الزواج المؤقت
يقصد بالمتعة الزواج المؤقت الذي تعمل به الشيعة في إيران وقد يعمل به في مناطق أخرى حيثما توجد فيها لو استطاعت إليه سبيلاً وهنا أريد أن أقول: إن الدخول في الجدل الفقهي العقيم الذي مرت عليه قرون عديدة وحفظته بطون الكتب الفقهية والتفاسير وسواها لا فائدة ترتجى من روائه، ولكنني مع كل هذا أود أن أضع صورة مختصرة أمام القراء عن هذا النزاع الفقهي وأُعَرِّج بعد ذلك على الأخطار الهائلة التي تحدق بالشيعة اجتماعياً وأخلاقياً وإنسانياً إذا لم تنبذ هذه الفكرة السيئة من أساسها وأنا أحمّل الفقهاء المسؤولية الأولى والأخيرة في سَوْقِ الشباب من أبناء الشيعة إلى هذا الدرب الشائك المشين وعلى عاتقهم تقع المسؤولية كل المسؤولية.
يقول فقهاء الشيعة - سامحهم الله - إن المتعة كانت مباحة في عهد الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وفي عهد الخليفة " أبي بكر " وفي شطر من عهد الخليفة " عمر بن الخطاب " حتى أن حرمها وأمر المسلمين بالكف عنها وهم يستدلون على ذلك بروايات عديدة رويت في كتب الشيعة وبعض كتب السنة، أما الفرق الإسلامية الأخرى فتقول: إنها كانت عادة جاهلية عمل الناس بها في السنوات الأولى من عصر الرسالة حتى أمر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بتحريمها يوم " خيبر " أو في حجة الوداع شأنها شأن الخمر الذي حُرِّم بعد سنوات من بعثة النبي الكريم ونزلت فيه آيات التحريم.
هذه هي خلاصة النزاع الفقهي والجدل الذي يدور حول المتعة منذ أكثر من ألف عام ومن المؤسف حقاً أن بعض أعلام الشيعة انبرى للدفاع عن الزواج المؤقت وألفوا في ذلك الكتب وهم بذلك فخورون ورافعون الرؤوس ولا أعتقد أنني أحتاج إلى عناء كثير لتوضيح الصورة الحقيقية لهذه البدعة المخلة بالذوق والكرامة ولكنني قبل ذلك أود أن أفنّد النظرية الفقهية التي تقول بالجواز ثم أعرّج على أكثر من ذلك لترى الشيعة فداحة الخطب وعظمة المصيبة.
إن الزواج المؤقت أو المتعة حسب العرف الشيعي وحسبما يجوزه فقهاؤنا هو ليس أكثر من إباحة الجنس بشرط واحد فقط وهو أن لا تكون المرأة في
стр. 107
عصمة رجل وحينئذ يجوز نكاحها بعد أداء صيغة الزواج التي يستطيع الرجل أن يؤديها في كلمتين ولا تحتاج إلى شهود أو إنفاق عليها وللمدة التي يشاؤها مع الاحتفاظ بسلطة مطلقة لنفسه وهو الجمع بين ألف زوجة بالمتعة تحت سقف واحد، إن النظرية الفقهية القائلة بأن المتعة حرمت بأمر من الخليفة " عمر بن الخطاب " يفندها عمل الإمام " علي " الذي أقر التحريم في مدة خلافته ولم يأمر بالجواز وفي العرف الشيعي وحسب رأي فقهائنا عمل الإمام حجة لا سيما عندما يكون مبسوط اليد ويستطيع إظهار الرأي وبيان أوامر الله ونواهيه والإمام " علي " كما نعلم اعتذر عن قبول الخلافة واشترط في قبولها أن يكون له اجتهاده في إدارة الدولة، فإذن إقرار الإمام " علي " للتحريم يعني أنها كانت محرمة منذ عهد الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ولولا ذلك لكان يعارضها ويبين حكم الله فيها وعمل الإمام حجة على الشيعة ولست أدري كيف يستطيع فقهاؤنا أن يضربوا بها عرض الحائط، وكما قلنا قبل قليل سأترك الجدل الفقهي جانباً لنلقي نظرة فاحصة على المتعة من زوايا أخرى بالغة الأهمية ثم أضع الصورة أمام الطبقة المثقفة الواعية المنصفة من أبناء الشيعة الإمامية الذين عليهم أتوكأ في تطبيق التصحيح وفيهم الأمل وعليهم الرجاء في قيادة مسيرة التصحيح والإصلاح، إن الإسلام الذي جاء لتكريم الإنسان كما تقول الآية: ? ولقد كرمنا بني آدم (١) ...... ? ويقول رسول الإسلام: ? إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .... ? هل يقضي بقانون في همن إباحة الجنس والحط من كرامة المرأة ما لا نجده حتى لدى المجتمعات الإباحية في التاريخ القديم والحديث؟ وحتى " لويس الرابع عشر " في فصره بفرساي وسلاطين الأتراك وملوك الفرس في قصورهم لم يجسروا عليها، وبني آدم في
الآية الكريمة يشمل الرجل والمرأة على السواء والأخلاق التي جاء رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ليتم مكارمها للجنسين على السواء، فأين يكون موقع المرأة وكرامتها والاحتفاظ بأخلاقها من قانون المتعة؟ إن موقعها من هذا القانون هو الذل والهوان وشأنها كالسلعة التي يستطيع الرجل أن يكدسها واحدة فوق الأخرى وبلا عد ولا حد، إن المرأة التي شرفها الله أن تكون أماً
стр. 108
تنجب أعظم الرجال والنساء على السواء ومنحها مرتبة لم يمنحها لغيرها حيث جعل الجنة تحت أقدامها كما قال الرسول الكريم?صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: الجنة تحت أقدام الأمهات? هل يليق بها أن تقضي أوقاتها بين أحضان الرجال واحداً بعد الآخر باسم شريعة محمد؟
لقد أراد بعض فقهائنا - سامحهم الله - أن يصوروا المتعة وكأنها فضل من الله حيث شرّع قانوناً شرعياً يمنع الرجل من الوقوع في البغاء ولكن غَرُبَ عن بالهم أن الإسلام ليس دين الرجال فحسب بل أنزل للناس كافة بما فيها النساء وإن القوانين الإلهية والشرائع السماوية لم تنزل لإرضاء شهوات الناس وإشباع غرائزهم تحت غطاء الشرعية والقانون، إن الإسلام جاء ليخرج الناس من إباحية الجاهلية ويقيدهم بالفضيلة والأخلاق لا أن يمنح الجاهلية ومظاهرها قداسة التشريع والقانون الإلهي.
إن الإسلام الذي حرم الجمع بين أكثر من أربعة أزواج وجعل في تعدد الزوجات شرطاً من أقسى الشروط كما تصرح به الآية الكريمة: ? وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة (١) .... ? والعمل بالعدالة بين الأزواج أمر صعب ويكاد يكون عسيراً في بعض الأحيان وقد يتفاد من وضع شرط كهذا هو تقييد الرجل كي لا يسلك طريق التعدد ويسير في وادي الشهوات أكثر مما تقتضيه الطبيعة الإنسانية والحاجة البشرية وتنظيم الأسرة والنسل ومصلحة الأمة ومن هنا جاء التشديد في الكره من الطلاق كما قال رسول الله? صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إن أبغض الحلال عند الله الطلاق ? وقيّد الطلاق بشروط وقيود عسيرة منها حضور شاهدين عادلين حتى يقع الطلاق، إن ديناً سماوياً هذا هو موقفه الصريح والثابت من الزواج وشروطه هل يعقل أن يناقض قانونه هذا بوضع قانون آخر فيه من الإباحية المطلقة ما تزلزل السموات والأرض ويجعل للناس الخيار فيهما؟ وهنا أضع أمام القارئ صورتين للزواج أحدهما متفق عليه عند المسلمين جميعاً بما فيهم الشيعة وهو الزواج الدائم والثاني هو الزواج المؤقت أو المتعة والذي يفتي بجوازه فقهاء الشيعة الإمامية فقط وأطلب من الشيعة أن يقولوا كلمتهم فيه:
стр. 109
شروط الزواج الدائم المتفق عليه لدى المسلمين كافة:
يتم الزواج بين الزوجين بتلفظ صيغ العقد أمام شاهدين.
يجب على الزوج نفقة الزوجة بما فيها المسكن والملبس.
لا يجوز للرجل أن يجمع أكثر من أربعة أزواج وبشروط صعبة.
الزوجة ترث الزوج في حالة الوفاة.
موافقة الأب شرط في صحة زواج الباكر.
مدة الزواج الدائم ديمومة الزوجين على قيد الحياة.
شروط الفسخ:
يقع الطلاق بحضور شاهدين عدلين وبتلفظ صيغة الطلاق.
عدة الطلاق بالنسبة للمرأة ثلاثة شهور وعشرة أيام.
الطلاق لا يقع إذا كانت المرأة في حالة قرء.
يجب على الزوج نفقة الزوجة المطلقة في مدة عدتها.
الزواج المؤقت المتفق عليه عند الشيعة الإمامية فقط:
يتم الزواج بتلفظ صيغة العقد بدون شاهد.
الرجل في حل من نفقة الزوجة.
يجوز للرجل الجمع بين أعداد لا تحصى وبلا شرط.
الزوجة لا ترث الزوج.
موافقة الأب ليس شرطاً في كل الأحوال.
مدة الزواج المؤقت قد تكون لربع ساعة وقد تكون ليوم وقد تكون لتسعين عاماً وحسب ما يقترحه الرجل وتقبله المرأة.
