← Адаб

Адаб · id 95860

شرح لامية العجم للدميري

الدميري

Полный текст (128 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حُكي أن الأمير بيليك الخازندار أحضره إلى البلاد تاجرٌ كان يُحسن إليه، وهو في رقة، فلما باعه تنقّلت به الإيام إلى ما صار إليه، وافتقر التاجر فيما بعد، فحضر إليه إلى الديار المصرية، وكتب إليه رقعة فيها: كنَّا جميعَيْنِ في بؤسٍ نكابدُهُ ... والقلب والطَّرف منَّا في أَذًى وقَذَى (١) والآنَ أَقبلَتِ الدُّنيا عليكَ بما ... تهْوَى فلا تنْسَنِي "إنَّ الكرامَ إذا ... إشارة إلى البيت المتقدم، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ﵀. لطيفة: قيل: أرسل المبرد غلامه، وقال له بحضرة الناس: امض فإن رأيته فلا تقل له، وإن لم تره فقل له، فذهب الغلام ورجع، وقال: لم أره، وقلت له فجاء، فلم يجئ، فسئل الغلام عن معنى ذلك فقال: أرسلني إلى غلام يهواه، فقال: إن رأيت مولاه فلا تقل له شيئا، وإن لم تر مولاه فادْعه، فذهبتُ فلم أر مولاه، فقلت له فجاء مولاه، فلم يجئ الغلام. حكي أنّ الملك الظاهر لمَّا استعرضه مولاه ليشتريه، فقال التاجر: يا خوند هو يحسن يكتب ويقرأ، فأحضرتْ له دواة وقلم وورقة، وتقدمت إليه بأن يكتب شيئا يراه فكتب: (من البسيط) لولا الضرورات ما فارقتكم أبداً ... /ولا تنقلت من ناس إلى ناس (٢) [٢٠ ب] فأعجبه الاستشهاد بهذا البيت ورغبه ذلك في شرائه. وحكي أنّ إنسانا رفع قصة إلى الصاحب كمال الدين بن العديم فأعجبه خطها فأمسكها وقال لرافعها هذا خطك قال لا ولكن حضرت إلى مولانا فوجدت بعض مماليكه فكتبها لي، وقال عليَّبه، فلما حضر وجده مملوكه الذي يحمل مداسه، وكان عنده في حالة غير مرضية، فقال: أهكذا خطك، قال: نعم، فقال: هذه طريقتي، مَنْ الذي وقفك عليها؟ فقال: يا مولانا، كنت إذا وقفت لأحد على قضية، أخذتها منه، وسألته المُهلَة حتى أكتب عليها سطرين، أو ثلاثة، فأمره أن يكتب بين يديه، فكتب: (من الطويل) وما تنفعُ الآدابُ والعلمُ والحجا ... وصاحبُها عندَ الكمالِ يموتُ (٣) فكان إعجاب الصاحب بالاستشهاد أكثر من الخط. رجعنا إلى إرادة الناظم بسطة اليد، أمَّا حُبّ المال وطلبه للإنفاق فلم يزل الشعراء يتداولون معناه، قال سيد الطائفة الإمام الشافعي (٤) ي ﵁: (من البسيط)

стр. 37

يالَهفَ قَلْبِي عَلى مالٍ ٍأّجودُ به ... عَلى المُقِلّينَ مِن أَهلِ المُروآتِ إِنَّ اِعتِذاري إِلى مَن جاءَ يَسأَلُني ... ما لَيسَ عِنديَ مِن إِحدى المُصيباتِ وقال الشافعي (١) ﵁ أيضا: (من الوافر) أرَى نفسِي تتُوقُ إلى أمُورِ ... يُقصِّرُ دونَ مَبلَغهُنَّ مالي فلا نفسِي تطاوِعني ببخلٍ ... ولا مالي يُبلِّغُني فِعالي ولعمري ما يطلب المال إلاّ للإنفاق، وبلوغ المقاصد، كما أن السيف للذبّ والردع، والمدية للقطّ والقطع، عن أبي ذرٍّ ﵁: إنما مالك لك، أو للحاجة، أو للوراثة، فلا تكن أعجز الثلاثة، قال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يكسب المال / ليكفّ به وجهه [٢١ أ]، ويؤدي بها أمانته، ويصل بها رحمه، ولله درّ القائل (٢): (من الطويل) وَلا يَجمَعُ الأَموالَ إِلّا لِبَذلِها ... كَما لا يُساقُ الهَديُ إِلّا إِلى النَحرِ وقد بالغ أبو الطيب في قوله (٣): (من البسيط) وَكُلَّما لَقِيَ الدينارُ صاحِبَهُ ... في مُلكِهِ اِفتَرَقا مِن قَبلِ يَصطَحِبا مالٌ كَأَنَّ غُرابَ البَينِ يَرقُبُهُ ... فَكُلَّما قيلَ هَذا مُجتَدٍ نَعَبا هذا البيت الأول من معاني أبي الطيب، التي يناقض أولها آخرها، لأنه قرر أولاًً أن الدينار يلقى صاحبه، ثم قال يفترقان، قبل اصطحابهما، وهذا تناقض. قلت: ليس كما زعم الشارح من التناقض؛ لأن الصحبة أخص من اللقاء، فليس كل مَن لقيته صحبته، فكأنه يقول: إذا أتاه الدينار لا يمكث عنده، بل يخرج عن قريب (٤)، كقول الأول (٥): (من الرمل) رَكِبَ الأَخطارَ في زَورَتِهِ ... ثُمَّ ما سَلَّمَ حَتّى وَدَّعا ولله در أبي الحسن الجزار حيث يقول (٦): (من الطويل) إذا كان لي مال على ما أصونه؟ ... وما ساد في الدنيا من البخل دينه ومن كان يوماً ذا يسار فإنه ... خليق لعمري أن تجود يمينه

стр. 38

واعلم أن المال تارة يطلب لذاته، وهذا مذموم، نطقالقرآن الكريم بذمه، والتوعّد عليه، فمن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، وأي أرب في جمع المال، وعدم إنفاقه، وأي فرق بين ما يكون في الصندوق ذهبا وجوهرا، وبين أن يكون حجارة. قال أبو الطيب (١): (من الطويل) لِمَن تَطلُبُ الدُنيا إِذا لَم تُرِد بِها ... سُرورَ مُحِبٍّ أَو إِساءَةَ مُجرِمِ انظر رحمك الله إلى قول النبي ﷺ لحارثة ما قال، وهو أنّ حارثة قال: يا نبي الله أصبحت مؤمنا حقا، فقال ﵇: يا حارثة: إن لكل حقٍّ حقيقة، فما حقيقة / إيمانك، قال: يا رسول الله عرّيت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها (٢)، [٢١ أ] وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وإلى أهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يعذبون، فقال ﵇: يا حارثة عرفت فالزم، سماه عارفا بسبب عرفان ما تقدم، ولو بسطنا القول على هذا الحديث لطال، ولخرجنا عن المقصود، والشارح لم يتعرض لهذا الحديث البتة. وقال الشارح: وقول الطغرائي في هذا البيت وما بعده يشبه قول أبي الطيب (٣): (من الطويل) وَأَتعَبُ خَلقِ اللَهِ مَن زادَ هَمُّهُ ... وَقَصَّرَ عَمّا تَشتَهي النَفسُ وُجدُهُ فَلا مَجدَ في الدُنيا لِمَن قَلَّ مالُهُ ... وَلا مالَ في الدُنيا لِمَن قَلَّ مَجدُهُ وَفي الناسِ مَن يَرضى بِمَيسورِ عَيشِهِ ... وَمَركوبُهُ رِجلاهُ وَالثَوبُ جِلدُهُ وَلَكِنَّ قَلباً بَينَ جَنبَيَّ مالَهُ ... مَدىً يَنتَهي بي في مُرادٍ أَحُدُّهُ والدنيا كل أمورها غريبة، وكلها عجائب، وعلى الصحيح ما فيها عجيبة، هذا الطغرائي منشد السلطان محمد كما تقدم، وصاحب الطغراء، له يد في الكيمياء، وحل رموزها، ومع هذا يقول: أريد بسطة كف أستعين بها، ولكن الزمان حرب الفضل، وسلم الجهل، والظاهر من أثره أنه كان يعرف الكيمياء علما لا عملا، ولكن الأيام ما ساعدته إلى التمكن من عملها حتى يبرزها من القول إلى الفعل، لأنه قال (٤): (من الطويل) ومن عجب الأشياء أني واقفٌ ... على الكنز من يظفر به فهو مبخوت وأن كنوز الأرض شرقاً ومغرباً ... مفاتحها عندي ويعجزني القوت ولولا ملوك الجور في الأرض أصبحت ... وحصباؤها درٌّ لدي وياقوت

стр. 39

/ والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنعُني ... من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ [ ٢٢ أ] اللغة: الدهر: الزمان، قال الشاعر: (من الخفيف) إِنَّ دَهراً يَلُفُّ شَملي بِليلي ... لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإِحسانِ (١) ويُجمع على دُهور، ويقال: الدهر الأبد، وقولهم: دهر داهر، أبدٌ آبد،، ودهر دهارير، أي شديد، كقولهم: ليلة ليلاء، ونهار أنهر، ويومٌ أيوم، وساعة سوعاء، وفي الحديث: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر؛ لأنهم كانوا يضيفون النوازل إليه، فقيل لهم: لا تسبّوا فاعل ذلك بكم، فإن ذلك الفاعل هو الله، والدُّهري: الملحد، بضم الدال، وَهِمَ الشارح، فقال بفتح الدال، وهو معذور في ذلك؛ لأن الجوهري لم يذكر ذلك في بابه، إنما ذكره في .... (٢)، والعكس: ردُّك الشيء إلى أوله، الآمال: جمع أمل، وهو الرجاء، والقناعة: الرضا بما قُسِم، والغنيمة: واحدة الغنائم، معروفة، والكدّ: الشدّة في طلب الكسب، والقفل: الرجوع من السفر، والقافلة: الرفقة الراجعة من السفر، ولا يقال لها ذلك حقيقة إلاّ إذا كانت راجعة خاصة، وقولهم لها قافلة تفاؤلاً بالرجوع، وأول من نطق بهذا المثل امرؤ القيس، فإنه قال: (من الوافر) وَقَد طَوَّفتُ في الآفاقِ (٣) حَتّى ... رَضيتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ وقال عبيد بن الأبرص (٤): (من الوافر) وَلَو لاقيْتُ عِلباءَ بنَ عمروٍ ... رَضِيْتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ الإعراب: والدهر: الواو للابتداء، والدهر مرفوع على أنه مبتدأ، يعكس: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، آمالي: جمع أمل، وهو منصوب بيعكس، ولم يظهر النصب فيه؛ لأنه مضاف إلى ياء المتكلم، ويقنعني: الواو عطف / الفعل على [٢٢ ب] الفعل، من الغنيمة: جار ومجرور، بعد الكدّ: ظرف، ومخفوض به، بالقفل: جار ومجرور، فالدهر في البيت مبتدأ، وخبره يعكس، كأنه قال: الدهر عاكس آمالي، يقنعني موضعه الرفع عطفا على الخبر، والياء فيه مفعول أول، وبالقفل مفعول ثان له، ومن الغنيمة متعلق بيقنع، والجملة كلها من يقنع إلى آخره في موضع الرفع على أنه خبر معطوف على خبر المبتدأ، والبيت كله في موضع النصب على الحال لما في أريد بسطة كفٍّ في حالة

стр. 40

الدهر عاكس آمالي فيها، قال الجوهري في صحاحه (١): أقنعه الشيء إذا أرضاه، فعلى هذا لا يتعدّى إلى مفعول ثان، إلاّ أن يشدّد، تقول: قنّعته بالقليل من الرزق. المعنى: والدهر يعكس ما أُؤمله وأرجوه من البسطة والرفعة؛ حتى أقنع من الغنيمة بالرجوع بعد التعب والمشقة، وهذا المثل يضرب لمن مسعاه، وطال سفره، وتمنى العود إلى بلده، نعوذ بالله من هذه الحالة، كان رسول الله ﷺ يتعوّذ من طمع في غير مطمع، ومن طمع يعود إلى طبع (٢)، وكان ﵊ يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، والدهر ما زال يعكس المقاصد، ويراقب الخيبة، ويُراصد، فقد تدنو المقاصد والأماني، فتعترض الحوادث والمنون، والشعراء أكثروا من هذا المعنى، قال أبو الطيب (٣): (من البسيط) أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني ... ما لَيسَ يَبلُغُهُ في نَفسِهِ الزَمَنُ ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ ... تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ قلت: وصواب هذا البيت أن يُقرأ: تجري الرياح بما لا يشتهي، بالياء المثناة في أوله، والسفِن / بكسر الفاء، أي صاحب السفينة، ويخلص بذلك عن المجاز. ... [٢٣ أ] وقال أبو الطيب (٤): (من الطويل) أَهُمُّ بِشَيءٍ وَاللَيالي كَأَنَّها ... تُطارِدُني عَن كَونِهِ وَأُطارِدُ وقال ابن القيسراني (٥): (من الطويل) إلى كم أسومُ الدَّهرَ غير طباعه وأصدُقُهُ عن شيمتي وهو حانثُ وأسمو مُجدَّاً في العُلى وتَحُطُّني خطوبٌ كأنَّ الدهرَ فيهنَّ عابثُ (٦) حكى الخالديان في اختيار شعر مسلم بن الوليد أنه كان في بعض أطراف البصرة رجل يخيف السبيل، فأعيى أمره السلطان، ثم ظفر به، فأمر بقتله، وصلبه، فلما قُدِّم لذلك قال للموكل به: إن رأيت أن تتوقف عني قليلاً، وتأتيني بقرطاس ودواة أكتب شيئا في قلبي، فإذا فرغت من ذلك فشأنك وما أُمِرت به، فأجابه إلى ما سأل، ثم لمَّا كتب قال للمُوكَّل: إفعل ما بدا لك، فنظر الموكل في الرقعة فإذا فيها مكتوب: (من السريع) قالت سُليمى كم تُمَنينا ... وعدُكَ وعدُ ليس يأتينا (٧)

