Полный текст (382 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إذن، القرآن الكريم نزل ليعمل به هذه من بدهيات الإسلام ومعروفة لدى الصغير والكبير عند المسلمين، لكي نعمل بالقرآن الكريم لا بد أن نفهم السنة؛ ففهمُ القرآن الكريم متوقف على السنة المطهرة، ولذلك هذه الدعوى التي قد يبدو أن ظاهرها فيه نوعٌ من القناعة أن القرآن حُفظ، ولم يحدث فيه تغيير ولا تبديل ولا كذا، والسنة تعرّضت لوضع وما إلى ذلك، يعني: الشُّبه التي يثيرونها حول السنة المطهرة، قد يُخدع البعض بهذا الزيف الذي قد يكون له بعض البريق الخادع، لكن الحقيقة أن الدعوى في منتهى الخطورة، لو سلمنا جدلًا بشبهتهم أو بقولهم: يمكننا الاكتفاء بالقرآن الكريم ولا داعي للسنة، سلمنا لهم ذلك، إذن سنطرح السنة جانبًا؛ وبالتالي لن نستطيع فهم القرآن، ولا تطبيق أحكامه؛ فالنتيجة هي ضياع الإسلام.
إذا أعرضنا عن السنة، وإذا لم نفهم القرآن، وإذا لم نطبقه ونعمل به؛ فلا داعي لأن ننتسب إلى القرآن الكريم الذي ما نزل إلا ليُعمل به، وليخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور، وليهديها بفضل الله ثم بجهد النبي ﷺ إلى صراط الله المستقيم، الذي لن يقبل الله صراطًا سواه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا * وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (الشورى: ٥٢، ٥٣) رسول الله ﷺ يهدي إلى صراط الله المستقيم بالقرآن الكريم الذي ورد في الآية السابقة: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ أي: القرآن، سمى الله مرة ثانية القرآن نورًا ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ و ﴿إِنَّكَ﴾ يا رسول الله ﵊ ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
стр. 37
إذن، الذي يبين هداية القرآن، يبين نور القرآن، يبين منهج القرآن، يبين مراد الله ﵎ في كتابه الذي أنزله على خلقه؛ ليهتدوا به وليخرجوا به من الظلمات إلى النور- كل ذلك موكولٌ إلى رسول الله ﷺ ، ولولا السنة المطهرة ما فهمنا القرآن الكريم وما طبقناه.
إذن هذا غرضهم الذي يهدفون إليه، ومن ثمَّ كان هدفًا خطيرًا وخبيثًا، وهم يحاولون أن يصلوا إلى تطبيقه بشتَّى الأساليب، وبإثارة الشُّبه، ولذلك نحن نجيب عن تلك الشبه، ونبين مدى توقف القرآن الكريم في فهمه على السنة المطهرة.
محاور العلاقة بين القرآن الكريم والسنة النبوية
محاور العلاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة:
إن محاورها في ثلاثة:
المحور الأول: أن تأتي السنة موافقة للقرآن الكريم بمعنى: أن القرآن الكريم يذكر القضية أو المسألة، ويأتي نفس الأمر في السنة المطهرة، العلاقة بينهما حينئذٍ تُسمَّى علاقة تَوَافق وتكامل، كلٌّ منهما يؤكِّد المعنى ويقرِّره؛ ليستقر في وجدان الأمة ضرورة العمل بهذا الأمر الذي نزل في القرآن الكريم، من ذلك قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، يأتي النبي ﷺ ليقول: ((المؤمن أخو المؤمن))، في رواية مسلم: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)).
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب البر، باب تحريم الظلم، حديث المسلم أخو المسلم، هو أيضًا رواه البخاري جزءًا من حديث في كتاب المظالم، باب لا يظلم
стр. 38
المسلم المسلم، وفي كتاب الإكراه، ورواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.
إذن، القرآن الكريم بيَّن أن المؤمنين إخوة، والسنة المطهرة بيَّنت أن المسلمين إخوة.
العلاقة بين الآية والحديث -كما قلت- علاقة توافق وتكامل الاثنان معًا تواردا وتعاضدا على تحقيق، أو على تأكيد حقيقة إيمانية مقرَّرة في الإسلام، وهي أن العلاقة بين المسلمين تقوم على الأخوة فيما بينهم.
أيضًا، الله ﵎ يقول في سورة هود: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) وكذلك عقاب ربك وأخذه للظلم وللظالمين، إن أخذه أليم شديد، ونجد نفس المعنى تقريبًا في قول النبي ﷺ : ((إن الله ليُملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته)) هذا رواه البخاري في كتاب التفسير عند تفسير هذه الآية، عند تفسير سورة هود، ورواه الإمام مسلم أيضًا في كتاب البر، باب تحريم الظلم نفس الكتاب والباب السابقين.
وكذلك قول النبي ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم، وتعاطفهم، وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الأعضاء بالحمى والسهر)).
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ورواه مسلم في كتاب البر باب تراحم المؤمنين.
التوافق بين آيات القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، في كثير من الأحكام، الله ﵎ يقول: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (النور: ٣٢) يأتي
стр. 39
النبي ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) وهذا أيضًا اتفق على رواية البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- في كتاب النكاح عند كل منهما.
إذن، علاقة التوافق هذا أو التأكيد أو التعاون على إثبات الحقائق الإيمانية في كل جوانب الحياة، هذا منهج تلاقى فيه القرآن، وتلاقت فيه السنة المطهرة مع القرآن الكريم، وهو نوع من العلاقة التي أشار إليها العلماء بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة.
لكن على كل حال قد يزعم البعض من خلال هذه العلاقة أنه يمكن الاكتفاء بالقرآن الكريم، لا داعي للأحاديث التي تؤكِّد القرآن أو توافقه؛ القرآن لا يحتاج إلى تأكيد ولا إلى موافقة، يكفي أنه كلام الله تعالى، وقد يكون لهذا الكلام خِداعه وبريقه.
المحور الثاني: هو أن السنة تُبيِّن القرآن الكريم: هذا البيان ثابتٌ بنصِّ القرآن الكريم، يعني: أنها مهمة لا نمنحها نحن للسنة المطهرة من باب التعصب، أو من باب الرَّدِّ على الخصوم بدون أدلة، هذه المهمة هي مهمة قرآنية، بمعنى: أن الله ﵎ هو الذي أوكَل إلى رسوله ﷺ مهمة بيان الذكر الذي نُزِّل إليهم، كما قال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤)؛ فالله تعالى هو الذي أنزل الذكر.
سواء قلنا: إن المراد بالذكر هو القرآن أو السنة أو هما معًا؛ فإن الله ﵎ قد بيَّن أن مهمة بيان القرآن الكريم موكولةٌ إلى رسول الله ﷺ .
стр. 40
إذن، لا يستطيع أحدٌ أن ينازع في هذه المهمة للسنة، وإلا تناقض مع القرآن الكريم نفسه؛ فتبطل دعواه من الأصل بالاكتفاء بالقرآن، كما يزعم بعض أبناء هذه الدعوى.
كيف تبين السنة المطهرة القرآن الكريم؟
في الحقيقة، أن كلمة بيان كلمة مفردة، لكن تحتها أنواع كثيرة:
منها: أنها تفصِّل مجملًا، الأمر يأتي في القرآن الكريم موجزًا يحتاج إلى تفصيل، ولولا هذا التفصيل لما فهمنا المراد من القرآن الكريم، ولما استطعنا تطبيقَ أحكامه، وهذا نوعٌ من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، يُسمِّيه العلماء تفصيل المجمل، من أمثلة ذلك "الصلاة"، ماذا ورد في القرآن الكريم عن الصلاة؟ كلها آيات تدعو إلى وجوب المحافظة على الصلاة وبيان أهميتها في الإسلام، وأنها أحدُ الأعمدة، وأحد الأركان الإسلام الحنيف، وامتدح الله ﵎ المؤمنين في أكثر من آية؛ لأنهم يقيمون الصلاة ويحافظون عليها، ومن ذلك قوله في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: ١: ٣)، وختم الآيات: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ٩) وفي سورة المعارج: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: ١٩: ٢٣)، وورد الأمر الإلهي في سورة البقرة بضرورة المحافظة على الصلوات كلها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: ٢٣٨)، وبيَّن الله أن الصلاة على المؤمنين كتاب موقَّت محدد: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣).
стр. 41
لكن إذا أردنا أن نأخذ هذا الأمر الإلهي، وننزل به إلى موقع التنفيذ، هيا بنا نُقيم الصلاة من خلال القرآن الكريم فقط، الظهر أربعًا، أين نجدها في القرآن الكريم؟ العصر أربعًا، الظهر عند استواء الشمس في كبد السماء، كما يقول الفقهاء في تحديد وقته، العصر عندما يصير الظل كل شيء مثليه، المغرب عند غروب الشمس إلى آخره. هذه التفصيلات التي نعرفها في الفقه من خلال أحاديث النبي ﷺ بأركان الصلاة، وسنن الصلاة، وأوقات الصلاة، والقراءة في الصلاة، ومبطلات الصلاة، وشروط صحة الصلاة، تفصيلات استغرقت أحاديث كثيرة، وكُتب كثيرة عُنيت بها، كل كتب السنة التي جمعت أحاديث النبي ﷺ ستجد فيها كتاب الصلاة، عند البخاري، وعند مسلم، وعند الترمذي، وعند النسائي؛ لأهمية الصلاة، ولتفصيلاتها الكثيرة يعني: أفردوها في كتب، وكتب الفقه أفردتها في شروح كثيرة.
