← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95991

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (بكالوريوس)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (382 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

-[الدفاع عن السنة]- كود المادة: IUHD٣٠٨٤ المرحلة: بكالوريوس المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ معنى الشبهة، واستعمالاتها، وموقفنا تجاهها . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (معنى الشبهة، واستعمالاتها، وموقفنا تجاهها) أهمية السنة في الإسلام الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه: السنة -كما نعلم جميعًا- تحتلّ مكانةً بارزة في الإسلام: هي ما جاءنا عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو إقرار أو صفة خلقية أو خُلقية، حتى الحركات والسكنات في اليقظة وفي المنام قبل البعثة وبعدها. وهناك تعريفات مختصرة كلها تدور حول أن السنة هي ما جاءنا عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخُلقية، وما يتعلق بكل الأمور الصادرة عنه ﷺ . السنة مهمة جدًّا في الإسلام وفي حياة المسلمين، هي تبيِّن لهم القرآن الكريم وهي تُشّرع لهم كما يشرع القرآن الكريم؛ لذلك كانت السنة منذ أن بدأ أن يكون هناك أعداء للإسلام خارج الخط الإسلامي، وخارج التفكير الإسلامي الصحيح، كان هدفهم الأول دائمًا هو السنة؛ لما يعلمون من منزلتها؛ لأنهم يهاجمون القرآن الكريم من خلالها، بل لا نبالغ إذا قلنا: يهاجمون الإسلام كله؛ لأنه لو افترضنا أن بعض شبههم تنجح إذن نتوقف عن فهم القرآن، وعن تطبيقه حتى وإن بقي القرآن نصًّا مقدسًا نقرؤه آناء الليل وأطراف النهار، لكننا قد نعجز عن تطبيقه في غياب السنة المطهرة. فهجومهم عن السنة هو هجوم على القرآن الكريم، وفي نفس الوقت هجوم على الإسلام؛ لأن الإسلام في نهاية الأمر هو القرآن الكريم وهو السنة المطهرة. أعداء الإسلام -سواء من أبناء الإسلام الذين أخذوا سبلًا أخرى تفرّقوا وابتعدوا

стр. 3

بها عن الإسلام ونهجه من الفرق المختلفة، ومن أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم- كلهم يعرفون أهمية السنة وخطورة الهجوم عليها؛ لذلك كانت هدفًا لهم، بل أنا أقول: ستظلّ هدفًا لأعداء الإسلام إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولذلك السنة المشرفة تحتاج -في كل جيل، وفي كل عصر، وفي كل مصر- إلى جنود مخلصين يدافعون عنها، ويذبون عنها الشبه والانحرافات والضلالات التي تحاول أن تثير الغبش حول بعض ما يتعلق بالسنة من رواتها، أو من مصادرها، أو من بعض الأحاديث، إلى آخر ما يثيرونه من شبه وإشكالات. إذن، ستظل السنة محطًّا دائمًا لمحاولات التشكيك وإثارة الشبه وغيرها، ولذلك كان من المهم جدًّا أن ندرُس الشبه التي يثيرها أعداء الإسلام -قديمًا وحديثًا- حول السنة المطهرة؛ أولًا لنفنّد تلك الشبه، ولنبين أنها خاطئة، وأنها تصدر عن غير وعي وعن غير فهم ... إلى آخره، وفي نفس الوقت نصون أبناءنا الدارسين -أبناء الإسلام- الذين نضنّ بهم أن يقعوا في فريسة لهذه الشبه التي يثيرها بعض أعداء الإسلام، فلذلك الحمد لله الآن كل المراكز العلمية من جامعات وغيرها تدرس الآن هذه الشبه، وأصبحت هناك مواد مستقلة تُدَرّس للشبه: ما هي الشبهة؟ وكيف يثيرونها؟ وما هي أدلتهم؟ ويفندونها، ويردّون عليها -كما قلت- لتبقى السنة كما كانت. السنة الحمد الله بفضل من الله ﵎ منذ أن قالها النبي ﷺ وإلى يومنا هذا سارت في رحلة من الصيانة والحفظ في عيون الأمة وفي قلوبها، يعني تخصص فيها جماعة من أفذاذ علمائنا ومن كبرائهم ومن أماجدهم؛ أفنوا حياتهم في خدمة السنة المطهرة؛ لما يعلمون من منزلتها، فالحمد لله وصلت إلينا نقية من كل

стр. 4

شبهة خالية من كل انحراف أو ضلال، وبفضل الله الأجيال اللاحقة تتواصل مع الأجيال السابقة على نفس الدرب، درب الدفاع عن سنة رسول الله ﷺ . إذن -كما قلت- ستظل السنة محطًّا للأنظار وللإشكالات من الأعداء؛ لأنها الهدف الأول أو هي خط الدفاع الأول عن الإسلام وأهله، وعن القرآن الكريم، إذا جاز لنا أن نستعير بعض التعبيرات العسكرية أو غيرها السائدة الآن. تعريف الشبهة لغة واصطلاحًا، وبعض استعمالات القرآن والسنة لها ما هي الشبهة؟ ما هو مفهومها؟ ابن منظور -رحمه الله تعالى- في مادة شبَهَ يقول المشبهات من الأمور هي المشكلات، والمُتَشَابهات هي المتماثلات، يذكر لنا معنيين يدوران حول مادة شبه: الأول وهي كلمة تسوية وتمثيل، هذا شبه فلان يعني مثله، فهما متشابهان ومتساويان تمامًا، والأخرى تعني المشكلات، هذا الأمر مشتبه أو مشبه عليّ يعني فيه مشكلة في فهمه. يواصل ابن منظور كلامه ويقول: والفتنة إذا أقبلت شبَّهت على القوم، وأرتهم أنهم على الحق، حتى يدخلوا فيه ويركبوا متنها، يركبوا متن الفتنة، ومعناها يفعلون ما لا يحل، وإذا أدبرت وانقضت بان أمرها؛ فعلم من دخل فيها أنه كان على الخطأ. إذًا الفتنة نوع من التلبيس شبَّهت على القوم وزينت لهم أنهم على الحق، فإذا دخلوا فيها وانحرفوا ووقعوا في أخطاء كثيرة بعد أن تنقشع هذه الفتنة يكتشفون أنهم كانوا على خطأ، لكن لاتَ ساعة مندم. وشبه عليه الأمر أي: خَلّط عليه حتى التبس بغيره، والشبهة هي الالتباس،

стр. 5

وأمور مشتبهة ومشبّهة مشكلة، أو يشبه بعضها بعضًا، يعني: المعنيان معًا. وتقول: شبّهت علي يا فلان، تقول هذه العبارة إذا خلّط عليك بين الأمر صواب أو خطأ، وما إلى ذلك. هذه بعض المعاني التي دار حولها ابن منظور في (لسان العرب)، وكما قلت: اخترنا من بينها معنيين: المعنى التماثل والتشابه، ومعنى الالتباس والخلط. في معجم (مقاييس اللغة) لابن فارس -رحمه الله تعالى- في نفس المادة يقول ﵀: "الشين والباء والهاء" أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال: شِبْهٌ وشَبَه وشَبِيه. هذه يماثله: معنى المماثلة يعني، والشبه من الجواهر هو الذي يشبه الذهب، والمشبّهات من الأمور: المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا. إذن، نفس القضية يدور حولها ابن فارس: معنى التشابه بمعنى التماثل بمعنى الاختلاط أو الالتباس والإشكال. في (المعجم الوسيط) في مادة شبه أيضًا يقول: شبَّه عليه الأمر أبهمه، حتى اشتبه بغيره، وشُبّه عليه الأمر لُبّس، وفي التنزيل العزيز في القرآن الكريم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧)، وكأنه يشبه أو يفسّر ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧) في الآية بمعنى اختلط عليهم وسنتعرض للآية بعد قليل. واشتبه عليه الأمر: اختلط، وفي المسألة: شكَّ في صحتها، يعني: اشتبه عليه الأمر: اختلط عليه الأمر، واشتبهت عليه المسألة أي: شك في صحتها، والشبهة الالتباس. إذن، دارت مادة شبه في اللغة حول معنى المماثلة، هذا يشبه ذاك يعني يماثله في وجوه الشبه المختارة، وأيضًا فيها معنى الالتباس والاختلاط والإشكال في الفهم، أو ما شاكل ذلك.

