Полный текст (394 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
-[الدفاع عن السنة]-
كود المادة: GUHD٥٣٠٣
المرحلة: ماجستير
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ السنة عند أهل الاختصاص .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(السنة عند أهل الاختصاص)
معنى " السنة " و"الحديث " في اللغة والاصطلاح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنبدأ -بتوفيق من الله- بتعريف موجز عن "السنة" في اللغة وفي الاصطلاح، ونستعرض معانيها عند أهل التخصصات المختلفة؛ تمهيدا للدخول في مفردات المنهج بعد ذلك -إن شاء الله.
معنى "السنة" في اللغة:
يقول صاحب (لسان العرب): وسنة الله: أحكامه، وأمره، ونهيه. وسنها الله للناس: بينها. وسنة الله سنة أي: بيَّن طريقًا قويمًا؛ قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ (الأحزاب: ٣٨). والسنة: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة. قال خالد بن عتبة الهزيلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها
فأول راض سنة من يسيرها
وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الكهف: ٥٥). وسننتها سنًّا، واست ن نتها أي: سرتها. وسننت لكم سنة أي: فاتبعوها، وفي الحديث الشريف: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزراهم شيء)).
стр. 3
فأول معنى للسنة هي: الطريقة، وفي (الصحاح) للجوهري: السنن أو السَّنن: الطريقة، يقال: استقام فلان على سنن فلان، ويقال: امض على سننك وسنتك أي: على وجهك. والسنة بمعنى السيرة، هذا كلام الجوهري، وسبق كلام صاحب اللسان، وأيضًا نفس الكلام في (القاموس المحيط)، وبالتالي نستطيع أن نقول: أن السنة في اللغة تأتي بمعنى الطريقة، مثل: قوله : ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٢). وقال ﷺ : ((تلك سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني)) هذا حديث أو جزء من حديث رواه الإمام البخاري في كتاب النكاح، باب: الترغيب في النكاح، من حديث أنس ﵁ في قصة: جاء ثلاثة رهط إلى النبي ﷺ ، وفي النهاية قال لهم النبي ﷺ : ((تلك سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) أي: هذه طريقتي، فمن رغب عن طريقتي فليس مني.
أيضًا سنة الله: هذا منهج الله، وطريقة الله في الذين خلوا من قبل، ولن يغير الله منهجه الذي كان سائدًا وحاكمًا للسابقين من الأمم.
إذًا، تأتي السنة بمعنى السيرة، وتأتي بمعنى الطريقة، والمعنيان قريبان من بعضها ليس بعيدين تماما، إنما هما قريبان، صاحب اللسان يقول: وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سنه، فكأنها تطلق على أول الشيء، ويقال أيضًا السنة في اللغة بمعنى: اللعب. في حديث رواه البخاري في كتاب الجهاد من قول أبي هرير ة ﵁ بعد أن ذكر الحديث: ((الخيل لثلاثة)) قال: إن فرس المجاهد ليستن في طوله، فيكتب له حسنات. يستن يعني: يلعب ويلهو ويمرح، يعني: معنى الجملة: أن الفرس الذي أعده المجاهد للجهاد به في سبيل الله كل أحواله تصبح في ميزان حسناته حتى في الأوقات
стр. 4
التي يلهو فيها الفرس، ويلعب، ويمرح، ويجري هنا وهناك، ويعدو نشاطًا وفرحًا، وهمة. هذه أيضًا مكتوبة في ميزان حسنات صاحبه ما دام قد أعده للجهاد.
السنة في المعنى الاصطلاحي:
السنة لها معان متعددة عند أهل كل مصطلح، أو عند أهل كل تخصص من تخصصات العلم، فالسنة مثلًا عند الفقهاء -ونحن نعلم أن الفقهاء معنيون ببيان ما يجب على المكلف، وما يحرم عليه، وما يستحب في حقه، وما يكره، وما هو مباح له، والتي يعبر عنها بالأحكام التكليفية الخمسة.
عندنا الواجب، وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وعندما أمور شرعية مطلوبة، لكنها قد لاتصل إلى درجة الوجوب في طلبها يعني: مطلوبة. ويستحب للمسلم أن يأتي بها لكنها لم تصل إلى درجة الوجوب. فاصطلح أهل الفقه على تسميتها بالسنة، فإذا كان الواجب هو ما يثاب فاعله، ويعاقب تاركه؛ لأنه حتم عليه أن يفعله، فإن السنة هي ما يثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها. يعني: هي لا تصل إلى درجة الوجوب الذي إذا تركه صاحبه بدون عذر فهو آثم. فهي عند الفقهاء أقل إلزامًا من الفرض.
أما علماء الأصول: فإن بحثهم يتجه إلى مصادر الشريعة، واستمداد الأدلة الشرعية من النصوص، واستنباط الأحكام منها. ومن هنا، كان اهتمامهم بالسنة؛ لأنها المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى. فهي مصدر من مصادر التشريع عندهم، المصدر الأول: هو كتاب الله تعالى. المصدر الثاني: هو السنة المطهرة.
стр. 5
السنة عند أهل الأصول: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي.
وننتبه إلى أهمية هذا القيد الأخير، مما يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي. السنة: هي ما جاءنا عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلقية، أو خُلقية .. إلخ.
هل يعتبر من ذلك الصفات الخلقية والخلقية عند أهل الأصول؟ نحن قلنا: إن أهل الأصول معنيون باستمداد الأدلة من النصوص، فهم يريدون من السنة النصوص التي يمكن أن تستنبط منها أدلة على الأحكام الشرعية. أما إذا كان النص يصف مثلًا خلقا للنبي ﷺ أو مثلًا يحث على أمر فيه من الفضائل، فقد لا يكون في هذه الحالة دليلًا على حكم شرعي، وبالتالي لا يصبح جزءًا من السنة عند أهل الأصول.
فإذا كان أهل الأصول قد اصطلحوا على أن السنة هي ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلًا للحكم الشرعيّ فهم لا ينكرون بقية التعريف الذي اصطلح عليه أهل الحديث، إنما فقط اقتصروا من السنة على الجزء الذي يعنيهم في تخصصهم، وهو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير؛ لأن هذه الأمور الثلاثة في نظرهم هي الأمور التي من الممكن أن يستمد منها الدليل على الحكم الشرعي.
أيضًا هناك استعمالات لكلمة السنة تفهم في سياقها، مثلًا: قد تطلق السنة، ويراد بها الجانب العملي الذي نقل لنا عن رسول الله ﷺ وعن صحابته الكرام.
стр. 6
أما الحديث: فهو الأخبار التي نقلت لنا عن النبي ﷺ . كأن السنة هي الجانب العملي، والحديث هو الإخبار بما جاءنا عن النبي ﷺ ، فمثلًا: من الممكن أن تقول: من السنة صيام ثلاثة أيام من كل شهر، من السنة أن يستاك الإنسان عند القيام من نومه، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وهكذا السنة في هذه الحالة مقصود بها: الجانب العملي من الإسلام، وقد توضع السنة في مقابلة البدعة، فيقال: هذا من السنة، وهذا من البدعة، والسنة في هذه الحالة معناها: أنها الأمر المتوافق مع أدلة الشرع المستنبطة من القرآن ومن السنة، فهي ليست مقصورة في هذه الحالة على الحديث النبوي، ولا يقصد بها النصوص النبوية فقط، وإنما يقصد بها: الحكم الشرعي المستمد من خلال النصوص الشرعية الواردة في المسألة، سواء من أدلة القرآن الكريم، أو من أدلة السنة المطهرة. فيقال: هذا من السنة، ويقال: هذا من البدعة، فمثلًا: نقول من السنة قص الأظافر، ومن البدعة تركها، أو ترك بعض الأصابع. البدعة في هذه الحالة: هي المخالف لمنهج الشرع، والسنة في هذا السياق: هي ما وافق الشرع المأخوذ من كتاب الله ﵎ ومن سنة نبيه ﷺ .
ولذلك؛ حين يقول النبي ﷺ : ((عليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) في الحديث الذي رواه الترمذي في كتاب العلم، باب: ما جاء في الأخذ بالسنة، كجزء من حديث طويل نصه من حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: ((صلى بنا النبي ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيًا -أي وإن تأمر عليكم عبد حبشي- فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا)) ما هي العصمة من هذا الاختلاف؟
стр. 7
يقول النبي ﷺ : ((فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم محدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) هنا السنة وضعت في مقابلة محدثات الأمور، أي: البدع. ونبه النبي ﷺ أن كل محدثة بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، فالسنة في هذا السياق هي الموافق لسلوك النبي ﷺ ، ولسلوك الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ﵃ أجمعين-، ولذلك نستطيع في ضوء ذلك أن فهم بعض أقوال أهل العلم، مثل: قول عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله تعالى- وهو واحد من أفذاذ علم الحديث ورجاله، ومن كبار العلماء بالسنة، حينما سئل عن مالك بن أنس، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة فقال: الأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، وسفيان إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة، ومالك إمام فيهما. وإجابة عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله تعالى- في مثل هذا الاستعمال، إنما يراد بها الجانب العملي في الإسلام.
