البيوت، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: بنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم) (١) .
وأزواج النبي ﷺ من آل بيته - على الصحيح - كما يقول ابن تيمية ﵀: (هل أزواجه من أهل بيته؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: أنهن لسن من أهل البيت، ويروى هذا عن زيد بن أرقم (٢) ، والثاني - وهو الصحيح - أن أزواجه من آله) (٣) .
وقال: (ودليل ذلك أن أزواجه هم ممن يصلى عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين) (٤) .
ولذلك فإن محبتهن واجبة، وبغضهن وسبّهن محرم:
يقول ﵀: (ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة (٥) ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية.
والصديقة بنت الصديق ﵄ التي قال فيها النبي ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٦)(٧) .
стр. 527
وأما من قذف أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ : سواء كانت عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ أو غيرها، فهو كافر؛ لأن هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله ﷺ ، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده (١) .
ولا يزال ابن تيمية ﵀ يثني على آل بيت رسول الله ﷺ ، فيعتقد أن أفضل أهل بيت رسول الله ﷺ هو الرسول ﵊ (٢) .
وأما أفضل آل بيته من بعده فهو علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ ثم حمزة (٣) ، وجعفر (٤) ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (٥) ؛ وهؤلاء هم السابقون للإسلام (٦) .
وأما أعلم آل بيت الرسول ﷺ فهو علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ ثم ابن عباس (ت - ٦٨هـ) ﵄ كما بين ذلك في منهاج السنة (٧) .
وأما موقف ابن تيمية ﵀ من فاطمة (ت - ١١هـ) ﵂ بنت رسول الله ﷺ فهو مثل موقف أهل السنة، والجماعة تجاهها، حيث هي من أهل بيت
стр. 528
رسول الله ﷺ ، ومن السابقين إلى الإسلام، ويعتقد أنها سيدة نساء العالمين (١) .
وأن تزويجها لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ فضل له، لا لها (٢) ، وقد بين الرسول ﷺ محبته لها في أحاديث متعددة منها قوله: «إنما ابنتي بضعة مني يَريبني مارابها ويؤذيني ما آذاها» (٣) ، وفي مقام بيانه ﷺ عدم قبوله الشفاعة في حدود الله حتى في أقرب قريب وحبيب ضرب لذلك مثلاً بأقرب الناس إليه وهي فاطمة حيث قال ﷺ : «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٤) ، وبين ﵀ أن الرافضة يذمونها بما ظاهره المدح (٥) .
وأما موقفه من الحسن (٦) ، والحسين (٧) ﵄ فهو: - كمن سبقهما -،
стр. 529
واحتج بالحديث الصحيح في فضل الحسن (ت - ٤٩هـ) ﵁ وهو قوله ﷺ عنه: «اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه» (١) .
وقال عن الحسين (ت - ٦١هـ) ﵁: (والحسين ﵁ ولعن قاتله قُتل مظلوماً شهيداً في خلافته (٢)(٣) .
وقال عنهما في مقام الثناء عليهما، والاعتذار لهما: (الحسن تخلى عن الأمر وسلمه إلى معاوية، ومعه جيوش العراق، وما كان يختار قتال المسلمين قط، وهذا متواتر من سيرته ... والحسين ﵁ ما خرج يريد القتال، ولكن ظن أن الناس يطيعونه، فلما رأى انصرافهم عنه، طلب الرجوع إلى وطنه، أو الذهاب إلى الثغر..) (٤) .
وقال: (والحسن والحسين من أعظم أهل بيته اختصاصاً به) (٥) ، ثم ذكر الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه أدار كساءه على علي، وفاطمة، والحسن والحسين ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» (٦) .
وقال ﵀ عن علي بن الحسين (٧) : (من كبار التابعين، وساداتهم علماً وديناً) (٨) .
стр. 530
وقال: (وأما ثناء العلماء على علي بن الحسين ومناقبه فكثيرة ... ) (١) .
وأما أبو جعفر الباقر (٢) ، فقد قال عنه ابن تيمية ﵀: (من خيار أهل العلم والدين، وقيل: إنما سمي الباقر، لأنه بقر العلم؛ لا لأجل بقر السجود جبهته) (٣) .
وقال ﵀ عن جعفر الصادق (ت - ١٤٨هـ) : (من خيار أهل العلم والدين..) (٤) .
وقال عنه: (فإن جعفر بن محمد من أئمة الدين باتفاق أهل السنة) (٥) .
وقال عن أبي جعفر الباقر (ت - ١١٤هـ) وجعفر الصادق (ت - ١٤٨هـ) - رحمهما الله -:
(ولا ريب أن هؤلاء من سادات المسلمين، وأئمة الدين، ولأقوالهم من الحرمة والقدر ما يستحقه أمثالهم) (٦) .
ونقل في توثيق موسى بن جعفر (٧) ، قول أبي حاتم الرازي (ت - ٢٧٧هـ) ﵀ عنه: (ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين) (٨) .
وأما من بعد هؤلاء من الأئمة الاثني عشر فلم يؤخذ عنهم من العلم ما
стр. 531
يذكر به أخبارهم في كتب المشهورين بالعلم وتواريخهم (١) .
وفي الجملة: فمحبة ابن تيمية ﵀ لآل البيت ظاهرة، وثناؤه عليهم متواصل، سواء كان ذلك في فضائلهم العامة التي يشتركون فيها جميعاً، أو كان ذلك في فضائل بعضهم على بعض، أو على سائر الأمة، يقول ﵀ مقرراً حقوقهم بكلام عام: (ولا ريب أن لآلِ محمد ﷺ حقاً على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش، كما أن قريشاً يستحقون من المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل، كما أن جنس العرب يستحق من المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم.. ولا ريب أنه قد ثبت اختصاص قريش بحكم شرعي، وهو كون الإمامة فيهم دون غيرهم، وثبت اختصاص بني هاشم بتحريم الصدقة عليهم، وكذلك استحقاقهم من الفيء عند أكثر العلماء، وبنو المطلب معهم في ذلك.. فهم مخصوصون بأحكام لهم وعليهم، وهذه الأحكام تثبت للواحد منهم وإن لم يكن رجلاً صالحاً) (٢) .
وفي المقابل فإن الرافضة يلمزون أهل السنة والجماعة جميعهم بالوقيعة في أهل البيت، وبغضهم، كما فعلوا ذلك بابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀ وغيره (٣) .
المسألة الثانية: موقف ابن تيمية ﵀ من علي بن أبي طالب ﵁.