стр. 6

وفي الشرع: ما التبس أمره، فلا يدرى أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل. تعريف الشُّبه: ما التبس الأمر فيه، فلا ندري وجه الصواب فيه من الخطأ ووجه الحل من الحرمة. الشُّبهة تُجمع على شُبه. إذن، نخلص من هذه المناقشة اللغوية إلى أن مادة شبه لها معاني كثيرة من بينها معنيان وقفنا عندهما: معنى المشابهة والمماثلة، ولذلك عندنا التشبيه في البلاغة تشبيه شيء بشيء يجتمع معه في بعض وجوه الشبه أو أكثرها إلى آخره. معنى الإشكال والالتباس والخلط أي: الذي في فهمه مشكلة؛ لا نميّز هل هو حق أو هو باطل ... إلى آخره. إذا انتهينا إلى تعريف الشبهة في الشرع: ما التبس أمره، فلا يُدرى من باب الحلال هو أم من باب الحرام، وحق هو أم باطل، صوابٌ هو أم خطأ إلى آخر المتقابلات التي يمكن أن نتكلم فيها. بعض استعمالات القرآن الكريم لمادة التشابه، وهي وردت في مجموعة من الآيات: وردت في سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (البقرة: ٢٥)، أظن ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (البقرة: ٢٥) يعني: متماثلًا، يعني هم في الجنة ينعمون بنعيمها وبثمراتها، وهم في أماكنهم كلما تمنوا فاكهة جاءتهم، وجاءتهم أيضًا مثلها مما يشابهها مع أنه يختلف عنها. في سورة البقرة أيضًا في قصة البقرة، حين دعا سيدنا موسى ﵇ قومه إلى أن يذبحوا بقرة امتثالًا لأمر الله في حوار طويل: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ٧٠) الاشتباه هنا بمعنى

стр. 7

الاختلاط أو الالتباس؛ أي: لا ندري ما البقرة المراد ذبحها. هذا من المعنى الثاني الذي نحن بصدده. في سورة البقرة أيضًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ١١٨) معناها: تشابهت قلوبهم مع قلوب الذين كانوا قبلهم، فقالوا قولًا واحدًا، تشابهوا في العمى والضلال والتكذيب للأنبياء والبعد عن الحق. هذا هو وجه الشبه الذي جمع بين الأولين والآخرين في موقفهم من رسل الله، ومن رسالات الله التي جاء بها هؤلاء الرسل إلى أقوامهم؛ ليخرجوهم من الظلمات إلى النور. في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٧) إلى آخر الآية، الله أنزل الكتاب الكريم منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فمن كان في قلبه ضلال وزيغ فيتتبَّع المتشابه؛ يفسره على هواه ابتغاء الفتنة، ومن كان في قلبه إيمان ردَّ المتشابه منه إلى المحكم. المتشابه في القرآن الكريم له تفسيرات متعدّدة: الذي لا يعلم تأويله إلا الله هذا معنى اختاره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الفتح) في كتاب التفسير، كما سنشير الآن إلى بعض الأحاديث الواردة في السنة، هل هو المتشابه الذي يحمل وجوهًا متعددة من الفهم، أو من التأويل، أو التفسير؟ هل هو المتشابه الذي قد تَعِيَ بعض العقول عن فهمه؟

стр. 8

كل ذلك وارد لكن اختار ابن حجر أن المعنى المقصود: هو أنه لا يعلم تأويله إلا الله، كما ذكرت الآية التي معنا في سورة آل عمران، إذًا الاشتباه هنا أي: اختبار وامتحان للأمة في تفويضها أمر هذه الآيات إلى الله ﵎. أيضًا في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧) وهي تحتمل الوجهين في الحقيقة، تحتمل أن يقال شُبّه أي: اختلط عليهم لم يميزوه؛ لأن القصة بإيجاز أن الله ألقى الشبه على بعض تلاميذ سيدنا عيسى ﵇ فقتلوه بدلًا من سيدنا عيسى، هم لم يقتلوا سيدنا عيسى أبدًا كما قال القرآن الكريم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧) فيا ترى، شبه لهم يعني التبس عليهم بغيره، أم بمعنى أن الله ألقى شبهه -أي مثله- على أحد تلاميذه فقتلوه، الآية تحتمل هذا وذاك، ولا بأس من إرادة المعنيين معًا، ما دام السياق يحتمل ذلك. في الأنعام: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (الأنعام: ٩٩) وفي الآية ١٤١: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (الأنعام: ١٤١) الآيتان معًا بمعنى التماثل يعني هذا يشابه هذا ويماثله في كل عناصر الشبه من الحلاوة والجمال إلى آخره. في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (الزمر: ٢٣) أي: الله نزّل أحسن الحديث أي: القرآن الكريم كتابًا متشابهًا، هنا بمعنى التماثل أيضًا والتشابه، أي: يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والبلاغة والتناسب، بدون تعارض وبدون تناقض أبدًا، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾. هذه هي الآيات في حدود البحث التي وردت فيها كلمة الشبه أو مادة الشبه، وكلها أو معظمها دارت حول معنى التماثل، وقليلٌ منها دار حول معنى الالتباس.

стр. 9

جاءت مادة شبه أيضًا في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة أيضًا بالمعنيين، من ذلك ما رواه البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (آل عمران: ٧) إلى آخر الآية، ثم قال النبي ﷺ بعد أن تلاها: إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم)). وهذا الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير، باب منه آيات محكمات. هؤلاء الذين يتتبَّعون المتشابه من القرآن الكريم يريدون أن يناقضوا القرآن ببعضه، يحاولون أن يبينوا أن بعض القرآن وبعضه اعتراضًا أو تضادًا، أو ما شاكل ذلك. هؤلاء في قلوبهم زيغ، والنبي ﷺ : ((هؤلاء الذين سمى الله)) أي: في قلوبهم زيغ وبُعد عن الحق، واستجابة للهوى وللشيطان، هؤلاء علينا أن نحذرهم، وأن نبتعد عنهم، وألا نكون منهم أبدًا بإذن الله ﵎. أيضًا في حديث النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنهما- وهو الحديث المشهور: ((الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) إلى آخره. هنا كلمة ((المشتبهات)) هذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان باب: فضل من استبرأ لدينه وعرضه، وفي كتاب البيوع في باب الحلال بيّن والحرام بيّن، ورواه الإمام مسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات. أعتقد هذا نقلًا حتى عن الكتب: أن المشتبهات في الحديث معناها أنها ليست بوضاحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثيرٌ من الناس ولا يعرفون حكمها، النبي ﵊ قال: ((لا يعلمهن كثير من الناس)) لكن العلماء يعرفون حكمها بنصّ أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك.

стр. 10

من المهم جدًّا أن نفهم الحديث- يعني: ليس في الإسلام ولا في تشريع الله شيء مشتبه لا نفهمه؛ إنما قد يَعِيَ فهمه على غير أهل الاختصاص، وهذا شيء طبيعي، ووجود طائفة من الأمة متخصصة في دراسة العلوم الشرعية هذا الأمر مطلب شرعي، ثابتٌ بالقرآن والسنة، ثابت في قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) فهذه الآية طلبت من المؤمنين أن يعملوا على توفّر طائفة متخصّصة في العلوم الشرعية؛ ليرجع الناس إليهم حين يشتبه عليهم أمر من الأمور التي تخصّ أمر دينهم، أو دنياهم. إذن، لا يؤخذ من الحديث أن في الإسلام مشكلات أو مشتبهات لكن يرجع فيها إلى أهل الاختصاص، والحديث قال: ((لا يعلمهنّ كثير من الناس)) إذن هناك قلة تعلمه، أو هناك مجموعة قد تكون أيضًا كثيرة مثل السابقة، لكنهم أهل العلم المتخصصون يعرفون حكمها كما قلت، ويردُّونها إلى قواعدها الشرعية كأن تدخل تحت نص، أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك. إذن الأمور التي تتردد بين الحل والحرمة ولم يكن فيها نصّ ولا إجماع، يجتهد المجتهدون الذين يملكون أهل الاجتهاد الحق يُلحقونها بالدليل الشرعي سواء هذا الدليل يفيد الحل أو يفيد الحرمة، وقد يكون هذا الدليل غير خالٍ من الاحتمال، فلا يقطع بسلامة وجهة نظره، وقد يكون الورع ترك هذا الشيء، وبذلك يدخل في قوله ﷺ : ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)). المقصود من هذا النقاش أن كلمة المشتبهات استعملت في الأحاديث بمعنى الشيء المشكل الذي يصعب فهمه على بعض الناس، وعليهم أن يرجعوا إلى أهل الاختصاص في ذلك.