стр. 41

يا قانِعاً بالدُّون من عيشهِ ... حتى متى تُصبحُ محزونا فحركت أشرس ذا مرّةٍ ... من بعد ثنتين وخمسينا إنْ كنتُ قصَّرتُ ولم أجتهدْ ... في طلب الرزق فلومينا وأيُّ بابٍ يُرتجى فتحُهُ ... وما قرعناهُ بأيدينا ما قصَّرَ السعي ولكنها ... مقادرٌ جاريةٌ فينا فرفع قصته إلى مَنْ أمر بقتله؛ فأمر بإطلاقه، وصفح عنه. خرج الوزير نظام الملك أبو الحسن علي إلى الصلاة فجلس قليلا ثم التفت إلى الحاضرين، وقال: هنا بيت شعر أريد له أولا، وهو: (من الكامل) فكأنني وكأنه وكأنها ... أمل ونيل حال بينهما القضا (١) وكان في الجماعة أبو القاسم مسعود بن محمد الخجندي الشافعي، فقال: أفدي حبيباً زارني مُتنكراً فبدا الوشاة له فولّى مُعرضا (٢) / رجعنا إلى كلام الناظم، فهو يقول: إنّ الدهر يعكس مأموله، فهو دائما في [٢٣ ب] الحضيض الأسفل عما يرومه ويختاره. قال الشارح: وقد خطر لي أن أردّ على الطغرائي ما قاله من أنّ الدهر يعكس آماله على وزن القصيدة اللامية: (من البسيط) تقولُ يعكسُ آمالي وأنتَ كما علمت في عالمٍ في التربِ مُستفلِ أمَا ترى الشمسَ تلقى عكس مقصدها ... في كل يومٍ ولولا ذاك لم تفلِ (٣) قال: وكنتُ نظمتُ قبل هذا: (من السريع) لا يعجب المرءُ لِعكسِ المُنَى ما فكرهُ في مثل ذا نافعِ فالأنجمُ السبعُ العُلى ما نجتْ من عكسها بالفَلَكِ التاسعِ (٤) قال الشارح: وليس عكس المقاصد عند الدهر مطّرداً، بل هو مع الأذى جار، وعلى نهج الردى سار، فإن تمنى الإنسان شرا قرَّبه، وإنْ تمنى خيرا قلّبه. وقال أبو الطيب (٥): (من الطويل) وَأَحسَبُ أَنّي لَو هَويتُ فِراقَكُم ... لَفارَقتُكم وَالدَهرُ أَخبَثُ صاحِبِ فَيا لَيتَ ما بَيني وَبَينَ أَحِبَّتي ... مِنَ البُعدِ ما بَيني وَبَينَ المَصائِبِ وقال ابن دقيق العيد (٦) شيخ الإسلام: (من البسيط)

стр. 42

الحمدُ لله كَمْ أسْمُو بِعزميَ فِي ... نَيْل العُلاَ وَقَضاءُ الله ينْكسُه كَأَنَّني البَدْرُ يبغى الشرقَ والفلكُ الـ ... أعلى يعارضُ مسراه فيعكسه يقال: من نكد الوجود أنْ يرى الإنسان في منامه أنه وجد مالاً، أو أصاب جوهرا، أو ظفر بخير، فإذا انتبه لم ير من ذلك شيئا، وربما [يرى] (١) أنه قد أحدث، فإن انتبه كان ذلك يقينا. قال الشاعر (٢): (من الطويل) أَرى في مَنامي كُلَّ شَيءٍ يسوءني ... وَرُؤيايَ بَعدَ النَومِ أَدهى وَأَقبَحُ فَإِن كانَ خَيراً فَهُوَ أَضغاثُ حالِمٍ ... وَإِن كانَ شَرّاً جاءَني قَبلِ أُصبِحُ وقال أبو العلاء المعري (٣): (من الطويل) إلى اللهِ أشْكو أنّني كلَّ ليلةٍ ... إذا نِمْتُ لم أعْدَمْ خواطِرَ/ أوْهامي [٢٤ أ] فإنْ كان شرّاً فهْوَ لا بُدّ واقِعٌ ... وإنْ كان خَيْراً فهْوَ أضْغاثُ أحلام وقال الأحنف العكبري (٤): (من الوافر) وأحلم في المنام بكل خير ... فأصبح لا أراه ولا يراني ولو أبصرت شراً في منامي ... لوافى الشر من قبل الأذان وذِي شِطاطٍ كصدرِ الرُّمْحِ معتقلٍ ... بمثلهِ غيرَ هيَّابٍ ولا وَكِلِ اللغة: ذي: بمعنى صاحب، الشطاط: بالفتح والكسر، اعتدال القامة، والاعتقال: أنْ يضع الفارس رمحه بين ساقه وركابه، والهيّاب: الجبان، وكذلك الهيوب، وفي الحديث: الإيمان هيوب، أي صاحبه يهاب المعاصي، والوكل: العاجز. الإعراب: الواو واو ربّ، ولا شكّ أنّ ربّ حرف تقليل، ويستعمل في التكثير، كما قال تعالى: [رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ] (٥)، وهي مختصة بالنكرات، وفي ربّ تسع لغات (٦): رُبْ، ورُبَّ، ورُبُّ، ورُبَّتْ، ورُبَّتَ، ورَبَّتْ، ورَبَّتَ، ورَبَّ، وربَّتما، ذي: هي بمعنى صاحب هنا، وهي مجرورة برب مضمرة، وعلامة جرها الياء، شطاط: مضاف إلى ذي، كصدر: الكاف بمعنى مثل، وهي في موضع الجر؛ لأنها صفة لذي،

стр. 43

وصدر مجرور بالإضافة، والرمح: مجرور بالإضافة إلى صدر، معتقل: مجرور أيضا على الصفة، فهو صفة بعد صفة لذي، بمثله: جار ومجرور، والهياب: في موضع جر بالإضافة، وهي ترجع إلى الرمح، والجملة في موضع نصب على أنه مفعول لاسم الفاعل، وهو معتقل، كأنه قال: معتقل بمثله، غير هياب: مجرور على أنه صفة لمعتقل، فإن قيل: كيف وصفت النكرة بالمعرفة، فالجواب أنّ غير لا تتعرف بالإضافة إلاّ إذا وقعت بين متضادّين، وكانا معرفتين / كما تقول: عجبت من قيامك غير قعودك، أو عجبت من [٢٤ ب] الحركة غير السكون، وهيّاب لم يضاد معتقلاً، فغير نكرة هنا مع وجود الإضافة، ولا وكل: الواو عاطفة، ولا حرف نفي، وغير للنفي، فعطف النفي على النفي، وكِل: مجرور بالعطف على هياب. المعنى: وصاحب قامة معتدل مثل صدر الرمح معتقل برمح، غير جبان، ولا عاجز، أخذ يصف صاحبه، ويعدد ما هو عليه من كمال الخَلق والخُلُق والصفات التي تُطلب من رفاق السفر بالليل من الشجاعة والإقدام، وغير ذلك، والتفت إلى هذا، وترك ما كان يذكره من حال نفسه ومقامه ببغداد، وغربته وفقره، وعدم أصحابه، وعكس مقاصده إلى وصف الرفيق، والالتفات من عادة البلغاء، يلتفتون من فن إلى فن، ومن أسلوب إلى أسلوب كعادة العرب في كلامها، وهذا الذي فعله المصنف يسمى الاقتضاب، وهو نوع من الالتفات. واعلم أنَّ ابن الأثير ﵀ يقول: إنّ الالتفات إنما يكون من الغيبة إلى الحضور، وعكسه، وليس كذلك، بل هو أعم من ذلك، وأرباب البلاغة يسمون الالتفات شجاعة العربية، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، وبالعكس، كقوله تعالى: [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] (١) الآيات، ثم قال: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (٢)، انتقل من الغيبة إلى الخطاب. والثاني [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ] (٣)، انتقل من الخطاب إلى الغيبة. القسم الثاني: الرجوع من الفعل المستقبل إلى الأمر، فالأول كقوله تعالى: [إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ /بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ] (٤)، [٢٥ أ]

стр. 44

انتقل من الاستقبال إلى الأمر، والثاني كقوله تعالى: [قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ] (١) الأية. القسم الثالث: الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل وبالعكس، كقوله تعالى: [الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا] (٢) الآية، انتقل من الاستقبال إلى الماضي، والثاني كقوله تعالى: [وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ] (٣)، وقوله تعالى: [وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ] (٤) الآية، انتقل من الاستقبال إلى الماضي، فانظر إلى ما أعطى الالتفات في هذه المواضيع من المعاني، وأفـ ادها من الحكم، فتبارك الذي أنزل الفرقان، وجعله معجزا، تنزيل من حكيم حميد. واعلم أنّ صدر بيت الطغرائي هو بعينه صدر بيت الحريري في مقامته الرابعة والأربعين في قصيدته البائية؛ لأنه قال (٥): وذي شطاط كصدر الرمح قامته صادفتُه بمنىً يشكو من الحَدَبِ قال الشارح: ومثل هذا لا يُعدُّ سرقة؛ لأن المعنى ليس ببديع، ولا لفظه بفظيع، ولا الطغرائي عاجز عن الإتيان بمثله، بل جرى على لسانه، ونسي أنّ هذا لغيره؛ لعدم الاهتمام بأمره، إذ ليس هو بأمر كبير، وهذا كثير الوقوع للناس، لا يكاد يسلم الفحول منه، ولهذا قال أشياخ الأدب: ما حفظ أحدٌ المقامات ونسيها إلاّ ونظم ونثر، وقوله مثل صدر الرمح معتقل بمثله من الايجاز والاختصار؛ لأنه استغنى بقوله: بمثله عن أن يقول: برمح طوسيل قويم معتدل، وما أحسن قول المثل المشهور: يكفيك من القلادة / ما أحاط [٢٥ ب] بالعنق، وقال البحتري (٦): (من المنسرح) وَالشِعرُ لَمحٌ تَكفي إِشارَتُهُ ... وَلَيسَ بِالهَذرِ طُوِّلَت خُطَبُه وأحسن ما ورد في الإيجاز قوله تعالى: [وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي] (٧) الآية، وقد تكلم أرباب البلاغة فيها وأكثروا، قال ابن أبي الأصبع: هذه الآية اشتملت على أحد وعشرين نوعا من المحاسن، وذكرها، ثم فسّر ذلك، وشرحُهُ يطول هنا، والآية مشهورة بين أرباب البلاغة بالإبداع، وأعظم ما فيها شرح قصة نوح في الطوفان من أوله إلى آخره

стр. 45

في هذه الألفاظ القلائل، وقد جاء مثل الطغرائي بمثله كثير في كلام الشعراء (١)، كقول أبي تمام (٢): (من الطويل) وَرَكبٍ كَأَطرافِ الأَسِنَّةِ عَرَّسوا ... عَلى مِثلِها وَاللَيلُ تَسطو غَياهِبُه فاستغنى بقوله: بمثلها من أن يقول: على نوق كأطراف الأسنة. قال الشارح: وقريب من هذه المادة، أعني قول الطغرائي وغيره بمثله، قول أبي العتاهية فيما أظن (٣): (من الرمل) حُلِقَتْ لِحيَةُ موسى بِاسمِهِ ... وَبِهارونَ إِذا ما قُلِبا إنّ هارون إذا ما قلبا ... صيّر الذقن سريعا عجبا كتب الشيخ جمال الدين الموقاني إلى جمال الدين موسى بن يعمور، وقد أهدى له موسى: (من الطويل) وأهديت موسى نحو موسى وإن يكن ... قد اشتركا في الاسم ما أخطأ العبدُ (٤) فهذا له حَدٌّ ولا فضلَ عنده ... وهذا له فضلٌ وليس له حدُّ وقال الشارح ملغزا في موسى (٥): (مخلع البسيط) رأيت في جلَّقٍٍ غزالاً تحار في جسنه العيون فقلت ما الاسم قال موسى قلت هنا تُحلقُ الذُّقون ومن محاسن الأجوبة أنّ بعضهم أراد أن يشتري جارية عُرِضَتْ عليه، فقال لها: كم دُفِع فيكِ، فقالت:/ وما يعلم جنود ربك إلاّ هو. ... [٢٦ أ] وقيل: إنّ رجلاً رمى عصفورا فأخطأه، فقال آخر: أحسنت، فغضب وقال: أتهزأ بي، قال: لا، إنما قلت أحسنت إلى العصفور. قال المدائني: قال رجل من أهل الحجاز لابن شبرمة: العلم من عندنا خرج، قال: صدقت، إلاّ أنه لم يرجع إليكم. حُلْوِ الفُكاهِةِ مُرُّ الجِدِّ قد مُزِجتْ ... بقسوةِ البأسِ فيه رِقَّةُ الغَزَلِ