أثنى ابن تيمية ﵀ على الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ وذكر فضائله، ومناقبه، وأنصفه من خصومه، ولكي أعطي صورة سريعة ومجملة حول موقفه منه يحسن بي أن أذكر النقاط التالية:
١ - علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ أفضل الأمة بعد الخلفاء الأوائل
стр. 532
الثلاثة، وذلك موافق للنصوص الشرعية (١) .
٢ - أنه آخر الخلفاء الراشدين، وأن ذلك مما اتفقت عليه الأمة، يقول ابن تيمية ﵀: (وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ (٢) .
وقد أثبت الرسول ﷺ أن خلافته خلافة نبوة، كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀ في مواضع متعددة (٣) ، من حديث سفينة (٤) المشهور قوله: قال رسول الله ﷺ : «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» قال سفينة ﵁: أمسك: مدة أبي بكر سنتان، وعمر عشر، وعثمان اثنتا عشرة، وعليّ كذا) (٥) ، أي ست سنوات.
قال ابن تيمية ﵀: (عليّ آخر الخلفاء الراشدين، الذين هم ولايتهم خلافة نبوة ورحمة، وكلٌ من الخلفاء الأربعة ﵃ يشهد له بأنه من أفضل أولياء الله المتقين) (٦) .
٣ - أن محبته من السنة ومن الإيمان، يقول ابن تيمية ﵀: (وأما
стр. 533
علي ﵁ فإن أهل السنة يحبونه ويتولونه، ويشهدون بأنه من الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين) (١) .
٤ - أنه من أهل الجنة وأنه يموت شهيداً (٢) .
٥ - أن سيرته فيها العلم والعدل والبر والرشاد، كما يقول عنه شيخ الإسلام: (وأما عثمان وعلي ﵄ فهما من الخلفاء الراشدين، وسيرتهما سيرة العلم والعدل والهدى والرشاد والصدق والبر) (٣) ، ويقول - أيضاً -: (وكانت سيرة أبي بكر في قسم الأموال: التسوية، وكذلك سيرة علي ﵁، فلو بايعوا علياً أعطاهم ما أعطاهم أبو بكر، مع كون قبيلته أشرف القبائل..) (٤) .
٦ - أثبت له ابن تيمية ﵀ كثيراً من الصفات الحميدة، وقررها، فمنها:
أ - أنه يحب الله، ويحبه الله، كما يقول ابن تيمية ﵀: (وأما علي ﵁ فلا ريب أنه ممن يحب الله ويحبه الله ... ) (٥) .
ب - أثبت له صفة الزهد بقوله: (وأما زهد علي ﵁ في المال فلا ريب فيه) (٦) .
جـ - أثبت له صفة الصدق بقوله: (نحن نعلم أن علياً كان أتقى لله من أن يتعمد الكذب) (٧) .
٧ - جواز الدعاء له بالصلاة عليه؛ وذلك لدخوله في آل بيت النبي ﷺ ، بل هو أفضلهم، فدخوله من باب أولى حين الصلاة على محمد وآله في قولنا: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ... ) .
стр. 534
وأما الصلاة عليه منفرداً: فإن كان لا على سبيل الدوام والاستمرار فهذا جائز على الصحيح.
وأما إن كانت الصلاة عليه بحيث يجعل ذلك شعاراً مقروناً باسمه، مضاهاة للنبي ﷺ ، فهذا لا يجوز وهو بدعة، سواء كان المصلى عليه علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ أو كان غيره من الصحابة أو القرابة (١) .
ونجد من دعاء ابن تيمية ﵀ له، أنه يعقب اسمه بقوله: ﵇ مراراً (٢) .
٨ - يدافع عنه ابن تيمية ﵀ وينصفه من خصومه، ويعتقد أن سبه ولعنه من البغي الذي تستحق به الطائفة التي تلعنه، أو تسبه أن يقال لها: الطائفة الباغية (٣) ثم ذكر حديث أبي سعيد (ت - ٧٤هـ) ﵁ فقال حين ذكر بناء مسجد رسول الله ﷺ : كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ ، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» (٤) .
وفي حديث آخر أن عماراً حين جعل يحفر الخندق جعل رسول الله ﷺ يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية» (٥) .
قال ابن تيمية ﵀: (وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة علي، ووجوب
стр. 535
طاعته، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة، والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار..) (١) .
٩ - أنه أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية (ت - ٦٠هـ) ﵄ فيما حصل بينهما، مع أن كلا الطائفتين معها بعض الحق، فبعد ذكره حديث أبي سعيد الخدري (ت - ٧٤هـ) ﵁ قوله: قال رسول الله ﷺ : «تمرق مارقة عند فُرقةٍ من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق» (٢) . قال: (وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق، وأن علياً ﵁ أقرب إلى الحق) (٣) .
وقال ﵀: (ولو قدح رجل في علي بن أبي طالب بأنه قاتل معاوية، وأصحابه، وقاتل طلحة والزبير، لقيل له: علي بن أبي طالب أفضل وأولى بالعلم والعدل من الذين قاتلوه، فلا يجوز أن يجعل الذين قاتلوه هم العادلين، وهو ظالم لهم) (٤) .
وقال - أيضاً -: (ولم يسترب أئمة السنة، وعلماء الحديث: أن علياً أولى بالحق، وأقرب إليه، كما دل عليه النص، وإن استرابوا في وصف الطائفة الأخرى بظلم أو بغي، ومن وصفها بالظلم والبغي لما جاء من حديث عمار، جعل المجتهد في ذلك من أهل التأويل) (٥) .
١٠ - وأما عن تخصيص علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ بعلم من علم الغيب، فليس بصحيح، فكل ما ينقل عنه أن الرسول ﷺ خصه بعلم الباطن فهذا كذب عليه،
стр. 536
كيف وقد قال الله : ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ، وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
يقول ابن تيمية ﵀ بعد أن بين أن الرسول ﷺ ليس له علم خاص باطن يخص به أحداً، بخلاف ما يظهره لعامة الناس: (وكل من كان عارفاً بسنته وسيرته علم أن ما يروى خلاف هذا فهو مختلق كذب، مثل ما يذكره بعض الرافضة عن علي أنه كان عنده علم خاص باطن يخالف هذا الظاهر) (١) .
ثم قال: (وقد أجمع أهل المعرفة بالمنقول على أن ما يروى عن علي وعن جعفر الصادق من هذه الأمور التي يدعيها الباطنية كذب مختلق) (٢) .
