← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95991

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (382 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

صحة الحديث من النواحي الفقهية والطبية والحديثية قبل ذلك، يعني: يتكلم عن صحة الحديث، ثم يرد عن الشُّبَه التي أثاروها حوله، التي أشرنا إليها. الحديث رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عبيدة، وأبو يعلى، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، وابن السكن، والبزار، وابن قتيبة، والطبراني، والبيهقي، والطحاوي، وأبو داود الطيالسي، وابن النجار، والبغوي، وابن أبي خيثمة، وابن عبد البر، هؤلاء أصحاب كُتُب من كتب السنة، كلهم لهم طريق لرواية هذا الحديث، ليس كتابًا واحدًا، وليس هو البخاري فحسْب الذي انفرد بروايته، وإنما أشرنا بإيجاز، ونُحيل هنا على كتاب (الإصابة) لفضيلة الشيخ مُلَّا خاطر الذي تتبَّعَ طرق الحديث بكل تفصيلاتها، بل رسم لها شجرات تُوضِّح السند إلى كل صحابي، وتُبَيِّن صحة كل طريق. ولننتقل إلى النقاط المهمة المتعلقة بالحديث: أولًا: الحديث ليس من رواية أبي هريرة فحسْب، ولو كان من رواية أبي هريرة فحسب لكان على العين وعلى الرأس، لكن هم يجترئون على أبي هريرة، ومن ضِمْن المشاكل أو الشبهات التي أثاروها حول السنَّة المطهرة أنهم تجرءوا على أبي هريرة ﵁ وكانت مراجعهم في هذا من كتب الروافض التي وقفت موقفًا شديدًا من أبي هريرة ﵁ ذلك الصحابي الجليل الذي أجرى الله على يديه الخير الكثير للسنَّة، لا نخاف أبدًا أن ينفرد بالحديث أبو هريرة؛ فهو أستحي أن أقول: "هو عندنا ثقة!! " فهو من الصحابة العدول الثقات الذين أجمع أهل السنة والجماعة على ثقتهم وعدالتهم، ولا نبحث فيها أو نتكلم عنها، والذين أثنى الله عليهم في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.

стр. 282

لكن بشكل عام هذا الحديث رواه أبو هريرة، وأبو سعيد الخُدْري، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين-. وكما قلت فإن فضيلة الشيخ خليل مُلَّا خاطر قد تتبع طرقه من رواية هؤلاء الأصحاب الأربعة، وَحَصَرَها في مباحث خاصة: طرق حديث أبي هريرة ﵁ طرق حديث أبى سعيد الخدري ﵁ طرق حديث أنس بن مالك ﵁ وطرق حديث علىّ بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-. ثم بعد أن جَمَعَ الطرق درس الأسانيد وانتهى إلى أن الحديث صحيح كما هو إجماع أمة الإسلام، حقيقةً ليس كلامه في هذا الأمر جديدًا ولا شيء، لكنه يؤكد ما أجمعت عليه الأمة من أن هذا الحديث صحيح، وهو قد أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول على رسول الله ﷺ . وهو يختم كلامه في هذه المسألة فيقول: ومن الغريب جدًّا أن هذا الحديث بعينه -هو حديث الذبابة- لم يكن مما قد استدركه أحد من أئمة الحديث على البخاري -رحمه الله تعالى- بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه، وفي أعلى درجات الصحة، ولم يتكلم فيه إلا من لا خَلَاق له في العصور المتأخرة، كما قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له. إن هذا الحديث قد أجمع المسلمون على الأخذ به والعمل بمقتضاه، وجعلوه أصلًا بنَوْا عليه حُكْمًا مهمًّا، وهو طهارة الماء القليل والطعام إذا وقع فيه ما لا نفسَ له سائلة، وقاسوا على الذبابة ما شاكلها مما يرتبط معها بنفس العلة، كما أن الأطباء المسلمين القدامى ذكروا أمورًا مهمة ما زال معمولًا بها في كثير من البلاد الإسلامية، إلا مَن أصاب بصيرتَه العمى؛ ولهذا فإني سأبحث في هذا الباب من ناحيتين: اعتماد الفقهاء على هذا الحديث، ما ورد على ألسنة الأطباء القدامى والمحدثين وفْق هذا الحديث.

стр. 283

هذه الكلمات التي ختم بها الشيخ مُلَّا -بارك الله فيه- كلامَه عن صحة الإسناد، إذن الإسناد صحيح والمتن صحيح، وكما قلت: أمَّتُنا كلها تلقت هذا الحديث بالقَبول، وأجمعت على أنه صحيح مائة في المائة، لا يخالف لا العقل ولا الواقع ولا الطب ولا أيَّ شيء. إذن هذه هي الشبهة الأولى، أن الحديث صحيح، أبو هريرة ﵁ لم ينفرد بروايته، وأنه رواه معه من الصحابة ثلاثة غيره فأصبح الجميع أربعة: أبو هريرة، أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين- وامتلأت بهم المصادر التي أشرنا إليها أكثر من عشرين كتابًا، والذي ذكر ذلك لم يحصِ الكتب، لا يكاد يوجد هناك ديوان من دواوين السنّة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة إلا ذكرتْ هذا الحديث الصحيح. أيضًا الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- في سلسلة الأحاديث الصحيحة يتكلم عن هذا الحديث، هو هنا ذكر له ثلاثة طرق: من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك -رضي الله تعالى عنهم- ولم يُشِرْ إلى حديث علي بن أبي طالب الذي أضافه الشيخ مُلَّا خاطر -بارك الله فيه- وهذا من بركات تعاون أهل العلم على إثبات الحقائق الشرعية، واجتماع جهدهم على شيء ما، فيضيف بعضهم إلى جهود الآخرين. وذكر الشيخ الألباني ﵀ طرق حديث أبي هريرة، وأنه أخرجه البخاري والدارمي وابن ماجه وأحمد، وفي بعض الروايات زيادة له، وأيضًا في حديث أبي سعيد رواه أبو داود والحسن بن عرفة الجزئي ... إلى آخره، وفيه زيادة: ((وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء؛ فليغمسه كله)) يعني: إن الذباب إذا وقع في إناء أحدنا فليغمسه فيه، ثم ليطرحه، ينزعه من هذا الإناء ويلقيه بعيدًا عن الإناء، ثم يستعمل المادة الموجودة في الإناء، أيًّا كانت، في بعض زيادات

стр. 284

الحديث، لماذا ذلك؟ لأنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء، يعني: ينزل في السائل بالجناح الذي فيه الداء، فإذا غمَسْت الذبابة وأغرقْتها في السائل تحققت المعادلة الطبية ما بين الترياق والسم، أو ما بين الداء والدواء، فالجناح الذي فيه الشفاء تعادل مع الجناح الذي فيه الداء، وإلا لو تركت الجناح الذي فيه الداء فقط لأصبح ضارًّا بمن يتناول هذا السائل أو هذا الطعام أو الشراب الذي في الإناء بدون أن يفعل كما فعل رسول الله ﷺ . بعد أن أشار الشيخ الألباني إلى صحة الحديث تكلم عن روايات أخرى للحديث، وحَكَم عليه بما يليق بحاله، وسننقل كلامه بعد ذلك في الرد على أنه مخالف للأطباء أو للواقع أو ما شاكل ذلك. أيضًا فضيلة الشيخ الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه الطيب (الدفاع عن السنة) تكلم عن حديث الذباب، حتى ورد أنه قال: حديث الذباب وبيان أنه معجزة نبوية، قال: وروى البخاري وابن ماجه عن النبي ﷺ قال: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء)) وهو يرد هنا على بعض الذين تكلموا في هذا الحديث، لكنه وضع هذا العنوان وتكلم عن صحة الحديث، يقول: هذا الحديث رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ولم أجد لأحد من نقاد الحديث طعنًا في سنده، فهو في درجة عالية من الصحة، وكل ما وقع من الطعن فيه من بعض المتساهلين إنما هو من جهة متنه ومدلوله. وهو هنا يتخفف في وصفه من بعض المتساهلين، فقد قالوا: كيف يكون الذباب الذي هو موبأة الجراثيم فيه دواء؟!! وكيف يجمع الله الداء والدواءَ في شيء واحد؟!! وهل الذباب يعقل فيقدم أحد الجناحين على الآخر؟!! هنا فضيلة الشيخ الدكتور يذكر شبهًا أخرى يثيرونها: هل الذباب عنده نوع من العقل

стр. 285

حتى لدرجة أنه وهو ينزل في سائل أو في إناء يقدم أحد الجناحين على الآخر؟!! وكيف يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد؟!! والذباب مجتمع للجراثيم؛ لأنه كلما حطَّ على شيء جمع من قاذوراته فينقله للأشياء الأخرى ... إلى آخره. قبل أن أرد على الشُّبَه يثير الشيخ مُلَّا خاطر -بارك الله فيه- مسألة طيبة: يتسبب في وقوع بعض الناس في خطأ، وهو عدم تفريقهم بين ما هو مستحيل وما هو مستغرَب، قد يُستغرَب هذا لكنه لا يستحيل، المستحيل يعود إلى أصل الشيء ونُكرانه، إنما المُستغرَب يعود -كما يقول على حدّ تعبيره- إلى ضعف المتصوِّر نفسه وعدم إدراكه، يعني: أنا لا أستطيع أن أستوعب المسألة، المسألة ليس فيها خلل، أنت لو جئت برجل عاميّ وكلّمته مثلًا عن "الأوزون" واختراقه، وعن مثلًا هبوط الإنسان على سطح القمر، ربما استبعد ذلك جدًّا أو رأى أنه مستحيل، لكن الذين تمرّسوا في المسائل العلمية لا يستبعدون هذا، فهناك فرق بين الاستبعاد وبين الاستغراب؛ ولذلك في نظري أن الحديث وبشكل عام في الإسلام ليس فيه ما يخالف العقل أو يرفضه الواقع أو يحكم باستحالته؛ الحمد لله إسلامنا بريء من كل ذلك. ليس في إسلامنا ما نخجل منه أو نحاول أن نخفيَه، أو نتمنى أن لم يمكن قد حدث والحمد لله، كل ذلك غير موجود بإذن الله ﵎ ولن تجد تناقضًا أبدًا، نقصد بالتناقضِ التناقضَ الشديد التباين التام الذي يستحيل معه الجمع بين الأمرين المتناقضين، لن نجد في شيء من الإسلام هذا أبدًا، وبناء عليه حينما نعلم أن الإسلام قد قال كذا في مصادرنا الصحيحة، وأن علماء الأمة قد حكموا بصحة الأحاديث، قال كذا في القرآن أو في السنة، وحكم العلماء الأثبات الثقات الأجلاء الذين أفنَوا أعمارهم في خدمة السنة، حكموا بصحة ما قيل، علينا أن نقبله على العين وعلى الرأس بدون تردد، ولا نلتفت أبدًا إلى الذين يحاولون أن يُعِيقوا ذلك.