стр. 46

اللغة: الحلو: نقيض المر، يقال: حلا الشيء يحلو حلاوة، فهو حلوٌ، واحلولى افعوعل على مثله، وقد عدَّاه حميد بن ثور في قوله (١): (من الطويل) فَلمّا أَتى عامانِ بَعدَ فِصالِهِ ... عَن الضّرع واحلولى دِماثاً يَرودُها ولم يجئ افعوعل متعديا إلاّ هذا، وحرف آخر، وهو اعروربت الفرس، والطعوم تسعة، وهي: الحلو، والمرّ: والحامض، والمِزّ، والمالح، والحريف، والعفص، والدسم، والتفه، وما أرشق قول البدر يوسف (٢): (المجتث) يا عاذلي في هواه ... إذا بدا كيف أسلو يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو فائدة: قولهم: فلان يحبّ الحموضة، معناه يحب الدبر؛ لأن الإحماض في اللغة الانتقال من شيء إلى شيء؛ لأن الإبل إذا ملّت الخلة اشتهت الحمض، فتُحوَّل إليه، وفي حديث الزهري: الأذن مجاجة، وللنفس حمضة، أي شهوة الانتقال، فكأنّ اللاّئط انتقل من الأمر الطبيعي المعتاد إلى غيره، الفكاهة بالضم: المزاح، وبالكسر طيب النفس، والجد: نقيض الهزل، وهو الاجنهاد في الأمور، والمزج: الخلط، والشدة: ضد اللين، والبأس: الشجاعة، والرقة: ضد الغلظ، والغزل: معازلة النسوان، وهي محادثتهن / ومراودتهن، وتغزّل إذا تكلف الغزل، وزعم بعض الأدباء أن الغزل في [٢٦ ب] الذكور، والنسيب (٣) في الإناث. الإعراب: حلو: صفة لذي في البيت الذي تقدّم، الفكاهة: مجرور بالإضافة، وهذه لفظية، وليست بمعنى من، مرّ الجد: صفة أخرى، الجد: مضاف إليه، والكلام فيه كالكلام فيما تقدم، قد مزجت: قد حرف يصحب الأفعال، ويقرب الماضي من الحال، وهي لتحقيق الفعل، مزجت: فعل مبني لما لم يُسم فاعله، والتاء: علامة التأنيث للفاعل، بشدة البأس: جار ومجرور، ومضاف، والإضافة بمعنى اللام، منه: جار ومجرور، رقة الغزل: رقة مرفوع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، والغزل: مضاف إليه، والإضافة بمعنى اللام، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: قد مزجت رقة الغزل بشدة البأس، والجملة كلها في موضع الجر على أنها صفة لذي، تقديره: ممزوجة فيه رقة الغزل.

стр. 47

المعنى: إنه صاحب حلو المزاح، طيّب الأخلاق، كريه الجد، وهذه صفة مدح؛ لأن الشدة في الاجتهاد محمودة، فهو قد مزجت فيه الحلاوة من رقة الغزل، بالمرارة من شدة البأس، وما أحق صاحب هذا المعنى بقول القائل (١): (من الطويل) وكالسَّيفِ إنْ لايَنْتَهُ لانَ مَتْنُهُ ... وحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خشنانِ وقد كان ﷺ يباسط أصحابه وجلساءه، ويمزح حقاً، ويلين جانبه لمن حضره ويؤنسه، فإذا كانت الحرب، واشتد البأس، وحمي الوطيس يَقدُمُ أصحابه، ولقي بنفسه، ومن خصائصه ﷺ إذا جرّد سيفه لا يغمده حتى ينال به من عدوه، وتحريم الهزيمة عليه من العدّ في الحرب، ولا شكّ في لطفه ورحمته / وحنوه على قومه، [٢٧ أ] وهم كافرون، يؤذونه ويكذبونه، ويصدّون عنه، ويحاربونه، وهو يحلم عليهم، ويشقّ عليه عنادهم، قال الله تعالى: [عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ] (٢)، قال ﵇ لما اتفق ما اتفق: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى وصفه الله تعالى بكمال الأوصاف، فقال تعالى: [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] (٣) ثناء على صفته الحميدة، وخلاله الجميلة، وكان ﵇ أشد حياء من العذراء في خدرها، ولا شكّ أنه ﷺ من النجدة والشجاعة والبأس والإقدام ولقاء العدو في الغاية التي تكبو دونها سوابق الأبطال، قال علي بن أبي طالب ﵁: كنَّا إذا اشتد الحرب اتّقينا برسول الله ﷺ ، وأقربنا إلى العدو، وأبصر رسول الله ﷺ ثرقوة أبي بن خلف من فرجة من سابغة الدرع، وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إنْ نجا، فطعنه النبي ﷺ بحربته، فوقع أبيٌّ عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، ومع هذا فقد مزح النبي ﷺ ، ولم يقل إلاّ حقا. قال الشارح: وفي سيرة الذهبي التي قرأتها عليه في ضمن كتاب التاريخ، قال زيد بن أبي الزرقاء (٤) عن ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس، تفرد به ابن لهيعة، وضعفه معروف، وجاء من طريق آخر لابن لهيعة: كان النبي ﷺ من أفكه الناس مع صبي (٥)، انتهى.

стр. 48

وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله احملني على حمار (١)، قال: أحملك / على ولد [٢٧ ب] الناقة، قالت: لا يطيقني، قال لها الناس: وهل الجمل إلاّ ولد الناقة، وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إنّ زوجي مريض، وهو يدعوك، فقال لها: لعل زوجك الذي في عينيه بياض، فرجعت وفتحت عين زوجها، فقال: مالك، قالت: أخبرني رسول الله ﷺ أن في عينيك بياضا، فقال: وهل أحدٌ إلاّ وفي عينيه بياض، وقالت أخرى: يا رسول الله أدع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أمّ فلان إنّ الجنة لا يدخلها عجوز، فولّت وهي تبكي، فقال ﵇: أخبروها أنها لا تدخل الجنة وهي عجوز، إن الله تعالى قال: [إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا] (٢)، وبالجملة فصفاته وشمائله، وما انطوى عليه أجلّ من أن يحيط به وصف، وأشرف من أن يضم جواهرها نظم، أو رصف، فلو جرى القلم إلى أن يحفى، وصرّ لسانه إلى أن يخفت ويخفى، ما جنى زهرا أنبتته حدائق تلك الحقائق، ولا التقط درّاً ملأ حقائب هاتيك الخلائق، إن في الموج للغريق لعذرا واضحا أن يفوته تعداده. وروى الشارح بإسناده عن ابن سيد الناس إلى حريم بن أوس، قال: كنا عند رسول تالله ﷺ فقال له عمه العباس: يا رسول الله إني أُريد أن أمتدِحك، فقال له النبي ﷺ : قل لا يفضض الله فاك (٣)، فأنشأ يقول: (من المنسرح) مِن قَبلِها طِبتَ في الظِلالِ وَفي ... مُستَودَعٍ حَيثُ يُخصَفُ الوَرَقُ (٤) ثم هبطتَ البلادَ لا بَشَرٌ ... أنتَ ولا مضغةٌ ولا عَلَقُ بل نطفةٌ تركبُ السّفين وقد ... ألجمَ نسراً وأهلَه الغرقُ (٥) تنقَّلُ من صلبٍ إلى رحم ... إذا مضى عالمٌ بدا طبقُ /حتّى احتوى بيتك المهيمن منْ ... خندف علياء تحتها النّطق [٢٨ أ] وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ الْـ ... ـأَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ فنحن في ذلك الضّياء وفي النّـ ... ٠٠٠ ... ور وسبل الرّشاد تخترق عاد الكلام إلى بيت الطغرائي، هذه الصفات التي ذكرها قلَّ ما تجتمع في إنسان إلاّ مَن خصّه الله بهذه الموهبة؛ لأنها مع تضادها محمودة، ولا يتفق ذلك إلاّ مِن اعتدال المزاج، وقول الناظم هذا يشبه قول أبي تمام (٦): (من الكامل)

стр. 49

الجِدُّ شيمَتُهُ وَفيهِ فُكاهَةٌ ... سُجُحٌ وَلا جِدٌّ لِمَن لَم يَلعَبِ شَرِسٌ وَيُتبَعُ ذاكَ لينَ خَليقَةٍ ... لا خَيرَ في الصَهباءِ ما لَم تُقطَبِ ما أحسن قوله: لا خير في الصهباء ما لم تقطب؛ لأن الخمرة إذا كانت صرفا كانت حادة، لا يمكن استعمالها، فإذا مُزجت بالماء، وهو طبع بارد، تولّد عنها كيفية أخرى، تقارب الاعتدال، فأمكن استعمالها. وقول أبي تمام الطائي أيضا (١): (من الكامل) لا طائِشٌ تَهفو خَلائِقُهُ وَلا ... خَشِنُ الوَقارِ كَأَنَّهُ في مَحفِلِ فَكِهٌ يُجِمُّ الجِدَّ أَحياناً وَقَد ... يُنضى وَيُهزَلُ عَيشُ مَن لَم يَهزِلِ وفي بيت الطغرائي من حسن الصناعة ما يشهد لقائله بفوز قدحه في البلاغة، فإنه جمع فيه بين ثمانية أشياء: الحلاوة، والمرارة، والفكاهة، والمزج، والجد، والقسوة، والرقة، والبأس، والغزل، وهي ثمانية لم تجتمع لغيره بهذا الانسجام والعذوبة، وأرباب البديع يسمون هذا النوع بالمقابلة، واستشهدوا فيه بقوله تعالى: [فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى] (٢) الآيتين، في كل آية ما يقابل الأخرى، هكذا قرره الجميع، ومن أحسن ما استشهدوا به في هذا النوع قول أبي الطيب (٣): (من البسيط) أَزورُهُم وَسَوادُ اللَيلِ يَشفَعُ لي ... وَأَنثَني وَبَياضُ الصُبحِ يُغري بي قالوا: قابل / فيه خمسة بخمسة، وهي: أزورهم مقابل وأنثني، وسواد مقابل بياض، والليل مقابل الصبح، ويشفع لي مقابل يغري بي، والخامسة لفظة لي تقابل لفظة بي؛ لأن الشفاعة له، ضدّ الإغراء به، كأنه قال: ذلك لي، وهذا عليَّ. قال الشاعر (٤): (من المتقارب) فَيَومٌ عَلَينا وَيَومٌ لَنا ... وَيَومٌ نُساءُ وَيَومٌ نُسَر ألا تراه قابل ما عليهم بما لهم، لما في ذلك من الإساءة والسرور، وقد أخذ بعضهم قول أبي الطيب أخذا مليحاً، فقال (٥): (من الكامل) أقلي النهار إذا أضاء صباحه ... وأظل أنتظر الظلام الدامسا فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكا ... والليل يرثى لي فيدبر عابسا وفيه مقابلة خمسة بخمسة.

стр. 50

كان ابن سيد الناس يقول: سمعت شيخنا تقي الدين بن دقيق العيد يقول، قل لهؤلاء علماء المعاني والبيان والبديع أتحسنون أن تقولوا مثل أزورهم، البيت، فإذا قالوا: لا، قل لهم: فأي فائدة فيما تصنعونه، أو كما قال، يريد بهذا أنّ العمل غير العِلم، والمباشرة دون الوصف، والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان. حُكي أن بعض الوعاظ كان على منبره يتكلم في المحبة وأمور العشق وأحواله، ومدّ أطناب الإطناب في ذلك، فقام إليه بعض الجماعة، وقال (١): (من الوافر) بهيشِِكَ هَل ضَمَمتَ إِلَيكَ لَيلى ... قُبَيلَ الفجرِ أَو قَبَّلتَ فاها وَهَل رَفَّت عَلَيكَ قُرونُ لَيلى ... رَفيفَ الأُقحُوانَةِ في نَداها فقال الواعظ: لا والله، فقال له: فافشر [ما شئت] (٢). قال عبد الله بن أَسباط الكاتب القيرواني (٣): (من مجزوء البسيط) قال الخلي الهوى محالٌ ... فقلت لو ذقته عرفته فقال هل /غير شغل سرٍّ ... إن أنت لم ترضه صرفته * وهل سوى زفرةٍ دمعٍ ... إن لم ترد جريه كففته فقلت من بعد كل وصفٍ ... لم تعرف الحب إذ وصفته طردتُ سرحَ الكرى عن وِرْدِ مُقْلتِه ... والليلُ أغرَى سوامَ النومِ بالمُقَلِ اللغة: الطرد: الإبعاد، السرح: المال السائم، تقول: سرحت السائمة، وسرَّحتها، وسرحت هي نفسها، وسرَّحت فلانا إلى مكان كذا، أي أرسلته، الكرى: النعاس، قال الشاعر (٤): (من البسيط) فَلا يَمِيلُ وَلاَ يَكرَى مجالسُهَا ... وَلاَ يَمَلُّ مِنَ النَّجوَى مُنَاجِيهَا والوِرْد: خلاف الصدر، والمقلة: شحمة العين التي تجمع البياض والسواد /* وتجمع على مقل، والحدقة: السواد الأعظم، والناظر: هو الأسود والأصفر، والإنسان يكون في الناظر كالمرآة إذا استقبلتها رأيت شخصك فيها، قال أبو الطيب (٥): (من المنسرح) جاريةٌ طالَما خَلَوتُ بِها ... تُبصِرُ في ناظِري مُحَيّاها

