← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95991

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (382 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المعراج رؤية منامية: يستندون إلى قول الله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الإسراء: ٦٠) ابن عباس ﵄ وكل التفاسير ذكرت ذلك: "هي رؤيا عين"، رآها النبي ﷺ بعينه في الإسراء وفي المعراج. الرؤيا في اللغة: عند الماضي رَأَى، والمضارع يَرى، والمصدر يتعدد، وبتعدد المصدر يتعدد المعنى، رأى رأيًا مثلًا، المسائل العلمية أو المسائل التي تحتاج للدراسة العلمية السياسية التقديرية بشكل عام، رأيي في المسألة كذا، أنا أنرى كذا، انتظر حتى أرى رأيي مثلًا، كل ذلك، رأى رؤيا بالألف، هذه للأمور المنامية، واستعمل في ذلك في الحديث، وعندنا كتاب الرؤيا في التعبير، الرؤيا عند الإمام مسلم، والتعبير عند الإمام البخاري، وتجمع على رؤى، ما يراه النائم في نومه بالألف، إذا قلت: رأيت رؤيا بالألف فهي لما يُرى منامًا، أما رأيت رؤية بالتاء هذه، فهي لما يرى بالبصر بالعين التي نبصر بها. إذن حين أقول: رؤيا بالألف فهي الرؤيا المنامية، وحين أقول: رؤية فهي الرؤية البصرية للعين، هل يجوز استعمال إحداهما مكان الأخرى؟ إذا رأيتُ أمرًا غريبًا لا يكاد يقع في واقع الناس إلا على ندرة وبُعد، كأنه لا يُرى إلا منامًا، أقول عما رأيته بعيني هاتين مثلًا: رأيت رؤيا؛ لأبين غرابة ما وقع، مثلًا: لو رأيت واحدًا يأكل عشرة أرغفة مثلًا أو عشرين رغيفًا في وجبة واحدة: والله رأيت رؤيا غريبة عجيبة، من الممكن أن تتكلم عنها حينئذٍ كأنها رؤيا لغرابتها منامية، أما العكس، يعني: لا يجوز أن تقول: رأيت رؤية عما يُرى منامًا. وأما الرؤية بالتاء، فلا تستعمل إلا في الرؤية البصرية، ومن ثم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ أي: لغرابتها وندرتها وعجز البشر عنها، لا يستطيعها إلا

стр. 317

من خَلَق البشر -جل في علاه- فعبّر الله عنها، ولذلك قال: جعلها فتنةً للناس للمنكرين لتمييز المؤمنين وغيرهم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ليتميز المؤمن الصادق من المؤمن الضعيف الذي يتردد، أو الكافر الذي ينكر ويجحد -والعياذ بالله ﵎. إذن الآية أيضًا ليس فيها أبدًا ما يفيد أن المعراج كان في المنام، وحتى لو كان في المنام، ما وجه المعجزة فيه؟ أما لو قيل: إنها منامية كما تريدون أن تقولوا، فلا وجه للإعجاز فيها، ولا داعي لإنكارها أصلًا، ولذلك أثبت العلماء بمجموعة من الأدلة أن الإسراء والمعراج كانت بالروح والجسد معًا، وجمهور العلماء على ذلك -جمهور علماء الأمة- بل إجماعهم منعقد على ذلك، لم ينازع في هذا إلا القليل. وجمهور العلماء على أن الإسراء والمعراج كانتَا في ليلة واحدة، وأنهما وقعَا بالروح والجسد معًا، وأنهما وقعَا في اليقظة وليس في المنام، كل ذلك ذكره العلماء المتعددون، ولم يستغرب أحد هذا، وإلا فما معنى أنها معجزة؟ وما وجه الغرابة فيها؟ أيقول الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بَعَبْدِهِ﴾ والعبد تنصرف إلى الروح فقط دون الجسد أو في المنام؟ ولذلك أتباع المدرسة العقلية لما وجدوا أن الإسراء ثابت بالقرآن، وهم يتجرءون على السنة، بعضهم قال: إنه كان رؤية منامية، حتى على الإسراء وليس المعراج فحسب؛ لأنهم أعملوا عقلوهم في النص؛ ولأنهم قدموا العقل على النص، وجعلوا العقل قاضيًا على النص، وهذه من البلاءات التي وقعوا فيها، ونفاصلهم فيها في الواقع العلمي، ونفاصلهم فيها أمام الله إذن: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ليس فيها دليل على إنكار المعراج.

стр. 318

أيضًا يقولون: إن المعراج لم يذكر في القرآن، وقد رددنا على هذه، لا نحتاج إلى ذكره في القرآن: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: ١ - ١٤). كل هذه آيات في كثير من المفسرين يرونها تتعلق بالمعراج، إذا لم يعجبكم ذلك فليكن، نحن لا نستفتيكم في هذا، نحن نُقَعِّد قاعدة مهمة: أن الأمور التي ثبتت بالسنة -سواء في الأحكام الشرعية، أو في العقائد، أو في أي أمر، أو في معجزات، أو في غيبيات- هي عندنا على العين والرأس، الذي ندرسه ونستوثق منه أن يكون الدليلُ صحيحًا، وهذا ما أثبتناه، ومتى ثبتت صحته فعلى العين والرأس، أقعد قاعدةً لهذا الأمر ولغيرِه: كل ما ثبت بالسنة فهو في قوة ما ثبت بالقرآن، من حيث الأدلة على العقيدة، على الغيبيات، على المعجزات. علينا أن نتأكد منه هو أن نستوثق من صحة الخبر، وصدق الرواية، كما فعل أبو بكر ﵁: "إن كان قال فقد صَدَقَ" وهذا ما تفعله المدرسة الحديثية، تتأكد من صدق الخبر. إذن كونها لم تثبت في القرآن -مع أن هذه مماحكة لن نتوقف عندها- فهي ثابتة بالسنة المطهرة عندنا. أيضًا يقولون: جمع له الأنبياء، فيها غرائب، نعم ما المشكلة؟ هذه من المعجزات وكلها فيها فوائد. توقفوا أيضًا مع مراجعة سيدنا موسى للنبي ﷺ وكأنهم يقولون: في الأمر تغيير للمقادير، من الذي قال ذلك؟ الأمر ليظهر الله لنا حكمته وفضله على الأمة. هذه المراجعة فيها دروس كثيرة، هذه المراجعة فيها احترام الخبرة، تلك القاعدة

стр. 319

التي غابت عن المسلمين الآن، احترام التخصص، احترام الخبراء في كل مَيْدان: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: ١٤) ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٩) ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (النحل: ٤٣). سيدنا موسى يعطي خبرته للنبي ﷺ : ماذا فرض الله عليك؟ أنا خبرت الأمم قبلك، وقصة بني إسرائيل مع سيدنا موسى معروفة في القرآن والسنة، والعَنَت والمشقة التي تحملها من نقاشهم، فالخبرة ليعطيَها سيدنا موسى طائعًا مختارًا للنبي ﷺ تبادل الخبرات، والحكم على أساس الخبرة درس مهم جدًّا. ثم يبين ما بين الأنبياء من تآخٍ ومن تحاب، يقدمون لنا القدوة في ذلك، يعني: لم يضن بخبرته كما نفعل نحن مع بعضنا، تضييع أخلاقنا التي علمنا إياها الإسلام، فنضن بالفوائد والخبرات، سيدنا موسى يقول له: ((ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإني قد بلوت الأمم قبلك، أو بلوت بني إسرائيل واختبرتهم، فلم يطيقوا ذلك))، فإذن فهو حب وتآخ بين الأنبياء، هو تساعُد وتسانُد على القيام بالمهمة التي بُعثوا من أجلها؛ لكي ينجحوا فيها، ويأخذوا بيد البشر إلى الهداية، هي أيضًا اعتماد على الخبرة، هي إظهار لفضل الله الذي في علم الله حَسَمه الله في نهاية الأمر: ((ما يُبَدَّلُ القول، هن خمس في العمل، وهن خمسون في الأجر والثواب)) وهذا ما سبق به قدر الله. أما المراجعة فكانت لإظهار مكانة النبي ﷺ عند ربه، وإظهار فضل الله على عباده، حيث لا يكلفهم إلا بما يطيقون وما يتحملون: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦). وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 320

الدرس: ١٩ حديث فقء موسى ﵇ لعين ملك الموت، ودفع ما أثير حوله من شبهات

стр. 321

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (حديث فقء موسى ﵇ لعين ملك الموت، ودفع ما أثير حوله من شبهات) تخريج الحديث، وبيان درجته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: حديث فقء موسى ﵇ لعين ملك المو ت: وهذا من الأحاديث التي تكلموا بصددها، وتقوَّلُوا على هذا الحديث ما شاء لهم أن يقولوا، وتكلموا على أنه مخالف للعقل ومخالف للشريعة، وما إلى ذلك، ونحن في هذا الأمر سنردّ عليهم وعلى شُبههم التي أثاروها بإذن الله ﵎. نتكلم أولًا عن تخريج الحديث: هذا الحديث روتْه كل كتب السنّة، رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في (الصحيح) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: ((أُرْسِل ملك الموت إلى موسى ﵉ فلما جاءه صكه)) يعني: لما جاء ملك الموت إلى سيدنا موسى صكه، أي: ضربه: ((فرجع إلى ربه فقال: أرسلتَني إلى عبد لا يريد الموت، فردَّ الله عليه عينَه، وقال: ارجِعْ، فقل له: يضع يده على متن ثَوْر، فله بكل ما غطَّت به يده بكل شَعْرة سَنَة)) رجع ملك الموت إلى سيدنا موسى أخبره بذلك، سيدنا موسى يسأل: ((قال: أيْ ربِّ، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل اللهَ أن يدنيَه من الأرض المقدسة رميةً بحَجَر، قال رسول الله ﷺ : فلو كنت ثَمَّ -أي: هناك- لأريتُكم قبرَه إلى جانب الطريق عند الكَثِيب الأحمر)). هذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب: الجنائز، باب: مَن أحبَّ الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها. وأخرجه أيضًا في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى ﵇ وأخرجه مسلم -رحمه الله تعالى- من حديث أبي هريرة في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى ﵇ وأخرجه من طريق آخر أيضًا في نفس الباب السابق والكتاب السابق.

