← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95992

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (ماجستير)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (394 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الذي يشمل كل جوانب الإسلام في عقيدته، وفي شريعته، وفي معاملاته ... إلخ. من ذلك مثلًا في مجال الإلزام والفرض ما أوجبته السنة الشريفة من زكاة الفطر، فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى عبد الله بن عمر ﵄، قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) -أي: إلى صلاة العيد-، وهذا حديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر. عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يقول: فرض رسول الله ﷺ ، أي الذي شرَّع أو شرع زكاة الفطر هو رسول الله ﷺ فرضها صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد، وعلى الحر والذكر والأنثى، وعلى الصغير والكبير من المسلمين، ووقت أدائها هي أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يبين ويوضح في جلاء، أن الذي شرع ذلك هو رسول الله ﷺ ، فرض رسول الله ﷺ ، وكتأكيد لهذه الحقيقة لن نجد حديثًا عن زكاة الفطر في القرآن الكريم، الله ﵎ تكلم عن الزكوات الأخرى، تكلم عن الزكاة بشكل عام ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣) إلخ، وتكلم عن بعض الزكوات مثلا ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام: ١٤١). إذن رسول الله ﷺ هو الذي فرض زكاة الفطر، وطاعته في هذا واجبة تمامًا، كطاعة الله تعالى، بل إن العلماء قالوا: إن الذي يمتنع عن زكاة الفطر يقاتل عليها كما يقاتل مانع الزكاة، لا أحد يقول: إنها أقل وجوبًا؛ لأن الذي فرضها هو رسول الله ﷺ ، وليس الله تعالى. إذن هذا تشريع في مجال الواجبات، في مجال المنهيات، وأمرنا رسول الله ﷺ :

стр. 37

((فكوا الأسير)) ((عودوا المريض)) ((نصر المظلوم)) بعض هذه الأحكام ورد عليه حديث في القرآن الكريم، وبعضها كثير في مجال الواجبات لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم، مثلًا: ((فكوا الأسير))، أو ((فكوا العاني)) وهذه أحاديث في (الصحيحين) فكوا أمر للأمة بأن تعمل على فكاك الأسير المسلم من براثن الأعداء، وألا تتركه بين أيديهم؛ لكي لا يفتنوه في دينه، إلخ. و ((عودوا المريض))، ((وأمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع برد السلام)) بكذا، بعض هذه الأوامر النبوية الكريمة، ورد ذكره في القرآن الكريم، وبعضها لم يرد له ذكر في القرآن الكريم، وهو من باب ما استقلت به السنة بالتشريع، وفي مجال المنهيات هناك أمور كثيرة جدًّا، نهى عنها رسول الله ﷺ ، بينها ما هو محرم تأكيدًا، وبينها ما هو محرم يصل إلى حد الكراهة، ولا يصل إلى حد التحريم الكامل. فمثلًا رسول الله ﷺ حرم أكل الحمر الأهلية، وحرم كل ذي ناب من السباع، إذن حرام علينا أن نأكل الحمر الأهلية، المعروفة التي يستعملها الناس في حياتهم، وحرام علينا أن نأكل كل ذي ناب من السباع، ونهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها، الذي في القرآن الكريم هو النهي عن الجمع بين المرأة وأختها، والله في سورة النساء، وهو يبين لنا المحرمات ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: ٢٣). يعني المحرم في القرآن الكريم هو أن يجمع الرجل بين المرأة، وأختها في وقت واحد، بأن يكون المرأتان تحته في وقت واحد، لو أن واحدة بعد الأخرى، لا

стр. 38

بأس كأن تكون الأولى قد ماتت، أو طلقت مثلًا، فلا بأس من أن يتزوج أختها؛ لأنه لا جمع بينهما في هذه الحالة، أما أن يكون زوجين له في وقت واحد، فهذا مخالف للقرآن الكريم، وكذلك نهى رسول الله ﷺ ، عن أن تنكح المرأة على عمتها، أو خالتها يعني: لا يجوز للمسلم أن يجمع بين المرأة، وبين عمتها أو خالتها تحته في وقت واحد، لا بأس أيضًا بأن يتزوج الواحدة بعد الأخرى، لكن الجمع هو المحرم. وأيضًا نهى رسول الله ﷺ : ((لا يقتل مسلم بكافر))، هذا يعني رغم من أنه من تخصيص العام ضربناه؛ لأنه ((لا يقتل مسلم بكافر)) هذا حكم جديد وردت به السنة المطهرة، وحتى الأحكام التي ضربنها، كأمثلة لتخصيص العام هي أيضًا في جانب منها تشريع جديد، لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، يعني مثلًا: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))، هذا لم يرد في القرآن الكريم، لم يرد أن الأنبياء لا يورثون، صحيح أنه في وجه من وجوهه، أو في جانب من جوانبه، يمثل شاهدًا على تخصيص السنة للعام في القرآن، وهو في نفس الوقت مثال للتشريع الذي جاءت به السنة، ولم يسبق له ذكر في القرآن الكريم. إن الأحكام التي انفردت بها السنة المطهرة كثيرة جدًّا، وكلها تعطي الدليل الأكيد على أن السنة لها صلاحية تأسيس الأحكام على سبيل الاستقلال، فهي في التشريع مثل القرآن الكريم تمامًا، وفي وجوب العمل بما شرعته أيضًا مثل القرآن الكريم تمامًا، فالذي شرعته السنة نعمل به، كما نعمل بما ورد في القرآن الكريم، وعلى هذا انعقد إجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا، والذي يقبل عن رسول الله، فإنما يقبل أيضًا عن الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي أوجب طاعة رسوله ﷺ . وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 39

الدرس: ٣ السنة هي المصدر الثاني للتشريع - حجية السنة (١) .

стр. 40

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (السنة هي المصدر الثاني للتشريع - حجية السنة (١)) معنى كون السنة هي المصدر الثاني للتشريع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: فنعلم جميعًا -أهل السنة والجماعة- أن السنة المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى، هذا أمر أجمع عليه علماء الأمة قديمًا وحديثًا لم يخالف في ذلك إلا من لا حظّ له في الإسلام، نسأل السلامة. معنى كون السنة هي المصدر الثاني للتشريع: أنها واجبة الاتباع، وأنها في ذلك مثل القرآن الكريم سواءً بسواء. هناك من يشكك في هذه القضية، ويحاول أن يثير بعض الشبهات حول هذه المسألة، والغرض في النهاية -كما قلنا- هو الطعن في الشريعة الإسلامية التي ختم الله بها كل الديانات، ولن يرضى من عباده بعد مجيء الإسلام إلا دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥). ما معنى حجية السنة؟ معناها: أن السنة حجة، وأنه يجب العمل بها؛ فهي حجة من حجج الله تعالى على خلقه، مصدر من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، أو هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم. هذه القضية، وهي قضية حجية السنة أستطيع أن أقول عنها: إنها قضية قرآنية، وقضية إيمانية، وقضية عقدية. هي قضية إيمانية؛ لأنها جزء من إيمان المؤمن الذي لن يتم إيمانه إلا بهذا الأمر، وهي أيضا قضية عقدية بمعنى: أنه يجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا قاطعًا أن السنة حجة علينا، وأنه يجب العمل بها، كما يجب العمل بالقرآن الكريم تماما. هذا معنى كونها قضية عقدية.