هكذا نرى أن السنة هي التي فصّلت الصلاة، ولولا السنة ما استطعنا إقامة هذا الركن الهام والخطير، الذي يفصل بين المؤمن وغيره من ضمن ما يُفصل به بين أهل الإيمان وأهل الكفر، لولا السنة لما استطعنا تطبيق هذا الركن الهام في الإسلام.
ومثل الصلاة الزكاة، وهي الركن التالي للصلاة، أيضًا وردت آيات تحثُّ على الزكاة، وتبيّن أنها أمر هام في الإٍسلام، وأنها أحد أركانه، وأيضًا في نفس سورة المؤمنون: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (المزمل: ٢٠) إلى آخر الآيات الكثيرة، لكن إذا أردنا أن نَنزل بالزكاة إلى واقع التطبيق لن نستغني أبدًا، بل لن يمكننا أبدًا أن نفعل ذلك إلا من خلال السنة المطهرة، أين توجد زكاة عروض التجارة في السنة؟ أين توجد زكاة الإبل والغنم في السنة؟
стр. 42
الصيام والحج، ورغم أن الحج قال العلماء: إن القرآن الكريم تعرَّض لأركان الحج: الوقوف بعرفات: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (البقرة: ١٩٨) ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٥٨) ذِكْر الصفا والمروة، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (الحج: ٢٩) الطواف، لكن بقي للسنة أيضًا تفصيلات كثيرة يعني: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ كيف نطوف؟ ومن أين نبدأ؟ وأين ننتهي؟ وما عدد الأشواط؟ وما شروط صحة الطواف؟ وماذا نقول في طوافنا؟ أيضًا نفس الكلام عن السعي، وعن الوقوف بعرفة إلى آخره، يعني رغم أن القرآن الكريم ذكر مجرد الذكر لأركان الحج إلا أن السنة تولَّت التفصيلات، التي لا يمكن أن يطبَّق الركن إلا من خلال فهمها ووجودها معنا، وهي أحاديث النبي ﷺ التي بينت تلك التفصيلات.
حين نضرب أمثلةً بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فإننا نضرب أمثلةً بأركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين.
وبإيجاز شديد نستطيع أن نقول: لولا السنة لما استطعنا إقامة بنيان الإسلام، في الحديث الصحيح المتفق عليه عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- في كتاب الإيمان عند البخاري ومسلم: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، وصوم رمضان))، روايات قدمت الحج على الصوم، وروايات قدمت الصوم على الحج.
أركان الإسلام الأربعة التي بعد الشهادتين، التي بدونها لن يُقام الإسلام، ولن يُبنى الإسلام، ولن يكون هناك إسلام، كل ذلك متوقف على السنة المطهرة، وأنا لا زلتُ في نوعٍ واحد من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، وهو تفصيلُ
стр. 43
المجمل، وتفصيل المجمل لا يقتصر على بيان الأركان فقط، أمور أخرى كثيرة جدًّا في العبادات وفي غير العبادات تتوقف تفصيلاتها على السنة المطهرة.
حين يقول الله تعالى مثلًا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (النور: ٣٢) هذا أمرٌ إلهي للأمة كلها، أن ننكح الأيامى أي: الذي لا زوج لهم من الرجال والنساء، نريد أن نطِّبق هذا الأمر الإلهي، فماذا نفعل؟ إذا أراد رجل أن ينكح فماذا عليه أن يفعل؟ ما هي الخطوات العملية؟ بأي شيء تبدأ؟
تأتي السنة لتبين الخطبة، وأنها إعلان رغبة في النكاح، وتضع حدودًا ومعالم لهذه الخطبة: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه))، وأنه يجوز النظر إلى المخطوبة فقط لتأكيد الرغبة في نكاحها، فإذا وجد في نفسه ما يدعوه إلى نكاحها تقدم إلى وليِّها، وهو بدون عقدٍ أجنبي عنها، إلى آخر الأحكام، لكن السنة بيّنت: كيف تكون الخطبة؟ ما هي حدود العلاقة بين الخاطب ومخطوبته أثناء الخطبة، ما هو العقد؟ ما هو شروطه؟ كيف يصير صحيحًا، أو فاسدًا، أو باطلًا؟ بتفصيلات كثيرة نعرفها في كتب الفقه، وفي كتب السنة.
حين يقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) ما هي صور البيع الحلال؟ وما هي صور الربا الحرام؟ كيف أتحاشى الحرام وأتعامل بالحلال فقط؟ كل ذلك يتوقف فهمه على السنة المطهرة، التي بيَّنت أنواع الربا، ربا النسيئة وربا الفضل، والتي بيّنت أيضًا الأنواع التي يدخل فيها الربا، والتي لا يدخل فيها الربا، الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر ... إلى آخر الأحاديث الواردة في ذلك.
تفصيلات لا حدَّ لها، ماذا أقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: ٣١) نريد أن نأكل موافقين لمنهج الشرع، تأتي الأحاديث النبوية: ((يا غلام، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك))، ((ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه))
стр. 44
((ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه)) إلى آخر الأحاديث الواردة التي نستطع أن نضعها بجوار بعضها؛ لنستخرج منها ما يمكن أن نسميه بمنهج الإسلام في الطعام، بمنهج الإسلام في الثياب، مثلًا: ((ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنان، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته باليمين الكاذب))، ((إن الله لا ينظر إلى من جرَّ ثوبه خيلاء أو بطرًا))، أحاديث كثيرة بينت لنا حدود اللباس الشرعي من شكله، ومن تفصيلاته، ومن مقاسه ... إلى آخره، لكن ورد الأمر في القرآن الكريم مجملًا موجزًا مختصرًا، تكفَّلت ببيانه السنة المطهرة.
نوع آخر من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، وهو ما يمكن أن نسميه بتخصيص العام:
والعام لفظٌ ينطبق على أفراد كثيرين، إذا قلت مثلًا: كل الطلاب ناجحون، هذا بمقتضى هذه الجملة ينطبق على كل ما يُمكن أن يُوصف بأنه طالب في الدنيا كلها، لو قلت في جملة ثانية مثلًا: أقصد طلاب جامعة كذا، ماذا فعلت جملة: أقصد طلاب جامعة كذا، مع الجملة الأولى كل الطلاب ناجحون؟ خصَّصتها يعني: قصرت الحكم العام الوارد في الجملة الأولى على بعض أفراده، بدل أن كان ينطبق على كل الأفراد الذين يدخلون تحت عموم الجملة بأنه طالب في أي مكان في الدنيا، صار الحكم مقصورًا أو مخصوصًا بالجامعة التي ذكرتها مثلًا: جامعة كذا.
هذا هو تخصيص العام يعني: اللفظ العام الذي ينطبق على أفرادٍ كثيرين قُصر على بعض أفراده، بدل أن كان ينطبقُ على العموم المطلق الوارد في السياق الأول، في القرآن الكريم آياتٌ عامة فيها أحكام عامة، جاءت السنة المطهرة
стр. 45
وخصصتها، من ذلك مثلًا قول الله ﵎ في آياتِ المواريث في سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (النساء: ١١) إلى آخر الآية. والآية التي بعدها: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: ١٢) إلى آخر الآيات.
لو أخذت الآية بظاهرها سأطبقها على كل حالات الإرث، بصرف النظر عمن هو الموروث ومن هو الوارث، الآية بعمومها تنطبق على كل أصل موروث يرثه فرعه الوارث على التفصيلات المذكورة في الآيات، وأيضًا في الأحاديث الواردة في هذا، جاءت السنة وخصصت ذلك العموم، مثلًا ((لا نورث ما تركناه صدقة)) هذا حديث النبي ﷺ يتكلم عن الأنبياء يقول: ((لا نُورث ما تركناه صدقة)) يعني: الأنبياء لا يُورثون، هذا رواه البخاري في كتاب الفرائض، باب قوله "لا نورث"، ورواه مسلم في كتاب الجهاد باب قول النبي ﷺ "لا نورث"، يعني: الأنبياء لا يُورثون، أو لا يُوَرَّثُون ما تركوه صدقة، لا ينتقل بالإرث من أبنائهم أو غير أبنائهم؛ حسب الترتيب المذكور في آيات المواريث وفي أحكامه.
هذا الحديث خصََّص الآية، وليس هو المُخصِّص الوحيد للآية، هناك مخصصٌ آخر، وهو اختلاف الديانتين بين الأصل الموروث والفرع الوارث، وذلك في قوله ﷺ : ((لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا يرث الكافرُ المسلمَ))، هذا أيضًا رواه البخاري في كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، ومسلم رواه أيضًا في كتاب الفرائض في أوله، من حديث أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما-.
