Полный текст (394 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الصحيفة ثمانية وثلاثون ومائة حديث، وبإسناد واحد الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إذن درجتها في الصحة واحدة؛ لأن إسنادها واحد، ومع ذلك أخرج البخاري ومسلم بعضها، ولم يخرجا كل أحاديثها؛ ليدل ذلك على أنهما لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، لكن أيضًا ضم هذه الصحيفة إلى الصحائف التي تكلمنا عنها لعلي ولعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما.
أيضًا من الصحابة الكاتبين عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله تعالى عنه- المتوفى بالكوفة سنة ٨٧ هجرية، لقد كتب كتابًا إلى عمرو بن عبيد الله بن معمر القرشي، أمير فارس، عندما وجهه عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنهما- إلى حرب الأزارقة، وقد قرأ هذا الكتاب سالم أبو النضر مولى عمرو وكاتبه، وقد حدث بما فيه من أحاديث، وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه بعضها.
ومن أحاديث هذه الصحيفة ما رواه البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر، مولى عمرو بن عبد الله، وكان كاتبًا له، كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته أن الرسول ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس. ثم قام في الناس فقال: ((أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ثم قال: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) هذا الحديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الجهاد، باب الصبر على القتال. ورواه أيضًا في مواطن أخرى من صحيحه؛ ليدل على أن هذه الصحيفة كتبت أيضًا بها جملة من الأحاديث النبوية.
стр. 142
والخليفة الأول أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- كتب شيئًا من السنة أيضًا، فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر بها الله ورسوله ﷺ : "من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه". وتفاصيل مقادير الزكاة طويلة، وهذا أيضًا رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل. والمهم أنها صحيفة، كتبها أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- لأنس بن مالك، رضي الله تعالى عن الجميع.
ومن الصحابة الكاتبين أبو رافع مولى رسول الله ﷺ وكان له كتاب، جمع فيه بعض الأحاديث عن النبي ﷺ ودفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي، أحد التابعين الأجلاء، وأحد الفقهاء السبعة، ورواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك، لا شريك لك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، ولا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك)) ثم يقرأ. يعني يقرأ الفاتحة، ويقرأ القرآن. هذا رواه الإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وحتى بها بعض الزيادات الأخرى التي لم يذكرها هنا.
وكان أنس -رضي الله تعالى عنه- من الصحابة الكاتبين، وقد قابله عتبان بن مالك، فكتب عنه أنس حديث زيارة النبي ﷺ له، نص الحديث عند مسلم -رحمه الله تعالى- فيما رواه بسنده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك ﵃ أجمعين- رواية ثلاثة من الصحابة عن بعضهم، من لطائف الإسناد هنا.
стр. 143
قال أنس: قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك. يعني أريد أن أسمعه منك، وأن ترويه لي قال أي عتبان: "أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله ﷺ أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي" يعني: عتبان أصابه في بصره بعض المرض، فلا يستطيع أن يستمر على صلاة الجماعة في المسجد بشكل مستمر، فأراد أن يتخذ لنفسه في بيته مسجدًا، وأن هذا المسجد يشرف بصلاة رسول الله ﷺ فطلب من النبي العظيم ﷺ أن يأتيه إلى منزله، وأن يصلي في مكانه؛ ليتخذه مصلى له بعد ذلك، وصلى عنده النبي ﷺ وتم هذا الأمر.
هو حديث طويل، وفي آخره محل الشاهد فيه، قال أنس ﵁: "فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه فكتبه" هذا رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.
كان الناس إذا أكثروا على أنس بن مالك ﵁ طلبًا للسماع يلقي إليهم كتبًا ويقول: هذه كتب سمعتها من رسول الله ﷺ وكان يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب. هذا النص "قيدوا العلم بالكتاب" ورد مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ وورد موقوفًا على كثير من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وأنس وغيرهم، وقد استعرض ذلك كله الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- في كتابه (تقييد العلم).