стр. 41

أنا هنا أريد أن أوضح أن قضية حجية السنة قضية إيمانية إيماننا لن يتم إلا بها، وعقيدتنا لن تتم إلا بها. ما المقصود بكلمة أنها قضية قرآنية؟ يعني: أنها من القضايا التي اهتم بها القرآن الكريم جدّا بأساليب متعددة وبطرق مختلفة؛ لأنها -كما قلت- قضية إيمان، وقضية عقيدة، فلابد أن تكون محل الاهتمام القرآني. وقد اهتم القرآن الكريم بقضايا الإيمان، فمثلًا: إذا أردت أن أقول: ما هي القضية رقم واحد في القرآن الكريم؟ أو ما هي القضية الأم أو الأب، أي من التعبيرات التي تبين أهمية الأمر؟ هي قضية الوحدانية. سنجد القرآن الكريم اهتم جدًّا بها أيما اهتمام، وعشرات الآيات التي تكلمت عن الوحدانية؛ لأنها أم القضايا وأبو القضايا، وتفرعت عنها كل القضايا، والعلاقة الصحيحة للمسلم بإيمانه أن يبدأ بتوحيد الله ﵎. كل ذلك بديهي، لكن أنا أضربها كمثال لاهتمام القرآن الكريم بالقضية. وأيضا اهتم بقضية البعث، ولا تكاد تخلو سورة من السور المكية بالذات؛ لأنها اصطدمت مع الواقع الذي كان فيه خلل في عقيدتهم بالنسبة لقضية الوحدانية، وبالنسبة لقضية البعث لم نجد سورة مكية إلا واهتمت بالأمرين معًا، وأقامت عليهم الأدلة الكثيرة جدًّا. اهتم القرآن الكريم جدًا بها، واهتمامه بها أخذ صورًا متعددة، منها: كثرة الآيات التي تعرضت للمسألة، آيات ربما تزيد عن خمسين آية، وهذا وجه من وجوه اهتمام القرآن بها، وهي الآيات الكثيرة التي تعرضت للمسألة، وكثير من المسلمين إذا تعرض لقضية الاحتجاج بالسنة لا يكاد يذكر إلا آية الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، مع أنني أستطيع أن أقول بصراحة ووضوح: إنه لا توجد سورة من سور القرآن الكريم إلا واهتمت إما ضمنًا، وإما صراحة بقضية اتباع الرسول ﷺ .

стр. 42

الأدلة من القرآن على حجية السنة وفي هذا الاستعراض الذي سنستعرضه في تلك الآيات لن أقف مع الآيات الضمنية التي تكلمت ضمنا عن وجوب اتباع النبي ﷺ مثل: قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: ٢٨٥)، أي: آمنوا بما أنزل إلى الرسول ﷺ وآمنوا به؛ لأنه قد ينازع البعض في وضوح هذا الدليل على وجوب اتباع السنة؛ ولذلك سأقتصر في الاستدلال -إغلاقا للنقاش غير المجدي وغير النافع- على الآيات التي كانت قاطعة الدلالة واضحة في حجيتها في ضرورة اتباع السنة المطهرة، وسنتعرض للقرآن الكريم بترتيب سوره من أول البقرة إلى أن ننتهي إلى آخر القرآن، وأيضا قد أذكر بعض الآيات وأترك بعضها؛ لأن المراد هو إثبات أنها قضية قرآنية خطيرة جدا اهتم القرآن الكريم بها حتى نستطيع أن ندافع عن ديننا، وأن غلق الباب أمام من يحاول أن يشوش علينا دعائم ديننا وأسس عقيدتنا: إذا جئت إلى سورة آل عمران مثلًا، وبدأت بها مثلًا قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢). دعوة طاعة الله ورسوله، وقبل ذلك في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٣١). يعني: علامة حب المؤمنين لربهم هي اتباعه نبيه ﷺ ، والله هو الذي وضع تلك العلامة في القرآن الكريم، لم يأت بها أحد من الأمة من عند نفسه تعصبًا

стр. 43

للسنة، أو ما شاكل ذلك. كلا إنما الله يقول للنبي ﷺ : يا رسول الله، قل للأمة جميعا إلى يوم القيامة: إن كنتم تحبون الله، فعلامة حبكم لربكم أن تتبعوني، أي: تتبعوا نبيه ﷺ ؛ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، إذن اتباع السنة المطهرة من علامات حب المؤمنين لربهم . والجزاء قد أخذوه ببقية الآية: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: ٣١). ثم جاءت الآية من سورة آل عمران أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٣٠: ١٣٢) لعلكم ترحمون: لعل تفيد الرجاء، لعلكم ترحمون إذا اتبعتم، أو إذا أطعتم الله تعالى ورسوله ﷺ ، وأهل العلم علمونا أن الرجاء من الله تعالى محقق إذا تحقق فينا ما علق الله عليه الرجاء. لعلكم ترحمون: هذا رجاء، أسلوب رجاء استعمله الله تعالى في القرآن الكريم، إذا هو أمر محقق شريطة أن يتحقق فينا الشرط المعلق عليه هذا الرجاء في الله، فالله جعل الفلاح لمن أطاع الله ورسوله. إذا ما دمنا نطيع الله ورسوله، فإن هذه الرجاء سيتحقق بإذن الله ﵎. وأيضا في سورة النساء، وفيها مجموعة من الآيات القرآنية الكثيرة جدًّا، بل أكاد أن أسميها: بسورة السنة مع تسميتها بسورة النساء؛ لأن هناك آيات كثيرة في السورة المباركة تكلمت عن السنة، وبأساليب تؤكد ضرورة اتباعها، فمثلًا: يحدثنا الله تعالى في سورة النساء في آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١)، وأحكام المواريث أحكام شرعية يذكرها الله تعالى، ثم يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ تلك اسم إشارة إلى ما سبق ذكره من أحكام المواريث هذا ما حده الله لعباده، والله في آيات كثيرة سمى التشريعات

стр. 44

الإلهية حدودًا، في الطلاق ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (الطلاق: ١)، في الظهار إلخ، وقد مدح المؤمنون بأنهم حافظون لحدود الله في سورة التوبة مثلًا: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ١١٢)، أي: القائمون على ما حده الله لهم من تشريعات، يمتثلون لما أمر، ويبتعدون عما نهى. هذا من خصائص الأمة المؤمنة، والمهم أن الله في سورة النساء بعد ذكر آيات المواريث قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٣: ١٤). وأنا أقسم الآيات التي أتكلم عنها إلى آيات أمرت بالاتباع، وآيات حذرت عن أو من المخالفة. أنا الآن سأستطرد وأسير مع الآيات التي أمرت بالاتباع، وأشير إلى بعض دلالتها الهامة في تأكيد هذه المسألة، وبيان وجوب اتباع السنة. إذا انتقلت إلى آية أخرى في سورة النساء فيأتي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩). أولًا: الآية صدرت أو تصدرت بالنداء بصفة الإيمان "يا أيها الذين آمنوا"، وهذا النداء خطير، وقد تكرر كثيرًا في القرآن الكريم، والله قد نادى خلقه بصفات متعددة، "يا بني آدم" جاءت في القرآن خمس مرات، أربع مرات في سورة الأعراف، ومرة في سورة يس، "يا بني آدم"، ونادى الناس جميعًا في أكثر من آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة: ٢١)،

стр. 45

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: ١) ..... الخ. ونادى الرسل: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (المؤمنون: ٥١)، ونادى النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّ هَ﴾ (الأحزاب: ١)، وآيات كثيرة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: ١)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: ١)، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) .... الخ، آيات ونداءات كثيرة للرسول ﷺ للناس جميعًا لبني آدم، بل إن الله نادى الكفار في قول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التحريم: ٧). أقصد أن أقول: إن كل نداء من هذه النداءات مقصود بمعنى حين ينادي الله الناس، فهو يقصد الناس جميعا، وحين ينادي يا أيها الذين آمنوا فهو يقصد أهل الإيمان، ليس هذا فحسب، بل ويبين لهم أن ما يناديهم من أجله، أي ما سيذكره بعد هذه النداء، هو من مطلوبات الإيمان، فعليكم أن تحققوا هذه الأوامر الإلهية وإلا لا تستحقون أن تنادوا بوصف الإيمان. متى نستحق أن ننادى بـ"يا أيها الذين آمنوا"؟ إذا كنا سنطبق ما بعد النداء. ونحن لو استعراضنا الآيات الكريمة التي صدرت بهذا النداء "يا أيها الذين آمنوا" سنجد ما بعدها من مطلوبات الإيمان، كل نداء بـ"يا أيها الذين آمنوا" طلب الله منا بعدها مطلوبات هي تعد من شعب الإيمان ومن أموره. وأنت تقرأ القرآن الكريم حاول أن تتأكد من هذه القاعدة، كل آية تمر عليك فيها "يا أيها الذين آمنوا" انظر ما بعدها ستجد فيها مطلوبات وأوامر إيمانية عليك أن تقوم بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُو﴾ (آل عمران: ٢٠٠)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٧)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: ١) ... الخ الخ.