أما الحديث: فهو الاشتغال بما نقل لنا عن رسول الله ﷺ من أقواله، وأفعاله، وتقريراته. ولذلك في هذا المعنى يقول خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ﵁: سن رسول الله ﷺ ، وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها فهو مهتد، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، إلى آخر ما قال -رحمه الله تعالى ورضي عنه-.
فهذه السياقات تبين أن السنة عند أهل الحديث هي: كل ما نقل عن النبي ﷺ ، أو كل ما جاءنا عن النبي ﷺ ، أو كل ما صدر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو إقرار، أو صفة خَلقية، أو خلقية، حتى الحركات والسكنات في اليقظة، وفي المنام قبل البعثة أو بعدها.
стр. 8
الجوانب التي تشملها السنة من كل الوجوه:
ما جاءنا عن النبي ﷺ من قول نسميها: السنة القولية، ونقصد بها: ما قالها النبي ﷺ بلسانه من غير أن يكون هذا القول مقترنًا بفعل منه ﷺ . هذه السنة القولية قد تتضمن فعلًا، لكنه حين قالها لم يفعل، فهي سنة قولية، حتى وإن تضمنت الأمر للأمة بفعل، مثلًا: حين يقول النبي ﷺ : عودوا المريض هو يأمرنا هنا بفعل بزيارة المريض، حين يقول: فكوا العاني، أي: فكوا الأسير، هذا أمر بفعل، أي: علينا أن نعمل على فكاك الأسير بكل الطرق الممكنة، لكنها سنة قولية؛ لأنه ﷺ لم يقترن قوله بفعل منه حين قال.
أما السنة الفعلية: فهي التي كان فيها فعل. السنة الفعلية فيها عمل، فيها فعل من النبي ﷺ ، وقد يكون مع هذا الفعل قول، وقد لا يكون هناك قول مع هذا الفعل، بمعنى: أن الرواية التي تردنا قد تقتصر على الفعل فقط يعني: على حكاية فعل النبي ﷺ ، فهي سنة عملية، وقد يقترن مع القول فعل، عندي مثال للفعل الذي لم يقترن بقول، فمثلًا: أمنا عائشة ﵂ تقول: كان النبي ﷺ يصلي العصر، والشمس لم تخرج من حجرتها، يعني: والشمس مرتفعة، وهذا رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت العصر.
هنا حكاية لفعل النبي ﷺ وليس معه قول، وأيضًا مثال آخر: ما قاله أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- حكاية عن صفة صلاته ﷺ ، فيقول: كان النبي ﷺ يوجز الصلاة، ويكملها يعني: صلاة النبي ﷺ كاملة وتامة، وفي غير إطالة مرهقة. يوجز، لكن بغير خلل، بغير نقصان يوجز الصلاة، ويكملها.
وهذا حديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأذان، باب: من شكى إمامه إذا طول، وفي بعض النسخ أيضًا باب: الإيجاز في الصلاة وإكمالها، وأيضًا من
стр. 9
حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يقول: كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد، ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته، يعني: لدرجة أن البعض منها قد لا يجد موضعًا لجبهته من الزحام على السجود. هذا أيضًا رواه الإمام البخاري في كتاب سجود القرآن، باب: من سجد لسجود القارئ. وكلها -كما نرى- حكاية لفعل النبي ﷺ .
أما السنة الفعلية التي اقترنت بقول، وأيضًا تسمى سنة فعلية؛ لاقترانها بفعل منه ﷺ : فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: ((صلى النبي ﷺ يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح وقال: من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله)). هنا الرواية تقول صلى النبي ﷺ يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح. هذه حكاية لفعل النبي ﷺ ، وهذا هو الجانب العملي في الحديث، ومن ذلك نضعه تحت السنة العملية، ثم بعد أن فعل النبي ﷺ ذلك، قال: من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله.
وأيضًا في حجة الوداع النبي ﷺ قام بأداء المناسك أمام أصحابه، مثل: الطواف، مثل: السعي، مثل: الوقوف بعرفة، والرمي، والحلق، أعمال الحج، وبعد أن أداها أمام قال: ((لتأخذوا عني مناسككم)) وهذا أيضًا رواه الإمام مسلم في كتاب الحج، باب: يوم النحر، وباب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ... الخ.
الأمثلة على هذا كثيرة على الجانب في الجانب العملي أو فعل السنة مع اقترانها بالقول أو بدون اقترانها.
стр. 10
تعريف الإقرار لغة واصطلاحًا
ثم نأتي إلى الإقرار -وهو جزء من السنة-:
الإقرار: في اللغة بمعنى الاعتراف، وبمعنى الموافقة، أقررته على كذا يعني: وافقته. أقررته أو قررته. الماضي قرر أو أقر. أقررته: وافقته، وقررته أيضًا وافقته. ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٨١)، إذًا، الإقرار أيضًا يأتي بمعنى الاعتراف، أقر فلان بكذا يعني: اعترف بكذا، وماعز لما جاء للنبي ﷺ أقر أربع مرات بفعلته أمام النبي ﷺ ، حتى إذا أقر على نفسه أربع مرات، النبي ﷺ سأله بعض الأسئلة، هذا من ناحية اللغة.
أما الإقرار عند أهل الاصطلاح، أو عند اصطلاح المحدثين: لابد أن يتضمن ثلاثة أمور لابد من تواجدها في الإقرار:
أولًا: هو من فعل الصحابي.
ثانيًا: أن يعلم به النبي ﷺ .
ثالثًا: أن يوافق عليه.
إذًا، الإقرار بداية ليس من قول النبي ﷺ ، ولا من فعله، وإنما هو من قول الصحابي، أو فعله. ثانيا: النبي ﷺ علم به؛ لأنه لو لم يعلم به لا نستطيع أن
стр. 11
نتأكد أنه قد وافق عليه، فلابد أن يعلم به ولماذا اختار العلماء عبارة: يعلم به النبي ﷺ ولم يقولوا مثلًا: ورآه النبي ﷺ ، أو سمع به النبي ﷺ ؛ لأننا لو قلنا مثلًا: الصحابي فعل فعلًا، واشتراطنا أن يكون هذا الفعل أمام النبي ﷺ ، فكأننا نضيق الإقرار. هب أنه فعل الأمر بعيدًا عن النبي ﷺ ، لكنه في النهاية النبي ﷺ علم به، وهذا هو الأهم.
وثم يأتي بعد ذلك الأمر الثالث: وهو هل وافق عليه أم لم يوافق؟ يبقى الإقرار لابد أن تتوافر له الأركان الثلاثة.
قد يطرح هنا سؤال، وهو إذا كان الإقرار ليس من فعل النبي ﷺ ، ولا من قوله، فكيف يعتبر من السنة؟ هو من السنة بموافقة النبي ﷺ عليه؛ لأنه من فعل الصحابي، لكن النبي ﷺ علم به، ووافق عليه، ليس شرطًا أن يوافق النبي ﷺ بالكلام، بل يكفي أن يسكت مثلًا، يسمونه: بالإقرار السكوتي، فمثلًا: بالنسبة للإقرار السكوتي: الحديث المشهور لما وجه النبي ﷺ أصحابه إلى قتال بني قريظة -وهم طائفة من اليهود- وكان ذلك بعد غزة الأحزاب وقال لهم: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة))، وسار الصحابة فأدركهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: نصلي العصر هنا، أي: في الطريق. وقال البعض الآخر: لا نصلي إلا في بني قريظة. وكل فريق فعل ما انتهى إليه اجتهاده؛ صلى البعض في الطريق، وانتظر البعض حتى وصلوا إلا ديار بني قريظة، فكانت النتيجة أن خرج العصر عن وقته. لما رفعوا الأمر إلى النبي ﷺ وافق كلًّا من الفريقين على فهمه، وعلى فعله.
هذه الموافقة لم ينقل لنا فيها كلام، وإنما ذكرت الروايات أن النبي ﷺ أقر كلا من الفريقين على فهمه الذي فهمه في نص الحديث، وبالتالي على الفعل الذي فعله بناء على هذا الفعل.
стр. 12
ورغم أن ظاهر الحديث، أو أن نص الحديث واضح في أنه لا صلاة إلى بعد الوصول إلى ديار بني قريظة إلا أن الفريق الذي صلى في الطريق صرف اللفظ عن ظاهره ليس بهواه، وإنما بما يفهمه من شرع الله، وهو أنه قد وردت أحاديث كثيرة، وآيات قرآنية تبين أن الصلاة لها أوقاتها المحددة، ولا يجوز إخراجها عن تلك الأوقات إلا لضرورة أو لعذر مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣)، وغير ذلك.
وفي الحديث المتفق على صحته في كتاب الجهاد، عن البخاري وغيره، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: ((سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، أو الإيمان بالله. قلت: ثم أي؟ قال: الصلاة لوقتها)) أي: لأول وقتها. فالفريق الذي صلى في الطريق فهم من هذه الأدلة الشرعية أن النبي ﷺ لا يقصد إخراج الوقت عن حدوده المقررة شرعًا، أو عن زمنه المقرر شرعًا، وإنما يقصد أن نسرع؛ لنصل مسرعين أو مبكرين إلى ديار بني قريظة، فصلوا في الطريق. إذًا، هم صرفوا اللفظ عن ظاهره في ضوء الأدلة الشرعية.
