان أبو بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁ أعرف الناس بمنزلة أهل بيت الرسول ﷺ ، فقد حث على إرضائهم، والقرب منهم، وعدم إيذائهم وسبهم

стр. 493

بقوله: (ارقبوا محمداً ﷺ في أهل بيته) (١) . وقوله: (والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي) (٢) . وفضائلهم كثيرة متعددة: سواء كان الفضل العام لهم جميعاً، أو فضائلهم بأشخاصهم وأعيانهم مما لا يتسع المقام لذكره (٣) .

стр. 494

المبحث الثاني دعوى تخطئة شيخ الإسلام الصحابة بما فيهم الأئمة الخلفاء الأربعة، ومناقشتها المطلب الأول دعوى تخطئة شيخ الإسلام الصحابة بما فيهم الأئمة الخلفاء الأربعة يرى المناوئون لابن تيمية ﵀: أن ابن تيمية ﵀ يبغض الصحابة جميعاً بما فيهم الخلفاء الراشدون الأربعة وإن كان يستتر - أحياناً - بحبهم ويتظاهر بذلك. فيقولون: إن قلمه لم يسلم منه حتى الصحابة (١) . ويقولون إنه (اشتهر عنه تخطئة الناس جميعاً، حتى إمامه أحمد بن حنبل، بل الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي) (٢) . ويرى الحصني (ت - ٨٢٩هـ) أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يبغض الشيخين (٣) . ويقول: (مع أن كتبه مشحونة بالتشبيه والتجسيم، والإشارة إلى الازدراء

стр. 495

بالنبي ﷺ ، والشيخين، وتكفير عبد الله بن عباس ﵁ (١) وأنه من الملحدين..) (٢) . وقال: (رمز إلى تكفير الصديق..) (٣) . ويرون أن ابن تيمية يرى أنا أبا بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ (أسلم شيخاً يدري ما يقول) (٤) . وأما عن موقفه من عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ فإنهم يرون أنه يرمز إلى عدم الاعتداد بقوله (٥) . وأما عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ فكان يحب المال، وأما علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ فأسلم صبياً، والصبي لا يصح إسلامه على قول (٦) .

стр. 496

المطلب الثاني مناقشة الدعوى يعتقد ابن تيمية ﵀ في صحابة رسول الله ﷺ عقيدة أهل السنة والجماعة فيهم، ولا عجب في ذلك؛ إذ هو أحد أبرز شُرّاح معتقد السلف فيعتقد ﵀ وجوب الثناء على الصحابة - رضوان الله عليهم - بثناء القرآن الكريم والسنة النبوية عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح: ١٨] . وقال ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] ، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] . وأما الأحاديث فيذكر ابن تيمية ﵀ أنها مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون (١) كحديث: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» ، وحديث: «لا تسبوا

стр. 497

أصحابي ... » (١) ، فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة (٢) . وحين ذكر ابن تيمية ﵀ قول الله : ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣] . قال: (وإنما أيده في حياته بالصحابة) (٣) . وحين ذكر قول الله : ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥] . قال: (والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن القرآن حق: هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به بعد الأنبياء) (٤) . وحين ذكر قول الله : ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] . قال: (محمد ﷺ وأصحابه هم المصطفون من المصطفين من عباد الله) (٥) . ويعتقد ابن تيمية ﵀ محبة الصحابة، وتوليهم، كما قال في لاميته: حب الصحابة كلهم لي مذهب ... ومودة القربى بها أتوسل (٦) وقال: (أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الأديان يتولون أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بيته، ويعرفون حقوق الصحابة، وحقوق القرابة كما أمر الله بذلك ورسوله) (٧) .

стр. 498

وقد حكى ﵀ اتفاق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة (١) . وقد أثنى ﵀ على السابقين الأولين الذين منهم الخلفاء الأربعة، وبين أن الله أخبر أنه رضي عنهم، وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه أثابهم فتحاً قريباً لقول الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩] . وبين ﵀ منزلة السابقين الأولين بقوله: (لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم، لأن الله تعالى بيّن فضلهم في القرآن بقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] ، ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح) (٢) . وذكر أن قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ، نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين المقاتلين بعده (٣) . وقال بعد ذلك: (ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله - تعالى -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، وهم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم) (٤) . وأما موقف ابن تيمية ﵀ من سب الصحابة فيعتقد أنه حرام بالكتاب والسنة: فمن الكتاب قول الله : ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ [الحجرات: ١٢] ،

стр. 499

وأدنى أحوال الساب أن يكون مغتاباً، وقال : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨] ، والصحابة خيار المؤمنين، ولم يكتسبوا ما يوجب أذاهم؛ لأن الله رضي عنهم - رضىً مطلقاً، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبداً، وكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح، فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك (١) ، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] . واستدل ﵀ من السنة بأحاديث منها: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (٢) . وحديث: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٣) ، وغيرها من الأحاديث (٤) . ويقسم ابن تيمية ﵀ أنواع سب الصحابة وأحكامه تقسيماً جيداً: فمن اقترن بسبه دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي فهذا لا شك في كفره. ومن سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرد ذلك. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفراً قليلاً فهذا لا ريب في كفره. وأما من لعن وقبّح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن

стр. 500

الغيظ ولعن الاعتقاد (١) ، واللعن أشد من السب وقارنه النبي ﷺ بالقتل كما قال: «لعن المؤمن كقتله» (٢) . وأما موقف ابن تيمية ﵀ مما ورد في مساوئ الصحابة ومثالبهم فيمكن أن يفهم من مجموع كلامه أنه وضع قواعد ثابتة وسار عليها، ومن هذه القواعد: القاعدة الأولى: أن ما يُذكر من المطاعن والمثالب على الصحابة نوعان: الأول: منها ما هو كذب: إما كذب كله، وإما محرَّف قد دخله من الزيادة والنقصان والتغيير ما يخرجه إلى الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى (٣) ، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (٤) ، وأمثالهما من الكذابين. الثاني: ومنها ما هو صدق، وهذا قليل، ولهم معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوباً، وتجعلها من موارد الاجتهاد، التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من

стр. 501

هذا الباب، وقد أجاد شيخ الإسلام ﵀ في بيان الاعتذار لهم بكلام نفيس أجتزئ منه قوله عنهم: (لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم ... ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه.. ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع والعمل الصالح..) (١) . القاعدة الثانية: أن الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، والكلام في الصحابة من باب أولى، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقا، لا يباح قط بحال، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ [المائدة: ٨] . وأصحاب رسول الله ﷺ أحق من عدل عليهم في القول والعمل، والعدل مما اتفق أهل الأرض على محبته ومدحه، والله أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط كما في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] . وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] ، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] .

стр. 502

يقول ابن تيمية ﵀: (والمقصود هنا أنه إذا وجب فيما شجر بين عموم المؤمنين أن لا يتكلم إلا بعلم وعدل، ويرد ذلك إلى الله والرسول، فذاك في أمر الصحابة أظهر) (١) . القاعدة الثالثة: الإمساك عما شجر بين الصحابة، وعدم الخوض فيه، وهذا هو منهج السلف - رضوان الله عليهم - كما تقدم بيانه. ولابن تيمية ﵀ كلام نفيس في توضيح هذه القاعدة، وبيان لوازم الخوض فيما شجر بين الصحابة فهو يوقع في قلوب الخائضين ومن تلقى عنهم ذلك بغض الصحابة الكرام، ويتضمن أذية هؤلاء المتشاجرين، فيقول مبتدئاً توضيح المسألة بكلام عام: (إذا تشاجر مسلمان في قضية، ومضت، ولا تعلق للناس بها، ولا يعرفون حقيقتها، كان كلامهم فيها كلاماً بلا علم ولا عدل يتضمن أذاهما بغير حق، ولو عرفوا أنهما مذنبان أو مخطئان لكان ذكر ذلك من غير مصلحة راجحة من باب الغيبة المذمومة) (٢) . ثم قال: (لكن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أعظم حرمة، وأجل قدرا، وأنزه أعراضا، وقد ثبت في فضائلهم خصوصاً وعموماً ما لم يثبت لغيرهم، فلهذا كان الكلام الذي فيه ذمهم على ما شجر بينهم أعظم إثماً من الكلام في غيرهم) (٣) . وقال: (المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة، والاستغفار للطائفتين جميعاً وموالاتهم) (٤) . وقال ﵀ بعد ذكره أقوال الناس فيما حصل بين الصحابة: ( ... الرابع: الإمساك عما شجر بينهم مطلقاً.. وهو مذهب أهل السنة والجماعة) (٥) .

стр. 503

وقال ﵀: (ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم، وما وقع: منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفوراً، فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضاً وذمّا، ويكون هو في ذلك مخطئاً بل عاصياً، فيضر نفسه، ومن خاض معه في ذلك.. ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف) (١) . وبهذا بتبين موقفه ﵀ من صحابة رسول الله ﷺ الكرام، فيعتقد محبتهم، وعدم سبهم، وعدم الخوض فيما شجر بينهم، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة؛ وسط بين طرفين. وهدى بين ضلالتين، فهم وسط في باب صحابة رسول الله ﷺ بين الغلو في محبتهم أو بعضهم، وبين التفريط في بغضهم أو بعضهم. يقول ﵀ في تقرير وسطية أهل السنة: (هم وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الغالي في بعضهم الذي يقول بإلهيةٍ، أو نبوةٍ، أو عصمةٍ، والجافي فيهم: الذي يكفر بعضهم، أو يفسقه، وهم خيار الأمة) (٢) . وأما عن ادعاء المناوئين لابن تيمية ﵀ أنه يبغض الشيخين، وأنه ينتقص من منزلة الخلفاء الأربعة فهذا غير صحيح، بل لا يوجد له نص واحد ينتقص فيه الصحابة - رضوان الله عليهم - فضلاً عن الخلفاء الأربعة، الذين يعتقد أنهم خيار الأمة، فبعد أن ذكر أن أفضل الأمم أمة محمد ﷺ ، وأن أفضل الأمة: القرن الأول، وأن أفضل القرن الأول: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، قال: (وأفضل السابقين الأولين: الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الأمة، وجماهيرها) (٣) .

стр. 504

ويبين أن مرتبتهم في الفضل كمرتبتهم في الخلافة، فقال ابن تيمية ﵀ في عرضه معتقد أهل السنة: (وأن الخلفاء بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة) (١) . وقال ﵀: (أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم..) (٢) . وسأستعرض بعض جوانب موقف ابن تيمية ﵀ من الخلفاء الأربعة - كل على حده - مبتدئاً بأفضلهم، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ومؤخراً موقفه من الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلى المبحث الذي يليه؛ لأنه به ألصق حين الحديث عن آل البيت، وموقف ابن تيمية ﵀ منهم. أما أبو بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁ الذي يزعم المناوئون أن ابن تيمية يرمز إلى تكفيره، فقد كان له نصيب كبير في كتب ابن تيمية ﵀ من الثناء عليه، والاعتراف بفضله، وذكر النصوص الدالة على تقديمه على جميع الصحابة - رضوان الله عليهم -، موافقاً بذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة. وهو كثيراً ما يذكر ﵀ أن أكثر فضائل أبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ تعد من خصائصه التي لا يشركه أحد غيره، فيقول: ( ... ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره) (٣) .

