وتبناها الفيثاغوريون ولها أنصارها حتى اليوم وظهرت في مظاهر مختلفة وتعابير متفرقة ودخلت إلى بعض العقائد البدائية ولكن الذين ألفوا وصنفوا حول رجعة أئمة الشيعة لم يستعملوا المضامين التي استعملها الفيثاغوريون في صحة التناسخ أو بالأحرى انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر لأن التناسخيين لا يعتقدون بوحدة الموضوع في عودة الشخص إلى الدنيا بعد الموت ويعتقدون بتعدد الحياة والموت بصور شتى وأنماط مختلفة ولكن فكرة الرجعة تحتفظ بوحدة الموضوع ولا تكون لأكثر من مرة غير قابلة للتكرار حيث يكون بعدها الموت الثاني ومن ثم البعث والنشور، ومن هنا أود القول: إن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة لعلهم كانوا من المتأثرين بالفلسفة الفيثاغورية وأدخلوا الفكرة في المذهب وذلك بعد إجراء تحوير إسلامي عليها شأنهم شأن كل المبدعين في العقائد والمذاهب ولست أدري أيضاً متى دخلت فكرة الرجعة على وجه التحديد إلى الأوهام وألفت حولها الكتب إلا أن
الذي لا شك فيه أن ظهور مثل هذه الأفكار البعيدة عن التعقل ظهرت في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع حيث كانت السذاجة هي الطابع الغالب على الناس والميل إلى الأفكار الغلوائية البعيدة عن المنطق كان له سوق رائج، والبدعة هذه تختلف عن البدع الأخرى التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية حيث لم يترتب عليه تنظيم سياسي عملي أو اجتماعي أو اقتصادي اللهم إلا شيء واحد قد يكون هو السبب في اختلاق فكرة الرجعة وهو كما قلنا استكمال العداء وتمزيق الصف الإسلامي بمثل هذه الخزعبلات التي دونت وقيلت في انتقام الأئمة من صحابة الرسول الذين خالفوا النص الإلهي في أمر الإمامة والخلافة فكل حديث من هذا النوع كان ولا يزال يزيد في تأجيج نار الفتنة ويضر بالوحدة الإسلامية ويقضي على كل بادرة من بوادر الألفة والتقريب وهنا أود أن أذكر قصة حدثت لي قبل سنوات عديدة عندما كنت في النجف مقيماً فقد جاءني أحد المشايخ وطلب مني أن أبتاع منه كتاباً قد فرغ لتوه من تأليفه وطبعه اسمه " الشيعة والرجعة " فسألته عن فحواه فقال: إثبات رجوع الأئمة إلى هذه الدنيا فسألته من جديد: ومتى يكون ذلك؟ فقال: بعد ظهور " المهدي " الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فسألته مرةً أخرى: إذن ما هي الفائدة من رجوعهم لأن القسط والعدل قد
стр. 142
استتبا والأئمة أعلى شأناً وأجل قدراً من أن يطلبوا الحكم للحكم والإمام " علي " يقول: ? إن دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز إلا أن أقيم حقاً وأبطل باطلاً ? فقال الشيخ وقد ملكته الدهشة: ولكن في كتبنا روايات تثبت رجوع الأئمة فصحت في وجهه: ألم يكن من الأفضل أن يترك هذا الأمر للمهدي حتى يقول كلمته فيه؟ فولى الشيخ هارباً وهو يقول: وادنياه!!!!!!