стр. 11

وأما مادة شبه بمعنى الشبيه، فهذه قد وردت في أحاديث كثيرة، منها مثلًا: ((وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غَشي المرأة فسبقها ماؤه؛ كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)) الشبه هنا بمعنى المماثلة، وهذا الحديث رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب خلق آدم وذريته، هو جزء من حديث، وأيضًا رواه مسلم في كتاب الحيض، باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، في قصة غير قصة البخاري، يعني: كل واحد ساق للحديث قصة غير الآخر، لكن القدر المشترك منها هو استعمال كلمة الشبه هنا بمعنى الدلالة على المماثلة. الخلاصة: أن القرآن الكريم والسنة المطهرة استَعملا كلمة الشبه بالمعنيان الذي قلناهما، نقلًا عن كتب اللغة، ونخلص في النهاية إلى أن مادة شبه فيها معنى التشابه والتماثل، وفيها معنى الالتباس والإشكال في اللغة، وفي الشرع: ما التبس أمره، فلا يُدرى ما هو من باب الحلال أم الحرام، وهذا يرجع فيه إلى أهل الاختصاص. موقفنا من الشُبه وواجبنا نحوها لو أن أحدنا عرضت له شبهة في أمر من الأمور، ما هو موقفه؟ وفي الحقيقة تعرضت لها لأنها مسألة إيمانية مهمة، وتمثّل جانبًا من جوانب العظمة والروعة في الإسلام وعلاجه لما يعتلج في النفوس البشرية. نحن في رحلة الإيمان لنا أعداء، من الشيطان ومن النفس والهوى، كما هو ثابت بأدلة كثيرة، وقد ينزغ الشيطان في صدر المؤمن بما يُخالف الشرع، وقد تحدِّثه نفسه أو هواه شياطين الإنس أو الجن، فما هو الحل؟

стр. 12

عند الإمام مسلم في كتاب الإيمان، روى الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذْ بالله، ولينتِه)) وفي رواية: ((فليقل: آمنت بالله)). إذن، ممكن تثار شبهة في النفوس، الشيطان يلقيها، أو أيّ جهة أخرى تلقيها من شياطين الإنس الآن، من الذين نقرأ لهم أو نسمع لهم في أي مكان، ما هو الحل؟ وأنقل كلامًا عن الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في أثناء شرحه لهذا الحديث في (شرح مسلم) يقول -رحمه الله تعالى: وأما قوله ﷺ : ((فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله))، وفي الرواية الأخرى: ((فليستعذ بالله، ولينْتَه)) فمعناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه. بعض نزغ الشيطان يكفي في ردِّه أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد ورد في ذلك قول الله ﵎: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت: ٣٦) ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (النحل: ٩٨) لكن إذا كانت شبهة؛ يعني: كثير من الخواطر البشرية السيئة يكفي في ردِّها أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما ورد في الحديث، ولتقطع المواصلة في التفكير عن هذا الخاطر بأي طريقة كانت؛ كأن تخرج من المكان الذي أنت فيه، كأن تغلق الكتاب الذي تقرأ فيه مثل هذا الكلام، أو الشريط الذي تسمع فيه هذا الكلام، أو تنتقل إلى مجموعة من أصحابك الصالحين تدير معهم حديثًا آخر بأي شكل كان. لكن لو كانت شبهة، ينقل الإمام النووي عن الإمام المازري في (المعلم) قوله:

стр. 13

قال الإمام المازري ﵀: "ظاهر الحديث أنه ﷺ أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرّدّ لها، من غير استدلال ولا نظر في إبطالها، لكن: والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين؛ فأما التي ليست بمستقرة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تُدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يُحمل الحديث، وعلى مثلها يُطلق اسم الوسوسة، فكأنه لمّا أراد أمرًا طارئًا بغير أصلٍ؛ دُفع بغير نظر في دليل، إذ لا أصل له يُنظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها". كلام ثمين حقيقة ويفرّق بين أمرين مهمين: الأمر الأول: الخواطر التي لا تعتمد على أدلة، وهي من باب نزغ الشيطان أو حديث الهوى كما قلت: شياطين الإنس والجن، هذه لا أصل له، ولا تعتمد على أدلة؛ فالوقوف معها مَضيعة للوقت وللجهد، ويكفي الله كفانا إيَّاها، بجهد بسيط وبأن نستعيذ به من نزغ الشيطان في صدورنا، لكن التي فيها شبهة أدلة لا بد من العمل على إزالة هذه الشبهة، هذا تفريق مهم، وهو كثير في المسائل العلمية، ووقفت عنده لأن له صلة بالمادة العلمية التي ندرسها المتعلقة بالشبه حول السنة. حقيقة، كثير من الشبه لا يستحق أن يُردَّ عليه، لكن البعض حاول أصحابها أن يُلبسوها ثوب البحث العلمي، وأن يقيموا عليها بعض الأدلة؛ فيجب الرد عليهم بأدلة، وليس الهدف من هذا الرّدّ أن نرضيهم، فقد لا يرضون أبدًا، وربنا حدثنا عن اليهود والنصارى أنهم لن يرضوا عنَّا أبدًا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠) وإنما الإجابة على هذه الشبه والإشكالات إنما لتنقية صدورنا، وصدور أولادنا أبناء الإسلام.

стр. 14

في هذه الأيام المعرفة أبوابها مفتوحة كثيرة جدًّا عبر الحاسب الآلي، والإنترنت، والفضائيات، ولا نستطيع أبدًا إغلاق أبواب هذه الفتن؛ إنما المراد تحصين شبابنا وأولادنا ضدَّ هذه الفتن، التي هي في الحقيقة لا تعتمد على أدلة، لكن ما دام قد أثاروها وحاولوا أن يُقيموا حولها كلامًا يريدون به التنغيص على الإسلام وأهله؛ فلا بد من الرّدّ عليهم. إذا كان الأمر يعتمد على الأدلة فقاوم هذا الأمر بالأدلة، الإسلام دين العلم، دين التفكير الناضج، دين الاعتماد على الأدلة: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١)، إن كان الذي يثير إشكالًا له أدلة نقف مع هذه الأدلة، نناقشها، ونرد عليها، ونفحمها، ونبطلها، وإن كانت لا تعتمد على أدلة نُعرض عليها أيضًا، هذا أسلوب اعتمده القرآن الكريم واعتمدته السنة المطهرة، ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: ٢٤) لم يردّ عليهم؛ لأن هذا مسخ للفطرة وانحراف بها، واحد ينكر إن الكون له رب يسيره، واحد يقبل أن هذا الإبداع في الكون وتلك العظمة في تسيير أموره من غير من يدبّر ذلك. هذا لا يتوقف عنده؛ بينما مثلًا أقام القرآن على الأدلة على الوحدانية، لأنها أم القضايا في الإسلام: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (المؤمنون: ٩١) ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢)، هذه تعتبر أدلة، ويمكن ترتيبها في مقدمات ونتائج، لكن لأن قضية الوحدانية هي أم القضايا التي يتفرع عنها كل القضايا في دين الإسلام؛ لذلك اهتم القرآن بها، وأقام الأدلة عليها، وردَّ شُبَهَ المنكرين لها.

стр. 15

أما قضية أن يكون الله موجودًا -جل في علاه- هذا أمرٌ فطرنا الله عليه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢، ١٧٣)، إذن ردّ القرآن الكريم على بعض الشبه، ولم يهتم ببعض الشُّبَه الأخرى. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١) جاءت في أكثر من آية ردًّا على من يُثير شبهًا، أنت لا تملك دليلًا، ولذلك لم يردّ القرآن عليه في مثل هذه الأمور، وإنما طلب منه الإتيان بالدليل حتى يُردَّ عليه. إذن هو اهتم ببعض القضايا فرد عليه بالأدلة وترك بعض الأمور؛ لأنها تَفتقد الأدلة، ومن ثَمَّ يكون الوقوف معها مضيعة للوقت، وإتلافًا للجهد في غير طائل، والأولى أن تنصرف هممُ المسلمين، وأن يستثمروا جهدهم ووقتهم فيما ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم. إذا عرفنا الشبه نقول: المشكلات التي يثيرها أعداء الإسلام حول السنة، الخلط الذي يُثيره أعداء الإسلام من المستشرقين ومن غيرهم حول السنة المطهرة، من يوم أن قال الرسول ﷺ السنة. وسيظل هذا الأمر، لم يخلُ عصر من العصور ممن يثيرون الشبه حول السنة. وجاءت الفرق الإسلامية وكان لها موقف من السنة يدرَّس في تاريخ السنة وفي موقف الفرق منها: المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، وغيرهم، والشيعة وغيرهم، وامتدادًا إلى العصر الحديث من العلمانيين، والجاحدين، والمنكرين، والمستشرقين يُثيرون الشبه حول الإسلام، وحول سنة الرسول ﷺ .