стр. 286

على كل حال لو استغربنا بعض الأمور فلا ينبغي أن ننكرها، ولا أن نقول باستحالتها، إنما علينا أن ندرسها بعمق حتى يزول هذا الاستغراب، لا أن يكون الاستغراب حاجزًا يتضخم إلى أن يصل إلى حد الإنكار والرفض الذي يوقع صاحبه في معاندة القرآن والسنة المطهرة. هذه خلاصة المسألة، فنحن لا نصادر على من يستغرِب، ولكن نعتب على من يتوقف عند حدود الاستغراب ثم يتضخم هذا الاستغراب عنده ليصل به إلى حد الإنكار والحكم بالاستحالة، فيصبح مصادمًا لنصوص القرآن الكريم ونصوص السنة المطهرة التي ثبتت صحتها عند علماء الأمة الأثبات. إذن نفرغ من هذا أن الحديث صحيح، وأنه ورد من طرق متعددة، وأنه ثبتت صحته، وأجمع علماء الأمة، ولا نجد واحدًا من علمائنا الأثبات القدامَى الذين نظروا في السنة ومنحوا الإجماعَ على حديث البخاري -أي: على صحته الإمام البخاري والإمام مسلم، رحمهما الله تعالى- وقلنا: إن الأمة قد تلقت أحاديثهما بالقبول وأجمعت على ذلك، لم نجد واحدًا من هؤلاء الأثبات توقف عند هذا الحديث واعترض عليه. الرد على ما أثير حول الحديث من شبهات الآن ندخل إلى بعض الشُّبَه التي أثاروها شبهةً شبهةً: كيف يعرف الذباب أنه يحمل في أحد جناحيه داءً وفي الآخر دواءً؟ وكيف أنه ينزل بالجناح الذي فيه الداء؟ هل الذباب عاقل حتى يستطيع أن يدرك ذلك؟ لو أنكرتَ ذلك، ما المانع أن يلهمه الله ﵎ ذلك، الذباب لا يتحرك بمفرده، يتحرك بفطرته التي فطره الله عليها، وليس الذباب فحسب، الحية فيها

стр. 287

السم وفيها الترياق، النحل فيه السم وفيه العسل، من الذي ألهم النملة وهي تحمل الحبة أن تخرقها لكي لا تَنبُت حتى تستطيع أن تحتفظ بها. عشرات المخلوقات التي ليست من أصحاب العقول، لها أمور فطرها الله عليها: تتقي الخطر، كل الحيوانات تتقي الخطر، وتعرف مَن يقف ضدها في هذا الكون وتهرب منه، وتفر وتبحث عن نفسها عن مأوى، وعن مفر، وعن مهرب، ذلك نراه بالعين حتى في الحيوانات المفترسة التي هي تستطيع أن تدافع عن نفسها. كل واحد فُطِر على أشياء يهتدي بها إلى ما ينفعه في المطعومات والمشروبات، وفي درء الخطر عن نفسه، في كل الأمور، هاتِ أي حيوان وألقِ به في النار مثلًا، واترك له الحرية في أن يبتعد عنها، لن يدخل، كيف عرف ذلك؟ هذا أمر فطريّ فطره الله عليه، يعني: لماذا يفر الفأر حين يرى القط؟ أين محل التفكير مثلًا، ويفر سريعًا ويهرب ويبحث عن ملاذ وملجأ حتى لا يفتك به القط، لماذا يهرب القط حين يرى الكل؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا ... ؟ أسئلة كثيرة تدحض في وضوح وجلاء إحدى الفريات التي بنوا عليها رفضهم للحديث. هل الذباب عاقل حتى يميز؟ نعم، الذباب يتحرك بالفطرة، يتحرك بما جبله الله عليه، وشأنه في ذلك شأن المخلوقات الكثيرة التي نراها رأيَ العين، وضربنا أمثلة بها. إذن هذه الشبهة مردود عليها في وضوح وجلاء. أيضًا هو ينزل بالجناح الذي فيه الداء بالفطرة يتقي هذا، أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ينزل بالجناح الذي فيه الداء، يدفع عن نفسه الخطر بذلك، أيضًا أشرنا كل المخلوقات تقريبًا اهتدت بفطرتها المتضادات، المتضادات تخرج من

стр. 288

بطون المخلوقات جميعًا، والله قد امتن علينا: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ (النحل: ٦٥، ٦٦) من بين الفرث والدم يُخرِج الله لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (النحل: ٦٧) تتخذون شيئًا يسكر يذهب العقل: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (النحل: ٦٧) ولذلك وصف الرزق هنا بالحسن، كل شيء صالح لهذا، وصالح لهذا، إما بالاستعمال البشري، وإما بالفطرة التي فطره الله عليها، كل ذلك وارد في الأحاديث النبوية. إذن لا نستطيع أن نرد هذا الأمر، إنما نقول: وقد ضربنا أمثلة كثيرة لهذا الأمر من واقع المخلوقات التي خلقها الله ﵎. أيضًا من ناحية أنه مخالف للعقل: أيّ عقل هذا؟ مادام أن الذباب في هذا الصنيع فائدة لنا أن تحدُث المعادلة بين الترياق وبين الداء، إذن هي فائدة، وأيّ عقل ينكر هذه الفائدةَ هو العقل الذي يراجع نفسه، عليه أن يكمل نفسه بالمواد العلمية، أو بالبحث العلمي الذي يستطيع أن يتأكد من هذه الحقيقة. إذن قوله: "إنه يخالف العقل" عقولنا تقبله، بل إني أرى أن هذا الحديث فيه سبق اقتصادي، فيه سبق مالي طيب جدًّا، يعني لو وقع الذباب في آنية من العسل فيها بضعة كيلوهات من العسل، من اللبن، من السمن، نرميه؟! من الذي يقول ذلك؟ أيّ عقل؟ هاتِ أي سيدة من رَبات البيوت التي تحافظ على المعاش وعلى النقود وعلى كذا، صدرها يضيق جدًّا بأن تُلقِيَه وأن تُرِيقَه؛ لأن الذباب وقع فيه، بل إنها لو لم تقل: "نغمسه" ستتصرف، تغليه في النار أو تقدحه في السمن

стр. 289

وما شَاكَلَ ذلك؛ حتى تموت الميكروبات، لو لم ترَ أن في أحد جناحيه داء، لو غاب عنها الحديث، لكنها بفطرتها سيشق عليها جدًّا أن تهدر هذا الأمر الذي هو يتكلف الآن، والدنيا غلاء الآن في كل مكان في العالم. أقول: إن الحديثَ فيه سبق اقتصادي، وأيضًا ليس هذا هو الرد الوحيد. أيضًا من ناحية الرد على الشبهات الأخرى هو مخالفة الطب، عندنا نُقول جدًّا نقلها العلماء عن الحديث ومدى موافقته لأهل الطب، فضيلة الشيخ الألباني ﵀ يقول: هم يزعمون أنهم وقفوا على سَبْق علميّ أن هذا الحديث يعارض ما قاله أهل الطب. يقول الشيخ: ثم إن كثيرًا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء، وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب عَلَقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أن هذا الحديث لا يخالف الأطباءَ في ذلك، بل هو يؤيده، يعني: الحديث لم يقل: إن الذباب لا يحمل الجراثيم، الذي يفهم ذلك من الحديث العيب في فهمه وليس في نَصّ الحديث، لم ينفِ الحديث أبدًا أن الذباب يحمل الجراثيم، بل لعل الحديث يؤكد هذه الحقيقة، يحملها في أحد جناحيه، ووضع الله ترياقًا مقابلًا لهذا الداء في الجناح الآخر فيه شفاء، كل المطلوب منك إذا أردت أن تستفيد من هذه المادة التي وقع فيها الذباب، أن تغمسه فيه ثم تنزعه وتطرحه بعيدًا عن الإناء، ثم استفِد بهذا الذي في الإناء. إذن الحديث لم يتعارض مع مقررات الطب في أن الذباب يحمل الجراثيم، بل هو وضَعَ العلاج لهذه الحالة، فكأن الحديث أخبر بما لم يُحيطوا بعلمه، أو هو في الحقيقة أخبر بهذا، وعلينا أن نحمد الله على هذه النعمة، بدل أن نُرِيق تلك المواد