التصحيح
لقد قلت قبل قليل إن فكرة الرجعة لا تشغل حيزاً مهماً في عقيدة الشيعة الإمامية ولكن كثيراً منهم يقرؤون زيارة الجامعة الكبيرة التي هي من أهم الزيارات وتعتبر موثوقة عند الشيعة وفيها عبارات صريحة في الرجعة ولم يحدث قط أن فقيهاً من فقهائنا أو زعيماً من زعمائنا وقف مفنداً لهذه الجملة بصريح القول والعبارة والشجاعة أو أمر بحذفها أو فسرها تفسيراً ملائماً مع العقل إن كان هناك مجال للتفسير، وزيارة " الجامعة " التي أشرنا إلى مقتطفات منها في فصل زيارة مشاهد الأئمة وهي التي تقرؤها الشيعة أمام قبور ومشاهد أئمتها عندما تذهب للسلام عليهم فقد جاء في إحدى فقرات هذه الزيارة هذه العبارة: ? مؤمن بإيابكم مصدق برجعتكم منتظر لأمركم مرتقب لدولتكم (١) ...... ? ولا شك أن الغرض من عبارة من عبارة رجعتكم ليس البعث والنشور لأن في هذا الأمر يشترك الناس جميعاً حسب عقيدتنا الإسلامية التي هي الأصل الثالث من أصول الدين ويأتي بعد التوحيد والنبوة، إذن فإن الغرض من الرجعة هو الرجعة الثانية إلى هذه الدنيا وعلى هذه العبارة استند كثير من أعلام المذهب الشيعي في إثبات الرجعة فكان شأنهم شأن من بنى على رواية موضوعة أو جملة موضوعة بناءً شاهقاً من الأوهام وهنا نذكر جملة لأرسطو قالها في أستاذه " أفلاطون " ساخراً من نظرية المثل التي نادى بها فقال:
стр. 143
إن مثل أفلاطون في مثله كمن صعب عليه أن يعد كمية من الأشياء فضاعفها كي يسهل عليه عدها ? وهكذا فإن بعض فقهائنا عندما يصعب عليهم فهم جملة أو دركها لتناقضها مع أصول الإسلام والعقل فبدلاً من أن يطرحوها أرضاً ويجنبون العوامّ من الناس من أمرها يضاعفون في شرحها وتفسيرها وبذلك يضيفون بدعة إلى بدعة وضلالاً إلى ضلال فتزيد الطين بلة ويعم الشر الجميع.
إن غربلة كتب الزيارة من كل العبارات والمضامين التي تتغاير وتتناقض مع العقل السليم وروح الإسلام ولا سيما تلك العبارات والجمل التي فيها تنقيص وتجريح وذم بالنسبة للخلفاء الراشدين وصحابة الرسول تقع في دائرة التصحيح العملي وأن على الشيعة في كل الأرض أن تعي ما تقرأ كل الوعي وأن لا تردد ما وضع تحت يدها من مطبوع أو مخطوط بذريعة أنها صدرت من احد أئمة الشيعة وإني لا أشك أن كثيراً من الزيارات التي نسبت إلى أئمتنا لو كان قد وصل إلى علمهم لأجروا حد الكذب والافتراء على واضعها وأن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المفترون ? ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (١) .... ?
стр. 144
البداء
فكرة البداء تتناقض مع قول الله تعالى: ? وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (١) .. ?
стр. 145
البداء
تفسير الخطأ بالخطأ يعني الاستمرار فيه وعدم الخروج منه حتى قيام الساعة ومن هنا أود القول إنه لو كانت لبعض علمائنا الشجاعة العلمية وخلوص النية ونقاء الفكر وصفاء الذهن لما ساروا في درب شائك لتفسير كلام موضوع أو جملة موضوعة أو فكرة تتنافى مع أصول العقيدة والبديهيات العقلية معاً، فالقول بالبداء والإصرار عليه والإبقاء عليه في كتب الزيارات والروايات معاً هو النموذج الأكمل في الإصرار على العزة بالإثم وما دامت الحالة هذه فطريق الخلاص من الأوهام صعب وعسير والعناية الإلهية لا تشمل قوماً قال تعالى فيهم: ?ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (١) ? وكما قلنا قبل قليل وفي مفصل الرجعة: إن مفهوم البداء غامض عند الأكثرية الساحقة من أبناء الشيعة الإمامية بل لا يعرفون شيئاً عن فحواها وحتى إذا ما سألتهم عن معنى الكلمة فهم يحيرون جواباً ولكن مع كل هذا وهو من دواعي الأسف والحزن العميق فيما وصلت إليه حال هذه الأمة بفضل زعاماتها المذهبية أن هناك عشرات الآلاف من الشيعة وإن شئت فقل مئات الآلاف منهم يكررون الجملة الآتية: (السلام عليكم يا من بدا لله في شأنكما (٢) .... ) وذلك عندما يدخلون مرقد الإمامين العسكريين في " سر من رأى " للسلام على الإمامين العاشر والحادي عشر عند الشيعة، إن الشيعة تردد هذه العبارات كلما دخلت في صورة آحاد أو جماعات إلى مرقد الإمامين " علي النقي " و " الحسن العسكري " وهي لا تعرف معنى البداء ولا الجملة القائلة: (يا من بدا لله في شأنكما) ولا الأسباب التي كانت وراء وضع الجملة تلك ولا تعرف الخطورة الكامنة في هذا الكلام الذي فيه انتقاص من سلطان الله وعلمه وإرادته وحكمته، ولكن
стр. 146
الأدهى من ذلك أنه لم يحدث حتى هذا اليوم أن انبرى عالم من علمائنا لحذف هذه الجملة من الزيارة أو المنع من قراءتها شأنها شأن المئات من العبارات والجمل التي ملأت كتب الزيارات والروايات
وكلها تتناقض كما قلنا أكثر من مرة مع أساس العقيدة وروح الإسلام.