стр. 51

يصف شدة قربها منه، وذبابة العين: مؤخّرها، واللحظ: طرف العين مما يلي الصدغ، والموق: طرفها مما يلي الأنف، والحملاق: باطن جفن العين، والإغراء: ضد التحذير، والسوام: هو المال الراعي، يقال: سامته الماشية، وهي سائمة وسوام، والنوم: معروف، وهو ضد اليقظة. الإعراب: طرد: فعل وفاعل، سرح: مفعول به، والكرى: مجرور بالإضافة، عن ورد: جار ومجرور، ومضاف إليه، وهو في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثان لطردت، وعن هنا للتجاوز، والليل: الواو واو الحال، والليل مرفوع على أنه مبتدأ، أغرى: فعل ماض سدّ مسد الخبر للمبتدأ، إذ الفاعل فيه ضمير مستتر يرجع إلى الليل، والخبر إذا كان فعلاً وجب تأخيره؛ لأنه لو تقدّم خرج عن باب المبتدأ والخبر إلى باب الفعل والفاعل، سوام: منصوب على أنه مفعول به، والنوم: مضاف إليه، بالمقل: جار ومجرور موضعه النصب، متعلق بأغرى، والباء هنا للتعدية، وقوله: والليل أغرى سوام النوم بالمقل في موضع النصب على الحال؛ كأنه قال: طردت الكرى عنه في حالة أغرى الليل سوام النوم بالمقل. المعنى: إني منعته النوم بالمحادثة، ونحن في ليل قد أقبل بالنوم على العيون، وحببه إلى المقل، واستعار الطرد للمنع، كما استعار الكرى سرحا، إذ هو من متعلق السرح، ولذلك أكّده بالاستعارة الثانية؛ لأنه أبدل السرح للنوم بالسوام، وهما من باب واحد، وحسن الاستعارة هنا أنّ السرح السائم إذا ورد الماء كان كأنه يذهبه بالشرب، وإذا سام في النبات رعاه، فأذهب ما فيه من العشب، وقد يكون فيه زهر يشبه العيون اليقظى، فإذا ذهب بالرعي أشبه العين التي زال رونقها، وغاب بياضها وسوادها بالنوم/* (١) وكذلك الماء المورود للسرح يشبه العين اليقظى، فإذا ذهب أشبه تغميضها. قال الشارح: وقد ناكد الطغرائي الرفيق، ومنعه نومه، فكان كما يُقال لا ينام، ولا يدع الناس ينامون، ولو كفاه شرّه لسرّه، فإنّ الخليّ لا يلزم بحال الشجيّ، والوزير المغربي (٢) كان أشد الناس إنصافا منه حيث قال: (من الكامل) لي كلما ابتسم النهارُ تعلةٌ ... بمحدثٍ ما شان قلبي شانه فإذا الدجى وافى واقبل جنحه ... فهناك يدري الهم أين مكانه

стр. 52

وهو مأخوذ من قول مجنون بني عامر (١): (من الطويل) أُقَضّي نَهاري بِالحَديثِ وَبِالمُنى ... وَيَجمَعُني وَالهَمَّ بِاللَيلِ جامِعُ نَهاري نَهارُ الناسِ حَتّى إِذا بَدا ... لِيَ اللَيلُ هَزَّتني إِلَيكِ المَضاجِعُ ولمح المعنى منه محمد بن يحيى بن حزم، فقال: (من الطويل) إذا طلعت شمس عليك بسلوةٍ ... أثار الهوى بين الضلوع غروبها (٢) وقل المجنون (٣): (من الكامل) وَشَغِلتُ عَن فَهمِ الحَديثِ سِوى ... ما كانَ مِنكَ وَحُبُّكُم شُغلي وَأُديمَ نَحوَ مُحَدِّثي نظري كأنيَ ... قَد فَهِمتُ وَعِندَكُم عَقلي ومن هنا أخذ أمين الدين جوبان (٤) قوله: دوبيت لا أسمعُ الحديثَ عن غيرِكم من لذّةِ فكري واشتغالي بكم ألوي نظري كأنني أفهمُهُ من قائله وخاطري عندكم ولعمري إنّ هذه الاستعارات التي في كلام الطغرائي واقعة مواقعها، وهي في غاية الحسن، والاستعارة عند أرباب البيان، هي ادّعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه، مع طرح ذكر المشبه من البين لفظا أو تقديرا، ألا ترى أنه شبّه الليل وإرادة النوم على المقل بالراعي الذي يسوق الماشية إلى المرعى، وشبّه منعه النوم صاحبه، وشغله عنه بالطرد كالذي يطرد السرح عن ورود الماء، ولا شكّ أنّ الاستعارة أبلغ من التشبيه، وأوقع في النفس، وانظر إلى قوله تعالى: [وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا] (٥) وإلى ما فيه من الطلاوة، بخلاف ما إذا قيل: وشيب الرأس كالنار يشتعل، فهو أدعى أن حقيقة الاشتعال في الشيب دون النار، ووجه المناسبة التي حسّنت هذه الدعوى، [أن الشيب] (٦) لمّا كان بياضا يأخذ في /* (٧) الشعر الأسود شيئا فشيئا إلى أن يقوى ذلك ويشتد حتى يأتي على السواد جميعه، فيذهبه حُسن إدعاء الحقيقة، كما أن النار تأخذ في الفحم شيئا فشيئا، وتدب دبيب الشيب في الشَّعَر حتى تأتي على الفحم، ومن هنا عيب على القائل (٨) قوله: (من الكامل)

стр. 53

وَالشَيبُ يَنهَضُ في الشَّبابِِ كَأَنَّهُ ... لَيلٌ يَصيحُ بِجانِبَيهِ نَهارُ فإنّ الصياح هنا لا مناسبة له، ولا معنى. سأل رجل عمرو بن قيس عن الحصاة يجدها الرجل في ثوبه أو خفِّه من حصى المسجد، قال: ارمِ بها، فقال الرجل: زعموا أنها تصيح حتى تعود إلى المسجد، قال: دعها تصيح حتى ينشف حلقها، قال الرجل: سبحان الله! أوَلها حلق! قال: فمن أين تصيح؟ ومثل هذا ما حكاه أشعب الطمّاع، قال: جاءت لي جارية بدينار، فقالت: أودعه لي عندك، فقلت: دعيه تحت المُصلى، فلما راحت وضعتُ إلى جانبه درهما، فلمَّا كان بعد جمعة جاءت إليّ تطلبه، فقلت: هو مكانه، ولكن إنْ كان ولد شيئا فخذيه، فنظرت إلى الدرهم، فقالت: نعم، فقلت: ما دام تحت المصلى فهو يلد لك في كل جمعة درهما، فلما انصرفتْ أخذتُهُ، وحضرتْ بعد جمعة فطلبته، فلم تجده، فقلتُ: مات في النفاس، فقالت: ويلي، وكيف يموت، فقلتُ: يا بظراء كيف تُصدقين بحمله، ولا تصدقين بموته في النفاس. قال الشريف العقيلي (١): (من الخفيف) كُلَّما لاحَ وَجهُهُ بِمَكانِ ... كَثُرَت زَحمَةُ العُيونِ عَلَيهِ وقال (٢): (من المتقارب) فَلَمّا تَبَدّى لَنا وَجهُهُ ... نَهَبنا مَحاسِنَهُ بِالعُيون والركبُ مِيلٌ على الأكوارِ من طَرِبٍ ... صاحٍ وآخرَ من خمر الهوى ثَمِلِ اللغة: الركب: تقدم الكلام عليه، ميل: جمع أميل، وهو الذي لا يستوي على السرج، قال جرير (٣): (من البسيط) لَم يَركَبوا الخَيلَ إِلّا بَعدَما هَرِموا ... فَهُم ثِقالٌ عَلى أَكتافِها ميلُ /* (٤) والأكوار: جمع كور، وهو القتب، والطرب: خفة تلحق الإنسان. ... [٣١ أ] قال الشاعر (٥): (من الرمل) وَتََراِني طَرِباً في إِثرِهِم ... طَرَبَ الواِلهِ أَو كالمُختَبل

стр. 54

وهو يحتمل أن يكون من الفرح، وأن يكون من الحزن، ولكنّه هنا من الحزن أقرب؛ لأنه جاء في سياق شدة السَّهَر، صاحٍ: صحا يصحو من سكره، فهو صاحٍ، الخمر: معروف، والكرا: تقدَّم، الثمل: السكران. الإعراب: والركب: الواو للابتداء، والركب مبتدأ، ميل: خبره، من طرب: جار ومجرور، وطرب اسم فاعل هنا مكسور الراء، وليس هو مصدر بفتح الراء؛ لأنه لو كان مصدرا لفسد المعنى، وكان الجار والمجرور مفعولاً من أجله، وكان قوله وآخر من خمر الكرى، معطوفا على غير شيء، صاحٍ: مجرور على أنه صفة لطرب، وآخر: عاطف ومعطوف، من خمر: جار ومجرور ومضاف إليه، ولم تظهر الكسرة في المضاف لأنه مقصور، والجار والمجرور متعلق، ومن هنا لبيان الجنس، ثمل: مجرور على أنه صفة لآخر، والبيت بمجموعه في موضع النصب على الحال، كأنه قال: طردت الكرا عن سرح مقلته في حالة إغراء النوم بالمقل، وفي حالة ميل الركب على ظهور مطيهم (١). المعنى: نادمته وحادثته والرفاق قد مالوا على مطاياهم بين صاحٍ من النوم، وبين ثملٍ من الكرى، وهذا دليل على أنهم كانوا في أخريات الليل، وفي ذلك الوقت يكون بعضهم قد صحا من خمر النوم، والآخر في نشوته يميل يمنة ويسرة. قال ابن صردر (٢): (من السريع) قلتُ وهم من نَشواتِ الكرى ... موائلٌ كالسُّجَّد الرّكَّعِ حُثُّوا مطاياكم فكم غاية ... قد بُلَغَتْ بالأينق الظُّلّعِ وقال بديع الزمان الهمذاني (٣): (من الطويل) لك الله من جوبٍ / أجوب جيوبه ... كأني في أجفان عين الردى كحل [٣١ ب] كأن الدجى نقع وفي الجو حرمة ... كواكبها جند طوائرها رسل كأن مطايانا سماء كأننا ... نجوم على أقتابها برجها الرحل كأن السرى ساقٍ كأن الكرى طلا ... كأنا لها شرب كان المنى نقل

стр. 55

وقال الشهاب محمود: (من الطويل) نشاوى على الأكوار من خمر السرى وكأس الكرى قد ألويا بطلاها (١) كأن غصونا في الرمال يميلها سحيرا على الأنضاء مرّ صباها وقال أيضا: (من البسيط) كرر حديث الثنايا فهو أعذب لي ... على الظما من رضابِ الخرَّد العربِ (٢) فقد سرتْ نفحةٌ أنشأتُ نسمتَها ... فينا فملنا على الأكوار من طرب وقال أيضا: (من الطويل) برانا الهوى حتى تَوهّمَنا الذي يرانا خيالاً في الدجى قد سرى وهْنا كأنا على الأكوار أفنان دوحةٍ يُميِّلُها مَرُّ الصبا غُصُنا غُصنا (٣) وقال أيضا: (من الخفيف) لا تردْها على جواها ودعها الْـ ... ـآن تهوي بين الوهاد هويَا (٤) إنّ بين الضلوع منها إلى الريِّ ... بعين الزرقاء داءً دويّا ضمر كالقصي ترعى بشِعبٍ ... فوقها كالسهام مرمى قصيا بلبلتهم كأس السرى فتثنّوا ... نشوةً ما سقوا بها البابليا واعلم أنّ في بيت الطغرائي من البديع الجمع مع التقسيم؛ لأنه جمعهم في الميل على الأكوار، ثم قسمهم فقال: منهم مَن مال من التعب، ومنهم مَن مال من النعاس، ومن أمثلة هذا النوع قول أبي الطيب (٥): (من البسيط) حَتّى أَقامَ عَلى أَرباضِ خَرشَنَةٍ ... تَشقى بِهِ الرومُ وَالصُلبانُ وَالبِيَعُ لِلسَبيِ ما نَكَحوا وَالقَتلِ ما وَلَدوا ... وَالنَهبِ ما جَمَعوا وَالنارِ ما زَرَعوا وأحسن من هذا قول رسول الله / ﷺ ، الذي اوتي جوامع الكلم، [٣٢ أ] واختُصر له الكلام اختصارا: ليس لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وقيل: فأبقيت. وقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله مَن تصدق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت، فقال الحسن: ما ترك أحدا منكم حتى عمّه بالمسألة. ومن المجون قول القائل: (من الخفيف) وبديعُ الجمالِ مُعتَدِلُ الَقا ... مَةِ كالغصنِ حنَّ قلبي إليهِ (٦)