والمهم أن أنسًا كتب الحديث، وأنه كانت عنده كتب أخرى يلقيها إلى طلابه، ويقول لهم: "هذه كتب سمعتها من رسول الله ﷺ " وكان يوصي أبناءه بأن يستعينوا بالكتابة "قيدوا العلم بالكتاب" أي: احفظوه وسجلوه ودونوه لكي لا يضيع، قيدوا العلم بالكتاب هذا ورد مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ وهناك مناقشات للعلماء في درجته،
стр. 144
وأيضًا ورد موقوفًا على كثير من الصحابة، وهذا الورود يدل على أنها أصبحت قاعدة علمية عندهم أن يقيدوا العلم بالكتاب، وأن يحافظوا عليه من ضياعه بالتسجيل بين دفتي الصحائف حتى لا يضيع.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: الصحابي الجليل سعد بن عبادة، وقد روى الترمذي -رحمه الله تعالى- قال ربيعة: وأخبرني ابن سعد بن عبادة قال: وجدنا في كتاب سعد "أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد" وهذا رواه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد.
وابن حجر في (تهذيب التهذيب) يجزم بأن سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- كان من كتاب الجاهلية، ونص ابن حجر في ذلك نقلًا عن ابن سعد، وهذا كلام ابن حجر عن سعد بن عبادة: "كان في الجاهلية يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي، وكان من أحسن ذلك يقال له الكامل".
إذن سعد له كتاب كتبه عن النبي ﷺ أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد، وقضية القضاء باليمين والشاهد قضية فقهية معروفة، ولها أدلتها، ولها مناقشاتها في كتب الحديث والفقه معًا.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: سمرة بن جندب -رضي الله تعالى عنه- قد جمع أحاديث كثيرة في صحف عنده، ورثها عنه ابنه سليمان، ورواها عنه، وهي كما يقول أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- في مقدمة تحقيقه لـ (فتح الباري) طبعة كانت طبعتها الأهرام في السبعينات يقول: "وهي على ما يظن الرسالة التي بعثها سمرة إلى بنيه، ومن أحاديثها: "بسم الله الرحمن الرحيم من سمرة بن جندب إلى بنيه، إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نصلي كل ليلة بعد المكتوبة ما قل أو كثر، ونجعله وترًا".
стр. 145
قال ابن سيرين عن هذه الصحيفة: "في رسالة سمرة بن جندب إلى بنيه علم كثير" كلام ابن سيرين هذا ذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب) وهو يترجم لسمرة بن جندب -رحمه الله تعالى-.
وقد قال أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- عن هذه الصحيفة: وصلت هذه الرسالة كاملة إلى الحسن البصري، المتوفى سنة مائة وعشر للهجرة، وكان يعتمد عليها في روايته، ويبيح نسخها لمن يشاء، ويستمع إلى من يرغب في قراءتها عليه، وجاء في كتاب (العلل ومعرفة الرجال) لأحمد بن حنبل عن ابن عوف قال: "وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه".
والإمام النسائي -رحمه الله تعالى- روى في كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، ورواه الترمذي أيضًا في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة من أحاديث صحيفة سمرة هذه عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)).
أيضًا من الصحابة الكاتبين: عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وكان عند كريب مولى ابن عباس كتب كثيرة من كتب ابن عباس، ولقد تعددت الروايات وذكر عدد منها أن كريبًا حمل من عند ابن عباس حمل بعير من الكتب، نتصور حمل بعير في ذاك الزمان من الكتب يعني مكتبة ضخمة جدًّا بمقاييس ذاك الزمان السالف، خصوصًا مع قلة أدوات الكتابة، وقلة الكاتبين، فكون واحد من الصحابة ﵃ يعني عنده مكتبة حمل بعير من الكتب، هذه مكتبة ضخمة جدًّا أكثر من ضخمة.
وكان علي بن عبد الله بن عباس يبعث إلى كريب إذا أراد كتابًا من كتب أبيه، فيبعث كريب إلى علي بما يريد، فينسخها ثم يردها إلى كريب مرة ثانية، وكأن
стр. 146
كريبًا هذا كان هو أمين المكتبة المسئول عنها أمام الله تعالى، فكان الذي يريد كتابًا يستعيره، ويأخذ منه ما يريد ثم يرده إلى كريب مرة أخرى، لم يستثن أحد من ذلك، وعلي بن عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين- كان يفعل ذلك.