أما معنى البداء والفكرة التي بين ثناياه وما تعنيه في زيارة الإمامين العسكريين هو: أن الإمامة حسب التسلسل الموجود في عقيدة الشيعة الإمامية تنتقل من الأب إلى الابن الأكبر مستثنىً من هذه القاعدة " الحسن " و " الحسين " فالإمامة بعد الإمام " الحسن " انتقلت إلى الإمام " الحسين " ولم تنتقل إلى الابن الأكبر " للحسن " وذلك لنص ورد عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - حيث قال: ? الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ? فقد حدث أن " إسماعيل " وهو الابن الأكبر للإمام " جعفر الصادق " الإمام السادس عند الشيعة قد توفي في عهد أبيه فانتقلت الإمامة إلى أخيه " موسى بن جعفر " الابن الأصغر للصادق وهذا التغيير في مسار الإمامة التي هي منصب إلهي يسمى " بداءً " حصل لله تعالى فانتقلت الإمامة الإلهية بموجبه من " إسماعيل " إلى موسى بن جعفر " ومن ثم إلى أولاده ولم تأخذ الطريق الطبيعي لها الذي هو انتقال الإمامة من الأب إلى الابن الأكبر، ولكن السؤال المحيّر هنا لماذا تغيير مسار الإمامة بداءً ونسبوا شيئاً كهذا إلى الله تعالى لإثبات أمر لم يكن إثباته بحاجة إلى انتقاص من سلطان الله؟
الجواب: هنا يكمن في تلك الملابسات والظروف التي حصلت في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع فالإمامة عندما تكون إلهية لا تخضع للانتخاب المباشر ولا يتغير مسارها بموت الإمام الشرعي فحينئذ تنتقل الإمامة هذه حسب الناموس الإلهي الذي لا يتغير من الأب إلى الابن ولهذا قيلت في الإمامة إنها تكوينية أي لا تخضع لمتغيرات الزمان والمكان شأنها شأن العلة والمعلول الذاتيين الذين لا ينفك أحدهما عن الآخر وهذا يعني أن الإمام الأب لا سلطة له في تعيين الإمام الذي سيخلفه لأنه معين بإرادة الله، وهذا الصراع الفكري حدث بين الشيعة أنفسهم قبل أن يمتد نحو آفاق أوسع قبيل عصر الغيبة الكبرى مباشرةً وذلك عندما بدأ المذهب الإسماعيلي يظهر على ساحة الأفكار الإسلامية ويهدد وحدة الشيعة بالتمزق الداخلي وكان المذهب الإسماعيلي يرى أن الإمامة الإلهية مستمرة بالصورة التي أرادها الله منذ الأزل وهي في نسل " علي " وأولاده حسب التسلسل السني وهذا يعني أن
стр. 147
الإمام الأب لا سلطة له في تعيين الإمام الذي سيخلفه لأنه معين بإرادة الله فإذا مات الوريث الشرعي الذي هو "إسماعيل" فلا يحق لأبيه " الصادق " أن يعين " موسى " ابنه الأصغر بل تنتقل الإمامة إلى الابن الأكبر من ظهر " إسماعيل " وبما أن الشيعة تبنت فكرة الإمامة الإلهية بالصورة نفسها فلكي تخرج من هذا المأزق قالت بفكرة البداء لكي تلقي مسؤولية انتقال الإمامة من "إسماعيل بن جعفر" إلى " موسى بن جعفر " على الله وليس على الإمام " الصادق " ولتفنيد العقيدة الإسماعيلية، وكما يعلم الجميع فإن الإمامة لا زالت مستمرة عند الإسماعيليين حتى هذا اليوم والإمام عندهم حي حاضر ومن نسل " إسماعيل " ولم يحيدوا عن هذا المنحنى الفكري الذي أملاه عليهم مذهبهم قيد أنملة.
