← Адаб

Адаб · id 95860

شرح لامية العجم للدميري

الدميري

Полный текст (128 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[شرح لامية العجم (وهو مختصر شرح الصفدي المسمى الغيث المسجم)]ـ المؤلف: كمال الدين، محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدَّمِيري أبو البقاء الشافعي (المتوفى: ٨٠٨هـ) تحقيق: الدكتور جميل عبد الله عويضة طبعة: ١٤٢٩هـ /٢٠٠٨م. أعده للشاملة/ محمد مستقيم [ترقيم الكتاب موافق لنسخة المحقق، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

ترجمة الدميري (١): هو محمد بن موسى بن عيسى بن على الكمال أبو البقاء الدَّمِيريّ الأصل، القاهري، الشافعي، والدميري ـ بالفتح والكسر ـ نسبة إلى دَمِيْرَة قرية في الوجه البحري بمصر وهي تابعة لمركز طلخا في محافظة الدقهلية (حاليا). والدليل على نسبته لهذه القرية هو وجود مسجد في هذه القرية باسمه، والمسجد مازال موجوداً إلى الآن، ويقام احتفال سنوي في القرية لهذا العالم الجليل. كان اسمه أولاً كمالاً بغير إضافة، وكان يكتبه كذلك بخطه في كتبه، ثم تسمى محمداً وصار يكشط الأول، وكأنه لتضمنه نوعاً من التزكية مع هجر اسمه الحقيقي. بدء حياته خياطا حتى أجتذبه العِلم، فالتحق بالأزهر، وتعلم الأدب والفلسفة والحديث والفقه ودرس على يد مجموعة من كبار علماء الأزهر، فتفقه على: ـ الشيخ بهاء الدين أحمد السبكي، ولازمه كثيراً، وانتفع به. ـ والشيخ جمال الدين ألأسنوي. ـ والقاضي كمال الدين أبي الفضل النويري المالكي، الذي أجازه بالفتيا والتدريس. ـ وبرهان الدين القيراطي، الذي أخذ عنه الأدب والعربية. ووصف الدميرى ابنَ الملقن بشيخنا، وذكر السخاوي أنه أخذ عن البلقيني، وأخذ عن البهاء بن عقيل، وسمع جامع الترمذي على المظفر العطار المصري، وعلى علي بن أحمد العرضي الدمشقي مسند أحمد ابن حنبل بفوت يسير، وسمع بالقاهرة من محمد بن علي الحراوي، وغيره؛ وبمكة على الجمال بن عبد المعطي، والكمال محمد بن عمر بن حبيب في آخرين؛ كالعفيف المطري بالمدينة، ومما سمعه على الأول الترمذي في سنة نيف وخمسين، ووصفه الزيلعي في الطبقة بالفاضل كمال الدين كمال، وعلى ثانيهما فقط جل مسند أحمد أو جميعه وجزء الأنصاري. برع في التفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، والعربية، والأدب، وغيرها وأذن له بالإفتاء والتدريس، وتصدى للإقراء فانتفع به جماعة، وأصبح من فقهاء الشافعية، وقال الشعر، ودرَّس في عدة أماكن، فقد حدث بالقاهرة، وسمع منه الفاسي فيها، وأفتى ودرس بأماكن بالقاهرة منها جامع الأزهر، وكانت له فيه حلقة يشغل فيها الطلبة يوم السبت غالباً، ومنها القبة البيبرسية، كان يدرس فيها الحديث، وكان يذكر

стр. 3

الناس بمدرسة ابن البقري داخل باب النصر في يوم الجمعة غالباً، ويفيد في مجلسه هذا أشياء حسنة من فنون العلم، وبجامع الظاهر في الحسينية بعد عصر الجمعة غالباً، ودرس أيضاً بمكة وأفتى وجاور فيها مدة سنين مفرقة، وسمع منه الصلاح الأقفهسي في جوف الكعبة، وتأهل فيها بأم أحمد فاطمة ابنة يحيى بن عياد الصنهاجي المكية، وولدت له أم حبيبة، وأم سلمة، وعبد الرحمن، وأول قدماته إليها على ما يروي السخاوي في موسم سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وجاور بها حتى حج في التي بعدها، ثم جاور بها أيضاً في سنة ثمان وستين، قدمها مع الرجبية، فدام حتى حج ثم قدمها في سنة اثنتين وسبعين، فأقام بها حتى حج في التي بعدها، ثم قدم مكة في موسم سنة خمس وسبعين؛ فأقام بها حتى حج في التي تليها، ثم قدمها في موسم سنة ثمانين؛ وأقام بها حتى حج في التي بعدها، ثم قدمها في سنة تسع وتسعين؛ وأقام حتى حج في التي بعدها، وانفصل عنها فأقام بالقاهرة. قال المقريزي في عقوده: صحبته سنين، وحضرت مجلس وعظه مراراً؛ لإعجابي به، وأنشدني وأفادني، وكنت أحبه ويحبني في الله؛ لسمته وحسن هديه، وجميل طريقته ومداومته على العبادة، لقيني مرة فقال لي: رأيت في المنام أني أقول لشخص لقد بعد عهدي بالبيت العتيق، وكثر شوقي إليه، فقال، قل: لا إله إلا الله الفتاح العليم الرقيب المنان، فصار يكثر ذلك فحج في تلك السنة ﵀ وإيانا ونفعنا به. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر في المعجم: وكان له حظ من العبادة تلاوة وصياماً ومجاورة في الحرمين مكة والمدينة. واشتهرت عنه كرامات، وأخبار بأمور مغيبات يسندها إلى المنامات تارة، وإلى بعض الشيوخ أخرى، وغالب الناس يعتقد أنه يقصد بذلك الستر. ويقال أنه كان في صباه أكولاً نهماً ثم صار بحيث يطيق سرد الصيام، وله أذكار يواظب عليها وعنده خشوع وخشية وبكاء عند ذكر الله سبحانه، وقد تزوج بابنتيه الجمال محمد، والجلال عبد الواحد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر المرشدي المكي الحنفي، واستولداهما، الأول أبا الفضائل محمداً وعبد الرحمن، والثاني عبد الغني وغيره. ومما ينسب إليه: بمكارم الأخلاق كن متخلقاً ... ليفوح ند شذائك العطر الندي وصدق صديقك إن صدقت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي (١)

стр. 4

ألف كمال الدين الدميرى العديد من الكتب في الفقه والحديث والأدب، واختصر وشرح الكثير من الكتب، فشرح المنهاج في أربعة مجلدات، وسماه النجم الوهاج، ضمنه فوائد كثيرة خارجة عن الفقه، وعظم الانتفاع به، وله الديباجة في شرح سنن ابن ماجة في خمس مجلدات، مات قبل تحريره وتبيضه، ونظم في الفقه أرجوزة طويلة، فيها فروع غريبة وفوائد حسنة، وله تذكرة مفيدة، وله خطب مدوّنة جمعية ووعظية، واختصر شرح الصفدي للأمية العجم المطبوع باسم الغيث المسجم في شرح لامية العجم، وهو الكتاب الذي بين أيدينا، على أن أهم مؤلفاته وأشهرها كتاب حياة الحيوان الكبرى، ويعتبر هذا الكتاب مزيجا من العلم والأدب والفلسفة والتاريخ والحديث ـ وقد تمت ترجمته إلى العديد من اللغات وأقتبس منه العديد من الغربيين. رتب الدميري في كتابه هذا الذى يعد أول مرجع شامل في علم الحيوان باللغة العربية الكائنات التى كتب عنها ترتيبا أبجديا، على طريقة المعجم، وتناول بالبحث ١٠٦٩ كائنا، موضحا الصفات المميزة لكل كائن منها مما كان معروفا في عهده، وموضحا أيضا أسماء تللك الكائنات خلال مراحل نموها، وكذلك أسماءها في مختلف البلدان، وأحكام الشريعة لتلك الحيوانات ومنتجاتها، وبعض الأحاديث النبوية التى ذكرت فيها، وقد جمع مادته من ٥٦٠ كتاب، و١٩٩ ديوان شعر، وأتخذ في مشاهداته لصفات الحيوانات الأسلوب العلمى القائم على الرصد والمشاهدة. ومات بعد حياة علمية حافلة بالقاهرة، في ثالث جمادى الأولى سنة ٨٠٨هـ / ١٤٠٥م، وصلي عليه ثم دفن بمقابر الصوفية سعيد السعداء.

стр. 5

[متن] لامية العجم أصالةُ الرأي صانتْنِي عن الخَطَلِ ... وحِليةُ الفضلِ زانتني لدَى العَطَلِ مجدي أخيراً ومجدِي أوّلاً شَرَعٌ ... والشمسُ رأْدَ الضُحَى كالشمسِ في الطَفَلِ فيمَ الإقامُة بالزوراءِ لا سَكَني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جَملي نَاءٍ عن الأهلِ صِفْرُ الكفِّ منفردٌ ... كالسيفِ عُرِّيَ متناهُ من الخَللِ فلا صديقَ إليه مشتكَى حزَنِي ... ولا أنيسَ إليه منتَهى جذلي طالَ اغترابيَ حتى حنَّ راحلتي ... ورحُلها وقرَى العَسَّالةِ الذُّبلِ وضَجَّ من لَغَبٍ نضوي وعجَّ لما ... يلقَى رِكابي ولجَّ الركبُ في عَذَلي أُريدُ بسطةَ كَفٍ أستعينُ بها ... على قضاءِ حُقوقٍ للعُلَى قِبَلي والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنعُني ... من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ وذِي شِطاطٍ كصدرِ الرُّمْحِ معتقلٍ ... لمثلهِ غيرَ هيَّابٍ ولا وَكِلِ حُلْوِ الفُكاهِةِ مُرُّ الجِدِّ قد مُزِجتْ ... بقسوةِ البأسِ فيه رِقَّةُ الغَزَلِ طردتُ سرحَ الكرى عن وِرْدِ مُقْلتِه ... والليلُ أغرَى سِوامَ النومِ بالمُقَلِ والركبُ مِيلٌ على الأكوارِ من طَرِبٍ ... صاحٍ وآخرَ من خمر الهوى ثَمِلِ فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي ... وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ تنام عيني وعينُ النجمِ ساهرةٌ ... وتستحيلُ وصِبغُ الليلِ لم يَحُلِ فهل تُعِيُن على غَيٍّ هممتُ بهِ ... والغيُّ يزجُرُ أحياناً عن الفَشَلِ اني أُريدُ طروقَ الحَيِّ من إضَمٍ ... وقد رَماهُ رُماةٌ من بني ثُعَلِ يحمونَ بالبِيض والسُّمْرِ اللدانِ بهمْ ... سودَ الغدائرِ حُمْرَ الحَلْي والحُلَلِ فسِرْ بنا في ذِمامِ الليلِ مُهتدياً ... بنفحةِ الطِيب تَهدِينَا إِلى الحِلَلِ فالحبُّ حيثُ العِدَى والأُسدُ رابضَةٌ ... [حَولَ الكِناسِ لها غابٌ مِنَ الأَسَلِ] نَؤمُّ ناشِئةً بالجزع قد سُقيَتْ ... نِصالُها بمياه الغَنْجِ والكَحَلِ قد زادَ طيبَ أحاديثِ الكرامِ بها ... ما بالكرائمِ من جُبنٍ ومن بُخُلِ تبيتُ نارُ الهَوى منهنَّ في كَبِدٍ ... حرَّى ونار القِرى منهم على القُلَلِ يقتُلنَ أنضاءَ حبٍّ لا حَراكَ بها ... وينحرونَ كرامَ الخيلِ والإِبِلِ يُشفَى لديغُ الغوانِي في بُيوتهِمُ ... بنهلةٍ من لذيذِ الخَمْر ِ والعَسَلِ لعلَّ إِلمامةً بالجِزعِ ثانيةً ... يدِبُّ فيها نسيمُ البُرْءِ في عللِ لا أكرهُ الطعنةَ النجلاءَ قد شُفِعَتْ ... برشقةٍ من نِبالِ الأعيُنِ النُّجُلِ ولا أهابُ صِفاح البِيض تُسعِدُني ... باللمحِ من صفحاتِ البِيضِ في الكِلَلِ