стр. 322

وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) وآخرون، من حديث أبي هريرة أيضًا، وذكره في عدة مواطن من مسنده. وأخرجه النسائي من حديث أبي هريرة أيضًا في كتاب: الجنائز، باب التعزية ... إلى آخره. هذا الحديث يملأ دواوين السُّنة، لا يوجد كتابٌ من كتب السُّنة إلا وقد رواه، والحديث بذلك في أعلى درجات الصحة، يعني: لا ينازِع في صحته أحدٌ أبدًا من أئمة الشأن المعتمدين ممن لهم دارية وعمق في تخصص الحديث وعلومه قديمًا وحديثًا، ويكفي أن صاحبي (الصحيح) -رحمهما الله تعالى- روياه في صحيحيهما، فهو من المتفق عليه عند علماء الأمة، ويعتبر من الأحاديث التي أجمعت الأمة على تلقيهما بالقبول، بالتالي هو في أعلى درجات الصحة. الرد على ما أثير حول الحديث من شبهات لكنهم أثاروا حوله بعض الشبهات التي نحاول أن نوجزها فيما يلي: يقولون: إن الملائكة لا يتعرضون للعاهات. ويقولون أيضًا: إن الصالحين من عباد الله لا يكرهون الموتَ، فكيف بالرسل، بل كيف بأولي العزم من الرسل وسيدنا موسى منهم -خمسة من أولي العزم من الرسل، وهم أفضل الأنبياء: نوح، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، وسيدنا محمد -صلى الله عليهم جميعًا- هؤلاء أولي العزم من الرسل- فكيف بنبي من أولي العزم من الرسل يكره الموت، مع أن الصالحين يحبون الموت؟ وفي رأيهم من هذا الأمر استدلوا بحديث: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)) وهو حديث في الصحيحين أيضًا: ((ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)).

стр. 323

أيضًا: هل كان موسى ﵇ خائفًا من عقاب الله؛ لأنه وكزَ المصريَّ وقتلَه؟ وهل كان خائفًا حتى لا يحاسب على هذا الأمر؟ ويقولون أيضًا: إن الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- أورد هذا الحديثَ في كتاب: الفضائل، فأيّ فضائل لنبي الله موسى في هذه القصة؟!! يقولون أيضًا: إن القرآن الكريم يُلصِق تهمة خشية الموت باليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٩٤، ٩٥) يقولون: وها هو الحديث ينسب ذات التهمة إلى نبي الله سيدنا موسى ﵇. نلاحظ أن معظم التهم تدور حول أن نبي الله موسى ﵇ الحديث يُسَجِّل عليه أنه خائف من الموت. أيضًا يقولون: إن هذا يعتبر من باب التعدي على موظّف أثناء تأدية عمله، ملك الموت جاء ليؤدي رسالته، فاعترض عليه سيدنا موسى وآذاه في أثناء تأدية عمله. هذا طبعًا من الكلمات الحديثة التي تعاقب عليها القوانين الوضعية، أن يعتدي مواطن على موظف أثناء تأدية عمله، وهذه شبهة لا تستحق أن تذكر؛ لأن أنبياء الله لا يعامَلُون كموظفين في دولة ما، لكن على كل حال نحن نذكر الشُّبَه التي أثاروها، سواء التي تستحق الرد أو التي لا تستحق الوقوف عندها. هذه معظم التهم التي أثاروها، والمشكلات التي ذكروها حول هذا الحديث الصحيح. يقولون أيضًا: إن هذا الحديث يتعارض مع القرآن الكريم في قوله ﵎: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٤)

стр. 324

يعني: كيف يُمهِل الله نبيه موسى إلى أجل آخر، ولو اختاره فماذا يكون الحل، والمفترض أن الآجال محددة؟ أيضًا: هل يستأذن ملك الموت أحدًا قبل قبض روحه؟ إذا كان هذا لا يحدث فلماذا كان المفترض أن يحدث هذه المرة هنا؟ هذه بعض الإشكالات وبعض الشُّبَه التي أثارها المثيرون حول هذا الحديث قديمًا وحديثًا، والذين ينفخون في مثل هذه الشُّبَه الآن يتصورون أنهم أتوا بما يُوقِع العلماء، أو بما يوقع الدنيا في حيص وبيص ولن نستطيع أن نَرُدّ على ذلك. أول شيء في الرد: أن ملك الموت جاء لسيدنا موسى على هيئة رجل، وسيدنا موسى ظن أنه رجل يريد إيذاءَه، هو لم يقل له: إني ملك الموت وجئت لأقبض روحك، إنما الرواية التي معنا -كما قرأناها- هذا أولها: ((أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇ فلما جاءه صكَّه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتَنِي إلى عبد لا يريد الموت)) إذن جاء الملك على هيئة رجل. ونقف مع مجيء الملك على هيئة رجل أولًا، فهذا أمر وارد وثبت بالأدلة بالنسبة لسيدنا النبي ﷺ في قصص كثيرة، وأشهرها الحديث المعروف عند المحدثين باسم حديث جبريل ﵇ وهو المرويّ، صدَّر به الإمام مسلم صحيحه: ((بينما نحن جلوس ذات يوم عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، فجلس إلى النبي ﷺ حتى أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخِذيه، وقال: يا محمد، ما الإيمان؟)) ... إلى آخره، سأل النبي ﷺ عن الإيمان، وعن الإسلام،

стр. 325

وعن الإحسان، هو حديث معروف مشهور في أعلى درجات الصحة، وفي نهاية الأسئلة: ((انصرف الرجل فطلبه النبي ﷺ فطلبوه، فلم يجدوه، فقال النبي ﷺ : هذا جبريل، آتاكم يعلمكم أمورَ دينكم)). إذن الملائكة يتشكلون على هيئة البشر أحيانًا، وأحيانًا كما في (الصحيح) أيضًا كان يأتي الملك سيدُنا جبريلُ على هيئة دحية الكلبي، صحابي معروف عند الصحابة -رضوان الله عليهم- جميعًا. إذن تَخَلّق الملائكة بخِلقة البشر هذا أمر مكَّنهم الله منه، هم لا يصنعون ذلك إلا بإرادة الله ﵎. ويقول العلماء: إنَّ مَنْ يكون على غير هيئة البشر، إذا أخذ هيئة أخرى على غير هيئته التي خلقه الله عليها، هذا يتم بإرادة الله، ولِحِكَمٍ يريدها الله يُحْكَم بقانون الهيئة التي اتخذها، الجن أيضًا أعطاهم الله القدرة على التشكل بأشكال مختلفة: يأتون على هيئة حيوانات، أو على هيئة بشر. هذا أمر معروف وعليه الأدلة، ونحن لا ننتقل للكلام عليه. لكن الذي أريد أن أوضّحه أن الملك أو الجن إذا أخذ هيئة البشر حُكِم بقانون البشر، بمعنى أنه تكون له يد وعين، ومن الممكن أن يَلطِم وأن يُلطَم ... إلى آخره. إذن سيدنا موسى تعامَل مع بشر، لم يخبره أنه ملك الموت وجاء ليقبض روحه. هذه مسألة أُولى، مجيء الملك على هيئة البشر وأنه جاء لموسى ﵇ بهذه الهيئة، وأن موسى ﵇ تعامل معه على أساس هذه الهيئة التي جاء بها عليه. ثانيًا: ظَنَّ سيدنا موسى أنه رجل يريد إيذاءَه، فدفع الإيذاءَ عن نفسه بما لم يكن يقصده من فقء العين، كما نعلم أن سيدنا -موسى ﵇ كان قويًّا متينًا، هذا ثبت في القرآن الكريم: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦) وأيضًا في قصة الخلاف بين الإسرائيلي والمصري:

стр. 326

﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (القصص: ١٥) سيدنا موسى وكزه، لم يضربه بآلة قاتلة، ولم يضربه ضربًا شديدًا، رزقه الله القوةَ، هذه لحِكَم أخرى، وعلى رأسها أنه يتعامل مع قوم متعِبين مرهِقين جدًّا، بنو إسرائيل هؤلاء رأى منهم سيدنا موسى ما لا يحتمل وما لا يُتَصَوّر، لكن لأمور أرادها الله تعالى كان سيدنا موسى قويًّا جدًّا فوكزه، إذا أحد منا وكز إنسانًا آخر، هل هذه الوكزة تقضي عليه؟ لكنها بالنسبة لسيدنا موسى لأنه كان قويًّا قضت عليه، فلعل سيدنا موسى لَطَمَهُ لطْمةً لا يقصد بها أن يفقأ عينه فحدث ذلك. أما قضية: هل الملك له عين، فهل تفقأ؟ قلنا: إن الملك إذا أخذ هيئة البشر حُكِمَ بقانونها؛ فيُصبِح له عين، وله أرجل، وله أيدٍ، ومن الممكن أن يُلحِق الأذى بأيّ عضو من هذه الأعضاء، لأنه في الحالة التي تخلَّق فيها على هيئة البشر، أو أخَذَ في هيئة البشر، يُحْكَم بقانون البشر؛ فيتعرض لما يتعرض له البشر من كل شيء، هذا أمر قرره العلماء والأدلة قامت عليه، يمشي ويركب، ويلبس الثوب الأبيض، ويتكلم باللسان العربي الفصيح، كما جاء مع سيدنا النبي ﷺ : ((شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، وجلس كما يجلس البشر جميعًا، وأسند ركبتيه إلى ركبتَي النبي ﷺ ووضع يديه على فخذَي النبي ﷺ وسأله: يا محمد ... )) إلى آخره، ثم انصرف بعد أن قال الأسئلة التي أراده الله أن يقولها. إذن جاء الملك على هيئة بشر، لم يخبر سيدنا موسى بأنه ملَك الموت، سيدنا موسى ظنَّه رجلًا يريد إيذاءَه، فدفعه عن نفسه، هذه الدَّفعة كانت قويةً من غير