وأما الأمثلة الإقرار الكلامي -أي: أن النبي ﷺ أقر بالكلام- فكثير جدًّا، ونكتفي بهذا النموذج مثلًا: أن رسول الله ﷺ بعث رجلا على سرية -يعني: أمره أميرًا على سرية- وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم القراءة ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الأخلاص: ١)، يعني: يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية، ويقرأ ما شاء الله تعالى له أن يقرأ من القرآن الكريم، ثم يختم قراءته بقل هو الله أحد (سورة الإخلاص). لما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: ((سلوه لأي شيء يفعل ذلك؟)) فسألوه، فقال الرجل: لأنها صفة الرحمن؛ فأنا أحب أن أقرأ
стр. 13
بها. فقال رسول الله ﷺ : ((أخبروه أن الله يحبه)). هذا حديث رواه البخاري في كتاب التوحيد، في الباب الأول منه، ورواه مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ واللفظ الذي أوردناه هنا هو لفظ مسلم -رحم الله الجميع-.
إذًا، هذه أمثلة للإقرار، وأمثلته كثيرة جدًّا في السنة. أما الصفات الخلقية: مثل: ما ورد في وصفه ﷺ من حديث البراء بن عازب: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن، وليس بالقصير، وهو وسط بين الطول والقصر. والبراء أيضًا سئل: أكان وجهه ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر. يقصد: أن وجه رسول الله ﷺ مشرق منير مثل القمر، وليس لامعا فقط مثل السيف. وهذا حديث أيضًا من الأحاديث المتكررة في صفات النبي ﷺ الخلقية، رواها البخاري في كتاب المناقب، باب: صفة النبي ﷺ . وروى الإمام مسلم معظمها أيضًا في كتاب الفضائل، والألفاظ التي معنا من عند البخاري -رحمه الله تعالى- وغير ذلك كثير.
كل كتب السيرة عنيت بذكر أوصافه ﷺ ، وهي من السنة؛ لأننا لابد أن نعلم ما هي الصفات الخلقية للنبي ﷺ ولكي نتأكد أنه ﷺ قد خلق على نفس الصفات التي وجدت له في الكتب السابقة. وقد ورد ذكره بخُلقه وخَلقه في الكتب السابقة؛ وأيضًا لكي نتشبه بما يمكن أن نتشبه به، وأن نقتدي به من الصفات الخلقية، مثل: هيئة اللحية، وهيئة الشعر، وهيئة المشي، وما إلى ذلك. كل هذه جوانب وإن كانت خلقية، لكننا نستطيع أن نجعلها جزءا من سلوكنا؛ اقتداء بالنبي ﷺ ؛ وأيضًا لنتأكد أن الله تعالى قد خلقه على أكمل هيئة وأحسن صورة؛ ولكي ندافع عنه ﷺ إذا وصفه أحد في خلقه بما ليس فيه ﷺ .
стр. 14
كل هذه الأسباب وغيرها جعلت العلماء يعتبرون الصفات الخلقية أو الخلقية جزءا من السنة المطهرة، أما الصفات الخلقية: فهي اللباب -الخلق الحسن- مثل: الحلم، والصبر، والشجاعة، والعفة، والطهارة، والاستقامة، والتواضع، وما إلى ذلك، كل ذلك عليه أمثلة لا حصر لها من سيرة النبي ﷺ ، ومن كتب السنة المطهرة.
مثلًا: حديث: ((ما خير رسول الله بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله به)) رواه مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الفضائل، باب: مباعدته ﷺ للآثام والأوزار.
الأحاديث التي تتكلم عن أخلاق النبي ﷺ كثيرة جدًّا، وهي جزء هام من السنة، وما جاءنا عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو إقرار، أو صفة خلقية، أو خلقية، حتى حركاته وسكناته. في الحديث المشهور: ((التقوى ها هنا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) التقوى ها هنا، وأشار إلى صدره الشريف ثلاث مرات. العلماء استنبطوا منها أن التقوى محلها القلب، وأنه يجوز للإنسان يستعمل وسائل الإيضاح؛ حتى يبرز المعنى الذي يريد توضحيه. وأيضًا: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، ومازال يكررها حتى قلنا: ليته سكت)) هذا رواه البخاري ﵀ في كتاب الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور، وأيضًا رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، ومحل الشاهد فيه: أنه ﷺ كان متكئا فجلس، وما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. فجلوسه بعد
стр. 15
اتكائه ﷺ يفيدنا: أن الإنسان يغير من هيئته؛ لكي يبين أهمية الموضوع الذي يتحدث فيه.
أما الرؤى المنامية: فهي جزء من السنة، وذلك ثابت بالقرآن الكريم في قصة سيدنا إبراهيم في ذبحه لولده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (الصافات: ١٠٢)، وولده علم أن هذا وحي وأمر من الله تعالى، فقال له: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: ١٠٢).
وعندنا رؤى كثيرة: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ (الأنفال: ٤٣) فالله تعالى هو الذي أراه ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ (الفتح: ٢٧) فما يراه الأنبياء في نومهم هو من وحي الله تعالى لهم؛ ولذلك كل كتب السنة جعلت قسمًا منها خاصًّا بالرؤى، على اعتبار أنها جزء من السنة، عند الإمام البخاري رؤى النبي ﷺ وسماه: كتاب التعبير أي: تأويل الرؤيا، وعند الإمام مسلم سماه: كتاب الرؤيا، وموجود في كل كتب السنة؛ ليدلنا على أن الرؤيا -بالألف- أي: التي يراها النائم في نومه بالنسبة للأنبياء هي جزء من الوحي، أو بالمعنى الأدق: هي صورة من صور الوحي، فهي وحي من الله تعالى لهم؛ ولذلك هو جزء من السنة.
بقي الجزء الأخير وهو ما يتعلق بقبل البعثة أو بعدها، بعد البعثة أمر مفهوم؛ أصبح نبيًّا، وصرنا مأمورين بالاقتداء به ﷺ ، أما قبل البعثة، ولم يكن بعد نبيًّا، ولم يطلب منا أن نقتدي به قبل نبوته ﷺ : فكيف تعتبر أحواله من السنة قبل البعثة؟ والحقيقة، أهل العلم جعلوا هذا الأمر جزءا من السنة؛ لأن فيه إثباتًا لصدق نبوته ﷺ ، يعني: هي لست كل الأمور قبل البعثة من السنة باعتبارها هديًا نقتدي به، وإنما أحواله الكثيرة قبل البعثة تضمنت الأدلة على صدق بعثته، وعلى صدق نبوته، وعلى أنه صادق أمين فيما يخبر به عن الله ﵎.
стр. 16
والقرآن الكريم نفسه استعمل هذا المنهج في إثبات نبوته في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٨). هو هنا يتحدث عن أميته قبل البعث، وأنت كنت أميًّا لا تقرأ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: ولو كنت كذلك لارتاب المبطلون المشككون، وقالوا: إن القرآن ليس من عند الله، ولكنه من كلام محمد ﷺ ، لكنه أمي لا يقرأ ولا يكتب. وأيضًا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى: ٦ - ٧) إلى آخر الآيات، وأيضا. ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (التكوير: ٢٢)
القرآن الكريم آثر، أو عبر بلفظ الصحبة؛ ليبين للأمة، أو للخلق جميعًا، ولكفار قريش، أنكم صحبتموه مدة طويلة من الدهر قبل أن يبعث، وما جربتم عليه كذبا، ولا جربتم جنونًا، وأنتم الآن تفترون عليه بهذه الدعاوى الباطلة، فلم يقل مثلًا: وما محمد بمجنون، وإنما قال: وما صاحبكم بمجنون؛ ليبين أن هذا الاتهام الظالم ليس له أساس، وأنتم أول من يعلم الكذب في هذا الاتهام؛ لأنكم قد صحبتموه على الأقل مدة أربعين سنة قبل أن يوحى إليه ﷺ .
من أمثلة الرؤى التي هي جزء من السنة: ما روته أمنا عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ مخاطبا إياها: ((أريتك في المنام مرتين -هذا في المنام- إذا رجل يحملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك. فأكشفها فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه)) هذا رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، وفي كتاب النكاح: نكاح الأبكار، وأيضًا في كتاب النظر إلى المرأة قبل التزويج، في كتاب النكاح. ورواه الإمام مسلم أيضًا في كتاب النكاح في النظر إلى المرأة.
стр. 17
إذن الملك الذي جاء على هيئة رجل يحمل أمنا عائشة في سرقة من حرير، يقول للنبي ﷺ : هذه امرأتك. فأكشفها فإذا هي أنت. وكلمة النبي ﷺ : ((إن يكن هذا من عند الله يمضه)) هي كلمة فيها تواضع، أو فيها تفويض الأمر لله تعالى، وإلا فإنها من عند الله. وقد أمضاه الله تعالى، وأصبحت أمنا عائشة من أزواجه ﷺ ، وأصبحت واحدة من أمهات المؤمنين ﵅ جميعًا-.