стр. 6

ولا أُخِلُّ بغِزلان أغازِلُها ... ولو دهتني أسودُ الغِيل بالغيَلِ حُبُّ السلامةِ يُثْني همَّ صاحِبه ... عن المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسلِ فإن جَنَحْتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقاً ... في الأرضِ أو سلَّماً في الجوِّ فاعتزلِ ودَعْ غمارَ العُلى للمقديمن على ... ركوبِها واقتنِعْ منهن بالبَلَلِ رضَى الذليلِ بخفضِ العيشِ يخفضُه ... والعِزُّ عندَ رسيمِ الأينُقِ الذُلُلِ فادرأْ بها في نحورِ البِيد جافلةً ... معارضاتٍ مثانى اللُّجمِ بالجُدَلِ إن العُلَى حدَّثتِني وهي صادقةٌ ... في ما تُحدِّثُ أنَّ العزَّ في النُقَلِ لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً ... لم تبرحِ الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَلِ أهبتُ بالحظِ لو ناديتُ مستمِعاً ... والحظُّ عنِّيَ بالجُهَّالِ في شُغُلِ لعلَّهُ إنْ بَدا فضلي ونقصُهُمُ ... لعينهِ نامَ عنهمْ أو تنبَّهَ لي أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها ... ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ لم أرتضِ العيشَ والأيامُ مقبلةٌ ... فكيف أرضَى وقد ولَّتْ على عَجَلِ غالى بنفسيَ عِرفاني بقيمتِها ... فصُنْتُها عن رخيصِ القَدْرِ مبتَذَلِ وعادةُ النصلِ أن يُزْهَى بجوهرِه ... وليس يعملُ إلّا في يدَيْ بَطَلِ ما كنتُ أُوثِرُ أن يمتدَّ بي زمني ... حتى أرى دولةَ الأوغادِ والسّفَلِ تقدَّمتني أناسٌ كان شَوطُهُمُ ... وراءَ خطويَ إذ أمشي على مَهَلِ هذا جَزاءُ امرئٍ أقرانُه درَجُوا ... من قَبْلهِ فتمنَّى فُسحةَ الأجلِ وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُونِي فلا عَجَبٌ ... لي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمس عن زُحَلِ فاصبرْ لها غيرَ محتالٍ ولا ضَجِرٍ ... في حادثِ الدهرِ ما يُغني عن الحِيَلِ أعدى عدوِّكَ أدنى من وَثِقْتَ به ... فحاذرِ الناسَ واصحبهمْ على دَخَلِ وإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها ... من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على رَجُلِ وحسنُ ظَنِّكَ بالأيام مَعْجَزَةٌ ... فظُنَّ شَرّاً وكُنْ منها على وَجَلِ غاضَ الوفاءُ وفاضَ الغدرُ وانفرجتْ ... مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعَمَلِ وشانَ صدقَك عند الناس كِذبُهمُ ... وهل يُطابَقُ معوَجٌّ بمعتَدِلِ إن كان ينجعُ شيءٌ في ثباتِهم ... على العُهودِ فسبَقُ السيفِ للعَذَلِ يا وارداً سؤْرَ عيشٍ كلُّه كَدَرٌ ... أنفقتَ عُمرَكَ في أيامِكَ الأُوَلِ فيمَ اعتراضُكَ لُجَّ البحرِ تركَبُهُ ... وأنتَ تكفيك منه مصّةُ الوَشَلِ مُلْكُ القناعةِ لا يُخْشَى عليه ولا ... يُحتاجُ فيه إِلى الأنصار والخَوَلِ ترجو البَقاءَ بدارِ لا ثَباتَ لها ... فهل سَمِعْتَ بظلٍّ غيرِ منتقلِ

стр. 7

ويا خبيراً على الأسرار مُطّلِعاً ... اصْمُتْ ففي الصَّمْتِ مَنْجاةٌ من الزَّلَلِ قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ ... فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ

стр. 8

[المقدمة] / بسم الله الرحمن الرحيم ... [٢ أ] وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله الحمد لله الذي شرح صدر مَن تأدَّب، ورفع قدر مَن تأهَّل للعلم وتأهَّب، وجمَّل مَن تدرَّع لباس الفضل وتدرَّب، وكمَّل مَن ترقَّى إلى غاية ما ترقَّب. أحمده على نعمه الوافرة، وأشكره على مِننه المتكاثرة، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الخلق المخصوص بجوامع الكَلِم، وأفصح ناطق صرف عنان لفظه، وأبلغ صادق أرهف سنان وعظه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين تمسَّكوا بآدابه، وسبقوا إلى مدى لم يطمع أحد من بعدهم في غاية سكابه، صلاة تطول لهم بها القصور، وتحيط بهم بركتها إحاطة الهالات (١) بالبدور , وبعد ... فإنّ القصيدة الموسومة بلامية العجم، رحم الله ناظم عقدها، وراقم بردها، تعاطى الناس مدام أكوابه، وتجاذبوا هُدَّاب أهدابه، أهانت الدرّ حتى ما ثمن، وأرخصت قيمة الأمثال والخطباء، كأنّ ناظمها خاض في البحر فأتى بدرّ منضودة، وارتقى إلى السماء فجاء بالدراري من الأفق معقودة. شعر (٢) (من البسيط) فما لها في الورى مثل يناظرها وكم لها سار بين الناس من مثل أقمارها في تمام النظم قد طلعت تسير في أوج معناها ولم تفُل وزهرها لم تزل تذري عصارته لأن منبته في روضها الخَضِل /يرتاح سامعها حتى يهزّ لها ... من التعجب عطف الشارب الثمل [٢ ب] فلا تَعِرْ غيرها سمعا ولا بصرا ... في طلعة الشمس ما يُغنيك عن زُحل وقد شرحها أوحد زمانه، وفريد أوانه، الشيخ صلاح الدين الصفدي، سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه شرحا تضرب أباط الإبل فيما دونه، وتقف فحول الرجال عنده ولا يعدونه، والتزم أن يذكر فيه ما سمع فوعى، وما جمع فأوعى، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من فوائده وفرائده إلاّ أظهرها، ولا نكتة بديعة من لطائف معناه إلاّ وفي ذلك الكتاب سطرها،

стр. 9

ولله درّه، فقد أودعه فوائد جمة، ومسائل مهمة، وكنت حين سمعت بهذا الكتاب، أطلبه من أُولي الألباب، وأحثّ في الوصول إليه من العزم الخيل والركاب، إلى أنْ يسّر الله تعالى الوقوف عليه في هذا العام، فوجدته كبحر أجاج، متلاطم الأمواج، ريحه عاصف، ووبله واكف، وجواهره منضودة، وفرائده معقودة، لم يُنسج في فنه على منواله، ولا سمحت قريحة بمثاله، وقد جمع من كل فن عرنيده (١)، ومن كل عالم تالده وطريده، فكان حقه أن يقال فيه (٢): (من الخفيف) هكذا هكذا وإِلا فلا لا ... طُرُقُ الجدِّ غَيْرُ طُرْقِ المِزاحِ غير أنه ينتقل فيه من علم إلى علم، ومن نكتة إلى نكتة، ومن غريبة إلى غريبة، وكأنه تمسك بقول القائل (٣): (من البسيط) لا يُصلِحَ النَفسَ إِذْ كانَت مُدبرةً ... إِلّا التَنَقُّلُ مِن حالٍ إِلى حالِ فهو غريب في بابه، عزيز عند طلابه، ومع ذلك اعتذر بخشية الإطالة، واجتنبها خوفا من عدم الإقالة، وذكر أنه حين علّقه كان في هموم / علم الله ترادف نعوتها، وانكشاف غمائم [٣ أ] غمها وعيوبها، هذا والزمان قصير، والعلم جمع غزير، فاستخرت الله تعالى ـ وله الخيرة ـ في تلخيصه وتهذيبه، سالكا فيه طريقته في ترتيبه؛ ليكون ذلك سببا لتحصيل مقصوده، وكالرمز على حلّ عقوده؛ فكتبت هذه الأوراق، مستعينا بالمهيمن الخلاق أن يجيرني وأحبائي من عوارض الأيام، وأن يجعلني من العلماء الأعلام، وأن لا يجعل سعينا في طلب العلم وبالا، وأن يحل علينا منة ورحمة وإفضالا. [ترجمة الطغرائي] فصل فيما يتعلق بترجمة الطغرائي ومولده ووفاته وذكر شيء من أشعاره مختصرا: الطغرائي ﵀ هو العميد مؤيد الدين فخر الكتاب ابن إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الأصبهاني المنشئ المعروف بالطغرائي، بضم الطاء المهملة، وسكون الغين المعجمة، وفتح الراء، وهذه نسبة إلى من يكتب الطغراء، وهي الطرة التي تكتب في أعلى الكتب، فوق البسملة بالقلم الغليظ، تتضمن نعوت الملك، وألقابه، وهي لفظة أعجمية. قال ابن خلكان (٤): كان غزير الفضل، لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر، وذكره السمعاني، وأثنى عليه، وذكر شيئا من شعره، وذكر أنه قتل في سنة خمس عشرة وخمسمائة، والطغرائي المذكور له ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته

стр. 10

المعروفة بلامية العجم، وكان عملها ببغداد سنة خمس وخمسمائة، يصف فيها حاله، ويشكو زمنه، وذكره أبو المعالي الحظيري في كتابه زينة الدهر، وذكر له مقاطيع، وذكره العماد الكاتب في كتابه نصرة الفترة وعصرة القطرة، وهو تاريخ الدولة / السلجوقية وأنه كان [٣ ب] وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وذكر العماد الكاتب في الخريدة، قال: كان متولي ديوان الطغراء، ومالك قلم الإنشاء، وتولى الاستبقاء، وتوشح إلى الوزارة الوزارة، ولم يكن في الدولتين السلجوقية والإمامية مَن يضاهيه في الترسل والإنشاء سوى أمير الملك منشئ نظام الملك، قيل: لمّا عزم أخو استاذ الطغرائي على قتله، أمر به أن يُشد إلى شجرة، وأن يقف إلى تجاهه شاب تركي؛ ليرميه بالنبل، وكان الطغرائي يهوى ذلك الشاب، ففعل ذلك، وأوقف إنسانا خلف الشجرة يسمع ما يقول من غير أن يشعر به الطغرائي، وأن يسمع ما يقول، وقال لأرباب السهام: لا ترموه إلاّ إنْ أشرت إليكم؛ فوقفوا والسهام في أيديهم مفوقة؛ ليرموه، فأنشد الطغرائي (١) في تلك الحالة: (من الكامل) ولقد أقولُ لمن يفوق سهمَهُ ... نحوي وأطرافُ المَنِيَّةِ شُرَّعُ ... والموتُ في لحظاتِ آخرِ سهمه ... دوني وقلبي دونَهُ يتقطَّعُ باللهِ فتِّشْ عن فؤاديَ هَلْ يُرى ... فيه لغيْرِ هَوى الأَحِبَّةِ مَوْضِعُ (٢) أهوِنْ بهِ لو لم يكنْ في طَيِّهِ ... عهدُ الحبيبِ وسرُّه المستودَعُ فرق له وأمر بإطلاقه في ذلك الوقت، ثم إنّ الوزير عمل على قتله فيما بعد وقتله، وكان له ﵀ في حلّ رموز الكيمياء اليد العليا، والسابقية الأولى، وله فيها تصانيف عدة، ومن شعره (٣): (من الكامل) أما العلومُ فقد ظَفِرْتُ ببغْيتي ... منها فما أحتاجُ أنْ أتعلَّمَا وعرَفت أسرارَ الخليقةِ كلَّها ... عِلماً أنارَ ليَ البهيمَ المُظلما /ودريتُ هُرْمُسَ سِرَّ حكمتِه التي ... ما زال ظنّاً في الغيوب مرجَّما [٤ أ] وملكتُ مفتاحَ الكُنوزِ بفطنةٍ ... كشَفتْ ليَ السرَّ الخفيَّ المُبْهَما لولا التَّقِيَّةُ كنتُ أُظهِرُ معجزاً ... من حكمةٍ تشفي القلوبَ من العَمى أهوى التكرُّمَ والتظاهرَ بالذي ... عُلِّمْتُه والعقلُ يَنْهَى عنهما (٤) وأُريدُ لا ألقى غبيَّاً موسراً ... في العالمينَ ولا لبيباً مُعدِما

стр. 11

والناسُ إمَّا جاهلٌ أو ظالمٌ ... فمتى أُطيقُ تكرُّماً وتكلُّما ومن شعره (١): (من الوافر) ولا تستودِعَنَّ السِرَّ إلاَّ ... فؤادَك فهو موضِعُه الأمينُ إِذا حُفَّاظُ سِرِّك زيدَ فيهم ... فذاك السرُّ أضيعُ ما يكونُ ومن شعره في الزهد (٢): (من الوافر) إِذا ما لم تكنْ ملكاً مُطَاعَاً ... فكنْ عبداً لخالقِه مُطِيعَا وإِن لم تملكِ الدنيا جميعاً ... كما تهواه فاتركْهَا جميعَا قال الشارح: يقال أن أول ما ظهرت الكيمياء في جبابرة قوم هود، وتعاطوا ذلك، وبنوا مدينة من ذهب وفضة، لم يخلق مثلها في البلاد، وكان ابن التيميّة ﵀ ينكر ثبوتها، وصنف رسالة في إنكارها، وأمّا الإمام فخر الدين ﵀ فإنه عقد في المباحث الشرقية فصلا في إمكانها، وقد ردّ على الفلاسفة في قولهم بعدم إمكانها، واستدل على إمكانها في الملخص، قال: وأمّا الوقوع فالوصول إليه عسير، فهو يقول أيضا بوقوعها، لكن يعسر، وكذلك/ قال ابن باجة الأندلسي عن الشيخ أبي نصر الفارابي، والظاهر من حال [٤ ب] الطغرائي ﵀ أنه لم يدبر شيئا من الكيمياء، إنما كان يعلمها علما لا عملاً، ألا تراه يقول (٣): (من الطويل) ولولا ولاةُ الجَورِ أصبحتُ والحصَى بكفَّيَ أنَّى شِئتُ دُرٌ وياقوتُ وصاحب الشذور من جملة أئمة هذا الفن، صرح بأن نهاية الصنع إلقاء الواحد على الألف، ألا تراه يقول ﵀ في الفائيَّة (٤): (من الطويل) فعادَ بلطْفِ الحلِّ والعقد جوهراً ... يطاوعُ في النِّيْرانِ واحدهُ الألفُ وفي قوله في القصيدة القافيّة (٥): (من الطويل) فَذانِ هما البدرانِ فاغْنَ بعلمنا تنلْ بهما ما يصبغُ الألفَ دانقه وكان بعضهم يقول: إنّ المقامات، وكليلة ودمنة رموز على الكيمياء، وكل ذلك من شغفهم وحبهم لها، نسأل الله العافية بلا محنة، وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵀ مغرما بها، وأنفق فيها مالا وعمرا، وقد صحّت كيمياء العشق مع جمال الدين علي بن النبيه حيث يقول (٦): (من الطويل)