شروط الفسخ:
يقع الطلاق واسمه فسخ العقد بدون حضور شاهدين وبكلمة فسخت أو وهبت المدة.
عدة فسخ المدة بالنسبة للمرأة هو عدة الجارية بعد عتقها أي نصف عدة الحرة.
الفسخ يقع في كل الأحوال.
الرجل في حِلٍّ من نفقة الزوجة في عدة الفسخ.
стр. 110
إن نظرة فاحصة على هذا الجدول الذي رسمناه تغنينا عن الإسهاب في المتعة من المفاسد والمخاطر الاجتماعية وأعتقد جازماً أن نداء التصحيح سيجمع حوله من أبناء الشيعة كل من كان له قلب أو عقل يستطيع أن يدرك بهما فداحة الخطب والهوان والسخرية في أمر هو أظهر من ظهور الشمس في منتصف النهار.
التصحيح
المسألة هنا أخطر بكثير من التصحيح إنها حالة مذهلة من السوء دخلت إلى الفكر الشيعي وحتى الروايات التي تقول بالحلية سواء أن ذكرتها كتب الشيعة أو غيرها وحتى التي تقول إنها كانت مباحة حتى أن حرمها الخليفة " عمر بن الخطاب " أعتبرها كلها روايات تشوه صورة الإسلام المضيئة، وقد أدركت الفرق الإسلامية الأخرى خطورة الفكرة ومفاسدها الاجتماعية والأخلاقية الكبيرة فوقفت منها موقفاً يتسم بالحق والعدل والفضيلة، أما فقهاؤنا فلم يدركوا خطورة الفكرة أو أدركوها ولكن حرصاً منهما على مخالفة جمهور المسلمين التي وضعت في فضلها رواية نسبت إلى الإمام " الصادق " زوراً وبهتاناً والتي تقول: ? الرشد في خلافهم ? أي الرشد في خلاف رأي السنة والجماعة أحلوا المتعة اللعينة المقيتة وأجازوها، وإضافة إلى هذه العقدة المستعصية لدى فقهائنا في استنتاجاتهم الفقهية فإن فكرة الزواج المؤقت على ما يبدو لي استخدمت في حث الشيعة ولا سيما الشباب منهم للالتفاف حول المذهب لما فيها من امتيازات خاصة لا تقرها المذاهب الإسلامية الأخرى، ولا شك أن الإغراء الجنسي المباح باسم الدين يستقطب الشباب وأصحاب النفوس الضعيفة في كل عصر ومصر، ولذلك فإني أستغرب أبداً عندما أقرأ في كتب رواياتنا روايات تنسب إلى أئمتنا في فضل المتعة وثوابها وحث الناس على العمل بها وموقفي من هذه الروايات واضح وصريح أشرت إليه في مواطن عديدة من الكتاب.
وهمنا كله يتجه إلى خلاص الأمة الشيعية منها بإذن الله وإرادته وإنني عندما أكتب هذه السطور لا ينتابني اليأس ولو للحظة واحدة بالنسبة لمستقبل الشيعة وموقفها من التصحيح والركون المطلق إلى مبادئه،
стр. 111
نعم قد يلاقي التصحيح صعوبات في بادئ الأمر ولكن كلمة الحق تشق طريقها في آخر الأمر وان التفاف الطبقة الواعية المثقفة التي تستطيع أن تجرد نفسها من الرواسب الفكرية التي لقنتها بها الآباء والأمهات والفقهاء والمشايخ يكون خير ضمان لمستقبل الشيعة في العالم، وأعود مرةً أخرى إلى الزواج المؤقت وأسأل الفقهاء الذين يفتون بجواز المتعة واستحباب العمل بها هل إنهم يرضون شيئاً كهذا بالنسبة لبناتهم وأخواتهم وقريباتهم أم أنهم إذا سمعوها اسوَدَّت وجوههم وانتفخت أوداجهم ولم يكظموا لذلك غيظاً؟
لقد أراد العالم الكبير السيد " محسن الأمين العاملي " أن يدافع عن كلام قريب لما ذهبت إليه بقوله: ? إذا كانت المتعة مباحاً فلا يلزم أن يفعلها كل أحد فكم من مباح ترك تنزهاً ترفعاً. (١). ?
ولكنني أقول: إن من الواضح أن المسألة ليست بهذه الصورة أي الذين لا يرتضونها لبناتهم وأخواتهم وقريباتهم ليس في حدود التنزه والترفع بل لأنهم يرون فيها أمراً مهيناً مشيناً يتنافى وكرامة العائلة وشرف الأسرة وقد تسيل الدماء في بعض المناطق الشيعية إذا ما سأل المرء شيئاً كهذا من فقيه هو سيد قومه وحتى في إيران حيث تكون العملية جارية في بعض مدنها توجد مناطق لا يستطيع المرء أن ينبس بكلمة حول المتعة، أما في غير إيران ولا سيما في البلاد العربية التي تقطنها الشيعة فالحديث عن المتعة مهلك ويؤدي إلى إسالة الدماء ولست أدري تفاصيل الأمر في " باكستان " و " الهند " و " أفريقيا " ولكن في كل هذه المناطق لا يغير الفقيه فتواه فهو يجوزها إذا ما سئل عنها ولكنه يخضع للبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها فتثور ثورته ويقيم الدنيا ويقعدها إذا ما طلب منه يد ابنته بالزواج المؤقت وهكذا نرى بوضوح إن المسؤولية الأولى والأخيرة في العمل بهذا الأمر المقيت تقع على عاتق الذي أباحوا أعراض المسلمات ولكنهم أحصنوا أعراضهم وأهدروا شرف المؤمنات ولكنهم صانوا شرف بناتهم وفي كل هذا عبرة لمن كان له قلب.
стр. 112
السجود على التربة الحسينية
السجدة على التربة الحسينية ظهرت في العصر الثاني من الصراع بين الشيعة والتشيع ثم امتدت نحو آفاقٍ أوسع عمت الشيعة جميعاً.
стр. 113
السجود على التربة الحسينية
قلما يوجد بيت للشيعة لا توجد فيه التربة التي تسجد عليها الشيعة في صلواتها وهي من تراب " كربلاء " المدينة التي استشهد " الحسين " فيها ورفاته الطاهرة مدفونة فيها، وإنني اعلم ما يقوله فقهاؤنا حول السجود على التربة الحسينية حيث فرقوا بين ما يسجد له وما يسجد عليه وإن السجود على التربة ليس سجوداً لها بل سجوداً عليها لأن السجدة في المذهب الشيعي لا يجوز أن تكون إلا على التراب ومشتقاته ولا يجوز السجدة على الملبوس والمخيوط والمأكول إن السجود على التربة الحسينية كما نعرفها بل يعرفها الشيعة أنفسهم لا تتوقف عند هذا الحد الفقهي او أنه سجود على التراب وحسب بل المسألة أبعد من ذلك بكثير فكثير من الذين يسجدون على التربة يقبلونها ويتبركون بها وفي بعض الأحيان يأكلون قليلاً من تربة " كربلاء " للشفاء في حين أن أكل التراب حرام في الفقه الشيعي ثم إنهم صنعوا من التراب هيئات مختلفة يحملونها في جيوبهم وينقلونها معهم في أسفارهم ويعاملونها معاملة تقديس وتكريم، وحتى كتابة هذه السطور هناك ملايين من الشيعة في شرق الأرض وغربها تلتزم بالسجود على تربة " كربلاء " ومساجدها مليئة بها ويعملون بالتقية عندما يقيمون الصلاة في مساجد الفرق الإسلامية الأخرى حيث يخفونها ولا يظهرونها خوفاً من اعتراض غيرهم عليها، وقد التبس الأمر على كثير من غير الشيعة فظنوا أن هذه التربة أصنام تسجد الشيعة عليها وقد كادت الفتن تحدث في مساجد بلاد لم تعرف شيئاً عن التربة الحسينية ومظاهرها ولست أدري متى دخلت هذه البدعة في صفوف الشيعة فالرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ما سجد قط على تربة " كربلاء " وتقديس التراب لم يكن شيئاً مألوفاً عند المسلمين، ومن الجائز أن هذه الظاهرة أخذت في التوسع منذ عهد الصفويين وعندما أخذت القوافل تزور " كربلاء " في مراسيم خاصة وتعود محملة بآثار من قبر الإمام " الحسين " وهناك بدعة أخرى أضيفت إلى استعمال
التربة تتجاوز البدع الأخرى إنها
стр. 114
فتوى الفقهاء بجواز إقامة الصلاة التمام للمسافرين بدلاً من القصر عندما يكونوا في الحائر الحسيني بخمسة عشر ذراعاً حول القبر، ومن المجمع عليه عند فقهائنا أن الواجب على المسافر هو إتيان الصلاة قصراً ولكنهم استثنوا الحائر الحسيني من هذه القاعدة ولست أدري كيف استطاع فقهاؤنا - سامحهم الله - الاجتهاد في أمر لم يكن لموضوعه ومحموله أثر في عهد الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وبعد أن أكملت الشريعة الإسلامية وتوفي الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وانقطع الوحي فيا ترى أن الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أجاز للمسافر الخيار بين القصر والإتمام في حائر الحسين قبل أن يكون هناك شيء بهذا الاسم أم أن قانوناً إلهياً شرع لموضوع لم يكن له أثر في وقته؟ نعم إن هناك روايات تنسب إلى أئمة الشيعة تقول بمثل هذا الخيار للمسافر وعلى تلك الروايات بنى فقهاؤنا فتاواهم التي أفتوا بها.