وقال ﵀: (وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من اختصاص علي بعلم انفرد به عن الصحابة فكله باطل ... ، وما يقوله بعض الجهال أنه شرب من غُسل النبي ﷺ فأورثه علم الأولين والآخرين، من أقبح الكذب البارد، فإن شرب غُسل الميت ليس بمشروع، ولا شرب علي شيئاً، ولو كان هذا يوجب العلم لشركه في ذلك كل من حضر، ولم يرو هذا عن أحد من أهل العلم، وكذلك ما يذكر أنه كان عنده علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما: فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية) (٣) .
وقد قال علي (ت - ٤٠هـ) ﵁: (والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما عهد إليّ النبي ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس، إلا ما في هذه الصحيفة، - وكان فيها العقل (٤) ، وفكاك الأسرى، وأن لا يقتل مسلم بكافر -، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في الكتاب) (٥) .
стр. 537
وفي الجملة: فثناء ابن تيمية ﵀ على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ مبثوث في كتبه، قد أقره معترفاً به، مستدلاً على ذلك بنصوص الكتاب والسنة، يقول ﵀: (وعلي ﵁ فضّله الله وشرّفه بسوابقه الحميدة، وفضائله العديدة) (١) .
وقال: (وكتب أهل السنة من جميع الطوائف مملوءة بذكر فضائله ومناقبة، وبذم الذين يظلمونه من جميع الفرق، وهم ينكرون على من سبه، وكارهون لذلك) (٢) .
ومع كل هذا الثناء، والاعتراف بقدره، وموافقة أهل السنة في عقيدتهم فيه، إلا أن المناوئين لابن تيمية ﵀ يتهمونه بأنه يبغض علياً، وأنه ينتقص حقه، ويخفي فضائله، وحال المناوئين معه كما قال الشاعر:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم (٣)
وابن تيمية ﵀ وإن كان قد أثنى على علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلا أنه لم يغل فيه، ولم يغمطه حقه، بل كان وسطاً، ففي مناقشاته للرافضة يحاول كثيراً إقناعهم بالمنهج الوسط ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وذلك ببيان فضائل الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ وخصائصهم، وأنهم أفضل منه، لأن الرافضة لا يثنون على علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلا وينتقصون الخلفاء الثلاثة قبله، فكل فضيلة تثبت له، يقابلها توهين وتحقير وتنقيص لفضائل الثلاثة قبله، ويظن الرافضة - أيضاً - أن علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ إذا كان أفضل آل البيت فمعناه أنه أفضل الأمة، وأنهم إذا سمعوا فضيلة له ظنوا أنها لا تكون إلا لأفضل الأمة،
стр. 538
ثم يزيدون في فضائله آثاراً كاذبة، ونصوصاً مختلقة، يقول ابن تيمية ﵀: (وليس إذا كان علي أفضل أهل البيت بعد رسول الله ﷺ يجب أن يكون أفضل الناس بعده) (١) .
ويقول: (والرافضة لفرط جهلهم، وبعدهم عن ولاية الله وتقواه ليس لهم نصيب كثير من كرامات الأولياء، فإذا سمعوا مثل هذا عن علي ظنوا أن هذا لا يكون إلا لأفضل الخلق) (٢) .
ثم إن الرافضة ومن وافقهم - أيضاً لفرط جهلهم - لا يفرقون بين الخصائص والمناقب، فهم يظنون أن كل منقبة وفضيلة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إنما هي من خصائصه بالضرورة، وهذا خطأ ظاهر ينبه عليه ابن تيمية ﵀ كثيراً بأن هذه الصفة ليست من خصائصه، من باب بيان الحق، وعدم تنقيص بقية الصحابة الذين يشركونه في هذه الصفة، فيظن المخالف أن شيخ الإسلام ﵀ ينتقص من علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ وابن تيمية ﵀ لم ينتقص علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ ولا غيره من الصحابة، بل عمله هذا دليل على عدم انتقاص أحد من الصحابة في مقام الثناء على أحد غيره، ولعلّي أذكر بعض الأمثلة على هذه القاعدة - أي التفريق بين الخصائص والمناقب - حتى تتضح الرؤية أكثر:
أ - أن استخلافه على المدينة في غزوة تبوك ليس من خصائصه، بل هو من فضائله، ولم يكن استخلافه على المدينة في غزوة تبوك، لأجل أن المتخلف عن الغزوة أفضل من غيرهم، أو أكثر من غيرهم من المتخلفين في الغزوات الأخرى.
يقول ابن تيمية ﵀: (وأما استخلافه لعليّ على المدينة، فذلك ليس من خصائصه، فإن النبي ﷺ كان إذا خرج في غزاة استخلف على المدينة رجلاً من
стр. 539
أصحابه، كما استخلف ابن أم مكتوم (١)
تارة، وعثمان بن عفان تارة) (٢) وذكر أمثلة متعددة لاستخلاف النبي ﷺ أفراداً من الصحابة على المدينة في أسفاره وغزواته ثم قال: (واستخلاف علي لم يكن على أكثر ولا أفضل ممن استخلف عليهم غيره، بل كان يكون في المدينة في كل غزوة من الغزوات من المهاجرين والأنصار أكثر وأفضل ممن تخلف في غزوة تبوك، فإن غزوة تبوك لم يأذن النبي ﷺ لأحد بالتخلف فيها، فلم يتخلف فيها إلا منافق، أو معذور، أو الثلاثة الذين تاب الله عليهم ... ) (٣) .
وقال: (وبالجملة فالاستخلاف على المدينة ليست من خصائصه، ولا تدل على الأفضلية، ولا على الإمامة، بل قد استخلف عدداً غيره، ولكن هؤلاء جهال ويجعلون الفضائل العامة المشتركة بين علي وغيره خاصة بعلي) (٤) .
فشيخ الإسلام ﵀ لم ينكر كونها منقبة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ لكنه يرد غلو الرافضة في حبه في مقابل تنقص غيره من الصحابة، فهو يثبتها فضيلة، لكنه دفاعاً عن بقية الصحابة لا يجعلها خاصية له دون غيره.
ب - أن ربط الإيمان بحبه، وربط النفاق ببغضه ليس من خصائصه، بل هو من فضائله، فقد رُبطا بغيره - أيضاً -، ولهما - أي الإيمان والنفاق - علامات وأسباب أخرى.
يقول الرسول ﷺ : «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٥) .
стр. 540
يقول ابن تيمية ﵀ بعد ذكره بعض فضائل علي، ومنها هذه الفضيلة: (فهذه الأمور ليست من خصائص علي، لكنها من فضائله ومناقبه التي تعرف بها فضيلته، واشتهر رواية أهل السنة لها، ليدفعوا بها قدح من قدح في علي، وجعلوه كافراً أو ظالماً، من الخوارج وغيرهم) (١) .