стр. 505

ويمكن أن أجمع موقفه من خليفة رسول الله ﷺ وأرتبه في النقاط التالية: ١ - أنه أحب الناس إلى رسول الله ﷺ كما قال ﷺ : «لو كنت متخذاً لا تخذت أبا بكر خليلاً، إن صاحبكم خليل الله» (١) . وقيل للرسول ﷺ أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» ، قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها» (٢) . وثبت عن عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ أنه قال عنه: (أنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ (٣) . يقول ﵀ (إن أبا بكر كان أحب الصحابة إلى النبي ﷺ ، وأفضل عنده من عمر وعثمان وعلي وغيرهم، وكل من كان بسنة رسول الله ﷺ وأحواله أعلم كان بهذا أعرف، وإنما يستريب فيه من لا يعرف الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، فإما أن يصدق الكل، أو يتوقف في الكل) (٤) . ٢ - أنه أفضل الأمة على الإطلاق بعد رسول الله ﷺ ، ويدل على ذلك قول عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁: (وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وأنه كان خيرنا حين توفي رسول الله ﷺ (٥) . ٣ - أن مصاحبته لرسول الله ﷺ كانت أكمل من مصاحبة غيره، فهو أول

стр. 506

من أسلم من الرجال، واستمر مع النبي ﷺ في كل وقته لا يفارقه في حضر ولا سفر، وكان يستشيره النبي ﷺ في أحايين كثيرة، ويصحبه معه في المواقف الصعبة كصحبته في الهجرة، كما في حديث الغار المتقدم، وقد خصه النبي ﷺ بالصحبة بقوله: «هل أنتم تاركون لي صاحبي، هل أنتم تاركون لي صاحبي، إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت» (١) . يقول ابن تيمية ﵀: (الصديق في ذروة سنام الصحبة، وأعلى مراتبها، فإنه صحبه من حين بعثه الله إلى أن مات) (٢) . ثم بيّن ﵀ أنه لا نزاع بين أهل العلم بحال النبي ﷺ وأصحابه أن مصاحبة أبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ له كانت أكمل من مصاحبة سائر الصحابة، وذكر من سبب ذلك أنه كان أدوم اجتماعاً به ليلاً ونهاراً، وسفراً وحضراً (٣) . كما ثبت عن عائشة (ت - ٥٧هـ) ﵂ أنها قالت: (لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا ورسول الله ﷺ يأتينا فيه طرفي النهار) (٤) . ٤ - تبشير النبي ﷺ بالجنة في خصالٍ اجتمعت فيه، ولم تجتمع في أحد من الصحابة؛ وهذه منقبة عظيمة لأبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁، فقد ثبت عن المصطفى الكريم ﷺ أنه قال لأصحابه: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟» ، فقال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم جنازة؟» . قال أبو بكر: أنا. قال: «هل فيكم من عاد مريضاً؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «هل فيكم من تصدق

стр. 507

بصدقة؟» . فقال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (١) . ٥ - أنه أعلم الصحابة - رضوان الله عليهم -، وهذا بإجماع الصحابة، ومن بعدهم، كما ثبت في الصحيح أن أبا سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ قال: (وكان أبو بكر أعلمنا) (٢) . وقد نقل ابن تيمية ﵀ الإجماع على أن أبا بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ أعلم الصحابة، وأن أبا بكر كان يفتي ويقضي في حضرة النبي ﷺ وهو ساكت يقره على ذلك، ويرضى بما يقول، ولم تكن هذه المرتبة لغيره (٣) ، ويقول: (أما الصديق فإنه مع قيامه بأمور من العلم والفقه عجز عنها غيره حتى بينها لهم لم يحفظ له قول مخالف نصاً، وهذا يدل على غاية البراعة) (٤) . ٦ - أنه أشجع الناس وأصبرهم حين تضعف عزائم الأقوياء، وحين يأتي وقت الشجاعة فأبو بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ أشجع أصحاب رسول الله ﷺ لليقين والإيمان اللذين وقرا في قلبه. ففي الصحيح أن عقبة بن معيط (٥) جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر فدفعه عنه، وقال: ( ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] ) (٦) .

стр. 508

وتتضح شجاعته ﵁ أيضاً في حادثة فزع الصحابة بعد موت النبي ﷺ ، وثباته، بل وتثبيته الصحابة، وفي إنفاذه جيش أسامه (١) ، وقتال المرتدين، وغيرها. يقول ابن تيمية ﵀: (والمقصود هنا أن أبا بكر كان أشجع الناس، ولم يكن بعد الرسول ﷺ أشجع منه) (٢) . وقال - أيضاً - (وكان لأبي بكر مع الشجاعة الطبيعية شجاعة دينية، وهي قوة يقينية بالله ، وثقة بأن الله ينصره والمؤمنين، وهذه الشجاعة لا تحصل لكل من كان قوي القلب، لكن هذه تزيد بزيادة الإيمان واليقين، وتنقص بنقص ذلك) (٣) . ٧ - كثرة إنفاقه في سبيل الله وخاصة في بداية ظهور الإسلام في مكة، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر» (٤) ، وقال ﷺ : «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» (٥) . وقال ﵊: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، قال أبو بكر: هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون

стр. 509

منهم» (١) . يقول ابن تيمية ﵀: (والمقصود هنا أن الصديق كان أمن الناس في صحبته وذات يده لأفضل الخلق رسول الله ﷺ ؛ لكونه كان ينفق ماله في سبيل الله كاشترائه المعذبين، ولم يكن النبي ﷺ محتاجاً في خاصة نفسه لا إلى أبي بكر، ولا غيره، بل لما قال له في سفر الهجرة: إن عندي راحلتين فخذ إحداهما: قال النبي ﷺ : «بالثمن» (٢) . فهو أفضل صديق لأفضل نبي، وكان من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، لا يطلب جزاء من أحد من الخلق) (٣) . ٨ - أن النبي ﷺ كان يخصه بأمور هي دلائل على أنه يتبوأ منزلة خاصة، فهم منها كثير من أهل العلم أحقيته بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ومنها: أ - طلب الكتابة بالعهد إليه بعده: فقد قال ﵊ لعائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂: «ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً..» ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٤) . ب - الإرشاد لمن طلب من الرسول ﷺ أن يحدد له رجلاً يأتيه إن لم يجد الرسول ﷺ بأن يأتي أبا بكر، ومن ذلك: أن أمرأة أتت إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ - كأنها تريد

стр. 510

الموت -، قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (١) . جـ - استخلافه بالصلاة عنه في حياته، كما ثبت أن النبي ﷺ لما مرض واشتد مرضه قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق، متى يقم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس، فقال: «مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف» (٢) . يقول ابن تيمية ﵀: (بيّن ﷺ أنه يريد أن يكتب كتاباً خوفاً، ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه، والأمة حديثة عهد بنبيها، وهم خير أمة أخرجت للناس، وأفضل قرون هذه الأمة، فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي، فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم، أو لسوء القصد، وكلا الأمرين منتف، فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلي، وسوء القصد لا يقع من جمهور الأمة الذين هم أفضل القرون، ولهذا قال: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ، فترك ذلك لعلمه بأن ظهور فضيلة أبي بكر الصديق واستحقاقه لهذا الأمر يغني عن العهد فلا يحتاج إليه، فتركه لعدم الحاجة، وظهور فضيلة الصديق واستحقاقه، وهذا أبلغ من العهد) (٣) . وأما فضائل عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ فكثيرة، فمنها ما هو مشترك مع غيره من الصحابة ككونه من السابقين الأولين، وكونه من العشرة المبشرين بالجنة، وغيرها.

стр. 511

ومنها ما هو مشترك مع أبي بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵄ مثل: الأمر بالاقتداء بهما لقول الرسول ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (١) . وقوله ﷺ : «إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا» (٢) . ومحبة الرسول ﷺ لهما، فقد كان الصحابة كثيراً ما يسمعون رسول الله ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» (٣) . وقرن الرسول ﷺ إيمانه بإيمان أبي بكر (ت - ١٣هـ) ، وعمر (ت - ٢٣هـ) ﵄ في بعض المواضع، فقال ﵊: «بينما راع يرعى في غنمه إذ عدا الذئب فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، وقال: من لها يوم السَّبُع يوم لا راع لها غيري» ، فقال الناس: سبحان الله! ذئب يتكلم؟ فقال ﷺ : «فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر» (٤) . وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : «بينا رجل يسوق بقرة، قد حمَّل عليها، التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا! ولكني إنما خلقت للحرث» . فقال الناس: سبحان الله! تعجباً وفزعاً - أبقرة تتكلم؟. فقال: «فإني أومن بهذا وأبو بكر وعمر» (٥) .

стр. 512

ومن فضائله: ما أفردت بحديث مستقل: فهو أفضل الأمة بعد أبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ للنصوص المذكورة قبل قليل، ولغيرها. وهو مُحدَّث ملهم لقوله ﷺ : «قد كان في الأمم مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» (١) . وقد رأى الرسول ﷺ رؤى في عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ أوّلهَا ﵊ بالعلم، وبالدين، فقد قال نبي الرحمة ﷺ : «بينا أنا نائم إذ رأيت قدحاً أُتيت به فيه لبن، فشربت منه حتى إني لأرى الرّي يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي يعني عمر بن الخطاب» ، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم» (٢) . وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم رأيت الناس يُعرضون عليّ وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثُّدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك» ، ومرّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: «الدين» (٣) . وقد جعل الله الحق على لسان عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ ووافق التنزيل مراراً، كما قال عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ عنه -: (وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ، وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، قال: فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله ﷺ

стр. 513

نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت هذه الآية) (١) . وقد فرح الرسول ﷺ ، وصحابته معه بإسلام عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ حين أسلم، واعتز الإسلام بإسلامه، كما قال ابن مسعود (ت - ٣٢هـ) ﵁: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (٢) . وقد ذكر ابن تيمية ﵀ بعض صفات الفاروق - من غير ما ذُكر -، فمنها: خوفه من الله وذكر أحاديث في ذلك (٣) ، منها ما وراه المسور بن مخرمة (٤) ﵁ قال: لما طعن عمر جعل يألم، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذلك: لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت المسلمين فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، فقال: أمّا ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه، فإنما ذاك مَنُّ منَّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه، فإنما ذاك مَنٌ من الله مَنَّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل

стр. 514

أصحابك، والله لو أن لي طِلاع (١) الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه) (٢) . ومنها: أنه وقّاف عند حدود الله ودليل ذلك: أن رجلاً دخل عليه وقال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحر (٣) : يا أمير المؤمنين؛ إن الله - تعالى - قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله) (٤) . ومنها: عدله ﵁ يقول ابن تيمية ﵀ عن ذلك: (وبعدل عمر يضرب المثل) (٥) ، ويقول: (ومعلوم أن رعية عمر انتشرت شرقاً وغرباً.. ومع هذا فكلهم يصفون عدله، وزهده، وسياسته، ويعظمونه، والأمة قرناً بعد قرن تصف عدله وزهده وسياسته، ولا يُعرف أن أحداً طعن في ذلك) (٦) . وهذه الصفات وغيرها نماذج من سيرة ثاني الخلفاء الراشدين التي يقول عنها ابن تيمية ﵀ (لا يُعرف في سير الناس كسيرته) (٧) ، ومناقبه كثيرة، أطال

стр. 515

في ذكرها ابن تيمية ﵀ موثقاً ذلك بالآثار الثابتة الصحيحة التي يقول عنها: (وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب، ليست من أحاديث الكذابين، والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جداً) (١) . وأما فضائل عثمان بن عفان (ت - ٣٥هـ) ﵁ فكثيرة أيضاً، وموقف ابن تيمية ﵀ منها موقف المؤيد، بل والمقرر لها، والموضح، والشارح: فمن فضائله الواردة في النصوص: ما هو مشترك يدخل فيها معه غيره من الصحابة، سواء أكانوا قلة أم كثرة: كتبشيره بالجنة، وكونه من السابقين الأولين للإسلام، ومن النصوص ما يدل على أنه أفضل الأمة بعد الشيخين، وذلك لحديث ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ قال: (كنا في زمن النبي ﷺ : لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم) (٢) . قال ابن عبد البر (ت - ٤٦٣هـ) ﵀: (لم يكن بعد رسول الله ﷺ على الأرض أفضل من أبي بكر، ولم يكن بعده أفضل من عمر، ولم يكن بعده أفضل من عثمان، ولم يكن بعد عثمان على الأرض خير ولا أفضل من علي) (٣) . ومن فضائل عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ أن النبي ﷺ زوجه ابنتيه، ولذلك أطلق عليه لقب (ذو النورين) (٤) . ومن فضائله - أيضاً - مبايعة الرسول ﷺ عنه يوم بيعة الرضوان، فقد أراد رجل أن يطعن في عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ على أنه لم يحضر بيعة الرضوان، فأجابه ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ بأن بيعة الرضوان إنما كانت بسبب عثمان، فإن

стр. 516

النبي ﷺ بعثه إلى مكة، وبايع عنه بيدِه، ويد النبي ﷺ خير من يد عثمان (١) . يقول ابن تيمية ﵀: (فقد أجاب ابن عمر بأن ما يجعلونه عيباً ما كان منه عيباً فقد عفا الله عنه، والباقي ليس بعيب، بل هو من الحسنات، وهكذا عامة ما يعاب به على سائر الصحابة، هو إما حسنة، وإما معفو عنه) (٢) . ومنها: كثرة إنفاقه في سبيل الله، ويظهر ذلك جلياً حين جهز جيش العسرة، حتى جعل النبي ﷺ ذلك من الأسباب الماحية للذنوب، الموجبة لدخول الجنة، وحين حوصر عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ أشرف على من حاصره وقال لهم: (أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ : ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «من حفر رومة فله الجنة» فحفرتها، ألستم تعلمون أنه قال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» فجهزته، قال: «فصدقوه بما قال» (٣) . ومنها: حياؤه ﵁، فقد استأذن ﵁ على رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ مضطجع على فراش عائشة، فجلس رسول الله ﷺ وأصلح عليه ثيابه، وقال لعائشة: «اجمعي عليك ثيابك» فأذن له، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، فقال ﵊: «يا عائشة إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلى حاجته» (٤) . ومنها: صبره حين الفتن، وكفه عمّن قاتله، كل هذا مع اتفاق الصحابة -

стр. 517

رضوان الله عليهم - على بيعته، فلم يكن هناك اختلاف في توليته، بل ولاه المسلمون بعد المشورة ثلاثة أيام، وهم مؤتلفون، متفقون، متحابون، متوادون، ولم يعدلوا بعثمان غيره، يقول الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀: (ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان كانت بإجماعهم) (١) ، ومع ذلك ابتلي ﵁ بعد توليته كثيراً فصبر، وهذا من دلائل نبوة المصطفى ﷺ حين أخبر أنه من أهل الجنة على بلوى تصيبه، يقول ابن تيمية ﵀: (ومن المعلوم المتواتر أن عثمان كان أكف الناس عن الدماء، وأصبر الناس على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه فحاصروه، وسعوا في قتله، وقد عَرف إرادتهم لقتله، وقد جاءه المسلمون من كل ناحية ينصرونه، ويشيرون عليه بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم.. فكان صبر عثمان حتى قُتل من أعظم فضائله عند المسلمين) (٢) . وفي الجملة: فإن فضائل عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁ كثيرة، قد أقرّ بها ابن تيمية ﵀ ويذكرها وقت الحاجة إلى ذكرها، سواء أكانت مفرقة أم مجتمعة، فيقول في كلام عام عن فضائل عثمان (ت - ٣٥هـ) ﵁: (والمعلوم من فضائل عثمان، ومحبة النبي ﷺ له، وثنائه عليه، وتخصيصه بابنتيه، وشهادته له بالجنة، وإرساله إلى مكة، ومبايعته له عنه لما أرسله إلى مكة، وتقديم الصحابة له باختيارهم في الخلافة، وشهادة عمر وغيره له بأن رسول الله ﷺ مات وهو عنه راض، وأمثال ذلك مما يوجب العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه) (٣) . وأما موقفه من ابن عباس (ت - ٦٨هـ) ﵄ فهو: الثناء عليه؛ للثناء العام