стр. 56

أشتهى أن يكونَ عنْدِي وفي بَيْتي وبَعْضي فيهِ وكلِّي عَلَيهِ فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي ... وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ اللغة: دعوته: صِحتُ به، الجلى: الأمر العظيم، وجمعها جُلل، مثل كُبرى وكُبَر، قال جرير (١): (من البسيط) وإنْ دعوتِ إلى جُلّى ومكرُمَةٍ يوما كراماً من الأقوامِ فادعينا والنصرة: ضد الخذلان في الحرب وغيرها، وهي الإعانة على في ما أهم، وفي الحديث: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، خذلته: الخذلان معروف، الحادث الجلل: الواقع العظيم من الدهر. قال الشاعر (٢): (من الكامل المرفل) فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي والجلل أيضا: الهيّن، فهو من الأضداد، قال امرؤ القيس لمَّا قُتل أبوه (٣): (من منهوك الكامل) أَََلاَ كُلُّ شَيءٍ سِوَاهُ جَلَلْ والمراد به هنا في كلام الطغرائي الواقع العظيم. الإعراب: الفاء: للتعقيب، أي عقبت طرد الكرى بقولي، والمعنى فالتفت إليّ، فقلت له، أو لم يلتفت إليّ فقلت له، وما أحسن الفاء التي تكررت في قول الشنفرى (٤): (من الطويل) بعينَيَّ ما أمْسَتْ فباتَتْ فأصبحَتْ ... فقضتْ أموراً فاستقلتْ فولتِ ومن ألطف ما في هذا الباب قول شمس الدين محمد بن عفيف / الدين التلمساني (٥): [٣٢ ب] (من البسيط) لِلْعاشِقينَ بِأَحْكَامِ الغَرَامِ رِضَا ... فَلا تَكُنْ يا فَتى بِالعَذْلِ مُعْتَرِضا رُوحي الفِدَاءُ لأَحْبابي وَإِنْ نَقَضُوا ... عَهْدَ الوفيِّ الَّذي لِلْعَهْدِ مَا نَقَضَا قِفْ واسْتَمِعْ رَاحِماً أخْبَارَ مَنْ قُتِلوا ... فَماتَ في حُبِّهِم لَمْ يَبْلُغِ الغَرَضَا رَأَى فَحبَّ فَرامَ الوَصْلَ فامْتَنَعُوا ... فَسامَ صَبْراً فَعْيَا نَيْلُهُ فَقَضَى

стр. 57

الإعراب (١): فقلت: فعل ماض وفاعل، أدعوك: فعل مضارع، والكاف ضمير المفعول، للجلى: جار ومجرور، واللام للتعدية، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف؛ لأنه مقصور، وموضعها النصب على المفعول، لتنصرني: اللام لام كي، فهي تنصب الفعل المضارع، فالفعل منصوب بها، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المفعول. وما أحلى قول شرف الدين بن الفارض (٢): (من الرمل) نَصباً أكسبَني الشّوقُ كما ... تُكْسِبُ الأفعالَ نَصباً لامُ كَي وأحسن منه قول شمس الدين التلمساني (٣): (من المتقارب) وَمُسْتَترٍ مِنْ سَنَا وَجْهِهِ ... بِشَمْسٍ لَهَا ذَلِكَ الصُّدْغُ فيْ كَوَى القَلْبَ مِنِّي بِلامِ العِذا ... رِ فَعَرَّفني أَنَّها لامُ كَيْ وأنت: الواو واو الابتداء، وأنت اسم مضمر في موضع رفع بالابتداء. قيل: سمع المازني قرقرة في بطن إنسان، فقال: هذه ضرطة مضمرة، تخذلني: فعل مضارع مرفوع؛ لخلوه من الناصب والجازم، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المفعول، والجملة في موضع الخبر لأنت، في الحادث: جار ومجرور في موضع نصب على أنه ظرف لتخذلني، فتقديره: تخذلني وقت الحادث، الجلل: مجرور على أنه صفة للحادث، وقوله: أدعوك للجلى .... إلى آخره، البيت، في موضع نصب لقوله: فقلت. المعنى: فقلت له مستفهما: أدعوك للأمر العظيم؛ طالبا / نصرتك، وأنت تخذلني [٣٣ أ] في هذا الأمر العظيم، فهذا استفهام ومعناه التوبيخ، كقوله تعالى: [وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ] (٤) الآية، الاستفهام هنا للمسيح على الملام، والتوبيخ للنصارى، والاستفهام هنا من المسيح أبلغ من الاستفهام من النصارى؛ لأنه يحتمل أنهم يقولون: نعم كذا قال، فيرجع للمسيح على الملام، ويستفهم منه، فابتدئ بالاستفهام منه في أول الأمر، فيرى الأمر يفضي إلى آخره، فيجعل آخره أولا، وبالجملة فهذه القصة يحتمل الكلام عليها مجلدا لطيفا؛ لأنها قد تضمنت من البلاغة والحكم ما يعجز المتكلمون عن استغراق ذلك، واستخراج جواهره، واستنباط معانيه، [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا] (٥) فسبحان مَن أنزله هدىً ورحمة.

стр. 58

رجعنا إلى كلام الطغرائي، اعلم أنه قد جُبلت النفوس الأبية على تحقيق الظنون بها، وتصديق الأمل فيها، والرجاء فيما يُطلب منها من نصرة وإعانة وإزالة ضرورة، وسدّ خلة، وغير ذلك، والنفوس اللئيمة بخلاف ذلك، تكذِّب الظنون فيها، وحسن الظن بالله أمر واجب، قال ﵇: لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله، وروي عن أحد أهل البيت أنه لمَّا حضرته الوفاة قال: يا بني اقرأ عليّ الرخص لأموت وأنا أُحسن الظن بالله تعالى، وقال علي كرم الله وجهه: حسن الظن بالله أن لا ترجو إلاّ الله، ولا تخاف إلاّ ذنبك، وأنشد الشهاب محمود لنفسه: (مجزوء الرمل) قيل ما أعددت للحتـ ... ـف فقد جئت محله (١) قلت أعددت من التو ... حيد حسن الظن بالله وقال ابن سيد الناس: (من البسيط) / فقري لمعروفك المعروفِ يغنيني ... يا مَن أرجّيه والتقصيرُ يرجيني [٣٣ ب] إن أوبَقَتْني الخطايا عن مدى شرفٍ ... نجا بإدراكه الناجون من دوني أو غضّ من أملي ما ساءَ من عملي ... فإنّ لي حسنَ ظن فيك يكفيني (٢) ويتعين على ذوي المروءات احتمال الأذى والضرر في تصديق أمل الآمل، وتحقيق رجائه، وإيصاله إلى مآربه، وتبليغه مقاصده، فإنه: (من البسيط) لَولا المَشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ ... الجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ (٣) ومن الكلم النوابغ: محك المودة والإخاء، حال الشدة لا الرخاء، ولهذا قال الشاعر (٤): (من الكامل) دعوى الاخاء على الرخاء كثيرةً ... بل في الشدائد تعرف الأخوانُ قيل إنّ يوسف الصديق ﵇ لمَّا خرج من السجن كتب على بابه: هذا قبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء. على أنّ الإنسان يتعين عليه التفرس أولاً، والتكهن (٥) ليختار لحاجته مَن ينهض بحملها، ويقوم بكلّها؛ حتى تنزل من جانبه بالرحب، ويتلقّاها بالبشر، ويكون بها كفيلا، قال أبو الطيب (٦): (من الطويل)

стр. 59

وَلَم أَرجُ إِلّا أَهلَ ذاكَ وَمَن يُرِد ... مَواطِرَ مِن غَيرِ السَحائِبِ يَظلِمِ وإلاّ يكون قد أخطأ في التأمل قبل التأميل (١)، وأضاع الفراسة قبل الافتراس، والناس يختلفون في الهمم، ويتفاوتون في القيم، قال أبو الطيب (٢): (من الكامل) ما كُلُّ مَن طَلَبَ المَعالِيَ نافِذاً ... فيها وَلا كُلُّ الرِجالِ فُحولا ولهذا قال آخر (٣): (من السريع) أمّلْتُهم ثم تأمّلْتُهم ... فلاحَ لي أنْ ليس فيهم فَلاح ولا يبعد قول الطغرائي من قول الأرجاني (٤): (من الطويل) فإن يك أعدائي عليَّ تَناصَروا ... فما هو إلاّ من تَخاذُلِ خُلاّني ولم أدْعُ للجُلَّى صديقاً أجابَني ... ولم أرضَ خِلاًّ للوِدادِ فأرْضاني وقال آخر (٥): (من الوافر) وإخوانٍ تخذتهمُ دروعاً ... فكانوها ولكنْ للأعادي وخِلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي /* (٦) ... وقالوا قد صفت منا قلوبٌ ... لقد صَدَقوا ولكن من ودادي ... وقالوا قد سعينا كل سعيٍ ... لقد صدقوا ولكن في فسادي وقال ابن الرومي (٧): (من الطويل) تخذتكُمُ دِرعاً حَصيناً لتدفعوا ... سِهامَ العدى عنِّي فكنتُمْ نصالَها وقد كنتُ أرجو منكُم خيرَ ناصرٍ ... على حينِ خذلان اليمين شِمالَها فإنْ أنتُمُ لم تحفظوا لمودّتي ... ذِماماً فكونوا لا عليها ولا لَها قفوا موقفَ المعذورِ عنّي بمعزلٍ ... وخلّوا نبالي للعِدى ونبالَها قال علقمة بن لبيد العطاردي (٨) لابنه: يا بني إنْ نزعت بك إلى صحبة الرجال حاجةٌ فاصحب مَنْ إنْ صحبته زانك، وإنْ أصابتك خصاصة مانك، وإن قلت سدد قولك، وإن صلت شدّد صولك، وإنْ مددت يدك بفضل مدّها، وإنْ بدت منك ثلمة سدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها،

стр. 60

وإن سألته أعطاك، وإن سكتَّ عنه ابتداك وإنْ نزلت بك إحدى الملمات (١) واساك، مَنْ لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق. قال الشارح: وذكرت بوصية علقمة لولده قول الفضل بن عبد الرحمن لرقيّة بنت عتبة بن أبي لهب: انظري لي امرأة معروفة النسب، كريمة الحسب، فائقة الجمال، مليحة الدلال، إن قعدت أشرفت، وإنْ قامت أضعفت، وإنْ مشت ترقرقت، تروع من بعيد، وتفتن من قريب، تسرّ مَنْ عاشرت، وتُكرم مَنْ جاورت، وتبدُّ من فاخرت، ودودا ولودا، لا تعرف أهلها، ولا تسرّ إلاّ بعلها، فقالت له: يا ابن العم، أخطب هذه من ربِّك في الآخرة، فإنك لا تجدها في الدنيا. قال أبو موسى المكفوف لنخّاس: اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزحام ترفق، لا يصدم بي السواري، ولا يدخلني تحت البواري، إنْ أكثرت علفه شكر، وإن قللته صبر، وإن ركبته هام، / (٢) وإن ركبه غيرك نام، فقال له النخاس: اصبر أعزك الله، عسى أن يُمسخ القاضي حمارا فتصيب حاجتك. وعلى الصحيح فالكمال معدوم إلاّ في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا بدّ في الإنسان من لو ولولا، ومَنْ كانت ماهيته متضادة فالنقص به أولى، وما سلك الصواب صديق إلاّ ونُكِب، فلا تغترّ، أي الرجال المهذب (٣)، ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها (٤). ولوِ انتقَدْتَ بَني الزّما ... نِ وجَدتَ أكثرَهُم سقَطْ (٥) وقد هوّن الأمر في الصحبة مؤيد الدين الطغرائي ﵀ في قوله (٦): (من الوافر) أخاكَ أخاكَ فهو أجَلُّ ذُخْرٍ ... إِذا نابَتْكَ نائبةُ الزمانِ وإن رابتْ إساءتُه فَهبْهَا ... لما فيه من الشِّيَمِ الحِسَانِ تُريدُ مهذَّباً لا عَيْبَ فيهِ ... وهل عُودٌ يفوحُ بلا دُخَانِ وقال أيضا وإن لم يكن من الباب (٧): (من البسيط) غايِظْ صديقَكَ تكشفْ عن ضمائِرِه ... وتَهْتِكِ السِتْرَ عن محجوبِ أسرارِ

стр. 61

فالعودُ يُنْبِيكَ عن مكنونِ باطنهِ ... دُخَانُهُ حين تُلْقِيهِ على النَّارِ وقال الشارح في شرط الصحبة: (من المتقارب) صديقَكَ مهما جَنى غَطِّه ... ولا تُخْفِ شيئاً إذا أحسْنا (١) وكن كالظلام معَ النَّار إذ ... يوارِي الدُّخانَ وَيبْدِي السنَّا قال الشارح: وكأني بالطغرائي وقد جرَّ هذا الصاحب فانجزم، وطلب إقباله على النصرة له فانهزم، وسامه الوقوع على المساعدة فتعلّى، ورام النجدة منه فقرأ عبس وتولى. سأل أبو جعفر المنصور بعض الخوارج فقال له: أخبرني أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتك، فقال: ما أعرف وجوههم، ولكن أعرف قفاهم، فقل لهم يدبروا اعرّفك، أخذ ابن الرومي هذا المعنى، وزاده وزنا فقال: (من المنسرح) قِرن سليمان قد أضرَّ به ... شوق إلى وجهه سيتلفُه كم يَعِدُ القرن باللقاء وكم ... يكذب في وعده ويخلفه /* (٢) لا يعرف القِرنُ وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه تنامُ عنِّي وعينُ النجمِ ساهرةٌ ... وتستحيلُ وصِبغُ الليلِ لم يَحُلِ اللغة: النوم: معروف، والعين: حاسة الإبصار، والجمع أعين وأعيان وعيون، وتصغيرها عُيينة، النجم: الكوكب، ومتى أُطلق فالمراد به الثريا، ساهرة: السهر ضد النوم، تستحيل: الاستحالة التغيُّر، والصبغ: اللون، تقول: صبغت الثوب أصبغه، والصِبغ بالكسر ما يُصبغ به، فعلى هذا الصحيح في البيت صَبغ بالفتح، الليل: معروف. الإعراب: تنام: فعل مضارع، حذفت منه هنا الهمزة التي للاستفهام؛ لأن أصله أَتنام عنِّي، وحذفها جائز في الضرورة، عنِّي: جار ومجرور، وعين النجم: الواو للابتداء، وعين مرفوع على أنه مبتدأ، والنجم مجرور بالإضافة، والإضافة هنا معنوية، وهي مقدرة باللام، ساهرة: مرفوع على أنه خبر المبتدأ، والأحسن أن تكون ساهرة منصوبة على الحال، والخبر محذوف، كما قُرئ: [وَنَحْنُ عُصْبَةً] (٣)، معناه ونحن نُرى عصبة، وكذا يقدّر هنا وعين النجم تُرى ساهرة لأجلي، وتستحيل عليّ، وهذا صبغ الليل يُرى غير حائل، وفي تقديره هكذا توبيخ له؛ لكونه من ذوي الحواس، وقد نام عنه، واستحال عليه، وهذان غير حاسّين، ومع ذلك فقد سهرت عين النجم ورُئيت في حالة غير نائمة، ولم يستحل صبغ الليل رحمة ووفاء، وإذا جعلت ساهرة خبرا لعين النجم، وصبغ مبتدأ، ولم يحل الخبر، وكانت الجملة في الموضعين في تقدير الحال، ذهب معنى التقريع والتوبيخ الذي تقرّر،