وقد تعني هذه الفكرة الخطيرة أن الإمام عند فقهائنا يكون مصدر التشريع لا كما كان المتشيعون لأهل البيت يعتقدون في الأئمة قبل ظهور الصراع بين الشيعة والتشيع وعندما كان التشيع يعني أ، أئمة أهل البيت أدرى بأحكام الإسلام من غيرهم لأن في بيتهم نزل الكتاب كما أشرنا إليه أكثر من مرةٍ ومن المؤسف حقاً أن وجود فكرةٍ كهذه تخالج قلوب كثير من فقهائنا وإن لم يبيحوا بها وإلا فماذا يعني الفتوى بجواز الخيار لمسافر بين القصر والإتمام في صلواته عندما يكون في حائر الحسين؟ وعلى أي أساس أو قاعدة شرعية امتاز الحسيني بهذا الامتياز ونزل فيه حكم إلهي وسماوي قبل وجود الحائر بنصف قرن؟
ومرةً أخرى نكرر القول بأن الطريق الوحيد للخلاص من هذا التخلف الفكري العميق الذي أحاط بنا قروناً ويحيط بنا من كل جانب حتى يومنا هذا هو غربلة كتبنا من أمثال هذه الروايات التي تنسب إلى أئمةٍ هداةٍ مهديين هم منها براء، وهكذا غربلة الفقهاء أنفسهم فكثير منهم وراء هذه البدع وتنميتها فالأئمة لم يستحدثوا قوانيناً من عندهم وأحكاماً لم يكن لها أثر في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ولك يدّعوا قط شيئاً كهذا بل كل ما امتازوا به أنهم أعرف بكتاب الله وسنة جدهم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وتلقوا العلم في بيت الرسالة ومهبط الوحي وأخذوا أحكام الشريعة كابراً عن كابر.
стр. 115
التصحيح
إذا كانت الشيعة تلتزم بالقاعدة الفقهية التي تبناها فقهاؤنا في السجود على مطلق التراب ومشتقاته وكان فقهاؤنا أيضاً يلتزمون بهذه الفتوى لم يكن الخطب فادحاً وكانت الفرق الإسلامية الأخرى تنظر إلى هذا الرأي بعين الاحترام والقبول، غير أن الشيعة جرياً على عمل فقهائنا تجاوزت هذه القاعدة الفقهية واتخذت منها ديدناً خاصاً وهو السجود على تراب موضع خاص وهو " كربلاء " وصنعت من ترابها أشكالاً مختلفة مطولة ومربعة ودائرية تحملها معها في السفر والحضر على السواء لتسجد عليها كلما حان وقت الصلاة، ولقد تعودت الشيعة أن تخفي التربة عندما تصلي في مساجد الفرق الإسلامية الأخرى عملاً بالتقية أو خوفاً من حدوث بلبلة حولها أو خجلاً من الأكثرية التي تنظر إلى هذا الأمر بنظرات الاستغراب والسخرية، إنه حقاً مدعاة للحزن والألم والأسف أن تنزل الشيعة نفسها إلى هذه الدرجة من التدني لالتزامها بعمل ما أنزل الله به من سلطان فلم يكن شيئاً أكثر مقتاً عند الله من هذه الازدواجية في عبادتهن فإذا كانت الشيعة ترى نفسها على حق في السجود على تربة " كربلاء " فلماذا تخشى من الجهر بها أمام إخوانٍ في الدين يجمعهم كتاب واحد ونبي واحد وقبلة واحدة وصلاة واحدة؟ وإن كانت على غير حق فلماذا هذا الإصرار عليه ولماذا ينتابها الخجل والوجل منه؟ وكما قلنا فإن الدور الكبير لظهور هذه الظاهرة الشاذة يعود إلى الفقهاء وأعلام المذهب الذين عودوا الشيعة عليها وهم عليها سائرون حتى كتابة هذه السطور والحركة التصحيحية التي ننادي بها لا تعني أننا نحث الشيعة على عدم السجود على التراب فرسول الله يقول: ? جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ? ورسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان يسجد على التراب في مسجده بالمدينة ولكننا نود القول: إن تفضيل أ ﴿ض على أ ﴿ض حتى إذا ثبت في الشرع لا يعني الالتزام بالسجود على تلك الأرض وإلا لكان المسلمون يحملون معهم تراب مكة والمدينة والقدس ليسجدوا عليها.
стр. 116
إن على الشيعة أن تكسر طوق التبعية الفكرية في أمور فرضت عليها وهي ترى بطلانها كما ترى الشمس حتى تنضم إلى الصف الإسلامي العريض دخولاً متكافئاً رافعة الرأس قوية الحجة لا دخولاً فيه ذل التقية والازدواجية في الشخصية وغمض العين عن الكرامة في سبيل بدع هي أعرف بها من غيرها، وأعود مرةً أخرى وأقول: نحن لا نطلب من الشيعة في صحة السجود على الأرض ومشتقاتها مثل الخشب والحصى والخيزران فلتسجد على ما يصح السجود عليه من بين هذه الأشياء وبذلك تقتدي برسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وبالإمام " علي " والأئمة الذين لم يسجدوا قط على شيء اسمه تربة " كربلاء " وتترك هذا الالتزام الذي يتضمن كل أبعاد الفرقة والبدعة على السواء، وإنني لا أشك أن الفرق الإسلامية الأخرى إذا ما علمت بهذه النظرية الفقهية التي منشؤها الاجتهاد فإنها قد تضمن مسجداً يتلاءم مع التزام الشيعة في مساجدها وقد توفر لهم الحصير أو ما شابهها من مشتقات الأرض والأشجار وذلك لرفع الحرج عن إخوانٍ لهم في الدين.
стр. 117
الإرهاب
الشيعة هي الطائفة الإسلامية الوحيدة التي سلمت نفسها إلى زعاماتها المذهبية بلا قيد ولا شرط كي تركلها بأقدامها في ساحات الوغى مرةً وساحات الغيلة والإرهاب مرةً أخرى.
стр. 118
الإرهاب
لقد استغلت القيادات المذهبية الشيعة المسكينة عبر التاريخ فصنعت منها طائفة تعصف بها رياح البدع من كل جانب مستغلة سذاجتها وإيمانها بمراجعها الدينيين وحتى هذه اللحظة فالشيعة هي الطائفة الإسلامية الوحيدة التي سلمت نفسها بلا قيد وشرط وحدود وقيود وسؤال وجواب إلى قياداتها المذهبية كي تركلها بأقدامها في ساحات الوغى تارةً وساحات الإرهاب والغيلة تارةً أخرى، ولذلك أخذ المجتمع الإنساني في هذه السنوات الأخيرة ينظر إلى المذهب الشيعي وكأنه المذهب الذي يأمر أتباعه بشن الحروب وبالإرهاب والاغتيال وكثيراً ما كانت الأخبار التي تنشر حول الشيعة في الصحف وأجهزة الإعلام العالمية تتجاوز الطائفة وتلحق بسمعة الإسٍلام ضرراً بالغاً لعم تمييز المجتمع الإنساني بين الشيعة وسواها من الفرق الإسلامية الأخرى فكان الإرهاب الذي يمارس يحسب على الإسلام ويعم المسلمين جميعاً.
إن تاريخ الغيلة والإرهاب يعود إلى قرون خلت وليس بجديد في تاريخنا المعاصر ولكن ظهوره في بلاد الشيعة وباسم الشيعة يعود إلى مئة عام أو أقل منها بقليل ولكن المؤسف والمحزن أن الغيلة منذ ظهورها في العالم الشيعي والإرهاب الذي أضيف إليه في السنوات الأخيرة كلها كانت باسم المذهب ووراءها فقهاء أعلام ومجتهدون عظام فقد اغتال " ميرزا رضا الكرماني " الشاه " ناصر الدين " في عام ١٣١١ هجري وبأمر من أستاذه السيد " جمال الدين الأفغاني " ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا شهدت إيران بصفة خاصة اغتيالات مذهبية وإرهاباً متقطعاً حسب الظروف السياسية والأحوال وكان وراءها مجتهدون وفقهاء، ولكن الجدير بالعبرة أن العدالة الإلهية تجسدت في هذه الدنيا لكي تعطي درساً لأولئك الذين غرسوا هذه الفكرة في النفوس باسم الدين فقد انقلب الإرهاب على الذين كانوا وراءه وبالاً ليس مثله وبال حيث مارس أعداء الفقهاء الطريقة نفسها في المواجهة معهم فاغتالوا من علماء المذهب وفقهاءه في غضون ست سنوات من عمر الزمان (١٤٠٠ - ١٤٠٦) هجري عدداً يتجاوز
стр. 119
أضعافاً مضاعفة من الذين راحوا ضحية الغيلة والإرهاب والفتوى الدينية طيلة مئة عام، وهكذا انقلب الإرهاب وبالاً على الذين كانوا وراءه وجعل حياتهم جحيماً لا تطاق حدث كل هذا بعد أن استلم السلطة في إيران فقهاء المذهب الذين باركوا الإرهاب وكانوا دعامته.