стр. 16

لماذا كان هجومهم على السنة؟ لأنها هي خط الدفاع الأول عن الإسلام، لأنها التي تبين القرآن الكريم، لأنها هي التي تُشرع كما يُشرع القرآن الكريم، وهم يعلمون أن الهجوم عليها إنما هو هجوم على الإسلام ذاته، ممثلًا في مصدريه الرئيسين "القرآن الكريم والسنة المطهرة"، لو سُلم لهم هذا -والعياذ بالله- ما بقي لنا من إسلامنا شيء، ولذلك هذا الذي يجعلنا نقول: إن السنة لن يتوقف الهجوم عليها في أي عصر، طالما للإسلام أعداء من داخل أرضه ومن خارج أرضه. وأيضًا نطالب في الجهة المقابلة أن يكون للسنة المطهرة جنود يُدافعون عنها في كل زمان ومكان، وأن يُقبلوا على دراستها بروح الجندية، ولذلك أنا أطلب من أبنائي الذين يسمعونني الآن أن يُقبلوا على دراسة السنة بهذه الروح، ويعلمون أنهم على ثغرٍ من ثغور الإسلام يُحاول الأعداء أن يتسلَّلوا إلى الإسلام من قِبَله، ومن ناحيته، ليس بأسلوب عسكري، وإنما بأساليب ناعمة قد تخفى على البعض، وقد يلبسون لباس العلم، ويتمسَّحون بردائه ويُوهمون المتلقي أنهم يتتبَّعون المناهج العلمية. وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 17

الدرس: ٢ الاستشراق وموقفه من السنة المطهرة .

стр. 18

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (الاستشراق وموقفه من السنة المطهرة) تعريف الاستشراق والمستشرقين الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد: فنتكلم عن الاستشراق، وموقفه من السنة المطهرة، والمنهج الذي اتبعه المستشرقون في الدراسة، كمقدمة لدراسة شبههم التي أثاروها حول السنة المطهرة: الاستشراق في اللغة: الألف، والسين، والتاء للطلب، حين أقول: أستغفر الله؛ يعني: أطلب المغفرة من الله ﵎، فاستشرق أصل المادة شرق، تقول: شرقت الشمس أي: طلعت، واسم المكان أو الجهة المَشْرِق: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (البقرة: ١١٥). ويُقال: شتان ما بين مَشْرق ومغرب ... إلى آخره. وكلمة استشرق أي: طلب دراسة ما يتعلق بالشرق، المُسْتَشْرِق: اسم فاعل من استشرق أي: الذي طلب دراسة ما يتصل بالشرق، والاستشراق اصطلاحًا كما عرفته كثير من المصادر التي تكلمت عن الاستشراق ودلالاته: هو علم الشرق، أو علم العالم الشرقي، وهو تعبيرٌ أو مصطلح أطلقه الغربيُّون على الدراسات المتعلقة بالشرقيين، دراسةِ شعوبهم، وتاريخهم، وأديانهم، ولغاتهم، وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية وحضارتهم، كل ما يتعلق بهم، كان هذا معنى الاستشراق. ثم صار الاستشراق يُطلق على معنى خاص: بعد هذا المعنى العام الذي يعني دراسة الشرق بكل أحواله، صار يختصّ -أي: الاستشراق- بدراسة الإسلام والشعوب الإسلامية لخدمة أغراض التبشير، وخدمة أغراض الاستعمار الغربي

стр. 19

لبلدان المسلمين، ولإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمة الإسلامية. هذا المعنى قاله كثير من الذين تكلموا في الاستشراق: (أجنحة المكر الثلاثة وخوافها) للأستاذ عبد الرحمن الميداني، (الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري) للدكتور محمود زقزوق وغيرهم، (المستشرقون والتاريخ الإسلامي) للدكتور علي الخربوطلي، (رؤية إسلامية للاستشراق) للدكتور أحمد غراب، وكثير من الكتب اصطلحت على تعريف الاستشراق بهذا المعنى الذي نقوله. حُصر الاستشراق بعد أن كانت دراسة الشرق كله من كل جوانبه- حُصر الأمر في دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية، والغرض من هذه الدراسة خدمة أغراض التبشير، خدمة أغراض الاستعمار، إعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام والأمة الإسلامية. وتكوََّن من هذا الثلاثي ثالوث موجه ضد الأمة الإسلامية: التبشير، الاستعمار، الدراسات التي قام بها المستشرقون للسيطرة على بلاد الإسلام بعد أن يدرسوا المنافذ التي تؤدِّي بهم إلى ذلك. ومن هو المستشرق إذن؟ المستشرقون هم الذين يقومون بهذه الدراسات من غير الشرقيين، ويقدِّمون هذه الدراسات للمبشِّرين وللقائمين على قيادة الدوائر الاستعمارية؛ لكي يستفيدوا بتلك الدراسات في تحقيق أغراضهم التي يبحثون عنها من الأمة الإسلامية؛ من

стр. 20

الاستيلاء على مصادرها الاقتصادية، من توهين عقيدتها الدينية ... إلى آخر ما يقصدونه من أغراض ومن أهداف. هذا الاستشراق كان دوره خطيرًا في الحقيقة؛ لأنه هو الذي صاغ التصورات الغربية عن الإسلام وأهله لكل أبناء الغرب، من سياسيين وغيرهم، هذا الاستشراق كان هو المقدمة، كان هو الطليعة للغرب في تقديم المعلومات من وجهة نظرهم للغرب، وكيف يتمكَّنون من السيطرة على الإسلام في كل الجوانب. والمستشرق هو الذي يدرس أحوال الشرق بهذا المعيار الذي قلناه من علماء الغرب، وليس من علماء الشرق، أي: يطلب الاستشراق دراسة أمور الشرق. وكما قلنا: إن هذا الاستشراق كان له أكبر الأثر في تصوُّر العالم الغربي بشكل عام عن الإسلام، استمدَّ الغرب معلوماتهم عن الإسلام وحدَّدوا موقفهم منه بناءً على هذه الدراسات الاستشراقية، وهذا هو وجه الخطورة في الاستشراق وما يتعلق به في جانب العقيدة، وفي جانب السنة التي سنقف معها. الاستشراق -بهذا المعنى الخاص الذي قلناه- يعتبر موقف عقائدي وفكري معادي للإسلام؛ لأنه انطلق لخدمة التبشير ولخدمة الاستعمار للقضاء على الأمة الإسلامية، إذن هو انطلق من موقف معادي بادئ ذي بدء، وهذه خطورة، وهو الذي يجعلنا نقف ونتصدَّى، ولذلك لم يتركوا شيئًا يتعلق بالإسلام وأهله إلا وتكلَّموا فيه، وصارت لهم المؤلفات. ويشهد الله أننا لا نفتعل المعارك، لا نحارب طواحين الهواء كما يقال، إنما هذه الحقيقة، والله سجّل هذا الأمر في أكثر من آية في القرآن في الكريم:

стр. 21

﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (البقرة: ١٠٥)، وفي قوله ﵎: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة: ١٠٩) إذن القرآن الكريم يسجِّل موقفهم قديمًا وحديثًا، وفي الحقيقة هم انطلقوا من هذه الروح العدائية التي اتجهوا بها ناحية المشرق بغرض الاستعمار، والسيطرة على الأمة الإسلامية، وإبعادها عن دينها، والقضاء عليها اقتصاديًّا وسياسيًّا، وهذا هو الذي حدث فعلًا، وإن شاء الله ﵎ تخرج هذه الأمة من هذه المعركة منتصرة بإذن الله؛ بعودتها الظافرة إلى كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ . ملامح منهج المستشرقين في دراسة الإسلام نُنَبِّه عن منهج المستشرقين في دراسة الإٍسلام. هم يحاولون أن يُلبسوا دراستهم ثوبَ الدراسة العلمية الدقيقة، يُكثرون جدًّا من استعمال مصطلحات خادعة، مثل قولهم: إن التحقيق والموضوعية والتدقيق والتمحيص هو منهجهم في كل ما يبحثون، لا يُفرِّقون في ذلك بين عدوٍّ أو صديق، أو قريب أو بعيد، ويقولون: إنهم يعتمدون على المنهج العلمي وعلى المنهج التجريبي، وأنهم يدرسون العقائد الدينية على أسسٍ من المبادئ المستمدَّة من العقل والمنطق، هكذا يزعمون. يشهد الله أن هذا كلام بعيد جدًّا عن الحقيقة، ولا هناك أمانة علمية ولا ثوب علمي، ولا يمتُّون إليه بصلة. حتى من وُصف منهم بالإنصاف والدقة، ومحاولة الحيدة يعني: كثير من علمائنا