стр. 12

تعلَّمتُ علمَ الكيمِياءِ بِحُبِّهِ غزالٌ بجسمي ما بِعينَيْهِ مِن سُقْمِ فَصعَّدْتُ أنفاسي وقطَّرْتُ أدمُعي فصحَّ من التدبيرِ تصْفيرُهُ جسمي وقال أيضا (١): (من الخفيف) صُنْعِةُ الكِيْمٍياءِ صحَّتْ لعيني * حيث يزدادُ إذْ يَراني احمِرارا فإذا ما ألقيْتُ إكْسيرَ لحظي * في لُجينِ الخدُودِ عادَ نَضارا وأمّا هذه القصيدة اللامية فإنها سُمِّيت بلامية العجم تشبيها لها بلامية العرب؛ لأنها تضاهيها في حِكمِها وأمثالها، ولامية/ العرب هي التي قالها الشنفرى وأولها (٢): [٥ أ] (من الطويل) أَقيموا بَني أُمّي صُدورَ مَطِيَّكُم ... فَإِنّي إِلى قَومٍ سِواكُم لَأَمَيلُ فصل في ذكر شيء من شعر الطغرائي ﵀: قال في قصيدته (٣): (من الطويل) سرى وظلامُ الليلِ أقتمُ أفتخُ ... مِهادُ ضجيعٍ بالعبيرِ مُضمَّخُ وهي قصيدة حسنة لطيفة بديعة فائقة غريبة في معناها. وقال يصف خيلاً (٤): (من الكامل) سبقتْ حوافرُها النواظرَ فاستوى ... سبقٌ إِلى غاياتِها وشئونُ لولا ترامي الغايتينِ لأقسمَ الـ ... راؤونَ أنَّ حَراكَها تسكينُ وتكاد تُشبهها البُروقُ لَوَ اَنَّها ... لم تَعتلقْها أعينٌ وظنونُ هذه مبالغة في السرعة، والأول مأخوذ من قول أبي الطيب (٥): (من المنسرح) يُقبِلُهُم وَجهَ كُلِّ سابِحَةٍ ... أَربَعُها قَبلَ طَرفِها تَصِلُ وقال يصف الصبح (٦): (من الطويل) وردنا سُحيراً بين يومٍ وليلةٍ ... وقد عَلِقَتْ بالقَلب أيدي الكواكبِ على حينَ عرَّى منكِبُ الشرقِ جذبةً ... من الصبح واسترخَى عِنانَ الغياهبِ وقال من أبيات (٧): (من الطويل) ونفسٌ بأعقابِ الأمور بصيرةٌ ... لها من طِلاع الغيب حادٍ وقائدُ وتأنف أن يَشفي الزلالُ غليلَها ... إِذا هيَ لم تشتقْ إليها المواردُ

стр. 13

وقال أيضا (١): (من الكامل) إني لأذكركمْ وقد بلغَ الظما ... منّي فاشْرَقُ بالزُلالِ الباردِ وأقولُ ليتَ أَحِبَّتي عاينتهم ... قبلَ المماتِ ولو بيومٍ واحدِ / وقال أيضا (٢): (من الكامل) ... [٥ ب] مرِضَ النسيمُ وصحَّ والداءُ الذي ... أشكوهُ لا يُرجى له إِفراقُ وهَدا خفوقُ البرق والقلبُ الذي ... ضُمَّتْ عليه جوانحي خفَّاقُ وقال أيضا (٣): (من البسيط) تاللهِ ما استحسنَتْ من بعدِ فُرقَتِكُمْ ... عيني سِواكم ولا استمتعتُ بالنَّظَرِ إنْ كان في الأرضِ شيءٌ بعدكم حَسنٌ ... فإنَّ حبَّكُمُ غَطَّى على بَصَري وقال أيضاً (٤): (من الخفيف) خَبَّرُوهَا أنِّي مَرِضْتُ فقالتْ ... أضنَىً طارِفاً شكا أم تليدَا وأشاروا بأنْ تعودَ وِسَادِي ... فأبَتْ وهيَ تشتَهِي أنْ تعودَا وأتَتْنِي في خِفيةٍ وهي تشكُو ... ألمَ الوجْدِ والمزارَ البعيدا ورأتْنِي كذا فلم تتمالَكْ ... أن أمالتْ علَيَّ عِطْفًَا وجِيدَا وقال في الهلال (٥): (من الرجز) قوموا إِلى لذّاتِكمْ يا نِيامْ ... ونبِّهوا العودَ وصفُّوا المُدامْ هذا هلالُ الفِطرِ قد جاءنا ... بمنجلٍ يحصدُ شهرَ الصيامْ وقال في تقابل الشمس والقمر (٦): (من الكامل) وكأنما الشمسُ المنيرةُ إذْ بدتْ ... والبدرُ يجنَحُ للمغيب وماغَرَب متحاربانِ مِجَنُّ ذا قد صاغَهُ ... من فضةٍ ولذا مِجَنٌّ من ذَهَب وقال أيضا (٧): (من الطويل) سأحجُبُ عنّي أُسرتي عند عسرتي ... وأبرز فيهم إِنْ أصبت ثراءَ / ولي أُسوةٌ بالبدر يُنفق نورَه ... فيخفَى إِلى أن يستجدَّ ضياءَ ... [٦ أ]

стр. 14

ولو أردنا أنْ نذكر الكثير من شعره لذكرنا، ولكن الاقتصار أولى، واليسير من هذا يغني عن الكثير، ولم يبق بعد ذلك إلاّ الشروع في المقصود، نسأل الله تعالى أن يمن علينا بالطاقة، وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه، موجبا للفوز لديه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [شرح القصيدة بيتا بيتا] أصالةُ الرأي صانتْنِي عن الخَطَلِ ... وحِليةُ الفضلِ زانتني لدَى العَطَلِ اللغة: أصالة: مصدر أصُل الشيء أصالة، مثل ضَخُم ضخامة، قال ابن الأنباري: الأصيل القوي الذي له أصل، والرأي: مصدر رأى رأيا، مهموز، يجمع على آراء، والرأي هو التفكير في مبادئ الأمور، ونظر عواقبها، وعِلْم ما تؤول إليه من الخطأ والصواب، وأصحاب الرأي هم أصحاب القياس، روى نوح الجامع أنه سمع أبا حنيفة يقول: ما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة اخترناه، وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال، وقال أبو حنيفة ﵀: علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه، والشافعي ﵁ قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقال الشافعي ﵁: ما رأيت كأهل مصر، اتخذوا الجهل علما؛ لأنهم سألوا مالكا مسائل، قال: لا أعلم، فهم لا يقبلونها ممن يعلمها؛ لأن مالكا قال: لا أعلمها، وأهل الرأي هم ضد أهل النظر، صانتني: تقول: صنت الشيء صونا، وصيانا، وصيانة، فهو مصون، ولا يُقال: مُصان، وثوب مصون على النقص (١)، ومصوون على التمام، قال (٢): ليس يأتي ثلاثي من بنات الواو (٣) إلاّ حرفان: مسك مدووف، وثوب / مصوون، فإن هذين جاءا نادرين (٤)، الخطل: المنطق الفاسد [٦ ب]، وقدخَطِل في كلامه، بالكسر، خطلا، أي أفحش، وريح خَطِل، أي مضطرب، ومنه سُمِّي الأخطل؛ لخطلٍ كان في أُذنيه، وحليةِ: الحِلية للسيف وغيره، جمعها حِلىً، مثل لِحية ولِحىً، وحِلية الرجل صفته، وليست مراده هنا، بل المراد الزينة التي يتحلى بها الإنسان من الفضائل، الفضل: خلاف النقص لغة، وهنا المراد به ما ينطوي عليه الإنسان من العلم والأدب والتجارب والممارسة للأمور، زانتني: ما يُتزين به، لدى: بمعنى عند، العطل: مصدر عطلت المرأة إذا خلا جيدها من القلائد، فهي عطل. الإعراب: أصالة: مبتدأ مضاف إلى ما بعده، الرأي: مجرور بالإضافة إلى المبتدأ أصالة، صان: فعل ماضٍ، والتاء ضمير راجع إلى أصالة، وهو في موضع رفع؛ لأنه فاعل صان، والنون الثانية نون الوقاية، والياء ضمير المتكلم، وهي في موضع نصب على المفعولية، والجملة كلها في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ، والخطل: مجرور بعن،

стр. 15

وحلية: الواو عاطفة، وقد تقع لغير ذلك، حلية: مبتدأ، لدى: ظرف مكان، فموضعها النصب، والعامل فيها زانت. المعنى: يقول: إن الرأي الأصيل يصونه عن الاضطراب في القول والعمل، وحلية عمله تزينه عند العطل، أي عند التعري عن أعراض الدنيا وزخرفها. قال ﵇: الإنسان بأصغريه القلب واللسان، وقال ﵇: المرء مخبوء تحت لسانه، وقال علي كرم الله وجهه: قيمة كل امرئ ما يُحسنه، وقال الشاعر (١): (من البسيط) واجهدْ لنفسِكَ واستكمِلْ فضائلَها ... فأنتَ بالنَّفسِ لا بالجِسمِ إنسانُ / ولبعضهم في المعنى (٢): (من الكامل) ... [٧ أ] كمل حقيقتك التي لم تكمل ... والجسم دعه في الحضيض الاسفل اتكمل الفاني وتترك باقيا ... هملا وأنت بأمره لم تحفل الجسم للنفس النفيسة آلة ... ما لم تحصلها به لم يحصل يفنى ويبقى دائما في غبطةٍ ... أبديةٍ أو شقوةٍ لا تنجلي شرك كثيف أنت في حبلاتهِ ... بادرْ إلى وجهِ الخلاصِ وعجِّلِ من يستطيع بلوغ أعلى منزل ... ما باله يرضى بأدنى منزل والمشهور بالدهاء والرأي خمسة من العرب: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن الأنصار قيس بن سعد بن عُبادة، ومن المهاجرين عبد الله بن يزيد الخزاعي. ومن شعر مؤيد الدين الطغرائي الناظم ﵀ (٣): (من الكامل) لا تحقِرنَّ الرأيَ وهو موافقٌ ... حُكمَ الصوابِ إِذا أتَى من ناقصِ فالدُّرُ وهو أجلُّ شَيءٍ يُقْتَنَى ... ما حَطَّ قيمتَهُ هوانُ الغائصِ قلت وأنشد ابن الجوزي لبعض الحكماء (٤) في أوائل ذم الهوى: (من البسيط) وأفضل الناس مَن لم يرتكب سَبَباً ... حتى يميّز ما تجني عواقبه مجدي أخيراً ومجدِي أوّلاً شَرَعٌ ... والشمسُ رأْدَ الضُحَى كالشمسِ في الطَفَلِ اللغة: المجد لغةً: الكرم، وقد مجُد بالضم فهو مجيد، قال ابن السكِّيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، والحسب للرجل، وإن لم يكن له أب، وإليه أشار امرؤ القيس بقوله (٥): ... (من الطويل)

стр. 16

فَلَو أَنَّ ما أَسعى لِأَدنى مَعيشَةٍ ... كَفاني وَلَم أَطلُب قَليلٌ مِنَ المالِ وَلَكِنَّما أَسعى لِمَجدٍ مُؤَثَّلٍ ... وَقَد يُدرِكُ المَجدَ المُؤَثَّلَ أَمثالي / المؤثل: الموروث، وأراد: كفاني قليل من المال، ولم أطلب، ولو أعمل لم أطلب [٧ ب] في قليل لاستحال المعنى، وليس هذا من التنازع؛ لفساد المعنى؛ خلافا لما توهمه أبو علي الفارسي، شرع: سواء، يحرك، ويسكن، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، رأد الضحى: أي ارتفاع الشمس، والطفل: بعد العصر إذا طفلت الغروب. الإعراب: مجدي: مبتدأ، وأخيراً منصوب على أنه ظرف زمان (١)، وكذا قوله أولاً، ومجدي الثانية معطوف على الأول، وشرع: خبر عنهما، كقوله: زيد وعمرو كريمان، والشمس هذه واو الابتداء، رأد الضحى: منصوب على أنه ظرف زمان، والضحى: مضاف إليه، ثم ذكر معاني الكاف وأنها (٢) تأتي للتشبيه، واستحسن قول ابن قلاقس (٣) في مدح الحافظ السلفي: (من البسيط) كالبحرِ والكافُ إن أنصفتَ زائدةٌ ... فيه فلا تحسَبْنَها كافَ تَشبيهِ وقد أخذه من قول أبي الطيب (٤): (من البسيط) كَفاتِكٍ وَدُخولُ الكافِ مَنقَصَةٌ ... كَالشَمسِ قُلتُ وَما لِلشَمسِ أَمثالُ المعنى: يقول: إن مجده في الأول، ومجده في الآخر سواء، لا تفاضل فيه، كما أن الشمس استوى حالتاها في أول النهار وآخره، ومن الكَلِم النوابغ: التاجر مجده في كيسه، والعالم مجده في كراريسه، ومنه أيضا: مَن أخطأته المناقب، لم تنفعه المكاسب، ويحتمل أن المصنف أراد أنَّ (٥) مجد أسلافه، ومجده واحد، أي ورثت المجد عن آبائي الكرام، وسدتُ كما سادوا، وقد أخذ المصنف هذا المعنى من أبي العلاء المعري (٦)، حيث قال: (من البسيط) وافَقْتَهُمْ في اختلافٍ من زَمانهمُ ... والبَدرُ في الوهْنِ مثلُ البدرِ في السّحرِ / واعلم أنّ كل حيوان بينك وبينه مشاركة في الجنسية، ألا ترى أنّ بعض العلماء كان [٨ أ] يُنكر قتل الكلاب، وينهى عنه، ويقول: كيف تفعل ذلك وهو شريكك في الحيوانية، وما أحسن قول القائل (٧): (من الوافر) وللزنبور والبازي جميعاً ... لدى الطيران أجنحة وخفق