стр. 46

إذن، أول دلالة في الآية النداء بوصف الإيمان، ومعناها أو خلاصته: أننا لا نستحق أن ننادى بهذا الوصف إلا إذا طبقنا ما بعد النداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (النساء: ٥٩)، هذه أول دلالة في الآية. الدلالة الثانية: تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله ومع الرسول ﷺ ، وعدم تكراره مع أولي الأمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، وماذا يفيد هذا التكرار في القضية التي معنا الآن، والتي نحن بصددها؟ يفيد كثيرًا معناها: أن طاعة الرسول ﷺ مطلوبة تماما مثل طاعة الله تعالى، فهي طاعة مساوية لطاعة الله تعالى، أما أولي الأمر فليس لهم طاعة مستقلة، إنما طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ولرسوله، فإن هم أطاعوا الله تعالى ورسوله ﷺ وجبت علينا طاعتهم. لذلك كرر الفعل "أطيعوا" مع الله تعالى، ومع الرسول ﷺ ولم يكرر الفعل أطيعوا مع أولي الأمر، هذه دلالة ثانية تبين لنا أن طاعة رسول الله ﷺ مطلوبة تماما مثل طاعتنا لله تعالى. الدلالة الثالثة في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩) علق الإيمان على رد الأمر إلى الله تعالى، وإلى رسوله ﷺ ، إن كنتم تؤمنون ماذا تفعلون؟ ردوا كل أموركم، كل أحكام حياتكم ردوها إلى الله تعالى وإلى رسول الله ﷺ . ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: عند التنازع حين يكون الأمر واضحًا أمامكم، وتفهمون الكتاب والسنة طبقوه، أما إذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ولرسوله ﷺ ، وهذا ليس أمرًا اختياريًّا، بل هو أمر وجوبي، بل إن الإيمان علق عليه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ تفعلون ذلك، معنى ذلك: إننا إذا لم نفعل ذلك فلا يصح أن نطمع في

стр. 47

الإيمان؛ ولذلك إنها قضية إيمانية، فهذه بعض الأدلة على أنها قضية إيمانية، كما أستدل على أنها قضية قرآنية، وستأتي أيضا أدلة أخرى على كونها من الإيمان؛ لأن الله تعالى علق الإيمان عليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩). إذا من يرد الأمر إلى غير الله تعالى عند التنازع وإلى غير رسوله ﷺ عليه أن يخاف على إيمانه، وعليه أن يعمل على تنقية إيمانه مما قد يعلق به من هذه المفاهيم الخاطئة التي تشوش عليه إيمانه، وتكاد تفسد عليه عقيدته والعياذ بالله. ثم الآيات بعد هذه الآيات تتكلم عن فريقين من الناس، أو عن فريق يزعم أنه آمن بالله، وآمن بالنبي، وآمن بما أنزل إليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (النساء: ٦٠) هذا الزعم ماذا يقتضي؟ يقتضي أن يستجيبوا، مادمتم تقولون أنكم آمنتم بالنبي ﷺ وآمنتم بما أنزل إليه فما علامة هذا الإيمان؟ أن تلتزموا بما أمركم به، انظر إلى الآيات ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ (النساء: ٦٠) رغم زعمهم أنهم أمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك. الطاغوت هنا هو كل حكم سوى حكم الله تعالى، أيا كان حكم البشر، حكم الشيطان، حكم الهوى، حكم النفس، كل ذلك طاغوت أمرنا ألا نستجيب له، بل إن الكفر بالطاغوت هو جزء من الإيمان بالله، أن نتبرأ من الطاغوت مع إيماننا بالله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (البقرة: ٢٥٦)، بل نقول: إنها قضية الرسل ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦)، والنبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة عند البخاري ومسلم في كتاب الإيمان، وهو يعلم معاذ بن جبل ﵁ الإيمان؛

стр. 48

يقول: ((أن يعبد الله ويكفر بما سواه))، لا نعبد الله فقط، بل لابد أن نكفر بما سواه، فهؤلاء قالوا، والقرآن الكريم سماه زعما؛ لأن الزعم مطية الكذب، وإن كان يستعمل في الصدق كما يقون سيبويه، لكن هذا السياق في القرآن نسير معه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ (النساء: ٦٠)، تحاكمهم إلى الطاغوت معارض لقولهم: آمنا بك وبما أنزل إليك، بل العلاقة الصحيحة بالطاغوت هو الكفر به، وننظر إلى الآية ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ٦٠). نحن بمقتضى إيماننا، وبمقتضى حرصنا على هداية الخلق جميعا سنفترض فيمن يقول ذلك أو يفعل هذا يزعم الإيمان، ثم يحتكم إلى غير منهج الله تعالى، ومنهج النبي ﷺ سنقول: إنه يفعل ذلك عن جهل ليس عن قصد، فستكون المهمة الأولى أن نعلمه قبل أن نحكم عليه بإيمان أو كفر؛ ولذلك انظر إلى القرآن الكريم وعظمته في التربية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ (النساء: ٦١) يعني: افترضنا فيهم أنه قد غابت عنهم هذا الحقيقة الإيمانية، وإن الأمرين متعارضان، وهما قضية أن تقول: نؤمن بالنبي ﷺ ، وبما أنزل إليه، ثم تحتكم إلى الطاغوت هذا لا يجوز إيمانا ولا عقيدة. لكن سنفترض أنهم لا يعلمون ذلك سنعلمهم على لسان من قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ سواء كان العلماء، أو الأمراء أو ما شاكل ذلك ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ بماذا سماهم الله تعالى؟ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء: ٦١)، سماهم منافقين رغم زعمهم كما ذكر القرآن الكريم أنهم أمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبل، هذا

стр. 49

الزعم لم يشفع لهم حين وضع على محك الاختبار العملي، حين امتحنوا في هذا الكلام الذي قالوه: إنهم آمنوا بالله، وآمنوا برسول الله ﷺ ، وآمنوا بما أنزل إليه، مقتضى هذا الإيمان: أن يستجيبوا لما جاء به، وأن يتمثلوا لحكمه وأوامره ونواهيه، لكنهم أردوا أن يحتكموا إلى الطاغوت، ولم يستجيبوا لمن حاول أن يبصرهم ويبين لهم خطورة المسألة، وأن ذلك متعارض مع الإيمان؛ ولذلك في نهاية الأمر سماهم القرآن الكريم منافقين، خلع عنهم وصف الإيمان، وكما قلنا: لم يشفع لهم زعمهم بأنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبل. ونستمر مع الآيات في سورة النساء، وبعد هذه الآية بآيات قليلة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإذا اللَّهِ﴾ (النساء: ٦٤) قضية خطيرة جدًّا؛ الأصل في الرسل أن يطاعوا وهي هنا قضية أو صياغة خبرية، الله تعالى يخبر أن الأصل في الرسل أن يطاعوا، لكن المراد بها الإنشاء، يعني: هي أمر من الله تعالى أن نطيع الرسل، ليس في حق نبينا ﷺ فحسب، بل هي قضية في شأن الأنبياء جميعًا، كل الرسل لابد أن يطاعوا؛ لأنهم إنما جاءوا لخير البشر، ولهداية البشر، ولإنقاذ البشر من الهلكة، فلابد أن يطاعوا، أو يجب أن يطاعوا، الذين يخالفون سيتحملون نتيجة مخالفتهم. إذا هي قاعدة إيمانية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإذا اللَّهِ﴾ (النساء: ٦٤) جاء القرآن الكريم بها في صيغة الخبر رغم أن الأمر بها أو أن المراد بها إنشاء، بمعنى: أنها صيغة خبرية؛ ليبين الله لنا كأن الخلق عرفوا مهمة الأنبياء، وأنهم جاءوا لهدايتهم ولصالحهم فاستجابوا لهم، لكنا المراد هو الإنشاء، يعني: استجيبوا لكل الرسل إذا جاءوكم؛ لأنهم إنما جاءوا لخيركم، ومصلحتكم في الدنيا والآخرة.