стр. 22

الذين درسوا الاستشراق يقطعون بأنه لا يوجد مستشرقٌ محايد ولا نزيه، حتى من أصدر بعض الكلمات التي ظاهرها يُشعر بالإنصاف للإسلام ونبي الإسلام؛ إنما دسَّ السمّ في العسل كما يقولون، وتتبعوا مقالاتهم في ذلك، وبيَّنوا هذا من ذاك. الآن نبين المنهج الذي اعتمدوا عليه، ومدى بُعده عن الحقائق العلمية، والمناهج العلمية المتبعة عند العلماء في كل مكان، وإثبات زَيْف ما يقولون: إنهم يُوافقون المناهج العلمية. وكيف نتصوَّر منهجًا علميًّا رصينًا ممن ينطلقون في أبحاثهم من موقف عدائي، كما أسلفنا قبل: الغرض التبشيري، الغرض استعمار البلاد الإسلامية، الغرض السيطرة على مُقَدَّرات الإسلام، هل يصدق العقل أن من ينطلق من هذه الروح العدائية سيكون حياديًّا في دراسته! حتى وإن زيَّف علينا وألبس دراسته ثوب البحث العلمي الدقيق، أو الذي يتَّبِع المناهج العلمية، الأمر أوضح من أن يقول فيه أحد، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، فهم انطلقوا في دراستهم من نزعة دينية تحمل الحقد والعداء للإسلام وأهله، ومن نزعة سياسية استعمارية تريد أن تسيطر على العالم الإسلامي، وعلى مقدَّراته، وعلى أرزاقه إلى آخره. والبحث العلمي المجرد النزيه الخالص لا يمكن أن يكون بهذه الأوصاف حين ينطلق من هذه الروح العدائية، ولذلك عندنا العلم يُبتغى به وجه الله، نطلبه لله، والذي يطلب العلم لله لا يُمكن أن يُزيِّف ولا يمكن أن يظلم؛ لأنه متقي لله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢). إذن، الزعم بأنهم يكتبون بلغة علمية رصينة وباتباع للمناهج العلمية الدقيقة، هذا زعم فاسد وباطل، وهم لن يتخلَّوا أبدًا عن نزعاتهم في هذه الكتابة، وكيف

стр. 23

يكتب بروح محايدة من يُكِنُّ العداء للإسلام وأهله، ليته حتى قدَّم النظرية الإسلامية، ثم انتقدها مثلًا في أي مجال من المجالات في التشريعات وفي غيرها، هو يبدأ بالعداء مباشرة، يبدأ بالاتهام ويسوق القضية في سوق الاتهام في سياق التهمة التي تثير الشكوك حولها، وكتاباتهم تشهد عليهم بذلك، ونحن لا نفتري عليهم. كثيرٌ من الباحثين لخّص منهج المستشرقين في تناولهم للدراسات الإسلامية تلخيصًا حسنًا دقيقًا، نعتمد عليه. منهجهم يقوم على القواعد الآتية: أولًا: يُقدمون على دراسة الإسلام بفكرة مسبَّقة، ما هي الفكرة المسبقة؟ أن الإسلام متهم في تشريعاته، وفي كل شيء، ثم يُقيمون الأدلة على هذا، أظن هذا عداء واضح، قدِّم الإسلام كما هو من خلال مصادره الشرعية، ومن خلال فهم علمائه له! هذه هي الأمانة العلمية، أنا حين أُقدم نظرية غربية في أي مجال، حتى لو لم تعجبني، كيف يكون منهج التناول؟ أقدمها كما هي، وكما قال أصحابها، وكما أقاموا الأدلة عليها، ثم أنقد، لكن أن أسوق الفكرة من وجهة نظري أنا، منطلقة من العقيدة التي تحكمني، وهي عقيدة العداء للإسلام، فأسوقها بهذه الكيفية أولًا، يعني: أصوغها من أول الأمر في موقف الاتهام في قفص الاتهام، وأتخيَّر وأؤوِّلُ النصوص وأقطعها من سياقها حتى النصوص الإسلامية؛ محاولًا الوصول إلى هذه الفكرة وتثبيتها في ذهن المتلقي الغربي.

стр. 24

دور المستشرقين في منتهى الخطورة؛ لأنهم هم الذين صنعوا التصور الغربي عن الإسلام، حتى عند السياسيين الذين يقودون الدول الاستعمارية، ولم يكونوا متخصصين في دراسة الإسلام وأهله؛ أخذوا تصوراتهم عن الإسلام من دراسات المستشرقين، المجتمع نفسه، طلاب الجامعات الذين درسوا على يد هؤلاء المستشرقين في الجامعات، وعلى يد الكُتب التي ألفوها، وانتشرت في مجتمعاتهم، أو في البرامج المتلفزة، التي يَظهرون فيها. هذا المتلقي يتلقى عنهم هذا التصوُّر الذي يقدمونه، المبشِّرُون الذين يملئون العالم الإسلامي محاولين ردَّة أهله عن إسلامهم، هؤلاء انطلقوا من هذه التصورات الاستشراقية التي كتبها الأعداء. فهم أصلًا وضعوا الإسلام في قفص الاتهام، ثم درسوه من هذه الوجهة، وحاولوا أن يبتعدوا بالنصوص عن سياقها ليؤكدوا هذا الأمر. من منهجهم أيضًا: تحليل الإسلام ودراسته بعقلية أوروبية، فهم يعتمدون في الحكم على الإسلام على مقاييسهم الغربية، وهذا من أسوأ المناهج في الاحتكام إليها، يعني مثلًا: مجتمع يمجِّد عُرْي النساء، ومجتمع يرفضه انطلاقًا من شريعته، بالضرورة حين يتكلَّم المجتمع الذي يُبيح العري سينتقد هذا المجتمع؛ بينما هو مجتمع أخلاقي يبحث عن العفَّة والطهارة، لكنه حكَّم مقاييسه هو، وليست مقاييسي أنا في الحكم على الشيء، وهذا حقيقة في منتهى الخلل في المناهج العلمية، لا يمكن محاكمة عصر على مناهج عصر آخر، أو محاكمة أشخاص على مناهج أشخاص آخرين، هذا الذي نقوله الآن معروف في المناهج العلمية، يعني مثلًا: يتكلمون عن الديمقراطية الآن يقولون: حكم الخلفاء الراشدين غير ديمقراطي؛ لأنه لم يكن عندهم مجلس نيابي.

стр. 25

هذا خلل، كان عندهم شورى أروع بكثير كانوا يُقال لهم على المنبر وغير المنبر تقول لهم الرعية ما يريدون! إنما الاحتكام إلى مقاييس الواقعية في بيئة غير بيئة هذا خلل في المناهج العلمية؛ مثلًا: النبي ﷺ تزوج ببنت صغير، هذا كلام سفيه لا يستحق الرَّدَّ عليه، هل البيئة كانت تنكر؟ هل قرأنا أن أبا جهل وأن أبا لهب وغيرهم من عتاة المعادين للإسلام أنكروا على النبي ﷺ هذا الصنيع. هذا أمر كان مألوفًا في البيئة بل ظلَّ مألوفًا لمئات السنين، ظل هذا الأمر -كما قلت- سنة بين المسلمين، زواج الكبير من الصغيرة أو من الكبيرة التي تكبره؛ فالنبي ﷺ تزوج الكبيرة التي تكبره بخمسة عشر عامًا، وتزوج الصغيرة ... إلى آخره، لكن هذا مثال لخلل المناهج. فالمستشرقون كانوا يحتكمون إلى العقلية الأوروبية وإلى القواعد الأوروبية في الحكم على الإسلام، ومن ثَمَّ يستثيرون الغربيين ضدَّ الإسلام: هذا مخالف لكم، هذا يأتي بغير ما تعتقدون، هذا يأتي بغير ما تقولون، هذا يريد أن يبطل مجتمعاتكم. يملئونهم بروح العداء للإسلام مخالفًا للمناهج العلمية، كما قلت: هذا منهج يتبعه المستشرقون، ثم يزعمون أنهم أبناء حيدة وإنصاف في حكمهم على الإٍسلام. إذن، هم انطلقوا من الفكرة المسبقة، انطلقوا من المقاييس الغربية والمناهج عندهم في الحكم على الأشياء، ولم يحتكموا إلى المناهج الموجودة عند المسلمين. أيضًا، اعتمدوا على كثير من الروايات الضعيفة والشَّاذَّة، إن شاء الله حين نتعرَّض للشُّبَه بتفصيل سنقف على مثل هذا، أحيانًا يقولون: نحن لم نأتِ ببدع من القول، هذا موجود في مصادركم، وقد يَتصور غير