стр. 518

على الصحابة - جميعاً -، ولثناء الرسول ﷺ عليه، ودعائه له بالفقه في الدين، ومعرفة التأويل، يقول ابن تيمية ﵀: (ابن عباس هو حبر الأمة، وأعلم الصحابة في زمانه..، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (١) (٢) . وبعد هذا تبين لنا موقف ابن تيمية ﵀ من الصحابة - جميعاً - وعقيدته فيهم، فهو يعتقد وجوب الثناء على الصحابة - جميعاً -، وأنهم أفضل الأمة، وقد حكى اتفاق أهل السنة على رعاية حقوق الصحابة، ويعتقد تحريم سب الصحابة، ووجوب الكف عن الخوض في مساوئ الصحابة، وفيما شجر بينهم. ثم تبين لنا أن ابن تيمية يعتقد أن أفضل الأمة: الخلفاء الأربعة، وأن ترتيبهم في الفضل هو ترتيبهم في الخلافة، ويعتقد أن لكلٍ فضلاً ومناقب، وإذا تبين ذلك عنه: فلا يجوز لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتهم ابن تيمية ﵀ بأنه ببغض الصحابة أو أحدهم، فضلاً عن تكفير الصحابة، أو أحدهم، أو أفضلهم. وقبل ختام هذا المبحث: يحسن بي أن أتوقف قليلاً لأبين ما يعتقده ابن تيمية ﵀ باختصار في معاوية بن أبي سفيان (ت - ٦٠هـ) ﵄ خاصة، ذلك أن بعض الطوائف والأشخاص يكفرونه، وبعضهم يبغضه ويلعنه (٣) . وابن تيمية يعتقد فيه أنه صحابي، أسلم عام الفتح، وإيمانه ثابت بالنقل المتواتر، وإسلامه يجب ما قبله من الذنوب، وأن سيرته خير وعدل، وأنه

стр. 519

أفضل ملوك المسلمين - فرضي الله عنه وأرضاه -، يقول ابن تيمية ﵀: (إيمان معاوية بن أبي سفيان ﵁ ثابت بالنقل المتواتر، وإجماع أهل العلم على ذلك، كإيمان أمثاله ممن آمن عام فتح مكة) (١) . وينقل ابن تيمية ﵀ ثناء ابن عباس (ت - ٦٨هـ) ﵄ عليه، والشهادة له بالفقه، فقد سأل رجل ابن عباس ﵄: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ إنه أوتر بركعة؟ قال: (أصاب إنه فقيه) (٢) . يقول ابن تيمية بعد ذلك: (فهذه شهادة الصحابة بفقهه، ودينه، والشاهد بالفقه ابن عباس) (٣) . ويذكر ﵀ أنه خير ملوك المسلمين، وأن سيرته في رعيته من خيار سير الولاة بقوله: (فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده) (٤) ، وحكى اتفاق العلماء على أنه أفضل ملوك هذه الأمة (٥) .

стр. 520

المبحث الثالث دعوى تكلف شيخ الإسلام الغمز على أهل البيت، وتعمية مناقبهم، ومناقشتها المطلب الأول دعوى تكلف شيخ الإسلام الغمز على أهل البيت، وتعمية مناقبهم يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يبغض آل بيت رسول الله ﷺ ، ولا يألوا جهداً في بث هذا البغض في كتبه عن طريق الغمز فيهم، وفي فضائلهم، وإن تستر بحبهم، والثناء عليهم. فيقولون عنه: إنه ينفي كل فضيلة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁، أو لأهل بيته (١) . وأنه من أعداء آل بيت رسول الله ﷺ (٢) . وأنه شبّه فاطمة (ت - ١١هـ) ﵂ بالمنافقين (٣) . ويرون أنه أظهر بغضه لرابع الخلفاء الراشدين أكثر من غيره من آل بيت رسول الله ﷺ ، وذلك يتضح بالآتي: أ - إنكاره العلم الخاص بعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ وإنكار كونه أكثر علماً من أبي بكر (ت - ١٣هـ) ﵁ يقول أحدهم: (زاد ابن تيمية فأنكر اختصاص علي

стр. 521

عليه السلام بعلم لا يكون عند الشيخين ﵄ (١) . وقال آخر في مقام بيانه أن علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ أكثر علماً من الشيخين ﵄: (وابن تيمية أعرف الناس بذلك، ولكنه يفتري الكذب، ويتجاهل لنصرة رأيه، وغمط حق المولى علي ﵇، بل كل من يصرح بأعلمية أبي بكر على علي ﵄ فإنما يباهت، وينكر ما يكاد يعلمه من نفسه بالضرورة، بل هو معلوم بالضرورة جزماً) (٢) . وذكروا من علومه الخاصة به دون غيره: بسط اليد في العلم الظاهر والباطن، والإخبار عن الأحداث الماضية والآتية إلى قيام الساعة! (٣) . ب - الحقد الدفين عليه، وإبطان بغضه، وإن تستر بحبه، وأنه لم يكف - أبداً - عن انتقاص علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ وذكره بالقبيح (٤) . ج - أنه لا يرى أن خلافة علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ خلافة نبوة (٥) . د - أنه يرى أن الباغي والمعتدي هو علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ على معاوية (ت - ٦٠هـ) ﵁ يقول أحدهم: (يشير بذلك إلى أن البغي وقع من علي ﵇ (٦) . هـ - أنه ينتقص علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ في سائر صفات الفضل من العلم، والزهد، والصدق، والشجاعة وغيرها (٧) .