جـ - أن القول بأنه أشجع الناس، أو أن من خصائصه أنه لم ينهزم قط، فهذا ليس بصحيح، فإن أشجع الناس رسول الله ﷺ ، كما في الصحيحين عن أنس (ت - ٩٣هـ) ﵁ قال: (كان النبي ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم النبي ﷺ راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت، وهو يقول: «لم تراعوا» (٢) .
وعن علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ قال: (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه) (٣) ،
ثم استعرض شيخ الإسلام ﵀ شجاعة الخلفاء الثلاثة قبله، وشجاعة غيره من الصحابة بعد أن بين أن الشجاعة تفسر بشيئين:
(أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف، والثاني: شدة القتال بالبدن ... ) (٤) .
ويقول ابن تيمية ﵀ عن تخصيصه بأنه لم يهزم: (هو في ذلك كأبي بكر
стр. 541
وعمر وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة ﵃ فالقول في أنه ما انهزم، كالقول في أن هؤلاء ما انهزموا قط، ولم يعرف لأحد من هؤلاء هزيمة) (١) .
د - أن الصدق، والإيمان بالله ورسوله ليس من خصائصه، بل هو في عداد الصادقين، والمؤمنين بالله ورسوله، وإن كان من أفضلهم لكن ليس من خصائصه هاتان الصفتان (٢) .
هـ - أن محبته لله ورسوله ﷺ ، ومحبة الله ورسوله ﷺ له ليس من خصائصه، بل من فضائله ومناقبه؛ لأنه يشركه فيها غيره من الصحابة، وقد يفوقه بعضهم بهذه الصفة، قال ابن تيمية ﵀ في كلام عادل له، ومنصف للخلفاء الأربعة جميعاً عن هذه الصفة في مقام الرد على الرافضة: (وأما علي ﵁ فلا ريب أنه ممن يحب الله، ويحبه الله، لكن ليس بأحق بهذه الصفة من أبي بكر وعمر وعثمان، ولا كان جهاده للكفار والمرتدين أعظم من جهاد هؤلاء، ولا حصل به من المصلحة للدين أعظم مما حصل بهؤلاء، بل كل منهم له سعي مشكور، وعمل مبرور، وآثار صالحة في الإسلام، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خير جزاء، فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون) (٣) .
وفي الجملة فإن الشيعة يجعلون كل فضيلة لعلي خاصية له، وهذا معلوم بطلانه وخطؤه ببديهة العقل، ولذا يقول ابن تيمية ﵀: (وهكذا الأمر مع الشيعة: يجعلون الأمور المشتركة بين علي وغيره التي تعمه وغيره، مختصة به، حتى رتبوا عليه ما يختص به من العصمة والإمامة والأفضلية وهذا كله منتفٍ) (٤) .
стр. 542
هذه نماذج مختصرة في بيان فضائل علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ ومناقبه، التي يشترك معه فيها غيره من الصحابة ﵃ قد بينها ابن تيمية ﵀ مثنياً بها على الجميع، ومحباً لجميع الصحابة في إثبات هذه الفضائل لهم، لكن الرافضة لما كان من منهجهم أنهم لا يثبتون منقبة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلا ويتبعونها بالغمز واللمز على غيره من الصحابة، سواء كانوا أفضل منه أو أقل منه في مرتبة الفضل، قابلهم ابن تيمية ﵀ في مقام المناظرة لهم بأن لا يذكر فضيلة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ إلا ويذكر من شاركه من الصحابه فيها، ويركز على الخلفاء الراشدين الثلاثة قبله، مبيناً فضلهم، ومنزلتهم، وأنهم أحق بهذه الصفات والمناقب منه، فصفاتهم أكمل من صفاته، وإن كان هو أفضل من بقية الصحابة من غير الخلفاء الثلاثة قبله، فما من صفة ذم يذم بها الرافضة الخلفاء الراشدين الثلاثة، إلا ويلزمهم ابن تيمية ﵀ بأن علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ أولى بالذم منهم، وما من صفة مدح من الرافضة له، إلا والثلاثة قبله أولى بالمدح منه، ويلاحظ أن ابن تيمية ﵀ لم يذم علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ قط، لكن الرافضة يظنون أن بيان ابن تيمية ﵀ مشاركة الصحابة علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ في بعض الصفات هو من باب الذم له، إلا أن ابن تيمية ﵀ بين أن الرافضة هم الذين يذمون علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ في مواضع يظنون أنهم يمدحونه ويثنون عليه فيها، أو أنهم في المقابل يغلون في حبه، ويفرطون في ذلك (١) .
ومن الأمثلة على مقابلة ابن تيمية ﵀ مدح الرافضة علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ بمدح الخلفاء الثلاثة، وذم الرافضة الخلفاء الثلاثة بأن علياً (ت - ٤٠هـ) ﵁ أولى بالذم - من باب الإلزام في المناظرة - ما يلي:
قال ﵀: (من العجب أن الرافضة تنكر سب علي، وهم يسبون أبا بكر وعمر وعثمان، ويكفرونهم ومن والاهم.
ومعاوية ﵁ وأصحابه ما كانوا يكفرون علياً، وإنما يكفره الخوارج
стр. 543
المارقون، والرافضة شر منهم، فلو أنكرت الخوارج السب لكان تناقضاً منها، فكيف إذا أنكرته الرافضة؟
ولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة: لا علي ولا عثمان ولا غيرهما، ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثماً ممن سب علياً ... ) (١) .
وقال ﵀: (وإن قالوا بجهلهم: إن هذا الذنب (٢) كفر، ليكفروا بذلك أبا بكر، لزمهم تكفير علي، واللازم باطل فالملزوم مثله، وهم دائماً يعيبون أبا بكر وعمر وعثمان، بل ويكفرونهم بأمور قد صدر من علي ما هو مثلها، أو أبعد عن العذر منها، فإن كان مأجوراً أو معذوراً فهم أولى بالأجر والعذر) (٣) .
وبيّن ﵀ وسطيته في موقفه من الصحابة بين الخوارج والرافضة فقال: (وإذا كنا ندفع من يقدح في علي من الخوارج، مع ظهور هذه الشبهة (٤) ، فلأن ندفع من يقدح في أبي بكر وعمر بطريق الأولى والأحرى.