стр. 327

قصد إيذاء، إلا أنها فقأت عينَ الملك، فذهب إلى ربه يشكو له وقال له: ((إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت)). هذه بعض التلخيصات للرد على هذه الشبهة: الإمام النووي في (شرح مسلم) يقول: أولًا: ربما أذِنَ الله لموسى في تلك اللطمة؛ امتحانًا للملك نفْسِه الذي يقوم بهذه المهمة، يعني: امتحانًا للملطوم نفسه وهو الملك، كأن الله ﵎ يريد أن يقول له: ستتعرض لبعض المشاكل أثناء تأدية مهمتك، فعليك أن تتحملها، وأظن أنه لا توجد مهمة أبدًا في الدنيا من غير أن تكون لها بعض المشاكل الجانبية، وعلى الذين كُلِّفوا بمهامّ أن يتحملوا بعض المشاقّ التي تتعلق بأدائهم لهذه المهمة، وعليهم أن يصبروا وأن يحتسبوا، وأن يطلبوا الأجر من الله ﵎. هناك وجه آخر في القضية قاله العلماء، قاله الإمام النووي، وقال القرطبي، وقاله القاضي عياض في تفسيرهم لفقء موسى لعين ملك الموت: إن هذا كان أمرًا معنويًّا، يعني: بمعنى أنه ليست هناك عين حقيقية فُقِئَت ولا شيء، والمراد أنه غَلَبَه بالحجة، يُقَال في المجاز عند أهل البلاغة وفي اللغة: فلان فقأ عين فلان أي: أفحمه، وأقام عليه الحجة، ومع أنهم ذكروا هذا الرأي إلا أنهم قالوا: إنه وجه ضعيف، يردّه ما ورد في الحديث نفسه من أنْ عاد إلى الله تعالى، فردَّ الله إليه بصرَه، فلو لم يكن هناك فقء حقيقي للعين ما كان هناك معنى لقوله: ((فردّ الله عليه عينه)). أيضًا ليس في الحديث تصريح بتعمُّد سيدنا موسى ﵇ لإيذاء الملك، وهذا وجه قاله القاضي عياض، وقاله المازاري، وقاله غيرهم، أين هو النص في الحديث

стр. 328

الذي يبيِّن أن سيدنا موسى تعمَّدَ إيذاء الملك، هو يقول: ((صكه))، مثل: ﴿وَكَزَه﴾ في الآية القرآنية، فقضى عليه من غير قصد للقتل أبدًا، وأيضًا هنا صكه ففقأ عينه من غير قصد للإيذاء. إذن ليس في الحديث ما يدل أبدًا على أن سيدنا موسى تعرض بالقصد المتعمَّد بالإيذاء لملك الموت حين جاءه. أيضًا يقول القرطبي في (المفهم): هي عين متخيَّلة لا حقيقة، أو هي معنوية بمعنى الحجة، قال: وهذان القولان لا يُلتفت إليهما لفسادهما. هذا تعبير القرطبي في (المفهم). يعني: علماؤنا من شدة إيمانهم بالحديث لم يقبلوا بالمجاز فيه، ولم يقبلوا صرْفَه عن حقيقته؛ لأنه ليست عندنا لا ضرورة إيمانية ولا ضرورة عقدية ولا أي إشكال أبدًا في فَهم الحديث على ظاهره كما ورد في كتب السنة؛ ولذلك تكاد تُجْمِع كلماتُهم على رفض التأويل المجازي لهذا الحديث، هذا وقع من قوم لا يَمتنع عندهم في فَهمهم، مثل: الإمام النووي، والإمام القرطبي، من القول بالمجاز في كثير من القضايا. يقول القرطبي -رحمه الله تعالى-: وهذان القولان -أي: هي عين متخيلة، أو معنوية- لا يلتفت إليهما لفسادهما، وخصوصًا الأول التي هي عين متخيلة؛ لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة لها، يعني: لو أردنا مثلًا مخافة الشُّبَه والتهم أن نصْرِف الحديث عن ظاهره بأن نقول: إنها عين متخيلة وليست حقيقية، لوقعنا في إشكال آخر، معنى ذلك أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة على غير هيئتهم الملائكية لا حقيقة له، يعني: من الممكن أن يكون ملكًا أو ليس ملكًا، والنبي لا يعرف ذلك، وهذه قضية خطيرة جدًّا، إنما أن يقال: إنه كما قلت لم يقصد الإيذاء، وإن العين حقيقية، غير أن ملك الموت لمَّا أتى على

стр. 329

هيئة رجل لم يَعْرِف سيدُنا موسى أنه ملك الموت، وأنه رأى رجلًا دخل منزله بغير إذنه، فدافع عن نفسه، فلطم عينه ففقأها من غير قصد منه، وهذا أيضًا رأي ابن خزيمة -رحمه الله تعالى-. هناك أيضًا توجيه آخر، واعتبره القرطبي أقوى الآراء في فَهم المسألة: وهو أن ملك الموت لم يخيِّرْ سيدنا موسى في قضية الموت. ومن بيْن الشُّبَه التي ذكرناها هناك من تساءل: هل ملائكة الموت يخيِّرون الناس أو يستأذنونهم قبل قبض أرواحهم؟ هذا ثابت بالنص في حق الملائكة، الحديث في الصحيحين رواه البخاري ومسلم: ((إن الله تعالى لا يقبض روح نبي حتى يُخيِّره)). وأيضًا هذا ثابت في حديث النبي ﷺ : ((إن الله خيَّرَ عبدًا، فاختار ما عند الله)) ول ذلك حتى هذا الحديث لمَّا سمعه أبو بكر ﵁ بكى، وتعجب الناس من بكاء أبي بكر، هذا الحديث مرويّ في (الصحيحين) في فضائل أبي بكر -رضي الله تبارك عنه- ومن رواية أبي سعيد الخدري، يقول: "تعجبنا من بكاء أبي بكر، النبي ﷺ يتحدث عن رجل خيَّره الله، فاختار ما عند الله، اختار الرفيق الأعلى، فلماذا يبكي أبو بكر؟ لكن فهِمْنا بعد ذلك أن هذا الرجل الذي خُيِّر هو رسول الله ﷺ فعلمنا أن أبا بكر ﵁ هو أعلمنا". هذا من الأدلة التي يستدلون بها على أن أبا بكر ﵁ هو أعلم الصحابة. لكن محل الشاهد أن النبي ﷺ خُيِّر، وأيضًا في (الصحيحين) في مرض موته: ((بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى ((. وواضح جدًّا في الرواية أن سيدنا موسى لم يخيره الملك، ليس في الرواية نصٌّ أبدًا يفيد أن الملك خيَّره وأنه أعلمه أنه ملك الموت، ثم بعد ذلك فعل به سيدنا موسى ما فعل، كل ذلك ليس واردًا في الرواية، وتحميل الرواية ما لم يَرِد فيها تحميل

стр. 330

بغير موجب أبدًا وبغير مبرر، إنما فقط ليُثيروا الشُّبَه والإشكالات التي لا تساعدهم الرواية على ذلك. الخلاصة: أن ملك الموت جاء على هيئة رجل ولم يخيِّر سيدنا موسى، وسيدنا موسى ظنه رجلًا يريد إيذاءه فدفعه عن نفسه فلطم عينه من غير قصد للإيذاء، وذهب واشتكى إلى ربه فردَّ الله تعالى عينه، أَذِنَ الله لموسى في تلك اللطمة؛ امتحانًا للملطوم، أيضًا هذا وجه آخر قاله العلماء، وهو لا بأس به، وكما قلنا هناك من يقول: إنه على سبيل المجاز، أي: غلَبَه بالحجة، وهذا وارد في اللغة، يقولون: فقأ عينه، أي: أقام عليه الحجة وأفحمه، ومع ذلك فعلماؤنا لم يرتضوا هذا الوجه؛ لأنهم لم يقبلوا بصرف الحديث عن ظاهره، وأيضًا لم يقبلوا أن يقال معها: إن هذه العين متخَيَّلة وليست حقيقية، وردَدْنا وبيَّنَا أن القرطبي ﵀ بيَّن أنه قول فاسد يترتب عليه قول آخر خطير، وهو أن الأنبياء حين يرون صورًا للملائكة فهي لا حقيقة لها، وهذا أمر خطير جدًّا. والقرطبي -كما قلنا- رجح، أو كان أقوى الأقوال عنده، أن سيدنا موسى ملك الموت لم يخيّره، فأراد أن يدفع الأذى عن نفسه بذلك، وسيدنا موسى يعلم أن الأنبياء لا تُقْبَض أرواحهم إلا إذا خُيِّروا. في قضية أن سيدنا موسى يكره الموت: ليس في الحديث أبدًا ما يبين أن سيدنا موسى يكره الموتَ، هو ليس فيه إلا كلمة الملك: ((أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت)) سيدنا موسى لم يقل: إنه لا يريد الموت، بل بالعكس، أنا أتعجب من الذين يُثيرون الشُّبَه، ولأنهم غير