стр. 290

الطيبة الغالية المفيدة لمجرد أن الذباب وقع فيها، علينا أن نحمد الله أن هدانا إلى هذا على لسان رسوله ﷺ حتى لا نهدر أموالنا ونضيعها، خصوصًا أنه مهما كانت درجة النظافة في أي بيت من البيوت، أو في أي مجتمع من المجتمعات، فإنه لن يستطيع أن يتحرَّز تمامًا من الذباب ومن وقوعه في بعض الأواني، هذا تحرّز صعب جدًّا إن لم يكن مستحيلًا، فهدانا الله إلى هذا الحل. يقول الشيخ ﵀: والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيدهم؛ إذ يخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يَزيد عليهم فيقول: ((وفي الآخر شفاء))، فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقف إذا كانوا من غيرهم إن كانوا عقلاء علماء؛ ذلك لأن العِلْم الصحيح يشهد أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه حقيقةً، هل أنا لأني لا أعلم الشيء أقول: إنه غير موجود، هذه الأمور تنافي بداهيات العقول. نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة، وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأت مقالاتٍ كثيرة في مجلّات مختلفة، كل يؤيد ما ذهب إليه تأييدًا أو ردًّا، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث، وأن النبي ﷺ ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، لا يهمنا كثيرًا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب؛ لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجيّ، ومع ذلك فإن النفس تزداد إيمانًا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلمُ الصحيح. ولذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقُل إلى القرّاء خلاصة ألقاها أحد الأطباء في "جميعة الهداية الإسلامية" في مصر حول هذا الحديث، قال:

стр. 291

يقع الذباب على الموادّ القذرة المملوءة بالجراثيم التي تَنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضَها بأطرافه ويأكل بعضها، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامّة يسميها علماء الطب "مبعد البكتريا"، وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حيةً أو يكونَ لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود "مبعد البكتريا"، وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب، هي أنه يحول البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقربَ مُبيد لتلك الجراثيم وأول واقٍ منها هو "مبعد البكتريا" الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمْس الذباب كله وطرحه كافٍ لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكافٍ في إبطال عملها. هذا كلام الشيخ الألباني ﵀ نقلًا عن أحد الأطباء. ويضيف ويقول: وقد قرأت قديمًا في هذه المجلة بحثًا إضافيًّا في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد السيوطي، مجلد العام الأول، وقرأت كلمة في مجلد العام الفائت ص ٥٠٣ للطبيبين: محمود كمال، ومحمد عبد المنعم حسين، نقلًا عن مجلة "الأزهر"، ثم وقفت على العدد ٨٢ من مجلة "العرب الكويتية" ص ١٤٤ تحت عنوان: "أنت تسأل ونحن نجيب" إلى آخر الكلام، يعني: ينقل عن أحد الذين اعترضوا على الحديث فيرد عليه بتفصيل يقول في النهاية: وبهذه المناسبة فإني أنصح القراء الكرام بألا يثقوا بكل ما يُكتَب اليوم في بعض المجلّات الثائرة أو الكتب الذائعة من البحوث الإسلامية، وخصوصًا ما كان منها في علم الحديث، إلا إذا كانت بقلم من يُوثَق بدينه أولًا، ثم بعلْمه واختصاصه فيه ثانيًا؛ فقد غلب الغرور على كثير من كُتَّاب العصر ... إلى آخره.

стр. 292

خلاصة كلامه: نعتمد على أهل التخصص فيها. إذن أهل الطب في أبحاثهم أو بعضهم في أبحاثهم لا يستبعد ولا يرفض هذا الكلام الذي يُثْبِت أن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، ويؤكد هذه الحقيقة العلمية. ويقول الشيخ أبو شهبة ﵀ في كتابه (الدفاع عن السُّنة): وقد شاء ربك العالِم بما كان وما يكون أن يُظهِر سِرّ هذا الحديث، وأن يتوصل بعض الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروب، فبغمسه في الإناء تكون هذه المادة سببًا في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم التي ربما تكون عالقةً به، وبذلك أصبح ما قال العلماء الأقدمون تجويزًا أصبح حقيقة مُقَرَّرة. وإليك ما ذكره أحد الأطباء العصريين في محاضرة بـ"جمعية الهداية الإسلامية" بمصر، قال: يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه ويأكل البعض الآخر ... إلى آخر الكلام الذي ذكره، أو بعضه الذي ذكره فضيلة الشيخ الألباني ﵀ ينقل نقلًا آخر يقول: وفي مجلة "التجارب الطبية الإنجليزية" عدد ١٣٠٧ سنة ١٩٢٧ مَا تَرْجَمَتُهُ: لقد أُطْعِم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حينٍ من الزمن ماتت تلك الجراثيم واختفى أثرها، وتكوَّن في الذبابة مادة سامة تسمى "بكتريوفاج"، ولو عُمِلتَ خلاصة من الذباب لمحلول ملحيّ، لاحتوت على هذه المادة التي يُمكِنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولِّدة للأمراض. وقد كتب بعض الأطباء الغربيين ذلك. وبذلك يظهر أن هذا الحديث الذي عدَّه بعض المتساهلين كذبًا من أقوى المعجزات العلمية على صدق الرسول ﷺ .

стр. 293

وقد كتب طبيبان فاضلان بحثًا قيّمًا حول حديث الذباب مدعَّمًا بالأدلة، وذِكْر المراجع العلمية التي رجعَا إليها في إثبات صحة هذا الحديث بما لا يدع مجالًا للشك فيه، وإليك هذا الحديث بنصه. ينقل الشيخ أبو شهبة هذا الذي قاله الطبيبان الفاضلان: الدكتور محمود كمال، والدكتور محمد عبد المنعم حسين، وأيضًا هذا قد أشار إليه فضيلة الشيخ الألباني -رحم الله الجميع- والشيخ أبو شهبة يشير إلى أنَّ نُشِرَ هذا البحث القيم في مجلة "الأزهر" عدد شهر رجب لسنة ١٣٧٨ هجرية، هذا البحث الذي كتبه هذان العالمان الفاضلان من أهل الطب -أي: من أهل التخصص- يؤكدان فيه ما يحمله الذباب من فرصة للتداوي، وأنه بنفسه يقضي على بعض الميكروبات، ليس التي نزل بها فقط، وإنما على بعض الميكروبات الأخرى، كما ذهبت إليه الأدلة. استدل فيه العالمان الجليلان بكثير من أبحاث أهل الغرب التي يعتبرها كثير من الباحثين عندنا كأنها مُنَزَّلة بوحي من الله، والعجيب أنهم عند ردّهم لهذا الحديث لا يشيرون إلى هذه المراجع، هذا الخلل العلمي الذي نقول به دائمًا، يأخذون من المراجع ما يوافق أهواءَهم، ما يتفق مع نظراتهم، هم حكَّموا العقل أولًا، ثم بعد ذلك بحثوا عن مؤيدات للنتيجة التي انتهوا إليها، نتائجهم ليست وليدة البحث والتنقيب، لا، إنما هي وليدة الرأي السابق المبني على الهوى وعلى النظر العقلي المجرد عن الأدلة العلمية، الطبيبان اللذان كتبَا هذا البحث في مجلة "الأزهر" في عدد رجب سنة ١٣٧٨ أشارَا إلى كثير من البحوث التي قام بها كثير من علماء البلاد الغربية، وأشاروا إلى بلادهم، وأشاروا إلى المصادر التي ذَكرت هذه المعلومات، ذكروا العلماء بالاسم، وذكروا بحوثَهم والمجلات التي

стр. 294

نشرتها ... إلى آخر هذا، مما يدل في النهاية على أن الحديث صحيح بإذن الله ﵎. ولذلك يقول الشيخ محمد أبو شهبة: وبعد، فلعلك أيها القارئ ازدت يقينًا بصحة هذا الحديث، واطمأننتَ إلى أن الإذعان والقبول لِمَا صح عن الرسول، أحرى بالمؤمن المتثبت وأَوْلى، وفي كل يوم تتقدم فيه العلوم والمعارف البشرية يُظهرُِ الله سبحانه من الآيات ما يدل على صدق النبي -صلوات الله وسلامه عليه- وصدق معجزته الكبرى، وهي القرآن الكريم، وصَدَقَ الله حيث يقول ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣). إذن الشُّبَه التي أثاروها كلها أن الذباب كيف عقل؟ قلنا: هذا موجود في كل المخلوقات تقريبًا، كيف في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء؟ هذا ترياق من الله العلم لم يعترض، وكثير من الأبحاث العلمية التي أثبتَتْ هذا، وليست على يد أطباء مسلمين فحسب، بل على يد كثير من الباحثين الغربيين الذين ذكرنا الإحالة إليهم وعليهم لمن أراد أن يتتبع. وأخونا الفاضل فضيلة الدكتور عبد المهدي عبد القادر في كتاب له (شبهات حول السنة) يقول: أعداء السنة قديمًا وحديثًا يدندنون بهذا الحديث، ويدَّعون أنه مناقض للعقل، وأنه يأباه الطبع سبحان الله! وأتساءل معهم: أَلَمْ تستعملوا "البنسلين" إذا مرضتم؛ إنه مصنوع من العفن، أما "السلبتومايسين" فإنه من طفيليات العفن وجراثيم المقابر، والعقرب في لسعتها السم الناقع وفي جسمها الدواء النافع، إنكم تَقبَلون ذلك عن الطب، أما إذا جاءكم الرسول ﷺ فأنتم تعترضون وتمرضون، أما نحن المسلمين فإننا نقبل هذا الحديث، وبكل الأحاديث