ونعود إلى فكرة البداء فنقول: إنها ظهرت في إبان ظهور الفرقة الإسماعيلية التي أخذت تناهض الشيعة وتخرق وحدتها ولذلك لا نجد أثراً لفكرة البداء حتى أوائل القرن الثالث الهجري، وأول إمام يخاطب بشموله للبداء هو الإمام العاشر ومن بعده الحادي عشر للشيعة في حين أنه كان من الأجدر والأولى أن يخاطب الإمام " موسى بن جعفر " بشموله للبداء حيث كان هو موضوعه فلا الإمام " موسى " ولا ابنه " علي الرضا " ولا حفيده " محمد الجواد " قد خوطبوا بكلمة فيها إشارة إلى حصول البداء بحقهم الذي يؤكد لنا أن اللجوء إلى تبني فكرة البداء إنما حصل عندما أخذ التيار الإسماعيلي يشق طرقه إلى الوجود والظهور في أوائل القرن الثالث الهجري وهو عصر الإمام العاشر والحادي عشر للشيعة، لقد التجأ بعض أعلام الشيعة إلى البداء حتى يثبتوا تغيير مسار الإمامة من " إسماعيل " إلى " موسى بن جعفر " في حين أن الإمامة وانتقالها من كابر إلى كابر وبالصورة التي رسمها الشيعة قبل عهد الصراع بين الشيعة والتشيع لم تكن بحاجة إلى القول بالبداء وتغيير الإرادة الإلهية، فبوفاة مرشح الإمامة تنتقل الإمامة إلى المرشح الثاني حسب ما يوصي به الإمام " الصادق " الذي شاهد وفاة ابنه المرشح للإمامة ولا شك أنه قال كلمته في الإمام الذي يتولى شؤون الفتيا والفقه بعده وفي كلام الإمام وتعيينه الوارث الشرعي فصل الخطاب.
إن موضوع البداء احتل جانباً من الكتب الشيعية وأفرد له بعض الأعلام فصولاً أو كتيباً يدافع عن معنى البداء وفحواه وانتهى الجدل ذاك إلى الأبحاث الفلسفية والكلامية التي احتلت أجزاءً كثيرة من الكتب الكلامية في الإرادة
стр. 148
الإلهية وهكذا الآجال الحتمية والمقدرة والقدر الذي يدفعه الحذر والبلاء الذي تدفعه الصدقات وما إلى ذلك من كلام يعرفه أهل العلم والفضيلة وكل من ألمَّ بالصراع الفكري بين الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم من مفكري الإسلام كما أن بعض أعلام الشيعة وجد الحل للخروج من مأزق البداء بالتفصيل بين النسخ التشريعي والنسخ التكويني وقال: إن البداء هو النسخ في التكوين ولست أدري أن الذين كتبوا في البداء هل وجدوا في الآية الكريمة? يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (١) ... ? حلاً لتلك المعضلة إن كانت معضلة أم لا؟ ومهما يكن من أمر فإن الذين كتبوا وألَّفوا في البداء لم يضيفوا إلا أوهاماً على أوهام وسفسطة إلى سفسطة ولو أنهم وجدوا حل المعضلة بالآية الكريمة التي أسلفناها لكان لهم خير طريق للخروج من مأزق وضعوا أنفسهم فيه ولم ينته الأمر بهم للخروج منه إلى الطعن في سلطان الله وأنه تعالى كان يريد شيئاً ثم بدا له غيره.