стр. 522

المطلب الثاني مناقشة الدعوى الحديث في هذا المطلب سوف ينحصر - بإذن الله - في مسألتين: المسألة الأولى: موقف ابن تيمية من آل البيت عموماً. المسألة الثانية: بيان موقف ابن تيمية ﵀ من علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ خصوصاً، لإفراد خصوم ابن تيمية ﵀ الحديث عنه كثيراً. أما الأولى: فموقف ابن تيمية ﵀ من آل البيت واضح جلي لمن استعرض كتبه: فهو يعتقد اعتقاد أهل السنة والجماعة فيهم وهو محبتهم والثناء عليهم، وقد قرر وجوبها وفرضيتها في مواضع متعددة من كتبه، يقول ﵀: (محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه..) (١) ، وقال: (ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة) (٢) ، وكلما زادت محبة الرسول ﷺ في قلب امريء مسلم فإنه تزيد محبته لأهل بيت النبي ﷺ ، ولذلك فإن أكثر من عرف حق آل بيت النبي ﷺ هو أبو بكر الصديق (ت - ١٣هـ) ﵁، وذلك لمحبته رسول الله ﷺ المحبة الكاملة، يقول ابن تيمية ﵀: (وكان ﵁ من أعظم المسلمين رعاية لحق قرابة رسول الله ﷺ ، وأهل بيته، فإن كمال محبته للنبي ﷺ أوجب سراية الحب لأهل بيته، إذ كان رعاية أهل بيته مما أمر الله ورسوله به) (٣) ، وذكر قول الصديق: (ارقبوا محمداً في آل بيته) (٤) ، وقال: (والله لقرابة رسول الله ﷺ

стр. 523

أحب إلي أن أصل من قرابتي) (١) . وقد توقف ﵀ في كلام نفيس له حول أفضلية أهل البيت على غيرهم ممن هو دونهم؛ بأنه ليس للنسب فقط - وإن كان النسب له اعتبار - وإنما لاجتماع النسب مع الإيمان والتقوى، كما قال الله عن آل الأنبياء بعد ذكره جملة منهم: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] ، فحصول الفضيلة لهم كان بمجموع الأمرين: هدايتهم إلى الصراط المستقيم، واجتباؤهم وتفضيلهم على غيرهم في النسب، وقد قال ﷺ : «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (٢) ، وقال ﷺ : «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٣) . يقول ﵀: (لا ريب أن لآل محمد ﷺ حقاً على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش، كما أن قريشاً يستحقون من المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل.. وأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة، ومدح الله للشخص المعين، وكرامته عند الله تعالى فهذا لا يؤثر فيه النسب، وإنما يؤثر فيه الإيمان والعمل الصالح، وهو التقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .. وهذا لا ينافي ما ذكرناه من أن بعض الأجناس والقبائل أفضل من بعض، فإن هذا التفضيل معناه كما قال النبي ﷺ : «الناس

стр. 524

معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» ، فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب، ومعدن فضة؛ كان معدن الذهب خيراً؛ لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فيه، فإن قُدِّر أنه تعطل ولم يُخرج ذهباً، كان ما يخرج الفضة أفضل منه) (١) . وبين أن الأمر وسط فلا تلغى فضيلة النسب جملة، ولا تجعل هي المعيار الوحيد لقرب العبد من ربه أو بعده منه فقال: (هذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقاً، دون من ظن أن الله تعالى يفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في الإيمان والتقوى، فضلاً عمّن هو أعظم إيماناً وتقوى، فكلا القولين خطأ وهما متقابلان، بل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية ... ) (٢) . وقد نبّه ﵀ إلى منهج الوسطية عند أهل السنة والجماعة في محبة آل بيت رسول الله ﷺ فلا يجوز الغلو فيهم، وإعطاؤهم فوق منزلتهم؛ لأن هذا شرك بهم، كما أنه لا يجوز انتقاص قدرهم، وغمطهم حقهم، سواء كان ذلك تحقيراً لهم، وعدم اعتراف بحقهم، أو كان ذلك من باب مقابلة الغلو بالإجحاف والتقصير، يقول - قدس الله روحه -: (الغالية في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ، تجدهم مشركين بهم، لا متبعين لهم في خبرهم وأمرهم، فخرجوا عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) (٣) ، ويقول ﵀ في ضرب الأمثلة لمن قابل البدعة ببدعة مثلها: (كما قد يصير بعض الجهال المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت؛ إذا رأى أهل البدعة يغلون فيها) (٤) . وأهل البيت عقيدتهم هي عقيدة الصحابة، أهل السنة والجماعة، ودينهم

стр. 525

الصدق والتقوى، لا الكذب والتقية - كما تزعمه الرافضة -، وهذا ما يقرره شيخ الإسلام ﵀ بقوله: (إن أئمة أهل البيت كعليّ وابن عباس ومن بعدهم، كلهم متفقون على ما اتفق عليه سائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان من إثبات الصفات والقدر) (١) . ويقول: (وأئمة المسلمين من أهل بيت رسول الله ﷺ وغيرهم متفقون على القول الوسط، المغاير لقول أهل التمثيل، وقول أهل التعطيل) (٢) . إن لأهل بيت رسول الله ﷺ حقوقاً على المسلمين، وإن عليهم حقوقاً - أيضاً - فمنها: استحقاقهم الفيء (٣) ، وأن الصدقة لا تحل لهم (٤) ، ومما يتميزون به أن إجماع العترة حجة (٥) ، ومما يتميزون به - أيضاً - وجوب الصلاة عليهم، لقوله ﷺ : «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٦) ، وفي حديث أبي حميد الساعدي (٧) «وعلى أزواجه وذريته» (٨) ، يقول ﵀: (الصلاة والسلام على آل محمد، وأهل بيته تقتضي أن يكونوا أفضل من سائر أهل