стр. 331

متخصصين فَهُم لا يلتفتون إلى المتون وكيفية التعامل معها، متن الحديث نفسه يردّ على هذه الشبهة، وهي شبهة أن سيدنا موسى لا يريد الموت. لكن دعنا نقول: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) ما هو التطبيق العملي لهذا الحديث؟ وهذا التطبيق العملي ليس من عندنا، هو في (الصحيحين)، أمّنا عائشة تسأل إن كان المراد ما يَنْتَابُنَا من كراهية الموت، فكلنا نكره الموت، كلنا نخشى الموت ونكرهه، فإن كان هذا الحديث ينطبق على هذه الحالة من كراهية الموت جميعنا نقع تحت هذا المحظور، والله في الحديث القدسي سجَّل علينا أننا نكره الموتَ، يقول في الحديث القدسي: ((يَكْرَهُ الموتَ وأنا أكره مَسَاءَتَه)) فكراهية الموت مُسجَّلة على البشر. لكن حديث بالذات: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) التطبيق العملي والفهم الذي أقوله الآن ليس من عند نفسي، إنما تطبيقه من عند رسول الله ﷺ حينما سُئل: هل هذا الحديث المعنيّ به الحالة التي تنتابنا من الخوف من الموت في الدنيا؟ لا، فسره بأنه عندما يقبل الإنسان على الموت فعلًا ويعاين الآخرة، ويرى ما هو مقبل عليه، تنطبق عليه هذه الحالة، إن كان من أهل التوفيق والفلاح والسداد، فيرى موقعَه الطيب الذي أعدّه الله ﵎ له فيفرح بلقاء الله؛ لأنه سيذهب إلى تلك المكانة الطيبة السامقة السامية والجنة بإذن الله ﵎ فيفرح بلقاء الله ويفرح الله تعالى بلقائه، وإن كان مكانه على غير ذلك -ونسأل الله أن يعيذنا جميعًا من هذا- فإنه يخاف ويتألم، ويُقْبِل على الله بنفس كريهة وقلب رافضٍ، لكنه لن يتمكن من الهروب، لكنه رأى آخرته وما هو مقبل عليه من عذاب، فكره ذلك، ويكره الله ﵎ لقاءه.

стр. 332

لكن الذين يحتجون بهذا الحديث، ثم يرتبون على هذا القول بأن عباد الله المخلصين وهم ليسوا بأنبياء وليسوا بأولي العزم من الرسل، لا يكرهون الموت ويُقْبلون على الله بحب، فكيف بنبي من أولي العزم من الرسل يكره الموت؟!! قلنا: الرد من عدة وجوه: أولا: ليس في الرواية ما يفيد أن سيدنا موسى يكره الموت، هذه واحدة. ثانيًا: حديث: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) التفسير له الذي يبين التطبيق العملي له هو من سيدنا رسول الله ﷺ من سؤال أمنا عائشة، وبيّن أن المراد هي لحظة معينة، التي يُقْبل فيها المرءُ على ربه بحب أو ببغض -والعياذ بالله- وفقًا للمكانة المعَدّة له في الآخرة، التي يطَّلع عليها عند المعاينة. ثالثًا: نصُّ الحديث يردّ على هذه الشبهة "ذهب ملك الموت" لا أدري لما لم يلتفتوا إلى هذا "ذهب ملك الموت إلى ربه، إنك يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت" ماذا كانت النتيجة؟ "قال له ربه: اذهب إليه وقل له: ضع يدك على متن ثَوْرٍ" اختر ثورًا، ضع يدك على متنه، على ظهره، وعُدَّ الشعرات التي وقعت يدك عليها. وأنا أسأل: حين يضع أحدنا يده على متن ثور، فكم يكون عدد الشعرات التي تقع تحت يده؟ آلاف الشعرات، هذا تخيير من الله ﵎ لنبيه: إن شئتَ كل هذه السنوات فهي لك. قال موسى ﵇: ((ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن)). أهذا تصرف رجل يخاف الموت؟! إذن نصُّ الحديث لو أعملوا عقولَهم في المتن لعلموا أن المتن يتضمن في طياته الرد على أخطر تهمة يتصورونها أنهم وجَّهوها للحديث، وهو أن سيدنا موسى يكره

стр. 333

الموت، وهو من أولي العزم من الرسل، ثم هذا خطأ لا يقع فيه إلا اليهودُ على حد ما قالوا، اليهود وغيرهم يخافون الموت، لكن اليهود أشد وأنكى، أما كما قلتُ فالله قد سجَّل علينا: ((يَكْرَهُ الموت وأنا أكره مَسَاءَتَه)) أما اليهود فشنيعتهم أشد؛ ولذلك سُجِّل عليهم في القرآن الكريم وفي سورة البقرة وفي سورة الجمعة هذا الخوف: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٩٦) وبيّن أنهم لن يتمنوا الموت أبدًا لا في الماضي ولا في المستقبل، بل هم يحبون العَيْش على أيّ صورة من صور الحياة أيًّا كانت هذه الحياة: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: ٩٦) حتى لو كانت حياة مُتعِبة مرهِقة فيها ذلة، فيها مهانة، هذا ليس من خُلُق أهل الإيمان ولا أهل التقوى، فهم أشنع وأشد في ذلك. أما الخوف الذي ينتابنا نتيجة أننا نعلم أننا مقبلون على الله وأننا سنحاسَب على ما قدمت أيدينا، ونتذكر ما قدمنا من تفريط ومن تقصير، فلا بد، بل هذا شيء طبيعي، لا يتناقض مع الإيمان أن نخاف من الموت، ولعل هذا الخوف يدفعنا إلى أن نُحسِن العمل؛ رجاءً في أن نتبوَّأ مكانة طيبة عند الله . أثاروا سؤالًا: كيف يضع الإمام مسلم هذا الحديث في كتاب الفضائل؟ وأيُّ فضيلة لسيدنا موسى في هذا؟! هم حفظوا شيئًا وغابت عنهم أشياء، كل الذي تنبهوا له أو الذي وقعوا فيه تلك اللطمة، وكيف تقع، وفسروها كما يريدون، ونسُوا أنه فُتِحَ الباب أمامه ليعيش عشرات من السنين، ولكنه أقبل على ما عند الله فهذه فضيلة، ثم سؤاله لربه أن يُدْفَن بالأرض المقدسة، هذه منقبة وفضيلة، كيف لا وهاتان منقبتان؟!

стр. 334

إذا كنا نسجل أننا جميعًا نخاف من الموت كما ثبت عن هـ بالأدلة، فإن سيدنا موسى ﵇ كما فعل نبينا ﷺ خُيِّر فاختار ما عند الرفيق الأعلى، أيضًا جاءه الملك مرة ثانية فقال: ((ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن)). وسأل ربَّه أن يدنيَه من الأرض المقدسة رميةَ حجر، ونال ما تمناه من الله والنبي ﷺ قال: ((لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)) يعني: الجبل الصغير الأحمر. فإذن سيدنا موسى أقبَلَ على الله، تمنى على الله أن يُدْفَن قرب الأرض المقدسة، العلماء الأجلاء الذين يفهمون الأحاديث على وجهها الصحيح ذكروا هذه المناقب لسيدنا موسى أخذًا من هذا الحديث: إسراعه بطلب الموت، تمني الدفن بقرب الأرض المقدسة، وقالوا: حتى لم يطلب الدفن في الأرض المقدسة؛ مخافةَ أن يُتَّخذَ قبره وثنًا يُعْبَد من دون الله ﵎ كما يُفعَل في بعض الأماكن، فكان أنْ طلَبَ الدفن بالقرب من الأرض المقدسة وليس في الأرض المقدسة ذاتِها. إذن هذه أكبر تهمة، وتصوروا أنهم أوقعونا في حَيْصَ بَيْصَ، ولو كانت عندهم دُرْبة على التعامل مع الأحاديث النبوية وذاقوا حلاوتها، لعلموا أن المتن يتضمن في طيّاته الرد على الفِرية الخطيرة التي تصوروا أنهم جاءوا بها. ذكر ما تضمَّنه الحديث من فوائد عظيمة يقول بعض الناس أيضًا في الشُّبَه التي أثاروها حول هذا الحديث: هل فيه فوائد تنفعنا في ديننا ودنيانا، لماذا نتكلم حوله؟ أولًا: علماء السنة وضعوه في كتبهم؛ لأن الرسول ﷺ قاله، والسُّنَّة: هي ما جاءنا عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. ولعلهم يقصدون، ما معنى أن نقوله للشباب الآن أو للناس الآن وحوله هذه الشُّبَه والإشكالات؟ لا، في الحديث فوائد عظيمة عقدية وغيرها سنشير إلى بعضها:

стр. 335

أولًا: في الحديث ابتلاء للمؤمن واختبار له بالإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب أحد عناصر الإيمان الهامة جدًّا، التي ينبغي على المؤمن أن تكون جزءًا رئيسًا من عقيدته التي يَدِين بها الله تعالى، بل إن الله في مطلع سورة البقرة حين تكلَّم عن الغيب، أو عن صفات المؤمنين بمعنى أدقّ، جعل من أول صفاتهم أنهم يؤمنون بالغيب: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:١: ٢) ما أول صفات المتقين؟: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (البقرة: ٣) ذُكِرَ الإيمان بالغيب قبل إقامة الصلاة التي هي عماد الدين، والتي تُفرّق بين المؤمن والكافر، والتي يُحاسَب عليها المؤمن أول ما يحاسب، حين يذهب إلى ربه . إذن -على أهمية الصلاة- قُدِّمَ الإيمان بالغيب على ذلك، على الصلاة، وعلى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة: ٣) وعلى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ٤). وفي الحقيقة الإيمان بالغيب مَحَكّ خطير جدًّا من محكّات الإيمان الحقيقية، بل ونحن نتكلم عن مدرسة العقل وملامحها وقلنا: إنها تُضَيّق جدًّا فكرة الغيب، بل إن اجتراءهم على الغيب، هو كان السبب لردّ هذا الحديث ولغيره من الأحاديث التي فيها ذكر للغيب الذي يعلمه الله . تكلموا عن الشفاعة، وتكلموا عن عذاب القبر، وتكلموا عن الحَوْض، وتكلموا عن أمور كثيرة مما يتعلق بالدنيا أو بالآخرة أو بالغيبيات، مع أن الغيبيات -كما ذكرنا مرارًا- لا مجالَ للعقل فيها، بل هي اختبار للمؤمن، أنت تُصدِّق ما جاء به الرسول ﷺ أو لا تُصدِّق، من الأمور الغيبية التي لا تراها بعينك، والتي لا يَعتمِد الدليل عليها إلا ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة فقط؟ أين أنت من ذلك؟ ففي الحديث اختبار؛ ولذلك كلمة عجيبة جدًّا من السِّنْديّ -رحمه الله تعالى- في حاشيته على البخاري عند تعليقه على هذا الحديث -حديث فقء موسى لعين