ولكي أضع النقاط على الحروف أود القول بصراحة: إنني عندما رأيت الطوابع البريدية الجديدة التي أصدرتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعليها صور الإرهابيين مثل " ميرزا الكرماني " و " مجتبى نواب صفوي " زعيم جماعة ?فدائيان. إسلام? التي اغتالت عدداً من رؤساء الوزارات وغيرهم بفتوى أحد المجتهدين ندبت حظ الشيعة الإمامية وحتى حظ الدولة التي تتظاهر بالتشيع وترى نفسها حامي حماها، وهنا أود أن أعلن بصراحة وبلا خوف ولا وجل أن كتابنا هذا ليس كتاباً سياسياً وليس الغرض منه المواجهة مع أية دولة أو جهة سياسية ولا المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو النظام الحاكم فيها، ولذلك أقول وأشهد الله أنني لم أقصد من هذه الرسالة إلا الإصلاح في العقيدة الشيعية المحدثة والمستحدثة على السواء ولذلك تجنبت الدخول في المواجهة مع الأسماء والأشخاص ولكن الضرورة في بعض الأحيان تملي عليَّ أن أقول كلمة الحق والنصيحة وأوجهها حتى إلى دولة أو حكومة قد تستجيب لنداء الإصلاح وقد لا تستجيب ولكن كلمة الحق يجب أن توجه للجميع وكما قال الرسول الكريم: ?الساكت عن الحق شيطان أخرس? فيا ترى كيف تستطيع دولة أن تكسب الاحترام الدولي والثقة العالمية وتحترمها الشعوب الآمنة الحرة وهي تتظاهر بأنها دولة عقائدية اتخذت المذهب الشيعي شعاراً لها وهي تفتخر بالإرهابيين وتتخذ صورهم رمزاً لنظامها؟ ثم قد تكون وطأة هذا الشعار شديدة على الملايين من الشيعة في العالم وهي لا ترتبط بتلك الدولة ولا تؤمن بنظامها أو سياستها وكيف تستطيع الشيعة أن تدافع عن عقيدتها وتنفي عنها الإرهاب عندما تكون الدولة الناطقة باسمها اتخذت الإرهاب شعاراً لها؟
стр. 120
وأرجو أن يسمع كلامي هذا الحاكمون في إيران ويعلموا جيداً أن نفوس الشيعة في إيران لا تشكل إلا ثلث الشيعة في العالم والبقية الباقية منتشرة في أرجاء الأرض الفسيحة ولكل فئة منهم هويتهم وجنسيتهم ولغتهم وإن الدولة الشيعية الإيرانية لا ولن تستطيع أن تتحدث باسم الشيعة جميعاً بل وحتى باسم الشيعة في إيران، فلذلك يجب عليها أن لا تقوم بأعمال تسيء إلى سمعة الأكثرية من هذه الطائفة كما فعلت حتى الآن وأن تلطخ سمعتها أكثر مما فعلت، وندائي للحاكمين في إيران أن لا يسيئوا إلى الشيعة أكثر مما أساؤوا إليها فقد كفي الشيعة ذلاً.
ورجائي من الشيعة أن ينبروا للدفاع عن أنفسهم وكرامتهم أمام المجتمع البشري ويعلنوا براءتهم من الإرهاب الذي تمارسه عناصر على الأبرياء باسمها، وتارةً أحدث نفسي وأقول: أليست الفكرة الإرهابية التي ظهرت منذ مئة عام في إيران وباركها بعض فقهائنا هي من بقايا (قلعة الموت) التي اتخذها " حسن الصباح " في القرن السادس الهجري مقراً لنشر المذهب الإسماعيلي بالقوة تارةً وبالحشيش ومشتقاتها تارةً أخرى؟ وإنها امتداد للفرق الاغتيالية التي كانت تجوب البلاد الإسلامية لاغتيال أعداء الإسماعيليين، وكلنا نعلم أن الوزير " نظام الملك " قتل بطعنة إرهابي من تلك الجماعة وبأمر مباشر من رئيسها " حسن الصباح " وهناك وجه شبه كبير بين المقدمات والنتائج التي اتبعتها الفرق الاغتيالية الصباحية والفرق الاغتيالية المتطرفة عند بعض الشيعة، وهنا أخاطب الشيعة مرةً أخرى وأقول لهم: إذا كانت الهلوسة الصباحية وما رافقها من أعمال قام بها الحشاشون من جماعته في منتصف القرن السادس الهجري قد أحدثت في العالم الإسلامي فساداً ونكراً فإنها أيضاً قصص مفجعة تعود إلى استغلال فئة جهل السذج من الناس بالإسلام ومبادئه أما في عصر القفزات الكبرى نحو العلم ووضوح المفاهيم الإسلامية العليا للجميع فإن الحجة قائمة على الشيعة كي تسلك طريق الحق والعقل وأن لا تأتمر بأوامر فيها سخط الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
إذا كان الإرهاب حسناً فلماذا لا يرتضيه المخططون لأنفسهم ولذويهم؟ وعندما ينكشف أمره يتبرؤون منه والإسلام بريء من الإرهاب وتعاليم
стр. 121
الإسلام تناقضه فإذا كان للإرهابيين ولمن وراءهم أطماع سياسية يريدون تنفيذها فعليهم أن لا يستغلوا اسم الدين والمذهب وتكون لديهم الشجاعة الكافية لكي يتحملوا وزر أعمالهم لا أن يحملوها لمذهبهم ولدينهم.
التصحيح
لقد وضع القرآن الكريم دستوره الأبدي في حرمة الإرهاب بكل أشكاله وصوره ولا سيما عندما يؤخذ البريء مكان المذنب وقال: ?ولا تزر وازرة وزر أخرى (١) .... ? إن هذه الجملة البليغة تعطي نوراً وإشراقاً لكل من يتخذ القرآن له إماماً وهادياً، وإذا ما نظرنا إلى سيرة أئمة الشيعة وعملهم نرى أنهم كانوا أبعد الناس عن الإرهاب وأكثرهم مقتاً له، وهذا هو الإمام " الحسين " يخاطب الفئة التي هجمت على خيام حرمه وأهل بيته في يوم عاشوراء بكلام لم ينساه التاريخ فقد قال لهم: ?يا شيعة أبي سفيان إن لم يكن لكم دين ولن تخافوا المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم إن النسوة ليس عليهن جناح .. ? وهكذا وضع الإمام " الحسين " - وهو سيد الشهداء والإمام الذي اشتهرت الشيعة بالحب الجارف نحوه - الخط الفاصل بين الشجاعة والجبن وبين الكرامة الإنسانية التي فيها رضا الله والعمل المقيت الذي فيه سخط الله وبهذه العبارات البليغات الصريحات أمر " الحسين " المسلمين سواء كانوا من شيعته أو شيعة غيره أن يسلكوا طريق الكرامة حتى في معاملة الأعداء وأسرى الحرب وأن لا يسيئوا إلى الأطفال والنساء حتى وإن كانوا هم في حالة حرب مع رجالهم، وهذا هو " مسلم بن عقيل " سفير " الحسين " إلى أهل " الكوفة " يأبى من قتل " عبيد الله بن زياد " غيلة وذلك بعد أن هيأ له " هانئ بن عروة " الفرصة وقال: (نحن أهل بيت لا نغدر) و " عبيد الله بن زياد " قدم إلى الكوفة بعد أن بايع أهلها " مسلم بن عقيل " كسفير "
стр. 122
للحسين " ولكنهم خذلوه وانضموا إلى الوالي الجديد ولم يبق لمسلم أم يقاتل حتى يقتل أو يغتال " ابن زياد " ويعود إلى السلطة من جديد ولكنه رفض أن يقوم بعمل لا تقره الكرامة والرجولة حتى وإن كان في ذلك مصرعه وخيبة المهمة التي أنيطت به، وهكذا نرى أن النتائج مهما كانت لها من الأهمية فلا تبررها مقدمات دنيئة مثل الغيلة والغدر في دستور الإسلام الخالد وفي عرف أهل بيت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -
ولنستشهد مرةً أخرى بعمل الإمام " علي " والذي تقول الشيعة إناه تقتدي به ويعتقد بعض فقهائنا ولا سيما أولئك الذين يرون أنفسهم من أنصار الإرهاب بأن عمل الإمام حجة ونقول لهم: إن الإمام نهى أصحابه عن القيام بأي عمل يتنافى مع الكرامة الإنسانية حتى أنه أمر برفع الحواجز التي وضعها جيشه على نهر الفرات في حرب " صفين " لمنع جيش " الشام " من الحصول على الماء ونهى عسكره من القيام بأي عمل يتنافى مع السيرة المتبعة في الحروب بين الرجال، وعندما قتل الثائرون الخليفة " عثمان ابن عفان " وعلم الإمام بذلك لطم " الحسنين " على خدهما لعدم منعهما الثائرين من التقرب إلى الخليفة المقتول وكما نعلم كان " للحسنين " مقام عظيم عند الإمام " علي " عبر عنه في إحدى حروبه وعندما كانا يتقدمان صفوف المحاربين بقوله: ?املكوا عني الغلامين فإني أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول الله? وعندما نلقي نظرة فاحصة على عصر الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - نعلم علم اليقين أن الإرهاب لم يكن معروفاً لديهم وعندما هدّد " أبو لؤلؤة " الخليفة " عمر بن الخطاب " بقوله: (سأصنع لك رحى تحدث عنها العرب) قال الخليفة: ?هددني ابن المجوسية? ولكنه لم يفعل شيئاً بالنسبة إليه ولم يأمر بحجزه أو إبعاده، ولهذا يمكن القول: إن فكرة الاغتيالات لم تكن تراود نفوس المسلمين في عصر الرسالة والخلفاء الراشدين ولم تكن معروفة لديهم ولذلك لم ينظر المسلمون
стр. 123
إليها بنظرة الجد والحزم، وبعد اغتيال الخليفة " عمر بن الخطاب " على يد " أبو لؤلؤة " لم يأخذ سلفه " عثمان وعلي " الحذر مما أصاب الخليفة فكان قتل الخليفة " عثمان " أشبه ما يكون بالغيلة والإمام " عليا " قتل على يد خارجيّ اسمه " ابن ملجم " وفي أثناء صلاة الصبح ولقد قيل له أكثر من مرة أن يأخذ حذره من الخوارج ولكنه كان يرفض ذلك بقوله: ?كفى بالموت حارساً? ولذلك نستطيع القول
بعد كل هذا: إن البيئة الإسلامية الصحيحة كانت ترفض أن تنسب إليها شيئاً باسم الغيلة والإرهاب ولذلك لم يعط لعمل كهذا شرعية الوقاية منه بل نظرت إليها كحركة إجرامية عابرة والإسلام منها براء والمسلمون في مقت منه وإنها أعمال لا يقوم بها إلا أناس على شاكلة " أبو لؤلؤة " المجوسي و " ابن ملجم " الخارجي وأمثالهما نادر وقليل.