стр. 62

ويعود المعنى أتنام عنِّي والحالة من النجم والليل كذا، وإن شئت قدَّرت عين النجم خبراً، والمبتدأ محذوف تقديره وهذه عين النجم ساهرة، ويكون فيه معنى زائد في التوبيخ؛ لأنك إذا قلت: أيخفى عليك ما أردت، والطفل قد فهمه، ويستحيل: الواو عطفت الجملة الفعلية على مثلها، وهما تستحيل وتنام، وصبغ: الواو للابتداء، وصبغ مرفوع إمَّا أنه مبتدأ أو خبر مبتدأ محذوف، الليل: مجرور بالإضافة /* (١) المعنوية، وهي مقدَّرة باللام، لم يحل: فعل مضارع مجزوم بلم، كان أصله يحول، فاجتمع ساكنان، وهما الواو واللام، قال: وفي البيت سؤال، وهو أن يُقال: أين مفعول تستحيل؛ لأن الأصل استحال زيد على عمروٍ، ولأنه استفعال من الإحالة، فالمفعول محذوف، وهو جار ومجرور متعلق بتستحيل، وحسُن حذفه كونه معلوما من سياق الكلام بقوله عنِّي، إذا قال: أتنام عني علم أنه يقول: وتستحيل عليّ، وموضع المحذوف النصب على المفعولية. المعنى: أتنام عنِّي وهذه عين النجم تراها ساهرة لما أقاسيه وأكابده من الفكر، وتستحيل علي وصبغ الليل كما تراه لم يحل، ولم يتغير، وفي هذا إدماج؛ لأنه أدمج في هذه العبارة أنّ الليل طويل عليه، لم ينسلخ من سواده إلى الفجر، وما أحسن قول ابن الساعاتي (٢): (من الخفيف) نمتم عن سهاد جفني ولا يعلم ما ضرَّ ساهراً مَن ينامُ ما رعيتمْ حق الجوار وإن كا ن بأدنى الجوار يُرعى الزمامُ وقال الآرجاني (٣): (من الطويل) ولا تُنِكروا حَقَّ المَشوُقِ فإنّما ... لنا وعليكم أنجمُ اللّيلِ تَشْهَد أبِيتُ نَجِيَّ الهَمِّ في كُلِّ ليلةٍ ... كأنّ بها طَرْفِي طِرافٌ مُمَدَّد وقال ابن منقذ: (من الكامل) ولرُبَّ لَيلٍ تاهَ فِيه نجمهُ ... فقَطعتهُ سهَراً فَطالَ وعسَعسا (٤) وَسألتهُ عَنْ صُبحهِ فأجابني ... لوْ كانَ في قَيدِ الحَياةِ تَنفسَّا وله أيضا: (من الكامل) لما رأيت النجم ساهٍ طرفه ... والقطب قد ألقى عليه سباتا (٥) وبنات نعشٍ في الحِداد سوافِراُ ... أيقنت أن صباحه قد ماتا وقال الأرجاني (٦): (من الكامل)

стр. 63

لا أَدَّعي جَوْرَ الزّمانِ ولا أَرى ... لَيْلي يَزيدُ على اللّيالي طُولا لكنّ مِرآةَ الصّباح تَنفُّسي ... لِلهمِّ أصدأَ وَجْهَها المَصْقولا وأين صاحب الطغرائي من قول أبي الطيب (١): (من البسيط) لا أَستَزيدُكَ فيما فيكَ مِن كَرَمٍ ... أَنا الَّذي نامَ إِن نَبَّهتُ يَقظانا وله عذر في نومه واستحالته على الطغرائي؛ لأن هذا الصاحب سائر على مطايا الراحة والأمن، [والطغرائي] (٢) قد اقتعد في ذروة القلق، والجد والروع /* (٣) والطلب، وهيهات، بينهما فرق بعيد وبون، قد ضلَّ مَن اعتقد أنّ الصاحب له عون في الشدائد، يا ويل الشجي من الخلي، هان على الأملس ما لاقى الدبر، ومن قول ابن قلاقس (٤): (من السريع) يغيظُني وهو على رَسْلِهِ ... والمرءُ في غيظِ سواهُ حَليمْ واستعارة العين للنجم في بيت الطغرائي من أحسن ما يكون، قال الأرجاني (٥): (من الخفيف) ثُمّ خافَتْ لمّا رأتْ أنجمَ الّليـ ... لِ شَبيهاتِ أعيُنِ الرُّقبَاء وهو مأخوذ من قول الأول (٦): (من الكامل) ما راعَنا تَحتَ الدُجى شَيءٌ سِوى ... شِبهِ النُجومِ بِأَعيُنِ الرُقَباءِ ومن الألغاز في السماء والنجوم: (من المتقارب) وحسناء خرساء لا تنطق يروقك ملبسها الأزرق (٧) وأحسن من كل مستحسنٍ عيون لها في الدُّجى تبرقُ فهل تُعِيُن على غَيٍّ هممتُ بهِ ... والغيُّ يزجُرُ أحياناً عن الفَشَلِ اللغة: [الإعانة: المساعدة في الخير والشر، الغَي: الضلال، تقول: غَوَى بالفتح يغوى غيَّاً وغواية، فهو غاوٍ وغوٍ، وأغواه غيره، فهو غوي، على فعيل، الزجر: المنع والنهي، يقال: زجره وازدجره فانزجر وازدجر، أحيانا: الحِين الوقت، وجمعه أحيان، الفشل: الجبن، يقال: فشِل بالكسر فشلاً إذا جبن] (٨)

стр. 64

[الإعراب] (١) الفاء: [قد تقدم الكلام عليها] (٢)، هل: حرف استفهام، وهي اخت أم، ولها صدر الكلام، تعين: فعل مضارع من أًعان يُعين إعانة، على غَيّ: جار ومجرور، هممت: فعل وفاعل، به: جار ومجرور، والغي: الواو للابتداء، والغي: مبتدأ، وجملة يزجر من الفعل والفاعل خبر المبتدأ، أحيانا: ظرف زمان، والعامل فيه يزجر، عن الفشل: جار ومجرور، عن للمجاوزة. المعنى: يقول لصاحبه: أتنام عنّي، وتستحيل عليّ، فهل لك أن تعين صاحبك على غيٍّ همَّ به، وسيأتي تفسير هذا الغي ما هو فيما بعد، فإن الغي يمنع الإنسان في بعض الأوقات من الجبن، وإعانة المرء صاحبه في الحق أمر مندوب إليه، قال الله تعالى: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى] (٣)، وهذا من الواجبات، وقال رسول الله ﷺ : والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، هذا في الأمور المباحة، فأمَّا المحذورة فلا، ومَنْ فعل شارك، وصار له كفل منه، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقيل: يا رسول الله أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما، قال: تحجبه عن الظلم، فذلك نصرك إياه، وأما الجبن فأمر مذموم، قال رسول الله ﷺ : لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموه فاثبتوا، واعلموا أن الجنة/* (٤) تحت ظلال السيوف، وفي كتاب أبي بكر إلى خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهما: احرص على الموت توهب لك الحياة، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: الجرأة والجبن غرائز يضعهما الله حيث يشاء، فالجبان يفرّ عن أهله وولده، والجريء يقاتل عمن لا يؤوب إلى رحله، وقال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه عند موته: لقد لقيت كذا وكذا زحفا وما في جسدي / (٥) موضع قيد [٣٧ أ] شبر إلاّ وفيه طعنة أو ضربة أو رمية، ثم ها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي، فلا نامت عيون الجبناء، ويدخل في قول الطغرائي إغراء المحبين من يألفونه ويحبونه بالإقدام على الزيارة، وركوب الأخطار، وتهوين الخطب في الوصال، ويتوصلون إلى ذلك بأنواع من سحر الكلام والمغالِط التي يستعملها البلغاء في الإغراء. إني أُريدُ طروقَ الحَيِّ من إضَمٍ ... وقد حَماهُ رُماةٌ الحيِّ من ثُعَلِ

стр. 65

اللغة: الطروق: هو المجيء بالليل، والحي: واحد من أحياء العرب، إضم: جبل، قال الشاعر: وشمت برقاً على الجرعاء من إضم (١)، حُماة: منَعَة، رماة الحي: جمع رامٍ، وثُعَل: أبو حيّ من طي، وهو ثُعل بن عمرو، أخو نبهان، وهم الذين عناهم امرؤ القيس بقوله (٢): (من الرمل) رُبَّ رامٍ مِن بَني ثُعَلٍ ... مُخرجٍ كَفَّيهِ في سترِه وبنو ثعل مشهورون بإتقان الرمي، وقد أكثر الشعراء من نسبة ذلك إليهم، قال ابن قلاقس (٣): (من الوافر) وحيّ من كنانةَ قد رمَوْني ... بما حوتِ الكنانةُ من سِهامِ إذا انتَضلَوا وما ثَعِلٌ أبوهم ... أتوكَ بكلِ راميةٍ ورامِ ومن هذه القبيلة عمرو بن المسبح الثعلي (٤)، الذي قدم على رسول الله ﷺ وهو ابن مائة وخمسين سنة، وكان أرمى العرب بالسهام، وإياه عنى امرؤ القيس بقوله: رُبَّ رامٍ مِن بَني ثُعَلٍ ... . قلت: وقد قال فيه أيضا: غادرون عمر أصحاب الفترات، ذكر ذلك ابن عبد البرفي كتاب الاستيعاب، وهذا من جملة ما استشهد به ابن قتيبة في كتابه طبقات الشعراء على قرب زمن امرئ القيس من زمن النبي ﷺ ، وأنه كان قبله بمقدار أربعين سنة. الإعراب: إنّ: إنّ واسمها، أريد: / فعل مضارع في موضع خبر إنَّ، طروق: [٣٧ ب] منصوب على المفعول لأُريد، والحي: مضاف إليه إضافة معنوية، من إضم: مِن هنا لبيان الجنس، وقد حماه: هذه واو الحال، وقد حرف تقليل، حماه: فعل ماض، والهاء في موضع نصب على المفعولية، من ثعل: من هنا لبيان الجنس أيضا. المعنى: يقول لصاحبه: الغي الذي طلبت إعانتك عليه وهو أني أريد طروق الحي، [أي] النزول على إضم ليلاً، وقد حماه رماة بني ثعل، وهم المقيمون في الحي، فهل لك في الإعانة على السير إليهم، وقد رسول الله ﷺ من طروق الرجل أهله ليلا ... [و] في ذلك فوائد، منها: استعداد المرأة لزوجها بإصلاح شأنها، ومنها أنّ في طروقه ليلا

стр. 66

التشويش على جيرانه بحركته [في] ذلك الوقت، ومنها غير ذلك، وهذه الحالة، أعني كون الرماة يحمون الحي مما لا يهابه العشاق، ولا يصدهم عن زيارة أحبابهم، ولا يمنعهم من الوصول إليهم، [لأنه قيل]: (من البسيط] علامةُ الحبِّ أنْ يُستصغرَ الخطرُ ... وأن يزورَ ونارُ الحرب تستعر (١) قال أبو الطيب (٢): (من الطويل) يَهونُ عَلى مِثلي إِذا رامَ حاجَةً ... وُقوعُ العَوالي دونَها وَالقَواضِبِ وقال ابن الساعاتي: (من الوافر) رعاكِ اللهُ يا سلمى رعاكِ ... وداركِ باللوى ذاتِ الأراكِ (٣) أخاف سيوف قومك من معدٍّ ... وما كانت بأقتلَ من هواكِ وقال أبو العلاء المعري (٤): (من الطويل) أسيرُ ولو أنّ الصّباحَ صوارِمٌ ... وأسْرِي ولو أنّ الظّلامَ جَحافل وللسراج الوراق: (من الكامل) أغنتهمُ تلكَ القُدود عن القنا ... ونضَوا عن البيض الصفاح الأَعينا (٥) وحمَوا طروقَ الحيِّ حتى لم يكن ... مسرى الخيال إليه أمراَ ممكنا يحمونَ بالبِيض والسُّمْرِ اللدانِ به ... سودَ الغدائرِ حُمْرَ الحَلْي والحُلَلِ اللغة: يحمون: يمنعون، البيض: جمع أبيض، وهو السيف، السمر: جمع أسمر، وهو الرمح، اللدان: جمع لدن، وهو اللين، الغدائر: ضفائر الشعر، واحدتها غديرة، الحلي: ما تتحلّى به المرأة، والحلل: جمع حلة، إزار ورداء، ولا يُسمى حلّة حتى يكون ثوبين. الإعراب: يحمون: فعل مضارع من حمى يحمي، الواو: ضمير الفاعلين، والنون: علامة الرفع، بالبيض: الباء فيه للاستعانة، والسمر: الواو هنا عطفت اسما على اسم، والسمر معطوف على المجرور، اللدان: صفة للسمر، والضمير في به يعود إلى الحي، والباء هنا ظرفية بمعنى في، والمعنى يحمون في الحي سود الغدائر، الغدائر: مجرور بالإضافة، وهو منصوب على أنه مفعول به ليحمون، حمر الحلي: صفة لسود، بل صفة ثانية للمحذوف المقدّر، وهو المفعول حقيقة، والحلي: مضاف إليه، وإن شئت جعلته بدل كل من كل، أعني حمر الحلي بدل كل من سود الغدائر، والحلل معطوف على الحلي.