стр. 50

ثم بعد ذلك ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٦٤)، النبي ﷺ يطلب لهم المغفرة؛ لأنهم استجابوا لله وللرسول ﷺ ، ثم بعد ذلك آية تنخلع لها القلوب حقيقة، وهي من أهم وأخطر الآيات في القرآن الكريم؛ في الدلالة على وجوب التمسك بالسنة المطهرة، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥). ووجه الخطورة في هذه المسألة، أو في هذه الآية: أنها فيها جملة من الأمور الهامة جدًّا التي جعلت طاعة النبي أساسًا رئيسًا من أسس الإيمان، هنا أسلوب قسم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أسلوب القسم في اللغة العربية مكون من أربعة أركان: مقسم، ومقسم به، ومقسم عليه، وهي القضية التي يقسم عليها المقسم، وأداة القسم. أطبق الأركان الأربعة على هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الله تعالى هو المقسم، وهذه في حد ذاتها من وجوه الخطورة في الآية كيف؟ الله تعالى يقسم إذا الأمر خطير، والأخطر أن يقسم بذاته؛ للدلالة على أهمية الأمر أكثر وأكثر؛ لأن الله ﵎ أقسم بكثير من مخلوقاته في القرآن الكريم، والله يقسم بما يشاء في القرآن الكريم، لكننا نحن كبشر لا نقسم بغير الله، لا نحلف بغير الله، والأحاديث: ((من كان حالفا فيحلف بالله أو فليصمت))، ((ومن حلف بغير الله فقد أشرك))، وهذه فائدة استطرادية، لكن أنا مع دلالة الآية في دلالتها على وجوب أهمية اتباع السنة، وأنها قضية إيمانية، الله تعالى يقسم، ويقسم بذاته الشريفة. قلت: إن الله تعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ومرات قليلة ينتقل فيها الله تعالى من القسم بمخلوقاته إلى القسم بذاته؛ حين تكون القضية خطيرة، بل إنه الأندر

стр. 51

والأندر أن الله تعالى هو الذي يتولى القسم بنفسه، يعني مثلًا: هناك في آيات الله تعالى قال لنبيه: ﴿زَع َمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (التغابن: ٧) الخ، هنا قسم بالله لكن المقسم يعني رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ يطلب منه أن يحلف لهم، وأن يؤكد لهم البعث، وأنه أمر حتمي سيقع قطعًا، لكن الله تعالى هو المقسم، وهو المقسم به، وهذا من وجوه الخطورة في المسألة، أو في الآية، ومن أعظم الدلالات على وجوب اتباع النبي ﷺ ، يعني: الله تعالى يقول لكم: أنا أقسم، وأقسم بذاتي الشريفة. ما هي القضية المقسم عليها في الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (النساء: ٦٥)؟ ينفي الإٍيمان هنا، لا هنا نافية، ولا تصلح أن تكون ناهية، لا من حيث المعنى، ولا من حيث الإعراب، من حيث المعنى عن أي شيئا ينهانا هنا لا تصلح، ومن حيث الإعراب: لا هنا جاء الفعل بعدها مرفوعا بثبوت النون، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنه من الأفعال الخمسة، إذا فـ"لا" هنا نافية، وليست ناهية؛ لأنها لو كانت ناهية لجزم الفعل بعدها بحذف النون كانت "لا يؤمنوا"، إنما هنا الله ينفي الإيمان إذن قضية أقسم الله تعالى عليها، وأقسم بذاته الشريفة، فالمقسم هو الله تعالى، والمقسم به أيضا هو الله تعالى. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (النساء: ٦٥) القضية المقسم عليها نفي الإيمان إلى أن يتحقق فيهم ما يطلبه الله تعالى منهم. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إذا لن يكون هناك إيمان إلا إذا حكمنا الرسول ﷺ في كل ما شجر بيننا من مسائل، وقام بيننا من أمور، حتى يحكموك يا محمد ﷺ يا رسول الله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، بل إن الله ﵎ في هذه الآية لم يكتفِ بمجرد التحكيم، بل اشترط علينا

стр. 52

الرضا بحكم النبي ﷺ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ وهذا من جملة المطلوب، يعني ليس المطلوب أن نحكم فحسب، بل المطلوب أن نحكم وأن نرضى ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ (النساء: ٦٥) ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا ولا رفضًا ولا إيباء، ولا تمنعا، هذا لا يجوز، أي معنى من هذه المعاني لا يجوز مع النبي ﷺ ، ومع حكمه ﷺ . ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥)، عليهم أن يرضوا به، وأن يخضعوا له خضوعا كاملًا، وأن يستلموا له استلاما تاما، ولن يكون هناك إيمانا بغير ذلك، هذا مضمون الآية، الله تعالى يقسم أن إيمان المؤمنين لن يكون إلا إذا حكموا النبي ﷺ وليس المطلوب تحكيمه فحسب، بل المطلوب أيضا أن يرضوا بهذا الحكم النبوي، وأن يخضعوا له في استسلام كامل. قد يسأل سائل هنا: ولماذا اشترط الله تعالى علينا الرضا بالحكم، ولم يكتف منا بمجرد التطبيق فحسب؟ لأن عدم الرضا بأي حكم، إنما هو فرع عن اعتقادك بأنه حكم جائر مثلا، يعني: متى لا يرضى الإنسان بالحكم؟ حين يتصور أنه حكم جائر أو ظالم، وحين يتخيل أن هناك حكما أعدل منه، وأفضل منه، وأكثر خيرا منه، هذه المعاني لا تجوز مع حكم الله تعالى، ومع حكم رسوله ﷺ لماذا؟ لأن من جملة إيماننا أن نعتقد بأن حكم الله تعالى، وحكم نبيه ﷺ هما أعدل الأحكام، وهما خير الأحكام، وهما أرشد الأحكام، وهما أفضل الأحكام ... الخ. ولو أنني تركت قضيتي التي أتكلم عليها وهي حجية السنة من خلال القرآن، ثم انتقلت إلى امتثال الصحابة إلى الحكم النبوي، ورضاهم به؛ لطال بنا المقام،

стр. 53

والكلام مثل هذا له أمور أخرى في الدروس الدعوية أو ما شاكل ذلك، لكننا مرتبطون بموضوعنا الذي نتكلم عنه، لكن فقط نشير إلى دلالة الآية، الآية فيها قسم بالله تعالى، والمقسم هو الله تعالى، والقضية المقسم عليها هي نفي الإيمان عن من لم يحكم النبي ﷺ ، ومن لم يرض بحكمه، ويطلب الأمرين معا، وهي الامتثال للحكم، والرضا به في آن واحد. لا يوجد مؤمن يؤمن بالله تعالى، وبالنبي ﷺ إلا ومن جملة إيمانه أن يعتقد أن أحكامهما هي خير الأحكام، وأعدل الأحكام، وسيد الأحكام على الإطلاق، في الحديث عند البخاري مسلم في ظهير بن أسيد يقول: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كنا نراه خيرا، وأمر رسول الله ﷺ خير وأرشد. انظر إلى كلام الصحابي، جاء نهانا عن بعض المعاملات التي كنا نتعامل بها في المدينة، نهانا عنها، نحن كنا نتصور أن هذه المعاملات معاملات طيبة ولا ضرر فيها، ولكنه يقول: "وأمر رسول الله ﷺ خير وأرشد" هكذا ينبغي أن يعتقد كل مسلم في أحكام الله تعالى، وفي أحكام نبيه ﷺ . ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥). وبعدها بآيات قليلة أيضا يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: ٦٩)، الذي يطيع الله ورسوله ﷺ فنعم الرفقة التي ينبغي أن يسعى إليها كل مؤمن ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: ٦٩)، ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ (النساء: ٧٠). ومن لم يسع إلى مرافقة هؤلاء في الجنة فيسعى إلى مرافقة من إذا؟ يعني: قضية

стр. 54

واضحة جدا بمقاييس الإيمان، وبمقاييس الفطرة السليمة، وبمقاييس العقل الراشد الذي يفكر بتسديد وتوفيق، أترك هذه الرفقة وأرافق من إذا، والعياذ بالله ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: ٦٩). ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٧٤) آية ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠) هذه الآية تجعل طاعة رسول الله ﷺ هي طاعة لله، ولا يوجد مسلم، أو لا ينبغي أن يتصور مسلم أن يعصي رسول الله، ثم يتصور أنه مطيع لله، هذا خلل في الفهم، لا ينبغي أن يتورط فيه مسلم، ننصح هؤلاء الذين يزعمون بالاكتفاء بالقرآن لا يمكن أبدًا ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠)، التلازم بين الطاعتين واضح جلي، لا نقاش فيه، لا انفصام بينهما أبدا، فلن يستقيم الإيمان، ولن يستقيم الأمر إذا تصور البعض أنه من الممكن أن يعصي رسول الله ﷺ ، ثم أنه في نفس الوقت مطيع لله تعالى، هذا عبث، ومجون، وخلل في الفكر ينبغي ألا يتردى فيه مسلم أبدًا ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء: ٨٠). إذا انتقلنا إلى سورة المائدة، وعندي آيات تتحدث عن الخمر وضررها، والنهي عنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩٠ - ٩١). بعد هذه الآيات التي نهت عن الخمر، وعن كل ما يتعلق بها قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُو﴾ (المائدة: ٩٢)، احذروا المخالفة، احذروا البعد