إذن، هذا أيضًا مخصص آخر، مخصص ثالث إذا قتل الفرع الوارث أصله الموروث لا يرثه؛ وذلك بقوله ﷺ : ((لا يرث القاتل)) وهذا حديثٌ رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده، في الجزء واحد ص٤٩، ورواه أبو داود -رحمه الله تعالى- في كتاب الديات، ورواه غيرهم أيضًا.
إذن، هناك مخصصات للآية، جاءت من خلال السنة، وكأن الآية يكون معناها على الوجه التالي بعد هذه المخصصات: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ إلى آخره، نستطيع أن نقول: إلا إذا كان الأصل الموروث نبيًّا؛ فإنه لا يُورث؛ وذلك لقوله ﷺ : ((لا نورث))، وعند اختلاف الديانتين بين الأصل الموروث والفرع الوارث؛ فإنه لا توارث، وذلك من قوله ﷺ : ((لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا يرث الكافر المسلمَ))، وأيضًا إذا قتل الفرع الوارث أصله
стр. 46
الموروث فلا يرثه، وذلك من قوله ﷺ : ((لا يرث القاتل))، هذه المخصصات لهذه الآية لعمومها في القرآن الكريم من أين أتينا بها؟
من السنة المطهرة، لم نأتِ بدعًا من عند أنفسنا، ولا يستطيع مسلم أن يتدخل في التشريع الإلهي أبدًا، التشريع الإلهي نستمدُّه من قرآن ربنا، ومن سنة نبينا ﷺ ، إذن لولا السنة لطبقنا آيات المواريث خطأ.
ونحن نعلم أنه قد حدثت قصة من النقاش بين الخليفة الأول أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- وبين فاطمة بنت النبي ﷺ في قضية الميراث، وأبو بكر -رضي الله تعالى عنه- كان حريصًا على تطبيق السنة، فلم يعطها الإرث؛ تطبيقًا لحديث النبي ﷺ .
إذن، لولا السنة لما فهمنا هذه الآيات على وجهها الصحيح ولطبقناها بطريقة خاطئة، تُخالف مراد الله ، وأعرف الناس بمراد ربه هو رسول الله ﷺ .
وكما قلنا: فإن الذي أعطاه مهمة بيان ما في القرآن الكريم هو الله ﵎-
стр. 47
ولم نعطها نحن تعصبًا له أو منحة أو هدية، هذا حكم الله الذي على كل مؤمن يُؤمن بالقرآن والسنة أن يخضع له.
أيضًا، من الآيات التي وردت بلفظ عام، وخصصتها السنة المطهرة قول الله ﵎ في سورة الأنعام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢) هذه الآية لما نزلت وجل الصحابة جدًّا، وخافوا، معنى الآية بإيجاز: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: لم يخلطوا إيمانهم بظلم، لم يخلطوا إيمانهم بأي نوع من أنواع الظلم، هؤلاء فقط الذين لهم الأمن ولهم الهداية.
إذا عرفنا الظلم كما يقول العلماء: هو وضع الشيء في غير محله، في أي ميدان، تُطلق بصرك إلى غير ما يجوز، هذا وضع للبصر في غير محله، فهذا ظلم، إنفاقك للمال أو جمعك له من غير ما يجوز، أو في غير ما يجوز هذا ظلم، إرسالك للسمع ليستمع إلى ما لا يجوز لك أن تسمعه هذا ظلم، رِجلك إذا سعت إلى شيء خطأ، وهكذا وهكذا، على هذا المعنى هل يوجد واحد من المؤمنين لم يظلم نفسه بصورة ما؛ لذلك خاف الصحابة وهم أهل الورع والتقوى، وهم الذين عاشوا كأنهم عاينوا الجنة والنار، وكأنهم رأوها رأي العين، فخافوا ووجلوا قالوا: ((يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟)) فقال لهم النبي ﷺ ليصحح لهم هذا الفهم: ليس كما تفهمون، بيَّن أن المراد بالظلم في الآية هو الشرك، هذا الحديث رواه البخاري بسنده إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: ((لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قلنا: يا رسول الله، أيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك)) ففسر الظلم هنا بالشرك، واستدل على ذلك، قال لهم: ((أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣))).
стр. 48
هذا البيان النبوي الكريم لهذه الآية ماذا فعل؟ خصص العام، يعني: قصر الظلم على بعض أنواعه وهو الشرك، بدل أن كان يشمل كل أنواع الظلم أصبح مقصورًا على نوع واحد من أنواعه، وهو الشرك.
ماذا فعل حديث النبي ﷺ مع الآية القرآنية؟ خصصها، ما معنى خصصها؟ يعني: قصَر الحكم على بعض أفراده بدل أن كان المراد هو كل الأفراد، هذا بيان بعض الأمثلة، والأمثلة كثيرة جدًّا من تخصيص السنة لعام القرآن الكريم وتوضيحها لبعض الأمور.
أيضًا، من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم ما يُسميه العلماء بتقييد المطلق:
تقييد المطلق يعني الشيء يأتي مطلقًا في القرآن الكريم، تقيِّده السنة، في المعنى بتفصيل المجمل، تعريف المجمل، تعريف المطلق، تعريف العام، تعريف المقيد، أو التقييد، كل ذلك له تفصيلات في علم أصول الفقه.
المطلق: شيء واسع يأتي في القرآن الكريم، أو تأتي السنة لتقيّده، مثال ذلك قول الله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨) الله يُحدِّد عقوبة السارق بأن تُقطع يداه؛ جزاءً له بما اقترف من الإثم، وهذه العقوبة نكالٌ من الله ﵎. هذا معنى الآية بإيجاز.
هيا بنا نُطبِّق حدَّ السرقة في ضوء القرآن الكريم: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ اليد في اللغة وفي الشرع أيضًا تُطلق على هذا العضو منَّا من أول الأصابع إلى المنكب، يعني: على طول الذراع كله، استعمالها في القرآن الكريم واستعمالها في السنة المطهرة بهذا المعنى كثيرًا جدًّا، في آيات كثيرة، نعم هي تتكون من أجزاء،
стр. 49
تتكون من أصابع، وكل أصبع من بنان إلى عقد وبراجم إلى آخره فيه كفّ له بطن وظهر، فيه ساعد، من أول الرسغ إلى المرفق، فيه عضد من المرفق إلى المنكب إلى آخره. كلها أجزاء لكنها في النهاية تكون مجموعًا واحدًا يُطلق عليه اليد.
ولذلك في آية الوضوء مثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (المائدة: ٦) إلى المرافق، إلى المرافق لماذا جاءت؟ لتبين الغاية، أو المدى الذي تُغسل فيه اليد، ليس إلى المنكب، وإنما إلى المرافق، ولو جاءت الآية فاغسلوا أيديكم فقط، ولم يكن يُنقل لنا شيء من السنة بالتقييد لكان يجب علينا أن نغسلها إلى المنكب، لكن لمَّا أراد الله هذا القدر فقط حدَّده بقوله ﵎ إلى المرافق ليبين أن اليد تُطلق كما ذكرنا في اللغة، وفي الشرع على ذلك العضو من أول الأصابع إلى المنكب أي: إلى التقاء العضد بالكتف، التقاء العضد بالكتف يُسمى منكبًا، هذا ظاهر الآية، بالإضافة إلى أن الآية لم تُحدّد نصاب السرقة يعني: ما هو القدر المسروق الذي تُقطع فيه اليد؟ وما هي شروط السرقة، وهذه تفصيلات أخرى جاءت في السنة.
كيف طبَّق النبي ﷺ حدَّ السرقة حينما جاءه سارق قد سرق؟
في الحديث أخرجه مجموعة من كتب السنة، البيهقي وغيره: ((أُتي بسارق إلى النبي ﷺ فقطع يده من مِفْصَل الكَفِّ -يعني: بمقدار الكف فقط)) الآية لو أنني أخذت بها كما وردت: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ سأقطع اليدين معًا لكل سارق، لم يقل الله ﵎: فاقطعوا يداهما، إنما قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ إذن نقطع اليدين معًا لكل سارق، وبالمقدار الذي ذكرناه من أول الأصابع إلى المنكب.
السنة طبقت الحد: أُتي بسارق للنبي ﷺ فقطع الكف فقط، ومن يد واحدة، النبي ﷺ أعلم الأمة بمراد ربه ﵊، وهو الذي أوكل الله ﵎ إليه
стр. 50
مهمة بيان القرآن الكريم الذي نُزِّل للناس لعلهم يتفكرون ويتدبرون في أمور دينهم ودنياهم، هذا التطبيق النبوي للآية قيَّد مطلقها، وأصبح مثالًا لتقييد السنة لمطلق القرآن الكريم، وأيضًا الأمثلة على ذلك كثيرة موجودة في الكتب لمن أراد أن يرجع إليها. إذن السنة تقيد المطلق بعد أن خصصت العام، وبعد أن فصّلت المجمل.