стр. 295

بكل سعادة وبكل سمع وطاعة؛ فإنه كلامُ مَنْ أرسله الله وعَصَمَهُ -صلى الله وسلم وبارك عليه-. إننا استفدنا من هذا الحديث أشياء كثيرة، منها: أن الذباب ناقل للأمراض فنحترز منها ما أمكن، لقد كنا نعلم، يعني: هذه فائدة نشير إليها، ونحن قلنا: إن الحديث لم يتعارض مع ما قاله العلم في هذا أنه يحمل الجراثيم في أحد جناحيه، نعم هذه فائدة، أنه حينما ينزل في طعام أو شراب فإنه يضع جناحه الحامل للمرض كما في الرواية التي قالت: ((وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء))، وفي رواية ((إنه يقدم السامة ويؤخر الشفاء)). قال بعض العلماء: تأملناه فوجدناه يتقي بجناحه الأيسر، فعُلِم أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، فيه دواء يقضي على المرض الناتج عما في جناحه المُمْرض، وإن هذا الحديث يفيدنا هذه الفوائد وأكثر منها. وجاء الطب والبحث فاعترف بهذا وسلَّم به، فمنذ أن عُرفت المعامل وهذا الحديث أمامهم، والبحوث تفيد أن الذباب حامل جيد للجراثيم، وأجهزة الصحة في العالم تحذِّر مِنْ تناوُل الأطعمة التي يقع عليها الذباب، إنه من دلائل نبوته ﷺ أن يخبرنا في زمنه -يعني: زمن لم تكن فيه معامل ولا أبحاث- أن الذباب حامل للأمراض، ولم تعرف البشرية هذا إلا حينما اكتشف ذلك الباحث الألماني "بريفيرد" سنة ١٨٩١. وفي الفترة من ١٩٤٧ إلى ١٩٥٠ تمكن الباحثان الإنجليزيان "أينشتاين" و"كوك"، والباحث السويسري "روليوس" من عزل مادة سمَّوها "جفاسيد" استخرجوها من فصيلة الفطريات التي تعيش في الذباب، وتبين لهم أن هذه المادة مضادة حيوية تقتل جراثيم مختلفة من بينها "الدسنتريا" و"التيفود"، كما تَوَصَّل غيرهم إلى هذه النتائج وغيرها ... إلى آخره. وهذا أيضًا من دلائل نبوته ﷺ أن يخبر قبل أكثر من ١٤٠٠ عام أن الذباب في أحد جناحيه شفاء، ولم تعرف البشرية ذلك إلا بعد ١٣٧٠ سنة.

стр. 296

لو كان هناك إنصاف في الفكر الإنساني المعاصر لاعترفتْ البشرية للإسلام بالسَبْق العظيم في مثل هذه المسائل وفي غيرها، فقد تكلَّمَ ﷺ على مسائل غاية في الأهمية امتثلها المسلمون، فاستفادوا بها وقلَّدهم غيرهم مدركين عظمة الحضارة الإسلامية التي ارتقت بالإنسان، فاستفادوا أيضًا بها ... إلى آخر ما قال. وأيضًا أحيل على كتابه (دفع الشبهات عن السنة النبوية) صحيفة ٨٠ وما بعدها، ونقَلَ نُقولًا عن أن الذباب لعلاج الجروح والقرح، الذباب حتى بجسمه يُفْرك ويضاف إليه بعض المواد وبجسده تعالج به بعض الجروح والقرح والتقيحات، وهذا مما أثبتته معامل الغرب للذين لا يقتدون إلا بالغرب ولا يثقون إلا في كلام علماء الغرب. هكذا تتعدد الأدلة وأقوال علمائنا، ولكنني أحيل إلى كتاب (الإصابة في صحة حديث الذبابة). الحقيقة الشيخ -جزاه الله خيرًا- جمع ما يتعلق بهذا الحديث من ناحية الطرق ودرسها. إذن الحديث أثبتَ صحتَه، وأن أبا هريرة لم ينفرد به، وتكلم عن الفوائد الفقهية، ومن خلال فقه المذاهب، أقوال الأحناف، مثلًا: إنه تكلم عن طهارة الذباب إذا وقع في السائل، وعمَّا يقاس مثله مثل كذا، وأنه يستفاد بهذا السائل، يعني: أحكام فقهية كثيرة؛ لأن علماءنا تقبَّلوا الحديث ويرضون به، بل يحمدون الله على نعمته فبنوا أحكامهم، فالحديث عندهم لم يكن محل شك أبدًا؛ ولذلك استفادوا منه المسائل الفقهية كما يستفيدون وكما يستمدون بغيره من الأدلة. وتكلم فيه أيضًا عن الناحية الطبية في هذا الحديث عند المتقدمين وعند المتأخرين، وأنهى كلامه.

стр. 297

يقول: حاول المغرضون الذين أعْمَتْهم الحضارة الغربية ببريقها وأطمستْ بصائرهم، فلم يَعُدْ يعرفون القياس إلا بمقاييس الغرب، ولم يزِنُوا إلا بموازينهم، ولم يدركوا إلا ما وافق هواهم، إن في هذا الحديث معجزتين للنبي ﷺ وإن لم يكن يخطر على بال هؤلاء، أو لم يدُرْ في خَلَدهم، إِنَّ هاتين المعجزتين قد اكتُشِفَتَا في العصور المتأخرة ولم يكن يعرفهما الناس من قبلُ، إنما كان المسلمون المؤمنون يُسلِّمون بصحة الحديث اعتقادًا منهم بصدق المُخْبِر به ﷺ وهذا نابع من إيمانهم القوي برسولهم وبما جاء به. أما المعجزة الأولى التي أثبتها هذا الحديث ولم تُعْرَف إلا في العصور المتأخرة: فهي إثبات الداء والمرض في الذباب، إن هذا الحديث قد أثبت أن في الذباب داءً، وقد كان هذا الحدث العلمي الذي أخبر عنه هذا الحديث ساب قًا للاكتشافات الحديثة بمئات السنين ... إلى آخره. أما المعجزة الثانية: فهي إثبات الشفاء في الذباب، وإن الاكتشافات العلمية الحديثة والتي لم تنتهِ بعدُ، تُثْبِت وجود عنصر الشفاء، وهو المضاد الحيوي القاضي على الجراثيم والبكتريات، أو "البكترويوفاج" القاضي على الميكروبات، وهذا عنصر شفاء، أو الدواء؛ إذ كل منها كافٍ في القضاء على الجرثوم والميكروب الذي يحمله الذباب. إن المسلمين الأوَّلِين قد أخذوا الحديث بالتصديق والإيمان من غير أن يعرفوا أن فيه دواءً وداءً، جراثيم ومضادات حيوية -يعني: المصطلحات الحديثة- لأن هذا كله لم يُعْرَف ولم يتبيَّن إلا في العصر الحالي، ومع هذا كانوا يأخذون بالحديث عمليًّا، فما موقفُ المسلمين المعاصرين بعد أن اكتشف لهم تصديق الخبر النبوي علميًّا وعمليًّا ... ؟ إلى آخر ما قال.

стр. 298

إذن الجواب من العقل المُنْصف هو الوسيلة، اتباع النبي ﷺ . إذن هذه كلها سياحة مع هذا الحديث، والأمر يتحمل أكثر من هذا ليتبين من خلاله أننا ندين الله تعالى بصدق هذا الحديث وبالعمل به. ثم يختم الشيخ مُلَّا خاطر -وهذا أمر معروف- كلامَه: بأن الحديث الأمر الذي فيه أمر إرشاد، على كلٍّ الذي لا تطيب نفسه بذلك الحديث لا يجبر على الفعل، الذي تطيب نفسه بهذا الصنيع فليصنع هذا، إذا وقع الذباب في الإناء يغمسه ثم يطرحه؛ لأنه قد تحققت المعادلة بين الداء والدواء وبين السم والترياق، وإن لم تطب نفسه ويريد أن يُرِيقه فَلْيُرِقْه، لكنْ لا يعترض على الحديث ولا يرفضه، يقول: إن نفسه قد تقززت، أو عافته نفسه، لكن مع اعتقاده بصحة الحديث تمامًا. وصلُ الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 299

الدرس: ١٨ حديث الإسراء والمعراج، ودفع ما أثير حوله من شبهات

стр. 300

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (حديث الإسراء والمعراج، ودفع ما أثير حوله من شبهات) تخريج الحديث، وبيان درجته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: حديث الإسراء والمعراج: وهذا أيضًا من الأحاديث التي تكلموا فيها بعقولهم وأثاروا الشبه حولها؛ مما يجعلنا دائمًا في حاجة إلى مناقشة حدود العقل في الكلام عن الغيبيات، وعن أمور الوحي، وعن المعجزات، وما إلى ذلك للتنبيه على أن هذا إقحام للعقل فيما ليس من مجال عمله، وهذا ليس احترامًا للعقل أبدًا، وحين نتصدى لهذا فإن ذلك ليس من باب المصادرة على العقل في حرية التفكير، وما إلى ذلك على كل سنحاول أن نفهم وجهة نظرهم ونتوقف مع بعض الشبهات التي أثاروها حول الإسراء والمعراج، ونرد عليهم في ذلك، ونبدأ ببيان الحديث أو ذكر الحديث، وهو حديث طويل، وهو أيضًا موجود في كل كتب السنة من مصادرها، يعني نقول بلا مبالغة: لا يوجد مصدر من مصادرها في السنة إلا وذكر معجزة الإسراء والمعراج بتفصيلات طويلة جدًّا. الحديث ننقله الآن من البخاري: رواه البخاري في صحيحه: عن أنس بن مالك ﵁ عن مالك بن صعصعة -يعني: صحابي يروي عن صحابي-: ((أن النبي ﷺ حدثه عن ليلة أُسري به)) هذه بداية الحديث. ((بينما أنا في الحَطِيم -وربما قال: في الحِجْر)) يعني: إما هنا أو هنا ((إذ أتاني آتٍ فقال: وسمعته يقول: فَشَقَّ ما بين هذه إلى جنبي)) يعني: شَقَّ من صدر النبي الشريف من أعلاه إلى منطقة الشعر من أسفل، واستخرج قلبه الشريف ((فاستخرج قلبي، ثم أُتِيت بطَست من ذهب مملوءةً إيمانًا فغسل قلبي، ثم حُشِيَ ثم أُعِيد)) الرحلة بدأت بشق صدره ﷺ ((ثم أُتِيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض هو البُراق)) أحد رواة الحديث اسمه الجارود يسأل