стр. 67

المعنى: هؤلاء الرماة الذين هم من بني ثعل يحمون بالبيض التي هي السيوف، والسمر اللينة، التي هي الرماح أبكارا سود الضفائر، حمر الحلي والبرود، يعني أنّ حليهن من الذهب الأحمر، ولباسهن من الحرير الأحمر. قال أبو الطيب (١): (من البسيط) مَنِ الجَآذِرُ في زِيِّ الأَعاريبِ ... حُمرَ الحُلى وَالمَطايا وَالجَلابيبِ وقال أيضا (٢): (من الطويل) بِكُلِّ فَلاةٍ تُنكِرُ الإِنسَ أَرضُها ... ظَعائِنُ حُمرُ الحَليِ حُمرُ الأَيانِقِ ومن قول الطغرائي أخذ ابن الساعاتي [قوله]: (من البسيط) من الظباء اللواتي لا ذمامَ لها ... من أين يعرفنَ رَعْيَ العهدِ والذمَمِ (٣) بيض الترائب سمر اللحظِ يحجبها ... سودُ الذوائب حُمرُ الحلي والنعمِ ولا شكّ أن اللباس الأحمر / يزيد الحسن رونقا، ويفيده روحنة، ويكسبه رونقا آخر [٣٨ ب] قال أبو حجيفة وهب بن عبد الله السوائي: ما رأيت ذا لمّة سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ، وأما قول الشاعر (٤): (من الطويل) هِجَانٌ عليها حُمْرَةٌ في بياضِها ... تَرُوقُ بهِ العينينِ والحُسْنُ أحمَرُ فإنه عنى به الحسن في حمرة اللون مع البياض دون غيره من الألوان، قال الحريري في درة الغواص: أمَّأ قولهم الحسن أحمر (٥)، فإنّ معناه أنّه [لا يُكتسب] ما فيه الجمال إلاّ بتحمُّل مشقة يحمارُّ منها الوجه، كما قالوا للسنة المجدبة حمراء، وكنّوا عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر، انتهى. قال الشارح: ويحتمل أن يكون المراد بقولهم الموت الأحمر أنه القتل الذي فيه سفك الدم، قلت: وهذا في غاية البعد، بل كلامهم أعمّ من ذلك، فقد قالوا: الفقر هو الموت الأحمر، والسبب فيه قوله ﵇: كاد الفقر أن يكون كُفرا، ومن قول الطغرائي قول أبي الطيب (٦): (من الطويل) دِيارُ اللَواتي دارُهُنَّ عَزيزَةٌ ... بِسمر القَنا يُحمينَ لا بِالتَمائِمِ وقول أبي إسحاق الغزي: (من الوافر) وبوركَ في خيامِ قبيلِ سلمى وفي تلكَ المضاربِ والحِجالِ (٧)

стр. 68

فما أوتادُهُنّ سوى المواضي ولا أطنابَهُنّ سوى العوالي وقال الأرجاني (١): (من الكامل) وقِفا لصائدةِ الرّجال بدَلّها ... وخفا جِنايةَ عينها الحوراء وتَحدَّثا سِرّاً فحولَ قبابها ... سُمرُ الرّماحِ يَمِلنَ للإصغاء وقال السراج الوراق: (من الطويل) من البيضِ تمشي البيضُ حولَ خِبائِها شبيهةُ نومي ليسَ يأوي إلى جَفنِي (٢) غزالةُ أُنْسٍ والرِّماحُ كِناسُها ومن حولِهِ قومٌ يُخالون كالجنِّ لهم غيرة قد ساء بالطَّيفِ ظنُّها فضنُّوا عليها بالكرى خِيفَة الظَّنِ ولله درّ المجنون إذ يقول (٣): (من الطويل) وحقكم لا زرتكم/ في دجنة ... من الليل تخفيني كأني سارق ... [٣٩ أ] ولا زرت إلاّ والسيوف هواتِفٌ ... إليَّ وأطراف الرماح لواحق وبيت الطغرائي فيه من البديع التدبيج، وهو تفعيل من الدَّبج، وهو النقش والتزيين، وأصل الديباج فارسي معرب، والتدبيج في البديع في مدح، أو ذمٍّ، أو وصف، ألفاظ تدل على ألوان مختلفة، كقول ابن حيّوس (٤): (من الخفيف) إِن تُرِد عِلمَ حالِهِم عَن يَقينٍ ... فَالقَهُمْ يوم نائلٍ أو نِزالِ تَلقَ بيضَ الوجوه سودَ مُثارِ الـ ... نَقعِ خُضرَ الأَكنافِ حُمرَ النِصالِ وأخذه ابن النبيه فقصّر عنه في قوله (٥): (من السريع) لَهُ بَنانٌ طافِحٌ بِالنَّدَى ... فَهُنَّ إِمَّا دِيَمٌ أَوْ بِحارْ بِيْضُ الأيادِي خُضْرُ رَوْضِ الرِّضى ... حُمرُ المَواضِي فِي العَجاجِ المُثارْ والطغرائي ذكر في بيته البيض والسمر والسود والحمر، وما أحسن قول القائل (٦): ... (من الكامل) الغصنُ فوقَ الماء تحت شقائقٍ ... مثلُ الأسنة خُضِّبَتْ بدماءِ كالصَّعْدةِ السمراءِ تحتَ الراية الـ ... حمراء فوقَ الَّلأمة الخضراءِ

стр. 69

الحديث المدبَّج عند علماء الحديث هو الذي يروي فيه الأقران بعضهم عن بعض، وهو متقاربون في السن والإسناد، وربما اكتفى الحاكم أبو عبد الله فيه بالتقارب في الإسناد إنْ لم يوجد التقارب في السن، وهو مراتب، ذكرها أهل الحديث، فلا نطيل بذكرها. فسِرْ بنا في ذِمامِ الليلِ مُعْتَسِفَاً ... فنفحةُ الطِيب تَهدِينَا إِلى الحِلَلِ اللغة: الذمام: الحرمة، والاعتساف: افتعال من العسف، وهو الأخذ بغير دليل، نفحة الطيب: رائحة نفح الطيب، تهدينا: ترشدنا، الحلل: جمع حلة [وهي بيوت القوم] (١). الإعراب: الفاء للتعقيب، أي عقب كلامه بأن قال: فسر، أمره بالسير، معتسفا: اسم فاعل، وهو منصوب على الحال، وصاحبها الضمير / المقدر في سر، وهوأنت، [٣٩ ب] والعامل فيها سر، فإن قيل: لأي شيء لم يقل معتسفين لأنهم جماعة، أو مُعتسفَيْن لأنهما اثنان قد شملهما السير، فالجواب أنه أراد أن يقول لصاحبه: تقدم أنت وسِر بنا إماما، واعتسف الأرض، ودعني مشغولا بما أنا فيه من الفكر، وحديث النفس، ولا تخف؛ فنفحة الطيب التي تتضوع من أهل الحي تهديك وتدلك على الطريق إليهم، فنفحة الطيب: الفاء هنا سببية، ونفحة مرفوع على الابتداء، والطيب مجرور بالإضافة، تهدينا: فعل مضارع من هدى يهدي، فهو ثلاثي مفتوح الأول، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء؛ لأنه معتل، لا يظهر فيه الإعراب، إلى الحلل: محله النصب، لتعلقه بتهدينا. المعنى: فسر بنا في ذمام الليل فإنه يسترنا، واعتسف السير، ولا تركب طريقا، ولا تخش الضلال عن طريق الحي، فإن له نفحة طيب من أهله ترشدك إلى الحلة التي هم بها نزول، وهذا معنى لطيف، وتركيب دقيق، وقد جرت علدة الشعراء [بأن يذكروا] (٢) أن مواطن الحبيب وأماكنه تتضوع بأنواع الطيب، وتأرج النسمات بنفحاته العطرية، قال محمد بن عبد الله النميري (٣) في زينب أخت الحجاج بن يوسف الثقفي: (من الطويل) تَضوَّعَ مِسكاً بَطنُ نُعمانَ إِن مَشَت ... بِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطراتِ لَهُ أَرَجٌ مِن مَجمَرِ الهِندِ ساطِعٌ ... تَطلَّعُ رَيَّاهُ مِنَ الكَفراتِ ولمَّا بلغ الحجاج أن النمري تغزل بأخته تهدده، وقال: لولا أن يقول قائل لقطعت لسانه، فهرب إلى اليمن، ثم أنه استجار بعبد الملك بن مروان فأجاره فكتب له الحجاج فأمَّنه (٤) /

стр. 70

واستنشده حتى بلغ قوله: وَلَما رَأَت رَكبَ النَميريِّ أَعرَضَت (١)، قال له: وما كان [٤٠ أ] ركبك؟ قال: أربعة أحمرة، كنت أجلب عليها القطران، وثلاثة أحمرة لصحبي تحمل البعر، فضحك الحجاج، وخلّى سبيله. قال الشارح: وذكرت بقول الطغرائي قول أبي العلاء المعري (٢): (من البسيط) المُوقِدُونَ بنجْدٍ نارَ باديَةٍ ... لا يَحضُرونَ وفَقْدُ العِزّ في الحَضَرِ إذا هَمَى القَطْرُ شَبَتْها عَبيدُهمُ ... تحتَ الغَمائم للسّارين بالقُطُرِ القطر هنا: العود، ومعناه أنّ هؤلاء الممدوحين يوقدون النار في الليل ليهتدي الضيف بها إليهم، فإذا كان الغمام، ونزل القطر، وأطفأ النار، أمروا عبيدهم أن يوقدوها بالطيب؛ ليشم الساري الرائحة؛ ليهتدي إليهم، وهذا معنىً غريب، وقول الطغرائي قول التهامي (٣): (من الكامل) يَترُكنَ حَيثُ حَلَلن وَهي لَطيمَة ... مِمّا نَثرنَ بِهِ العَبيرَ فَطاحا يَهدي ثَراهُ إِلى البِلادِ وَرُبَّما ... حَيَّت بِرَيّاهُ الرِياح رِياحا وقال الأرجاني (٤): (من الخفيف) بَلِّغاني منازلَ الحَيِّ أسألْ ... ها متى فارقَتْ دُماها الغِيدا واستَدِلاّ على الحمى نَشْرَ مِسكٍ ... من مَجَرِّ الحسانِ فيه البرودا والأصل في هذا كله قول أبي الطيب (٥): (من الطويل) ولو أنّ ركْباً يمّموكَ لقادَهم ... نسيمُك حتى يستدِلّ به الرّكْبُ وقال الآخر: (من السريع) إن جاء من يبغي لهم منزلاً ... فقل له يمشي ويستنشق (٦) وقال مسلم بن الوليد (٧): (من الطويل) أَرادوا لِيُخفوا قَبرَهُ عَن عَدُوِّهِ ... فَطيبُ تُرابِ القَبرِ دَلَّ عَلى القَبرِ