أما أحواله قبل البعثة: فنحن عندنا أدلة كثيرة، ومنها: حديث أبي سفيان ﵁ وهو في كتاب بدأ الوحي عند البخاري، حينما ذهبت رسالة النبي ﷺ إلى هرقل، وسأل أبا سفيان عن النبي ﷺ ، سأله عن أحوال كثيرة قبل البعثة، هل هو فيكم ذو نسب؟ هل كان من آبائه من ملك؟ هل كان يكذب؟ وأجاب أبو سفيان عن أسئلة تتعلق بالنبي ﷺ قبل بعثته، وهرقل سأل أسئلة أخرى عن أحواله بعد البعثة، وعن مضموم رسالته ... الخ. لكن محل الشاهد: الأسئلة التي سألها عن أحواله قبل البعثة، ومنها: هل هو فيكم ذو نسب؟ قال أبو سفيان: نعم، هو فينا ذو نسب. قال: وكذلك الأنبياء يبعثون في شرف أقوامهم. هل من آبائه ملك؟ قال: ليس من آبائه ملك. قال: لو كان من آبائه ملك لقلت: ربما أنه يقصد من هذه الدعوى أن يعيد ملك آبائه. هل كان يكذب؟ قال أبو سفيان: لا، لم يكن يكذب ... الخ. فهنا استنتج هرقل في نهاية الحديث أنه ﷺ صادق مأمون في كل ما أخبر به عن الله تعالى.
وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 18
الدرس: ٢ علاقة السنة بالقرآن الكريم .
стр. 19
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(علاقة السنة بالقرآن الكريم)
دور السنة مع القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
ف نتكلم عن مكانة أو علاقة السنة بالقرآن الكريم:
هذه السنة التي عرفناها وهي: ما جاءنا عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو إقرار إلى آخر التعريف، ما دورها في التشريع؟ ما مكانتها، ما منزلتها؟ هل لها دور مع القرآن الكريم؟
هذا الموضوع مهم جدًّا؛ لأنه يعني يجيب على سؤال، هل من الممكن أن نكتفي بالقرآن الكريم عن السنة المطهرة؟ خصوصًا أننا بعد أن نشرح العلاقة بين القرآن الكريم، وعن دور السنة مع القرآن الكريم، وعن منزلتها في التشريع.
سنتعرض لبعض الشبهات التي تتعلق بهذا الموضوع، خصوصًا أن مادتنا هي دفاع عن السنة المطهرة، ونحن نعلم أنه توجد مدرسة، أو تحاول أن تسمي نفسها مدرسة الآن، وتسمي نفسها بالمدرسة القرآنية على زعمهم، وتزعم أنها من الممكن أن تكتفي بالقرآن الكريم، وتحاول أن تثير شبهًا حول منزلة السنة، وأن تستدل على موقفها، وأنها موافق للشرع.
نبدأ على كل ببيان دور السنة مع القرآن الكريم، نستطيع أن نقول عن هذا الموضوع يعني: نضع له عنوانًا، فنقول: علاقة السنة بالقرآن الكريم، أو إن شئنا قلنا: منزلة السنة من التشريع، أو إن شئنا قلنا: دور السنة مع القرآن الكريم، من أي عنوان من هذه العناوين نختاره، لكننا نتكلم عن مسألة هامة، كما قلنا تتعلق بمنزلة السنة، وأهميتها في حياة المسلمين، وفي دينهم، وفي ديناهم.
السنة لها أدوار مع القرآن الكريم، بادئ ذي بدئ ننطلق في هذا الأمر من المهمة، التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم لرسوله ﷺ ، وهذه المهمة قد جاءت في أكثر
стр. 20
من آية، في سورة النحل ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤)، فالله تعالى قد فوَّض رسوله ﷺ في بيان القرآن الكريم للناس؛ وذلك بنص الآية التي أشرنا إليها.
وفي سورة النحل أيضًا قبل ذلك ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤)، أنت الذي ستبين الكتاب يا رسول الله، وأنت الذي ستبين للناس ما اختلفوا فيه، فالمهمة المجملة الموجزة للسنة، ولرسول الله ﷺ هي أنها تبين القرآن الكريم في جزء من علاقتها بالقرآن الكريم، لكن هذه إشارة موجزة.
لكننا الآن ننتقل إلى التفصيل، فأنواع العلاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، يمكن حصرها في ثلاثة: أن تأتي السنة موافقة لما جاء في القرآن الكريم، هذه أول علاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، بمعنى: أن المعنى يأتي في القرآن الكريم، ويأتي أيضًا في السنة المطهرة، فمثلًا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، ويأتي النبي ﷺ ، ويقول: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره)) إلخ.
فأكد النبي ﷺ هذه الأخوة، بقوله ﷺ : ((المسلم أخو المسلم))، ((المسلم أخو المسلم)) ما العلاقة بينه، وبين قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؟ العلاقة علاقة توافق بمعنى: أن المعنى جاء في القرآن الكريم، ووافقته السنة المطهرة بقوله: ﷺ : ((المسلم أخو المسلم)) يعني: ((المسلم أخو المسلم)) هذا جزء من حديث طويل، رواه الإمام مسلم في كتاب البر والآداب والصلة، في باب تحريم ظلم المسلم.
стр. 21
إذن العلاقة بين هذه الآية، وبين هذا الحديث هي علاقة الموافقة، وأيضًا في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) ونفس المعنى تقريبًا في قول النبي ﷺ : ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه، لم يفلته))، هذا أيضًا حديث رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير، باب تفسير سورة هود، ورواه الإمام مسلم في كتاب البر باب تحريم الظلم.
الآية قالت: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ يعني: هذا عقاب ربك ﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: بسبب ظلمها فإن عقابه أليم شديد، وكذلك قال النبي ﷺ : ((إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته))، أي: لن يتركه بدون عقاب، فالآية والحديث توافقتا على إثبات المعنى المقصود، وهو أن عقاب الله شديد للظالمين إذا أخذهم، وأنه قد يتركهم بعض الوقت إملاءً لهم، أو لعلهم يراجعون أنفسهم، فإذا استمروا في غيهم وظلمهم فسوف يعاقبوا.
العلاقة في هذه الحالة علاقة توافق أو موافقة، وهذا دور للسنة مع القرآن الكريم، قد لا يقتنع به البعض قد يعقب البعض على هذا، فيقول: يكفينا القرآن، ولا نحتاج إلى أي شيء يوافقه، ومن ثم فإن هذا النوع من أنواع العلاقة بين القرآن الكريم، وبين السنة المطهرة لن يوضح الصورة تمامًا في أهمية السنة، أو في شدة الاحتياج إليها في الإسلام بشكل عام، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها أبدًا، فنقول: ننتقل إلى النوع الثاني من أنواع العلاقة بين القرآن الكريم، وبين السنة المطهرة، هذه العلاقة أيضًا مأخوذة من الآيات، التي ذكرنها في سورة النحل، يعني: أن الله ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤).
стр. 22
إذن النبي ﷺ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤)، فالذي يبين كتاب الله تعالى للخلق جميعًا إلى يوم القيامة، هو رسول الله ﷺ ، وأعرف الخلق بمراد الله ﵎ الذي يبلغ عن الله هو خير خلق الله، وهو سيدنا محمد ﷺ ، إذن السنة تبين القرآن الكريم، ولولا بيان السنة للقرآن الكريم لما استطعنا أن نفهمه، وبالتالي لما استطعنا أن نطبقه.
الأول: نتكلم عن أنواع البيان وأمثلة له، ثم نتكلم عن أهمية المسألة، هذه كلمة موجزة: السنة تبين القرآن الكريم، كيف تبينه؟ تبينه بأنواع من البيان كثيرة منها مثلًا: تفصيل المجمل يعني: السنة تفصل مجمل القرآن الكريم، الشيء يأتي مجملًا، وموجزًا في القرآن الكريم، لا نستطيع أن نفهم المراد منه إلا بعد تفصيله، فتتولى السنة ذلك التفصيل، من ذلك مثلًا: ما ورد في القرآن الكريم عن الصلاة، وأنا هنا سأختار الأمثلة من خلال أركان الإسلام لماذا؟ يعني: أريد أن أقول من خلال هذه الأمثلة، وهي أمثلة مختصرة أو قليلة جدًّا في هذه الجزئية بالذات، يعني أريد أن أقول: إننا لن نفهم أركان الإسلام ولن نستطيع أن نطبقها إلا في ضوء السنة.
فمثلًا: الركن الأول بعد الشهادتين وهو الصلاة، ماذا جاء في القرآن الكريم عنه؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣)، فالآية تحث المؤمنين على المحافظة على الصلاة في أوقاتها، وقال -سبحانه-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣) فعل أمر بإقامة الصلاة ورد في أكثر من سورة، وامتدح الله تعالى المؤمنين، فقال -سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ٩) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المعارج: ٣٤)، وآيات كثيرة أيضًا تبين حث القرآن الكريم على الصلاة، وعلى أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ... إلخ.