للسنة أيضًا مهمة في البيان أخرى: وهي أنها توضّح ما أَشكل وأُبهم من القرآن الكريم، يقولون: توضيح المبهم، وأنا أميل إلى تسميته بتوضيح المشكل، أو ما أَشْكل -يعني: هي مشكلة في فهمنا نحن، وليست في القرآن الكريم، فإنه لا يوجد فيه شيء مبهم، وعلى كل حال هو تفريق من وجهة نظري يقتضيه الورع مع القرآن الكريم.
لكن خلاصة هذا النوع: هو أنه تأتي بعض الألفاظ، أو المراد بعض السياقات التي لا يُفهم معناها، ولا يُحدَّد المراد منها، فيأتي النبي ﷺ ليبين ذلك، وهي أشبه ما تكون ببيان نوع الكلمة أو معنى الكلمة، الكلمة ونوعها، من ذلك مثلًا بيان السنة للمراد من الخيط الأسود والخيط الأبيض الوارد في قول الله ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيَّن النبي ﷺ أن المراد الخيط الأبيض هو النهار، والخيط الأسود هو الليل.
روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى سهل بن سعد -رضي الله تعالى عنه- قال: ((نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ولم ينزل من الفجر -يعني: لم تكن هاتان الكلمتان "من الفجر" لم يكن قد نزلتا بعد- وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيَّن له رؤيتهما -يعني حتى يتمكَّن من رؤيتهما، والتمييز بينهما يظلُّ يأكل- فأنزل الله ﵎ بعده ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾)) وبيَّن لهم النبي ﷺ أن سواد الخيط الأسود المقصود به هو سواد الليل، وأن
стр. 51
الخيط الأبيض هو بياض النهار، والخط الفاصل بينهما الذي ينتهي عنده سواد الليل، ويبدأ عنده بياض النهار هو الفجر. ومن هنا يبدأ المسلم صومه من عند أذان الفجر إلى المغرب من كل أيام من رمضان، ومن أيام أخرى يريد صيامها.
إذن، السنة المطهرة تفصل مجمل القرآن الكريم، تخصِّص عامَّه، تقيد مطلقه، توضح ما أُبهم منه على بعض الأفهام، أو ما أشكل فهمه على بعض الأفهام.
من خلال هذا الاستعراض هو موجز، لا نستطيع فهم القرآن الكريم إلا في ضوء السنة المطهرة، لا نستطيع أبدًا تطبيق الأحكام ولا فهمها إلا في ضوء السنة المطهرة، ومن ثَمَّ تظهر خطورة هذه الدعوى: "علينا الاكتفاء بالقرآن الكريم فقط" ويظهر خبث الهدف من ورائها، بأنهم يريدون هدم الإسلام، ماذا بقي لنا من إسلامنا بعد أن تضيع السنة، وبعد أن يتعطل القرآن الكريم عن الفهم والتطبيق.
الهدف واضح، ولذلك رددنا بنوع من التفصيل على هذه الدعوى من خلال بياننا لعلاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة.
السنة المطهرة توافق القرآن الكريم وتؤكد الحقائق التي ذكرها، هذه علاقة، وعلاقة أخرى تُبين السنة تبين القرآن الكريم بواحد من أنواع البيان المعروفة عند أهل العلم، وأنواع البيان: هي تفصيل المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتوضيح المشكل أو المبهم، ورغم خطورة هذه المهمة وتوقف القرآن الكريم في فهمها على السنة، من خلال هذه المهمة؛ إلا أن دور السنة المطهرة مع القرآن الكريم لم يقتصر على الموافقة أو البيان فقط، وإنما لها دور هام وخطير، هو استقلال السنة بالتشريع؛ يعني: السنة تشرّع كما يشرع القرآن الكريم تمامًا.
وهذه مهمة أخرى للسنة المطهرة مع المهمتين اللتين ذكرناهما وهي بيان السنة للقرآن الكريم بأنواع البيان أو موافقة القرآن الكريم في أحكامه التي أشرنا إليها
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 52
الدرس: ٤ تابع علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة .
стр. 53
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(تابع علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة)
المحور الثالث من محاور العلاقة بين القرآن الكريم والسنة النبوية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ثم أما بعد:
فلا يزال حديثنا موصولًا عن المحور الثالث من محاور العلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة:
وهي أنها تشرِّع وتؤسّس للناس أحكامًا لم يسبق لها ذكرٌ في القرآن الكريم، وهي في هذا واجبة الاتباع تمامًا مثل القرآن الكريم يعني: السنة تُوافق القرآن الكريم، وتُؤكد أحكامه، تُبيِّن القرآن الكريم بأنواع البيان التي أشرنا إليها، وقبل ذلك وبعد ذلك ومع ذلك هي تشرِّع كما يشرِّع القرآن الكريم تمامًا.
بعض الأمثلة لتشريعات السنة المطهرة التي لم يسبق لها ذكر في القرآن الكريم:
من هذه الأحكام التي أسَّستها السنة المطهرة، وشرَّعتها "زكاةُ الفطر" مثلًا، الذي أوجبها هو رسول الله ﷺ والبخاري -رحمه الله تعالى- روى بسنده إلى عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحرِّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) الذي فرض هو رسول الله، هكذا جاءت الرواية في الصحيحين، الحديث رواه البخاري ﵀ ﵎ في كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، واللفظ الذي أوردناه هنا هو لفظ البخاري ﵀ ﵎ من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما.
وزكاة الفطر واجبة تمامًا مثل زكاة المال، ولها تفصيلاتها في كتب الفقه، أبين أهميتها، وأنها واجبة، وتستقر في ذمَّة المسلم، وعليه أن يؤدِّيها؛ بل إن هناك من العلماء من قال: يُقاتل مانعها كما يقاتل مانع الزكاة تمامًا بتمام وسواء بسواء؛
стр. 54
للدلالة على أهميتها، أيضًا النبي ﷺ ورغم أن القرآن الكريم في المواريث فصَّل كثيرًا، آيات المواريث في النساء وفي غيرها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١) ذكر الله الميراث بتفصيل موسَّع، وهذه من المواطن في القرآن الكريم التي وسّع وفصّل فيها القرآن الكريم، ومع ذلك أبقى أشياء للسنة، وبينت السنة بعض التشريعات المتعلقة بالميراث، رغم تفصيل القرآن الكريم لأحكام الميراث بتفصيل موسع في آيات سورة النساء.
جاءت الجدَّة تطلب حقَّها في الميراث من أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- هذا مثال آخر لتشريع السنة، فأبو بكر -رضي الله تعالى عنه- قال: "لا أجد لكِ في كتاب الله شيئًا" ولننتبه إلى إجابة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- لو أن التشريع من القرآن الكريم فقط كان من الممكن أن يقتصر الصديق -رضي الله تعالى عنه- على هذا القدر من الإجابة لكنه يعلم أن السنة تشرّع كما يشرِّع القرآن الكريم تمامًا فقال لها: ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لكِ بشيء، إذن الصديق يعلم يقينًا أن رسول الله ﷺ يُشرّع كما يشرّع القرآن الكريم وهو في هذا واجب الاتباع، كما يجب اتباع القرآن الكريم والأدلة على وجوب اتباع النبي ﷺ هي نفسها الأدلة على حُجيّة السنة.
إذن هذان مثالان لتشريع النبي ﷺ في مجال الإيجاب وهناك أمور كثيرة، في الحديث في الصحيحين في كتاب الحج وغيره أن النبي ﷺ يقول: ((أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحُجّوا، قال رجل: أفي كل عام يا رسول الله ﵊ سكت النبي ﷺ حتى قالها الرجل ثلاثًا، ثم قال: بعد ذلك لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم))، محل الشاهد هنا الذي جعلنا نسوقه في مجال العلاقة بين السنة المطهرة والقرآن الكريم هو أنه واضح في الدلالة على أن النبي ﷺ -
стр. 55
يشرّع لو قال النبي ﷺ للرجل: نعم، يجب في كل عام؛ لكان هذا الأمر واجبًا على المسلمين جميعًا، ولما استطاعوا.
إذن، قوله يُوجب على الأمة، وكان على السائل أن يتفطَّن إلى أن الحج لو كان واجبًا في كل عام لبيَّنه النبي ﷺ من غير سؤال؛ لأن تأخير البيان عن موطن الحاجة لا يجوز، فلو كان الحج واجبًا في كل عام لبيّنه النبي ﷺ عند الذكر الأول، وكان على السائل أن ينتبِه إلى هذا الأمر؛ ولذلك تركه النبي ﷺ ثلاث مرات لعله يتذكر، فلما استمر في سؤاله قال: ((لو قلت: نعم؛ لوجبت ولما استطعتم)) كأنه قال: كان عليك أن تتنبَّه إلى أن سكوتي يعني: أنه ليس بواجب، فلا تؤدي المسألة إلى مشقة على المسلمين، هذا أمرٌ غير مرغوب في الإسلام، لكن على كل حال المثال لتشريع السنة في مجال الإيجاب، كما ذكر في زكاة الفطر، وكما غيرها من الأحكام التي أشرنا إليها.