الدكتور صبحي الصالح -رحمه الله تعالى- في كتابه (معرفة علوم الحديث) يقول عن كتب ابن عباس هذه: "ويتعاقب الناس على الرواية عنها، والأخذ منها، حتى امتلأت كتب التفاسير والحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته، ولكننا مع ذلك لا نستطيع تحديد الزمن الذي تلقى فيه تلك الصحائف، ولا الصورة التي تلقيت عنها لأن الصحائف ليست موجودة، لكن خبرها موجود في بطون الكتب.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- كانت له حلقة في المسجد النبوي يلقي فيها إلى تلاميذه من كتبه، وأيضًا كان له منسك في الحج، كتاب في الحج، وأوسع الروايات التي وصفت حجة النبي ﷺ في حجة الوداع هي رواية جابر بن عبد الله، تصف الحجة التي أداها رسول الله ﷺ من أول أن أذن النبي ﷺ في الناس أنه يريد الحج من عامه هذا إلى أن انتهت الرحلة المباركة، وعاد النبي ﷺ إلى المدينة.
هذه الرواية رواها الإمام مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ وصف الحجة من أولها إلى آخرها، كما قلت، منذ كانت فكرة أو يعني لم يشرع في العمل بعد، النبي ﷺ يريد الحج من عامه هذا، فأذن في الناس جميعًا في المدينة وفي حواليها؛ لكي يشرف بالمشاركة من يريد أن يصاحب النبي ﷺ وفعلًا الروايات تعددت في عدد الصحابة الذين حضروا تلك الحجة المباركة، وبعضهم وصل بهم إلى أربعة عشر ومائة ألف صحابي رضي الله تعالى عنهما.
стр. 147
أيًّا كان العدد محل الشاهد أن جابرًا كان له منسك مكتوب في الحج، ووصفه للحج هو أوسع وصف لحجة النبي ﷺ .
أيضًا ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الإصابة) في جزء ٥ ص٨٦ يذكر في ترجمة أبي ريحانة الأزدي من الصحابة الذين نزلوا الشام ومصر، يقول: "كانت له صحف، وهو أول من طوى الطومار والطومار هو الصحيفة، يجمع على طوامير؛ إذن له أيضًا صحيفة، هذا الكلام أثبته ابن حجر -رحمه الله تعالى-.
كل تلك الصحف السابقة التي أشرنا إليها، هذا غيض من فيض، ونقطة من بحر، والصحائف كثيرة، إنما أردنا فقط ذكر بعضها للإشارة أو للاستدلال على أن السنة بدئ في تدوينها منذ عصر النبي ﷺ .
وهذه الصحف التي أشرنا لعبد الله بن عباس، ولعلي بن أبي طالب، ولعبد الله بن عمرو بن العاص، وصحيفة همام بن منبه، وأبي رافع، وعبد الله بن أوفى، إلى آخر وأنس وجابر، كل هؤلاء غير تلك الصحف التي كان فيها بعض من أقوال النبي ﷺ والتي كان يكتبها لهم في أي مناسبة من المناسبات.
ومن ذلك ما يرويه ابن أبي ليلى عن عبد الله بن حكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب)) هذا الحديث رواه الإمام الحاكم في (معرفة علوم الحديث) أثناء حديثه عن النوع الحادي والعشرين من علوم الحديث، وهو معرفة ناسخ الحديث من منسوخه. وقال عن هذا الحديث: إنه منسوخ بحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بشاة ميتة فقال: ((هل انتفعتم بجلدها)) قالوا: يا رسول الله إنها ميتة. قال: ((إنما حرم أكلها)).
بعض الأحاديث تتناول أحكامًا فقهية أو عقدية أو ما شاكل ذلك، إذا استطردنا إلى توضيحها يطول بنا المقام جدًّا، لكننا نقتصر على يعني محل الشاهد، وهو أنها كانت صحيفة مكتوبة "قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ ".