стр. 55

عن المنهج، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول َ﴾ أمر بطاعة الله ﵎، وأمر بطاعة رسوله ﷺ وتحذير من المخالفة، وتكرار للفعل "أطيعوا" مع الله تعالى ومع رسوله ﷺ ، يعني عدة دلالات في الآية مع أنها جملة قصيرة ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: ٩٢). هذا في سورة المائدة، إذا انتقلت إلى سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣) الله تعالى يوصينا بذلك، يوصينا بأن نتبع سبيل رسول ﷺ ونسير على صراطه، وعلى نهجه، وعلى طريقه، وأن هذا هو الصراط المستقيم، والذي يوصل إلى أشرف الغايات، وأنبل الأهداف. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٣). والنبي ﷺ في رسم توضيحي كما رواه الحاكم وغيره للصحابة؛ لكي يوضح لهم هذا المعنى، يرسم لهم على الأرض خطًّا مستقيمًا، ومن هذا الخط المستقيم تخرج خطوط فتفرع عنه يمينًا وشمالًا، لك أن ترسم هذا الرسم التوضيحي. بعد أن رسم النبي ﷺ هذا الخط التوضيحي قال لهم: الخط المستقيم هو خط الله تعالى، هو صراط الله، المتمثل في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذه الخطوط الفرعية التي تخرج عنه يمينًا ويسارًا، إنما على رأس كل منها شيطان، يحاول أن يبتعد بالمسلم عن الخط الرئيس الذي هو صراط الله تعالى المستقيم، الذي هو القرآن الكريم والسنة المطهرة ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٣).

стр. 56

ثم ننتقل إلى سورة الأعراف، وبها جملة من الآيات التي أيضا تحث على طاعة الرسول ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧). هذا رسول الله ﷺ يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، إلى آخر الآية، فالذين آمنوا به وبما جاء به من القرآن والسنة، وعزروه، ووقروه، واحترموه، وبجلوه، وقدروه، وأنزلوه منزلته اللائقة به، كل هذا من معاني "وعزروه"، ونصروه نصرة النبي ﷺ واجبة، ومن أوضح صور نصرته ﷺ أن نستجيب لحكمه، الذي لا يستجيب لحكمه هو خذلان، لكن الذي يبوء بالخذلان هو المخالف، أما رسول الله ﷺ فمقامه رفيع، والله جعل له المنزلة السامقة العالية. ونلاحظ أن الله علق الفلاح على ذلك: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧)، "وأولئك هم المفلحون" جملة من مبتدأ وخبر، أولئك: مبتدأ، وهذا أحد أنواع المعارف؛ لأنه اسم إشارة. والمفلحون: خبر، وهم: ضمير فصل للتأكيد، حين تكون الجملة معرفة الطرفين، فإنها تفيد القصر، يعني: الفلاح مقصور على هؤلاء الناس الذين استجابوا لله وللرسول، وآمنوا به وعزروه ونصروه.

стр. 57

وفي الآية التي بعدها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨). "اتبعوه" الضمير في اتبعوه هنا مفعول به، يعود على رسول الله ﷺ ﴿اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨). وقلنا قبل ذلك: "لعلكم تفلحون" رجاء من الله، والرجاء محقق، إذا حقق فينا ما علق الله عليه تعالى هذا الرجاء، وقد علقه الله تعالى على طاعة رسول ﷺ ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧). هذا في الآية السابقة، وفي هذه الآية أمر من الله ﴿فَآ مِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨). وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 58

الدرس: ٤ حجية السنة (٢) .

стр. 59

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (حجية السنة (٢)) استكمال الأدلة من القرآن على حجية السنة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى أله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ثم أما بعد: فنتمم كلامنا عن الأدلة من القرآن الكريم على حجية السنة المطهرة: في سورة الأنفال أيضًا نجد آيات كثيرة تحدثت عن ضرورة اتباع الرسول ﷺ بل في مطلع السورة يطلب الله تعالى منها طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ . ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: ١) هنا أيضًا تعليق للإيمان على هذه الأمور، ومنها طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ومع سورة الأنفال نسير فنجد بعد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠)، ويلفت النظر أن بعض الآيات عطفت طاعة رسول الله ﷺ على طاعة الله تعالى، وحينئذ في هذه الحالة كأنها نظرت إليهما على أنهما طاعة واحدة، كل منها تكمل الأخرى ولا نستطيع أن نعزل إحداهما عن الأخرى. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني: هذه متممة لتلك، وكأنهما معا أصبحتا طاعة واحدة، ينبغي على كل مؤمن أن يقوم بها، وحين يقر فعل "أطيعوا" فإنما ورد ذلك في النساء، وورد في المائدة؛ ليبين أن طاعة رسول الله ﷺ مطلوبة تماما مثل طاعتنا لله ﵎: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠)، وفي سورة الأنفال أيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٤) استجيبوا لمن؟ لله ورسوله. "إذا دعاكم لما يحييكم"

стр. 60

يعني: الآية تقول لنا: أن الله تعالى، ورسوله ﷺ لا يطلبان منا شيئا إلا إذا كان فيه الحياة لنا، الحياة الطيبة، الحياة المستقيمة، الحياة الآمنة والمطمئنة، الحياة التي ينبغي أن تكون. ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وكأنه لا حياة أبدًا في أي تعليمات أخرى تأتي من أي جهة كانت بعيدة عن طاعة الله ﵎، وطاعة رسوله ﷺ . وفي سورة الأنفال أيضًا، والله يحدثنا عما يمكن أن نسميه: بأسباب النصر في القرآن الكريم، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: ٤٥ - ٤٦)، فمن بين الأوامر الإلهية التي تأتي بالنصر -بإذن الله- للفئة المؤمنة أن تكون على طاعة لله تعالى، وطاعة لرسوله ﷺ . في سورة التوبة، والله تعالى يتكلم عن المجتمع المؤمن، وعن بعض خصائصه، خصوصًا بعد أن حدثنا قبل ذلك عن المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة: ٦٧)، والعياذ بالله مجتمع النفاق مجتمع سيئ رديء، يقابله المجتمع المؤمن، فما هو المجتمع المؤمن وما هي خصائصه؟ الله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ﴾ (التوبة: ٧١) ماذا يفعلون؟ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١).

стр. 61

ذكرت الآيات طاعة رسول الله ﷺ مع طاعة الله، وضمتهما إلى ما ذكر معهما من أحكام ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، وكلها من ثوابت الإيمان، ومن أركانه، من المأمورات التي يؤمر بها المؤمنون أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ركنان من أركان الإيمان يعني: لم يكن هناك إيمان من غيرهما أبدًا. إذا، طاعة الله ورسوله قرنت مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ لتبين لنا أنها أمر مهم جدًّا من أمور الإيمان التي لن يكون الإيمان إلا بها. وفي سورة التوبة أيضًا يعني: ليس لأحد أن يرغب عن رسول الله ﷺ ، ولا أن يبتعد عنه، ولا أن ينأى بنفسه عن طريقه، إلى آخره. ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (التوبة: ١٢٠) هذا ليس من حق أحد مؤمن أبدًا، أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يحاولوا أن ينجوا بأنفسهم بعيدا عنه، كل ذلك ليس من مقتضيات الإيمان، بل هو مخالف لمقتضيات الإيمان ومتطلباته، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (التوبة: ١٢٠)، هذا ليس في مجال النصرة العسكرية فحسب، بل في كل الأمور على المؤمنين أن يطيعوا الله ورسوله في كل شأن من شئونهم. في سورة التوبة آخر آياتها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨) هذا الرسول الكريم العظيم ﷺ الذي بعثه الله نعمة لنا وعلينا، وامتن به ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ (آل عمران: ١٦٤) .... الخ.