في مجال التحريم: حَرَّمت السنة أشياء كثيرة جدًّا جدًّا، في كتاب النكاح، في تحريم نكاح المتعة، في كتب السنة نرجع عند البخاري ومسلم وغيرهما، النبي ﷺ حرّم نكاح المتعة: وهو أن ينكح الرجل المرأةَ إلى أجل على قدر معلوم بينهما يعني ثلاثة أشهر سنة كيفما يتفقان، المهم أن العقد محددٌ بوقت، وأن النكاح ينتهي بمجرد انتهاء العقد، هذا نكاحٌ كان قد شُرع، ثم نسخ وحرم، المهم أن الذي أباح هو النبي ﷺ والذي حرّم بعد ذلك هو النبي ﷺ .
أيضًا، في نفس حديث نكاح المتعة حرَّم النبي ﷺ الحُمُر الأهلية -أي حرم أكلها- وكانت قدورهم تغلي بها في يوم خيبر، فلما بلغهم نهي النبي ﷺ ؛ ألقوا القدور بما فيها، وثبت تحريمها، والذي حرمها هو رسول الله ﷺ .
أيضًا، النبي ﷺ حرَّم أن تُنكح المرأة على عمتها أو خالتها، يعني: القرآن
стр. 56
الكريم في مجال ذكره للمحرمات في النكاح قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ (النساء: ٢٣) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني: لا يجوز للرجل أن يجمع تحته في وقت واحد بين المرأة وأختها.
يجوز أن ينكحها واحدة بعد الأخرى، كأن تطلق الأولى أو تموت كما فعل سيدنا عثمان مع بنات النبي ﷺ تزوج رقية، ثم تزوج أم كلثوم، لكن أن يُجمع بينهما في وقت واحد تحت رجل واحد، هذا حرام، وفاعله يُعاقب بتفصيلات أيضًا في كتب السنة وكتب الفقه، لكن محل الشاهد هنا أن النبي ﷺ حرم كما حرم القرآن الكريم تمامًا.
إذن هذا تشريع حرمته أيضًا السنة المطهرة.
أيضًا، النبي ﷺ حرم كلَّ ذي ناب من السباع في أحاديث كثيرة موجودة في كتب السنة، وحرم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وحرم بيع الرجل على بيع أخيه، وحرم أن نتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لبادٍ، وهناك تشريعات كثيرة وردت في هذه الأحكام، في البيوع، وفي النكاح، وفي الطلاق، وفي العدة، وفي الرضاع، تفصيلات كثيرة جدًّا جدًّا، المستقر عند العلماء أن السنة المطهرة تشرع كما يشرع القرآن الكريم سواء بسواء.
هذه علاقة ثالثة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، السنة المطهرة تُوافق القرآن الكريم، السنة المطهرة تُبين القرآن الكريم، السنة المطهرة تُشرع كما يُشرع القرآن الكريم تمامًا. هكذا تحددت معالم العلاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة.
стр. 57
نقاط حول علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم
أولًا: قضية بيان السنة المطهرة للقرآن الكريم، وأنها نوع من أنواع العلاقة المؤكدة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، هذا أمر مستقر عند العلماء وتكلموا فيه:
يقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتابه الرائع (الرسالة) بأسلوبه الفصيح البليغ: "فجماع ما أبان لخلقه في كتابه -أي: جماع الأمور التي بينها الله ﵎ لخلقه في كتابه مما تعبَّدهم به لما مضى من حكمه جل ثناؤه -يعني: ما مضى من حكمه مما تعبد به عباده جل ثناؤه- أنه بيَّن لهم ما يريده منهم من وجوه، منها ما أبانه لخلقه نصًّا -يعني: الله بيَّن بالنص ما يُريده من خلقه، مثلًا في بيان فرائضه، في أن عليهم صلاة، وزكاة، وحجًّا، وصومًا، وأنه حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرم الزنا والخمر، أو خص الزنا والخمر بالذكر، وحرم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيَّن لهم كيف كان فرض الوضوء، من أمور كثيرة بيَّنها نصًّا -جل في علاه- في كتابه، النوع الثاني: ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيِّه مثل عدد الصلاة، والزكاة، ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه، ومنه ما سَنَّ رسول الله ﷺ مما ليس لله فيه نص حكم -ما سن يعني: ما فرض وما شرع وقد فرض الله في كتابه طاعة رسول الله ﷺ والانتهاء إلى حكمه، فمن قَبِل عن رسول الله فبفرض الله قَبِل.
هذا الكلام عن أن السنة تُشرع وعلينا أن نسمع وأن نطيع، وبفرض الله على الأمة أن تتبع رسولها، ومنه ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم -أي: فتح
стр. 58
لهم باب الاجتهاد في فهم بعض النصوص، وهذا نوع من الاختبار من الله ﵎ كما اختبرهم في طاعته بأحكام شرعية أخرى غير باب الاجتهاد.
إذن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في هذا النص يبين لنا حدود العلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة.
أيضًا الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه (دراسات حول الحديث النبوي الشريف) أيضًا قال وهو يستعرض السنة ومكانتها في الإسلام: "إذا أردنا تحديد مكانة السنة النبوية في الإسلام، فعلينا مراجعة الموضوع في كتاب الإسلام الأول، وهو القرآن الكريم؛ لمعرفة منزلة السنة ومنزلة الرسول ﷺ نفسه في ضوء القرآن، وبدراسة القرآن الكريم؛ نجد أن رسول الله ﷺ كان ووضع رقم واحد، وقال مبينًا لكتاب الله، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤) فمن وظيفة الرسول ﷺ أن يُبيِّن للناس ويفصِّل ويشرح بفعله وقوله، فيفصّل لهم ما أُجمل ويبين لهم ما أشكل، وهذه الوظيفة من الله سبحانه، وهو الذي عيَّن رسوله شارحًا ومبينًا لكتابه، ومن البديهي أن الشرح والبيان هو شيء زائد على التلاوة، وكثيرًا ما يحتاج الشارح إلى التوضيح عمليًّا، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ .
فهل بالإمكان تجريد شخصية الرسول ﷺ من هذه الوظيفة؟ وهل يتفق رفض ما شرحه من الكتاب من الإيمان بالكتاب نفسه" -يعني: هل إذا أنكر أحد شرح النبي ﷺ للسنة الذي نعبّر عنه بالبيان، هل يكون مؤمنًا بالكتاب نفسه وهو القرآن الكريم، الذي أوكل هذه المهمة للنبي ﷺ ؟ أليس هذا إنكارًا للكتاب نفسه؟ "
هذا حديث الدكتور الأعظمي عن بيان السنة للقرآن. ثم يستطرد ويقول في المهمة
стр. 59
الثانية: "وكان الرسول ﷺ أسوة حسنة يجب على المسلمين اتباعه قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١) ".
قال الدكتور الأعظمي: "وهو ﷺ مطاعٌ وجوبًا"، ثم ذكر بعض الأدلة على وجوب طاعة النبي ﷺ
الرسول ﷺ صاحب سلطة تشريعية ثم ذكر آيات الأعراف، هذا تعبير الدكتور مصطفى الأعظمي صاحب سلطة التشريعية: وهو ما نُعبّر عنه باستقلال السنة بالتشريع، أو أن النبي ﷺ يُشرِّع كما يُشرع الله تمامًا، قال الدكتور الأعظمي بعد أن ذكر آيَتَيْ الأعراف، وهي قول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧، ١٥٨).
كيف يَستخرج الدكتور الأعظمي من الآيات أو من هذه الآيات الحكم، أو أن السنة تُشرّع؟ يقول -جزاه الله خيرًا-: تتضمن هذه الآيات الأمر بالإيمان بالله ورسوله، كما تتضمن مقتضى هذا الإيمان وهو اتباعه ﷺ فيما يأمر به ويُشرعه، واتباع سنته
стр. 60
وعمله، وليس هناك رجاء في هداية الناس فيما يدعوهم إليه رسول الله ﷺ إلا باتباعه فيما يدعو إليه، ولا يكفي أن يؤمنوا به بقلوبهم ما لم يتبع الإيمان الاتباع العملي الكامل لرسول الله ﷺ فيما يبلِّغه عن ربه، وفيما يشرِّعه ويسنّه. كما تتضمن بيان سلطة النبي ﷺ التشريعية التي منحها الله رسوله ﷺ ؛ حيث قال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ فالتحليل والتحريم هنا أسنده الله إلى رسوله، وما حرمه رسول الله ﷺ وحلله كلاهما واجب الطاعة والامتثال بدرجة واحدة.
هذان نقلان لبيان فهم العلماء والنقول كثيرة جدًّا، هذه النصوص وغيرها تُؤكّد أن الأمة أجمعت على هذا الفهم في حدود العلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة، بأن السنة تُوافق القرآن الكريم، وتبين القرآن الكريم، وتشرّع كما يُشرع القرآن الكريم.
أيضًا: من النقاط التي نُكمل بها الموضوع: أنه ليس معنى أن السنة تفصّل مجمل القرآن الكريم، أو تخصص عامه أن كل مجمل في القرآن الكريم، أو كل عامٍّ في القرآن الكريم، أو كل مطلق في القرآن الكريم- لا بد من تقييده، أو يحتاج إلى تقييد، لا. هذا ما اقتضت حكمة الله أن يُبيّنه، لكن هناك من تشريعات القرآن ما هو باقٍ على عمومه، ما هو باقٍ على إطلاقه، ما هو باقٍ، يعني: حسب مراد الله ﵎، وأعرف الناس بمراد الله هو رسول الله ﷺ .