وإن جاز أن يظن بأبي بكر أنه كان قاصداً للرئاسة بالباطل، مع أنه لم يعرف منه إلا ضد ذلك، فالظن بمن قاتل على الولاية - ولم يحصل مقصوده - أولى وأحرى ... فإذا كنا نظن بعلي أنه كان قاصداً للحق والدين، وغير مريد علواً في الأرض ولا فساداً، فظن ذلك بأبي بكر وعمر ﵄ أولى وأحرى..
أما أن يقال: إن أبا بكر كان يريد العلو في الأرض والفساد، وعلي لم يكن يريد علواً في الأرض ولا فساداً، مع ظهور السيرتين، فهذا مكابرة، وليس فيما تواتر من السيرتين ما يدل على ذلك..) (٥) .
стр. 544
وفي الجملة فإن محبة ابن تيمية ﵀ صحابة رسول الله ﷺ ، وآل بيته، وعلي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵃ ظاهرة معلومة، وواضحة لمن قرأ كتب شيخ الإسلام بإنصاف، وطلبٍ للحق، ولكنه الهوى يُعمي ويُصم ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] .
стр. 545
المبحث الرابع
دعوى رد الأحاديث الصحيحة في مقام المبالغة
في توهين كلام الشيعة ومناقشتها
المطلب الأول
دعوى رد الأحاديث الصحيحة
في مقام المبالغة في توهين كلام الشيعة
يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ رحمة واسعة - أن هواه هو المقدم في الحكم على الحديث صحة وضعفاً، فيطعن فيها إذا كانت تخالف هواه ومعتقده، وإذا لم يستطع أن يطعن في سند الحديث فإنه يلجأ إلى التأويل للأحاديث الدالة على فضل علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ وآل البيت، حتى يخرجها عن معناها الذي أراده الرسول ﷺ .
يقول أحد المناوئين - لا كثرهم الله -: (هذا شأن ابن تيمية فإنه يحتج بالحديث الموضوع الذي يوافق هواه، ويحاول أن يصححه، ويضعف الأحاديث، والأخبار الثابتة المتواترة التي تخالف رأيه وعقيدته.. وهذا لا يستغرب صدوره من رجل بلع سموم الفلاسفة ومصنفاتهم) (١) .
وقال آخر: (ثم إنه يتناول الأحاديث الدالة على سعة علم علي ﵇.. بتأويلاته الباطلة حتى يكاد يخرجها عن معناها) (٢) .
стр. 546
وقال آخر: (صرح بكل جرأة ووقاحة، ولؤم ونذالة، ونفاق وجهالة أنه لم يصح في فضل علي ﵇ حديث أصلاً، وأن ما ورد منها في الصحيحين لا يثبت له فضلاً ولا مزية على غيره) (١) .
ويذكرون أمثلة للأحاديث الصحيحة التي يرون أن ابن تيمية ﵀ قد ضعفها في رده على الشيعة منها ما يلي:
١ - حديث تحريم فاطمة وذريتها على النار (أن النبي ﷺ قال: إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار) (٢) .
٢ - حديث: (علي مع الحق، والحق يدور معه حيث دار) (٣) .
٣ - حديث سد الأبواب كلها إلا باب علي (٤) .
٤ - حديث (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون وموسى) (٥) .
٥ - حديث مؤاخاة علي (٦) .
стр. 547
٦ - حديث أنت مني وأنا منك (١) .
٧ - حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها (٢) .
٨ - حديث أنت ولي كل مؤمن بعدي (٣) .
٩ - حديث رد الشمس لعلي (٤) .
١٠ - حديث: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه) (٥) .
١١ - حديث تصدق علي بخاتمه (٦) .
стр. 548
إلى غير ذلك من الأحاديث التي يزعمون أنها تدل على فضل علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ وأن شيخ الإسلام ﵀ ينكرها ويردها (١) .
стр. 549
المطلب الثاني
مناقشة الدعوى
يحذر ابن تيمية ﵀ من اتباع الهوى، ويعتقد أن مبدأ أنواع الضلالات هو تقديم الهوى على الشرع، وأن أهل الأهواء أهون شيء عليهم هو الكذب المختلق، يقول ﵀: (فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ، أو ترده لأجل هواك، أو انتصاراً لمذهبك، أو لشيخك..) (١) .
ويقول: (وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه) (٢) .
وقال: (ومبدأ هذا من أقوال الذين يعارضون النصوص بآرائهم) (٣) ، ثم نقل عن الشهرستاني (٤) أن مبدأ أنواع كل الضلالات هو تقديم الرأي على النص، واختيار الهوى على الشرع (٥) .
وذكر عن أهل الأهواء أنهم يعتمدون على نصوص غير موثوقة وغير
стр. 550
معتمدة، ولا يعرف لها قائل، وأن أهون شيء عندهم الكذب المختلق (١) .
ويضرب مثالاً على هذه القاعدة بالرافضة وأنهم وضعوا في فضائل علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ مالا يكاد يحصى مع أن في فضائله الصحيحة ما يغني عن هذا الباطل الذي يذكرونه، يقول ﵀: (والمقصود هنا أنه قد كذب على علي بن أبي طالب من أنواع الكذب الذي لا يجوز نسبته إلى أقل المؤمنين) (٢) .
ويذكر أن الذي ينكر فضائل أهل البيت ويعاديهم هم الرافضة فيقول: (الرافضة من أعظم الناس قدحاً وطعناً في أهل البيت، وأنهم الذين عادوا أهل البيت في نفس الأمر، ونسبوهم إلى أعظم المنكرات، التي من فعلها كان من الكفار، وليس هذا ببدع من جهل الرافضة وحماقاتهم) (٣) .
وفي مقابل اتهام ابن تيمية ﵀ بأنه يخالف الأحاديث الصحيحة: ينبه إلى أن الحق دائماً مع الأحاديث والآثار الصحيحة، إلا أن بعض المصنفات تجمع بين الصحيح والضعيف بل والموضوع بدون تمييز أو تمحيص، ولذا يجب التنبيه على ما فيها من أحاديث غير صحيحة، يقول ﵀: (وبالجملة فما اختص به كل إمام من المحاسن والفضائل كثير ليس هذا موضع استقصائه، فإن المقصود أن الحق دائماً مع سنة رسول الله ﷺ وآثاره الصحيحة) (٤) .
وفي مقابل اتهام ابن تيمية ﵀ برد الأحاديث الصحيحة؛ لأجل هوى في نفسه؛ أو لأجل المبالغة في توهين كلام الشيعة. ينبه ﵀ على أن الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم (٥) .