стр. 336

ملك الموت- يقول السِّنْديّ: لعل هذا من المتشابه الذي لا يَعلَم تأويله إلا الله، أنا قرأت هذه الكلمة من أكثر من ثلاثين سنة، من خلالها تعلمت أن هناك متشابهًا أيضًا في السُّنة، وكنت أتصور أن المتشابه مقصور على القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (آل عمران: ٧) الذين في قلوبهم زيغ دائمًا هم الذين يتبعون المتشابه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٧). فيقول السِّنْديّ: لعل هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. والبعض، لا تعجبه كلمة السِّنْديّ، ويقول: إن هذا انغلاق في التفكير وتضييق على العقل في محاولة تَلمُّس الفهم. لا، هذا وَرَع وتقوَى، هبْ أنني أمام حديث ثبتت صحته وأجمعت الأمة على صحته كما هو الحال معنا، وعمِيَ عليَّ فهمه، غاب عني إدراكه على الوجه الصحيح إلى أن أقرأ، إلى أن أسأل أهل العلم، هل الحل هو في الجرأة على الحديث وردّه؟ هذا هو الحل الذي يرونه؟ عقولهم لا تقبله، ولا تقبل محامل العلماء التي حملوا الحديث عليها في هذا أو في غيره، يسارعون إلى رده، هذا هو الحل الأمثل من وجهة نظرهم؟ هكذا يتصورون. إذن في الحديث فعلًا ولو لم يكن فيه إلا هذه الفائدة لكفاه هذا بصدق الإيمان، يكفي أننا نُخْتَبر في إيماننا بالغيب، يخبرنا النبي ﷺ في هذا الحديث في أمر غيبي، وهو الصادق المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، فهل نصدقه أو لا نصدقه؟ أيضًا هناك ذكر للقِصَص السابقة مع الأنبياء السابقين ومع غيرهم، وكلها دروس وعظات وعِبَر للمؤمنين، هذا الحديث يعتبر مما وقع على الأمم السابقة، وله نظائر كثيرة جدًّا في القرآن الكريم وفي أحاديث النبي ﷺ ، يقُصّ الله قصة سيدنا

стр. 337

نوح في سورة هود على النبي ﷺ : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: ٤٩) استفدْ من الدروس المليئة التي امتلأت بها القصة ﴿إ ِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: ٤٩). في سورة القصص، وهو يتحدث عن قارون يختم القصة بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: ٨٣) وفي قصة مريم: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: ٤٤) وفي قصة يوسف ﵇: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ (هود: ٤٩) أنت لم تكن هناك لا أنت ولا قومك؛ فهذا دليل على صدق نبوتك. إذن كثير من الغيبيات ذكَرَها النبي ﷺ عن الأمم السابقة، وذكَرَها القرآن الكريم، وهي اختبار للمؤمنين، هل تؤمنون بالنبي ﷺ ثم تنتقون من كلامه ما يوافق عقولكم أو أهواءكم فتقبلون هذا وتردون ذاك؟ هل تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ كل ذلك لا يصلح مع منطق الإيمان؛ ولذلك كان اختبارًا ينجح فيه مَن ينجح ويرسب فيه مَن يرسب، ونسأل الله أن نكون من الناجحين. أيضًا قلنا: فيه عظات: يعني" الحديث فيه فوائد كثيرة، إنه اختار ما عند الله، فيه أيضًا تمني الموت بالأرض الطيبة المقدسة. أيضًا كما قلنا: الإنسان أو البشر، اختارنا الله للجهاد مثلًا، اختارنا الله لنشر العلم، اختارنَا الله للدعوة، لا نتصور أن الطريق سيكون مفروشًا بالورود، بل

стр. 338

لا بد لكل مهنة من معاناة ومن تعب ووصب، ومن مشاكل تثار حولها، على القائمين عليها أن يتحملوا ما يلاقونه وهم يؤدون مهمتهم؛ ابتغاءَ ما عند الله، ورجاءً في أن ينجحوا بالمهمة التي كُلّفوا بها من قِبَل الله ﵎ ومن هنا أيضًا كان الأمر امتحانًا لملك الموت. أيضًا في الحديث دلالة على أن كراهية الموت جِبلة في الإنسان، ورغم أن الحديث ليس فيه ما يشير إلى كراهية سيدنا موسى من الموت، وقد ردننا على هذه الفرية، وقلنا: إنها ليست مأخوذة إلا من ملك الموت حين قال: ((إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت)) لكن بيَّنا من خلال الأدلة الأخرى أن كراهية الموت جبلة في الإنسان، لكنَّ هذه الكراهية لم تمنع من أن يأتيه الموت في الوقت الذي يريده الله ﵎. القول بأنَّ لكل إنسان أجلًا محدَّدًا، وهذا الحديث يتعارض مع ذلك؟ لا يتعارض؛ لأننا قلنا بالحديث في (الصحيحين): إن الأنبياء يُخَيَّرون، والحديث أفاد ... أو كان لا بد من قضية التخيير هذه، فالأنبياء مستثنَوْن من هذه القضية إذا اختاروا ما عند الله، وعلى كل حال فالأدلة الواردة كلها تدل على أنهم دائمًا يختارون ما عند الله ﵎. أيضًا الحديث يدل على أن الملائكة تتشكل بالبشر؛ ولذلك كانت العاهة التي أصابت الملك لصورته البشرية، أما صورته الملائكية فلم تتغير ولم تُصَبْ بأذى؛ لأننا قلنا: إن الملك حين يتشكل بهيئة بشرية فإنه في هذه الحالة يُحْكَم بقانون الهيئة التي أخَذها، فمن الممكن في هذه الحالة أن يلحقه الأذى كما يلحق البشر. وقلنا: واضح جدًّا من حديث جبريل أنه جاء يلبس الثياب، وهي بيضاء نقية لا غبش فيها ولا غبارَ، ولا يرى عليه أثر السفر، وشديد سواد الشعر، وشديد

стр. 339

بياض الثياب، كلها صفات بشرية، يصفونه وهم يصفون بشرًا لا يصفون ملكًا؛ لأنهم إلى هذه اللحظة لا يعرفونه، فلمَّا انصرف قال لهم النبي ﷺ : ((هذا جبريل، أتاكم يعلمكم أمور دينكم)). أيضًا السابق واللاحق من أمة الإسلام أمةٌ واحدة، السابق من الأنبياء؛ لأنهم مسلمون، ومن اللاحق داخل أمة الإسلام نفسها أو من المسلمين من السابقين كلهم أمة واحدة، أهل إيمان وأهل تقوى، قوانين الله ﵎ فيهم واحدة لا تتغير، جزاء المؤمن الجنة، على المؤمن أن يؤمن بالغيب، عليه أن يرضى بما قسَم الله ﵎ له، كل ما يتعلق بوحدة الأمة، وهي أمة واحدة فعلًا؛ ربها واحد، وقرآنها واحد، ونبيها واحد، وقِبلتها واحدة، كل شيء في هذه الأمة يجمع بين هذه الأمة على أنها أمة واحدة، لا ينبغي أبدًا أن تسمح لأحد بأن يخرق وحدة هذه الأمة، وأن يُفسد على الأمة وحدتها أبدًا كائنًا من كان، إنما هي أمة حتى وإن اختلفت ألسنتها أو اختلفت ألوانها أو اختلفت أوطانها، فهي أمة واحدة، على قلب رجل واحد منهم، تُحْكَم بقرآن وسُنّة، عباداتهم كلها واحدة، وتؤدَّى في وقت واحد؛ فهذا يدل على وحدة أهل الإيمان في كل زمان ومكان. أيضًا الحديث آمنت به كل الأمة، من أول ما قاله النبي ﷺ لم نسمع أبدًا للأقدمين من الصحابة أو من الأجيال الصالحة، اعتراضًا على هذا الحديث بهذه الدعاوى الزائفة التي يذكرونها الآن، ويثيرون شبهًا وهي لا تصمد أمام البحث الصحيح بدون أدنى تعسفٍ، لكن الحديث ليس في المعنى أبدًا ما يثير أيّ غبار إيماني أو عقدي حتى نخشى منه، أو حتى نخاف منه، أو حتى نتمنى ألا يكون قد قيل، هذا كله لا نرى فيه شيئًا، وقد وضَّحْنا.