стр. 301

سيدنا أنس بن مالك ﵁ أَهُوَ البُرَاق يا أبا حمزة؟ قال: "نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه". يعني: عند أقصى ما يصل إليه نَظَرُه. إذن بعد شق الصدر الشريف وإعادته إلى مكانه والْتِئَامه أُتِي بالبُراق، وهو دابة دون البغل وفوق الحمار، وخطوته إلى أن ينتهي بصره إلى مدّ بصره، إذا انطلق بصره إلى عشرات الكيلو مترات هي خطوة واحدة. ((فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به -قال- فَنِعْمَ المجيء جاء فَفَتَح، فلما خَلَصْتُ فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم فَسلِّم عليه، فسلمتُ عليه فردّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسِل عليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فَنِعْمَ المجيء جاء فَفُتح -أو فَفَتَح- فلما خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنَا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّم عليهما، فسلمت فردَّا ثم قالَا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صَعِد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فَنِعْمَ المجيء جاء فَفُتح -أو فَفَتَح- فلما خَلَصْتُ فإذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلِّم عليه، فسلمت عليه فَرَدَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح)). وهكذا في الرابعة التقى بإدريس ﵇ وفي الخامسة التقى بهارون ﵇ وفي السادسة التقى بموسى ﵇ وفي السابعة التقى بأبي الأنبياء الخليل ﵇ كلهم رحبوا به، وألقى ﵈.

стр. 302

((ثم رُفعت إلى سِدْرة المُنتهى، فإذا نَبْقُها مثل قِلال هَجَر، وإذا ورقها مثل آذان الفِيَلة، قال: هذه سِدْرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رُفع لي البيت المعمور، ثم أُتِيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبنَ، فقال: هي الفِطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فُرضت عَلَيَّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم ثم رجعت فمررت على موسى فقال: بما أُمِرتَ؟ قال: أُمِرْتُ بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناسَ قَبْلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيفَ لأمتك، فرجعت فَوضَع عني عشرًا)). وظلت المراجعة إلى أن أُمر بخمس صلوات بعد أن استحى النبي ﷺ من مراجعته لربه: ((ون ادى مُنادٍ: أمضيت فريضتي، وخَفَّفْتُ على عبادي)) هذا حديث أخرجه البخاري ومسلم. ومن حديث أبي هريرة أيضًا: ((أتي رسول الله ﷺ ليلة أُسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن)). ومن حديث أبي ذر: ((كان يُحَدِّث أن الرسول ﷺ فُرِجَ سَقْفُ بيتي -أو سقفي- وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇ ففرج صدر ي، ثم غسله بماء زمزم)). ومن حديث أنس أيضًا، وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وعن جابر بن عبد الله: ((لما كَذَّبتني قريش، قمت في الحِجْر، فَجَلّا الله لي بيتَ المقدس، فَطَفِقْتُ أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه)). وفي أحاديث كثيرة جدًّا تعددت فيها الروايات.

стр. 303

هذا عرض موجز لحديث الإسراء والمعراج وهو -كما قلنا-: حديث صحيح، ورد في أصح مصادرنا، وهو عند البخاري في أماكنَ متعددة؛ من بينها كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: هل أتاك حديث موسى، ومن بينها كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، ومن بينها كتاب: مناقب الأنصار، باب: في المعراج، رواه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى آخره. اقتصرنا هنا على البخاري ومسلم، ل كن كما قلت: هو موجود في كل كتب السنة المطهرة، التي هي مصادرنا التي نرجع إليها في كل أمور السنة، هذا الحديث ثبتت صحته، وه وعند المُحَدِّثين بإجماع، وعند علماء الأمة، وعند أهل السُّنة والجماعة، ثبتت صِحَّته عن النبي ﷺ . تفاصيل رحلة الإسراء والمعراج، وبيان ما حدث فيها من معجزات بدأ بِشَقِّ الصدر، وحادثة شَقّ الصدر تكررت في حياة النبي ﷺ مرات عديدة، مجمع عند العلماء منها على ثلاثة، وشراح الحديث تكلموا عنها؛ ابن حجر وغيره، أشاروا إلى أنه شُق صدره الشريف وهو طفل في بادية بني سعد، وكان ذلك لنزع حظِّ الشيطان منه، وشُق صدره الشريف عند بدء الوحي، وكان ذلك لِيَتَهَيَّأَ لل تلقي عن الملك. العلماء يقولون: إن الوحي في جوهره إما أن ينتقل المَلَك إلى الحالة البشرية، وهذه أخف على رسول الله ﷺ حين يأتي المَلَك على هيئة بشر من البشر، كما في حديث جبريل، وكما كان يأتي على هيئة دِحْيَة الكلبي إلى آخره، وإما أن ينتقل المَلَك إلى إلى مرحلة الملائكية ليتم التفاعل، وهذه كانت شاقة وصعبة على النبي ﷺ : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: ٥) وفي كتاب: بَدْء الوحي من

стр. 304

حديث أُمِّنا عائشة عند البخاري ﵁: ((كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شِدّة)) إلى أن تقول: ((وإنه لَيَتَفَصَّد جبينه بالعرق في اليوم الشديد البرد)). ي تكلمون كثيرًا من الناحية العقلية في مثل هذه الأمور، ونقرأ الآن أنهم يَظَلُّون شهورًا يُعِدُّون العُدَّة لمن يرتقي أجواز الفضاء العُليا، وفي رحلات الفضاء المعروفة الآن له مَلْبَس خاص، ومَطْعَم خاص، ومَرْكَب خاص؛ لأنه يتجاوز مرحلة الجاذبية، هذه المرحلة أو هذه المنطقة لها قانونها غير الذي يسري على الأرض، هذا كله قام الله للنبي ﷺ بمعجزة شق الصدر، حكمتها أن يَتَهَيَّأ إلى الصعود إلى الملأ الأعلى على الوجه الذي يريده . ثم جاء البُراق، وصفته: أنه دون البغل وفوق الحمار من ناحية الحجم، وهو أبيض، ويضع حافره عند منتهى طرف عينه، يعني: عند أقصى نقطة يصل إليها نظره، إذن خطوته واسعة جدًّا، وهو في حد ذاته معجزة. وصُعِد بالنبي ﷺ إلى السماوات العُلى، وفي كل سماء قابل نبيًّا من الأنبياء، واستفتح جبريل وفُتح الباب، وسُئِل من معك؟ محمد ﷺ : ((أَوَقَدْ بُعث إليه؟)) كلهم يعرفون نُبوَّته ﷺ من سؤالهم: ((أَوَقَدْ بُعث إليه؟)) كلهم يعرفون نبوته، ومصداق ذلك قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٨١) الآية تثبت أن الله قد أخذ العهد والميثاق على الأنبياء جميعًا، أنهم إن أدركوا هذا النبي العظيم الخاتم عليهم أن يؤمنوا به، وأن ينصروه. وابن عباس حَبْر الأمة وترجمان القرآن يقول: "العهد مأخوذ أيضًا على الأمم

стр. 305

من خلال أنبيائهم"؛ لأن كل خطاب للنبي إنما هو خطاب لأمته، إلا ما قام الدليل على تخصيص النبي ﷺ به. إذن حين أخذ الله العهد والميثاق من الأنبياء فإنه قد أخذه من أممهم في نفس الوقت، أن أحدًا منهم إذا أدرك هذا النبي عليه أن يؤمن به: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ وأعطوا العهد والميثاق على ذلك، وشهدوا على أنفسهم، وقامت الحُجّة عليهم، ولذلك عَلِم الأنبياء بنبوته ﷺ وتطبيق ذلك عمليًّا كان في ليلة الإسراء والمعراج، حين أُسْرِي بالنبي ﷺ أو عُرِج به إلى السماوات العلى: ((أَوَقَدْ بُعث إليه؟)). هذا سؤال من يعرفون نُبُوَّته، غير أنه يسأل عن الوقت والزمان، هل بُعِث إليه الآن؟ فتكون الإجابة نعم، فيرحبون به، أما آدم ﵇ فرحب به؛ لأنه ابن له، وآدم أبو الخلق جميعًا، وليس أبا الأنبياء فحسب، وفي السماء السابعة -يعني: في المبتدأ والمنتهى- التقى بأبويه؛ بأبيه البعيد آدم، وبأبيه القريب إبراهيم ﵉ وعلى كل الأنبياء والمرسلين- وكلهم رَحَّبوا به، والأبوان قالَا: ((مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح))، وبقية الأنبياء قالوا: ((مرحبًا بالنبي الصالح وبالأخ الصالح))، رَحَّبوا به، وفرض الله الصلاة ثم نزل، وحدثت المراجعة مع موسى ﵇. كان من الممكن أن يُحْمَل جسده الشريف من غير دابة، لكنها تدريب لنا: أولًا: الدابة في حد ذاتها معجزة بما تملكه من قدرات وإمكانيات. ثانيًا: هي أيضًا تدريب لنا في الأخذ بالأسباب، يعني: نتوكل على الله ونفوض الأمر إليه، لكن ذلك لا يعني ترك الأسباب.