стр. 148
وأيضًا من الكتب التي كتبها رسول الله ﷺ أو أمر بكتابتها بالأدق: الصحيفة المشهورة التي تضمنت العلاقة بينه وبين اليهود بالمدينة، وهي صحيفة هامة جدًّا، بها حقوق المسلمين المهاجرين والأنصار، وعرب يثرب واليهود في المدينة، وتكررت فيها كلمة أو لفظة الصحيفة خمس مرات، وجاء في مقدمة هذا الكتاب: ((هذا كتاب محمد النبي رسول الله ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين)) إلى آخر نص الصحيفة، وهي موجودة في (سيرة ابن هشام) وهي موجودة في كل كتب السيرة، وهي تتكلم عن هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، ومن أوائل الأشياء التي فعلها النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة أنه قام بتسجيل تلك الصحيفة مع اليهود؛ لينظم العلاقة بين أهل الديانات المتعددة حين يتساكنون في وطن واحد.
وهذه الصحيفة بها من الفوائد الفقهية والعقدية والتربوية والسياسية ما لا يعد ولا يحصى، بل إننا نطلب من الدعاة أن يحفظوها؛ لأنها تمثل العلاقة بين أهل الديانات المختلفة كما قلت حين يكونون أبناء وطن واحد، تنظمها في منتهى الدقة، وتبين لكل طرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات.
وكتب رسول الله ﷺ كتابًا لوائل بن حجر لقومه في حضرموت، حدد له فيه الملامح الرئيسية، ومعالم الإسلام، وكتب أيضًا له في هذا الكتاب بعض الأحكام من الزكاة، وفي حد الزنا وتحريم الخمر، وبيان أن كل مسكر حرام، وهو كتاب طويل وهذا ذكره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في كتاب (الإصابة).
كل هذه صحائف كتبت بعد إذن النبي ﷺ بالكتابة، ومنها ما أمر النبي ﷺ -
стр. 149
بكتابتها، ومنها ما كتبه أبو بكر، ومنها ما كتبه الصحابة جميعًا، يعني كثير من الصحابة كما ذكرنا.
وأيضًا كل ذلك غير تلك الصحف التي كان يكتبها الصحابة لأنفسهم ولغيرهم، من ذلك مثلًا الصحيفة التي ذكرناها كتبها أبو بكر لأنس بن مالك في السفر، ﵃ أجمعين.
ومنها ما رواه ابن سعد -رضي الله تعالى عنه- قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في جراب سيفه كتابًا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي ﷺ يقول: ((وإن لربكم في أيامكم دهركم لنفحات فتعرضوا لها)) هذا الحديث رواه الرامهرمزي في كتاب (المحدث الفاصل) في ص١١٢ وذكر الهيثمي -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في (مجمع الزوائد) في كتاب الزهد باب التعرض لنفحات رحمة الله تعالى، عن محمد بن مسلمة، وعزاه للطبراني في الكبير، وفي الأوسط.
وكتبت سبيعة الأسلمية إلى عبد الله بن عتبة، تروي عن النبي ﷺ أنه أمرها بالنكاح بعد قليل من وفاة زوجها بعدما وضعت. هذا أيضًا رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير، وفي كتاب الطلاق، ورواه مسلم في كتاب الطلاق، باب عدة المرأة المتوفى عنها زوجها. وغيرهم رواها أيضًا.
كل هذه الأدلة، وغيرها من الذي لم نذكره؛ تؤكد لنا في جزم ويقين أن العصر النبوي المبارك لم يكد ينتهي إلا وقد شرع في تدوين السنة، بل تم تدوين كثير منها في صحائف وكتب.
هذه حقيقة علمية، توصل إليها كثير من الباحثين، نكمل حديثنا عنهم إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 150
الدرس: ٩ شبهة حول تدوين السنة (٣) - الحديث المتواتر .