стр. 23
هذه الآيات ماذا استفدنا منها؟ تبين أن الله تعالى قد أوجب الصلاة على المؤمنين، لكن لم يبين لنا أوقاتها، ولم يبين لنا الفرائض الواجبة علينا في كل يوم، ولم يبين عدد ركعات كل فرض، وأركان الصلاة، شروط الصلاة، سنن الصلاة غير ذلك مما يتعلق بالصلاة، جاءت السنة الشريفة، وفصلت ذلك المجمل، وعلمت الناس الصلاة، وعلمتهم كل ما يتعلق بتفصيلاتها، ولولا السنة لما عرفنا كيف نصلي، ونقولها بملء الفم لا نستطيع أن نصلي أبدًا الصلاة، التي نعرفها جميعًا بكل تفصيلاتها في ضوء القرآن الكريم وحده، وإنما لا بد من السنة، التي تبين لنا كيف تكون الصلاة بكل ما أشرنا إليه من تفصيلات.
ومثل ما نقوله عن الصلاة نقوله عن سائر العبادات، من زكاة، ومن صيام ومن حج، الزكاة أيضًا وردت الآيات تطلب: إيتاء الزكاة، وآيات كثيرة مدحت المتصدقين، ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٤، ٢٥) إلى آخر الآيات، لكن ما هي تفصيلات الزكاة؟ من الذي يستطيع أن يستخرج لنا من القرآن زكاة الأموال مثلًا؟، يعني: يبين لنا نصابها يبين لنا القدر المطلوب إذا بلغ المال النصاب، يذكر لنا شروط إخراج الزكاة.
أيضًا زكاة الزروع والثمار ورد مجملًا ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام: ١٤١) فقط، لكن التفصيلات في زكاة المواشي عروض التجارة الركاز، ... إلخ كل ذلك تكفلت ببيانه السنة المطهرة، وقل مثل ما شئت أو مثل ما قلنا عن الصلاة والزكاة، قل عن الصيام ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: ١٨٥) فليصمه فعل مضارع اقترن بلام الأمر فأفاد الوجوب، صيام رمضان واجب على كل مسلم ومسلمة، متى نبدأ الصيام؟ ومتى ننتهي؟ وما هي المفطرات، وما هي كذا وكذا؟ كل ذلك تكلفت ببيانه السنة وكذلك الحج.
стр. 24
والعلماء يقولون: إن القرآن الكريم قد ذكر أركان الحج في القرآن، يعني: قد ذكر أركان الحج في كثير من آياته، مثلًا: ذكر الله تعالى الطواف ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٩)، وذكر السعي ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٥٨)، وذكر الحلق والتقصير ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (الفتح: ٢٧)، ذكر الوقوف بعرفة ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (البقرة: ١٩٩)، وهو أهم أركان الحج ... إلخ.
لكنه ترك التفصيلات للسنة، ذكره كركن بإجمال، لكن مثلًا هل نستطيع أن نعلم أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة؟ هل نعلم أن الوقوف على عرفة يبتدأ من الزوال، حتى المغرب، هل نعلم ماذا نقول في يوم عرفة؟ كل ذلك تكلفت ببيانه السنة المطهرة، أنا لا زلت أتكلم عن نوع واحد من أنواع بيان السنة المطهرة للقرآن الكريم، وهو تفصيل المجمل، وضربت أمثلة بالعبادات، أو بأركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين؛ لأبين أن أركان الإسلام، وما أدراك ما أركان الإسلام بنيانه الأول، الأساس في بنيانه، الذي لن يقبل عمل منه بعد ذلك إلا على أساس هذه الأركان، لن نستطيع أن نفهمها، ولا أن نطبقها إلا في ضوء السنة المطهرة.
فكأن الذي لن يفهم السنة، ولن يحتج بها لن يستطيع أن يصلي، ولن يستطيع أن يحج أو يصوم أو يؤدي زكاته ... إلخ وتفصيل المجمل أي: تفصيل مجمل القرآن من السنة لم يقتصر على أركان الإسلام فقط، أنا نضرب الأمثلة بأهم الأشياء، إنما إذا نزلت إلى أمثلة أخرى، فحدث ولا حرج، وأكرر أنني ما زلت في نوع واحد وهو تفصل المجمل، مثلًا: حين يقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَ ا﴾ (البقرة: ٢٧٥) ما هو الربا؟ وما هي الأصناف التي يدخلها، وما هي الأصناف التي لا يدخلها؟ حين يقول مثلًا: البيع ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ما هو البيع الحلال، وما صوره وما شروطه، وكيف يمضي ومتى يفسد ومتى يصح؟ إلى آخر.
стр. 25
تفصيلات هي تفصيلات الحياة ذاتها، أيضًا مثلًا: حين يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (النور: ٣٢) الناكح ماذا يفعل، من يخطب وما علاقته بها أثناء الخطبة، وبعد العقد وبعد الدخول؟ كيف يربي أولاده، كيف كيف؟ مال الإنسان الذي في جيبه، لن تزول قدم عبد يوم القيامة إلا بعد أن يسأل، ومن بين ما يسأل عنه، عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، يعني حركة اكتساب المال وحركة إنفاقه، واكتساب المال وإنفاقه هما معًا يمثلان جوانب الحركة الاقتصادية في المال لكل المجتمعات على وجه الأرض، المال في خلاصته عبارة عن اكتساب، وعبارة عن إنفاق.
ما هي صور المال الحلال التي يكتسب منها؟ وما هي صور المال الحرام التي يحرم عليه أن أن يتكسب منها؟ ... إلخ كل ذلك تكفلت ببيانه السنة المشرفة المطهرة، ونستطيع أن نمضي مع الأمثلة فيطول بنا المقام جدًّا، وأقول: وما زلنا مع النوع الأول من أنواع بيان السنة للقرآن، وهو تفصيل المجمل، إذن هذا نوع واحد من أنواع بيان السنة للقرآن، يبين لنا أن الناس في عبادتهم، وفي عقائدهم، وفي معاملاتهم، وفي تشريعاتهم، وفي علاقاتهم الاجتماعية يتوقف كل ذلك في أدائه الدقيق الصحيح على السنة المطهرة، ولولا ذلك لما استطعنا أن نقيم بنيان الإسلام.
تخصيص العام
تخصيص العام يعني: العام هذا لفظ ينطبق على الكثيرين، لو بقي على عمومه لطبقناه على كل الأفراد الذين ينطبق عليهم.
إذا أنا قلت مثلًا: كل الطلاب مطالبون بأن يذاكروا هذا الكتاب مثلًا، أي كتاب أقصد؟ كل الطلاب تشمل كل طالب لا أقول: في بلد ولا في كلية، في الدنيا ما دام طالبًا، فهو ينطبق عليه هذا القول؛ لأن لفظ الطلاب لفظ عام، ينطبق
стр. 26
على كل طالب في الدنيا، فإذا جئت وقلت بعد: أقصد طلاب مثلًا جامعة كذا، ماذا فعلت جملة أقصد طلاب جامعة كذا مع الجملة الأولى: كل الطلاب مطالبون بأن يذاكروا هذا الكتاب؟
خصصتها ما معنى خصصتها؟ يعني: قصرت الحكم العام على بعض أفراده، بدل أن كان الحكم عامًّا يشمل كل من يدخل تحت هذا اللفظ، أو تحت هذا العموم اقتصر على بعض الأفراد، فأصبح المراد ليس كل الأفراد، الذين ينطبق عليهم اللفظ العام، وإنما بعض الأفراد فقط، لماذا صرفنا اللفظ العام عن عمومه؟ بذلك المخصص الذي جاء، ليخصص المعنى، أضرب مثالًا من تخصيص عام القرآن الكريم جاءت به السنة المطهرة، وهو مثال مشهور، وتتداوله كل كتب السنة.
في آية المواريث، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١) هذه آية عامة، الله يوصينا ويكلفنا ويأمرنا بأن يكون توزيع التركة على الوجه، الذي سيذكره ربنا بعد ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (النساء: ١١) إلى آخر الأحكام، الآية تشمل كل أصل موروث يرثه فرع وارث، لم تستثن أحدًا أبدًا، كل من سيورث سنسميه أصلًا موروثًا، توزيع إرثه على فروعه الوراثة سيكون على النحو المذكور في الآية.
هذا الأصل الموروث يشمل كل واحد، ما دام قد مات وانتقل إلى الرفيق الأعلى، فإن توزيع تركته سيكون على الوجه الذي تضمنته الآية، والآية التي بعدها وكل آيات المواريث، يدخل فيها الأنبياء؟ نعم ما الذي يجعلنا نخرج الأنبياء من الآية بظاهرها؟ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ يدخل فيها الأنبياء، يدخل فيها الأب الموروث، الذي قتله ابنه الوارث؟ نعم هات من خلال الآية ما يمنع
стр. 27
ذلك، فلن تجد، عند اختلاف الديانتين هل يتم التوارث؟ نعم الآية لا تمنع، لكن جاءت مخصصات من السنة، لم يأت مخصص واحد وإنما مخصصات، فمثلًا: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) أو برواية أخرى ((لا نورث ما تركناه صدقة)) وهذا رواه الإمام البخاري في كتاب الفرائض، باب قوله: لا نورث، ورواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد، باب قول النبي ﷺ : ((لا نورث)).