стр. 71

فالحِبُّ حيثُ العِدَى والأُسدُ رابضَةٌ ... حَولَ الكِناسِ لها غابٌ مِنَ الأَسَلِ (١) اللغة: الحِب بالكسر: الحبيب، يقال للمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وبالضم / المحبة [٤٠ ب] العِدى بكسر العين: الأعداء، وهو جمع لا نظير له، قال ابن السكّيت: لم يأت فعل من النعوت إلاّ حرف واحد، يقال: هؤلاء قوم عِدىً، وأنشد: (من الطويل) إذا كنت في قوم عدي لست منهم ... فكل ما عُلِفتَ من خبيث وطيّبِ (٢) ويقال: قوم عِدى وعُدى بالضم والكسر، مثل سِوى وسُوى، الأُسد: جمع أسد، ويجمع على أُسْدٍ وأُسود، وأُسْد وآساد، رابضة: باركة، كما تبرك الإبل، حول: يقال: قعد حوله وحواليه، الكناس: موضع الظبي، الغاب: مكان الأسد، الأسل: هنا الرماح. الإعراب: فالحب: مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره مستقر، حيث: ظرف مكان مبني على الضم، وهو في موضع النصب، والعامل فيه مستقر، وقد سدّ مسد الخبر، العدى: مبتدأ، والأسد معطوف عليه، من عطف النسق، رابضة: خبر عن المبتدأ المعطوف، حول: منصوب على الظرفية، لها: جار ومجرور، وهو خبر مقدم، لأن المبتدأ نكرة، وهوغاب، وقوله: لها غاب من الأسل في موضع رفع صفة للأسد. المعنى: حبيبي مكانه حيث الأعادي، والأسود رابضة حول كناسه، وللأسود غاب من الرماح. قال الشارح: ولو كان لي في البيت حكم لقلت: فالحب حيث العِدى كالأسد رابضة؛ لأنه ينتهي إلى أن يقول: حول الكناس لها غاب من الأسل، والأسل هي الرماح (٣) التي أراها في البيت، والرماح مما يختص بالأناسي، لا بالأسود، وأيضا الأسود فما من شأنها الإلف بالناس؛ لتكون حولهم، قال: فإن قلت أراد بالأسود العِدى؛ وذلك لأنهم في الناس كالأسد، فأطلق ذلك عليهم مجازا، فالجواب لايتأتى له ذلك، وهو قد عطف الأسد على العِدى، والعطف يدل على المغايرة، ووصف / المحبوب بأن الأعادي محيطون به، وحولهم [٤١ أ] الأسل أبلغ في المنع والتحصن من الأسد، لأن الإنسان أبلغ في الحرص والاحتراز من الأسد لأنه ذو عقل وتفكر، وإنما الأسد بطشه شديد، وعلى الجملة فإن الطغرائي وصف محبوبه بأته مصون محجب، لا سبيل إلى الوصول إليه والحالة هذه، كما قال [ابن] الخياط الدمشقي (٤): (من الطويل)

стр. 72

وَمُحْتَجِبٍ بَيْنَ الأَسِنَّةِ مُعْرِضٍ ... وَفِي الْقَلْبِ مِنْ إِعْراضِهِ مِثْلُ حُجْبِهِ وقال ابن القيسرلني (١): (من الطويل) وفوق مُرادي من مراد عقائلٍ ... تبيت المذاكي القب سجف قبابها وما أحسن قول ابن خفاجة: (من الطويل) لَقَد جُبتُ دونَ الحَيِّ كُلَّ تَنوفَةٍ ... يَحومُ بِها نَسرُ السَماءِ عَلى (٢) وَكرِ وَخُضتُ ظَلامَ اللَيلِ يَسوَدُّ فَحمُهُ ... وَدُستُ عَرينَ اللَيثِ يَنظُرُ عَن جَمرِ وَجِئتُ دِيارَ الحَيِّ وَاللَيلُ مُطرَفٌ ... مُنَمنَمُ ثَوبِ الأُفقِ بِالأَنجُمِ الزُهرِ أَشيمُ بِها بَرقَ الحَديدِ وَرُبَّما ... عَثَرتُ بِأَطرافِ الثقَّفَةِ ِ السُمرِ فَلَم أَلقَ إِلّا صَعدَةً فَوقَ لامَةٍ ... فَقُلتُ قَضيبٌ قَد أَطَلَّ عَلى نَهرِ وَلا شِمتُ إِلّا غُرَّةً فَوقَ أَشُقر ... فَقُلتُ حَبابٌ يَستَديرُ عَلى خَمرِ فَسِرتُ وَقَلبُ البَرقِ يَخفُقُ غَيرَةً ... هُناكَ وَعَينُ النَجمِ تَنظُرُ عَن شَزرِ وقال (٣): (من الطويل) وَلَيلٍ طَرَقتُ المالِكِيَّةَ تَحتَهُ ... أَجَدَّ عَلى حُكمِ الشَبابِ مَزارا فَخالَطتُ أَطرافَ الأَسِنَّةِ أَنجُماً ... وَدُستُ لِهالاتِ البُدورِ دِيارا واعلم أنّ بيت الطغرائي ذكر فيه أنّ الرقيب ملازم لمحبوبه، ولا شك أنّ ملازمته الرقيب أمر يضني، ومرض يفري الحشا ويفني، والمحبون ابتلوا به قديما، ورعوا به روض المحبة هشيما، وأرى أن الرقيب هو المبتلى، وصاحب السهر والتعب، على أنه ما عشق ولا سلا، وذلك لأن العاشق يجد في الغرام لذة عليه عائدة، والرقيب / ضاع زمانه [٤١ ب] وذاب فؤاده بلا فائدة، ولهذا قال ابن رشيق: (من الطويل) تأَذَّى بِلَحْظي مَنْ أُحِبُّ وَقالَ لي ... أَخافُ منَ الْجُلاَّسِ أَنْ يَفْطِنوا بِنا وَقالَ إِذا كَرَّرْتَ لَحْظَكَ دُونَهُمْ ... إِليَّ فَما يَخْفى دَليلُ مُريبِنا فَقُلْتُ بُلِينا بالرَّقيبِ فَقال ما ... بُلِينا وَلكِنَّ الرَّقيبَ بُلي بِنا وما ألطف قول ابن المعتز (٤): (من الخفيف) وا بَلائي مِن مَحضَري وَمَغيبي ... من َحَبيبٍ مِنّي بَعيدٌ قَريبُ لَم تَرِد ماءَ وَجهِهِ العَينُ إِلّا ... شَرِقَت قَبلَ رَيَّها بِرَقيبِ

стр. 73

وبالغ القائل في ملازمة الرقيب (١): (من الخفيف) أنا والحب ما خلونا ولا طرفةُ ... عينٍ إلا علينا رقيبُ ما اجتمعنا بحيثُ إنْ لم يكن لدهـ ... رِ بأني اقول انتَ الحبيب بل خلونا بقدر ما قلت أنت الح فوافى فقلت كيم الطبيب قال الشارح: وما ترك هذا الشاعر غاية لمن بعده في الظرف، وتذكرت من هذه المادة ما ذكره الحريري في درة الغواص قال: حكى لي أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمداني حين قدم البصرة حاجا في سنة أربع وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم بن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة، فقال: ما الذي بك؟ قال له الصاحب قه، فقال له النديم وه، فاستحسن الصاحب ذلك، وخلع عليه. قيل إنّ بعض الظرفاء سمع امرأة حسناء وقد أتت إلى جانب نهر تقول: يا جارية أين أضع رجلي، فقال: على كتفي، فقالت له، بخفي، فقال لها: رقبة زوجك، فقالت له: [من أين] خرجت: فقال لها: من بيتك، فقالت له: مصفوع، فقال لها: على تهمة بك، فقالت له: وأنت بريء، فانقطع. قال الطغرائي ﵀: نَؤمُّ ناشِئةً بالجزع قد سُقيَتْ ... نِصالُها بمياه الغَنْجِ والكَحَلِ اللغة: نؤم: أي نقصد، ناشئة: مؤنثة ناشئ، الجزع: منعطف الوادي / النِّصال: [٤٢ ب] نصل، وهو نصل السيف والسهم، ويجمع على نصول، مياه: جمع ماء، والغنج: معروف، والكحل: سواد يعلو جفن العين. الإعراب: نؤُمُّ: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، أي نحن، ناشئة: مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف تقديره نؤم فتاة ناشئة، وهذا جائز، نطق القرآن به كثيرا، كقوله تعالى: [ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا] (٢) أي شخصا، بالجزع: موضعه نصب بما في ناشئة من معنى الفعل، والباء هنا ظرفية، قد: حرف توقع، سقيت: فعل مُغيَّر لما لم يسم فاعله، نصالها: مفعوله (٣)،والضمير في موضع جر بالإضافة، بمياه الغنج: متعلق بسقيت، والباء هنا زائدة، كما في قوله تعالى: [وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] (٤) والكحل: معطوف على الغنج، والجملة في قوله قد سقيت إلى آخره في محل نصب على الصفة لناشئة.

стр. 74

المعنى: نقصد فتاة أو فتيات بمنعطف الوادي، ونصالها التي تُحمى بها قد سقيت بمياه الغنج والكحل، وهذا معنى قد أولع الشعراء به، وأكثروا منه، قال أبو الشيص (١): (من الكامل) يَرمينَ أَلباب الرِجالَ بأَسهُم ... قَد راشَهُنَّ الكُحلُ والتَهديبُ وقال ابن سناء الملك (٢) من أبيات: (من الطويل) لها ناظرٌ يا حيرةَ الظبي إِذْ رنا ... به كَحَلٌ ناداه يا خَجلة الكُحل وأَثقلَها الحسنُ الَّذي قد تكاثرَتْ ... ملاحتُه حتَّى تَثَنَّت مِنَ الثِّقل وقال بشار بن برد (٣): (من الوافر) إِذا قامَت لِحاجتٍها تَثَنَّت ... كَأَنَّ عِظامَها مِن خَيزُرانِ والخفة أمر يُطلب في كل شيء يستحسن، أنشد الشيخ علاء الدين الباجي ﵀ لنفسه: (من الوافر) رثى لي عُذَّلي إذ عاينُوني ... وسُحْبُ مَدامعي مثلُ العيونِ (٤) ورامُوا كُحلَ عيني، قلتُ: كفُّوا ... فأصلُ بليَّتي كُحلُ العيون وفي بيت الطغرائي من أنواع البلاغة الكناية، ولا شكّ أنها أبلغ من التصريح، وأوقع في النفوس، ألا ترى أن قولك: بعيدة مهوى القرط أبلغ من قولك طويلة العنق، وامرؤ القيس أبرع الناس في الكناية، كان الناس يقولون أسيلة الخد، حتى جاء فقال أسيلة مجرى الدمع إلى غير ذلك مما اخترعه، وما أحسن قول معين الدين بن لؤلؤ: (من الكامل) لم أنسه إذ قال أين تحلني ... حذراً علي من الخيال الطارق (٥) فأجبته قلبي فقال تعجباً ... أرأيت عمرك ساكناً في خافق وقال آخر (٦): (من مجزوء الكامل) وحللتَ قلباً خافقاً ... يا ساكناً في غير ساكن قد زادَ طيبَ أحاديثِ الكرامِ بها ... ما بالكرائمِ من جُبنٍ ومن بُخُلِ اللغة: أحاديث: جمع حديث على غير قياس، الكرام: جمع كريم، والكرائم: جمع كريمة، الجبن: ضد الشجاعة. وما أحسن قول ابن النقيب: (من الطويل) أَقول وقد شَنّوا إلى الحربِ غارَةً ... دعوني فإني آكل الخبزَ بالجُبنِ (٧)

стр. 75

والبخل: ضد الكرم. الإعراب: طيبَ: مفعول به، أحاديث: مضاف إلى المضاف الثاني، بها: بمعنى عن، وما هنا اسم ناقص بمعنى الذي، وبالكرائم: جار ومجرور، والباء هنا للإلصاق، وهذا الجمع لا يقع على هذه الصيغة إلاّ للمؤنث، وشذّ منه ثلاثة جموع، وهي: فوارس، وهوالك، ونواكس، من جبن: من لبيان الجنس، ومن بخل: معطوف عليه. المعنى: قد زاد طيب الأحاديث من الكرام إذا ما تسامروا، وما يوجد من النساء الكرائم من الجبن والبخل، وهاتان الصفتان محمودتان في النساء، مذمومتان في الرجال؛ لأن المرأة إذا كانت فيها شجاعة ربما كرهت بعلها فأوقعت به فعلاً أدّى إلى /هلاكه، وتمكنت من [٤٣ أ] الخروج من مكانها على ما تراه؛ لأنها لا عقل لها يمنعها مما تحاوله، وإنما يصدها عما يقتضيه عقلها الجبن الذي عندها، والخوف، فإذا لم يكن لها مانع من الجبن، أقدمت على كل قبيح، وتعاطت ما تختاره إقداما منها على ما يأمرها به الشيطان، وقصة شرحبيل بن الخريت مع زوجته مية بنت عمرو بن مسعود مشهورة، ملخصها أنها كانت نائمة إلى جنبه في الفراش، فأقبل أسود سالخ (١) فاتح فاه لينهشه، والسراج يزهر (٢)، فأخذت بحلقه وخنقته إلى أن مات، وتركته تحت الفراش ميتاً، فلما أصبح أبوه وأمه أتيا إليه ليوقظانه، وكانا يفعلان ذلك تعظيما له فأخرجت السالخ إليهما ميتا، فقالا: مَن قتل هذا، فقالت: أنا قتلته، ولو كان أشد من هذا قتلته، فقال أبوه: يا شرحبيل خَلِّ عنها، فهي وأبوها للرجل أقتل، فطلقها مكرها. وإذا كانت المرأة سمحة جادت بما في يدها، فأضر ذلك بحال زوجها، ومتى عُلم منها الجود بما يطلب منها ربما حصل الطمع فيها بأمر آخر وراء ذلك، ولهذا جاء في القرآن العظيم: [لَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ] (٣)، ولأن المرأة ربما جادت بالشيء في غير محله، قال الله تعالى: [وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ] (٤) قيل: النساء والصبيان، وبالجملة فما أحد من العقلاء حمد كرم المرأة، ولا شجاعتها، وما أحسن قول الغزي: (من البسيط) غريرة تخطف الأبصارَ شاخصةً ... من حولها ببروق البيض والأسلِ (٥) تنمى إلى القوم جادوا وهي باخلة والجود في الخود مثل الشّح في الرجلِ تبيتُ نارُ الهَوى منهنَّ في كَبِدٍ ... حرَّى ونار القِرى منهم على القُلَلِ
следующие страницы →