وأعود مرةً أخرى إلى الإرهاب وأقول: إن العمال الإرهابية وراءها مخططون يعرفون النفسية القلقة التي يتصف بها المتطوعون للعمل الإرهابي فهم يستغلون تلك النفوس ويمنونهم بحور عين وكأس من معين مضافاً إليهما دروساً في الشجاعة والبطولات والتخليد في التاريخ وأخذ الثأر وهكذا يرسلون ضحاياهم إلى حيث العمل الإرهابي وهم يجلسون بعيداً عن حلبة الصراع ليقطفوا ثمار النتائج التي يرومون إليها فهم يقضون أوقاتهم في القلاع الحصينة الآمنة وأتباعهم في ساحات الانتحار ينفذون إنزال الدمار بالأبرياء والممتلكات باسم الله ورسوله والإمام " علي ".
стр. 124
صلاة الجمعة
أعتقد جازماً أن فقهاءنا اجتهدوا أمام النص الصريح بسبب واحد ألا وهو إيجاد الفرقة في الصف الإسلامي الكبير وحمل الشيعة على عدم التلاحم مع الفرق الإسلامية الأخرى في صلاة يوم الجمعة.
стр. 125
صلاة الجمعة
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (١) ?
بهذا النص الصريح القاطع شرَّع الإسلام صلاة الجمعة وفرضها على كل من يؤمن بالله ورسوله وكتابه، غير أن الأكثرية من فقهاء الشيعة - سامحهم الله - اجتهدوا أمام النص الصريح وقالوا بالخيار بين صلاة الظهر والجمعة، وأضافوا أن شرط إقامة الجمعة إنما هو حضور الإمام الذي هو الإمام " المهدي " ففي عصر الغيبة تسقط الجمعة من الوجوب العيني ويكون للمسلمين الخيار في الإتيان بها أو بصلاة الظهر، وقالت فئةٌ أخرى من فقهائنا: إن صلاة الجمعة حرام في عصر الغيبة ويقوم مقامها صلاة الظهر وهناك قلة من فقهائنا وبعضهم في القمة مثل الشيخ " حر العاملي " صاحب كتاب " وسائل الشيعة " الذي أفتى بوجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة، ولا أريد أن أدخل أيضاً في جدل فقهي عقيم لم يحل منذ ألف عام عند فقهاء المسلمين ولن يحل إذا ما أردنا أن نتحدث بلغة الروايات التي يستند عليها فقهاء الشيعة، إن كل ما قيل ويقال في إسقاط صلاة الجمعة في عهد غيبة الإمام يصطدم بنص صريح لا اجتهاد فيه وذلك إذا كنا ملتزمين بدستور الإسلام فنحن أمام دستور ثابت وصريح وواضح لم يكن مقيداً بقيود أو مشروطاً بشروط، ولست أدري كيف استطاع فقهاؤنا أن يجتهدوا في نص قرآنيّ بليغ وواضح بالاستناد إلى روايات نسبت إلى أئمة الشيعة، وموقفي من هذه الروايات كلها الموقف نفسه بالنسبة لكل الروايات الموضوعة فأنا لا أشك أبداً بأن كثيراً من تلك الروايات وضعت في العصر الأول من الصراع بين الشيعة والتشيع وذلك كي يمنع الشيعة من الحضور في صلوات الجمعة التي هي في حقيقتها تظاهرة إسلامية كبرى وعدم الاختلاط بسائر الفرق الإسلامية والمشاركة معها في شعار الإسلام العظيم.
стр. 126
وهناك دليل واضح لما ذهبت إليه من الرأي قد خفي على كل أولئك الذين كتبوا في صلاة الجمعة وأرخوها وهو أن ملوك الصفويين الذين كانوا حماة التشيع في إيران وكثير من البدع التي ألصقت بالتشيع إنما ألصقت به بمباركتهم وسياستهم كانوا من أشد أنصار صلاة الجمعة وأكبر المساجد الإيرانية وأضخمها بنيت في عهد ملوك الصفويين، وكان المسجد الرئيسي يسمى " مسجد الجمعة " ولا يوجد مدينة كبيرة في إيران إلا وفيها مسجد من هذا الطراز وكان إمام المسجد يلقب (إمام الجمعة) ويعين بمرسوم خاص من الشاه وكان هذا المنصب منصباً محترماً يناط بكبير العلماء أو شيخ الفقهاء في كثير من الأحيان وكان هذا المنصب موجوداً في بلاط الأسرة المالكة حتى أن انقرضت الملكية في إيران قبل بضع سنوات ويعني هذا أن فكرة حرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة لم تطرح إلا في بلاد كان الاحتكاك شديداً فيها بين الشيعة وغيرها من الفرق الإسلامية الأخرى حتى تثني الشيعة من الالتحام بالركب الإسلامي الموحد ولكن في إيران حيث كانت الأكثرية من الشيعة فإن الفقهاء لم يعارضوا صلاة الجمعة وكانت تقام في مساجد البلاد بطولها وعرضها، غير أن فكرة الخيار بين الجمعة أو صلاة الظهر كانت موجودة فقهياً وكانت هناك في المدن الإيرانية مساجد تصلي فيها الجمعة وأخرى تصلى فيها صلاة الظهر.
وحتى كتابة هذه السطور فإن بعض فقهاء الشيعة من الأحياء يفتون بوجوب صلاة الجمعة وعدم سقوطها في عصر الغيبة ولكن عدد هؤلاء لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة وكانوا عبر التاريخ الفقهي يعدون بين القلة القليلة، وبعد أن استلم الفقهاء السلطة في إيران أصبحت صلاة الجمعة في ضمن سياسة الدولة الأساسية وعينت ولاية الفقيه لكل مدينة إماماً يسمى (إمام الجمعة) كما كان يفعل لاشاه من قبل واستحدثوا تسمية جديدة لها وهي " الصلاة العبادي السياسي " فالخطباء في خطبة صلاة الجمعة يتحدثون عن قضايا الساعة والسياسة ومشاكل البلاد وسواها ولا يعني أبداً ماذا يقال في خطبة الدمعة لأن المهم هم العمل بالفريضة أما ما يقوله الخطباء فهذا شيء يعود إليهم، ولكن الذي يعنيني أن صلاة الجمعة لا زالت متروكة في كثير من المناطق التي يسكنها الشيعة خارج إيران ولا يصلونها يوم الجمعة في مساجدهم ومن هنا أود أطلب التصحيح والقضاء على هذه الظاهرة التي تتناقض مع روح الإسلام وأهدافه ونص القرآن الكريم.
стр. 127
التصحيح
إذا ترك الإتيان بهذا الفرض إلى أئمة المساجد في المناطق التي تسكنها الشيعة فهذه الفريضة تبقى متروكة لقرون أخرى لأن أئمة مساجد الشيعة في كثير من الأحيان يأتمرون بأمر فقيه أو مرجع من مراجع الشيعة وإمام كهذا لا يستطيع أن يخرج من فتوى المرجع الذي نصبه في هذا المقام ولاسيما أن حياته المادية منوطة بعمله والإطاعة لمولاه، ولذلك فإن على القاعدة الشيعية أن تفرض على أئمة مساجدها صلاة الجمعة وأن تطلب منهم الإتيان بهذه الفريضة وإذا لم يستجيبوا فعليهم أن يصلوا في مساجد أخرى تصلى فيها الجمعة فهذه الفريضة الإلهية لا تسقط بحال ويجب الإتيان بها في كل الأحوال، وإني لا أشك أبداً أن الطبقة الواعية المثقفة من أبناء الشيعة إذا ما التزمت بهذا الشعار الإسلامي العظيم فإنها ستقضي على مظهر كبير آخر من مظاهر التفرقة التي نهى الله ورسوله الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - عنها وهم بذلك يجددون عصر الوحدة الإسلامية الكبرى ويكونوا من حماته.
стр. 128
تحريف القرآن
القول بتحريف القرآن يناقض الإيمان به.