стр. 62

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ هو من أنفسكم منا، ﴿عزيز عليه﴾ أي عنت أو مشقة نتعرض لها، حريص علينا، وعلى نجاتنا، وعلى فلاحنا، وعلى فوزنا، وعلى أن نفوز بالجنة، وأن ننجو من النار، حريص عليكم وقلبه ﷺ يمتلئ بالرحمة، والرأفة على الفئة المؤمنة، بل هو رحمة للعالمين جميعًا، كما ورد في سورة الأنبياء، والآيات يكمل بعضها بعضًا. إذا كان هذا شأن النبي ﷺ ، ودوره معنا أنه حريص علينا، رؤوف رحيم بنا، عزيز عليه ما يصيبنا من مشقة، ماذا يستحقه منا، أو ما علاقتنا به؟ هي أن نتبعه، جاء لهدايتنا، حريص علينا، إذا من متطلبات ذلك أن نستجيب له في كل ما يأمر بها، وأن نبتعد عن كل ما ينهى عنه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة: ١٢٨ - ١٢٩). في سورة يونس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (يونس: ١٠٨) مادام قد جاءنا بالحق فعلينا أن نتبعه، لكن قد يقول البعض: إن هذا الحق هو القرآن الكريم، فأنا لا أريد أن أفتح باب الجدًّال الذي لا يفضي إلى خير، وإنما يضيع الوقت في غير منفعة، فآتي بالآيات الصريحة أو القاطعة الدلالة على السنة، ولا يجادل فيها أحد إلا إذا كان يريد أن يجادل بالباطل، والعياذ بالله تعالى، يعني: لم أقف مثلًا مع سورة يونس ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: ١٠٨) ... الخ، وإنما كما قلت: سأتوقف مع الآيات الواضحة الدلالة.

стр. 63

سأنتقل إلى سورة النور، وبها أيضًا مجموعة من الآيات، وسياقات تحرك القلب المؤمن تجاه هذه القضية، يحدثنا الله ﵎ كما حدثنا في سورة النساء يحدثنا عن قوم قالوا: إنهم آمنوا بالله والرسول، وأطعنا أيضًا، يعني: لم نؤمن فقط إنما قالوا: أمنا وأطعنا، ويقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا. ما موقفهم بعد ذلك؟ هذا القول الذي يقتضي التسليم، والإذعان، والخضوع لكل ما جاء به رسول الله ﷺ ، يقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، لم نؤمن بالله فقط، وإنما أمنا بالرسول، ولم يتوقف أمرنا عند الإيمان فقط، وبل وأطعنا، امتثلنا وأجبنا. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (النور: ٤٧) أعرضوا وابتعدوا، رغم قولهم: آمنا بالله وبالرسول، بماذا تسميهم يا رب؟ ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٤٧)، نفى الله عنهم الإيمان، كما وسمهم في سورة النساء: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء: ٦١)، سماهم في النساء بالمنافقين، وسماهم في النور، أو نفى عنهم في النور الإيمان، رغم قولهم في السورتين بأنهم قد آمنوا، آمنوا بما أنزل على الرسول ﷺ ، هذا القول لم يشفع لهم حين لم ينهض بهم عملهم؛ لأن قضية الإيمان ليست قضية كلام، نعم ننطق بلسانها، وتعتقد قلوبنا، ثم يصدق كل ذلك، أو الجوارح تصدق كل ذلك، أو تكذبه، فالتطبيق العلمي هو الاختبار الحقيقي لمن يزعم الإيمان، أو من يدعي الإيمان، بل إن الفرق بين المؤمن القوي والمؤمن الضعيف إنما هو في استجابة كل منهم للإيمان، فالمؤمن القوي أكثر التزامًا واستجابة لكل أوامر الشرع ونواهيه، ولا يتفلت منه إلا القليل جدًّا، أما الآخر فأحيانا وأحيانا. ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور: ٤٧ - ٤٨)

стр. 64

لماذا أعرضتم وقد قلتم أنكم أمنتم بالله وبالرسول، وأطعتم؟ ولماذا عند المحك العملي رسبتم ولم تنجحوا؟ طبعا لأنها قضية زعم فقط، وكما قلنا أن الإيمان ليست قضية كلام. ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور: ٤٨) ولا يستجيبون للحق إلا إذا كان في مصحلتهم ومنفعتهم. ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور: ٤٩) خاضعين، مستجيبين، مستسلمين، فكأن ارتباطهم بقضية الإيمان إنما هو ارتباط نفعي فقط، وهذه طائفة حدثنا الله تعالى عنها في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ (الحج: ١١) والعياذ بالله. إذًا، هناك فئة ارتباطها بالإيمان ارتباط مصلحة، ارتباط منفعة، بمقدار ما يجنيه من الإيمان من ثمرات يكون إيمانه، وإذا لم يكسب من الإيمان ابتعد عنه، هذه طائفة قال الله عنها: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، إنما المؤمنون حقا تحدث الله عنهم بعد ذلك، لكن ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور: ٤٨ - ٤٩)، انظروا إلى التصنيف القرآني لمثل هذا الطوائف: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (النور: ٥٠) مرض النفاق، مرض الكذب، والعياذ بالله، ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ (النور: ٥٠) شكوا، ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (النور: ٥٠) والعياذ بالله، اتهموا الأحكام الإلهية، والأحكام النبوية بالظلم. في الحقيقة أي معرض عن أحكام الله تعالى، وعن أحكام النبي ﷺ هو واحد من هذه الأصناف. ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ (النور: ٥٠) إما في قلبه مرض الكفر لم يؤمن بالقضية من أساسها، أو مرض النفاق، أظهر الإيمان، وأبطن الكفر والعياذ

стр. 65

بالله، أو ارتاب شكا إما في الحكم يعني: الحكم الجزئي، أو في جزء من الإسلام، أم يتهمون الله تعالى ورسوله ﷺ بالظلم في الأحكام، والعياذ بالله، هذا لا يمكن أن يتردى فيه أي مؤمن أبدًا. ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (النور: ٥٠)؛ لأنهم لم يفهموا قضية الإيمان، ولم يفهموا أن إيمانهم يستلزم منهم الاستجابة لله تعالى، ولرسوله ﷺ . بعد أن وضح الله تعالى موقف هذا الفريق بهذا الوضوح والجلاء الذي تكلمنا عنه ينتقل إلى موقف الفئة المؤمنة بحق التي لم تزعم الإيمان بلسانها فقط، إنما طبقته بقولها، قال الله عنهم وعن سلوكهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥١ - ٥٢). أيضًا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هذه جملة معرفة الطرفين، كلتا الجملتين جملة معرفة الطرفين، في الآية الأولى، وفي الآية الثانية: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١)، الفلاح في الاستجابة، في الطاعة، في الامتثال، في الانقياد لحكم الله ﵎ ولرسوله ﷺ ، وكذلك الفوز، ومن يطع الله ورسوله، ويضم إلى ذلك أن يخش الله ويتقه، فأولئك هم الفائزون، لا فوز ولا فلاح بعيدًا عن هذه الدائرة الإيمانية، وهي طاعة الله ﵎، وطاعة رسوله ﷺ . بعد ذلك بآيتين: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (النور: ٥٤) هدايتكم في طاعته. يعني: أطيعوا الله أيضًا، الفعل "قلنا" هنا مرة أخرى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، كل قد أدى ما عليه، هو قام بما سيحاسبه عليه الرسول ﷺ ، أدى ما

стр. 66

حمل، أما أنتم فانظروا موقفكم، كل واحد سيتحمل نتيجته ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقد أدى الرسول ما عليه من البلاغ ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤). وبعد ذلك أيضًا بآية أو بآيتين: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور: ٥٦) عدد من الآيات المتوالية التي تتحدث عن هذه القضية، وحديثها عنها كما ترون نفي الإيمان، إثبات للفوز والفلاح للفئة المطيعة، تعليق الهداية على طاعته، أمر بطاعة الله وطاعة الرسول ﷺ على سبيل الاستقلال بتكرار الفعل، وتعليق الرحمة: هنا فوز، وهداية، وفلاح، ورحمة، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وتنوع في الأساليب، ومقارنة بين فئة نفى الله عنها الإيمان، رغم أنها زعمت أنها أطاعت الله تعالى ورسوله، وآمنت بهما، وعن فئة استجابت لما قالت والتزمت وانسجمت، وطبقت، وأطاعت، فكان لها الفوز، ولها الفلاح، ولها الهداية، ولها الرحمة. وسورة الأحزاب أيضًا من الآيات التي تضمنت أمرًا بطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ وتحذيرا من مخالفته، في سورة الأحزاب بعد أن يتكلم الله تعالى عن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، الأصناف العشرة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية، وختمها بقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥)، جاء في الآية بعدها وقال -عز من قائل-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦). وأيضًا لنا وقفة مع بلاغة القرآن الكريم، ومع لسان هذا التعبير الذي جاء به القرآن الكريم بهذا الوصف: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦). الآية