التصحيح
لقد قلنا ونؤكد أن القواعد الشيعية لن تواجه مشكلة فكرية باسم البداء وحتى مع قراءتها للجملة التي أشرنا إليها فهي تمر عليها مرّ الكرام ولا تعيرها اهتماماً لما فيها من إبهام وغموض ولكن الذي لا شك فيه أن الفكرة وردت في أكثر من مكان والشيعة تتداول العبارة في كل صباح ومساء عندما تذهب للسلام على الإمامين في " سر من رأى " ولا شك أيضاً انه لم يحدث قط حتى هذا اليوم أن مرجعاً من مراجع الشيعة أو عالماً من علمائها أمر بحذف هذه الجملة من كتب الزيارات التي تربو على العشرات من المجلدات كما أنه لم توجد فئة من أعلامنا تستنكر هذه الجملة إجمالاً أو تفصيلاً بالعلن والجهار ولا شك أيضاً أن فكرة البداء من الأفكار الموضوعة والعبارة أيضاً من الموضوعات التي نسبت إلى الأئمة وأدخلت في الكلام الذي يقال أمام قبري الإمام العاشر والحادي عشر ويعود وضعه على وجه التأكيد إلى عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع كما أثبتناه قبل قليل ومن هنا نؤكد مرةً أخرى إلى غربلة كل الموروثات التي ورثناها من الماضي وأدخلت في العقيدة الشيعية سواء أكانت فيها انتقاص في حق الله تعالى أو في حق رسوله أو خلفائه أو أئمة الشيعة الذين هم أئمة المسلمين أيضاً وهنا نصل أيضاً إلى نتيجة بالغة الخطورة وهي أن الذين كانوا وراء الصراع بين الشيعة والتشيع لم يتورعوا في سبيل نياتهم
стр. 149
وأهدافهم حتى من التطاول على القدرة الإلهية وصفاته كي يحققوا أهدافاً تتناقض مع أساس العقيدة والعقل والمنطق وأملي بالله كبير وأدعوه مخلصاً أن ينجلي هذا الليل المظلم وتشرق شمس الحقيقة على القلوب الصافية المستعدة لتقبل الحق فتسعى جاهدةً لإرساء أهداف التصحيح كل حسب قدرته وجهده وبذلك تعود الشيعة إلى عصر الرسالة الأولى وتنعم بخلق جديد.
стр. 150
التصحيح بين القبول والرفض
تصحيح الأفكار الدخيلة والآراء المهلكة وغير السليمة يفرضها القرآن الكريم وسنة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - والعقل والفطرة السليمة ولا شك أن المواعظ البالغة التي تستمد من هذه الينابيع تستقطب القلوب الصافية والنفوس المستعدة وترشد أهلها إلى الحق أفواجاً.
стр. 151
التصحيح بين القبول والرفض
إن الفكرة التصحيحية التي نادينا بها لأول مرة في تاريخ الشيعة والتشيع لا شك وأنها ستلاقي ردود فعل مختلفة على صعيد العالم الشيعي وذلك حسب البيئة التي يصل إليها نداء الإصلاح ومن الطبيعي أن فئات من رجال الدين والمتاجرين بالطائفية وفي مقدمتهم كثير من الزعماء الدينيين سيقاومون الفكرة التصحيحية بكل ما لديهم من قوة وجهد، وقد نعذر هؤلاء لما يصدر منهم من ردود فعل قد تكون بعضها عنيفة لأن خطر التصحيح يهدد مجدهم وسلطانهم وكياناً بنوا عليه آمالاً عريضة وسيعة طيلة قرون وقرون، غير أن الذي لا شك فيه هو أن الأكثرية الساحقة من الطبقة الواعية المثقفة من أبناء الشيعة ستستجيب لنداء التصحيح وتقف وراءه كالبنيان المرصوص لأن فيه عز الدنيا وخير الآخرة معاً، وهنا أود أن أوجه نصيحة إلى الطبقة الواعية التي بنينا آمال التصحيح عليهم وأقول لهم: إن كلمة الحق تدعم نفسها بنفسها ولا تحتاج إلى العنف والقسوة في الدعوة إليها ولنا في رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أسوة حسنة حيث يخاطبه بقوله: ? ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك (١) .... ? ويخاطبه في مكان آخر ويقول: ? ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن (٢) .... ? فلذلك يجب على كل فرد يأخذ على عاتقه واجب الدعوة إلى التصحيح أن يسلك طريق الحسنى وعدم الشدة والعنف في مخاطبة غيره ولا سيما الشيوخ والطاعنين في السن فليس من السهل على أناس بلغوا من السن عتياً أن يقلعوا عن عادة في القول أو الفعل تعودوا عليها
منذ سنين الصبا ودُرِّبوا عليها تدريباً، فمثلاً وليس على سبيل الحصر هل يا ترى أن إنساناً ما تعوّد منذ نعومة أظفاره أن يستعين بغير الله وينادي ذلك الغير بكلمة (يا) نبياً كان
стр. 152
المنادى أو إماماً أو ولياً يستطيع أن يقلع عن هذه العادة والعقيدة معاً بين عشية وضحاها؟ وكثير من الشيعة ينادون غير الله في طلب المعونة ولست أدري لماذا نحن معاشر الشيعة نترك الله القادر على كل شيء ونستعين بغيره وهو الذي أمرنا بالاستعانة به? إياك نعبد وإياك نستعين (١) .... ? وهو الذي يخاطب عباده بقوله: ? ادعوني أستجب لكم (٢) .... ? ويقول سبحانه في مكان آخر? ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (٣) .... ? وليس على سبيل الحصر أيضاً فهل يا ترى أن من السهل أن تحمل الشيعة على الإقلاع من السجود على التربة الحسينية التي صنعت في أشكال مختلفة كما أشرنا إليها وهي ترى أن زعماءها الدينيين يسجدون عليها في صلواتهم ومساجدهم مليئة بها؟ وهل يا ترى أن من السهل أن تحمل الشيعة على الإقلاع من تسمية أولادها بالعبودية لغير الله؟ وهذه ظاهرة لا نجدها عند أية فرقة أخرى من الفرق الإسلامية وحتى غير الإسلامية، والشيعة هي الطائفة الوحيدة التي تسلك العبودية لغير الله حتى في تسمية أولادها.
وإذا تصفحنا تاريخ أئمة الشيعة مبتدئاً من الإمام " علي " حتى آخر أئمتهم لم نجد أحداً منهم عبّد ولده لغير الله في التسمية ولست أدري منذ متى بدأت الشيعة تسمي أولادها بهذه التسميات التي تتناقض مع روح الإسلام، فالعبودية لله وليس لغيره والإنسان لا يكون عبداً لإنسان آخر مهما كان شأن ذلك الإنسان عند الله، وأعود مرةً أخرى لأؤكد على الطبقة الداعية للتصحيح وأقول أن تغيير هذا المنحنى الفكري عند الشيعة الإمامية لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها بل يحتاج إلى زمان ومثابرة وصبر وتثقيف حتى يدخل في القلوب ولذلك فإن
стр. 153
المسؤولية خطيرة يجب السير عليها خطوة بعد خطوة ولا سيما أن فكرة التصحيح تلاقي مقاومة عنيفة من قبل أولئك الذين أشرنا إليهم في مقدمة هذا الفصل كما أن علينا أن لا نغفل أبداً تلك القوى الاستعمارية التي لا تزال تتربص بالمسلمين ولا تريد وحدتهم وتسعى للتفرقة بينهم فهي تحاول جاهدةً وعن طريق أقلام مأجورة عاشت على الفرقة وإثارة الضغناء أن تقارع حركة التصحيح وهي لا تدخر جهداً في سبيل ذلك وهناك فئة ساذجة عبَّر عنهم الإمام " علي " عنهم بقوله: ? همج رعاع يميلون مع كل ريح كل ناعق لم يستضيئوا بنور الله ? وهي تسير في ركب زعاماتها المذهبية وتأتمر بأمرها وهي المنفذة لكل البدع التي ألصقت بالمذهب الشيعي عبر القرون.