وأما القول بأن ابن تيمية ﵀ يرى أنه لا يصح في فضل علي (ت - ٤٠هـ) ﵁
стр. 551
- حديث أصلاً - فهذا غير صحيح بنص كلام ابن تيمية ﵀ إذ يقول: (مجموع ما في الصحيح لعلي نحو عشرة أحاديث) (١) .
ومما ورد في فضله من الأحاديث قول الرسول ﷺ : «لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» ، قال: فبات الناس يدوكون (٢) ليلتهم أيهم يعطاها قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» ، فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» ، فأُتي به فبصق رسول الله في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» (٣)
ومن فضائله: جعل محبته من علامات الإيمان لقوله ﵁: (والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليّ أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) (٤) .
وفي بيان علو منزلة علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ عند النبي ﷺ أن النبي ﷺ جاء إلى بيت فاطمة، فلم يجد علياً في البيت فقال: «أين ابن عمك؟» قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: «انظر أين هو؟» فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء
стр. 552
رسول الله ﷺ وهو مضطجع، وقد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: « (قم أبا تراب، قم أبا تراب» (١) .
وقد جاء النبي ﷺ إلى علي وفاطمة ﵄ وقد طلبت منه فاطمة خادماً لها فقال: «ألا أعلمكما خيراً مما سألتماني: إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعاً وثلاثين وتسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا ثلاثاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم» (٢) ، وغيرها من الأحاديث الصحيحة الدالة على فضله (٣) .
يقول ابن تيمية ﵀ عن حديث الراية: (هو أصح حديث يروى في فضله) (٤) .
إن ابن تيمية ﵀ من الأئمة في الحديث دراية ورواية، وهو ناقد لمتون الأحاديث الضعيفة والموضوعة، كما هو ناقد للأسانيد وبارع في معرفتها، وتمييز الضعيف منها عن الصحيح، ولما كان الروافض من أجهل الناس في العقليات، وأكذبهم في النقليات (٥) ، ولما كانت كتبهم مليئة بالأحاديث الموضوعة التي لا إسناد لها، أو الضعاف الواهيات: لم يركز ابن تيمية ﵀ نقده على السند، لوضوح وضعه أو ضعفه عند المشتغلين بالفن، وركز على نقد المتن، ومخالفته للنصوص الأخرى الواردة في المسألة.
وقد وافق الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ ابن تيمية ﵀ في أن معظم الأحاديث التي نقد ابن تيمية ﵀ الرافضة فيها هي من قبيل الأحاديث
стр. 553
الموضوعات والواهيات (١) .
إن شيخ الإسلام ﵀ كان يكتب كثيراً من مؤلفاته من حفظه، فقد لا تكون مراجعه قريبة منه إما لسفر، أو سجن أو غيره (٢) ، وقد اعتذر الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ عنه لابن تيمية ﵀ في أخطائه على أنه يكتب من حفظه، والإنسان بشر طبيعته النسيان بقوله: (لكنه رد في رده كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانها؛ لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره، والإنسان عامد للنسيان) (٣) .
إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مع إجماع أهل العلم على إمامته في كثير من العلوم والفنون، وتمكنه منها، لم يسلم من بعض الأوهام والأخطاء - كغيره من أهل العلم - وهذه الأوهام اليسيرة، والأخطاء القليلة لا تلغي إمامته، ولا تبعد به عن مصاف كبار العلماء المحدثين ونقاد الحديث، ولكنه نقص البشر الذي لا يسلم منه أحد. وقد نقل ابن ناصر الدين (ت - ٨٤٢هـ) ﵀ عن أحد تلامذة الشيخ قوله: (وحسب شيخنا مع اتساعه في كل العلوم إلى الغاية والنهاية، سمعاً وعقلاً، ونقلاً وبحثاً، أن يكون نادر الغلط) (٤) .
وأما الأحاديث المنتقدة على ابن تيمية ﵀ التي مر ذكرها في المطلب الأول من هذا المبحث، فيحسن بي أن أبين رأي شيخ الإسلام فيها، وهل ادعاء المناوئين عليه صحيح أم هو جناية عليه؟، وذلك يتضح أثناء عرض موقف ابن تيمية ﵀ من هذه الأحاديث.
стр. 554
الحديث الأول: أما حديث تحريم فاطمة (ت - ١١هـ) ﵂ وذريتها على النار، فيقول ابن تيمية ﵀ عنه: (الحديث الذي ذكره (١) عن النبي ﷺ عن فاطمة هو كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ويظهر كذبه لغير أهل الحديث - أيضاً - فإن قوله: إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، يقتضي أن إحصان فرجها هو السبب لتحريم ذريتها على النار، وهذا باطل قطعاً) (٢) .
ويذكر مثالاً لذلك بـ سارَّة، فإنها أحصنت فرجها، ولم يحرم الله جميع ذريتها على النار، ودليل ذلك قوله - سبحانه -: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٢﴾ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٢، ١١٣] .
وقال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] .
ثم قال: (وفي الجملة فاللواتي أحصن فروجهن لا يحصى عددهن إلا الله ومن ذريتهن البر والفاجر، والمؤمن والكافر) (٣) .
وينقد ابن تيمية ﵀ المتن من جهة أخرى وهو أن إحصان فاطمة فرجها، ليس هو المزية والمنقبة لفاطمة التي فاقت فيها جمهور نساء المسلمين؛ لأن هذه الصفة يشترك معها جمع كبير من نساء المؤمنين فيقول: (وأيضاً: ففضيلة فاطمة ومزيتها ليست بمجرد إحصان فرجها، فإن هذا يشارك فيه فاطمة جمهور نساء المؤمنين، وفاطمة لم تكن سيدة نساء العالمين بهذا الوصف، بل بما هو أخص منه.. وأيضاً: فليست ذرية فاطمة كلهم محرّمين على النار، بل فيهم البر والفاجر) (٤) .
وأما الحديث الثاني: وهو حديث دوران الحق مع علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ فقد قال ابن تيمية ﵀: (هذا الحديث لم يروه أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد
стр. 555
صحيح، ولا ضعيف) (١) .
وقال: (وأما الحق الذي يدور مع شخص ويدور الشخص معه، فهو صفة لذلك الشخص لا يتعداه، ومعنى ذلك أن قوله صدق وعمله صالح، ليس المراد به أن غيره لا يكون معه شيء من الحق) (٢) .
وقال: (وأيضاً فالحق لا يدور مع شخص غير النبي ﷺ ، ولو دار الحق مع علي حيثما دار لوجب أن يكون معصوماً كالنبي ﷺ ... ) (٣) .