стр. 151
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(شبهة حول تدوين السنة (٣) - الحديث المتواتر)
استكمال الأدلة على تدوين السنة في عصر النبوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزوجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنستطيع أن نقرر بعد كل هذا الاستعراض أن العصر النبوي الكريم لم يكد ينتهي إلا وقد شرع في تدوين السنة، بل بفضل الله تم تدوين جزء منها في صحائف وكتب نستطيع أن نقرر أن هذه حقيقة علمية توصل إليها كثير من الباحثين.
يقول أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- في أول سطور تحقيقه لكتاب (فتح الباري) طبعة الأهرام التي أشرنا إليها قبل: "من الحقائق المطوية في الكتب أن الأحاديث النبوية قد دونت في حياة النبي ﷺ وفي حياة صحابته، فكان لبعض الصحابة كتب تشتمل على ما سمعوا من أحاديث كتبوها بأيديهم، وكتبها عنهم من سمعها منهم، وقد شارك الرسول ﷺ في تدوين سنته بإملائه على كتّابه ما أملى، من كتب في الفرائض وغيرها، أو أرسلها إلى من رأى إرسالها إليهم؛ لتكون تبصرة وتذكرة فيما افترض من ألوان أو فيما افترض من ألوان الفرائض أو أدبهم به من سنن الأدب" هذا كلام الشيخ في أول تحقيق للكتاب.
يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب، وله رسالته التي حصل بها على درجة التخصص في "الماجستير" كانت في هذا الموضوع من كلية دار العلوم، وأصبحت مرجعًا هامًا متداولًا في الأسواق الآن، جزاه الله تعالى خيرًا عنها، عن قضية تدوين السنة بالذات، عنوان الرسالة "السنة قبل التدوين" يقول في تعليقه على صحيفة همام: "ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف؛ لأنها حجة قاطعة، ودليل ساطع على أن الحديث النبوي كان قد دون في عصر مبكر، وتصحح الخطأ الشائع أن الحديث لم يدون إلا في أوائل القرن الثاني الهجري".
стр. 152
ويقول الدكتور صبحي الصالح -رحمه الله تعالى-: - بعد أن استعرض الأدلة على كتابة السنة منذ مرحلة مبكرة، يقول: "ليس علينا إذن أن ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى كما هو الشائع بشيء اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه.
وليس علينا أن ننتظر العصر الحاضر؛ لنعترف بتدوين الحديث في عصر مبكر جريًا وراء بعض المستشرقين كـ"جولد تسيهر" و"شبرنجر" لأن كتبنا ووثائقنا وأخبارنا التاريخية لا تدع مجالًا للشك في تحقيق تقييد الحديث في عصر النبي ﷺ نفسه، وليس على رأس المائة الثانية للهجرة، كما يمن علينا هذان المستشرقان، وهي تنطق فوق كل ذلك بصدق جميع الوقائع والأحوال والسير والتصرفات، التي تنطوي عليها الأحاديث الصحاح والحسان في كتب السنة جميعًا لا في بعضها دون بعض، كما يظن دوزي" ودوزي اسم مستشرق.
بعد وفاة النبي ﷺ لم يقل اهتمام الصحابة أبدًا بدراسة السنة، ولا بتدوينها، بل ظلوا على ذلك إن لم يكونوا قد زادوا من جهودهم، بل بالقطع نستطيع أن نقول: إن الصحابة قد زادوا من جهودهم لأن مسئولية الحفاظ على الدين بمصارده من قرآن وسنة قد انتقلت إليهم، الحفاظ والتوضيح معًا، وتوضيح الدين للناس وخصوصًا تلك الأمم التي دخلت في الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ أصبح معلقًا بهم وعلى مسئوليتهم؛ لأن الوحي قد انقطع، كما أن النبي ﷺ لم يعد بين ظهرانيهم.
وهناك محفزات أخرى كانت لهم تدعوهم إلى مضاعفة الجهد في سبيل نشر السنة وحفظها والعمل على تقييدها، كما سنذكره بعد قليل.