إن هذه القوى كلها تجتمع كيد واحدةً لتضرب حركة التصحيح ولكنني أقول مسبقاً: إن التصحيح أقوى منهم بكثير وسينتصر عليهم في نهاية المطاف وذلك لأم مقارعة التصحيح والوقوف ضده يرتطم بجدار صلب ضخم لا ولن تستطيع أية قوة أن تنفذ منه وذلك لأننا وضعنا قواعد التصحيح على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وعمل وأقوال الإمام " علي " الذي اتخذها فقهاء المذهب الشيعي حجة على أنفسهم ثم على دعامة العقل الذي اعتبره علماء الشيعة الركن الرابع من أركان استنباط الأحكام الشرعية وهذه الدعائم الأربعة حجة على علماء الشيعة لا ولن يستطيعوا أن يحيدوا عنها أو يقارعوها، وهنا لا بد من العودة على البدء والإشارة الصريحة إلى أن كتب روايات الشيعة ولا سيما تلك التي تعتبر صحيحة وموثوقة على حد تصور فقهائنا وهي لا تخلو كما قلنا من روايات تنسب إلى أئمتنا وهي تتناقض مع ضروريات الإسلام وأصوله وتتناقض مع الأدلة الأربعة التي اعتبرها فقهاء الشيعة أساس الاستنباط للأحكام الفقهية.
إن مثل تلك الروايات الموضوعة في هذه الكتب والتي نسبت إلى أئمة الشيعة الذين أمروا بنبذ كل رواية تنسب إليهم إذا كانت تخالف كتاب الله وسنة رسوله قد تؤخذ كذريعة للوقوف ضد التصحيح وأهدافه، ولذلك نحن نهيب بالطبقة الواعية المثقفة التي نعتبرها السند الأول والأخير
стр. 154
لحركة الإصلاح أن تُحَكِّمَ كتاب الله ورسوله والعقل في كل رواية يستند عليها بعض فقهائنا علمائنا لتثبيت البدع التي ألصقت بالمذهب الشيعي وأن يكون كل فرد هو الحَكَمُ والقاضي في كل ما يلقى على مسامعه من غثٍّ أو سمين أو صحيح أو سقيم باسم الروايات الواردة عن أئمة الشيعة، وهذه هي الطريقة الوحيدة للخلاص من سلاسل قيّدت عقول الشيعة وقلوبهم عبر القرون.
لقد سمع العالم قبل أكثر من عام زعيماً من زعماء المذهب الشيعي يخطب أمام الجماهير الشيعية في طهران وينقل كلامه عبر الأثير وهو يقول: (إن جبرائيل كان ينزل على السيدة فاطمة الزهراء بعد وفاة أبيها ويحدثها عن قضايا كثيرة) والمسلمون يعتقدون أن هذا الكلام يتناقض مع ضروريات الإسلام وعقائده الأساسية فالوحي قد انقطع بعد وفاة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - غير أن هذا الكلام ورد على لسان هذا الفقيه استناداً على تلك الروايات الموضوعة التي طالما طلبنا غربلة الكتب الشيعية منها ولكن الأدهى من ذلك أن كلاماً كهذا لم يلق مجابهة من قبل نظراء ذلك الفقيه وأقرانه بل أذعنوا لصحة هذه الرواية بالسكوت الذي هو من علائم الرضا، ولذلك نحن دائماً نحمل بعض زعماء المذهب وعلمائه المسؤولية الكبرى على تلك البدع التي ألصقت بالمذهب الشيعي ووقفوا منها موقف المؤيد أو المسالم، وهذا هو الإمام " علي " يخاطب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - عندما كان يلي غسله وتجهيزه بقوله: ? بأبي أنت وأمي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء (١) ... ?.
نص الإجازة العلمية للمؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أجاز للعلماء ما أجاز وصلى على محمد وآله مجاز الحقيقة وحقيقة المجاز وبعد:
فإن جناب العالم الفاضل ثقة الإسلام الأخ " موسى " حفيد المرحوم آية الله العظمى السيد " أبو الحسن الأصفهاني الموسوي " رضوان الله عليه ممن بذل جهده في تحصيل العلوم الشرعية حتى حاز بحمد الله رتبة ملكة الاجتهاد مقرونة بالصلاح والسداد وقد أجزت له الأهلية أن يروي عني ما صحّت لي روايته من مشايخي العظام وأساتذتي الكرام وآمل أن لا ينساني من صالح دعواته كما لا أنساه والله سبحانه يوفقه ويرعاه.
صدر من مدرستنا العلمية ............................. بدعاء
.. بالنجف الأشرف ......................... محمد الحسين كاشف الغطاء
........................ (١٣٧١ هـ) ...................................