стр. 67

قالت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ لم يقل الله تعالى مثلًا، أو لم يكن التعبير القرآني: وما كان لذكر أو أنثى، ولم يكن التعبير القرآني: وما كان لرجل أو امرأة، وما كان التعبير القرآني: "وما كان لبشر"، وكل هذه أو واحدة منها كانت ممكنة في التعبير إذا أراد الله، لكن إيثار الكلام بوصف الإيمان؛ ليدل على أن القضية قضية إيمانية؛ لأن الآية ماذا تقول؟ الآية تنفي الاختيار، أو تسقط حق الاختيار عن المؤمن إذا كان هناك حكم لله تعالى، ولرسوله ﷺ في المسألة، حين يكون هناك حكم؛ فإن الإيمان يطلب أن تستجيب ولا تختار، لا يمكن أن يكون هناك اختيار، لماذا أسقط الله حق الاختيار هنا، وقد يقول قائل مثلًا: إن العقل يقتضي أن يترك لي الخيار في أن أختار بين الأحكام، وأن أختار ما أراه مناسبا؟ لا، هذا لا ينفع؛ لأن الاختيار من ناحية الواقع العملي يكون بين بدائل، يعني: على الأقل يوجد بديلان، فأختار بينهما، وقد يكون الاختيار بين أكثر من بديلين، مثلًا: هذه قطعة أرض، وعدة قطع، أختار هذه أو تلك لأشتريها. مثلًا: هناك أنواع من السيارات، أي نوع أختار لكي أشتريها. عدة بنات معروضة للزواج مثلًا: أتزوج من؟ تستشير، وتستخير، وتطابق من الناحية الشرعية، ثم تختار ما يؤدي إليه اجتهادك من أن هذا أفضل الاختيارات. هذا المعنى وهو مفهوم الاختيار وتطبيقه أن يكون بين بديلين أو أكثر، هل يصلح أن يطبق بهذا المفهوم بين حكم الله ﵎ وحكم غيره؟ هل يجوز أن تعقد مقارنة أو أن يرد على قلب مؤمن أو عقله أن يقارن بين حكم الله تعالى، وحكم النبي ﷺ وبين حكم غيرهما؛ لكي يختار في النهاية ما يراه مناسبا؟ ما هي معايير الاختيار التي سيختار على أساسها؟ أعوذ بالله، القضية من أساسها مرفوضة؛ لأنه عند وجود حكم الله ﵎، وحكم رسول ﷺ فهذا

стр. 68

الحكم هو سيد الأحكام وأعدلها، وقد قلنا قبل ذلك: قول الصحابي، وأمر رسول الله ﷺ خير وأرشد. وقبل ذلك قلنا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤) الحياة الحقيقية، الآمنة، المطمئنة، المتضمنة لكل جوانب الخير. نعم ممكن تكون هناك حياة مليئة بالمتع الدنيوية بعيدة عن المنهج الإلهي، لكن أهل الإيمان لا يتصورون أبدًا أن هذه الحياة المثلى التي يتطلعون إليها لا. هذا أمر معروف عند أهل الإيمان، فلا يمكن لمسلم أبدًا أن يعقد مقارنة بين حكم الله تعالى، وحكم رسوله ﷺ ، إنما المقارنة محسومة لصالح حكم الله تعالى، وحكم رسوله ﷺ ، فلا يوجد أبدًا اختيار انتهى؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ (الأحزاب: ٣٦). والله يبين أن أهل الإيمان لا يمكن أبدًا إلا أن يكون الاختيار واضحًا في ذهنهم، وأنه لصالح حكم الله تعالى، وحكم رسوله ﷺ . ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦) ولذلك لم يكن التعبير القرآن: "وما كان ذكر أو أنثى"، إنما هنا يخاطب أهل الإيمان الذكر والأنثى من أي ديانة أخرى قد يشوش عليهم الأمر، وقد لا يفقهون المسألة في ضوء هذا المعنى الإيماني الرائع، فتختلط عليهم الأمور، لكن أهل الإيمان يعلمون أن حكم الله تعالى، وحكم نبيه ﷺ هما خير الأحكام، وهما أعدل الأحكام، وهما سيدا الأحكام، وأصلا هذه الأحكام جاءت لخيرنا نحن، الله تعالى شرعها لإنقاذنا من الهلكة، وكذلك النبي ﷺ لفوزنا، لفلاحنا، لنجاتنا من النار، وفوزنا بالجنة، كل الأحكام جاءت لصالحنا في ديننا، وفي دنيانا، فكيف يستقيم أن نختار بين هذه الأحكام وبين غيرها مهما كانت الجهة التي صدرت عنها تلك الأحكام؟! بل ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦).

стр. 69

وانظر كلمة "أمرا" جاءت بالنكرة؛ لتشمل كل الأمور، في أمور الدنيا، في أمور الآخرة، في أمور الاعتقاد، في أمور الشريعة، في أمور العبادات، أي أمر من الأمور قضى الله فيه، وقضى فيه رسول الله ﷺ ، فالقضاء لله تعالى، ولنبيه ﷺ ؛ ولذلك ختمت الآية بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦). وختام الآية عجيب، ونحن نعلم من علم البلاغة أن ختام كل آية متعلق بمضمونها، مرتبط بها، وهذا هو التذييل عند علماء البلاغة، تذييل الآية يكون مرتبطا بمضمونها، فلا يمكن أن تختم الآية بختام أو تذيل بذيل لا يتناسب مع مضمون الآية، قصة الأعرابية التي سمعت القارئ يقرأ، ولم تكن تحفظ القرآن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (المائدة: ٣٨) والله غفور رحيم، قالت للقارئ: كذبت؛ لو رحم ما قطع. المرأة بسليقتها البلاغية، بقريحتها الأدبية فهمت أن ختام الآية لا يلتقي مع مضمونها، كيف يتكلم عن قطع، والقطع عقوبة شديدة، ثم تختم الآية بالرحمة؟ لا، إنما الآية فيها عقاب، فختمت ب ـ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨)، عزيز غالب، يفعل ما يشاء، وكل أحكامه لحكمة حتى وإن خفيت عن البعض. إذًا، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) إنما جاءت لتبين أن ورود الاختيار على ذهن مؤمن هو معصية، حتى لو انتهى في نهاية الأمر إلى اختيار حكم الله تعالى، وحكم رسوله ﷺ الأوقات حتى لو كانت لحظات، هذه اللحظات التي قضاها في التردد والاختيار أيطبق هذا أو ذاك، هي لحظات مخالفة للإيمان؛ لذلك كانت معصية شديدة، وختم الله الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) عصمنا الله تعالى من الضلال، ومن الزلل، ومن عدم الفهم لديننا، ومن المعصية.

стр. 70

أيضًا في سورة الأحزاب قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠ - ٧١)، الفوز العظيم ليس فوزًا عاديًّا، إنما هو فوز عظيم ربطه الله تعالى بطاعة الله تعالى، وبطاعة رسوله ﷺ . أقف مع سورة سبأ مثلًا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) وما دام ﷺ هو رسول إلينا جميعًا، فإننا يجب علينا طاعته، وإلا لما أرسله الله لنا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإذن اللَّهِ﴾ (النساء: ٦٤)، لكن أيضًا سأقف مع الآيات الصريحة، وسأنتقل إلى سورة محمد ﷺ ، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣)، تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله، ومع الرسول، والنداء بصفة الإيمان الذي أشرنا إليه قبل، وختام الآية ب ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾؛ للدلالة على أن مخالفة الله تعالى، ومخالفة رسوله ﷺ تبطل الأعمال وتحبطها، وتضيعها -والعياذ بالله-، وتضيع ثمرتها ونتيجتها، ويجدها صاحبها هباء منثورًا يوم القيامة، والعياذ بالله. كل ذلك من الدلالات الخطيرة التي تبين منهج القرآن في وجوب طاعة الله ﵎، وطاعة رسوله ﷺ . إذا انتقلت إلى سورة الفتح بعدها مثلًا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٧). في سورة التغابن: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (التغابن: ١٢) أيضًا تكرار الفعل "أطيعوا"، والنهي عن التولي، قبل ذلك في سورة المجادلة: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المجادلة: ١٣)، دعوة إلى طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ .

стр. 71

ونصل إلى مسك الختام في الآيات التي تحث على الطاعة، وقد تركنا غيرها كثيرًا يعني: في التي لا يكاد يذكر البعض سواها، هي قول الله ﵎ في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، الآية التي استدل بها ابن مسعود ﵁ في الحديث الصحيح المشهور المروي عند البخاري ومسلم حين قال: ((لعن الله النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)). ابن مسعود يلعن المرأة النامصة والمتنصمة التي ترقق حواجبها، والتي تضع وشما على وجهها أو على يديها أو على جبهتها كعلامة للتجميل والتزيين، وتظهر بها أمام الناس ليس لزوجها فحسب، والتي تفلج أسنانها، تبردها بمبرد، أو ما شاكل ذلك، وتجعلها متساوية .... الخ، علامات التجميل التي يعرفها يعلمها الذين يفعلون ذلك لعنهم عبد الله بن مسعود، والحديث ورد موصولًا، مرفوعا، وهو صحيح. المرأة لما سمعت عبد الله بن مسعود يلعن قالت: وما لك تلعن؟ يعني: أنت لست تشرع. هي تسأله يعني: هل يوجد أو يملك واحد غير الله تعالى، والنبي ﷺ أن يلعن أو أن يشرع؟ ما لك تلعن، ولعنك هذا كأنه تشريع؟ لأنك تلعن من فعل كذا وكذا، فقال لها: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: والله لقد قرأت ما بين الدفتين، أو ما بين اللوحين تقصد: أنها قرأت المصحف كاملًا، فلم تجد لعن الله النامصة؛ هي تبحث عن هذا الحديث، وكأنها فهمت أن عبد الله بن مسعود يقصد أنه موجود بنصه وفصه في كتاب الله، فقالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين، أو ما بين دفتيه -تقصد: المصحف من أوله إلى آخره- فلم أجد هذا. قال لها: أما إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، ألم تقرئي قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الر َّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، أمر من الله تعالى بأن كل ما يأمرنا به نقول: سمعنا وأطعنا، وأن كل ما ينهانا عنه نجتنبه في طاعة أيضًا مطلقة لرسول الله ﷺ .

стр. 72

بنفس الاختيار الذي ذكرناه في سورة الأحزاب، أية التخيير أيضًا التي في سورة الأحزاب، حتى العلماء يسمونها آية التخيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٨)، يخيرهن رسول الله ﷺ بين هذا الأمر: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٩)، هذه الآيات يسمونها: آيات التخيير؛ لأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يخير أزواجه بين البقاء معه على ما هو عليه، أو بين أن يمتعهن، ويسرحهن يعني: يطلقهن، ويعطهن حقوقهن من متعة وغيرها، وهكذا فالأمر محسوم بالنسبة لأمنا عائشة بدأ بها، وقال لها: ((لا تجيبي حتى تستأمري، أو حتى تستشيري أبويك. قالت: أفيك أستشير يا رسول الله!)) القضية محسومة هذه قدوة حين يكون حكم لله ﵎ أو حكم لرسوله ﷺ فإن المؤمن أبدًا لا ترد على باله أو على عقله قضية الاختيار من أساسها، بل الأمر محسوم لصالح حكم الله تعالى، وحكم رسوله ﷺ . الآيات التي نهت عن مخالفة النبي ﷺ - الآيات التي نهت عن مخالفته ﷺ : إذا جئت إلى سورة النساء، وكنا قد تكلمنا عن آيات المواريث ختمها الله تعالى بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (النساء: ١٣). ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ (النساء: ١٤) هذا هو النهي عن المخالفة ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأحزاب: ٣٦) ويتجاوز حدوده لا

стр. 73

يطبقها، وهي تشريعاته التي حدها الله لعباده يهدده الله تعالى بجهنم، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٤)، انظروا إلى عقاب المخالفين، حتى مهما يقول: إنني أمنت بالله وبرسوله، ثم يوزع الميراث مثلًا بهواه، مخالفا في ذلك حكم الله تعالى، وحكم نبيه ﷺ . وفي سورة النساء أيضًا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥)، مشاققة الرسول ومخالفته كلها شر بلاء ووباء على من يقع فيها، والعياذ بالله. حتى هنا يعني: ذكر الرسول وحده ﷺ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥). وإذا ذهبت إلى سورة الأنفال، الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأنفال: ١٣) هو يتحدث عن الكفار ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: ٤)، تحذير بعقاب شديد، مهين مؤلم لمن وقف موقف المعاندة والمشاققة، والمخالفة لما جاء من عند الله ﵎، وما جاء من عند رسول الله ﷺ . في سورة التوبة: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ٦٣)، نار جهنم خالد فيها وله خزي، وليس خزيا عاديا، إنما هو خزي عظيم والعياذ بالله، كل ذلك من جزاء المخالفين المبتعدين عن هديه ﷺ . في سورة النور: ﴿فَلْ يَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) فليحذر الذين يخالفون عن أمره، يعني: لا ينبغي أن

стр. 74

يصدروا في أي شأن من شئونهم إلا عن أمره ﷺ ، يعني: يردون مورده، ويشربون تشريعه، ولا يبتعدون عن ذلك قيد أنملة. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (النور: ٦٣)، وفسر الفتنة بما شئت: ابتلاء، عذاب، هي كل ذلك من معانيها، خزي في الدنيا، وفي الآخرة، كل ذلك من معاني الفتنة، والعياذ بالله، وقد خصت بالكفر أيضًا. "تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" كل ذلك من جزء ينتظر الذين يخالفون رسول الله ﷺ ، ولا يصدرون عن أمره في كل شأن من شئون حياتهم. إذا انتقلت إلى سورة محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: ٣٢)، مشقاقتهم للرسول لن تضر الله تعالى ولا رسوله ﷺ شيئا، وإنما الخسارة ستعود عليهم، وسيحبط أعمالهم. وأيضًا في سورة الفتح ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٧). وفي سورة المجادلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (المجادلة: ٥)، كبتوا يعني: هزموا، باءوا بالخسران، وبالكبت، وبالضيق، أحاط بهم البلاء والوباء من كل جانب، وضربت عليهم الذلة، كما في الآية أيضًا في سورة المجادَلة أو المجادِلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: ٢٠) هؤلاء من بين الأذلة الذين ألبسهم الله لباس الخزي والندامة، والمذلة والمهانة، والخسران في الدنيا وفي الآخرة. هل بسرعة سريعة نتذكر الآن الجزاء للمخالفين من خلال الآيات التي ذكرت: كبت، ومذلة، وخزي، ونار خالدين فيها، وعذاب عظيم، وأكثر من ذلك: تصيبهم فتنة،

стр. 75

يصيبهم عذاب أليم، تهديد بالعقاب الشديد، بعد كل ما ذكر، فإن الله شديد العقاب، نوله ما تولى، نتركه إلى ما اختار، ونصليه جنهم وساءت مصيرا، كل ذلك من جزء المخالفين، والعياذ بالله ﵎. فانظر إلى الآيات القرآنية التي تنوعت ما بين آيات حثت على الطاعة، وأيضًا تنوعت في أساليبها في الدعوة إلى الطاعة، وما بين آيات حذرت من المخالفة. الأدلة من السنة على وجوب اتباع السنة إذا انتقلت إلى السنة المطهرة لأستدل من خلالها على وجوب اتباع السنة -يعني: الأحاديث الشريفة- فسأجد جملة من الأحاديث، وسأذكر بعضها فقط، يعني: كإشارة إلى غيرها من الأحاديث: في الحديث عند البخاري: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى))، هذا حديث رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب: الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ . كل الأمة يدخلون الجنة إلا من أبى، سماها النبي ﷺ إباء، معصية النبي ﷺ سماها النبي ﷺ إباء، إعراضا، توليا، جحودًا، بعدًا. وأيضًا روى البخاري، ومسلم -رحمهما الله تعالى- من حديث أبي هريرة أيضًا، وهو عند مسلم وغيره، جزء من حديث: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)). هذا رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام، أيضًا باب: الاقتداء بسنة النبي ﷺ ، ورواه مسلم في الحج في سياق طويل، النبي ﷺ يقول: ((أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا. قام رجل فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ يعني: هل يجب علينا الحج في كل عام؟
следующие страницы →