وأما الحديث الثالث: وهو سد الأبواب إلا باب علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ فقد قال ابن تيمية ﵀: (هذا مما وضعته الشيعة على طريق المقابلة، فإن الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لا تخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر» (٤)(٥) .
وقال ﵀ حين ذكر الحديث الصحيح السابق: (وأراد بعض الكذابين أن يروي لعلي مثل ذلك، والصحيح لا يعارضه الموضوع) (٦) .
وأما الحديث الرابع وهو حديث: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) ، فقد قال عنه ابن تيمية ﵀: (الحديث ثبت في الصحيحين بلا ريب، وغيرهما، وكان النبي ﷺ قال له ذلك في غزوة تبوك) (٧) .
وقال ﵀: (كان النبي ﷺ إذا غزا استخلف رجلاً من أمته، وكان بالمدينة رجال من المؤمنين القادرين، وفي غزوة تبوك لم يأذن لأحد فلم يتخلف أحد إلا لعذر أو عاصي، فكان ذلك الاستخلاف ضعيفاً، فطعن به
стр. 556
المنافقون بهذا السبب، فبين له أني لم أستخلفك لنقص عندي، فإن موسى استخلف هارون، وهو شريكه في الرسالة، أفما ترضى بذلك؟) (١) .
وكان هذا الحديث كأنه تسلية لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ حين توهم أن الاستخلاف نقص بقوله: أتخلفني مع النساء والصبيان؟، وأما من استخلفه الرسول ﷺ على المدينة غيره لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصاً لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام، وليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى (٢) .
وإن قيل: إن استخلافه ﷺ لأحد يدل على أنه أفضل الصحابة بإطلاق، فيلزم من ذلك أن يكون علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ مفضولاً في عامة الغزوات، وفي عمرته وحجته، لا سيما وكل مرة كان يكون الاستخلاف على رجال المؤمنين، وأما عام تبوك، فلم يكن الاستخلاف إلا على النساء والصبيان، ومن عذر الله، أو من هو متهم بنفاق (٣) .
يقول ابن تيمية ﵁: (فبين النبي ﷺ أن الاستخلاف ليس نقصاً، ولا غضاضة، فإن موسى استخلف هارون على قومه لأمانته عنده، وكذلك أنت استخلفتك لأمانتك عندي، لكن موسى استخلف نبياً، وأنا لا نبي بعدي، وهذا تشبيه في أصل الاستخلاف..) (٤) .
وأما الحديث الخامس وهو حديث المؤاخاة: فيرى أنه باطل موضوع، وأن النبي ﷺ لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري، قال ﵀: (أما حديث المؤاخاة فباطل موضوع، فإن النبي ﷺ لم يؤاخ أحداً، ولا آخى بين
стр. 557
المهاجرين بعضهم مع بعض، ولا بين الأنصار بعضهم مع بعض) (١) .
وقال: (إن النبي ﷺ لم يؤاخ علياً ولا غيره، وحديث المؤاخاة لعلي، ومؤاخاة أبي بكر لعمر من الأكاذيب، وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار، ولم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري) (٢) . وقال: (أحاديث المؤاخاة بين المهاجرين بعضهم مع بعض، والأنصار بعضهم مع بعض كلها كذب، والنبي ﷺ لم يؤاخ علياً، ولا آخى بين أبي بكر وعمر، ولا بين مهاجري ومهاجري) (٣) .
وأما الحديث السادس، وهو قوله: (أنت مني وأنا منك) ، فيرى أن هذا الحديث صحيح، لكنه ليس خاصاً بعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁. وإنما شاركه في هذه المنقبة غيره، فأثبت صحة الحديث في مواضع متعددة (٤) . وأما استدلاله على أن هذه المنقبة ليست من خصائص علي (ت - ٤٠هـ) ﵁ فقد ذكر حديث الأشعريين (إن الأشعريين إذا أرملوا (٥) في الغزو أو نفدت نفقة عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان معهم في ثوب واحد، ثم قسموه في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم) (٦) .
وقال ﷺ لجليبيب (٧) : «هذا مني وأنا منه» (٨) وكل مؤمن هو من النبي ﷺ ،
стр. 558
كما قال الخليل: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] ، وقال سبحانه: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
وأما الحديث السابع: أنا مدينة العلم وعلي بابها فيرى ابن تيمية ﵀ أنه في عداد الأحاديث الموضوعة، فيقول عنه: (وأما حديث أنا مدينة العلم فأضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في الموضوعات المكذوبات، وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبين أنه موضوع من سائر طرقه) (١) وينقد المتن فيقول: (والكذب يعرف من نفس متنه، لا يحتاج إلى النظر في إسناده، فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحداً، بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب.. وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل: ظنه مدحاً) (٢) .
وقال: (ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر: فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله ﷺ من غير طريق علي ﵁ ... ) (٣) .
وأما الحديث الثامن: أنت ولي كل مؤمن بعدي، فقد قال ابن تيمية ﵀ عن هذا الحديث: (كذب على رسول الله ﷺ ، بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن، وكل مؤمن وليه في المحيا والممات، فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان ... فقول القائل: علي ولي كل مؤمن بعدي: كلام يمتنع نسبته إلى النبي ﷺ ، فإنه إن أراد الموالاة لم يحتج أن يقول: بعدي، وإن أراد الإمارة كان ينبغي أن يقول: والٍ على كل مؤمن) (٤) .
وأما الحديث التاسع: وهو رد الشمس لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ فقد أطال ابن
стр. 559
تيمية ﵀ في بيان ضعف الحديث بل وضعه (١) ، فقال عنه: (وليس هذا الحديث في شيء من كتب المسلمين التي يعتمدون على ما فيها من المنقولات لا الصحاح ولا المساند، ولا المغازي ولا السير، ولا غير ذلك، بل بين أهل العلم بالحديث أن هذا كذب، وليس له إسناد واحد صحيح متصل، بل غايته: أن يروى عمن لا يعرف صدقه، ولم يروه إلا هو، مع توفر الهمم والدواعي على نقله..) (٢) .
وقد أطال ﵀ في نقد أسانيد الحديث، وبين أن كل أسانيد هذا الحديث لا تخلو من ضعف شديد: ذاكراً أحوال الرجال في كل سند من أسانيده (٣) ومعقباً ذلك بذكر الاضطراب الحاصل بين الروايات المختلفة (٤) .
وفي نقده متن الحديث قال: (لا يعرف قط أن الشمس رجعت بعد غروبها ...