стр. 17

ولكن بين ما يصطاد بازٍ ... وما يصطاده الزنبور فرق قال الشارح: وبيت أبي العلاء أبلغ مما قال المصنف؛ لأنه أعذب لفظا، وكلا المعنيين اللذين أشار إليهنا يشبه قول الحريري (١): (من البسيط) وطالما أُصْليَ الياقوتُ جَمرَ غضىً ... ثم انطَفى الجَمرُ والياقوتُ ياقوتُ قال: وهو سيّد الأحجار التي لا تذوب، ولا تتأثر بالنار، والذَّكر أردأ أصناف (٢) الياقوت، قال ابن سينا: ومن خواصّه التفريح، وتقوية القلب، ومقاومة السّموم، ومن خواصّه أنه يقطع سائر الحجارة إلاّ الألماس يقطعه؛ لصلابته وقلة مائيته، ولبعضهم فيمن اسمه ياقوت (٣): (من البسيط) ياقوت ياقوت قلبي المستهام به ... من المروءة أن لا يمنع القوت سكنت قلبي وما تخشى تلهبه ... وكيف يخشى لهيب النار ياقوت قلت: وكذا الحجر الأسود، لا يتأثر أيضا بالنار، وله خاصيّة أخرى وهو أنه لا يغرق في الماء، وهاتان الخصلتان توجدان فيه عند الامتحان، وقد امتُحن فوُجد كذلك حين أخذته القرامطة في خبر مشهور، لا طائل بذكره، فإن قيل: أليس كون الشمس في بكرة النهار مثل كونها في آخره؛ لأن حالة الإقبال حالة (٤) ابتداء وتمكُّن، وحالة الانتهاء حالة إدبار، ولهذا / قال المنجمون: إنّ السعي في الحوائج في أول النهار خير منه في آخره. ... [٨ ب] قال الشاعر (٥): (من الخفيف) بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبلَ الهَجيرِ ... إِن ذاكَ النَجاحَ في التَبكيرِ قلت: وعلى الشارح اعتراض، وعليه الشاعر، أمّا الشارح فكان ينبغي له أن يستدل بقوله ﵇: اللهم بارك لأمتي في بكورها، وبما قاله أصحابنا من استحباب التبكير في الحوائج والمهمات، وعلى الشاعر إذ لو قال: إنّ أصل النجاح، لكان أولى، لما لا يخفى على متأمل، وأجاب الشارح عن السؤال المتقدم أن المصنف إنما أراد ذات الشمس من حيث هي من غير نظر إلى ما يطرأ عليها من حركة فلكها؛ لأن هذه الأحوال إنما هي بالنسبة إلينا لا إلى الفلك؛ لأن الشمس في جرمها واحدة لا تتغير أبدا، وهي هي أبدا ما زالت، ولا طرأ عليها شيء، نعم كان هذا يُراد لو كان لكل يوم شمس تخصه، كما ذهب إليه بعضهم، وليس

стр. 18

بشيء، قال: وقد بالغ المصنف حيث ضرب لمجدة مثلا بالشمس، وإنه مثل لا يخفى على ذي عقل، ولا يسعه إنكاره، كما قيل (١): (من الوافر) وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَذهانِ شَيءٌ ... إِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ انظر إلى قول أبي تمام (٢) في هذا المعنى: (من الطويل) أَنا اِبنُ الَّذينَ اِستُرضِعَ المجدُ فيهِمُ ... وَسُمِّيَ فيهِم وَهوَ كَهلٌ وَيافِعُ (٣) مَضَوا وَكَأَنَّ المَكرُماتِ لَدَيهِمُ ... لِكَثرَةِ ما أَوصَوا بِهِنَّ شَرائِعُ فَأَيُّ يَدٍ في المَجدِ مُدَّت فَلَم تَكُن ... لَها راحَةٌ مِن مجدِهِم وَأَصابِعُ (٤) / هُمُ اِستَودَعوا المَعروفَ مَحفوظَ مالِنا ... فَضاعَ وَما ضاعَت لَدَينا الوَدائِعُ [٩ أ] واعلم أنّ عند الأكثرين أنّ أبا تمام كان أبوه نصرانيا، يقال له نقدوس (٥) العطار من جاسم، قرية من قرى حوران بالشام فغير اسم أبيه واندسّ في بني طيء، قال، ومن مشهور الحكايات، قال بعضهم: كنت ليلة جالسا عند بعض ولاة الطرق، وقد جاء غلمانه برجلين فقال لأحدهما مَن أبوك، فقال (٦): (من الطويل) أنا ابن الذي لا يُنزل الدّهرُ قِدره ... وإن نزلتْ يوماً فسوف تعود ترى الناس أفواجاً على بابِ دارِه ... فمنهم قيامٌ حولها وقعود فقال الوالي ما كان أبو هذا إلاّ كريما، ثم قال للآخر: من أبوك، فقال (٧): (من المنسرح) أنا أبن من ذلَّت الرقابُ له ... ما بين مخزُومها وهاشِمها خاضعة أذْعَنَتْ لطاعَتِهِ ... يأخذ من مالِها ومن دمها فقال الوالي ما كان أبو هذا إلاّ شجاعاً، وأطلقهما، فلما انصرفا، قلت للوالي: أمّا الأول فكان أبوه يبيع الباقلاّء المصلوق، وأما الثاني فكان أبوه حجاما، فقال الوالي (٨): ... (من المنسرح) كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... يُغنيك مضمونُه عن النَّسبِ

стр. 19

إنَّ الفتى من يقول: ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقولُ كان أبي قال بعضهم: وجدت مكتوبا على قبر: أنا ابن مَن كانت الريح طوع يده، يحبسها إذا شاء، ويطلقها إذا شاء، قال: فعظم في عيني مصرعه، ثم التفتُّ إلى قبر آخر قبالته، وعليه مكتوب: لا يغترّ أحد بقوله، فما كان أبوه إلاّ بعض الحدادين، يحبس الريح في كيره، ويتصرف فيها، فعجبت منهما يتسابّان ميِّتين. / قال: ومما هجا به مجاهد الخياط أبا الحسين الجزار، قوله (١): (مخلع البسيط) ... [٩ ب] إنْ تاهَ جزارُّكم عليكم بفطنةٍ في الورى وكَيسِ فليس يرجوه غير كلب ... وليس يخشاه غير تيس ومن بديع شعره، أي أبا الحسين الجزار المذكور قوله (٢): (البسيط) إني لمن معشرٍ سفك الدماء لهم ... دأبٌ وسلْ عنهُمُ إنْ رُمت تصديقي تضيء بالدم إشراقا عِراصهمُ ... فكل أيامهم أيام تشريق فيمَ الإقامُة بالزوراءِ لا سَكَني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جَملي اللغة: الزوراء: بغداد، وسميت بذلك لانحراف قبلتها، وتُسمى دار السلام، قيل: لأن دجلة يسمى السلام، وقيل: لأنه يُسلَّم فيها على الخلفاء، وهي بلدة أحدثها المنصور من بني العباس، سنة أربعين ومائة، ونزلها في سنة ست وأربعين، والسكن: ما يسكن إليه الإنسان من زوج أو غيره، وبقية البيت مثل من أمثال العرب، الأصل فيه أن الصَّدُوف العدوية كانت تحت زيد بن الأخنس العدوي، وله بنت من غيرها تُسمى الفارعة، وكانت تسكن بمعزل عنها، في خباء آخر، فغاب زيد غيبة، فلهج بالفارعة عدوي، يُدعى شبيبا، وطاوعته، وكانت تركب كل عشية جملا لها، وتنطلق معه إلى ثنية يبيتان فيها، ورجع زيد عن وجهته، فعرّج على كاهنة اسمها طريفة، فأخبرته بريبة في أهله، فأقبل سائرا لا يلوي على أحد، وإنما تخوّف على امرأته حتى دخل عليها، فلما رأته عرفت الشرّ في وجهه، فقالت: لا تعجل واقف الأثر، لا ناقة لي في هذا ولا جمل، فصار ذلك مثلا يُضرب في التبرِّي عن الشيء. قال الراعي (٣): (من البسيط) /وَما هَجَرْتُكِ حَتّى قُلتِ مُعلَنَةً ... لا ناقَةٌ لِيَ في هَذا وَلا جَمَلُ ... [١٠ أ]

стр. 20

الإعراب: فيم: أصله فيما، فحذفوا الألف منها تخفيفا، أو لاتصالها بحرف الجر، أو تفرقة بينها وبين أن تكون اسما، فالأصل في ما، في: حرف جر، وما: استفهامية، وما وموضعه رفع على أنه خبر مقدم، والمبتدأ الإقامة، ويقدم الخبر لأن الاستفهام له صدر الكلام، بالزوراء: الباء للظرفية المكانية، وتكون أيضا للظرفية الزمانية، ومجيئها للمكان أكثر منها للزمان، بالزوراء موضعه النصب على أنه ظرف للإقامة، لا سكني: هذه لا التي لنفي الجنس، وسكن مبني على الفتح؛ لأنه اسم تقديره لا سكن لي، بها: الباء ظرفية، والهاء والألف ضمير يرجع على الزوراء، ولا: الواو عاطفة، ولا: التي لنفي الجنس، ناقتي: اسم لا، وقد أُضيف إلى ياء المتكلم، فالفتحة مقدرة على التاء، فيها: في هنا ظرفية، والضمير للزوراء، ولا جملي: إعرابه كما تقدم. المعنى: يقول: إقامتي في بغداد لأي شيء، ولا سكن لي بها، ولا علاقة لي فيها، بدليل ما ضربه من المثَل، فإذا كان كذلك، فرحيله منها مُتعيِّن (١). ... (الطويل) وَإِنَّ صَريحَ الحَزمِ وَالرَأيِ لَاِمرُىٍ ... إِذا بَلَغَتهُ الشَمسُ أَن يَتَحَوَّلا وقد خرج رسول الله ﷺ من مكة، وكان ما كان، ثم رجع إليها، وقال ﵇: العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فأين ما وجدت الخير فأقم، واتق الله. قال المتنبي (٢): (من الطويل) وَكُلُّ اِمرِئٍ يولي الجَميلَ مُحَبَّبٌ ... وَكُلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ / والمقادير عجائب، وفوائد قوم عند قوم مصائب، هذا يقول في بغداد هذه المقالة [١٠ ب] والعِكَوَّك يقول لمَّا كره عنها ارتحاله (٣): (من السريع) لَهَفِي على بغدادَ مِنْ بَلْدَةٍ ... كانتْ مِنَ الأَسْقامِ لِي جُنّه كأنّنِي عِنْدّ فِراقِي لَها ... آدمُ لَمَّا فَارَقَ الجَنَّه وقال البحتري (٤): (من الكامل) ما أَنصَفَتْ بَغدادُ حينَ تَوَحَّشَتْ ... لِنَزيلِها وَهيَ المَحَلُّ الآنِسُ لمَّا نبت بغداد بالقاضي عبد الوهاب المالكي خرج منها طالبا مصر، فشيعه من أكابرها وفضلائها، فقال لهم لمَّا ودّعهم: لو وجدت بين ظهرانيكم كل بكرة وعشية رغيفين ما فارقت بغداد، ومن شعره فيها (٥): (من البسيط) بغداد دارٌ لأهل المال طيبة ... وللمقلين دار الضنك والضيق

стр. 21

أقمتُ فيها مُضاعاً بين ساكِنِها ... كأنني مصحفٌ في بيت زنديق وهذا كان شأن العلماء ﵃؛ لأنهم لا يقيمون إلاّ في مكان تتروح فيه النفوس، ويزول عنهم فيه الهم والبؤس، كما قال ابن شرف القيرواني (١): (من البسيط) وَصَيّر الأَرضَ داراً وَالوَرى رَجُلاً ... حَتّى تَرى مُقبِلاً في الناسِ مَقبولا وهو مأخوذ من قول الأول (٢): (من البسيط) شرقٌ وغربٌ تجدْ من غادرٍ بدلاً ... فَالأَرضُ مِن تُربَةٍ وَالناسُ مِن رَجُلِ وقال مصعب الصقلي (٣): (من الطويل) إذا كانَ أصْلِي مِنْ تُرابٍ فكلُّها ... بلادِي وكلُّ العالَمينَ أقارِبِي وقال أبو فراس (٤): (من البسيط) مَنْ كانَ مثْلِيَ فالدُّنيا له وَطَنٌ ... وَكُلُّ قَومٍ غَدا فيهِم عَشائِرُهُ /وَما تُمَدُّ لَهُ الأَطنابُ في بَلَدٍ ... إِلّا تَضَعضَعَ باديهِ وَحاضِرُهُ ... [١١ أ] وقال أبو الطيب (٥): (من المنسرح) إِذا صَديقٌ نَكِرتُ جانِبَهُ ... لَم تُعيِني في فِراقِهِ الحِيَلُ في سَعَةِ الخافِقَينِ مُضطَرَبٌ ... وَفي بِلادٍ مِن أُختِها بَدَلُ قال الشارح: وما أعرف أحدا ضمن هذا المثل، أعني: لا ناقة لي في هذا ولا جملي، أمكن، ولا أحسن من قول الشهاب محمود (٦): (من البسيط) أستغفرُ اللهَ أين الغيثُ منفصلاً ... من برِّه وهو طولُ الدَّهرِ متَّصِلُ مَن حاتمٌ عدِّ عنه، واطّرحْ فبه ... في الجودِ لا بسواه يضربُ المثلُ أين الذي بِرُّه الآلافَ يُتبعُها ... كرائمَ الخيلِ ممن جوده الإبِلُ لو مُثِّلَ الجودُ سرحاً قال حاتمُهم ... لا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جملُ ثم أخذ الشارح يتكلم في التضمين، وينشد شيئا من ذلك، فاخترت من ذلك بيتين للصفي الحلي (٧)، وهما: (من الخفيف)