الأحكام الشرعية كلها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: ٧٧) كل هذه أحكام عامة باقية على عمومها ولا تحتاج إلى مخصص.
بل نذكر أمرًا عظيمًا وعجيبًا يُمثِّل وجهًا من وجوه العظمة في الإسلام، ومعجزة
стр. 61
من معجزات رسول الله ﷺ معجزة تتعلق بالمستقبل: رسول الله ﷺ نفسه أخبر بوجود هذه الطائفة التي تزعم أنها تكتفي بالقرآن الكريم، يقول ﵊: ((ألا إني أُوتيتُ الكتاب ومثله معه)) أي: السنة ((ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن؛ فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه، ألا يحلُّ لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لُقَطُ معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها)) إلى آخر الحديث، هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب السنة، في باب لزوم السنة، ورواه أيضًا الترمذي وابن ماجه في كتب السنة من حديث المقداد بن معد يكرب -رضي الله تعالى عنه-.
النبي ﷺ يحدثنا عن هذه الطائفة: ((ألا يُوشك رجلٌ شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه)) هذه هي الدعوى التي تتكرَّر هذه الأيام، وستأتي أيضًا في الأجيال القادمة بعد أن أشبعت دراسة وردَّ عليها بكثير جدًّا من اجتهادات العلماء، ومع ذلك يلوكونها دائمًا حينما يريدون أن يهاجموا الإسلام، ونقول ذلك لنبين أن الدعوى في خبثها وفي هدفها النهائي تحاول القضاء على الإسلام من خلال التشكيك في السنة، ومن خلال عدم الربط، أو عدم بيان العلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة.
شيخنا العلامة فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة -رحمه الله تعالى- يعلِّق على هذا الحديث الذي ذكرناه الآن، يقول ﵀: "قوله ﵊: ((يُوشك رجل شبعان)) يُحذِّر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنَّها رسول الله ﷺ مما ليس له في القرآن ذكرٌ على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض؛ فإنهم تمثَّلوا بظاهر القرآن الكريم، وتركوا السنن التي تتضمَّن بيان الكتاب؛ فتحيَّروا وضلُّوا، وأراد
стр. 62
بقوله: ((متكئ على أريكته)) أنه من أصحاب الترف والدِّعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم" إلى آخر ما قال -رحمه الله تعالى، هذا كلامه في كتاب (الدفاع عن السنة).
يقول شيخنا الشيخ أبو شهبة ﵀ تتمَّة لكلامه السابق: "وقد دلَّ الحديث على معجزة للنبي ﷺ ، فقد ظهرت فئة في القديم والحديث تدعو إلى هذه الدعوة الخبيثة، وهي الاكتفاء بالقرآن عن الحديث، وغرضهم هدم نصف الدين، أو إن شئت فقل: تقويض الدين كله؛ لأنه إذا أُهملت الأحاديث والسنن فسيؤدِّي ذلك -ولا ريب- إلى استعجام كثير من القرآن على الأمة، وعدم معرفة المراد منه، وإذا أُهملت الأحاديث واستعجم القرآن فقل على الإسلام العفاء".
فالشيخ ﵀ يوضح هدف هذه الدعوى الخبيثة، بأن غرضها هو تضييع الإسلام؛ من عدم الأخذ بالسنة، ومن استعجام القرآن الكريم الذي يتوقَّف في فهمه على السنة المطهّرة، ونستطيع أن نقول: إن هناك أحاديث أخرى وردت في بيان هذه الطائفة من ذلك ما رواه أبو رافع، فعن أبي رافع -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)).
قوله: ((لا أُلفينَّ)) ينهى يقول: لا أجدن، يعني: لا أريد أن أجد أحدًا يصل إلى هذه الحالة، النبي ﷺ ينهى هنا عن هذه الحالة على سبيل المبالغة، وعلى سبيل النهي الجازم الذي لا يصح أن يصل إليه مسلم في معاداته للسنة المطهرة واكتفائه بالقرآن الكريم.
وأيضًا، الانتباه إلى هذا الرجل المتكئ على أريكته بمعنى: أنه في دعة وترف، ولا يُعاني في طلب العلم، ولا في أفهام العلماء، ولا يدور على المشايخ، إلى آخر ما
стр. 63
نعرفه من مناهج شيوخنا وعلمائنا وسلفنا الصالح في تلقي العلم، وتكبّد المشاق في سبيل ذلك، والرحلات إلى البلاد المختلفة على الناقة وعلى غيرها، وفي البر والحر والبرد، إلى آخر ما نعلمه جميعًا.
إذن، هو نهي عن الوصول إلى هذه الحالة، والحمد لله هذه الحالة لم تظهر في حياة النبي ﷺ ، لم يوجد أحدٌ أبدًا من الصحابة يقف موقف التردُّد، لا أقول الرفض في السنة وترك العمل بها، الحمد لله، برئ هذا الجيل الطاهر المبارك من صحابة رسول الله ﷺ من التردِّي إلى مثل هذا الدرك السحيق.
إذن، رسول الله ﷺ بيَّن وجود هذه الطائفة في أكثر من حديث كما قلنا، ولذلك الإمام البيهقي -رحمه الله تعالى- يُورد هذين الحديثين في كتاب (دلائل النبوة) يعني يجعل إخباره ﷺ هنا من الدلائل على نبوته ﷺ ؛ أولًا في وجود هذه الطائفة في أنها تكاد تُنكر السنة المطهرة، أو لعلها تنكرها وتكتفي بالقرآن الكريم، وأيضًا من وصفهم بأنهم متكئون على أرائكهم في شِبع وترفٍ، يقولون: علينا بالقرآن الكريم فقط، إلى آخر ما ذُكر، فهذا أيضًا إخبار من النبي ﷺ .
يعني، السنة في كثير من النصوص أخبرت بوجود هذه الطائفة، جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن بين يدي الساعة كذَّابين فاحذروهم))، وهذا أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الإمارة، يكذبون على النبي ﷺ ، يكذبون على سنته، يقفون منها موقف المعاند الجاحد المنكر، يريدون أن يضيّعوا الإسلام من خلال الزعم بالاكتفاء بالقرآن الكريم وبالسنة المطهرة.
أيضًا: من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى ينبعث دجّالون كذَّابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله)) هؤلاء ما داموا يزعمون ذلك فقد وقفوا من السنة موقف المعاند، بل من القرآن نفسه، الذي أخبر أن النبوة انتهت بالنبي ﷺ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠).
стр. 64
والنبي ﷺ حدثنا عمّا فضَّله الله تعالى به عن الأنبياء فقال: ((فُضلت على الأنبياء بستٍّ))، وهي روايات كثيرة والخصال كثيرة، لكن محل الشاهد هنا ((وخُتم بي النبيون)) إذن هؤلاء الذين يقفون هذا الموقف من السنة دجَّالون وكذَّابون، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، وأنهم يقفون موقف المعاندة، ليس من السنة فحسب، بل من الإسلام كله، وأيضًا وردت أقوال عن الصحابة وعن السلف الصالح بشكل عام، مرت بنا كلمة عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه-، عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: "من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب" يعني: سيقول: لا نجد الرجم في كتاب ربنا، القرآن الكريم ثبت بالسنة، هناك أحاديث كثيرة في هذا.
وأيضًا أهل التفسير يقولون: إنه وُجد في القرآن حُكمًا، ونُسخ تلاوة، لكن سيكون رفض البعض مبنيًّا على أساس أنه لم يردْ في السنة، فهذا موقف من العداء للسنة، ولقد أمر القرآن الكريم بالعمل بالسنة، فالذي يرفض العمل بالسنة يرفض العمل بالقرآن، ومن هنا يأتيه الكفر.
يقول أيوب السختياني إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا، وحدثنا من القرآن؛ فاعلم أنه ضالّ مُضلّ". هذا كلام السلف قال الأوزاعي -رحمه الله تعالى- معلقًا على كلام أيوب: "قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولَ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: ٧) وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠) وهذا يؤوّل القرآن برأيه! يفهمه على هواه! يصرفه عن ظاهره بدون سند، ويزعم أننا نكتفي بالقرآن الكريم فقط دون السنة! ".
ابن حزم -رحمه الله تعالى- أيضًا يقول: "لو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة"، هذا كلام ابن حزم في (الإحكام) ج٢ ص٨٠، والنقول التي نقلناها عن أيوب والأوزاعي وغيرهما موجودة في (الكفاية) وفي غيرها من المصادر الإسلامية.