стр. 129
تحريف القرآن
لست أدري كيف يستطيع المرء أن يقول بتحريف القرآن وهو أمام نص صريح يدحض كل الأقوال حول التحريف، ولست أدري أيضاً كيف يستطيع أحد أن يكون مؤمناً بالقرآن وهو يدلي رأياً يناقض ما جاء فيه والآية الكريمة: ? إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (١) ..... ? تغنينا عن الاستدلال بعدم تحريف القرآن المنزل على محمد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -فالوعد الإلهي صريح بأنه تعالى يحفظ الذكر الحكيم من أي تلاعب أو تحريف أو إضافة والقائلون بالتحريف يشكلون عدداً من علماء الفرق الإسلامية كلها إلا أن علماء الشيعة ومحدثيهم يشكلون الأكثرية المطلقة بين هؤلاء، وقد ذهب رهط من علماء الشيعة إلى عدم التحريف واستشهدوا بالآية الكريمة التي أوردناها ولكن ذهب آخرون إلى التحريف بإصرار وعناد منهم " النوري " الذي ألَّف كتاباً أسماه " فصل الخطاب في تحريف الكتاب " وذكر في الكتاب المذكور عبارات زعم أنها آيات قرآنية محرَّفة، والمتتبع المنصف لا يشك أبداً أن السبب الذي حدا بالمحدثين أن يذهبوا إلى تحريف الكتاب هو الاستدلال بآيات منصوصة في إمامة " علي " كانت مذكورة في السور والآيات المحرَّفة على حد زعمهم، وبذلك كان بعض أعلام الشيعة يدافع عن عدم وجود نص إلهي في القرآن حول الإمامة بتلك الآيات المزعومة التحريف، وتحريف القرآن يصطدم بعقبة كبيرة لدى أعلام الشيعة وهو إقرار الإمام " علي " في أيام خلافته بهذا القرآن الموجود بين أيدي المسلمين فلو كانت هناك سور أو آيات محرَّفة لتحدث عنها الإمام " علي " وأثبتها في القرآن.
إن فكرة تحريف القرآن ليست من الأفكار التي تظهر على الساحة الشيعية كفكرة عامة ذات أبعاد خطيرة لأن الأكثرية الساحقة من الشيعة لم تتقرب إلى هذا البحث ولا تؤمن به بسبب موقف كثير من فقهائنا من عدم التحريف ولكن الفكرة تأخذ طابعاً حزيناً عندما ينشر الناشرون كتباً ألَّفها بعض علمائنا في التحريف وتوزع تلك الكتب على الناس أو تستل منها مقتطفات لتذكر في كتب أخرى ويطلع عليها المسلمون جميعاً، ومن هنا نوجه نداء التصحيح إلى كل الناشرين في البلاد الشيعية كي
стр. 130
يقلعوا عن نشر كتب كهذه لأنها تخالف كتاب الله ونصوصه وتضر بسمعة الإسلام وكتابه الكريم الذي هو الدستور الخالد للمسلمين فإذا ما أصابه وهن أصابهم وإذا أصابته قوة أصابتهم.
وكما قلنا فإن الرأي السائد لدى الأكثرية من فقهاء الشيعة هو عدم التحريف، ولكن هذا الرأي يعقبه رأي آخر هو من الغرابة بمكان ولا توجد له أدلة إلا في الروايات التي يرويها رواة الشيعة، ونحن في حركتنا التصحيحية لا نستطيع أن نغفل آراءً شاذّة كتلك وعلينا أن نشير إليها لكي يكون التصحيح جامعاً ومانعاً نذكر رأياً لكبير علماء الشيعة وهو الإمام " الخوئي " الذي يقول في تفسيره " البيان " ص٢٥٩ وذلك بعد أن استعرض آراء فقهاء المسلمين ومحدثيهم بما فيهم الشيعة حول التحريف في القرآن أو عدم وقوعه ما هو نصه: (ومما ذكرناه قد تبين للقارئ أن حديث تحريف القرآن حديث خرافة لا يقول به إلا من ضعف عقله أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل أو من لجأ إليه، يحب القول به والحب يعمي ويصم وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته). وأما الرأي الثاني الذي أشرنا إليه فهو في ص٢٢٢ من الكتاب المذكور وجاء فيه: (إن وجود مصحف لأمير المؤمنين ﵇ يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور مما لا ينبغي الشك فيه وتسالم العلماء والأعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لإثباته كما أن اشتمال قرآنه ﵇ على زيادات ليست في القرآن الموجود وإن كان صحيحاً إلا أنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أسقطت منه بالتحريف بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد)
стр. 131
وبهذه العبارات يريد فقيهنا إثبات مصحف للإمام " علي " يختلف عن القرآن ولكنه في الوقت نفسه يضيف جملة محيرة وهي: (أو بعنوان التنزيل من الله شرحاً للمراد) ولست أدري ما هذا الإصرار على تسمية شرح للقرآن وتفسير له بالمصحف ثم ما هو هذا الإجماع الذي يدّعيه بقوله: (تسالم العلماء الأعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لإثباته) ومتى أجمعت العلماء على ذلك اللهم إلا نفر قليل استندوا على كلام ينسب إلى الإمام " علي " ذكره " الطبرسي " في الاحتجاج،
والمحقق المتتبع لكلمات الإمام وسيرته يشك كل الشك في صدور كلام مثل ذلك عن الإمام لما فيه من غرابة المحتوى، ثم ماذا تعني تلك الجملة المحيرة هل أن القرآن له شرح إلهي صادر من الله ولكنه ليس جزءاً من القرآن فيكون القرآن المنزل من الله مؤلفاً من متن وشرح متنه في يد الجميع وشرحه عند الإمام " علي " فقط، وإذا لم تخونني الذاكرة فقد ناقشت موضوع هذا المصحف مع العلامة الكبير " الخوئي " ولم يأت بشيء أكثر من الاستشهاد على رواية الطبرسي وانتهى الحوار إلى جدل عنيف وحاد أرجو من الله أن يغفر لي إذا ما تجاوزت على حرمة أستاذ درست عليه الفقه وأصول الفقه بعض الوقت وذلك في أيام دراستي عندما كنت في النجف، إن فقهاءنا وعلماءنا يستدلون على وجود مصحف للإمام " علي " برواية يذكرها الطبرسي في كتاب " الاحتجاج " وهي أن الإمام قال: ? يا طلحة إن كل آية أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عندي بإملاء رسول الله وخط يدي وتأويل كل آية أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكل حلال أو حرام أو حكم تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة فهو عندي مكتوب بإملاء رسول الله وخط
стр. 132
يدي حتى أرش الخدش (١) .... ? وكما قلنا في هذه الرواية ضعف واضح وغرابة مذهلة ومنها تتفرع أسئلة عديدة لا عد لها ولا حصر وقبل كل شيء لماذا خص الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - الإمام " علياً " بتعليم أحكام تحتاج إليها أمته إلى يوم القيامة ولكن لم يخبر بها أمته بل أخفاها عليهم والقرآن الكريم يقول: ? وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٢) .... ? ويقول في موضع آخر: ? اليوم أكملت لكم دينكم (٣) ... الآية ... ?
ولماذا لم يتحدث الإمام " علي " عن تلك الأحكام في خلافة الخلفاء الذين سبقوه أو في زمن خلافته ولماذا أخفى أحكاماً تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيامة وفيها حلاله وحرامه وحتى أرش الخدش، حقاً إنه اضطراب مخل بالتعقل نقرؤه في عقول الذين وضعوا روايات كهذه ونسبوها إلى الإمام " علي " وأدهى منه أن فقهاءنا - سامحهم الله - استندوا عليها وحكموا عليها حكم المسلّمات.
التصحيح
إن كل ما قيل وذكر في الكتب الشيعية عن مصحف الإمام " علي " ليس أكثر من إضفاء هالة من الغلو على شخصية الإمام " علي " حسب زعم الذين كانوا وراء وضع هذه الأساطير وإثبات أن الإمام " علياً " إنما هو تالي تلو وأحق بخلافة الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -من غيره ولذلك يحتفظ بمصحف خاص لا يحتفظ به غيره هذا في ظاهر الأمر ولكنهم في الحقيقة أساؤوا إلى الإمام من ناحية أخرى فعرَّفوا الإمام بأنه يخفي أحكاماً إلهية فيها حدوده وحلاله وحرامه وكل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة ولم يدلي بها إلا لأولاده الذين هم الأئمة والأئمة بدورهم أخفوها عن المسلمين وحتى عن شيعتهم إلى أن اختفت كل تلك العلوم باختفاء الإمام الثاني عشر،
стр. 133
وهكذا نرى أن الحب الجارف عندما يتجاوز حده ينتهي إلى الإساءة المطلقة والشيء إذا تجاوز حده انقلب إلى ضده ومن هنا نطلق مرةً أخرى لفكرة التصحيح ولمقارعة الأوهام التي نسجت حول الإمام " علي " وسائر أئمة الشيعة، حقاً لقد وضعوا حول الشمس نجوماً خافتة وزعموا أنها تزيد الشمس إشراقاً وتوهجاً فكان شأنهم شأن أولئك الذين وصفهم الله بقوله: ? الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً (١) .... ? ومع أننا نعتقد أن أغلب الروايات الموضوعة عن الأئمة وضعت بعد الغيبة الكبرى وهو العصر الذي نسميه بعصر الصراع الأول بين الشيعة والتشيع، إلا أن المتتبع المنصف لا يجد بداً من القول إن في عهد أئمة الشيعة أيضاً وضعت
روايات عنهم كما أن وضع أحاديث عن الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان يشغل بال المسلمين بعد عصر الرسالة غير أن الروايات الموضوعة التي كانت تنسب إلى أئمة الشيعة في حال حياتهم لم تكن ذات أبعاد خطيرة بسبب وجودهم بين الناس واستطاعة الناس من الوصول إليهم والسؤال عنها وهذا هو الإمام " الصادق " يروي عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: ? إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه ? ويقول " ابن أبي يعفور " أنه سأله الإمام " الصادق " عن اختلاف الحديثين يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به فقال: ? وإذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وإلا فالذي جاءكم به أولى به (٢) .... ? ويروي " ابن أبي عمير " عن الإمام " الصادق " أيضاً أنه قال: ?