стр. 22

يا ضَعيفَ الجُفونِ أَمْرَضْتَ قَلباً ... كانَ قَبلَ الهَوى قَوِيّاً مَلِيّاً لا تُحارِب بِناظِرَيكَ فُؤادي ... فَضَعيفانِ يَغلِبانِ قَوِيّاً وقول المصنف: فيم الإقامة، البيت، هذا البيت يسميه أهل البديع عقاب المرء لنفسه، لم ينشد ابن المعتز (١) في هذا المعنى غير بيتين، وهما: (من الطويل) عصاني قومي والرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم فصبراً بني بكرٍ على الموت إنني ... أرى عارضاً ينهل بالموت والدم نَاءٍ عن الأهلِ صِفْرُ الكفِّ منفردٌ ... كالسيفِ عُرِّيَ متناهُ من الخَللِ / اللغة: نأى ينأى فهو ناءٍ إذا بَعُد، الأهل: أهل الرجل، وهو اسم جمع، لا واحد [١١ ب] له من لفظه، الصفر: الحال، يقال: رجل صفر اليدين، أي لا شيء فيهما، والصفاريت الفقراء، الواحد صفريت، وفي الحديث: إذا اصفر البيوت من الخير، البيت الصفر من كتاب الله تعالى، إذا كان هذا الخبر مرفوعا فمعناه البيت الذي ليس فيه مَنْ يقرأ كتاب الله، أمّا لو كان في البيت مُصحفا مُعلَّقا عنده، ولا يقرأ فيه فهو أيضا صفر؛ لأنه روي أنه مَنْ نزّل مصحفا معلَّقا عنده، ولم يقرأ فيه جاء يوم القيامة آخذا ببعض بدنه، قائلاً ربّ عبدك هذا اتّخذني مهجورا، الكف: معروف، وفي الإنسان عشرة أعضاء أولها كاف، وهي: الكف، والكوع، والكرسوع، والكتف، والكاهل، والكبد، والكلية، والكمرة، والكعب (٢). يُحكى أنّ بعض أشياخ اللغة طُلب منه عدَّها، فعدَّها تسعة أعضاء، خلا الكمرة، فإنه ذهل عنها، فلمَّا قام إلى بيت الخلاء ذكرها، وكان قد ذكر بدلها الكرش، فقيل له: ليس للإنسان كرش، إنما هي الأعفاج. ويقال: ابن خالويه وضع أسئلة سماها الأنطاكية، اشتملت على ثلاثمائة عضو من أعضاء الإنسان، أول كل كلمة منها كاف، وقوله: كالسيف عُرِّي: أي جُرِّد، والمتن هنا جانبا السيف، الخلل: جمع، واحده خلة، بالخاء المعجمة، والخلل: بطائن كان يُغَشَّى بهما بطائن السيوف؛ منقشة بالذهب وغيره. الإعراب: ناءٍ: اسم فاعل من نأى، مرفوع على أنه خبر، ولم يظهر الرفع فيه؛ لأنه منقوص، مثل قاضٍ، فلا يظهر فيه إلاّ النصب، تقول: رأيت نائياً، فإن قلت: هلاّ رفعته على أنه / مبتدأ، فالجواب أنَّ اسم الفاعل لا يكون مبتدأ حتى يعتمد على الاستفهام [١٢ أ] أو النفي، أو معنى النفي، قال الشاعر (٣): (من البسيط)

стр. 23

أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا ... إنْ يظعنوا فعجيب عيش مَنْ قطنا وقال آخر (١): (الطويل) خليلي ما وافٍ بعهدي أنتما إذا لم تكونا لي على مَن أقاطعُ ألا ترى أنّ قاطنا لمَّا اعتمد على استفهام كان مبتدأ، وأنّ وافيا لمَّا اعتمد على النفي، جاز الابتداء به قولهم معنى النفي؛ ليدخل فيه قول الشاعر (٢): (من المديد) غيرُ مأسوفٍ على زمنٍ ... ينقضِي بالهَمِّ والحَزَنِ قوله: عن الأهل، عن هاهنا للمجاوزة، والجار والمجرور في موضع النصب باسم الفاعل، صفر الكف منفرد: خبران أيضا مثل ناء، فهي ثلاثة أخبار لمبتدأ واحد، والصحيح جواز تعدد الأخبار، ثم هي على ثلاثة أقسام، لا نطيل بذكرها، إلاّ أنّ هذه الإخبارات الثلاثة تعددت في اللفظ، والمعنى دون الابتداء؛ لأنه واحد متصف بهذه الصفات، فيجوز فيما كان بهذه المثابة أنْ ترد الأخبار فيه معطوفة، وغير معطوفة، كقوله تعالى: [وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ] (٣)، قوله: كالسيف، الكاف هنا اسم بمعنى مثل، ويجوز في موضعها النصب على الحال، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، تقديره منفرد انفرادا مثل انفراد السيف، أو الرفع إن قُدِّرت فأنا منفرد مثل السيف، عُرِّي متناه: ومتناه مفعول ما لم يسم فاعله، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، وحذفت نون التثنية لإضافته إلى الضمير، والموجب لحذف الفاعل أمور، لا نطيل بذكرها، وقوله: من الخلل متعلق بعُرِّي، مِنْ هنا لبيان الجنس، وجملة عُرِّي وما بعدها في موضع الجر على الصفة للسيف، ومن الخلل متعلق بعُرِّي. المعنى: هذا البيت متعلق / بما قبله، كأنه يقول لأي شيء أُقيم ببغداد [١٢ ب] وليس لي بها سكن، ولا ناقة، ولا جمل، وأنا ناء عن الأهل فقير، لا أملك شيئا من المال في كفي، منفرد عن الناس كالسيف الذي جُرِّد عن حليته، إذ المقصود وقت الحاجة هو نفسه دون الحمائل والأجفان، وأمَّا الحمائل والأجفان فلا اعتبار بها، وما الحلى إلاّ حلية لنقيصته، وما أحسن ما كشف أبو العلاء المعري (٤) عن هذا المعنى بقوله: (من الطويل) وإنْ كان في لُبسِ الفتى شرَفٌ له ... فما السّيفُ إلاّ غِمْدُه والحمائل

стр. 24

وقال النمر بن تولب (١): فإن تك أثوابي تَمزقن عن فتى فاني كنصل السيف خلق الغمد وقال لبيد بن ربيعة (٢): (من الطويل) فَأَصبَحتُ مِثلَ السَيفِ أخلَقَ جَفنَهُ ... تَقادُمُ عَهدَ القَينِ وَالنَصلُ قاطِعُ فلهذا قال الناظم ما قاله بمعنى أنني ببغداد، بهذه الحالة من الفقر، واجتناب الناس؛ لخلو ذات يدي، وأنا من الفضل والعلم والأدوات بمحل أسنى، ومع ذلك لا يعبأ بي، ولا ينظر إلى ذاتي من حيث هي كالسيف المُعرَّى من الحلية، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إذ هما ذات، والمال عرض زائل عنها، قال الشاعر (٣): (من البسيط) تَسلََّّ عن كلّ شيء بالحياة فقد ... يهون عند بقاء الجوهر العرَضُ وقال المعري في المعنى (٤): (من الوافر) وأنتَ السيْفُ إنْ تَعْدَمْ حُلِيّاً ... فلم يُعْدَمْ فِرنْدُكَ والغِرارُ وليس يَزيدُ في جَرْي المَذاكي ... ركابٌ فوقَه ذَهَبٌ مُمَارُ /ورُبّ مُطَوَّقٍ بالتّبِر يكْبُو ... بفارسِه وللرَّهَج اعْتِبارُ ... [١٣ أ] وزَنْدٍ عاطِلٍ يَحْظى بمَدْحٍ ... ويُحْرَمُه الذي فيه السّوارُ وقول الناظم ما قال مأخوذ من قول مسلم بن الوليد (٥): (من الطويل) وَبايَنتُ حَتّى صِرتُ لِلبينِ راكِباً ... قَرى العَزمِ فَرداً مِثلَ ما اِنفَرَدَ النَصلُ ولابن سناء الملك (٦) يرثي جماعة من أبيات: (من الرجز) تلك قبورٌ بُنيت بهدمي ... لم تُبْنَ إِلاَّ بدَمِي ولَحْمِي مَناظرٌ كما رأَيتَ تُعْمِي ... وعِشْتُ مِنْ بَعدِهم بِرَغْمي كالسيفِ في الوحدةِ لا كالسَّهم في فقرِ صُوفِيٍّ وذُلَّ ذِمي فلا صديقَ إليه مشتكَى حزَنِي ... ولا أنيسَ إليه منتَهى جذلي اللغة: الصديق: هو الصادق في المودة، الرجل صديق، والمرأة صديقة، الجمع أصدقاء، قد يقال للواحد والجمع، والمذكر والمؤنث: صديق، قال الشاعر (٧): (من الطويل) نصبْنَ الهَوى ثُمَّ اِرتَمَينَ قُلوبنا ... بأعين أعداءِ وَهن صَديق ومن هنا اختلس أبو نواس معناه في قوله (٨): (من الطويل)

стр. 25

إِذا امتَحَنَ الدُنيا لَبيبٌ تَكَشَّفَت ... لَهُ عَن عَدوٍّ في ثِيابِ صَديقِ مشتكى: مصدر اشتكى يشتكي، والحزن: خلاف السرور، والأنيس: فعيل من الأنس، ومنتهى: مصدر انتهى الشيء إذا بلغ الغاية، قال تعالى: [وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى] (١)، وقال ابن دريد: وكل شيء بلغ الحد انتهى، الجذل، بالذال المعجمة: ضد الحزن. الإعراب: فلا صديق: هذه لا التي لنفي الجنس، إليه: جار ومجرور، مشتكى: مصدرية موضع رفع على الابتداء، ولم يظهر الإعراب/ لأنه مقصور، حزني: مضاف والياء [١٣ ب] التي هي الضمير للمتكلم في موضع جر، ومشتكى مضاف إلى الحزن، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب على أنه صفة لاسم لا، كان التقدير: فلا صديق سامعا شكوى حزني إليه موجود، والنصف الثاني إعرابه إعراب الأول. المعنى: ما أجد صديقا يكون مشتكى حزني، ولا أرى أنيسا يكون منتهى فرحي، وهذه حالة تشق على مَن تلبس بها، ألا ترى أن رسول الله ﷺ لمَّا هاجر من مكة، ما خرج منها إلاّ وأبو بكر ﵁ معه؛ ليكون له أنيسا من الوحدة، ورفيقا في الغربة، يركن إليه في المشورة، ويركن به إذا خلا، وكذلك كان معه في الغار، وموسى ﵇ لمَّا أمره الله تعالى بالرسالة إلى فرعون سأل ربه أن يكون معه أخوه، قال: [وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي] (٢) الآية، وقال ﵇: إذا أراد الله بملك خيرا قيّض له وزيرا صالحا، إنْ نسي ذكّره، وإنْ نوى خيرا أعانه، وإنْ أراد شرّا كفّه عنه، وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير، ولو لم يكن في الصاحب والوزير إلاّ المشورة؛ لكان كافيا، قال تعالى لنبيه سيدنا محمد ﷺ : [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ] (٣)، قال الشاعر (٤): (من الطويل) إذا عنَّ أمرٌ فَاستَشِر لكَ صاحِباً ... وإنْ كنتَ ذا رأي تشيرُ على الصحبِ فإني رأيت العينَ تجهل نفسها ... وتدركُ ما قدْ حلَّ في موضع الشهب وقال الأرجاني (٥): (من البسيط) شاوِرْ سِواكَ إذا نابَتْكَ نائبةٌ ... يوماً وإن كنتَ من أهلِ المشوراتِ فالعَيْنُ تَلْقى كِفاحاً ما نأى ودنا ... ولا تَرى نَفْسَها إلا بمِرآة