стр. 340

أيضًا من فوائد الحديث: أن لله قوانينَ لا يستثني منها أحدًا، لا أحد يقول عن نفسه: إن هذا القانون الإلهي لا ينطبق عليه، الموت الكل سيموت، وسيدنا موسى فَقِهَ ذلك: ((لك بكل شعرة تقع تحت يدك إذا وضعتها على متن ثَوْر سَنَة)) ومع ذلك يسأل، فالموت، نعم ماذا بعدُ؟ هو الموت، أنت لم تُستثنَ من هذا، وأنت من كرام خَلْق الله على الله، ومن أفضل خمسة من الأنبياء، من أولي العزم من الرسل؛ إذن فأنت من أفضل خمسة من البشر، ومع ذلك قانون الله ﵎ ينطبق عليك، غاية ما في الأمر أنك خُيِّرت الآن أو بعد الآن. هذا هو الذي زاده الأنبياء على غيرهم أنهم يُخيَّرون فقط، ربما ذلك لِحِكَم: هل يواصلون القيام بمهمتهم في الدعوة؟ هل يواصلون مهمتهم في القيام بالرسالة؟ هل يشعرون أن مهمتهم قد انتهت؟ أو يحتاجون إلى أجل إضافي ليتمموا ما بدءوه وليكللوا عملهم بالنجاح؟ وكل ذلك رغبة في أن يُرضوا اللهَ بأنهم قاموا بالمهمة على خير قيام، لكنَّا كما قلنا الأدلة التي بين أيدينا هذا سيدنا موسى، وهذا سيدنا النبي ﷺ لم يُخَيَّر أحدٌ منهم إلا اختار الرفيقَ الأعلى؛ لأنهم يعلمون أن ما عند الله خير وأبقى، وأفضل وأحسن وأكرم مما هو في الدنيا بكثير. أيضًا في الحديث فضل الموت في الأرض المقدسة، وهذا إذا حدث هو على كل حال لا يترتب عليه تمييز أو رفع في الدرجات، لكنها أرض مباركة قد ينال صاحبها بركتها، لكنَّ المعروف أن الأعمال هي الشفاعةُ التي نقدمها عند ربنا لنا بعد فضل الله ؛ لأنه: ((لن يُدْخِل أحدَكم عملُه الجَنّة -كما أخبر بذلك

стр. 341

الصادق المصدوق- ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل)). أما قضية الاعتداء على موظف أثناء عمله: فهذه حجة سخيفة، لا يجوز أن نتعامل بها مع الأنبياء، ومع ذلك كما قلنا: ليس في الحديث ما يُشْعِر أنه جاءه يخبره أنه ملك الموت، وأنه جاء للقيام بمهمته معه، إنما هو فقط كما قلنا ظنَّه رجلًا يريد إيذاءه، ونحن طُولِبْنَا بأن ندافع عن أنفسنا وعن أموالنا وعن أوطاننا، لا نستسلم لأي اعتداء علينا، إنما نحاول أن ندفعه بقدر ما يمكن، نعم ندفعه بغير إيذاء، لكن إذا وقع إيذاء فهذا مراد الله، وسيدنا موسى لم يقصد إيذاء الملك، وإنما الذي وقع كان بسبب قوته. الحديث في النهاية صحيح وقوي، وعلى العين والرأس، ولا نقبل أي جدل حوله أبدًا، وقد رددنا على الشُّبَه المتعلقة به. هذا وبالله التوفيق، وصلّ الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 342

الدرس: ٢٠ حديث السحر، ودفع ما أثير حوله من شبهات

стр. 343

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (حديث السحر، ودفع ما أثير حوله من شبهات) تخريج الحديث وبيان درجته، وشرح بعض معانيه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: نبدأ أولًا بتخريج الحديث لبيان درجته: حديث السحر هذا ورد من روايةِ مجموعةٍ من الصحابة -رضوان الله عليهم- ولكن أشهر رواية رواية أمِّنا عائشة -رضي الله تعالى عنها-. يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه من حديث أمِّنا عائشة -رضي الله تعالى عنها- روى هذا الحديث عنها عروة بنُ الزبير ابن أختها، أسماء، وروى عنه ابنُه هشام، تقول: ((سَحَرَ رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُرَيْق يقال له: لَبِيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يُخَيَّل إليه أنه كان يفعل الشيءَ وما فعله، حتى إذا كان ذاتَ يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: يا عائشةُ، أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفيتُه فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرَّجُل؟ فقال: مطبوب. قال: مَنْ طبَّه؟ قال: لَبِيد بنُ الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مُشط ومُشَاطة، وجُفّ طَلْع نخلةٍ ذَكَرٍ. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذَرْوانَ. فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء، فقال: يا عائشة، كَأَنَّ ماءَها نُقَاعة الحِنَّاء وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين. قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجتَه؟ قال: قد عافاني الله، فكرهت أن أُثير على الناس فيه شرًّا. فأَمَر بها، فدُفِنَت)). هذا حديث رواه الإمام البخاري في كتاب: الطب، باب: السحر، ورواه في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، بنفس الإسناد الموجود معنا هنا، وأوّله: "سحر النبي ﷺ " ورواه في كتاب: الدعوات، ورواه في كتاب: الأدب، ورواه في كتاب: الطب أيضًا، هل يستخرج السحر؟ إلى آخره، ورواه في كتاب: الجزية الموادعة، في باب: هل يعفى عن الذمي إذا سَحَرَ؟

стр. 344

ورواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب: السلام، باب السحر. ورواه الإمام النسائي في سننه الكبرى في كتاب: الطب، باب: السحر. ورواه ابن ماجه في سننه، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده في عدة مواطن، وليس في موطن واحد، وأخرجه ابن حبان -رحمه الله تعالى- في صحيحه أيضًا في كتاب: التاريخ، باب: كتاب النبي ﷺ إلى آخره، أبو يعلى أخرجه والبيهقي في (دلائل النبوة) أخرجه، وابن سعد في (الطبقات) أخرجه، والحميدي في مسنده أخرجه، والإمام الشافعي في مسنده، أخرجه، والبيهقي في سننه الكبرى أخرجه، وابن جرير الطبري في (التفسير) أخرجه، كلها روايات من أمنا عائشة، وهناك طرق أخرى لأمِّنا عائشة أيضًا في كتب السنة. هذا التخريج يدل على أن هذا الحديث قد ملأ كتب السنة، وأنه لا يوجد مصدر أو ديوان من دواوين السُّنة المطهرة إلا وقد تعرَّض لهذا الحديث وذكره. إذَن الحديث بعد هذا التخريج صحيح، بل في أعلى درجات الصحة، الحديث إذا رواه البخاري ومسلم فقد تلقته الأمَّة بالقبول، وهو المتفق عليه، وهو في أعلى درجات الصحة، وعلماؤنا يُقسِّمون الحديثَ إلى مراتب الحديث الصحيح، أعلاها باتفاق الأمة ما اتفق عليه البخاري ومسلم. ننظر الآن في بعض لغويات الحديث: السحر له معانٍ متعددة، منها: صرْف الشيء عن وجهه بما خفيَ ولَطف ودقَّ، يعني: نصرف الشيء عن وجهه الذي هو عليه، ووسيلتنا في هذا الصرف بأشياء دقيقة خفية لطيفة لا يراها أحد، أو لا يكاد يعلمها كثير من الناس، ومنه قول الله ﵎: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (الحجر: ١٥) أي: مصروفون عن

стр. 345

المعرفة بالحقيقة، والسحر يُطلَق على الأمور الحسية وعلى الأمور المعنوية، ما دام يصرفك عن الحقيقة أو عن المتابعة، أو يقع في نفسك تزيين، فهذا نوع من السحر؛ ولذلك يقولون مثلًا ... وهذا في الحديث، رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه قدما رجلان من المشرق، فخطبا، فعجب الناس لبيانهما -يعني: كلامهما كان حلوًا طيبًا فصيحًا بليغًا- فقال رسول الله ﷺ : ((إن من البيان لسحرًا، أو إن بعض البيان سحر)) هذا رواه البخاري في كتاب الطب، باب: "إن من البيان لسحرًا". إذن هذا البيان يكون سحرًا؛ لأنه قد يُقْصَد به تزيين الباطل، وقد يُقْصَد به صرف الناس عن الحق، يعني: الناس تتلقى الكلام الحلو وتتأثر به وقد لا يكون صادقًا، وقد لا يكون حقًّا، وقد يكون المقصود به أن يُصرَفوا عن الجهاد، عن متابعة مسألةٍ ما، فخدعهم هذا القول، فهذا نوع من السحر في المعنويات، يعني: ليس هناك شرْط، بأنْ جسمه سُحِر، أو عقله سحر، إنما صُرِفَ عن متابعة الحق بهذا الكلام المزيَّن الجميل المزخرف الذي خُدِعَ به سامعه. الكلام عن السحر له تفصيلات كثيرة، وكتب كثيرة مؤلفة عن السحر، وكل كتب السنّة التي شرحت الحديث تكلمت عن السحر، وكيف يكون؟ وآيات تفسير القرآن الكريم في قصة سيدنا موسى مع سحرة فرعون، تعرضوا لكثير جدًّا من السحر. السحر وسائله شديدة أو كثيرة، تكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، هو لا يظهر إلا على يد فاسق أو كافر، هو لا يُستدَل به على نبوة ولا يُتَحَدَّى به الخلق، وأحيانًا يكون بالاستعانة بالشياطين وبخداع وتخيلات لا أصلَ لها، المقصود بها خداع الناظر واستمالته كما يفعل الحُواة الذين يعتمدون على

стр. 346

خفة اليد وما إلى ذلك، يعني: هو يكون بالاستعانة بالشياطين، هو لا يصلح أن يكون معجزة؛ لأنه لا يُتَحَدَّى به الخلق، ولا يُسْتَدل به على نبوة، ولا تنقلب به حقائق الأشياء. وأنا هنا سأقف وقفة يسيرة مع عدم انقلاب حقائق الأشياء به؛ لأن هذا هو اللُّب في عمل السحرة كلهم، ولعل كثيرًا من المؤمنين يُحس بالعجز؛ لأنه يتصور أن الساحر يستطيع أن يفعل به ما يريد، وهذا ضعف في الإيمان خطير، بالإضافة إلى أنه فهْم خاطئ لقدرات السحر، الساحر لا يستطيع أبدًا تغيير حقائق الأشياء، علينا أن ننتبه إلى ذلك؛ لأنها مسألة عقدية، مسألة خطيرة أن تعطي للساحر القدرة على أن يغير حقائق الأشياء، فكأنك أعطيته ما لله؛ ولذلك الذي يأتي الساحر ويصدقه أو الكاهن ويصدقه أو العراف ويكهنه: ((فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ))؛ لأنه أعطى ما لله لغير الله. قصة سيدنا موسى مع السحرة: أولًا: القرآن وصفهم بأنهم في أعلى درجات السحر، لما جاء سيدنا موسى -كما في سورة الشعراء- إلى فرعون وناقشه، عَرَضَ فرعون الأمر على الملأ، فقال: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٣٦، ٣٧) ﴿سَحَّار﴾ على وزن فعَّال، و ﴿عَلِيمٍ﴾ على وزن فَعيل، صيغتان من صيغ المبالغة، يعني: هم في علم السحر، والسحر علم غير أن تعليمه حرام، وتعاطيه حرام، وكل ما أوتوا له حرام، لكنه علم له قواعد وأصول، إذن هو كل سحّار، يعني لم يقل: ساحر، عالم، مثلًا على وزن فاعل، إنما سحار عليم، مما يدل على أنهما في أعلى قمم علم السحر إن كان للسحر علم، وله قمة.