стр. 26

المتخصص أن هذا كلام دقيق يلبس الثوب العلمي، هم لم يأتوا به من عند أنفسهم، إنما أتوا به من مصادرنا نحن، كيف جئتم به؟ اعتمادهم على الروايات الشاذة والضعيفة، وغض الطرف وترك الأدلة الصحيحة الثابتة منها. الكتب التي تكلمت عن الاستشراق وأهله ساقت أمثلة لذلك أنا الآن حين أتكلم عن الخوارج -حتى لن أتكلم عن الغربيين- هل أتكلم عن الخوارج إلا من خلال فكره ما قالوه، ومن خلال مصادرهم، أتكلم عن الشيعة من خلال مصادرهم، ثم أنقد؛ إنما أتكلم من وجهة نظري أنا، فهذا غير إنصاف، هذا ليس اتباعًا للمناهج العلمية، إنما هذا يعني تزييف واتباع للمناهج الخاطئة، إذن يعتمد على روايات ضعيفة شاذة رفضها أبناء الإسلام وفقًا لمقاييسهم العلمية في الحكم على الروايات، لكنهم يجعلونها أساسية ليصلوا بها إلى أغراضهم التي يحاولون الوصول إليها. أيضًا، تحريف النصوص ونقلها نقلًا مبتورًا خارجًا عن سياقه يخدم فكرتهم، وتجربة يسيرة، وحتى ليست من مستشرقين، من كاتب إسلامي وهو كبير، ألف كتابًا في السيرة عن النبي ﷺ فيقول: إنه لم يعتمد على مصادر السيرة، وعلى مصادر السنة في كتابه، مع أننا نقول: إن مصادرنا في دراسة السيرة هي القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكتب السيرة المعتمدة عند علماء التخصص، هو ابتعد عنها، وقال: إنه اتبع المنهج العلمي والمنهج التجريبي، ليكن. لكن حين أراد أن يستدلّ لماذا ترك السنة، فأراد أن يدمِّرها، السنة هذه تأخر تدوينها، يعني: يثير بعض الإشكالات التي يثيرها المستشرقون، لكن محل العجب ماذا قال؟ على سبيل المثال: الإمام النووي -رحمه الله تعالى- شرح مسلمًا، وكتب عدَّة مقدمات دقيقة ونفيسة تُكتب بماء الذهب، كما فعل ابن حجر تمامًا في مقدمته

стр. 27

لشرح البخاري (هدي الساري) من بين ما كتب الإمام النووي كتب فصلًا يردُّ فيه عن الشُّبه التي أثاروها حول (صحيح مسلم)، فبدأها بالآتي قال: "عاب عائبون مسلمًا لروايته عن الضعفاء" يعني: هناك من وجَّه بعض النقد للإمام مسلم لروايته عن بعض الضعفاء من وجهة نظره، ولم يبين كيفية روايته عنهم، هو لا يعتمدهم في الأصول أبدًا، هذا أمر آخر، لكن أن أضرب مثالًا للمنهج العلمي الذي يزعمونه. الإمام النووي قال هذه القولة: عاب عائبون مسلمًا لروايته عن الضعفاء، ثم شرع يردُّ عليها، والجواب عليها من كذا ومن كذا، هذا الناقل نقل هذه الكلمة فقط بدون الرَّدِّ عليها، وأتى بها في سياقٍ كأن الإمام النووي -رحمه الله تعالى- يُقرُّ بأن الإمام مسلمًا قد روى عن الضعفاء في كتابه، فاكتفى بنقل هذه الجملة يقول: قال الإمام النووي: "عاب عائبون مسلمًا لروايته عن الضعفاء"!! الذي يقرأ هذه الفقرة مبتورة من سياقها، ومقطوعة عما قبلها وعما بعدها يتصور أن الإمام النووي يُقرّ ذلك، هذه هي الأمانة العلمية التي يقولون عنها؛ بينما الإمام النووي أتى بها ليردَّ عليها، هذا كثيرٌ جدًّا في صنيع المستشرقين، يُخرجون النصوص عن سياقها ويبترونها عما قبلها وعما بعدها، يعرضون عرضًا ناقصًا مشوهًا مبتورًا؛ لتخدم فكرتهم، وإذا لم يجدوا سبيلًا إلى تحريف مقولات أساءوا فهمها، كل عداء إما أن يُحرّف في النقل، وإما أن يحرِّف في الفهم، انطلق من روح عدائية. أيضًا: غُرْبة كثير منهم عن اللغة العربية وعن الإسلام، جعلهم لا يفهمون النصوص على وجهها الدقيق، لا يفهمون ما فيها من بلاغة، ولا يفهمون ما فيها من دِقة وعظمة، ومن أوجه محتَملة؛ فعدم فهمهم وجهلهم

стр. 28

باللغة من بين الأسباب التي أوقعتهم في سوء الفهم، الذي انعكس على كتاباتهم عن الإسلام وأهله. وحتى لو تخصَّص أحدهم في دراسة جزئية من جزئيات الإسلام أيضًا لم تغبْ عنه هذه الروح الضعيفة؛ نظرًا لضعفه في اللغة وفي فهمه الإسلام. أيضًا: اعتمادهم على مصادر ليست معتمدة، حين أتكلم عن الحديث وعن مصادره أرجع إلى كتب السنة المعتمدة عند أهل العلم، التي طبقت المقاييس العلمية في الحكم على الأحاديث مثل: البخاري ومسلم وغيرهم، لكن تجدونهم يرجعون إلى كتاب (الحيوان) للدميري، (ألف ليلة وليلة)، (الأغاني)؛ بينما في نفس الوقت يُكذِّب ما ورد في مصادرنا الصحيحة مثل: كتب السنة الستة و (الموطأ) وغيرها. كل هذا اتباع للهوى، وكل ذلك يفعله انحرافًا عن الحق الذي يجب أن يكون، ثم هو يخدعنا بعد ذلك بأنه يلبس ثوب العلم والدقة. إذن اعتمد كما قلت مصادر الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. أيضًا: التركيز على الجوانب المعقّدة والخلافية في المسيرة الإسلامية: وكأنها هي مسيرة الإسلام، الكلام عن الفرق الإسلامية مثلًا، إحياء الشُّبَه، الكلام عن الخلافات في السياسة، أو في نحوها، وكأن ذلك هو مسيرة الإسلام طوال حياته، لا يذكرون أبدًا الجوانب الإيجابية، وهذه روح العدائية. هذا حالهم مع الإسلام، الإسلام ليس فيه ما نخجل منه، ليس فيه ما نخشاه، نحمد الله على نعمة الإسلام، ونسأل الله أن يثبتنا على إسلامنا حتى نلقاه،

стр. 29

ونحن مسلمين بصدق الإيمان كله، أقول: نفخر، ونعتزّ، ونحمد الله تعالى على نعمته. مثلًا: حين يتعرَّضون لتاريخ هارون الرشيد أحد خلفاء الإسلام العظام، تجدهم يركزون على مجالس الشعر، أو ما شاكل ذلك، وينسون أنه كان يجاهد عامًا ويحج عامًا، وينسون احترامه للعلماء وحبه لهم، وتقريبه لهم في مجالسه، إلى آخر الإيجابيات العظيمة التي تملأ تاريخ الإسلام. أيضًا: هذا منهج مختلّ حين يركّز على السلبيات ويترك الإيجابيات. أيضًا: لأنه يحرِّف الكلم عن مواضعه، ويفهم النصوص على غير وجهها؛ نتيجة للتعصب؛ يصل إلى نتائج خاطئة مخالفة لما يعتقده المسلمون، ويؤكِّد عليها ويثبّتها، ويظلّ يلحّ عليها، النظرية المعروفة: "اكذبْ اكذبْ حتى تصدِّق نفسك في آخر الأمر"؛ لأنه يعلم أن المتلقي عنه لا يملك جهة أخرى يتلقى عنها غير هذه الجهة التي هو منها هذا المستشرق، الكتب، أو البرامج، أو الحلقات الدراسية، أو النقاشية، أو ما إلى ذلك. يظلُّ يتكلَّم عن أن الإسلام يهمل المرأة، ويسقط حقوق المرأة، ويُعيد ويزيد في هذه القضية حتى يترسَّخ في وجدان المتلقي أن هذه حقيقة من حقائق الإسلام الثابتة، ويتبع ما ذكرناه سلفًا من الاعتماد على الروايات الضعيفة، من تأويل النصوص على غير بابها، هم لا يتحرجون من أي مخالفة أخلاقية أو علمية أو منهجية، ويزعمون في نهاية الأمر أنهم يتابعون المناهج العلمية الدقيقة. أيضًا: الغرب من سماته أنه عالم مادي يعتمد على الأرقام، الدنيا في نظرهم: يعمل، وينتج، ويكسب، ويستمتع بها، جوانب الإيمان والتذوق والكلام عن الجهاد والجنة، والرجاء في مغفرة الله وفي رضوانه،