إذن الحديث إذا سألتك: ما علاقة هذا الحديث ((لا نورث ما تركناه صدقة))، وفي بعض الروايات: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)) ما علاقته بآية المواريث؟ خصص آية المواريث، الآية بظاهرها الأنبياء يدخلون فيها؛ لأنها لم تستثنهم، ولو لم يأت ذلك المخصص من السنة لطبقنا الآية، أو لطبقت الآية على الأنبياء أيضًا، لكن جاء الحديث وخصص الآية يعني: قصر الحكم على بعض الأفراد، واستثنى بعض الأفراد، ومن ضمن الذين استثنوا هم الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-.
طيب هل اقتصر التخصيص على هذا الحديث فقط؟ لا حديث آخر: ((لا يرث القاتل))، وهذا رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في (مسنده) في جزء واحد ص٤٩، ورواه أبو داود في كتاب الديات يعني: القاتل ما دام قد قتل أصله الموروث، سواء كان بغرض أن يرث أو بأي غرض آخر، فما دام قد قتله فإنه لا يرثه، حتى ولو كان من أصحاب الفروض، كأن يكون ابنًا أو أخًا أو زوجًا أو زوجة، ما دام قد قتل فإن القتل منع الإرث؛ ولذلك علماء الفرائض يدرسون لطلابهم موانع الإرث، ومن بينها ألا يكون الوارث قد قتل أصله الموروث.
يعني: خصصنا الأنبياء استثنينا الأنبياء، واستثنينا أيضًا القاتل، استثنينا ((الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر))، وهذا نص الحديث: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر مسلمًا))، وهذا رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-
стр. 28
في كتاب الفرائض باب: لا يرث المسلم الكافر، وأيضًا رواه الإمام مسلم في أول كتاب الفرائض، من حديث أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما، إذن أصبح للآية ثلاثة مخصصات.
المخصص الأول: حديث ((لا نورث ما تركناه صدقة))، والمخصص الثاني: ((لا يرث القاتل))، والمخصص الثالث: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر مسلما))، وكأن معنى الآية بعد هذه المخصصات، أو بعد هذا التخصيص كله، هو أن كل موروث من أب أو أم، أو أي موروث يرثه أبناؤه، أو يرثه أصحاب الفروض، يرثونه إلا أن يكون الموروث نبيًّا فإن الأنبياء لا يورثون، وإلا أن يكون الوارث قاتلًا لأصله الموروث، فإنه في هذه الحالة لا يرث، وإلا أن يختلف الدين بين المورث أو بين الموروث والوارث، فإن في هذه الحالة لا توارث، ويقتصر الأمر على ما سوى ذلك من أصحاب الفروض على الوجه، الذي ذكرته الآية كما ذكرنا.
ولولا السنة لطبقنا الآية على غير مراد الله، فالذي بين مراد الله تعالى، وكما قلنا: هو أعلم الخلق بمراد الله هو رسول الله ﷺ الذي هو المبلغ عن الله، وهو الذي أوكل الله تعالى إليه بيان مهمة ما في القرآن الكريم، وهو الذي نأخذ عنه بيانه للقرآن الكريم؛ ولذلك اصطلح العلماء جميعًا على أن أولى التفاسير، التي يفسر بها الآية القرآن يفسر بعضه بعضًا، ثم ننتقل إلى السنة، فإن رسول الله ﷺ هو أعلم الأمة بمراد ربه -جل في علاه-.
هذا مثال آخر لتخصيص العام في سورة الأنعام، نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢) هذه الآية معناها بإيجاز: أن الذين لهم الأمن ولهم الهداية هم فقط، الذين آمنوا،
стр. 29
ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ما معنى لم يلبسوا؟ الذين آمنوا ولم يلبسوا: أي ولم يخلطوا إيمانهم بأي نوع من أنواع الظلم، هؤلاء فقط الذين لهم الأمن ولهم الهداية.
ما هو الظلم؟ الظلم هو وضع الشيء في غير محله، أي شيء تضعه في غير محله هذا ظلم، هذا المعنى العام للظلم، من يستعمل نعمة البصر في غير ما خلقت له بأن يسلطها مثلًا للنظر على الحرام، أو انتهاك الحرمات، أو ما شاكل ذلك هذا ظلم؛ لأنه استعمال للنعمة في غير ما خلقها الله، أو ما أراده الله لها، أيضًا من يسلط نعمة السمع فيستمع للحرام، ولا يستمع للذكر أو للقرآن أو العلم، أو ما شاكل ذلك هذا ظلم.
وهكذا لو استعرضنا صور الظلم سنجده يشمل كل جوانب حياتنا، فأي شيء تستعمله، وتضعه في غير محله الشرعي، فأنت ظالم على هذا المعنى، هل يوجد أحد من المسلمين لم يظلم نفسه؟ كلنا قد وقع في الظلم بشكل أو بآخر، ومن الذي لم يفعل يومًا أمرًا، أو لم يضع شيئًا في غير موضعه؛ لذلك؛ ولأن الصحابة يفهمون هذا المعنى العام للظلم، وأقول: المعنى العام؛ لأننا أمام مثال لتخصيص العام، وجلت قلوبهم واضطربت أفئدتهم، خافوا أهؤلاء فقط الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، هؤلاء فقط الذين لهم الأمن ولهم الهداية؟ إذن هم لقليل.
ولذلك خافوا ورفعوا الأمر إلى النبي ﷺ ، والحديث عند البخاري رواه بسنده إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: ((لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام: ٨٢) قلنا -أي: الصحابة-: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ -أي من منا الذي لم يظلم نفسه- قال ﷺ هنا يوضح لهم هذا بيان السنة للقرآن يوضح لهم الآية والمقصود بها، ويخصصها لهم كما سنقول فيقول لهم ﷺ : ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)) (لقمان: ١٣)؟ هذه الآية في سورة لقمان جاءت في القرآن على لسان لقمان، وهو يعظ ابنه.
стр. 30
إذن النبي ﷺ فسر الظلم في آية الأنعام ليس بالظلم العام، وهو وضع الشيء في غير محله، وإنما قصره على بعض أفراده يعني: ليس المراد كل أفراد الظلم أو كل أنواع الظلم، وإنما المراد بعض أنواعه فقط وهو الشرك، واستدل على هذا المعنى بقول الله تعالى على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣)، وأيضًا الشرك ظلم؛ لأن الشرك في هذه الحالة وضع للعبادة في غير محلها، يعني: هو من أنواع الظلم العام أيضًا، وينطبق عليه ذلك؛ لأنه كما قلنا: وضع للعبادة في غير محلها.
والمهم أن حديث: ((ليس كما تقولون))، وفسر الشرك بالظلم، واستدل على ذلك بآية لقمان، إنما هو تخصيص من السنة لعام القرآن الكريم، السنة تفصل مجمل القرآن الكريم، وتبين أو تخصص عامه.
هذا نوع يسمى تفصيل المجمل، وهذا نوع آخر يسمى تخصيص العام، وبالمناسبة فعند الأصوليين معاني محددة لكل واحد من هؤلاء، وأنا أطلب من طلاب العلم الذين يسمعونني الآن أن يعودوا إلى كتب الأصول التخصصية، بدل أن أطيل عليهم بشرح هذه النصوص، ما هو المجمل وما هو التفصيل، وما هو المفصل؟ وما هو العام، وما هو الخاص وكيف يخصص؟ إلخ، وما الفرق بين العام المخصوص، وبين العام الذي أريد به الخصوص؟ مصطلحات يجدر بأهل العلم أن يفهموها وأن يعرفوها؛ حتى تتضح المعاني الشرعية في أذهانهم.
لكن هنا نحن نضرب الأمثلة، ونوضح بإيجاز مخافة الاستطراد إلى تخصصات أخرى، وأرجو أن نكون على ذكر مما نقوله الآن، نحن قلنا في علاقة رئيسة: السنة توافق القرآن، ثم انتقلنا إلى السنة تبين القرآن، ونتكلم عن بيان السنة للقرآن الكريم.
تقييد المطلق
أيضًا من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم: تقييد المطلق:
المطلق يعني: شيء مفتوح هو ليس عامًّا يعني: لا ينطبق على أفراد كثيرين، وإنما هو يمكن أن تقول: هو شيء واحد يتكون من أجزاء فيقيد، ولو لم يأت التقييد لبقي على إطلاقه، وبالمثال يتضح المقال.
من أمثلته في القرآن الكريم: قول الله ﵎ وهذا أيضًا مثال مشهور، تتداوله كتب المصطلح وكتب السنة كلها ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨)، الآية هنا
стр. 31
تتحدث عن أن عقوبة السارق هي قطع اليد، وأنا إذا أخذت الآية بظاهرها وطبقتها، فستكون كالأتي أي سرقة سأقطع اليد فيها، بلغت النصاب أو لم تبلغه؛ لأن الآية لم تشر إلى ذلك، ثم إذا نظرت إلى مدلول كلمة اليد في اللغة، وفي الاصطلاح أيضًا، في المفهوم الشرعي أقصد.