стр. 65
إذن، هذا كلام النبي ﷺ ، وهذا إجماع الأمة وسلفها الصالح من لدن الصحابة، ومرورًا بالعصور التالية كلها، وإلى عصرنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ستظلّ الأمة تعمل بالسنة المطهّرة، وتعرف دورها مع القرآن الكريم على الوجه الذي ذكرنا؛ بل إننا نستطيع أن نقول من غير مبالغة: إن القرآن الكريم نفسه تنبَّأ بوجود هذه الطائفة التي ستقف من النبوة نفسها، ومن كلام النبي ﷺ موقف العداء والمعاندة والمشاققة، يعني: مثلًا حين نقول: قال الله ﵎: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، والآية التي قبلها: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الذين يقولون بالاكتفاء بالقرآن الكريم فقط هؤلاء يعاندون هذه الآية وغيرها ووجه المعاندة واضح، الله تعالى يقول في هذه الآية: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ولذلك نحن ذكرنا استدلال الدكتور مصطفى الأعظمي بهذه الآية على ما سماه هو سلطة النبي ﷺ التشريعية؛ يعني: النبي ﷺ يُشرِّع، وما دام النبي ﷺ يشرع؛ فالأمة يجب عليها أن تسمع وأن تطيع لرسول الله ﷺ .
لو كان الله لم يعطِ لرسوله سلطة التشريع على حدِّ تعبير الدكتور الأعظمي هل كان لقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ فائدة؟ أعوذ بالله من هذا الفهم الذي قد يتردَّى بصاحبه إلى دوائر الكفر من حيث يشعر أو لا يشعر، ونسأل الله السلامة، ونسأله الهداية أيضًا لكلِّ متعثّر استحوذ عليه الشيطان؛ فأنساه الحق وأعماه عن القرآن وعن السنة، ووقف منها موقف المعاند الجاحد، والعياذ بالله ﵎.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 66
الدرس: ٥ أدلة حجية السنة المطهرة (١) .
стр. 67
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(أدلة حجية السنة المطهرة (١))
معنى الحُجِّيَّة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، ثم أما بعد:
فنبدأ الحديث بعون من الله ﵎ وتوفيقه- عن حجية السنة:
الحجية معناها: أن السنة حُجَّة من حجج الله ﵎ على خلقه، يجب العمل بها، الله من ضمن حُجَجِه على خلقه أنه ألزمهم بسنة النبي ﷺ ، هذا ورد في آيات كثيرة، وفي أحاديث.
أهمية المسألة:
المسألة في الحقيقة مسألة إيمانية، ومسألة عقدية، وقضية قرآنية؛ مسألة إيمانية بمعنى: أن إيمان المؤمن يتوقَّف على إيمانه بهذه الحقيقة، وهي وجوب العمل بالسنة المطهرة، وهي مسألة عقدية؛ لأنها جزءٌ من عقيدته التي يدين الله تعالى بها، والتي سيُحاسب عليها حين يلقى ربه، وهي قضية قرآنية؛ لأن القرآن الكريم اهتمَّ بها من ناحية أنها قضية إيمانية. أما كونها قضية قرآنية فهي فعلًا قضية قرآنية، بمعنى: أن القرآن الكريم اهتمَّ بها جدًّا وأولاها عناية فائقة، تتمثَّل في مجموعة من المظاهر، من ذلك كثرة الآيات التي تحدثت عن هذه القضية، قضية وجوب العمل بالسنة -أي: وجوب اتباع النبي ﷺ ، حين نستعرض القرآن الكريم، القرآن الكريم له قضايا اهتمَّ بها جدًّا: قضايا الوحدانية.
نستطيع أن نقول بلا مبالغة: لا تكاد تُوجد صورة قصيرة أو طويلة إلا وتعرضت للوحدانية بشكل مباشر أو غير مباشر، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: ٢٥٥) وردت في البقرة، في آية الكرسي، ووردت في أول آل عمران: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، (النساء: ٣٦) حين نستعرض القرآن الكريم سورة سورة سنجد التعرض للوحدانية وإثباتها؛ لأنها أم القضايا في الإسلام، ولأنها تتفرع عنها القضايا الأخرى، والبشر الذين لا يسلمون بالوحدانية يخرجون عن دائرة الإيمان، ولذلك هذا مثال للقضايا القرآنية لدرجة أن القرآن الكريم أقام الأدلة على
стр. 68
الوحدانية، مثلًا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢)، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١) هذه تُصاغ في أدلة تتكوَّن من مقدمات ونتائد؟
قضية البعث مثلًا، وإنكار البعث خطير يترتب عليه إنكار كلّ ما بعد البعث: إنكار الحشر، وإنكار الجنة والنار والحساب، والصراط والميزان والحوض، ما دام لا يُوجد بعث فلا يوجد ما بعد البعث، لذلك أيضًا اهتمَّ القرآن الكريم بهذه القضية، ولا توجد سورة تقريبًا -وخصوصًا السور المكية في مواجهة أهل مكة الذين ينكرون البعث- إلا وعنيت بهذه القضية، وأقامت عليها الأدلة.
كذلك قضية الاهتمام بالسنة، قضية وجوب الاحتجاج بالسنة، قضية وجوب اتباع النبي ﷺ ، وحينما أدخل إلى الآيات سأستعرض عددها لأبين صدق هذه المقولة من أنها قضية قرآنية.
إذن هي قضية قرآنية لاهتمام القرآن الكريم بها عبر عدد الآيات الكثيرة، أو من خلال الآيات الكثيرة التي تحدَّثت عن هذه المسألة، وأيضًا طريقة العرض؛ ما بين آيات تحذِّر من المخالفة، ما بين آيات تدعو إلى وجوب الطاعة، ما بين آيات تبيِّن جزاء المخالفين وجزاء المطيعين، وما بين آيات تعلّق الإيمان على وجوب طاعة النبي ﷺ .
أدلة حجية السنة من القرآن الكريم
منهج القرآن في معالجة القضية وطريقة عرض القرآن الكريم طريقة عجيبة، تنخلع لها القلوب فعلًا حقيقة؛ لأن المسألة خطيرة فالقرآن الكريم اهتم بها جدًّا؛ من طريقة ذكر الآيات، ومن طريقة عرض الآيات.
مثلًا من الممكن أن أستدل بآية البقرة في آخرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ وأيضًا مثلًا في قول الله
стр. 69
-﵎ قبل ذلك في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ (البقرة: ٢٥٢) ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ تقتضي الإيمان برسالته واتباعه في كل ما يأمر به وينهى عنه، لكن قد يجادلني البعض: أنا مؤمن برسالته لكن الآية ليست قاطعة في وجوب اتباعه، سنغلق الباب أمام هذا النقاش العقيم بالتركيز على الآيات التي قطعت في وضوح وجلاء بما لا يدع مجالًا للبس والتوقف في إعلان الآيات صراحة عن وجوب اتباع النبي ﷺ .
ولذلك سأبدأ بسورة النساء بعد أن وضحت طبيعة العلاقة أو منهج الاستدلال بالآيات يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩) في الآية مجموعة من الدلالات التي تُبيّن وجوب اتباع السنة، وتحذّر من خطورة اجتنابها أو الابتعاد عنها، بل تعلق الإيمان على ذلك.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا نداء بصفة الإيمان، وحين نستعرض القرآن الكريم نجد القرآن الكريم قد نادى بأوصاف متعددة، نادى الناس جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ (البقرة: ٢١)، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (الحج: ٧٣) فالناس جميعًا مُرادون بهذا النداء، ونادى بني آدم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: ٢٦) ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (الأعراف: ٢٧)، وقد تكرر النداء بـ "يا بني آدم" في القرآن الكريم خمس مرات: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ منها أربعة في سورة الأعراف، والخامسة في سورة يس، ونادى حتى الكفار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾، ونادى
стр. 70
الرسل: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (المؤمنون: ٥١). ونادى نبينا ﷺ في نداءات كثيرة ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ في مطلع سورة التحريم، وفي مطلع سورة الطلاق، وفي مطلع سورة الأحزاب، وفي آيات كثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (المائدة: ٤١) ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) كل نداء من هذه النداءات مقصود، وحين يقول الله ﵎: "يا أيها الذين آمنوا" فإن ما بعد هذا النداء هو من مطلوبات الإيمان.
وكأن الله ﵎ يقول لنا: لا تستحقون أن تُنادوا بهذا الوصف إلا بعد أن تُطبّقوا ما بعد النداء؛ لأنه من مطلوبات الإيمان، وكمثال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (الحج: ٧٧) من عناصر الإيمان الركوع والسجود، ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، ولو لم نفعل ذلك؛ لا نستحقُّ أن نُنادى بوصف الإيمان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: ١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (الحجرات: ٢) إلى آخر هذه النداءات، فحين يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) إذن النداء بوصف الإيمان يقتضي وجوب العمل بما بعد النداء، وأنه من متطلبات الإيمان، وإلا لا نستحق أن ننادى بهذا الوصف، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فطاعة الرسول واجبةٌ على المؤمنين بمقتضى هذا النداء وبدلالته، هذا وجه من وجوه الدلالة في الآية.
أيضًا، تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله ﵎ ومع رسوله ﷺ بينما لم
стр. 71
يذكر الفعل أطيعوا مع أولي الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يقول العلماء: تكرار الفعل أطيعوا هنا دلَّ على أن طاعة النبي ﷺ مطلوبة تمامًا كطاعتنا لله ﵎. هذه طاعة وتلك طاعة، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، بينما طاعة أولي الأمر مرتبطة بطاعتهم لله ﵎؛ لذلك لم يذكر الفعل معهم أطيعوا على وجه الاستقلال، هذه دلالة أخرى في الآية.