стр. 306

إذن شق الصدر، ثم البراق، ثم انطلق به إلى رحلة المعراج، ورحلة الإسراء والمعراج تضمنت معجزات كثيرة: الإسراء: معناها السير ليلًا، الإسراء والسُّرى هو: السير ليلًا، والماضي في الإسراء أسرى، هذه همزة التعدية، أسرى الله بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما نزلت سورة تحمل هذا الاسم في أول آياتها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (الإسراء: ١). أما المعراج: اسم آلة على وزن مِفْعَال، وهي آلة الصعود، والمقصود به السُّلَّم الذي نصعد به أو عليه إلى أي مرتفع، هذا يسمى مِعْراجًا، والمقصود: هو رحلة العروج نفسها إلى السماوات العلى؛ لكن المِعْراج على وزن مِفْعَال، مثل: مِحْرَاث ومِنْشَار ومِسْمَار اسم آلة، مقصود بها أداة العروج وهي السُّلم أو المِصْعد، لكن المقصود بها في الشرع: هي الصعود نفسه إلى السماوات العلى؛ للفوائد التي تضمنتها هذه الرحلة المباركة. بعض الفوائد التي لها صلها بإثباتها؛ لأن الأصل هو إثبات المعجزة: أولًا: الحديث صحيح، فالكلام من ناحية صحة الحديث لا تحتاج إلى جدال ولا إلى نقاش، هذا من ناحية. ثانيًا: رحلة الإسراء والمعراج، رحلة هي معجزة، بل إنها معجزة تَضَمَّنَت في طياتها معجزات، من بين ما تضمنته من معجزات؛ شق الصدر أولًا، هذه معجزة، من بين ما تضمنته من معجزات البراق، هذه معجزة، من بين ما تضمنته من معجزات، لقاء الأنبياء بالنبي ﷺ والترحيب به، هذه معجزة، أيضًا من بين المعجزات كما في التفصيل في بعض الروايات أنه ﷺ صلى بهم إمامًا، هذه معجزة أن يأتوا من قبورهم ثم يعودون إلى قبورهم مرة ثانية هذه معجزة.

стр. 307

أيضًا لما رجعوا، وهذا عند البخاري: من رواية جابر بن عبد الله ﵄ ((لما كذبتني قريش)) حين عاد من رحلة الإسراء والمعراج حَدّث بها كذبوه، يقول: ((كُرِبْتُ لذلك)) يعني تَأَلَّم النبي ﷺ لتكذيبهم، وقالوا: صِفْ لنا بيت المقدس، مع أنهم يعلمون أنه لم يكن ذاهبًا في رحلة سياحية، ليعد عدد الأبواب في المسجد الأقصى، أو عدد الشبابيك أو لون الجدران، هو ذاهب لمهمة نبوية، مهمة دعوية. لما كرب لذلك النبي ﷺ ماذا فعل الله له؟ جَلَّا له بيت المقدس، -حمل له بيت المقدس- يقول: ((فَطَفِقْت أنظر أخبرهم عن آياته))، يقول: ((جَلّا الله)) في رواية يقول: ((جَلَا)، يجوز التخفيف هنا، التشديد: ((فَجَلّا الله)) أي: أظهر وأوضح لي بيت المقدس، ((فَطَفِقْتُ أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)) يخبرهم النبي ﷺ عن علاماته وهو ينظر إليه ﷺ . إذن المعجزة بدأت بشق الصدر، والبُراق هي أيضًا معجزة تضمنت في طياتها معجزات، ثابتة من حيث الصحة بأقصى درجات الصحة، وبإجماع الأمة، وبتلقي الأمة لها بالقَبُول، هل العقل له مدخل؟ هذا ما يجعلنا نُلحّ على حدود إعمال العقل. والمعجزات يُعرفها العلماء: بأنها أمر خارق للعادة، يُظهره الله على يد نبي؛ تأييدًا لدعوته وتأكيدًا لنبوته، وتصديقًا له في كل ما يخبر به عن الله إذًا هي أمر خارق للعادة، أمر لا يناقش بالعقل؛ لأنها فوق العقل، وفوق التصور العقلي، وحين يدخل العقل ويُقْحِم نفسه في مناقشة هذه الأمور، هذا ما نُلحّ عليه كثيرًا هو تَدَخُّل فيما ليس من دائرة عمله، وما ليس له فيه، وهو مخطئ أشد الخطأ حين يفعل ذلك، أنت تُصدِّق النبي أو لا تصدقه أنت حر، لكن أن تصدقه

стр. 308

وتناقش بعقلك فيما لا دخلَ للعقل فيه، هذا هو العَبَث، هذا هو المجون، هذا هو الخلل العلمي والعقلي معًا، المعجزات ليست من دائرة عمل العقل أبدًا، هي فوق العقل؛ لأنها أصلًا كما أجمعوا على تعريفها أمر خارق للعادة لا يألفه الناس، ولا يَعْرِفه الناس، يُظهره الله على يد نبي، كأنها رسالة من الله -تعالى- لتأييد هذا النبي فيما يخبر به عن ربه . الرد على ما أثير حول رحلة الإسراء والمعراج من شبهات لا بد أن نتفق على: أولًا: أن الإسراء والمعراج معجزة ليست خاضعة لعمل العقل؛ لأنها معجزة. ثانيًا: هذا الإبعاد العقلي لمعجزة الإسراء والمعراج ليس خاصًّا بها، بل هو في كل المعجزات، وليست في معجزات نبينا ﷺ فَحَسْب، بل في معجزات الأنبياء جميعًا، لا نتدخل بعقولنا، لو تدخلنا بعقولنا في معجزات الأنبياء ربما أدى ذلك إلى الإنكار. ثالثًا: الأساس العقلي، الإمام الشيخ عبد الحليم محمود ﵀ في بعض كتبه يَرُدّ على منكري الإسراء والمعراج، أو على مَن صرفوها عن ظاهرها، بأنهم يزعمون بأنهم تَقَدُمِيُّون، وأنهم أتباع المدرسة العقلية، أو أتباع المدرسة العلمية التجريبية، وهم رجعيون، ويفسر كلامهم فيقول: إنهم أتباع أبي جهل، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، كيف؟ أبو جهل ومدرسته وأضرابه حينما أخبرهم النبي ﷺ بمعجزة الإسراء والمعراج أنكروا ذلك، على أي أساس؟ على الاستبعاد العقلي، قالوا: أنضرب إليها أكباد الإبل شهرًا في الذهاب وشهرًا في الإياب، ثم تزعم أنك أتيتها في ليلة يا محمد؟!

стр. 309

لو فحصنا ودققنا في كلام أبي جهل ومَن شايعه هو استبعاد على أساس العقل، عقولهم لم تقبل ذلك، نحن نذهب إليها شهرًا في الذهاب وشهرًا في الإياب، نضرب إليها أكباد الإبل، ثم تزعم أنك أتيتها في ليلة يا محمد؟ قضية محمد ﷺ لم يزعم أنه أتاها، وإنما أسند الفعلَ إلى القوة القادرة عليه، وهي قوة الله تعالى لم يقل محمد: سَريت، وإنما قال: أُسري بي، وأسند الله تعالى الفعلَ إلى نفسه في القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: ١) لم يقل: سَرى محمد بنفسه، إذن القرآن يرد عليهم في هذا. هم رجعوا ألف سنة وأربعمائة إلى الخلف، هم رجعيون، رجعوا إلى اتِّباع أبي جهل، بل نقول بملء الفم ومن غير تردد: إن أبا جهل على كفره أفضل حالًا منهم، بالنسبة لأبناء المدرسة الإسلامية الذين ينكرون ذلك، لماذا؟ لأن أبا جهل متسق مع قضية كفره؛ كيف؟ هو أصلًا لم يؤمن بالنبوة، وبالتالي من البداهيات أن ينكر المعجزات، إذا كان لم يؤمن بالنبوة وبأنه نبي ﷺ فهل سيؤمن بمعجزاته؟ أما أنتم يا من آمنتم بنوبته، جزء من الإيمان بالنبوة أن نؤمن بأن الله يجري المعجزات لأنبيائه، هذا جزء من الإيمان بالنبوة، كل ما يجريه الله -تعالى- على يد هذا النبي، بعد أن آمنت به وصدقته، عليك أن تصدقه، وإلا فما معنى أنك تصدقه ثم تنكر بعض ما يتعلق به! هل نبينا ﷺ بدع في المعجزات؟ يعني: حدثت له معجزات لم تحدث للأنبياء قبله في غرابتها، في استبعاد العقل لها، إذا كنا سنعمل بالعقل، هل العقل يقبل أن يتكلم طفل في المهد كما أنطق الله سيدنا عيسى ﵇؟ هل العقل يقبل أن يولد ابن من غير أب؟ هل العقل أو العلم التجريبي يقبل أن تتحول العصا إلى حية؟

стр. 310

وأن تشق العصا البحر؟ إلى آخر ما أجرى الله، أن يدخل أحد إلى النار ويخرج سليمًا؟ بل لم يخرج سليمًا فحسب. النار من خاصيتها الإحراق، في معجزة سيدنا إبراهيم ﵇ لم يسلبها الله تعالى خاصية الإحراق فحسب، بل حولها إلى عكس خاصيتها، فجعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم، وانظروا إلى بلاغة القرآن الكريم: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ (الأنبياء: ٦٩) لم يقل: بردًا فقط؛ لأن بعض البرد يؤذي ويضر، ويسبب المرضَ، ويحتاج إلى تعاطي الدواء، إنما كوني يا نار بردًا وسلامًا، فهو برد لا يؤذي، فأفقدها الله خاصيتها، بل حولها إلى عكس خاصيتها، كأنه يجلس في تكييف غير مضر وغير مؤذ، حمل كل علامات الكمال، فهو برد وهو في نفس الوقت سلام لا يؤذي بفضل الله . هذه معجزات للأنبياء جميعًا، ونبينا ﷺ ليس بدعًا في هذه المعجزات، ومن المستشرقين الذين تأثر بهم أبناؤنا من أبناء المدرسة الإسلامية، من هو اليهودي ومن هو النصراني، وآمنوا بمعجزات أنبيائهم، أما عند نبينا فأقحموا العقل والعلم فيما ليس من مجاله، وضحكوا علينا بهذه الترهات، وتقبلها البعض منا، كيف ذلك؟ إلى درجة أن أنكرنا ما ورد عندنا في مصادرنا الصحيحة!! كل هذا البلاء نتج من إدخال العقل فيما ليس من تخصصه، من التأثر بالمستشرقين، مع أن المستشرقين آمنوا بمعجزاتهم، لم نسمع أن مستشرقًا "جولدن زيهر" أو غيره أو غيره من الذين تأثر بهم أبناؤنا "وشاخت" "ويليام وير" هل أنكروا معجزات أنبيائهم؟ لم ينكروا، هذا أمر متفق عليه بين البشر، المعجزات تأييد من الله ﵎ لنبيه ﷺ والمعجزات دليل من الله على صدق هذا النبي، وهي رسالة من الله أو كأنها هكذا تحمل الدليل على تأييده وتصديقه، وكأنها رسالة للخلق أن يَتَّبِعوا النبي ﷺ في كل ما يخبر به عن الله .