اليد تشمل من أول الأصابع حتى الكتف، ولو أن المستمع الكريم، الذي يسمعني الآن وضع يده أمامه كمثال توضيحي، فإنه سيجد الأصابع، والأصابع تمثل جزء من اليد، ثم بعد الأصابع الكف، وله بطن وله ظهر، وبعد الكف الرسغ، وهما العظمتان الناتئان بعد الكف مباشرة، ومن أول الرسغ هذا إلى المرفق، المسافة التي بينهما تسمى الساعد، ثم المرفق ومن المرفق إلى المنكب يسمى العضد، ما بعد المرفق أي: ما بعد الجزء الذي نتوضأ أو هو نهاية وضوئنا إلى المنكب، الذي أعلى الكتف هذا يسمى عضد، ثم المنكب وهو نقطة التقاء العضد مع الكتف، التقاء الكتف مع العضد يسمى منكب، من أول المنكب حتى الأصابع هذه مكونات اليد، هذه أجزاء اليد.
أعود إلى الآية ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَ﴾ لاحظوا معي أن الآية قالت: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَ﴾ ولم تقل: فاقطعوا يديهما، إذن أنا سأطبق الآية، كما وردت سأقطع اليدين معًا لكل سارق مع السرقة الأولى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَ﴾ ولم يقل: فاقطعوا يديهما، وإذن هما اليدان وليس المقطوع يدًا واحدة على ظاهر الآية، ثم سأقطع كل ما تشمله كلمة اليد من مدلول لغوي، ومن مدلول شرعي، من أول الأصابع حتى المنكب في السرقة الواحدة.
هذا هو ظاهر الآية أو هذا هو المعنى المطلق في الآية، جاءت السنة وقيدت هذا الإطلاق، قيدته بشكل عملي، لما أتي بالسارق للنبي ﷺ ، كيف طبق الحد؟ وأكرر مرةً أخرى أن خير الخلق ﷺ هو أعلم، وأعرف الأمة بمراد الله هو الذي سيبين القرآن الكريم، ونحن الآن نتكلم عن بيان السنة للقرآن الكريم، كيف طبق الحد؟
أولًا: تأكد من النصاب، وهو الذي أشار إلى النصاب في أحاديث كثيرة، لا تقطع اليد إلا في ربع دينار، أو في ثلاثة دراهم من الفضة ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة لكن كما
стр. 32
قلت: لو أخذنا الآية بظاهرها سنقطع اليدين معًا من كل سارق، ومن أول الأصابع إلى المنكب، جاءت السنة ((ولما أتي بالسارق إلى النبي ﷺ طبق الحد)) كيف طبقه؟ ((قطع اليد الواحدة بمقدار الكف فقط)) إذن هذا الحديث موجود في كتب السنة عند البيهقي، وعند الإمام أحمد وغيره ((أتي بسارق إلى النبي ﷺ فقطع يده من مفصل الكف)) نحن قلنا عليها: الرسغ،، نسميها مفصل الكف، ومن يد واحدة.
فلولا السنة لما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح، وأيضًا الأمثلة على تقييد السنة المطهرة للقرآن الكريم كثيرة، لكنني أشير إلى بعض الأمثلة فقط؛ لنبين دور السنة مع القرآن الكريم.
توضيح المبهم
النوع الرابع: من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، توضيح المشكل، ويسميه بعض العلماء توضيح المبهم، وذلك بأن تكون هناك بعض الألفاظ في القرآن الكريم يعني: لا نفهم معناها أو لا يفهم البعض معناها، فتوضحها لنا السنة المشرفة.
ومن أمثلة ذلك في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: ١٨٧) ما هو المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود، روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى سهل بن سعد ﵁ قال: نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ولم يكن قد نزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.
فيقول سهل بن سعد ﵁: وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله
стр. 33
بعدها ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، والنبي ﷺ وضح لهم يعني: في الرواية أن المراد بالخيط الأبيض هو بياض النهار، وأن المراد بالخيط الأسود هو سواد الليل، وأن الحد الفاصل بينهما أي: الذي ينتهي عنده سواد الليل، ويبدأ بياض النهار هو الفجر، ومن ثم فإن المسلمين يبدءون صومهم من الفجر.
إذن بعض الصحابة فهم أن المراد بالخيط الأبيض، أنه خيط أبيض فعلًا على ظاهر اللفظ، وأن المراد بالخيط الأسود هو الخيط الأسود، ويأتي بحبلين يربطهما أو بخيطين يربطهما في رجليه: الخيط الأبيض والخيط الأسود، ويظل يأكل حتى يستطيع أن يفرق بينهما أي: أن يفرق بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، ومعنى ذلك أنه سيظل يأكل حتى يرتفع النهار كثيرًا؛ لكي يتمكن من التمييز بين الخيط الأبيض، والخيط الأسود، فبينت السنة المطهرة أن المراد بالخيطين: إنما هو بياض النهار وسواد الليل، ونزلت جملة ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لتبين أن التحديد الزمني، الذي يبدأ عنده انتهاء سواد الليل وابتداء بياض النهار، إنما هو الفجر، وكما قلنا: فإن الصوم يبدأ من الفجر ويستمر حتى المغرب.
إذن هذا مثال لتوضيح السنة لمشكل القرآن الكريم، أو لمبهم القرآن الكريم، كما قد يسميه البعض، أيضًا يعني يصلح كمثال لذلك، ما ذكرناه في تفسير الظلم في الآية بالشرك، آية الأنعام ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢).
قلنا يعني: تفسير الظلم بالشرك هو نوع من تخصيص عام القرآن، ولا بأس من أن يصلح المثال للأمرين معًا، فهو مثال يصلح لتفسير الظلم بالشرك، يصلح كنوع من أنواع التخصيص، ويصلح أيضًا لأن يكون مثالًا لتوضيح المبهم، أو لتوضيح المشكل من الألفاظ القرآنية، التي قد يصعب على بعض الأفهام أن تستوعبها للمرة الأولى، فتحتاج إلى من يوضحها له، وتقوم السنة المطهرة بهذا الأمر.
стр. 34
إذن السنة المطهرة تبين القرآن الكريم بواحد من أنواع البيان، الذي أشرنا إليه بالتفصيل وهي: تفصيل المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتوضيح المشكل أو توضيح المبهم، وأنا أوثر التعبير بتوضيح المشكل بدل التعبير بتوضيح المبهم؛ لأني لا أقبل أن يكون في القرآن مبهم لا نستطيع أن نفهمه، إنما المشكل هو ما أشكل علينا نحن بمعنى: أن العيب فينا، وليس في الألفاظ القرآنية والعياذ بالله، كلا وحاشا، لكن على كل حال لا مانع من استعمال اللفظ؛ لأن هذه المصطلحات، ولا مشاحة في الاصطلاح، والمهم أن نوضح معناها.
والأهم أن نعرف أن دور السنة خطير، وأن القرآن الكريم يتوقف في فهمه على السنة المطهرة، وما دام القرآن الكريم يتوقف في فهمه على السنة، فإنه يتوقف في تطبيقه؛ لأن التطبيق والعمل فرع عن الفهم، نفهم أولًا ثم نعمل ثانيًا؛ ولذلك فإن خطورة من يدعون، أو من يزعمون بأنه من الممكن أن يكتفوا بالقرآن وحده الخطورة بأنهم يهاجمون القرآن نفسه بهذه المقولة، وهذا أمر سنزيده توضيحًا مع توالي الدروس، بإذن الله ﵎.
لأنه معنى كلامهم: أن يتجمد القرآن عن التطبيق أن يتوقف عن التطبيق أن يتعطل عن التطبيق يعني: هو محفوظ كنص مقدس، لا بأس بأن نقرأه في صلاتنا، بأن نقرأه في قيامنا، بأن نقرأه على أمواتنا كما يقول البعض مثلًا، إذن لا مشكلة، لكن أن ينزل القرآن إلى واقع الحياة؛ ليقود حركة حياة المسلم في كل جانب من جوانبها، وفي كل شأن من شئونها؛ لأن الإسلام دين شامل يشرع لكل جوانب الحياة، فهذا ما يأباه البعض، ويحاولون أن يحاربوه بشتى الطرق، ومنها إشاعة الاكتفاء أو زعم الاكتفاء بالقرآن الكريم.
إذن القضية خطيرة تعني تضييع الإسلام كله، ونحن نعلم أن الإسلام كتاب وسنة، فإذا سلم البعض بدعواهم في إبعاد السنة والاكتفاء بالقرآن، فإننا لن نستطيع أن
стр. 35
نفهم القرآن، وبالتالي سيتعطل عن التطبيق، وهذا هو المراد الذي يهدفون إليه من وراء هذه الدعوى اللئيمة، والعياذ بالله، نسأل الله ألا يمكنهم أبدًا.