стр. 134
من خالف كتب الله وسنة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقد كفر (١) ... ? ويقول الإمام في مكان آخر: ? كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف (٢) .... ? وهكذا وضع الإمام " الصادق " الطريق للفصل بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة وهكذا الفصل بين الروايات الصحيحة والكاذبة حتى يسد الباب على البدع التي تظهر في الدين وباسم الدين.
وقبل أن أنهي هذا البحث أود أن أشير أيضاً إلى أن بعض علماء الشيعة تحدث في كتبه عن مصحف " فاطمة " مضافاً إلى مصحف " علي " وموقفنا من هذا الرأي هو الرأي نفسه في مصحف " علي " وفيما أسلفناه الكفاية.
стр. 135
الجمع بين الصلاتين
إقامة الصلوات في أوقاتها اقتداءً بسيرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والقرآن الكريم يقول: ? لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً (١) .... ? صدق الله العظيم
стр. 136
الجمع بين الصلاتين
تنفرد الشيعة الإمامية بالجمع بين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء في الحضر وموقفي من هذا الخلاف الفقهي يختلف تماماً عن غيره من المسائل الفقهية إلا أن هذه الظاهرة التي تنفرد بها الشيعة قد تضر بالوحدة الإسلامية الكبرى ولا سيما أن الأكثرية من فقهاء الشيعة يفتون باستحباب إتيان الصلوات في أوقاتها المحددة ولكن من الناحية العملية يذهبون إلى الجمع وقد جرت العادة في مساجد الشيعة على هذا النحو أيضاً، والصلوات الخمس فرضت لأوقات محددة وسميت بها فوقت العصر يختلف عن الظهر والعشاء من الناحية الزمانية يختلف عن المغرب ولا شك أن هناك حكمة بالغة إلهية في فرض الصلوات في هذه الأوقات الخمسة وجعلها عمود الدين ومن أهم الشعائر الإسلامية، وكان الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - يصلي في مسجده بالمدينة في الأوقات الخمسة وهكذا الخلفاء من بعده بما فيهم الإمام " علي " وهكذا كانت سيرة أئمة الشيعة، وإذا ما جمع الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بين الصلاتين مرةً أو مرتين في غير سفر فقد كان لضرورة أو للترخيص أما عمله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فكان هو الالتزام بالأوقات الخمسة.
ــ
(١) - الأحزاب ٢١
وليت شعري أن أعرف هل هناك سبب يجدي بالخير في التظاهر بهذا الاختلاف مع الأكثرية الساحقة من المسلمين أم أنه عمل سنَّه أناس كان غرضهم عزل الشيعة عن كل مظاهر الوحدة؟ ثم سار عليه الفقهاء وأئمة المساجد وهم يعلمون أو لا يعلمون ونحن في العملية التصحيحية نهتم بجمع الشمل من الناحية النظرية والعملية على السواء ورسالتنا هي القضاء الأبدي على كل مظاهر الفرقة الفكرية والعملية وكل ما يدور حولهما وهذا لا يتم إلا بالعودة إلى عصر الرسالة والتمسك بسنة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - على الطريقة التي كان - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - يؤديها ولا أعتقد أنه يوجد بين المسلمين شخص واحد يفضل على عمل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وسنته عمل الآخرين وآراءهم ومن هنا نحن نهيب بأئمة مساجد الشيعة وبالشيعة أنفسهم أن يلتزموا بالصلوات في أوقاتها ويضعوا نصب أعينهم الصلوات الخمس التي كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - يؤديها
стр. 137
في مسجده بالمدينة ومعه صحابته من المهاجرين والأنصار وأن لا يشذوا عن طريق رسمه للمسلمين نبي الإسلام ففي الاقتداء به وبسنته عزهم وكرامتهم وشوكتهم وهذا هو الإمام " علي " يكتب إلى أمراء البلاد حول الصلاة وأوقاتها وقد جاء في كتابه: ? أما بعد: فصلوا بالناس الظهر حتى تفيء الشمس من مربض العنز وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء حية ...... وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم ...... وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل وصلوا بهم الغداة والرجل يعرف وجه صاحبه (١) .... ?
стр. 138
الرجعة
وعندما تمتزج الأسطورة بالعقيدة والأوهام بالحقائق تظهر البدع التي تضحك وتبكي في آن واحد.
стр. 139
الرجعة
هناك موضوعان يحتلان موقعاً صغيراً في عقيدة الشيعة الإمامية ولا أثر لهما في الحياة الشيعية الاجتماعية والفكرية اللهم إلا أنهما يثيران الجدل والبحث حول المذهب كلما أراد قوم أن لا يترك صغيرة أو كبيرة من الفجوات إلا وقد أحصاها إنهما الرجعة والبداء وقد كنا نود أن نغفل هذين البحثين في كتاب التصحيح ولكن رأيت من الأفضل أن نفرد لكل بحث منهما فصلاً خاصاً به بصورة مقتضبة ولا سيما بعد أن كثرت الكتابات وانتشرت المقالات حول المذهب الشيعي في الآونة الأخيرة وسلطت الأقلام والصحف الضوء على الشيعة ومذهبها وما ينتسب إليها، فكما قلنا فإن موضوعي الرجعة والبداء وإن كانا لا يحتلان الموقع الهام والأساسي في العقيدة الشيعية حتى أن بعض أعلام المذهب فنّدوا الفكرتين وأن الأكثرية الساحقة من الشيعة لا تعرف شيئاً عنهما ولا تدرك مغزاهما لا سيما فكرة البداء وما يحيط بها من جدل عقلي أثاره بعض أعلام الشيعة في مؤلفاتهم إلا أن هناك كتب أُلِّفَت في الموضوعين وتبناهما بعض الأعلام أيضاً ولكن الأدهى من كل هذا أن فكرتي " الرجعة " و " البداء " وردتا في الزيارات التي تقرؤها الشيعة أمام مشاهد وقبور أئمتها في كل صباح ومساء ولم يحدث قط أن الزعامات المذهبية العليا المسيطرة على قلوب وعقول الشيعة اعترضت على هذه الجمل والعبارات أو طلبت حذف هذه المضامين من الزيارات تلك أو فندت محتواها في حين أن بعض تلك الزعامات كان يبدي امتعاضاً أو إنكاراً لفكرة الرجعة والبداء في مجالسه الخاصة ولكنه لم يبد الرأي فيهما علناً ولذلك رأيت أن الواجب يملي عليَّ أن أكمل كتاب التصحيح بالرجعة والبداء وأبدأ بأولاها.
تعني الرجعة في المذهب الشيعي: أن أئمة الشيعة مبتدئاً بالإمام " علي " ومنتهياً بالحسن العسكري الذي هو الإمام الحادي عشر عند الشيعة الإمامية سيرجعون إلى هذه الدنيا ليحكموا المجتمع الذي أرسى قواعده بالعدل والقسط الإمام " المهدي " الذي يظهر قبل رجعة الأئمة ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويمهد الطريق لرجعة أجداده وتسلمهم الحكم وإن كل واحد من الأئمة حسب التسلسل الموجود في إمامتهم سيحكم الأرض ردحاً من الزمن ثم يتوفى مرةً أخرى ليخلفه ابنه في الحكم حتى ينتهي إلى " الحسن العسكري " وسيكون بعد
стр. 140
ذلك يوم القيامة، كل هذا تعويضاً لهم عن حقهم الشرعي في الخلافة والحكومة التي لم يستطيعوا ممارستها في حياتهم قبل الرجعة، والذين كتبوا في الرجعة من أعلام الشيعة فسروا الآية الكريمة: ? ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (١) ..... ? إن الغرض من العباد الصالحين هم أئمة الشيعة، هذه خلاصة الفكرة أشرنا إليها بإجمال كما أنه لا بد من القول أيضاً إن الذين ألَّفوا الكتب في الرجعة واستشهدوا على وقوعها بالروايات التي ذكرها بعض كتب الروايات المنسوبة إلى أئمة الشيعة لم يكتفوا إلى هذا الحد من القول برجعة أئمة الشيعة فقط بل أضافوا عليها أفكاراً أخرى وكلها أيضاً مستوحاة من تلك الروايات الموضوعة التي أشرنا إليها أكثر من مرة وقالوا: إن الرجعة لا تشمل أئمة الشيعة فحسب بل تشمل غيرهم وذكروا أسماء نفر غير قليل من صحابة الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - زعموا أنهم من أعداء الأئمة والذين منعوهم من الوصول إلى حقهم في الحكم كل هذا حتى يتسنى للأئمة الانتقام منهم في هذه الدنيا.