стр. 26

واعلم / أنَّ طلبَ الصاحب أمر مقصود عند العقلاء؛ لأنه لا بدّ من خلٍّ تسكن إليه [١٤ أ] فتشكو إليه حزنك، وتنتصر به على مَن ظلمك، وتتخذه عونا على مآربك، وكان الكندي يقول: الصديق إنسان هو أنت، وفي المثل: ربَّ أخٍ لك لم تلده أمك، وقال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يتخذ صديقا ينبهه على عيوبه، فإن الإنسان لا يرى عيب نفسه، وأقل الأصدقاء حالة مَنْ تشكو إليه، ولم يكن عنده غير سماع الشكوى والإصغاء؛ لأن سماع الشكوى وبثّها، فيه تخفيف عن المكروب، والنفس تستريح إليه، ولهذا قال الشاعر (١): (من الطويل) ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ ... يواسيك أو يسليك أو يتوجّع وإنْ يكُ منْ وصْفِ المروءةِ خالِياُ ... يرائيك أو يبكيكَ أو ليس يسمع كأن المشكو إليه إمَّا أن يواسيك في همك، وهذه الرتبة العليا، وهو الصديق الحكيم المهذب، وإمَّا أنْ يتوجع، وهذه الرتبة السفلى، وهو الصديق العاجز، فإن خلا الصديق من هذين، كان وجوده وعدمه سواء، بل عدمه خير من وجوده. ومن شواهد العربية (٢): (من الطويل) إِذا أَنتَ لَم تَنفَع فَضُرَّ فَإِنَما ... يُرَجَّى الفَتَى كَيما يَضُرُّ ويَنفَعُ واعلم أنَّ هذا البيت، وهو قوله: ولا بدّ من شكوى، وأمثاله، يسميه أرباب البديع صحة التقسيم، وأوردوا فيه قول الآخر (٣)، وهو في غاية الرقة: (من الطويل) سريت إليه والظلام كأنه ... صريع كرىً والنجم في الأفق شاهد فلو أن روحي مازجت ثَمَّ روحه ... لقلت ادن مني أيها المتباعد ومن هذه المادة قول ابن سناء الملك (٤): (من الكامل) لَوْ جُدْت لي بالنَّفْس منك لقلتُ من ... شَرَهِ المحبَّة إِنَّهُ لَبخيلُ والكل أخذوا / من ابن الرومي (٥)؛ للأنه قال فأطاب، وإن طال: (من الطويل) ... [١٤ ب] أعانقه والنفسُ بعدُ مشوقةٌ ... إليه وهل بعد العناق تداني فألثمُ فاه كي تموت حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليَشْفِيَهُ ما ترشُفُ الشَّفَتانِ كأنَّ فؤادي ليس يَشْفي غليلَه ... سوى أنْ يرى الروحَيْن يمتزجان

стр. 27

وقوله: ولا بدَّ من شكوى، اعلم أنّ العاقل من كتم أمره، ولم يشك لأحد، عملا بقول الأول (١): (من الكامل) لا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في السراء والضراء فلرحمة المتوجعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء وقال أبو الطيب (٢): (من البسيط) وَلا تَشَكَّ إِلى خَلقٍ فَتُشمِتَهُ ... شَكوى الجَريحِ إِلى العِقْبانِ وَالرَّخَمِ عاد الكلام إلى بيت الناظم، ولعمري في بلد بهذه المثابة، لا المثوبة، فحقه أن يفارقها، ولهذا قال أبو الطيب (٣): (من البسيط) شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا أنيسَ بها ... وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ وأين هذه البلدة التي وصفها الطغرائي من البلدة التي وصفها الحريري (٤): (من الطويل) وجَدْتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةً ... ويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ وأين هؤلاء القوم الذين عاصرهم الطغرائي، وعاشرهم من آل المهلب الذين وصفهم الشاعر (٥): (من الطويل) نَزَلتُ عَلى آلِ المُهَلَّب شاتياً ... غَريباً عَنِ الأَوطانِ في زَمَنِ المحلِ فَما زالَ بي إِحسانُهم وجميلهم ... وَبِرُّهُمُ حَتّى حَسِبتهمُ أَهلي وزاد القاضي الرشيد بن الزبير (٦)، فقال: (من الطويل) ولما نزلنا في ظلال بيوتهم ... أمنا ونلنا الخصب في زمنٍ محل ولو لم يزد إحسانهم وجميلهم ... على البر من أهلي حسبتهم أهلي / طالَ اغترابيَ حتى حنَّ راحلتي ... ورحُلها وقرَى العَسَّالةِ الذُّبلِ ... [١٥ أ] اللغة: الاغتراب: افتعال، من الغربة، تغرّب واغترب بمعنى، فهو غريب، يقال: اغترب فلان إذا تزوج غير أقاربه، وفي الحديث: اغتربوا لا تضووا، معناه تزوجوا الأباعد، دون الأقارب لئلا يحصل الحياء من القرابة، فيجيء الولد ضئيلا نحيفا؛ لعدم التمكن من الزوجة. قلت: واستشهد له السهيلي في الروضة بقول الشاعر (٧): (من الرجز)

стр. 28

إِنَّ بِلالاً لَم تَشِنهُ أُمُّهُ ... لَم يَتَناسَب خالُهُ وَعَمُّهُ وبقول الآخر (١): (من الطويل) فتًى لم تلِدْه بنتُ عمّ قريبة ... فيضْوى وقد يَضوى رديدُ القرائبِ انتهى. وقد أنشدني في هذا المعنى الشيخ العلامة جمال الدين الشيرازي في سنة ستين بالقاهرة لبعض أهل اليمن (٢): (من الخفيف) إن أَرَدْتَ الإنجابَ فانكِحْ غَريباً ... وإلى الأقربينَ لا تَتَوسّلْ فانتقاء الثِّمارِ طيباً وحُسناً ... ثَمرٌ غصنُهُ غريبٌ مُوَصّلْ قوله: حنَّ: حنين الناقة صوتها في نزاعها إلى ولدها، والحنين في الآدمي الشوق، الراحلة: الناقة التي تصلح أنْ ترحل، أي يُوضع عليها الرحل، والرحل معروف، وقَرَى: القارية من السنان أعلاه، والعسّالة: الرِّماح، واحدها عَسَّال، عسل الرمح: اهتز واضطرب، الذبل: جمع ذابل، وهو من صفات الرمح، فالذبل صفة بعد أخرى، كأنه يصف الرماح بالخفة والرقة. الإعراب: طال: فعل ماضٍ، اغترابي: فاعله، ولم يظهر فيه الرفع؛ لإضافته إلى ضمير المتكلم، وحتى هنا بمعنى إلى أن، فهي هنا دخلت على جملة فعلية، حنَّ: فعل ماضٍ أصله حنن، فاجتمع مثلان، سكن أحدهما فأدغم في الآخر، وحذف / تاء التأنيث ضرورة [١٥ ب] كما قال الشاعر (٣): (من المتقارب) فلا مُزْنةٌَ وَدَقَتْ وَدْقَها ... ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إبقالَها كان ينبغي أن يقول: أبقلت؛ لأن الأرض مؤنثة، ولكن اضطره الوزن إلى ذلك فعنى بالأرض المكان، وهو مذكر، وكذلك الطغرائي، عنى بالراحلة الجمل، وهو مذكر، راحلتي: فاعل حنَّ، والضمة مقدرة على التاء؛ لاتصالها بضمير المتكلم، ورحلها: الواو عاطفة، ورحلها معطوف، وهو في موضع جر بالإضافة، وقَرَى كذلك، وهو مرفوع، ولكن لم يظهر الرفع؛ لأنه مقصور، العسَّالة: مجرور بالإضافة إلى قَرَى، والذبل: مجرور على أنه صفة لمجرور، وهو العسَّالة. المعنى: طال اغترابي، وامتدّ سفري إلى أنْ حنَّت راحلتي، وحنَّ رحلها، وحنَّتْ أعالي رماحي إلى الدّعة والسكون والاستقرار، قال ﵇: السَّفر قطعة من العذاب، فإذا

стр. 29

قضى أحدكم نهمته فليعجل الرجوع إلى أهله، ومما يؤكد مشقة الغربة قوله ﵇: موت الغربة شهادة، لأنه حصل له ما حصل للقتيل في سبيل الله ، والمبطون والمطعون، والغريق والميت عشقا، والميتة في الطلق. قلت: ثم اعلم أنَّ الميت على أربعة أقسام: شهيد الدنيا والآخرة، وليس شهيد فيهما، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وعكسه، فالأول مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والثاني مَنْ مات حتف أنفه، وشهيد في الدنيا دون الآخرة مَنْ قُتل رياءً وسمعة؛ فيجري عليه في الدنيا أحكام الشُّهداء مِنْ عدم غسله، والصلاة عليه، وفي الآخرة لا يكون مع المخلصين، وعكسه المبطون، والغريق، والغريب، ومن ذكر / آنفا، ففي الدنيا لا نعطيه حكم [١٦ أ] الشهداء، بل هو في الآخرة مع الشهداء، واعلم أنَّ الميت عشقا ليس للفقهاء دليل على أنه شهيد إلاّ حديث: مَنْ عشِق فعفَّ (١)، وقد رواه الدارمي في جزئه، وفي طريقه سويد بن سعيد الحدثاني، وهو من شيوخ مسلم، إلاّ أنَّ يحيى بن معين ضعَّفه، وقال فيه: لو ملكت فرسا ورُمحا لقاتلته بسبب هذا الحديث. قال الشارح: ورأيت بعض الناس إنما سُمِّي نور الدين الشهيد؛ لأنه أحبَّ مملوكا، وعفَّ عنه؛ فأكمده الحب؛ فقتله: (من الطويل) خليليَّ هل خُبِّرتُما أوْ سمعْتُما ... بأنَّ قتيلَ الغانياتِ شهيدُ (٢) وقد استعار الناظم الحنين للرحل، كما استعاره لصدور الأسنة من الرماح؛ طلبا للمبالغة، لأنه إذا كانت الأشياء التي لا تعقل، ولا تدرك، حصل منها الحنين، فالعاقل المدرك بطريق أولى، كما قال أبو الطيب (٣): (من الطويل) يُخَيَّلُ لي أَنَّ البِلادَ مَسامِعي ... وَأَنِّيَ فيها ما تَقولُ العَواذِلُ معناه أنّ العاذل ما له كلمة مستقرّة في أذن المحب، قد كان الناظم من كثرة الأسفار كما قال الشاعر (٤): (من البسيط) كَريشَةٍ بِمَهَبِّ الريحِ ساقِطَةٍ ... لا تَستَقِرُّ عَلى حالٍ مِنَ القَلَقِ وقال ابن اللبانة (٥): (من البسيط) كأنما الأرض عني غير راضية ... فليس لي وطن فيها ولا وطر وبالغ شهاب الدين المناوي في قوله (٦): (من البسيط)

стр. 30

إنْ عشتُ عشتُ بِلا أهلٍ ولا وطَنً وإنْ قضيتُ فلا قبرٌ ولا كفنُ أظنُّ قبري بطونَ الوحشِ ترحلُبي بعدَ المماتِ ففي الحالينِ لي ظَعَنُ قال الحافظ أبو عبد الله محمد الحميدي (١): مَنْ تختَّم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو، وتفقه للشافعي، وحفظ قصيدة ابن زريق، استكمل الظرف. قال الشارح: وبعضهم قال: ولبس البياض. فائدة: / طال اغترابي، أذكرني سؤالا في قول الحريري في أول المقامة الأولى: [١٦ ب] لمَّا قعدت غارب الاغتراب، وهو أن قعد قاصر، لا يتعدى، فكيف أعاد بالتاء والجواب (٢). وضَجَّ من لَغَبٍ نضوي وعجَّ لما ... يلقَى رِكابي ولجَّ الركبُ في عَذَلي اللغة: الضجيج: الصياح، واللغب، بالغين المعجمة: وهو اللغوب، وهو الإعياء والتعب، قال تعالى: [وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ] (٣) أي تعب، ولا إعياء، وهو ردٌّ على اليهود، لأنّهم قالوا: إنّ الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثمّ استراح في يوم السبت، فكذَبهم الله تعالى بذلك، والنضو: البعير المهزول، والناقة نضوة، والعجيج: رفع الصوت، وفي الحديث: "أفضل الحج العج والثجّ" (٤)، والركاب: الإبل التي يُسار عليها، واللجاج مصدر لجِجت بالكسر تَلج بالفتح، فهي لجوج، والركب: أصحاب الإبل في السفر، دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والجمع أَركُب، قاله الجوهري، والعَذَل: بالتحريك الاسم، وبالسكون المصدر، وهو الملامة. الإعراب: ضجَّ: فعل ماضٍ، أصله ضجج، فاجتمع المثلان، فسكن أحدهما، وأدغم في الثاني، من لغبٍ: جار ومجرور في موضع النصب مع أنه مفعول لأجله، والمفعول لأجله هو الباعث على إيجاد الفعل، فاللغب هنا هو الباعث على الضجيج، نضوي: فاعل ضجَّ، وقد تقدم المفعول له عليه، وهو جائز، ولم يظهر الرفع في الفاعل لإضافته إلى ضمير المتكلم، وعجّ: مثل ضجَّ، ولِما: جار ومجرور، وما اسم ناقص في موضع جر، يلقى: فعل مضارع في موضع نصب (٥)، عارٍ عن الناصب والجازم، ولم يظهر الرفع فيه؛ لأنه معتل الطرف بالألف، فالضمة مقدرة في آخره، وهذه الجملة من الجار والمجرور، والصلة / والعائد في موضع النصب على أنه مفعول لأجله، ولجَّ: فعل ماضٍ كما تقدّم في [١٧ أ]