стр. 347

والمهم: هؤلاء السحرة جاءوا مذهوِّيين منتفخِين واثقين من النصر يُقْسِمون بعزة فرعون -الذين يزعمون أنه إلههم- أنهم هم الغالبون، وكأنهم لثقتهم يقولون لموسى: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (الأعراف: ١١٥) سواء ألقيت أولًا أو ألقينا نحن أولًا نحن سنغلبك سنغلبك. كل هذه الصور المتكاملة من الموقف تُشْعِر بأن السحرة علماء كبار واثقون من الفوز، يتطلعون إلى القرب من إلههم المزعوم، ويتمنون أن ينالوا رضاه وعطاءه في وقت واحد، بدأت المسألة: ألقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون. أول الناس الذين آمنوا هم السحرة، الذين وصلوا في علم السحر إلى قمته وتبوءوا الذروة منه، وكانوا يتمنون العطاء، فإذا بهم يُهدَّدون بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فلا يأبهون بذلك، يقولون: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٥٠)، سبحان الله! لماذا؟ هذا هو لُبّ المسألة التي أتكلم فيها، وأنا استطردت إلى هذه المسألة لخطورتها وأهميتها العقدية، وأنا أثق في مجال الدعوة، وأتكلم عن هذا كثيرًا أن من أهم أسباب تنامي مكانة السحرة أننا ضعفاء أمامهم، وأننا لا نأخذ بالتحصينات الشرعية، وأننا نتصور أن لديهم القدرة على أن يفعلوا بنا ما يريدون، أعوذ بالله، فكأننا أعطيناهم بعض قدرات الله ومن هنا كانت خطورة المسألة من الناحية العقدية. لماذا كان السحرة أولَ المؤمنين؟ لأنهم أيقنوا أن الذي جاء به موسى ليس في قدرة بشر، العصا فعلًا انقلبت إلى حية، حقيقتها تحولت، والله كان يؤهله إلى ذلك، في مطلع سورة طه:

стр. 348

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (طه: ١٧ - ٢١). موسى ﵇ يتكلم عن أنه يعرف لماذا يحمل العصا؟ ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾، أراد الله أن يلفت نظره إلى أننا سننبهك إلى لمهمة أخرى لهذه العصا: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾، ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ إذا الفجائية، تحولت إلى عصا، أنت علمت هذه الخاصية، ستحتاج إليها فيما بعد، حين يوحي الله إليك بأن تستخدمها على الوجه الذي يعلِّمك الله إياه. ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (الشعراء: ٤٥) ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ (طه: ٧٠) حتى بدون تردد، الفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، لم يترددوا لحظةً واحدةً؛ لأنهم علموا أن الذي جاء به موسى ليس في قدرة ساحر أبدًا. في المقابل لمَّا تكلم الله عن صنيعهم قال: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦) هي حبال وعِصِيّ باقية على حالها لم تتغير ولم تتحول عن كونها حبالًا وعِصيًّا، غاية ما في الأمر أنه بعمل السحر الذي يعملونه خُيِّل لسيدنا من سحرهم -أي: بسبب سحرهم، مِنْ هنا سببية- أنها تسعى، لكنها لم تتحول إلى حية فعلًا؛ ولذلك لما رأوا العصا تحولت إلى حية علموا أن موسى مؤيَّد من قِبَل الله ﵎ ولذلك يقول المفسرون: لم يقولوا آمنا بموسى وهارون، إنما قالوا ... نقلوا الإيمان مباشرةً إلى رب موسى وهارون، علموا أن البشر لا يأتون بهذا، إنما الذي يأتي به هو الله : ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (طه: ٧٠). إذن السحرة يُستدَل بسحرهم على النبوة، لا يُتَحَدَّى به الخلق، لا تنقلب به حقائق الأشياء، تكون بالاستعانة بالشياطين، أو بخداع وتخيلات لا أصل لها،

стр. 349

يتم بها خداع الناظر واستمالته، ويتصور أن الذي يحدُث أمامه كأنه حق، والسحرة يعانون معاناة في تركيب أشياء في الدفاع في فعل أشياء حتى يتحقق لهم ما يريدون، وهو لا يأتي إلا على يد فاسق أو كافر، والعياذ بالله ﵎. شرح حديث السحر ((سحَرَه رجل من بني زُرَيْق يقال له: لَبِيد بن الأعصم))، هو ليس يهوديَّ الأصل، هو يهودي بالحِلْف مع اليهود، هو أنصاري خزرجي من بني زُرَيْق، يعني: من الأنصار لكنه منافق؛ لأنه تعاطى السحرَ وسحَرَ النبي ﷺ . إنما وصفته الروايات بأنه يهودي؛ لأنه كان بينه وبين اليهود حِلْف، وهذا كان موجودًا في المدينة بالذات، تَحالفَ كثيرٌ من بطون الأوس أو بطون الخزرج مع اليهود؛ نظرًا لما كان لهم من سَطوة اقتصادية أو عسكرية، وكان ذلك قبل الإسلام، وردّوا هذه العهود على أصحابها حين نهى الإسلام عن موالات غير المسلمين أو الذين يحاربون الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الممتحنة: ١) إلى آخره. "حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن"، هذا أثرُ السحر في نفس النبي ﷺ . ((يا عائشة، ألا ترين أن الله قد أفتاني فيما استفتيه)) أي: أظهر لي حقيقة مرضي، أَطلقَ عليه الدعاء، والداعي يسمَّى مستفتيًا والمُجيب يسمى مفتيًا؛ لأنه طلب من ربه أن يكشف عنه ما هو فيه. "الملكان جاءَا" في بعض الروايات أنهما "جبريل وميكائيل"، يسأل أحدهما صاحبه: ((ما يشكو الرجل؟ قال: مطبوب)) طب يطُبّ ويطِبّ في المضارع فاء الكلمة تُضَمّ وتُكْسَر، وهو من

стр. 350

أسماء الأضداد، يعني يستعمل في المعنى وضده. عندنا كلمات في اللغة العربية تستعمل في المعنى وضده، مثل كلمة "مولى" تستعمل على السيد وتستعمل في العبد، أيضًا هنا طَبَّ تطلق على العلاج الذي يتلقاه الناس لعلاج أجسامهم ونفوسهم حين يذهبون إلى الأطباء، ويُطلَق على السحر أيضًا، إذن هو مطبوب يعني: مسحور. ((مُشط ومُشَاطة)) والمُشط: هو الأداة التي نسوِّي بها شعرنا، وهو آلة معروفة لتسريح وتنظيم شعر الرأس واللحية، والمُشاطة هي الشعر الذي يسقط من الرأس نتيجة التمشيط، وهي بكسر الميم وضمها مِشاطة ومُشاطة، وتقال على بقايا الوَبَر من الكتَّان ومن غيره، يقال مثلًا: مشاطة الكتاب، وفي بعض الروايات هي بالقاف المشاقة أو المشاطة، هي بنفس المعنى ما سقط من الشعر. ((جُفّ طَلْع نَخْلٍ ذَكَر)) الجُفّ: بهذا الضبط الذي نقوله -بضم الجيم وتشديد الفاء- هو وعاء طلع النخل، هو الغشاء الذي يكون فيه على الطلع، أي: فوقه، وطرفه الذي يتخلق فيه، وفي رواية مسلم: ((جُبّ)) بدل: ((جُفّ)) وهما بمعنى أيضًا؛ ولذلك وقع الجمع بينهما في رواية عند الإمام أحمد ذكرتْهُما معًا، قالت: "جب أو جف"، وهناك بعض اللغويين فرّق بينهما، بأن الجف: هو وعاء الطلع، والجب -بالباء-: هو ما بداخل الطلعة نفسها. ((بئر ذَرْوانَ)) هو بئر لبني زُرَيْق بالمدينة، هذه المكونات كلها للبئر، مكونات السحر: المُشط والمُشاطة كانت موضوعة في الجب، والجب هذا موضوع تحت الصخرة في وسَط البئر، ولما جاء الملكان وأعلما النبي ﷺ بمكان السحر ذهب هو وجمْع من الصحابة، في روايات كثيرة: عمار بن ياسر، علي بن أبي طالب، استخرجاه من السحر، هناك روايات أنهما دفناه، وهناك روايات أنهما أحرقاه، وهناك غير هذا ...