стр. 311

إذن الإسراء والمعراج ثبت، والأساس الذي بنوا عليه رفضهم متهافت ومردود عليه، بل نستطيع أن نقول: إذا كان لا بد من إعمال العقل أو العلم فإن الأقرب من المعجزات إلى هذا هي معجزة نبينا ﷺ . إن أكبر معجزتين تكلموا فيهما وأثاروا الشبهات وحاولوا أن يثيروا الغبار حولهما؛ معجزة شق الصدر التي تكررت، ومعجزة الإسراء والمعراج، وذكرنا مرارًا أن العلم جرى بقليل منهما، شق الصدر العلم الآن يزرع القلب ويزرع الأعضاء كأنواع من العلاج للبشر بفضل الله . وأما ركوب الدابة، لو أن أحدًا من الناس أخبر الآن أنه انتقل بين مكة حيث خرج النبي ﷺ وبين القدس حيث الإسراء، لكان عدة مرات في ليلة واحدة وليست مرة واحدة، لو قال: عدة مرات، يعني: تقريبًا الطائرة تستغرق ساعة أو قليلًا من الساعة، يعني: لو انتقل عدة مرات في ليلة واحدة وأخبرنا بذلك لصدقناه، فإذا كانت معجزة نكذبها أو يتوقف البعض منا فيها، ويزعم أن الأدلة أو هذا العقل لا يقبل أو كذا ... إلى آخره. هذا مما لا يجوز أبدًا، وكما نقول: نحن نتكلم بالأدلة، العقل يثبت، الواقع يثبت، لا غرابة في هذا أبدًا بالمرة، والأنبياء جرت لهم المعجزات بأغرب وأعجب مما حدث لنبينا ﷺ وآمن بها مَن آمن، ونحن نؤمن بها -بفضل الله ونؤمن بمعجزات الأنبياء جميعًا، وهذا من روعة الإسلام الذي يجعل إيماننا بكل الأنبياء كإيماننا بالنبي ﷺ بل إن الطريق إلى معرفة الأنبياء السابقين بكل ما حدث لهم إنما عرفناه عن طريق النبي ﷺ الذي أنزل الله عليه القرآن مخبرًا بذلك، والذي جاءت به أحاديث سيد المرسلين ﷺ . أبو بكر ﵁ في ليلة الإسراء والمعراج -كما روت كتب السيرة المتعددة ابن هشام

стр. 312

وغيره- يعلمنا استعمال العقل بالطريقة الصحيحة، أبو بكر ﵁ لم يكن حاضرًا حين أخبر النبي ﷺ بالإسراء والمعراج، جروا إليه وأخبروه: إن صاحبك يزعم أنه أتى بيتَ المقدس الليلة ثم أصبح بين ظَهرانَيْنا، ولله درك يا أبا بكر -رضي الله عنك وأرضاك- يا أفضل الخلق بعد الأنبياء. بعض الناس يقول: إن أبا بكر سمي بالصديق من هذه الليلة، وإن إيمانه بناء على حب النبي ﷺ وتصديقه، لا والله هذا قمة النضج العقلي بعد النضج الإيماني، الإيماني هذا حَدِّث ولا حرج، إيمانه يعدل إيمان الأمة، يقول لهم: "أي غرابة في ذلك! ". أولًا: عَلَّمَنا درسًا قال: "إن كان قال فقد صدَقَ" يعني: إذن علينا أن نتحرى في الأخبار، ومثل هذه المواقف هي التي أسس عليها المُحَدِّثون حين وضعوا قواعدَ قبول الرواية، ومنها صدق المخبر، وعلى رأسها، ورد ذلك في القرآن والسنة: "إن كان قال فقد صدق" الذي ينقل الخبر إليه الآن هم الكفار، ربما كانوا يكذبون على النبي ﷺ خصوصًا وأنهم أعداء. إذن نتحرى في الأخبار، ثم أي غرابة في هذا؟! هو يخبرني أن الوحي يأتيه من السماء في لحظة، أنا أصدقه لأني مؤمن بأنه نبي، ما الفرق عقلًا وعلمًا وواقعًا؟ ما الفرق بين نزول الملك من الملأ الأعلى على النبي ﷺ بما يريد الله تعالى أن يبلغه، وبين صعود النبي ﷺ إلى الملأ الأعلى؟ العقل الذي يقبل هذا يقبل ذاك، بالنسبة لقدرة الله، بالنسبة لعظمة الله، كل ذلك أبسط مما يكون، لن نقول سهلًا أو مسهولًا، هذا أبسط مما يكون، كل شيء بإرادة الله كن فيكون، القدرة التي أنجزت إنزال الملَك، هي القدرة التي صعدت بالنبي ﷺ إلى الملأ الأعلى. هم تكلموا في المعراج أكثر مما تكلموا في الإسراء، الإسراء لأنه ثابت بالقرآن

стр. 313

الكريم وبنص الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ولذلك منكر الإسراء منكره كافر، هناك من يئوله، يؤوله ليس منكرًا له؛ لأنه يصطدم مع القرآن؛ لأنه ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لذلك تجرءوا على المعراج، لأن هناك الآيات في صدر سورة النجم تشعر أن النبي ﷺ صُعد به إلى الملأ الأعلى، وحتى هذا من بين الشبهات التي أثاروها، أن المعراج لم يأتِ في القرآن وليكن، حتى لو لم نقل: إن آيات النجم لا تُحمل على المعراج: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (النجم: ١٨) أو: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٦ - ١٨] يعني: لن ندخل في تفسيرها، حتى لو حملتموها على أن المراد ليس هو المعراج. المعراج ثبت بالسنة، والسنة في ثبوتها الدليل المستمد منها في قوة الدليل المستمد من القرآن، دعنا واعتراضنا لن نتوقف عنده، المهم أن نتأكد من صحة الحديث، وقد ثبتت صحته ولله الحمد، فلسنا محتاجين إلى أن نقول: ثبت بالقرآن، يعني: هو في نظر كثير من العلماء أن المعراج أيضًا ثبت بالقرآن، لكن هذه قضية لن أتوقف عندها كثيرًا؛ لأنه ليس شرطًا أن يثبت كل شيء بالقرآن، وإلا لما كانت السنة من الأول، ونحن نتكلم هنا عن حجية السنة، وعن أنها يجب العمل بها. إذن قضية ثبوت المعراج بالقرآن أو السنة قضية لا ولن تزعجنا، سآخذ من آخر الأمر، ولْنَقُل: ثبت بالسنة فقط -مع أنه ثابت بظاهر القرآن كما قلت- لكن حتى لو ثبت بالسنة فعلى العين وعلى الرأس. إذن أبو بكر ﵁ يعلمنا العقل، قياسه يقيس صعود النبي ﷺ على نزول الملك، أي فرق بينه؟ من الذي يقول بالفرق بين هذا وذاك؟ أي فرق؟ الذي أنزل الملك

стр. 314

هو الذي صعد بالنبي ﷺ إلى الملأ الأعلى. هل أنت تصدق نزول الملك أو لا تصدق؟ إذا كنت لا تصدق فهذا شأنك، الذي لا يصدق أخذ طريق الكفر من أوله وأنكر النبوة، وأنكر الوحي لا شأن لنا معه. بعض الشبهات التي أثاروها حول هذه المسألة: من هذه الشبهات: يحلو للبعض أن يسميها حادثة، ولا يريد أن يقول: معجزة، وبعضهم عَنْوَن لبعض معجزات النبي في كتابه قال: أسطورة شق الصدر، ولَمَّا عِيبَ عليه العنوان، كيف هذا؟ عدلها في الطبعات الثانية قال: حادثة شق الصدر، لا يريدون أن يسموها معجزة، يقول: المعراج يتعارض مع قول الله ﵎ بعد أن اقتنعوا حاولوا أن يأتوا بأدلة قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (الإسراء: ٩٠) إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٣). أنا أستعجب ما وجه الاستدلال بهذه الآية على إنكار المعراج؟ أتريدون أن تقفوا في نفس المعسكر؟ هم قالوا: لا بد أن نراك ترقى في السماء، وحتى لو رأيناك فلن نؤمن لك، هذه صورة من المعاندة والكِبر الذي يضيع الحق ولا يستجيب له، نربأ بأي مسلم أن يقترب منها، لا أن يصل إليها: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ﴾ حتى مع رُقِيِّك في السماء: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ هات لنا رسالة من الله أنك طلعت، جاء بالإسراء وغيره لكنهم لم يؤمنوا، فهل نريد أن نقف في نفس الخندق معهم؟

стр. 315

هم يستدلون بإجابة النبي ﷺ هل كنتم تريدون أن يقول لهم: هذا ممكن وسأفعله لكم: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء: ٥٩) هكذا يزعمون، الآية ليس فيها أبدًا دليل على هذا -على إنكار المعراج- وحين قال النبي ﷺ : ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ يعني يريد أن يقول: إنني بقدرتي لا أستطيع أن أرقى في السماء، كل فريق من الكفار مع نبينا أو مع غيره ﷺ من الأنبياء طلبوا شيئًا يرسله إليهم، لا، ليس الأمر على هواهم. صِدقُ الرسل له علامات كثيرة يَتَحَثَّثُهَا الأعمى، صدق الرسل جميعًا، وليس رسول الله ﷺ فحسب، إنما كل الأنبياء الأدلة على صدقهم واضحة جلية باهرة، بالمعجزات وبغير المعجزات، بمضمون ما جاء به، لا يحتاج الأمر إلى معجزات، هو يقول: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ يعني: يريدون أن يقولوا: هو يعلن أنه لا يستطيع أن يصعد السماء، نعم هو لا يصعد بذاته ولا بقدرته. ومَن الذي قال: إن الإسراء والمعراج تم بقدرة النبي ﷺ ؟ والله حين تكلم عن الإسراء والمعراج، أسنده إلى القوة القادرة عليه، وهي قوة الله تعالى، و ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾! الله هو الذي أسرى، وفي أي حديث من الأحاديث لم يقل النبي ﷺ : "رأيت مثلًا ليلة سَريت أبدًا"، لم يُسْنِد الفعلَ إلى نفسه، في أي رواية من الروايات، إنما: ((رأيت ليلة أُسري بي، أسري بي)) بالبناء للمجهول، هناك مَن أسرى به وهو الله وهنا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أنا لا أفعل شيئًا إلا بإرادة الله، وبإذن الله ﵎.