стр. 31

نظيره، والركب: فاعله، في عَذَلي: جار ومجرور في موضع النصب؛ لتعلقه بلجَّ، كأنه قال: أسرع الركب عذلي وأعجلوا. المعنى: هذا البيت كالذي قبله، أخذ يُعدد مشاقه، ويُكررها، حتى أنَّ النوق تصيح من تحته، والإبل ترفع أصواتها، والرفاق يلومونه ويعذلونه على مواصلة الأسفار، ومحاولة الأخطار، وفي قوله: وضجَّ من لغب نضوي غنية عن أن يقول فيما بعد وعجّ لما ألقى ركابي؛ لأن المعنى واحد، فكل منهما يغني عن ذكر الآخر، فإنّ ضجيج النوق هو عجيج الركاب، وقد عيب على أبي الطيب قوله (١): (من المنسرح) وَأَنكَ بِالأَمسِ كُنتَ مُحتَلِماً ... شَيخَ مَعَدٍّ وَأَنتَ أَمرَدُها إذ كان في محتلما ما يغني عن قوله أمردها، أو يُكتفى بقوله وأنت أمردها عن ذكر محتلما، وكذلك قول أبي الطيب أيضا (٢): (من الوافر) وَلَم أَرَ مِثلَ جِيراني وَمِثلي ... لِمِثلي عِندَ مِثلِهِمِ مُقامُ وكذا قوله (٣): (من الطويل) فَقَلقَلتُ بِالهَمِّ ............. البيت وقال الأصمعي لمن أنشده (٤): (من لطويل) فما للنّوَى، جَدَّ النّوى، قَطعَ النّوى ... كذاك النّوى قطّاعةٌ لوِصالِ لو سلّط الله على هذا البيت شاة لأكلت هذا النوى، قال: وأمَّا قول أبي نواس (٥): (من الطويل) أَقَمنا بِها يَوماً وَيَوماً وَثالِثاً ... وَيَوماً لَهُ يَومُ التَرَحُّلِ خامِسُ فقال ابن الأثير في المثل (٦): مراده بذلك أنهم أقاموا أربعة أيام، ويا عجبا له يأتي بمثل هذا البيت السخيف، على العي الفاحش. قال الشارح: وأبو نواس أجل قدرا من أن يأتي بمثل هذه العبارة لغير معنى طائل، بل المفهوم من البيت أنه أقام سبعة أيام، لأنه قال ثالثا، ويوم آخر له اليوم الذي رحلنا / فيه خامس، وابن الأثير لو أمعن في النظر في هذا لما قال ما قال. ... [١٧ ب] قلت: وقد قال في هذا البيت كما قال ابن الأثير الشيخ أثير الدين أبو حيان، فإنه في شرح التسهيل في باب أخر أنه أراد أنه أقام أربعة أيام، انتهى، ويحتمل أيضا أنه أراد

стр. 32

تسعة أيام، كأنه قال: أقمنا يوما ويوما، أي ثلاثة ويوما واعلم أنّ بعض الشعراء رزقه الله حظا في شعره، كما قال: ما من شاعر في الغالب إلاّ وعارض الشريف الرضي في القصيدة التي أولها (١): (من البسيط) يا ظَبيَةَ البانِ تَرعى في خَمائِلِهِ ... لِيَهنَكِ اليَومَ أَنَّ القَلبَ مَرعاكِ وما منهم من رزق مُساعدةً. قال الشارح: والذين رزقوا السعادة في أشياء لم يأت بعدهم مَن نالها جماعة لا بأس بسردهم هنا، وهم: أبو بكر الصديق ﵁ في النسب، فإنه فرد زمانه، وعلي ﵁ في القضاء، وأبو عبيدة ﵁ في الأمانة، وأبو ذرّ في الصدق، أُبي في القرآن، زيد ﵁ في الفرائض، ابن عباس ﵁ في التفسير، الحسن البصري في التذكير، وهب (٢) في القصص، ابن سيرين في التعبير، نافع في القراءات، أبو حنيفة في الفقه قياسا، ابن إسحاق في المغازي، مقاتل في التأويل، الكلبي في قصص القرأن، ابن الكلبي الصغير في النسب، أبو الحسن المدائني في الأخبار، أبو عبيدة في الشعوبية، محمد بن جرير الطبري في علوم الأثر، الخليل في العروض، فضيل بن عياض في العبادة، مالك في العلم، الشافعي في فقه الحديث، أبو عبيدة في الغريب، علي بن المديني في علل الحديث، يحيى بن معين في الرجال، أحمد بن حنبل في السنة / البخاري في نقد الصحيح، الجنيد في التصوف (٣)، الأشعري في الكلام، [١٨ أ] الطبراني (٤) في العوالي، عبد الرزاق في ارتحال الناس إليه، ابن منده في سعة الرحلة، الخطيب (٥) في سرعة القراءة، ابن حزم في الظاهرية، سيبويه في النحو، أبو الحسن البكري في الصدق (٦)، إياس في التفرس، عبد الحميد في الكتابة والفاء، أبو مسلم الخرساني في علو الهمة والحزم، الموصلي النديم في الغناء، صاحب الأغاني في المحاضرة، أبو معشر في النجوم، الرازي في الطب، عمارة (٧) في التيه، الفضل بن يحيى في الجود، جعفر بن يحيى في التوقيع، ابن زيدون في سعة العبارة، ابن القرية في البلاغة، الجاحظ في الأدب والبيان، الحريري في المقامات، البديع الهمداني في الحفظ، أبو نواس في المجون والخلاعة، ابن حجاج في سخف الألفاظ، المتنبي في الحكم والأمثال شعرا، الزمخشري في تعاطي العربية، النسفي في الجدل، جرير في الهجاء الخبيث، حماد الراوية في شعر العرب، معاوية في

стр. 33

الحلم، المأمون في حب العفو، عمرو بن العاص في الدهاء، الوليد في شرب الخمر، أبو موسى الأشعري في سلامة الباطن، عطاء السلمي في الخوف من الله، ابن البواب في الكتابة، القاضي الفاضل في الترسل، العماد الكاتب في الجناس، ابن الجوزي في الوعظ، أشعب في الطمع، الفارابي في نقل كلام القدماء ومعرفته وتفسيره، حنين بن إسحاق في ترجمة اليوناني إلى العربي، ثابت بن قرة الصابي في تهذيب ما نقل من الرياضي إلى العربي، ابن سينا في الفلسفة، الإمام فخر الدين (١) في الاطلاع على العلوم، السيف الآمدي في التحقيق، النصير الطوسي في المجسطي،، ابن الهيثم في الرياضي (٢)، الكاتبي (٣) في المنطق، أبو العلاء المعري / في الاطلاع على اللغة، أبو العيناء في الأجوبة المسكِّتة [١٨ ب] مزيد في البخل، القاضي أحمد بن أبي دؤاد في المروءة وحسن التقاضي، ابن المعتز في التشبيه، ابن الرومي في التطيُّر، الصولي في الشطرنج، الغزالي في الجمع بين المعقول والمنقول، أبو الوليد بن رشد في تلخيص كتب الأقدمين الفلسفية والطبية، محيي الدين بن عربي في التصوّف.، أُريدُ بسطةَ كَفٍ أستعينُ بها ... على قضاءِ حُقوقٍ للعُلَى قِبَلي اللغة: الإرادة: المشيئة، البسط: السعة، ومنه قوله تعالى: [وَزَادَهُ بَسْطَةً] (٤) والكف: معروف، أستعين: أصله أستعون، ومعناه أطلب، والقضاء: الحكم، وقضى ربك، أي حكم، وقد يكون بمعنى الفراغ، وقد يكون بمعنى الأداء والانتهاء، تقول: قضيت دَينِي، هذا المعنى هو المراد هنا، والحقوق: جمع حق، وهو خلاف الباطل، والمراد به هنا ما يلزم ذمة الإنسان من المروءة في الجود، وما أشبهه، العلى: هو الرفعة والشأن والشرف، والجمع المعالي، فإذا فتحت العين مددت، فقلت: العَلاء، وإذا ضممتها قلت: العُلى، والقبل: الطاقة، ما لي به قبل، أي طاقة. الإعراب: أريد: فعل مضارع، ماضيه أرادَ، وهو مرفوع؛ لخلوه من الناصب والجازم، بسطة: مفعول به، فلهذا نصبه، كف: مضاف إليه، أستعين: فعل مضارع مرفوع؛ لخلوه من الناصب والجازم، كما تقدم، وأصله أستعون من العون، فاستُثقِلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى العين، ثم قلبت ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، وموضعه النصب، إمَّا على الحال، أو على أنه مفعول لأجله، أو على الصفة لبسطة، بها: جار ومجرور، على

стр. 34

قضاء حقوق: جار ومجرور، ومضاف إليه، للعلى: جار ومجرور، ولم يظهر الجر فيه؛ لأنه مقصور، واللام هاهنا لشبه المِلك، وهي أحد معاني / اللام، قبلي: [١٩ ب] منصوب بنزع الخافض على أنه ظرف مكان، يعني كأنه قال: على قضاء حقوق للعُلى في طوقي وسعيي، وما أقدر على الإتيان به. المعنى: أحاول من الزمان بسطة كف من المال المتَّسع لأجل الإعانة على وفاء حقوق استقرّت في ذمتي للعلى، وكنَّى عن الغني ببسطة الكف؛ لأن الغني يبسط كفه بالنفقة، وكل منفق باسط كفه، وما زال الإنفاق يُسمى بسطا، والإمساك قبضا، قال الله تعالى: [وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ] (١)، وقال تعالى: [وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ] (٢). سؤال: إن قيل ما الفائدة في تثنية اليد هنا، الجواب: إنْ فسّرنا اليد بالنعمة فالمراد نعمة الدنيا والدين، أو الباطنة والظاهرة، أو ما يتعلق بالدنيا والآخرة إن أردنا القوة، فالمراد الاقتدار على الموت والحياة، أو الخذلان والنصر، أو الغنى والفقر، وما أشبه ذلك، فعلى كل تقدير من التفسير يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، أي يتمكن من إعطاء الدنيا والدين والأمانة والإحياء والإسعاد أو الإشقاء، ردا على اليهود فيما زعموا. حُكي أنَّ بعضهم كان من المسرفين على أنفسهم، فلمَّا توفي رآه مَن كان يعلم حال باطنه، فقال له: ما فعل الله بك، قال: غفر لي، قال: بمَاذا، قال: كنت إذا تلوت هذه الآية قلت: غُلَّت أيديهم، وأطلت التشديد في اللام، كالمتشفي بهم، انتهى. رجعنا إلى معنى البيت، قال ﵇: اللهم أعط كل منفق خلفا، وكل ممسك تلفا، وما ظلم الناضم في طلب المال لإنفاقه فيما يكتسب من المحامد، ويقيم به الأمور، قال ﵇: نعم المال الصالح مع العبد الصالح، وقال الحسن ﵁: إذا أردت أن تعرف مِن أين أصاب الرجل ماله فانظر فيما ينفقه، فإن الخبيث يُنفق في السرف، وقال أبو ذرٍّ: أموال الناس تشبه الناس، وروي عنه ﵇ [أنه] (٣) كان يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ويأمر الفقراء باتخاذ الدجاج، وفي المثل: مال المرء موئله، وقوَّته قُوته (٤)، قال بعضهم: لا أدري أيهما أمر، موت الغني، أو حياة الفقير. قال الشاعر (٥): (من الطويل) وما رفعَ النفسَ الدَّنيةَ كالغنى ولا وضعَ النفسَ الشريفةَ كالفقر

стр. 35

وقال ابن المعتز (١): (من المتقارب) إِذا كُنتَ ذا ثَروَةٍ في الورى ... فَأَنتَ المُسَوَّدُ في العالَمِ وَحَسبُكَ مِن نَسَبٍ صورَةٌ ... تُخَبِّرُ أَنَّكَ مِن آدَمِ وما يبعد أنّ الطغرائي ﵀ كان ذا نفس شريفة سخيّة، وهمة عالية، يؤثر المال؛ لينفقه في مصارفه. ومن شعر الناظم (٢) رحمه الله تعالى: (من الطويل) سأحجُبُ عنّي أُسرتي عند عسرتي ... وأبرز فيهم إِنْ أصبت ثراءَ ولي أُسوةٌ بالبدر يُنفق نورَه ... فيخفَى إِلى أن يستجدَّ ضياءَ وهذه نفوس الأشراف، تظهر عند الثروة، طلبا للإنفاق، وتخفى عند الفقر، طلبا لكتمان حالها، فلا يكلف الناس سؤالا. ولمّا أنشد الغزالي البيت المشهور (٣): (من الكامل) خلتِ الديار فسدتُ غير مُسَوَّدِ ... ومن الشقاء تفَرُّدي بالسؤدَدِ قلت: وهذا البيت أنشده المستظهري (٤) لمَّا ولي تدريس النظامية، وهو لسفيان الثوري، وعلم أنه لم يترفع إنما أراد أنه / تفرد بالسؤدد على زعمهم، وقولهم، فخاطبهم على ما [٢٠ أ] في نفوسهم، قال الرافعي: سمعت الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن القاضي الحسين يقول: أتى القاضي ﵀ رجلٌ فقال: حلفت بالطلاق أنه ليس أحد في الفقه والعلم مثلك، فأطرق رأسه ساعة ثم قال: هكذا فعل موت الرجال، لا يقع طلاقك، وقول الطغرائي: وأبرز فيهم إن أصبت ثراءً من قول الآخر، وهو أبو تمام (٥): (من البسيط) إِنَّ الكِرامَ إِذا ما أَسهَلوا ذَكَروا ... مَن كانَ يَألَفُهُم في المَنزِلِ الخَشِنِ