أيضًا، رغم أهمية هاتين الدلالتين إلا أن الآية عادت وعلَّقت الإيمان على ذلك، فقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ علَّقت الإيمان على ردِّ التنازع إلى الله وإلى الرسول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
إذن، أيُّ أمر نختلف فيه حكمه إلى الله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ١٠) وإلى رسوله ﷺ بمقتضى الآية، وتعليق الإيمان على ذلك يُبيّن أن الذي يُنازع في هذه المسألة ليس له حظّ في الإيمان.
ونلاحظ بلاغة القرآن الكريم: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ما الفرق بين التعبيرين؟ واضح.
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى كتاب الله، وهذا من البدهيَّات، كيف سنردُّه إلى الله، وهذا فهم إجماع الأمة على ذلك: ردُّوه إلى الله أي: إلى كتاب الله ﵎، وإلى الرسول لو قال: إلى محمد هؤلاء الناس الذين يجادلون في كل شيء ربما قال أو زعم قال: إن محمدًا قد مات، فانتهى الرَّدّ إليه بموته، لو كان التعبير فردُّوه إلى الله وإلى محمد، كيف نأتي بمحمد لنردَّ إليه الأمر، لكن بما أن رسالته باقية إلى يوم
стр. 72
القيامة من خلال القرآن ومن خلال السنة؛ فالرّدّ إليه باقٍ أيضًا إلى يوم القيامة، وبذلك نحن مُلزمون بمقتضى إيماننا أن نردَّ أي أمر نناقشه ونتنازع حوله ونختلف فيه إلى الله ﵎ أي: إلى القرآن الكريم، وإلى النبي ﷺ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
ثم سياق الآيات بعد ذلك سياقٌ عجيب، يبيِّن الموقف من التطبيق العملي لطوائف الناس، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (النساء: ٦٠) هؤلاء زعموا باختيارهم أنهم آمنوا بما أنزل إليك يا رسول الله -عليك الصلاة والسلام- وبما أنزل من قبلك أيضًا، هذا الإيمان أو هذا الزعم بمقتضى الآية السابقة يلزمهم بأن يردُّوا الأمر إلى الله ﵎ وإلى رسوله ﷺ لا هم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والحق أنهم قد أُمروا أن يكفروا به.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الكفر بالطاغوت من ضرورات الإيمان، الطاغوت هنا مادة طغى فيها التجاوز والعدوان والاعتداء، وهو اسم لكل ما يمكن أن يتجه إليه من غير الله ﵎؛ سواء في عبادة أو في تشريع، أو أي شيء، من ذلك.
لذلك مثلًا من مهمة الرسل أن يعلموا الناس الكفر بالطاغوت: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦) لا نعبد الله فقط؛ لأنه ممكن البعض يتصوّر لو لم تأتِ جملة "واجتنبوا الطاغوت" ربما يقول: أعبد الله وأعبد الطاغوت، فإغلاقًا لباب الفهم السقيم هذا نصَّت الآيات
стр. 73
على ضرورة الكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله، وفي سورة البقرة قُدَّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لبيان ذلك، التخلية قدمت على التحلية؛ ليجتمع السياق كله، مرة تقدم التحلية، ومرة تقدم هذا.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (البقرة: ٢٥٦) إذن هذه هي مهمة الرسل الكفر بالطاغوت، هؤلاء رغم زعمهم بأنهم آمنوا بالله وبالرسول يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والعقيدة الصحيحة مع الطاغوت هي الكفر به، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ٦٠) لو أحسنا الظن بهذه الطائفة، وبيّنّا موقفها هذا قد يكون عن سوء فهم، ليس عن عناد وجحود وإنكار، يعني: هم يتصورون مثلًا أن عدم استجابتهم للسنة، وأن إنكارهم لها لا يتعارض مع إيمانهم، ما موقفنا معهم أو منهم؟ سنحاول أن نفهمهم نقول لهم: هذا خطأ وخطر على إيمانكم، ويتعارض مع دلالات القرآن والسنة المطهرة.
وهذا هو الذي يعلمنا إيَّاه القرآن الكريم، قبل أن نتهمهم نُحاول أن نفهّمهم، أن نجلِّي لهم الحقائق، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء: ٦١) إذن هم زعموا بأنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، هذا الزعم يقتضي منهم أن يستجيبوا لما أمر الله تعالى به، ولما أمر به رسول الله ﷺ ؛ بدل أن يستجيبوا نازعوا وجادلوا، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، أحسنا النية نحوهم، وحاولنا أن نُفهمهم فإذا بهم لم يستجيبوا، ولذلك كان وصف القرآن لهم بالنفاق: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ هذا وصف الله تعالى لهم بعد أن أقيمت عليهم الحجة، ببيان الأدلة التي تحتّم ضرورة الاتباع، وفي نفس الوقت أيضًا
стр. 74
بإقامة الحجة عليهم في تصحيح الفهم لهم إن كان خطؤهم ناتجًا عن فهم خاطئ، لم نسارع إلى اتهامهم بادئ ذي بدء؛ إنما وضحنا لهم الحقائق جلية أولًا، هذه آية، والتناسق بين آيات القرآن الكريم والترابط بينها أمر يعرفه كل من عايش القرآن الكريم، ويعلمه لنا المفسرون، لماذا ذكر هذه الآيات بعد آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ وكأنها تبين موقفًا عمليًّا لما يجب أن يكون عليه المؤمنون بهذه الحقيقة؛ أنهم لا يتحاكمون إلى الطاغوت أبدًا، وإنما يتحاكمون إلى الله ﵎ وإلى رسول الله ﷺ في كل شأن من شئون حياتهم.
وتمضي الآيات في سورة النساء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء: ٦٤) هذه جملة ممكن أن نعتبرها خبرية، أو إنشائية جاءت في سياق خبري، يخبر الله تعالى، أو يأمر الله تعالى المؤمنين بأن يستجيبوا للرسول؛ بل يُبيّن الله لنا أنها ليست قاعدة في شأن نبينا ﷺ فحسب، بل هو منهج إلهي يقرّره الله ﵎ مع الرسل جميعًا، على أقوامهم أن يتبعوهم وأن يستجيبوا لهم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، إن الرسل لم يأتوا إلا لخير البشر، في كل شيء في تصحيح عقائدهم، في تصحيح أخلاقهم، في تصحيح سلوكهم، في تصحيح وتطهير أموالهم، في تصحيح علاقتهم الاجتماعية، الله أرسل الرسل لهداية البشر، لإنقاذهم من الهلكة، وأي عاقل يفكر بطريقة صحيحة عليه أن يسير في الطريق الذي أراد الله فيه هدايته.
يسأل بعض الرجال عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عن فعل يفعله، لماذا فعلت هذا؟ إجابة رائعة تدل ليس على إيمان قوي متين فحسب، بل على فهم عميق، هذا
стр. 75
الرجل يفهم لماذا هو مؤمن؟ ولماذا يتبع النبي ﷺ ويتبع القرآن، ويتبع أوامر الإسلام! يقول: لقد كنا ضُلالًا فهدانا الله بمحمد ﷺ . نحن كلنا ضلالًا -يعني: أمر لا نُتهم به من قبل بعضنا حتى ننازع فيه، هذا وصف أطلقه القرآن الكريم على الناس قبل الإسلام، وامتنَّ الله بنعمة النبي ﷺ على الأمة، بهذا النبي العظيم الذي أخرجها من الظلمات إلى النور: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران: ١٦٤) كنا ضلالًا فهدانا الله بمحمد ﷺ فمثلما وجدناه يفعل نفعل، نحن هدانا الله به، طريقه هو طريق الهداية، وكل الطرق سواه هي طرق الضلالة والغواية والعياذ بالله، فأي عاقل رشيد يمشي في طريق الهداية، أو في طريق الغواية؟!.
هذا الرائع في إجابة عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه يعلمنا لماذا نحن مسلمون؟ ولماذا اخترنا الإسلام ونسير في طريق النبي ﷺ ؟ هو طريق النجاة من الهلكة، الفوز بالجنة هو طريق الخروج من الجهالة من الظلمات من الشرك من كل الموبقات، التي من الممكن أن تؤدي بالإنسان إلى الدرك الأسفل، والعياذ بالله.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ هذه آية من أرجى آيات القرآن الكريم في العفو ورجاء الرحمة والمغفرة، إذن على البشر أن يفهموا أن الرسل لخيرهم ولسعادتهم في الدنيا والآخرة، فعليهم أن يؤمنوا بهم وأن يتبعوهم فهذه دلالة الآية.
أيضًا، في سورة النساء لا زلنا في سورة واحدة، وتركت البقرة وآل عمران؛ لأني التزمت بالآيات القاطعة في هذا حتى نغلق الباب أمام المجادلة التي لا فائدة من ورائها، يقول الله ﵎: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥)
следующие страницы →