وقد يخيل إليّ أن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة ووضعوا هذه الروايات لإثباتها لم يقصدوا منها رجعة الأئمة بقدر ما كانوا يقصدون رجعة الأعداء حسب زعمهم وذلك للانتقام منهم لأن هذه الفكرة كانت توطد دعامة التفرقة بين الشيعة والفرق الإسلامية الأخرى تفرقة لا لقاء بعدها، ولو أن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة كانوا مخلصين لأئمة الشيعة لم يصوروهم بهذا المظهر الراغب في الحكم حتى أن الله سيعيدهم إلى هذه الدنيا الفانية مرةً أخرى ليحكموا فيها بعض الوقت وهم أئمة لهم جنة عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين، والإمام " علي " يقول: ? والله إن دنياكم هذه لأهون عندي من ورقة فم جرادة تقضمها ? ومهما يكن من أمر فنحن مع كل الأسف أمام أفكار من هذا النوع وقد ألف فيها بعض أعلامنا كتباً واشتملت الفكرة حيزاً من العقيدة ولو لم يكن جزءاً منها، والفكرة شبيهة مع فارق كبير إلى الفكرة التناسخية التي جاء بها " فيثاغورس "
стр. 141
وتبناها الفيثاغوريون ولها أنصارها حتى اليوم وظهرت في مظاهر مختلفة وتعابير متفرقة ودخلت إلى بعض العقائد البدائية ولكن الذين ألفوا وصنفوا حول رجعة أئمة الشيعة لم يستعملوا المضامين التي استعملها الفيثاغوريون في صحة التناسخ أو بالأحرى انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر لأن التناسخيين لا يعتقدون بوحدة الموضوع في عودة الشخص إلى الدنيا بعد الموت ويعتقدون بتعدد الحياة والموت بصور شتى وأنماط مختلفة ولكن فكرة الرجعة تحتفظ بوحدة الموضوع ولا تكون لأكثر من مرة غير قابلة للتكرار حيث يكون بعدها الموت الثاني ومن ثم البعث والنشور، ومن هنا أود القول: إن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة لعلهم كانوا من المتأثرين بالفلسفة الفيثاغورية وأدخلوا الفكرة في المذهب وذلك بعد إجراء تحوير إسلامي عليها شأنهم شأن كل المبدعين في العقائد والمذاهب ولست أدري أيضاً متى دخلت فكرة الرجعة على وجه التحديد إلى الأوهام وألفت حولها الكتب إلا أن
الذي لا شك فيه أن ظهور مثل هذه الأفكار البعيدة عن التعقل ظهرت في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع حيث كانت السذاجة هي الطابع الغالب على الناس والميل إلى الأفكار الغلوائية البعيدة عن المنطق كان له سوق رائج، والبدعة هذه تختلف عن البدع الأخرى التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية حيث لم يترتب عليه تنظيم سياسي عملي أو اجتماعي أو اقتصادي اللهم إلا شيء واحد قد يكون هو السبب في اختلاق فكرة الرجعة وهو كما قلنا استكمال العداء وتمزيق الصف الإسلامي بمثل هذه الخزعبلات التي دونت وقيلت في انتقام الأئمة من صحابة الرسول الذين خالفوا النص الإلهي في أمر الإمامة والخلافة فكل حديث من هذا النوع كان ولا يزال يزيد في تأجيج نار الفتنة ويضر بالوحدة الإسلامية ويقضي على كل بادرة من بوادر الألفة والتقريب وهنا أود أن أذكر قصة حدثت لي قبل سنوات عديدة عندما كنت في النجف مقيماً فقد جاءني أحد المشايخ وطلب مني أن أبتاع منه كتاباً قد فرغ لتوه من تأليفه وطبعه اسمه " الشيعة والرجعة " فسألته عن فحواه فقال: إثبات رجوع الأئمة إلى هذه الدنيا فسألته من جديد: ومتى يكون ذلك؟ فقال: بعد ظهور " المهدي " الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فسألته مرةً أخرى: إذن ما هي الفائدة من رجوعهم لأن القسط والعدل قد
стр. 142
استتبا والأئمة أعلى شأناً وأجل قدراً من أن يطلبوا الحكم للحكم والإمام " علي " يقول: ? إن دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز إلا أن أقيم حقاً وأبطل باطلاً ? فقال الشيخ وقد ملكته الدهشة: ولكن في كتبنا روايات تثبت رجوع الأئمة فصحت في وجهه: ألم يكن من الأفضل أن يترك هذا الأمر للمهدي حتى يقول كلمته فيه؟ فولى الشيخ هارباً وهو يقول: وادنياه!!!!!!
التصحيح
لقد قلت قبل قليل إن فكرة الرجعة لا تشغل حيزاً مهماً في عقيدة الشيعة الإمامية ولكن كثيراً منهم يقرؤون زيارة الجامعة الكبيرة التي هي من أهم الزيارات وتعتبر موثوقة عند الشيعة وفيها عبارات صريحة في الرجعة ولم يحدث قط أن فقيهاً من فقهائنا أو زعيماً من زعمائنا وقف مفنداً لهذه الجملة بصريح القول والعبارة والشجاعة أو أمر بحذفها أو فسرها تفسيراً ملائماً مع العقل إن كان هناك مجال للتفسير، وزيارة " الجامعة " التي أشرنا إلى مقتطفات منها في فصل زيارة مشاهد الأئمة وهي التي تقرؤها الشيعة أمام قبور ومشاهد أئمتها عندما تذهب للسلام عليهم فقد جاء في إحدى فقرات هذه الزيارة هذه العبارة: ? مؤمن بإيابكم مصدق برجعتكم منتظر لأمركم مرتقب لدولتكم (١) ...... ? ولا شك أن الغرض من عبارة من عبارة رجعتكم ليس البعث والنشور لأن في هذا الأمر يشترك الناس جميعاً حسب عقيدتنا الإسلامية التي هي الأصل الثالث من أصول الدين ويأتي بعد التوحيد والنبوة، إذن فإن الغرض من الرجعة هو الرجعة الثانية إلى هذه الدنيا وعلى هذه العبارة استند كثير من أعلام المذهب الشيعي في إثبات الرجعة فكان شأنهم شأن من بنى على رواية موضوعة أو جملة موضوعة بناءً شاهقاً من الأوهام وهنا نذكر جملة لأرسطو قالها في أستاذه " أفلاطون " ساخراً من نظرية المثل التي نادى بها فقال:
стр. 143
إن مثل أفلاطون في مثله كمن صعب عليه أن يعد كمية من الأشياء فضاعفها كي يسهل عليه عدها ? وهكذا فإن بعض فقهائنا عندما يصعب عليهم فهم جملة أو دركها لتناقضها مع أصول الإسلام والعقل فبدلاً من أن يطرحوها أرضاً ويجنبون العوامّ من الناس من أمرها يضاعفون في شرحها وتفسيرها وبذلك يضيفون بدعة إلى بدعة وضلالاً إلى ضلال فتزيد الطين بلة ويعم الشر الجميع.
إن غربلة كتب الزيارة من كل العبارات والمضامين التي تتغاير وتتناقض مع العقل السليم وروح الإسلام ولا سيما تلك العبارات والجمل التي فيها تنقيص وتجريح وذم بالنسبة للخلفاء الراشدين وصحابة الرسول تقع في دائرة التصحيح العملي وأن على الشيعة في كل الأرض أن تعي ما تقرأ كل الوعي وأن لا تردد ما وضع تحت يدها من مطبوع أو مخطوط بذريعة أنها صدرت من احد أئمة الشيعة وإني لا أشك أن كثيراً من الزيارات التي نسبت إلى أئمتنا لو كان قد وصل إلى علمهم لأجروا حد الكذب والافتراء على واضعها وأن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المفترون ? ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (١) .... ?
стр. 144
البداء
فكرة البداء تتناقض مع قول الله تعالى: ? وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (١) .. ?
стр. 145
البداء
تفسير الخطأ بالخطأ يعني الاستمرار فيه وعدم الخروج منه حتى قيام الساعة ومن هنا أود القول إنه لو كانت لبعض علمائنا الشجاعة العلمية وخلوص النية ونقاء الفكر وصفاء الذهن لما ساروا في درب شائك لتفسير كلام موضوع أو جملة موضوعة أو فكرة تتنافى مع أصول العقيدة والبديهيات العقلية معاً، فالقول بالبداء والإصرار عليه والإبقاء عليه في كتب الزيارات والروايات معاً هو النموذج الأكمل في الإصرار على العزة بالإثم وما دامت الحالة هذه فطريق الخلاص من الأوهام صعب وعسير والعناية الإلهية لا تشمل قوماً قال تعالى فيهم: ?ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (١) ? وكما قلنا قبل قليل وفي مفصل الرجعة: إن مفهوم البداء غامض عند الأكثرية الساحقة من أبناء الشيعة الإمامية بل لا يعرفون شيئاً عن فحواها وحتى إذا ما سألتهم عن معنى الكلمة فهم يحيرون جواباً ولكن مع كل هذا وهو من دواعي الأسف والحزن العميق فيما وصلت إليه حال هذه الأمة بفضل زعاماتها المذهبية أن هناك عشرات الآلاف من الشيعة وإن شئت فقل مئات الآلاف منهم يكررون الجملة الآتية: (السلام عليكم يا من بدا لله في شأنكما (٢) .... ) وذلك عندما يدخلون مرقد الإمامين العسكريين في " سر من رأى " للسلام على الإمامين العاشر والحادي عشر عند الشيعة، إن الشيعة تردد هذه العبارات كلما دخلت في صورة آحاد أو جماعات إلى مرقد الإمامين " علي النقي " و " الحسن العسكري " وهي لا تعرف معنى البداء ولا الجملة القائلة: (يا من بدا لله في شأنكما) ولا الأسباب التي كانت وراء وضع الجملة تلك ولا تعرف الخطورة الكامنة في هذا الكلام الذي فيه انتقاص من سلطان الله وعلمه وإرادته وحكمته، ولكن