стр. 36

حُكي أن الأمير بيليك الخازندار أحضره إلى البلاد تاجرٌ كان يُحسن إليه، وهو في رقة، فلما باعه تنقّلت به الإيام إلى ما صار إليه، وافتقر التاجر فيما بعد، فحضر إليه إلى الديار المصرية، وكتب إليه رقعة فيها: كنَّا جميعَيْنِ في بؤسٍ نكابدُهُ ... والقلب والطَّرف منَّا في أَذًى وقَذَى (١) والآنَ أَقبلَتِ الدُّنيا عليكَ بما ... تهْوَى فلا تنْسَنِي "إنَّ الكرامَ إذا ... إشارة إلى البيت المتقدم، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ﵀. لطيفة: قيل: أرسل المبرد غلامه، وقال له بحضرة الناس: امض فإن رأيته فلا تقل له، وإن لم تره فقل له، فذهب الغلام ورجع، وقال: لم أره، وقلت له فجاء، فلم يجئ، فسئل الغلام عن معنى ذلك فقال: أرسلني إلى غلام يهواه، فقال: إن رأيت مولاه فلا تقل له شيئا، وإن لم تر مولاه فادْعه، فذهبتُ فلم أر مولاه، فقلت له فجاء مولاه، فلم يجئ الغلام. حكي أنّ الملك الظاهر لمَّا استعرضه مولاه ليشتريه، فقال التاجر: يا خوند هو يحسن يكتب ويقرأ، فأحضرتْ له دواة وقلم وورقة، وتقدمت إليه بأن يكتب شيئا يراه فكتب: (من البسيط) لولا الضرورات ما فارقتكم أبداً ... /ولا تنقلت من ناس إلى ناس (٢) [٢٠ ب] فأعجبه الاستشهاد بهذا البيت ورغبه ذلك في شرائه. وحكي أنّ إنسانا رفع قصة إلى الصاحب كمال الدين بن العديم فأعجبه خطها فأمسكها وقال لرافعها هذا خطك قال لا ولكن حضرت إلى مولانا فوجدت بعض مماليكه فكتبها لي، وقال عليَّبه، فلما حضر وجده مملوكه الذي يحمل مداسه، وكان عنده في حالة غير مرضية، فقال: أهكذا خطك، قال: نعم، فقال: هذه طريقتي، مَنْ الذي وقفك عليها؟ فقال: يا مولانا، كنت إذا وقفت لأحد على قضية، أخذتها منه، وسألته المُهلَة حتى أكتب عليها سطرين، أو ثلاثة، فأمره أن يكتب بين يديه، فكتب: (من الطويل) وما تنفعُ الآدابُ والعلمُ والحجا ... وصاحبُها عندَ الكمالِ يموتُ (٣) فكان إعجاب الصاحب بالاستشهاد أكثر من الخط. رجعنا إلى إرادة الناظم بسطة اليد، أمَّا حُبّ المال وطلبه للإنفاق فلم يزل الشعراء يتداولون معناه، قال سيد الطائفة الإمام الشافعي (٤) ي ﵁: (من البسيط)

стр. 37

يالَهفَ قَلْبِي عَلى مالٍ ٍأّجودُ به ... عَلى المُقِلّينَ مِن أَهلِ المُروآتِ إِنَّ اِعتِذاري إِلى مَن جاءَ يَسأَلُني ... ما لَيسَ عِنديَ مِن إِحدى المُصيباتِ وقال الشافعي (١) ﵁ أيضا: (من الوافر) أرَى نفسِي تتُوقُ إلى أمُورِ ... يُقصِّرُ دونَ مَبلَغهُنَّ مالي فلا نفسِي تطاوِعني ببخلٍ ... ولا مالي يُبلِّغُني فِعالي ولعمري ما يطلب المال إلاّ للإنفاق، وبلوغ المقاصد، كما أن السيف للذبّ والردع، والمدية للقطّ والقطع، عن أبي ذرٍّ ﵁: إنما مالك لك، أو للحاجة، أو للوراثة، فلا تكن أعجز الثلاثة، قال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يكسب المال / ليكفّ به وجهه [٢١ أ]، ويؤدي بها أمانته، ويصل بها رحمه، ولله درّ القائل (٢): (من الطويل) وَلا يَجمَعُ الأَموالَ إِلّا لِبَذلِها ... كَما لا يُساقُ الهَديُ إِلّا إِلى النَحرِ وقد بالغ أبو الطيب في قوله (٣): (من البسيط) وَكُلَّما لَقِيَ الدينارُ صاحِبَهُ ... في مُلكِهِ اِفتَرَقا مِن قَبلِ يَصطَحِبا مالٌ كَأَنَّ غُرابَ البَينِ يَرقُبُهُ ... فَكُلَّما قيلَ هَذا مُجتَدٍ نَعَبا هذا البيت الأول من معاني أبي الطيب، التي يناقض أولها آخرها، لأنه قرر أولاًً أن الدينار يلقى صاحبه، ثم قال يفترقان، قبل اصطحابهما، وهذا تناقض. قلت: ليس كما زعم الشارح من التناقض؛ لأن الصحبة أخص من اللقاء، فليس كل مَن لقيته صحبته، فكأنه يقول: إذا أتاه الدينار لا يمكث عنده، بل يخرج عن قريب (٤)، كقول الأول (٥): (من الرمل) رَكِبَ الأَخطارَ في زَورَتِهِ ... ثُمَّ ما سَلَّمَ حَتّى وَدَّعا ولله در أبي الحسن الجزار حيث يقول (٦): (من الطويل) إذا كان لي مال على ما أصونه؟ ... وما ساد في الدنيا من البخل دينه ومن كان يوماً ذا يسار فإنه ... خليق لعمري أن تجود يمينه

стр. 38

واعلم أن المال تارة يطلب لذاته، وهذا مذموم، نطقالقرآن الكريم بذمه، والتوعّد عليه، فمن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، وأي أرب في جمع المال، وعدم إنفاقه، وأي فرق بين ما يكون في الصندوق ذهبا وجوهرا، وبين أن يكون حجارة. قال أبو الطيب (١): (من الطويل) لِمَن تَطلُبُ الدُنيا إِذا لَم تُرِد بِها ... سُرورَ مُحِبٍّ أَو إِساءَةَ مُجرِمِ انظر رحمك الله إلى قول النبي ﷺ لحارثة ما قال، وهو أنّ حارثة قال: يا نبي الله أصبحت مؤمنا حقا، فقال ﵇: يا حارثة: إن لكل حقٍّ حقيقة، فما حقيقة / إيمانك، قال: يا رسول الله عرّيت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها (٢)، [٢١ أ] وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وإلى أهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يعذبون، فقال ﵇: يا حارثة عرفت فالزم، سماه عارفا بسبب عرفان ما تقدم، ولو بسطنا القول على هذا الحديث لطال، ولخرجنا عن المقصود، والشارح لم يتعرض لهذا الحديث البتة. وقال الشارح: وقول الطغرائي في هذا البيت وما بعده يشبه قول أبي الطيب (٣): (من الطويل) وَأَتعَبُ خَلقِ اللَهِ مَن زادَ هَمُّهُ ... وَقَصَّرَ عَمّا تَشتَهي النَفسُ وُجدُهُ فَلا مَجدَ في الدُنيا لِمَن قَلَّ مالُهُ ... وَلا مالَ في الدُنيا لِمَن قَلَّ مَجدُهُ وَفي الناسِ مَن يَرضى بِمَيسورِ عَيشِهِ ... وَمَركوبُهُ رِجلاهُ وَالثَوبُ جِلدُهُ وَلَكِنَّ قَلباً بَينَ جَنبَيَّ مالَهُ ... مَدىً يَنتَهي بي في مُرادٍ أَحُدُّهُ والدنيا كل أمورها غريبة، وكلها عجائب، وعلى الصحيح ما فيها عجيبة، هذا الطغرائي منشد السلطان محمد كما تقدم، وصاحب الطغراء، له يد في الكيمياء، وحل رموزها، ومع هذا يقول: أريد بسطة كف أستعين بها، ولكن الزمان حرب الفضل، وسلم الجهل، والظاهر من أثره أنه كان يعرف الكيمياء علما لا عملا، ولكن الأيام ما ساعدته إلى التمكن من عملها حتى يبرزها من القول إلى الفعل، لأنه قال (٤): (من الطويل) ومن عجب الأشياء أني واقفٌ ... على الكنز من يظفر به فهو مبخوت وأن كنوز الأرض شرقاً ومغرباً ... مفاتحها عندي ويعجزني القوت ولولا ملوك الجور في الأرض أصبحت ... وحصباؤها درٌّ لدي وياقوت

стр. 39

/ والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنعُني ... من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ [ ٢٢ أ] اللغة: الدهر: الزمان، قال الشاعر: (من الخفيف) إِنَّ دَهراً يَلُفُّ شَملي بِليلي ... لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإِحسانِ (١) ويُجمع على دُهور، ويقال: الدهر الأبد، وقولهم: دهر داهر، أبدٌ آبد،، ودهر دهارير، أي شديد، كقولهم: ليلة ليلاء، ونهار أنهر، ويومٌ أيوم، وساعة سوعاء، وفي الحديث: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر؛ لأنهم كانوا يضيفون النوازل إليه، فقيل لهم: لا تسبّوا فاعل ذلك بكم، فإن ذلك الفاعل هو الله، والدُّهري: الملحد، بضم الدال، وَهِمَ الشارح، فقال بفتح الدال، وهو معذور في ذلك؛ لأن الجوهري لم يذكر ذلك في بابه، إنما ذكره في .... (٢)، والعكس: ردُّك الشيء إلى أوله، الآمال: جمع أمل، وهو الرجاء، والقناعة: الرضا بما قُسِم، والغنيمة: واحدة الغنائم، معروفة، والكدّ: الشدّة في طلب الكسب، والقفل: الرجوع من السفر، والقافلة: الرفقة الراجعة من السفر، ولا يقال لها ذلك حقيقة إلاّ إذا كانت راجعة خاصة، وقولهم لها قافلة تفاؤلاً بالرجوع، وأول من نطق بهذا المثل امرؤ القيس، فإنه قال: (من الوافر) وَقَد طَوَّفتُ في الآفاقِ (٣) حَتّى ... رَضيتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ وقال عبيد بن الأبرص (٤): (من الوافر) وَلَو لاقيْتُ عِلباءَ بنَ عمروٍ ... رَضِيْتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ الإعراب: والدهر: الواو للابتداء، والدهر مرفوع على أنه مبتدأ، يعكس: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، آمالي: جمع أمل، وهو منصوب بيعكس، ولم يظهر النصب فيه؛ لأنه مضاف إلى ياء المتكلم، ويقنعني: الواو عطف / الفعل على [٢٢ ب] الفعل، من الغنيمة: جار ومجرور، بعد الكدّ: ظرف، ومخفوض به، بالقفل: جار ومجرور، فالدهر في البيت مبتدأ، وخبره يعكس، كأنه قال: الدهر عاكس آمالي، يقنعني موضعه الرفع عطفا على الخبر، والياء فيه مفعول أول، وبالقفل مفعول ثان له، ومن الغنيمة متعلق بيقنع، والجملة كلها من يقنع إلى آخره في موضع الرفع على أنه خبر معطوف على خبر المبتدأ، والبيت كله في موضع النصب على الحال لما في أريد بسطة كفٍّ في حالة

стр. 40

الدهر عاكس آمالي فيها، قال الجوهري في صحاحه (١): أقنعه الشيء إذا أرضاه، فعلى هذا لا يتعدّى إلى مفعول ثان، إلاّ أن يشدّد، تقول: قنّعته بالقليل من الرزق. المعنى: والدهر يعكس ما أُؤمله وأرجوه من البسطة والرفعة؛ حتى أقنع من الغنيمة بالرجوع بعد التعب والمشقة، وهذا المثل يضرب لمن مسعاه، وطال سفره، وتمنى العود إلى بلده، نعوذ بالله من هذه الحالة، كان رسول الله ﷺ يتعوّذ من طمع في غير مطمع، ومن طمع يعود إلى طبع (٢)، وكان ﵊ يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، والدهر ما زال يعكس المقاصد، ويراقب الخيبة، ويُراصد، فقد تدنو المقاصد والأماني، فتعترض الحوادث والمنون، والشعراء أكثروا من هذا المعنى، قال أبو الطيب (٣): (من البسيط) أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني ... ما لَيسَ يَبلُغُهُ في نَفسِهِ الزَمَنُ ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ ... تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ قلت: وصواب هذا البيت أن يُقرأ: تجري الرياح بما لا يشتهي، بالياء المثناة في أوله، والسفِن / بكسر الفاء، أي صاحب السفينة، ويخلص بذلك عن المجاز. ... [٢٣ أ] وقال أبو الطيب (٤): (من الطويل) أَهُمُّ بِشَيءٍ وَاللَيالي كَأَنَّها ... تُطارِدُني عَن كَونِهِ وَأُطارِدُ وقال ابن القيسراني (٥): (من الطويل) إلى كم أسومُ الدَّهرَ غير طباعه وأصدُقُهُ عن شيمتي وهو حانثُ وأسمو مُجدَّاً في العُلى وتَحُطُّني خطوبٌ كأنَّ الدهرَ فيهنَّ عابثُ (٦) حكى الخالديان في اختيار شعر مسلم بن الوليد أنه كان في بعض أطراف البصرة رجل يخيف السبيل، فأعيى أمره السلطان، ثم ظفر به، فأمر بقتله، وصلبه، فلما قُدِّم لذلك قال للموكل به: إن رأيت أن تتوقف عني قليلاً، وتأتيني بقرطاس ودواة أكتب شيئا في قلبي، فإذا فرغت من ذلك فشأنك وما أُمِرت به، فأجابه إلى ما سأل، ثم لمَّا كتب قال للمُوكَّل: إفعل ما بدا لك، فنظر الموكل في الرقعة فإذا فيها مكتوب: (من السريع) قالت سُليمى كم تُمَنينا ... وعدُكَ وعدُ ليس يأتينا (٧)
следующие страницы →