стр. 30

وهكذا، أمور بعيدة عن كثير منهم، فحين يكتبون وحين يدرسون أيضًا ينطلقون من هذه الحقائق المادية الجامدة، التي تقتل الأحاسيس، وتُميت المشاعر، وتُبعد الإنسان عن خالقه، وتجعل الشيطان يسيطر عليه في كل أمر من أموره. أيضًا: تفسير سلوك المسلمين بما يُناسب الأغراض السابقة، المسلمون يُجاهدون طمعًا في الدنيا، طمعًا في المكاسب، يريدون استعمار الدول، مع أنهم هم الذين فعلوا ذلك، لم يذهب المسلمون أبدًا إلى أرض بنيَّة احتلالها، لم ينقلوا خيرات بلد إلى بلدهم أبدًا، لم يُعاملهم أبناء البلاد المفتوحة كمحتلين بل فرحوا ببقاء المسلمين بينهم بدءًا من الصحابة ومن بعدهم لكنهم يصوِّرون الأمر على عكس ذلك، جاءوا ليستمتعوا بالنساء يعني: ما فيهم نقلوه إلى المسلمين، والمسلمون من هذا براء. هذه بعض ملامح المنهج الذي اتبعه المستشرقون في دراسة الإسلام بشكلٍ عام، ليس الأمر مقصورًا على التفسير في كلامهم عن الجهاد، في كلامهم عن القرآن، عن الحديث، عن السنة، عن الصحابة، عن المسيرة السياسية للإسلام وأهله، عن الخلفاء، عن البلاد التي فتحوها، هذه الأمور التي ذكرتها عشرة أو أكثر أو أقل، هذا المنهج هو الذي سيطر عليهم في كل دراساتهم المتعلقة بالإسلام وأهله، هذا المنهج سيتضح جليًّا حين نتكلم بشكل تطبيقي، وبشكل عملي حين نرى دراستهم للسنة المطهرة. نقلًا عن الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله تعالى- في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو قد عقد دراسة مهمة للاستشراق ومنهجه، وهو من المصادر التي نعوِّل عليها في هذا البحث وغيره، ويعتمد عليها الباحثون كثيرًا،

стр. 31

وله كتاب آخر في الاستشراق وغيره (الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم)، يقول -رحمه الله تعالى-: "ترى لو استعمل المسلمون معايير النقد العلمي التي يستعملها المستشرقون في نقد القرآن والسنة وتاريخنا، في نقد كتبهم المقدسة وعلومهم الموروثة، ماذا يبقى لهذه الكتب المقدسة والعلوم التاريخية عندهم من قوة؟ وماذا يكون فيها من ثبوت؟ نعم، سنخرج بنتيجة من الشَّكِّ وسوء الظن أكبر بكثيرٍ مما يخرج به المستشرقون بالنسبة إلى مصادر ديننا وحضارتنا وعظمائنا؛ فحضارتهم مهلهلة رَثَّة الثياب، ورجال هذه الحضارة من علماء وسياسيِّين وأدباء يبدون في صورة باهتة اللون، لا أثر فيها لكرامة ولا خلق ولا ضمير. نعم، لو فعلنا ذلك -كما يفعلون- لرأوا كيف عاد هذا المنهج الذي زعموا أنهم يستخدمونه لمعرفة الحقيقة في ديننا وتاريخنا وَبَالًا عليهم، لعلهم يخجلون بعدئذٍ من استمرارهم في التحريف والتضليل والهدم". هذا النقل فيه بعض التصرف لكن هذا خلاصة كلامه -رحمه الله تعالى-. والشيخ الغزالي -رحمه الله تعالى- يقول: "الاستشراق كهانة جديدة تلبس مسوح العلم والرهبانية في البحث، وهي أبعد ما تكون عن بيئة العلم والتحرر، وجمهرة المستشرقين مستأجرون لإهانة الإسلام وتشويه محاسنه والافتراء عليه"، هذا كلام للشيخ ﵀ في كتاب له اسمه (الدفاع عن العقيدة والشريعة) في ص٨، والدكتور محمد البهي ﵀ في (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي)، والدكتور محمود زقزوق في (الاستشراق)، وكتب كثيرة تُبيّن منهج الاستشراق.

стр. 32

يعني: هذه هي الروح العدائية التي انطلق منها المستشرقون وهذا منهجهم المختلّ. وفي النهاية هناك بعضهم حاول أن يَلبس لباس الإنصاف والحيدة، ذكر بعض المحاسن للإسلام. على كلِّ حال علّمنا القرآن الكريم أن نُنصف، وأن نعطي كل ذي حق حقَّه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ إذن ليسو سواء؛ لأنه تكلم عن بعضهم قبل ذلك بما فيهم من الخلل، وأيضًا تكلَّم عن بعضهم بما فيهم من الوجوه الإيجابية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (آل عمران: ٧٥). علمنا الإسلام من خلال القرآن والسنة النَّصَفَة، وجادل بالحق، فنحن نذكر لبعضهم بعض المواقف التي كانوا فيها مُنصفين، مع أن كثيرًا من باحثينا يقطع بأن أحد منهم لا يوجد عنده إنصاف أبدًا، بل حاول أن يصوغ ذلك لكنه دسَّ السم في العسل. على كل حال، بعضهم هداه الله للإسلام، ولعل ذلك كان سببًا في جنون البعض أنه حين يقرأ بإنصاف وتعمُّق يهتدي إلى الإسلام، فأرادوا أن يعلنوها حربًا شرسة شديدة لتشويه الإسلام وصورته؛ فكان أن خرجوا عن ثوب الإنصاف والحيدة والعدل في تناول الإسلام وأهله. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 33

الدرس: ٣ علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم .

стр. 34

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (علاقة السنة المطهّرة بالقرآن الكريم) العلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد: إنَّ المستشرقين أثاروا شبهًا كثيرة حول علاقة السنة بالقرآن الكريم، وأنه يمكن الاكتفاء بالقرآن الكريم، وأثاروا شُبَهًا حول حجة السنة وأنه لا يجب العمل بها، وحاولوا أن يجمعوا بعض الأدلة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة على أفكارهم الخاطئة؛ ليُثبتوا أنهم -كما زعموا- يتبعون المنهج العلمي في الاستدلال، وأن أدلتهم جاءت من عندنا نحن من قرآن ربنا، ومن سنة نبينا ﷺ الذي نحن نعتبرهما أنهما المصدران الرئيسان للإسلام نستمدُّ منهما قواعد الإسلام وتشريعاته. علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم: ما مفهوم هذا الموضوع؟ مفهومه بيان حدود العلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة: هل يمكن أن نستغني بالقرآن الكريم عن السنة؟ هم يقولون ذلك، فمن خلال هذا الموضوع سيظهر مدى احتياج القرآن الكريم إلى السنة المطهرة في بيانه وتوضيحه، وتفصيل أحكامه للناس. أيضًا سيظهر من خلال هذا الموضوع المهم مدى زيف دعواهم في الاكتفاء بالقرآن الكريم، وأنَّ من قال ذلك إنما أراد ضياع الإسلام كله، كما سنثبت أيضًا بالأدلة ذلك. إذن، الموضوع مهم جدًّا، يردُّ على فرية الاكتفاء بالقرآن الكريم، يردُّ على زعمهم أنه يمكن فهم الإسلام من خلال القرآن الكريم فقط، سيثبت بالأدلة أنه لولا السنة المطهرة لما فهمنا القرآن الكريم. وبدايةً، نُبيِّن أن القرآن الكريم نزل ليُعمل به، أكدت حقائق القرآن الكريم هذا،

стр. 35

وآيات القرآن الكريم، وأكدته أيضًا أحاديث سيد المرسلين ﷺ في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ (الأعراف: ١٥٧) النور الذي أنزل معه: هو القرآن الكريم، سماه الله ﵎ نورًا في أكثر من آية، لكن الآية طلبت اتِّباع القرآن الكريم يعني: العمل به، و ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ في سورة الإسراء ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٩)، والله يبين أن القرآن الكريم أنزل هدى ورحمة للمؤمنين، ولن يعرض عنه إلا الأشقياء والعياذ بالله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: ٨٢). والنبي ﷺ في أكثر من حديث في الأحاديث المتفق عليها في الصحيحين بيَّن أن القرآن الكريم جاء ليُعمل به، في كتاب فضائل القرآن عند البخاري ومسلم وغيرهما: ((مثل المؤمن والذي يقرأ القرآن ويعمل به كمثل الأترُجّة ريحها طيب وطعمها طيب)) أُريد أن أضع خطوطًا وخيوطًا تحت قوله ﵊ و ((يعمل به)). القرآن الكريم أيضًا لن يكون حجةً إلا لمن عملوا به، في حديث النبي ﷺ : ((يُؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله، الذين كانوا يعملون به في الدنيا تَقدُمه سورة البقرة وآل عمران تُحاجان عن صاحبهما)) تُدافعان عن صاحبهما. ومن البديهي أن نقول: إن دفاع القرآن عن أصحابه لن يكون إلا للذين حفظوه وقرءوه وعلّموه وتعلموه، وقبل ذلك وبعده عملوا به.