стр. 351

والمهم أن النبي ﷺ تخلَّص منه ولم يُعَقِّبْ، ولم يُرِد أن يجعلها فتنةً للناس، إنما انتهى الأمر عند هذا الحد. الرد على ما أثير حول حديث السحر من شبهات الشُّبَه التي أثاروها: الشبهة الأولى -ولعلها أخطر شبهة-: هذا الحديث يَحُطُّ من منصب النبوة ويشكك فيه؛ وطبعًا كل ما يؤدي إلى ذلك فهو باطل. ومن ثَمَّ فمن وجهة نظرهم كل ما أدى إلى هذا فهو باطل، والحديث على ذلك باطل، هكذا يزعمون. نقول: كأنهم يريدون أن يقولوا تجويز الحديث يؤدي إلى القدح في النبوة، وقد يؤدي إلى عدم الثقة بالشرع؛ ولذلك أنكروا هذه الرواية، وكما قلت: هذه أخطر شبهة يثيرونها حول هذا الحديث. أولًا: في بداية الرد على هذه الشبهة نقول: إن الإجماع قد انعقد على وجوب عصمة الأنبياء مما يُخِلّ بالتلبيغ، يعني: الأنبياء معصومون مِنْ أن يتعرضوا لشيء يؤثِّر على تبليغهم لدعوتهم ولمنهجهم الذي جاءوا به من عند الله وأيضًا معصومون من المعاصي، ومعصومون من كل ما لا يليق بمقام النبوة، يجوز في حقهم ما يجوز على البشر من: الأكل، والشرب، والنكاح، والزواج، وكل العوارض البشرية التي يتعرض لها البشر،

стр. 352

مما لا يؤدي إلى نقص في مراتبهم السامية: كالمرض، وأيضًا الإغماء، أغمي على النبي ﷺ في مرضه الأخير كما ثبت في (الصحيح)، بخلاف المرض الذي فيه نقص: كالجنون، والجُذام، والبرص مثلًا، الذي يصرف القلوب عن متابعة الأنبياء، كل ذلك هم معصومون منه. فبالجملة: كل ما يؤدي إلى الانتقاص من مقام النبوة ومن أشخاص أصحابها، الأنبياء جميعًا والنبي ﷺ على رأسهم معصومون منه؛ إذن هذه قضية لا جدال فيها، وأيضًا معصومون من كل عوارض بشرية تؤدي إلى نقص في مكانتهم أو منزلتهم أو تؤثر على تبليغهم، مثل: المرض الشديد الذي يصرف القلوب، أو الأمراض المعدية، أو ما شاكل ذلك. أما سائر العوارض البشرية فتسرِي عليهم، ولقد تعجب الكفار فقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: ٧) وكأنهم يريدون أن يأتي ملك من جنس آخر غير الجنس الذي يأتي البشر، مع أنه من المنطق جدًّا حين يأتي الرسول إلى بشر أن يكون بشرًا مثلهم، وأن يخاطبهم بلسانهم حتى يفهموه ويستوعبوا عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم: ٤). ومن العجيب في البيئة العربية القديمة أنهم في الوقت الذي استكثروا واستثقلوا أن يكون فيه الرسول بشرًا قَبِلوا أن يكون فيه الإله حجرًا -والعياذ بالله- مما يدل على خلل العقول، وأن الأمر إذا أوكل إلى العقول بدون عصمة الوحي فإن العقول تضل وتتيه في بيداء الظلمات ولا تهتدي إلى معرفة الحق والصواب. هذا التخيل المذكور ما الذي أثر في النبي ﷺ في السحر؟ الذي يرد على هذا كل الروايات، حتى الروايات المطلقة تحمل على الروايات المقيدة، وهذا فن حديثيّ معروف عند أهل الصنعة، خلاصته: أن النبي ﷺ كل الأثر الذي تعرّض له هو أنه كان يُخَيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، كله أثر السحر.

стр. 353

هل نُقِل عن الرسول قول أو فعل أثناء إصابته بالسحر يُفهَم منه خلل في التبليغ، أو في الأحكام، أو في النقل، أو في آيات القرآن، أو ما شاكل ذلك؟ نحن نتحدى هاتوا لنا موقفًا واحدًا أثناء مرضه بالسحر، حتى العلماء حددوا التاريخ، قالوا: كان بعد عودته من الحديبية، في أواخر سنة ستة هجرية وأوائل سنة سبعة، وحددوا المكان الذي كان فيه السحر، كل ذلك وارد بالأدلة. يعني: لم يَخْفَ شيء، ليس هناك ما نخفيه ولا ما نستره، لا تأثيرَ للسحر أبدًا على القدرات التفكيرية أو ما شاكل ذلك، أو الوحي الذي جاءه. ونتحدى أن يأتي أحد -هذا الذي كان يخيفنا- أو يقال: قولكم بالسحر قد أثَّرَ على النبوة، ونتحدى أن يأتي موقف واحد يبين أنه أثَّرَ على ما يخص التبليغ، وما يخص الدعوة، وما يخص مهامّ النبوة بأيّ صورة من الصور. ((يُخَيَّل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله))، هذه رواية مطلقة فُسِّرت في روايات متعددة كلها في (الصحيح) بأنه يُخَيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. وأثَر السحر يبدو في المقام الأول في قضية المعاشرة الزوجية، هل سمعنا عن رجل اختل عقله بسبب ذلك؟ هل سمعنا عن رجل ظهرت عليه علامات الجنون أو الخبل؟ لم نسمع أن رجلًا من الناس بسبب ذلك تعرض لشيء يتعلق بفكره، بعقله، بقدراته البشرية، أو البدنية، أو كذا ... نحن قلنا: إن الساحر لا يستطيع تغيير حقائق الأشياء، هو لا يسلب الرجل القدرة ثم يعيدها إليه، كل الذي يحدث إنما هو أثر في نفس المسحور، فيتخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، لكن القدرات لم تمس، لا القدرات العقلية، ولا القدرات البدنية، وحتى غير الأنبياء أمامنا دليل، ونحن نتحدى في هذا، حتى في حياة البشر العاديين أن يأتوا بحادثة واحدة يقولون: إن مَنْ مُنِعَ النساء بالسحر ...

стр. 354

وهذا هو الميدان الذي يعمل فيه السحرة، وأعتقد أنه لا مكان لهم وغيرهم، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ﵎. نحن نبالغ في قدرات الساحر، وبالنسبة للنبي ﷺ كل الذي حدث أنه كان يُخيَّل إليه أن يأتي النساء ولا يأتيهن، ما دليلنا على ذلك؟ الروايات، ودليلنا على ذلك الأوضح والأقوى أن يأتوا بحادثة واحدة يقولون فيها: إن النبي ﷺ قد أثَّر السحر عليه فيما يتعلق بالقدرات التفكيرية. إذن هو عارض بشري مما يعرض للبشر ولا يخل بمكانته ولا بمنزلته. ثم لا يتصورَنَّ أحدٌ أن هذا الأمر معارض لعصمته ﷺ نحن تعرضنا لهذا قبل ذلك ونُذَكِّرُ به، كثيرٌ من الناس يقول: إن الله قد عصمه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) وتعرُّضه للسحر يعارض هذه الآية ويتناقض معها، وبالطبع حين يصِلون إلى هذه النتيجة فهم يردُّون الحديث، القرآن هو ما تعهد الله بحفظه، هكذا يقولون، ويُزيَّن لهم ذلك بالشبهات التي يثيرونها. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) لا تعني أبدًا أن النبي ﷺ لا يتعرض لمحاولات الإيذاء، لم يقل أحد من الأمة بذلك، بل قلنا: إن تعرضه للإيذاء هو دليل على العصمة. كيف ذلك؟ يعني: الذين يؤذونه يحاولون لكنهم لا ينجحون، لا ينالون ما يريدون، لا يحققون ما يهدفون إليه، إنما يتعرضونه، يحاولون ويُرَدّ كيدهم إلى نحورهم، ويُرَدُّون على أعقابهم فلا يتحقق مبتغاهم أبدًا. النبي ﵊ سُمَّ، ما الفرق بين السم والسحر؟ سُمَّ، فتعرض للسم، وكَشْف السم عنه كان بمعجزة، كما هنا بالضبط م عجزة، تحدثت الشاة وقالت: "إني مسمومة". فظهرت عصمة الله له، أنهم كادوا ضد النبي ﷺ لكن كيدهم أُحبِط

стр. 355

ورُدّ إلى نحورهم، وإلا لو لم يتعرض النبي ﷺ للإيذاء أبدًا، فكيف كنا سنتعرف على أنه معصوم، هل سيكون عندنا دليل؟ فقط ظاهر الآية، أما مواقف عملية تعرَّض فيها لشيء وحُفِظَ، لو لم تكن لدينا تلك المواقف كيف كنا سنرى التطبيقات العملية لهذه الآية!! إذن هذه التعرض للأذى دليل على عصمة الله له وحفظه للنبي ﷺ بمعنى أنه يتعرض: يدبرون لقتله في الهجرة وفي غير الهجرة، يكيدون ضده، يضعون السم في طعامه، يسحرونه ... إلى آخر ذلك، لكن الدعوة ماضية إلى غايتها، ونصر الله معاضد لها، ولم يتركها النبي ﷺ إلا وقد أصبحت على المحجة البيضاء، وأكمل أصحابه المهمة من بعده، فبلغوا دين الله للعالمين. لم تتأثر الرسالة، ولم تتأثر الدعوة، ولم يتأثر الوحي ولا الموحَى به لا في القرآن ولا في السنة، ولا في التبليغ ولا في التشريعات، ولدينا الإسلام كله، ولدينا التحدي الذي نصرّ عليه، بأن يأتي أحد بحادثة واحدة فيها خلل في المنهج بسبب ذلك السحر الذي تعرض له النبي ﷺ . أيضًا لماذا الأمر في حق النبي ﷺ ؟ سيدنا موسى سُحِرَ، والقرآن هو الذي أثبت ذلك، ولم يقل أحد: إنّ سحر سيدنا موسى كان سببًا في شيء يتعلق بالدعوى، ونفس التعبير الذي استعمله النبي ﷺ استعمله ربنا مع سيدنا موسى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦) خُيِّل إليه أنها تسعى بسبب ما صنعوه من السحر، أثَّرُوا فيه، لا أريد أن أقول سحروه، تعرض للسحر، فخيِّل إليه بسبب هذا السحر أن حبالهم وعصيهم تسعى، لكنها حبال وعِصِيّ، لم تخرج عن حقيقتها هذه؛ ولذلك آمن السحرة.
следующие страницы →