وإن كانت الشمس احتجبت بغيم، ثم ارتفع سحابها، فهذا من الأمور المعتادة، ولعلهم ظنوا أنها غربت، ثم كشف الغمام عنها) (٥) .
وقال: (النبي ﷺ فاتته العصر يوم الخندق حتى غربت الشمس، ثم صلاها، ولم ترد عليه الشمس، وكذلك لم ترد لسليمان لما توارت بالحجاب، وقد نام النبي ﷺ ومعه علي وسائر الصحابة عن الفجر حتى طلعت الشمس، ولم ترجع لهم إلى المشرق.
وإن كان التفويت محرماً، فتفويت العصر من الكبائر، وقال النبي ﷺ :
стр. 560
«الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» (١) ، وعلي كان يعلم أنها الوسطى وهي صلاة العصر، وهو قد روى عن النبي ﷺ في الصحيحين لما قال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، حتى غربت الشمس، ملأ الله أجوافهم وبيوتهم ناراً» (٢) ، وهذا كان في الخندق، وخيبر بعد الخندق ... ) (٣) .
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة يريد أن يبني بها ولما يبن، ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفه، ولا آخر اشترى غنماً وهو ينتظر ولادها، قال: فغزوا، فدنا من القرية، حتى صلى العصر قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئاً، فحُبست عليه حتى فتح الله عليه» (٤) .
ويفرق ابن تيمية ﵀ بين هذا الحديث، وحديث رد الشمس لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁ بعدة فروق منها:
أن يوشع لم تُرد له الشمس، ولكن تأخر غروبها: طُوِّل له النهار، وهذا قد لا يظهر للناس، فإن طول النهار وقصره لا يدرك، ونحن إنما علمنا وقوفها ليوشع بخبر النبي ﷺ .
وأيضاً: لا مانع من طول النهار، لو شاء الله لفعل ذلك، ويوشع كان
стр. 561
محتاجاً إلى ذلك؛ لأن القتال كان محرماً عليه بعد غروب الشمس؛ لأجل ما حرم الله عليهم من العمل ليلة السبت ويوم السبت، وأما أمة محمد ﷺ فلا حاجة لهم إلى ذلك، ولا منفعة لهم فيه (١) .
وأما الحديث العاشر: من كنت مولاه فعلي مولاه، فيرى شيخ الإسلام ﵀ أن هذه اللفظة ليست في الصحاح، لكن هي مما رواه العلماء، وقد تنازع الناس في صحتها (٢) .
وأما زيادة (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) ، فيرى أنها كذب بلا ريب (٣) ، وقد وافق في ذلك ابن حزم (ت - ٤٥٦هـ) ﵀ في تضعيفه هذا الحديث (٤) .
والواقع يدل على خلاف الحديث؛ فقوله: (اللهم انصر من نصره ... ) يدل الواقع على خلافه، فقد قاتل معه أقوام يوم صفين فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا كسعد (ت - ٥٥هـ) ﵁ الذي فتح العراق، ولم يقاتل معه، ومن جهة أخرى: أصحاب معاوية (ت - ٦٠هـ) ﵁ وبنو أمية الذين قاتلوه: فتحوا كثيراً من بلاد الكفار ونصرهم الله.
وأما قوله: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه: فهو مخالف لأصل الإسلام، فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم، وبغي بعضهم على بعض (٥) .
стр. 562
وأما الحديث الحادي عشر: وهو تصدق علي بخاتمه في الصلاة: فقد ذكر ابن تيمية ﵀ أنه حديث موضوع مكذوب على رسول الله، فقال: (وحديث التصدق بالخاتم بالصلاة كذب باتفاق أهل المعرفة) (١) ، وقال ﵀: (وقد وضع بعض الكذابين حديثاً مفترى أن هذه الآية (٢) نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل) (٣) .
ثم نقد المتن من وجوه كثيرة منها:
١ - أن قوله: (الذين) في الآية صيغة جمع، وعلي واحد.
٢ - أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق علماء الملة، فإن في الصلاة شغلاً.
٣ - لو كان إيتاء الزكاة في الصلاة حسناً لم يكن فرق بين حال الركوع، وغير حال الركوع، بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن.
٤ - أن عليّاً (ت - ٤٠هـ) ﵁ لم يكن عليه زكاة على عهد النبي ﷺ .
٥ - أن عليّاً (ت - ٤٠هـ) ﵁ لم يكن له خاتم، ولا كان الصحابة يلبسون الخواتم.
٦ - أن الحديث فيه أنه أعطى الخاتم للسائل، والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء، ويخرجها على الفور، لا ينتظر أن يسأله سائل (٤) .
стр. 563
وفي الجملة فإن الأحاديث التي يدعي المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه ضعفها تنقسم إلى أقسام: إما أحاديث صحيحة تثبت منقبة لعلي (ت - ٤٠هـ) ﵁، منهم من يرى أنها خاصة به، وابن تيمية يرى أنه يشركه في هذه الصفة غيره، وإما أحاديث واهية موضوعة أو ضعيفة، أو ضعفها ابن تيمية ﵀ وهم يرون تصحيحها وإما أحاديث صحيحة وهم ابن تيمية ﵀ في تضعيفها بسبب اعتماده في تأليفه على الحفظ - وهي قليلة جدّاً - (١) .
стр. 564
الفصل السابع
مسألة دوام النار
المبحث الأول: دلالة نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة على خلود النار.
المبحث الثاني: دعوى أن شيخ الإسلام يرى فناء النار ومناقشتها.
стр. 565
المبحث الأول
دلالة نصوص الكتاب والسنة على خلود النار
دلت النصوص على خلود النار، من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة: فمن الكتاب قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢] . ففي هذه الآية دلالة على أن عذاب أهل النار لا ينقطع أبداً، ولا يخفف عنهم العذاب فيها فهم في عذاب مستمر.
قال ابن جرير الطبري (ت - ٣١٠هـ) ﵀: (خبر من الله تعالى ذكره، عن دوام العذاب أبداً من غير توقيت ولا تخفيف) (١) .
وقال ابن عطية (٢) ﵀: (ثم أعَلَم - تعالى - برفع وجوه الرفق عنهم؛ لأن العذاب إذا لم يخفف ولم يؤخر فهو النهاية) (٣) .
وقال ابن كثير (ت - ٧٧٤هـ) ﵀: (لا يخفف عنهم العذاب فيها أي لا ينقص عما هم فيه، ولا هم ينظرون أي لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر بل هو متواصل دائم فنعوذ بالله من ذلك) (٤) .