стр. 316

المعراج رؤية منامية: يستندون إلى قول الله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الإسراء: ٦٠) ابن عباس ﵄ وكل التفاسير ذكرت ذلك: "هي رؤيا عين"، رآها النبي ﷺ بعينه في الإسراء وفي المعراج. الرؤيا في اللغة: عند الماضي رَأَى، والمضارع يَرى، والمصدر يتعدد، وبتعدد المصدر يتعدد المعنى، رأى رأيًا مثلًا، المسائل العلمية أو المسائل التي تحتاج للدراسة العلمية السياسية التقديرية بشكل عام، رأيي في المسألة كذا، أنا أنرى كذا، انتظر حتى أرى رأيي مثلًا، كل ذلك، رأى رؤيا بالألف، هذه للأمور المنامية، واستعمل في ذلك في الحديث، وعندنا كتاب الرؤيا في التعبير، الرؤيا عند الإمام مسلم، والتعبير عند الإمام البخاري، وتجمع على رؤى، ما يراه النائم في نومه بالألف، إذا قلت: رأيت رؤيا بالألف فهي لما يُرى منامًا، أما رأيت رؤية بالتاء هذه، فهي لما يرى بالبصر بالعين التي نبصر بها. إذن حين أقول: رؤيا بالألف فهي الرؤيا المنامية، وحين أقول: رؤية فهي الرؤية البصرية للعين، هل يجوز استعمال إحداهما مكان الأخرى؟ إذا رأيتُ أمرًا غريبًا لا يكاد يقع في واقع الناس إلا على ندرة وبُعد، كأنه لا يُرى إلا منامًا، أقول عما رأيته بعيني هاتين مثلًا: رأيت رؤيا؛ لأبين غرابة ما وقع، مثلًا: لو رأيت واحدًا يأكل عشرة أرغفة مثلًا أو عشرين رغيفًا في وجبة واحدة: والله رأيت رؤيا غريبة عجيبة، من الممكن أن تتكلم عنها حينئذٍ كأنها رؤيا لغرابتها منامية، أما العكس، يعني: لا يجوز أن تقول: رأيت رؤية عما يُرى منامًا. وأما الرؤية بالتاء، فلا تستعمل إلا في الرؤية البصرية، ومن ثم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ أي: لغرابتها وندرتها وعجز البشر عنها، لا يستطيعها إلا

стр. 317

من خَلَق البشر -جل في علاه- فعبّر الله عنها، ولذلك قال: جعلها فتنةً للناس للمنكرين لتمييز المؤمنين وغيرهم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ليتميز المؤمن الصادق من المؤمن الضعيف الذي يتردد، أو الكافر الذي ينكر ويجحد -والعياذ بالله ﵎. إذن الآية أيضًا ليس فيها أبدًا ما يفيد أن المعراج كان في المنام، وحتى لو كان في المنام، ما وجه المعجزة فيه؟ أما لو قيل: إنها منامية كما تريدون أن تقولوا، فلا وجه للإعجاز فيها، ولا داعي لإنكارها أصلًا، ولذلك أثبت العلماء بمجموعة من الأدلة أن الإسراء والمعراج كانت بالروح والجسد معًا، وجمهور العلماء على ذلك -جمهور علماء الأمة- بل إجماعهم منعقد على ذلك، لم ينازع في هذا إلا القليل. وجمهور العلماء على أن الإسراء والمعراج كانتَا في ليلة واحدة، وأنهما وقعَا بالروح والجسد معًا، وأنهما وقعَا في اليقظة وليس في المنام، كل ذلك ذكره العلماء المتعددون، ولم يستغرب أحد هذا، وإلا فما معنى أنها معجزة؟ وما وجه الغرابة فيها؟ أيقول الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بَعَبْدِهِ﴾ والعبد تنصرف إلى الروح فقط دون الجسد أو في المنام؟ ولذلك أتباع المدرسة العقلية لما وجدوا أن الإسراء ثابت بالقرآن، وهم يتجرءون على السنة، بعضهم قال: إنه كان رؤية منامية، حتى على الإسراء وليس المعراج فحسب؛ لأنهم أعملوا عقلوهم في النص؛ ولأنهم قدموا العقل على النص، وجعلوا العقل قاضيًا على النص، وهذه من البلاءات التي وقعوا فيها، ونفاصلهم فيها في الواقع العلمي، ونفاصلهم فيها أمام الله إذن: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ليس فيها دليل على إنكار المعراج.

стр. 318

أيضًا يقولون: إن المعراج لم يذكر في القرآن، وقد رددنا على هذه، لا نحتاج إلى ذكره في القرآن: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: ١ - ١٤). كل هذه آيات في كثير من المفسرين يرونها تتعلق بالمعراج، إذا لم يعجبكم ذلك فليكن، نحن لا نستفتيكم في هذا، نحن نُقَعِّد قاعدة مهمة: أن الأمور التي ثبتت بالسنة -سواء في الأحكام الشرعية، أو في العقائد، أو في أي أمر، أو في معجزات، أو في غيبيات- هي عندنا على العين والرأس، الذي ندرسه ونستوثق منه أن يكون الدليلُ صحيحًا، وهذا ما أثبتناه، ومتى ثبتت صحته فعلى العين والرأس، أقعد قاعدةً لهذا الأمر ولغيرِه: كل ما ثبت بالسنة فهو في قوة ما ثبت بالقرآن، من حيث الأدلة على العقيدة، على الغيبيات، على المعجزات. علينا أن نتأكد منه هو أن نستوثق من صحة الخبر، وصدق الرواية، كما فعل أبو بكر ﵁: "إن كان قال فقد صَدَقَ" وهذا ما تفعله المدرسة الحديثية، تتأكد من صدق الخبر. إذن كونها لم تثبت في القرآن -مع أن هذه مماحكة لن نتوقف عندها- فهي ثابتة بالسنة المطهرة عندنا. أيضًا يقولون: جمع له الأنبياء، فيها غرائب، نعم ما المشكلة؟ هذه من المعجزات وكلها فيها فوائد. توقفوا أيضًا مع مراجعة سيدنا موسى للنبي ﷺ وكأنهم يقولون: في الأمر تغيير للمقادير، من الذي قال ذلك؟ الأمر ليظهر الله لنا حكمته وفضله على الأمة. هذه المراجعة فيها دروس كثيرة، هذه المراجعة فيها احترام الخبرة، تلك القاعدة

стр. 319

التي غابت عن المسلمين الآن، احترام التخصص، احترام الخبراء في كل مَيْدان: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: ١٤) ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٩) ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (النحل: ٤٣). سيدنا موسى يعطي خبرته للنبي ﷺ : ماذا فرض الله عليك؟ أنا خبرت الأمم قبلك، وقصة بني إسرائيل مع سيدنا موسى معروفة في القرآن والسنة، والعَنَت والمشقة التي تحملها من نقاشهم، فالخبرة ليعطيَها سيدنا موسى طائعًا مختارًا للنبي ﷺ تبادل الخبرات، والحكم على أساس الخبرة درس مهم جدًّا. ثم يبين ما بين الأنبياء من تآخٍ ومن تحاب، يقدمون لنا القدوة في ذلك، يعني: لم يضن بخبرته كما نفعل نحن مع بعضنا، تضييع أخلاقنا التي علمنا إياها الإسلام، فنضن بالفوائد والخبرات، سيدنا موسى يقول له: ((ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإني قد بلوت الأمم قبلك، أو بلوت بني إسرائيل واختبرتهم، فلم يطيقوا ذلك))، فإذن فهو حب وتآخ بين الأنبياء، هو تساعُد وتسانُد على القيام بالمهمة التي بُعثوا من أجلها؛ لكي ينجحوا فيها، ويأخذوا بيد البشر إلى الهداية، هي أيضًا اعتماد على الخبرة، هي إظهار لفضل الله الذي في علم الله حَسَمه الله في نهاية الأمر: ((ما يُبَدَّلُ القول، هن خمس في العمل، وهن خمسون في الأجر والثواب)) وهذا ما سبق به قدر الله. أما المراجعة فكانت لإظهار مكانة النبي ﷺ عند ربه، وإظهار فضل الله على عباده، حيث لا يكلفهم إلا بما يطيقون وما يتحملون: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦). وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 320

الدرس: ١٩ حديث فقء موسى ﵇ لعين ملك الموت، ودفع ما أثير حوله من شبهات
следующие страницы →