стр. 526

البيوت، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: بنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم) (١) . وأزواج النبي ﷺ من آل بيته - على الصحيح - كما يقول ابن تيمية ﵀: (هل أزواجه من أهل بيته؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنهن لسن من أهل البيت، ويروى هذا عن زيد بن أرقم (٢) ، والثاني - وهو الصحيح - أن أزواجه من آله) (٣) . وقال: (ودليل ذلك أن أزواجه هم ممن يصلى عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين) (٤) . ولذلك فإن محبتهن واجبة، وبغضهن وسبّهن محرم: يقول ﵀: (ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة (٥) ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق ﵄ التي قال فيها النبي ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٦) (٧) .

стр. 527

وأما من قذف أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ : سواء كانت عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ أو غيرها، فهو كافر؛ لأن هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله ﷺ ، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده (١) . ولا يزال ابن تيمية ﵀ يثني على آل بيت رسول الله ﷺ ، فيعتقد أن أفضل أهل بيت رسول الله ﷺ هو الرسول ﵊ (٢) . وأما أفضل آل بيته من بعده فهو علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ ثم حمزة (٣) ، وجعفر (٤) ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (٥) ؛ وهؤلاء هم السابقون للإسلام (٦) . وأما أعلم آل بيت الرسول ﷺ فهو علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ ثم ابن عباس (ت - ٦٨هـ) ﵄ كما بين ذلك في منهاج السنة (٧) . وأما موقف ابن تيمية ﵀ من فاطمة (ت - ١١هـ) ﵂ بنت رسول الله ﷺ فهو مثل موقف أهل السنة، والجماعة تجاهها، حيث هي من أهل بيت

стр. 528

رسول الله ﷺ ، ومن السابقين إلى الإسلام، ويعتقد أنها سيدة نساء العالمين (١) . وأن تزويجها لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ فضل له، لا لها (٢) ، وقد بين الرسول ﷺ محبته لها في أحاديث متعددة منها قوله: «إنما ابنتي بضعة مني يَريبني مارابها ويؤذيني ما آذاها» (٣) ، وفي مقام بيانه ﷺ عدم قبوله الشفاعة في حدود الله حتى في أقرب قريب وحبيب ضرب لذلك مثلاً بأقرب الناس إليه وهي فاطمة حيث قال ﷺ : «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٤) ، وبين ﵀ أن الرافضة يذمونها بما ظاهره المدح (٥) . وأما موقفه من الحسن (٦) ، والحسين (٧) ﵄ فهو: - كمن سبقهما -،

стр. 529

واحتج بالحديث الصحيح في فضل الحسن (ت - ٤٩هـ) ﵁ وهو قوله ﷺ عنه: «اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه» (١) . وقال عن الحسين (ت - ٦١هـ) ﵁: (والحسين ﵁ ولعن قاتله قُتل مظلوماً شهيداً في خلافته (٢) (٣) . وقال عنهما في مقام الثناء عليهما، والاعتذار لهما: (الحسن تخلى عن الأمر وسلمه إلى معاوية، ومعه جيوش العراق، وما كان يختار قتال المسلمين قط، وهذا متواتر من سيرته ... والحسين ﵁ ما خرج يريد القتال، ولكن ظن أن الناس يطيعونه، فلما رأى انصرافهم عنه، طلب الرجوع إلى وطنه، أو الذهاب إلى الثغر..) (٤) . وقال: (والحسن والحسين من أعظم أهل بيته اختصاصاً به) (٥) ، ثم ذكر الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه أدار كساءه على علي، وفاطمة، والحسن والحسين ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» (٦) . وقال ﵀ عن علي بن الحسين (٧) : (من كبار التابعين، وساداتهم علماً وديناً) (٨) .

стр. 530

وقال: (وأما ثناء العلماء على علي بن الحسين ومناقبه فكثيرة ... ) (١) . وأما أبو جعفر الباقر (٢) ، فقد قال عنه ابن تيمية ﵀: (من خيار أهل العلم والدين، وقيل: إنما سمي الباقر، لأنه بقر العلم؛ لا لأجل بقر السجود جبهته) (٣) . وقال ﵀ عن جعفر الصادق (ت - ١٤٨هـ) : (من خيار أهل العلم والدين..) (٤) . وقال عنه: (فإن جعفر بن محمد من أئمة الدين باتفاق أهل السنة) (٥) . وقال عن أبي جعفر الباقر (ت - ١١٤هـ) وجعفر الصادق (ت - ١٤٨هـ) - رحمهما الله -: (ولا ريب أن هؤلاء من سادات المسلمين، وأئمة الدين، ولأقوالهم من الحرمة والقدر ما يستحقه أمثالهم) (٦) . ونقل في توثيق موسى بن جعفر (٧) ، قول أبي حاتم الرازي (ت - ٢٧٧هـ) ﵀ عنه: (ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين) (٨) . وأما من بعد هؤلاء من الأئمة الاثني عشر فلم يؤخذ عنهم من العلم ما
следующие страницы →