إلى الأن تكلمنا عن مهمتين للسنة النبوية مع القرآن الكريم: المهمة الأولى: هي أنها توافق القرآن الكريم وتؤكد قضاياه، ووضحنا هذا المعنى بأن قلنا: بأن الأمر يأتي في القرآن الكريم، ثم يأتي أيضًا في السنة المطهرة، وضربنا أمثلة لذلك، والعلاقة بينهما في هذه الحالة إنما هي علاقة تأكيد، ثم انتقلنا إلى العلاقة الثانية، وهي علاقة بيان السنة للقرآن الكريم، وقلنا: إن أنواع البيان أربعة تفصيل المجمل، تخصيص العام، تقييد المطلق، توضيح المشكل أو المبهم، وضربنا أمثلة توضيحية لكل هذه المعاني.
وضح من أن من مهمة بيان السنة للقرآن الكريم مدى خطورة هذه المهمة، وأن القرآن يتوقف في فهمه عليها، وبالتالي يتوقف في تطبيقه، إذن هذه مهمة خطيرة وجليلة وعظيمة، بقيت للسنة مهمة خطيرة أخرى، وهي أنها تؤسس أحكامًا على سبيل الاستقلال، أو على جهة الاستقلال بمعنى آخر: هي تشرع كما يشرع القرآن الكريم تمامًا، وهي في هذا واجبة الاتباع كالقرآن الكريم، إذن لا يقتصر دور السنة على بيان القرآن رغم خطورة هذا الأمر، وأهميتها وإنما أيضًا تشرع.
وقد جاءت في السنة أحكام كثيرة، من غير أن يسبق لها ذكر في القرآن الكريم، وليست بيانًا له بواحد من أنواع البيان التي أشرنا إليها، وليست تأكيدًا لما جاء فيه، إنما هي حكم جديد لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، والأمثلة على هذا: أكثر من أن تحصى في مجال الواجبات، وفي مجال المنهيات، وفي مجال المستحبات، وفي مجال المكروهات، ونحن سنكتفي ببعض الأمثلة التوضيحية، لكن هذا أمر عليه عشرات، بل لا أبالغ أذا قلت: عليه مئات الأمثلة من التشريع النبوي،
стр. 36
الذي يشمل كل جوانب الإسلام في عقيدته، وفي شريعته، وفي معاملاته ... إلخ.
من ذلك مثلًا في مجال الإلزام والفرض ما أوجبته السنة الشريفة من زكاة الفطر، فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى عبد الله بن عمر ﵄، قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) -أي: إلى صلاة العيد-، وهذا حديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر.
عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يقول: فرض رسول الله ﷺ ، أي الذي شرَّع أو شرع زكاة الفطر هو رسول الله ﷺ فرضها صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد، وعلى الحر والذكر والأنثى، وعلى الصغير والكبير من المسلمين، ووقت أدائها هي أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يبين ويوضح في جلاء، أن الذي شرع ذلك هو رسول الله ﷺ ، فرض رسول الله ﷺ ، وكتأكيد لهذه الحقيقة لن نجد حديثًا عن زكاة الفطر في القرآن الكريم، الله ﵎ تكلم عن الزكوات الأخرى، تكلم عن الزكاة بشكل عام ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣) إلخ، وتكلم عن بعض الزكوات مثلا ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام: ١٤١).
إذن رسول الله ﷺ هو الذي فرض زكاة الفطر، وطاعته في هذا واجبة تمامًا، كطاعة الله تعالى، بل إن العلماء قالوا: إن الذي يمتنع عن زكاة الفطر يقاتل عليها كما يقاتل مانع الزكاة، لا أحد يقول: إنها أقل وجوبًا؛ لأن الذي فرضها هو رسول الله ﷺ ، وليس الله تعالى.
إذن هذا تشريع في مجال الواجبات، في مجال المنهيات، وأمرنا رسول الله ﷺ :
стр. 37
((فكوا الأسير)) ((عودوا المريض)) ((نصر المظلوم)) بعض هذه الأحكام ورد عليه حديث في القرآن الكريم، وبعضها كثير في مجال الواجبات لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم، مثلًا: ((فكوا الأسير))، أو ((فكوا العاني)) وهذه أحاديث في (الصحيحين) فكوا أمر للأمة بأن تعمل على فكاك الأسير المسلم من براثن الأعداء، وألا تتركه بين أيديهم؛ لكي لا يفتنوه في دينه، إلخ.
و ((عودوا المريض))، ((وأمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع برد السلام)) بكذا، بعض هذه الأوامر النبوية الكريمة، ورد ذكره في القرآن الكريم، وبعضها لم يرد له ذكر في القرآن الكريم، وهو من باب ما استقلت به السنة بالتشريع، وفي مجال المنهيات هناك أمور كثيرة جدًّا، نهى عنها رسول الله ﷺ ، بينها ما هو محرم تأكيدًا، وبينها ما هو محرم يصل إلى حد الكراهة، ولا يصل إلى حد التحريم الكامل.
فمثلًا رسول الله ﷺ حرم أكل الحمر الأهلية، وحرم كل ذي ناب من السباع، إذن حرام علينا أن نأكل الحمر الأهلية، المعروفة التي يستعملها الناس في حياتهم، وحرام علينا أن نأكل كل ذي ناب من السباع، ونهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها، الذي في القرآن الكريم هو النهي عن الجمع بين المرأة وأختها، والله في سورة النساء، وهو يبين لنا المحرمات ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: ٢٣).
يعني المحرم في القرآن الكريم هو أن يجمع الرجل بين المرأة، وأختها في وقت واحد، بأن يكون المرأتان تحته في وقت واحد، لو أن واحدة بعد الأخرى، لا
стр. 38
بأس كأن تكون الأولى قد ماتت، أو طلقت مثلًا، فلا بأس من أن يتزوج أختها؛ لأنه لا جمع بينهما في هذه الحالة، أما أن يكون زوجين له في وقت واحد، فهذا مخالف للقرآن الكريم، وكذلك نهى رسول الله ﷺ ، عن أن تنكح المرأة على عمتها، أو خالتها يعني: لا يجوز للمسلم أن يجمع بين المرأة، وبين عمتها أو خالتها تحته في وقت واحد، لا بأس أيضًا بأن يتزوج الواحدة بعد الأخرى، لكن الجمع هو المحرم.
وأيضًا نهى رسول الله ﷺ : ((لا يقتل مسلم بكافر))، هذا يعني رغم من أنه من تخصيص العام ضربناه؛ لأنه ((لا يقتل مسلم بكافر)) هذا حكم جديد وردت به السنة المطهرة، وحتى الأحكام التي ضربنها، كأمثلة لتخصيص العام هي أيضًا في جانب منها تشريع جديد، لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، يعني مثلًا: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))، هذا لم يرد في القرآن الكريم، لم يرد أن الأنبياء لا يورثون، صحيح أنه في وجه من وجوهه، أو في جانب من جوانبه، يمثل شاهدًا على تخصيص السنة للعام في القرآن، وهو في نفس الوقت مثال للتشريع الذي جاءت به السنة، ولم يسبق له ذكر في القرآن الكريم.
إن الأحكام التي انفردت بها السنة المطهرة كثيرة جدًّا، وكلها تعطي الدليل الأكيد على أن السنة لها صلاحية تأسيس الأحكام على سبيل الاستقلال، فهي في التشريع مثل القرآن الكريم تمامًا، وفي وجوب العمل بما شرعته أيضًا مثل القرآن الكريم تمامًا، فالذي شرعته السنة نعمل به، كما نعمل بما ورد في القرآن الكريم، وعلى هذا انعقد إجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا، والذي يقبل عن رسول الله، فإنما يقبل أيضًا عن الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي أوجب طاعة رسوله ﷺ .
وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 39
الدرس: ٣ السنة هي المصدر الثاني للتشريع - حجية السنة (١) .
стр. 40
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(السنة هي المصدر الثاني للتشريع - حجية السنة (١))
معنى كون السنة هي المصدر الثاني للتشريع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنعلم جميعًا -أهل السنة والجماعة- أن السنة المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى، هذا أمر أجمع عليه علماء الأمة قديمًا وحديثًا لم يخالف في ذلك إلا من لا حظّ له في الإسلام، نسأل السلامة.
معنى كون السنة هي المصدر الثاني للتشريع: أنها واجبة الاتباع، وأنها في ذلك مثل القرآن الكريم سواءً بسواء. هناك من يشكك في هذه القضية، ويحاول أن يثير بعض الشبهات حول هذه المسألة، والغرض في النهاية -كما قلنا- هو الطعن في الشريعة الإسلامية التي ختم الله بها كل الديانات، ولن يرضى من عباده بعد مجيء الإسلام إلا دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥).
ما معنى حجية السنة؟ معناها: أن السنة حجة، وأنه يجب العمل بها؛ فهي حجة من حجج الله تعالى على خلقه، مصدر من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، أو هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم. هذه القضية، وهي قضية حجية السنة أستطيع أن أقول عنها: إنها قضية قرآنية، وقضية إيمانية، وقضية عقدية.
هي قضية إيمانية؛ لأنها جزء من إيمان المؤمن الذي لن يتم إيمانه إلا بهذا الأمر، وهي أيضا قضية عقدية بمعنى: أنه يجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا قاطعًا أن السنة حجة علينا، وأنه يجب العمل بها، كما يجب العمل بالقرآن الكريم تماما. هذا معنى كونها قضية عقدية.
следующие страницы →