стр. 36

إذن، القرآن الكريم نزل ليعمل به هذه من بدهيات الإسلام ومعروفة لدى الصغير والكبير عند المسلمين، لكي نعمل بالقرآن الكريم لا بد أن نفهم السنة؛ ففهمُ القرآن الكريم متوقف على السنة المطهرة، ولذلك هذه الدعوى التي قد يبدو أن ظاهرها فيه نوعٌ من القناعة أن القرآن حُفظ، ولم يحدث فيه تغيير ولا تبديل ولا كذا، والسنة تعرّضت لوضع وما إلى ذلك، يعني: الشُّبه التي يثيرونها حول السنة المطهرة، قد يُخدع البعض بهذا الزيف الذي قد يكون له بعض البريق الخادع، لكن الحقيقة أن الدعوى في منتهى الخطورة، لو سلمنا جدلًا بشبهتهم أو بقولهم: يمكننا الاكتفاء بالقرآن الكريم ولا داعي للسنة، سلمنا لهم ذلك، إذن سنطرح السنة جانبًا؛ وبالتالي لن نستطيع فهم القرآن، ولا تطبيق أحكامه؛ فالنتيجة هي ضياع الإسلام. إذا أعرضنا عن السنة، وإذا لم نفهم القرآن، وإذا لم نطبقه ونعمل به؛ فلا داعي لأن ننتسب إلى القرآن الكريم الذي ما نزل إلا ليُعمل به، وليخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور، وليهديها بفضل الله ثم بجهد النبي ﷺ إلى صراط الله المستقيم، الذي لن يقبل الله صراطًا سواه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا * وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (الشورى: ٥٢، ٥٣) رسول الله ﷺ يهدي إلى صراط الله المستقيم بالقرآن الكريم الذي ورد في الآية السابقة: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ أي: القرآن، سمى الله مرة ثانية القرآن نورًا ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ و ﴿إِنَّكَ﴾ يا رسول الله ﵊ ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

стр. 37

إذن، الذي يبين هداية القرآن، يبين نور القرآن، يبين منهج القرآن، يبين مراد الله ﵎ في كتابه الذي أنزله على خلقه؛ ليهتدوا به وليخرجوا به من الظلمات إلى النور- كل ذلك موكولٌ إلى رسول الله ﷺ ، ولولا السنة المطهرة ما فهمنا القرآن الكريم وما طبقناه. إذن هذا غرضهم الذي يهدفون إليه، ومن ثمَّ كان هدفًا خطيرًا وخبيثًا، وهم يحاولون أن يصلوا إلى تطبيقه بشتَّى الأساليب، وبإثارة الشُّبه، ولذلك نحن نجيب عن تلك الشبه، ونبين مدى توقف القرآن الكريم في فهمه على السنة المطهرة. محاور العلاقة بين القرآن الكريم والسنة النبوية محاور العلاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة: إن محاورها في ثلاثة: المحور الأول: أن تأتي السنة موافقة للقرآن الكريم بمعنى: أن القرآن الكريم يذكر القضية أو المسألة، ويأتي نفس الأمر في السنة المطهرة، العلاقة بينهما حينئذٍ تُسمَّى علاقة تَوَافق وتكامل، كلٌّ منهما يؤكِّد المعنى ويقرِّره؛ ليستقر في وجدان الأمة ضرورة العمل بهذا الأمر الذي نزل في القرآن الكريم، من ذلك قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، يأتي النبي ﷺ ليقول: ((المؤمن أخو المؤمن))، في رواية مسلم: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)). هذا الحديث رواه مسلم في كتاب البر، باب تحريم الظلم، حديث المسلم أخو المسلم، هو أيضًا رواه البخاري جزءًا من حديث في كتاب المظالم، باب لا يظلم

стр. 38

المسلم المسلم، وفي كتاب الإكراه، ورواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم. إذن، القرآن الكريم بيَّن أن المؤمنين إخوة، والسنة المطهرة بيَّنت أن المسلمين إخوة. العلاقة بين الآية والحديث -كما قلت- علاقة توافق وتكامل الاثنان معًا تواردا وتعاضدا على تحقيق، أو على تأكيد حقيقة إيمانية مقرَّرة في الإسلام، وهي أن العلاقة بين المسلمين تقوم على الأخوة فيما بينهم. أيضًا، الله ﵎ يقول في سورة هود: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) وكذلك عقاب ربك وأخذه للظلم وللظالمين، إن أخذه أليم شديد، ونجد نفس المعنى تقريبًا في قول النبي ﷺ : ((إن الله ليُملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته)) هذا رواه البخاري في كتاب التفسير عند تفسير هذه الآية، عند تفسير سورة هود، ورواه الإمام مسلم أيضًا في كتاب البر، باب تحريم الظلم نفس الكتاب والباب السابقين. وكذلك قول النبي ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم، وتعاطفهم، وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الأعضاء بالحمى والسهر)). هذا الحديث رواه البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ورواه مسلم في كتاب البر باب تراحم المؤمنين. التوافق بين آيات القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، في كثير من الأحكام، الله ﵎ يقول: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (النور: ٣٢) يأتي

стр. 39

النبي ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) وهذا أيضًا اتفق على رواية البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- في كتاب النكاح عند كل منهما. إذن، علاقة التوافق هذا أو التأكيد أو التعاون على إثبات الحقائق الإيمانية في كل جوانب الحياة، هذا منهج تلاقى فيه القرآن، وتلاقت فيه السنة المطهرة مع القرآن الكريم، وهو نوع من العلاقة التي أشار إليها العلماء بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة. لكن على كل حال قد يزعم البعض من خلال هذه العلاقة أنه يمكن الاكتفاء بالقرآن الكريم، لا داعي للأحاديث التي تؤكِّد القرآن أو توافقه؛ القرآن لا يحتاج إلى تأكيد ولا إلى موافقة، يكفي أنه كلام الله تعالى، وقد يكون لهذا الكلام خِداعه وبريقه. المحور الثاني: هو أن السنة تُبيِّن القرآن الكريم: هذا البيان ثابتٌ بنصِّ القرآن الكريم، يعني: أنها مهمة لا نمنحها نحن للسنة المطهرة من باب التعصب، أو من باب الرَّدِّ على الخصوم بدون أدلة، هذه المهمة هي مهمة قرآنية، بمعنى: أن الله ﵎ هو الذي أوكَل إلى رسوله ﷺ مهمة بيان الذكر الذي نُزِّل إليهم، كما قال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤)؛ فالله تعالى هو الذي أنزل الذكر. سواء قلنا: إن المراد بالذكر هو القرآن أو السنة أو هما معًا؛ فإن الله ﵎ قد بيَّن أن مهمة بيان القرآن الكريم موكولةٌ إلى رسول الله ﷺ .

стр. 40

إذن، لا يستطيع أحدٌ أن ينازع في هذه المهمة للسنة، وإلا تناقض مع القرآن الكريم نفسه؛ فتبطل دعواه من الأصل بالاكتفاء بالقرآن، كما يزعم بعض أبناء هذه الدعوى. كيف تبين السنة المطهرة القرآن الكريم؟ في الحقيقة، أن كلمة بيان كلمة مفردة، لكن تحتها أنواع كثيرة: منها: أنها تفصِّل مجملًا، الأمر يأتي في القرآن الكريم موجزًا يحتاج إلى تفصيل، ولولا هذا التفصيل لما فهمنا المراد من القرآن الكريم، ولما استطعنا تطبيقَ أحكامه، وهذا نوعٌ من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، يُسمِّيه العلماء تفصيل المجمل، من أمثلة ذلك "الصلاة"، ماذا ورد في القرآن الكريم عن الصلاة؟ كلها آيات تدعو إلى وجوب المحافظة على الصلاة وبيان أهميتها في الإسلام، وأنها أحدُ الأعمدة، وأحد الأركان الإسلام الحنيف، وامتدح الله ﵎ المؤمنين في أكثر من آية؛ لأنهم يقيمون الصلاة ويحافظون عليها، ومن ذلك قوله في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: ١: ٣)، وختم الآيات: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ٩) وفي سورة المعارج: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: ١٩: ٢٣)، وورد الأمر الإلهي في سورة البقرة بضرورة المحافظة على الصلوات كلها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: ٢٣٨)، وبيَّن الله أن الصلاة على المؤمنين كتاب موقَّت محدد: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣).
следующие страницы →