صورة من الشهادة العليا في الفقه الإسلامي (الاجتهاد) التي نالها المؤلف قبل ثلاثين عاماً من المرجع الديني الأعلى زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف الشيخ " محمد الحسين الكاشف الغطا رحمة الله عليه.
وبعد كل هذا فماذا تكون الطريقة التي تسلكها الفئات التي ترفض التصحيح عندما تخذلهم البينات وتقارعهم الحجج، هناك طريق واحد تسلكه عادة أصحاب النفوس المريضة والمأجورين والجهلاء إنه طريق التجريح والطعن في صاحب الدعوة والرأي شأنهم شأن أولئك الذين ذكرهم الله في محكم كتابه بقوله:
стр. 155
ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (١) ... ? ? ومن الناس من يجادل الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (٢) .... ? صدق الله العظيم.
стр. 156
المؤلف في سطور
هو حفيد السيد " أبو الحسن الموسوي الأصبهاني " ولد في " النجف" عام / ١٩٣٠ / وأكمل الدراسات التقليدية في جامعتها الكبرى وحصل على الشهادة العليا في الفقه الإسلامي " الاجتهاد ".
حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة " باريس " (السوربون) عام ١٩٥٩.
حصل على شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة " طهران " عام ١٩٥٥.
عمل أستاذاً للاقتصاد الإسلامي في جامعة " طهران " ١٩٦٠ - ١٩٦٢
عمل أستاذاً للفلسفة الإسلامية في جامعة بغداد ١٩٦٨ - ١٩٧٨
انتخب رئيساً للمجلس الإسلامي في غرب أمريكا منذ ١٩٧٩
أستاذاً زائراً في جامعة " هالة " بألمانيا الديمقراطية، وأستاذاً معاراً في جامعة طرابلس بليبيا عام ١٩٧٣ - ١٩٧٤، وأستاذ باحث في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٧٥ - ١٩٧٦، وأستاذ موفد إلى جامعة لوس آنجلوس في عام ١٩٧٨.
стр. 157
تنبيه هام
لكي تبقى رسالة التصحيح مستمرة في التقدم لقد أخذ المجلس الإسلامي الأعلى على عاتقه إصدار مجلة شهرية تهتم بشؤون التصحيح وأهدافه ومبادئه وأن المجلة سوف تنشر المقالات والكلمات التي تصلها حول التصحيح بغض النظر عن الاتجاه الذي يسير فيه صاحبها على شرط أن يكون صاحب المقالة أو الكلمة من ذوي الاختصاص بشؤون الدين والفقه والعلوم الإسلامية، كما أن العلماء المشرفين على المجلة سيجيبون على الأسئلة التي توجه إليهم حول التصحيح على شرط أن تكون الأسئلة موجزة.
الرسائل تعنون إلى المجلس الإسلامي
الأعلى على العنوان البريدي التالي
Post - tel center
٢٢١٠ wilshire blvd., suite ٤٥١
santa monica, ca ٩٠٤٠٣
u.s.a.
стр. 158
مؤلفاته المطبوعة:
من الكندي إلى ابن رشد عام ١٩٧٢ طبعة بيروت.
إيران في ربع قرن عام ١٩٧٢ طبعة بيروت.
قواعد فلسفية عام ١٩٧٧ طبعة النجف الأشرف.
الجديد في فلسفة صدر الدين عام ١٩٧٨ طبعة بغداد.
من السهروردي إلى صدر الدين عام ١٩٨٠ طبعة بيروت.
فلاسفة أوربيون عام ١٩٨٠ طبعة بيروت.
الثورة البائسة عام ١٩٨٣ طبعة لوس أنجلوس.
الجمهورية الثانية عام ١٩٨٥ طبعة لوس آنجلوس.
الشيعة والتصحيح: الصراع بين الشيعة والتشيع عام ١٩٨٧ طبعة لوس آنجلوس.
ملاحظة هامة:
إخوتي الأكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرسل لكم هذه الهدية المتواضعة ولكن أريد أن أذكركم وأنبهكم إلى أمر هام حول الكتابة: المؤلف كان يكتب في أصل الكتاب الذي نقلت منه هذا الملف عبارة الرسول (ص) وأنا كنت أكتبها في الملف بعبارة - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فيرجى أخذ العلم وفقنا الله جميعاً إلى ما فيه الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.