إذن من هذا الاستعراض نستطيع أن نقول: إن السنة كما ذكر ذلك الذين قرأنا
стр. 153
من كلامهم، الشيخ سيد صقر، والشيخ محمد عجاج الخطيب، والشيخ صبحي صالح، وغيرهم كثير كثير، هذه قضية تعرض لها كثير من الباحثين المحدَثين، والحمد لله ثبت بالأدلة أن السنة بدئ في تدوينها منذ عصر النبي ﷺ كما قلنا وبإذن منه.
إذن لا حاجة بعد ذلك أن نتوقف في تأكيد هذه الحقيقة العلمية بعدما ثبتت بالأدلة القاطعة.
إذن الذين يثيرون الشبهات، ويثيرون الغبار حول تدوين السنة، ويعددون الشبهات حولها فيقولون مثلًا: إن النبي ﷺ لم يأذن بكتابة السنة أو لم يكتب السنة، حتى هم لا يتكلمون الآن عن قضية تأخير تدوينها، ويشككون فيها هناك شبهة التي نرد عليها أنها تأخر تدوينها، وأنها طوال القرن الأول كله الهجري كله لم تكن مكتوبة، كما ذكرنا، فنحن رددنا على ذلك.
هم يثيرون شبهًا أكثر من هذا، تتعلق أيضًا بتدوين السنة يقولون: إن النبي ﷺ لم يأمر بكتابة السنة، إذن هو لا يريد أن يكون هناك شيء آخر مع القرآن، هو انتقل من التشكيك في تدوين السنة إلى التشكيك في حجية السنة ذاتها، لو كانت السنة حجة لأمر النبي ﷺ بتدوينها منذ أول الدعوة، وهذا أمر رددنا عليه بالأدلة، يعني قضية حجية السنة نحن أفردنا لها بعض المحاضرات، وأثبتناها كقضية قرآنية وعقدية وإيمانية. لكن ما يتعلق بتدوين السنة.
قلت منذ قليل: إن الصحابة كان لهم محفزات أخرى لمزيد من الاهتمام بالسنة، منها الأحاديث الكثيرة يعني حين يقول النبي ﷺ ليبلغ الشاهد الغائب، وهذا حديث رواه الإمام البخاري في خطب الوداع، قال: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) ليبلغ: فعل مضارع اقترن بلام الأمر، فيفيد الوجوب، التبليغ واجب على كل قادر عليه، تبليغ القرآن، تبليغ السنة ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج)) ((نضر الله امرأ سمع منا حديثًا)) وقد ذكرنا هذه الأحاديث بتخريجها قبل ذلك.
стр. 154
كل هذه أوامر نبوية، تدل على ضرورة الاهتمام بالسنة أيناقش أحد بعد ذلك في أن عدم كتابة السنة في حياة النبي ﷺ تدل على أنها ليست حجة؟ نحن رددنا على هذه الشبهة من وجهين: الأول: إثبات أن السنة دونت بإذن من النبي ﷺ في آخر حياته، وأن كثيرًا من الصحابة كتبوا.
ونرد على الجانب الثاني من الشبهة بأن النبي ﷺ لو كانت حجة لكتبها؟ ها هو قد كتبها، وها نحن أثبتنا كتابتها، وأيضًا نرد بأكثر من هذا بكل الأحاديث التي تدل على أنه أمرهم وحثهم على ضرورة العناية بالسنة المطهرة، هذه محفزات النبي ﷺ ذكرها لهم، ((نضر الله امرأ سمع مقالتي وأداها كما سمعها، ورب مبلغ أوعى من سامع)) وفي رواية ((فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) هذه الرواية رواها الإمام الترمذي في كتاب العلم، باب الحث على تبليغ السماع.
ورواه أبو داود أيضًا في كتاب العلم، باب نشر العلم، ورواه ابن ماجه في المقدمة، ورواه الدارمي في المقدمة باب الاقتداء بالعلماء، كل ذلك يعني النبي ﷺ يدعو بنضارة الوجه لمن أدى حديثًا واحدًا، فكيف بمن قام بدور كبير في صيانة السنة، ولم الاهتمام بالسنة إذا لم تكن حجة؟ كما يقول هؤلاء، ولم الحث على روايتها؟ ولم الأمر بأن يبلغها الشاهد الذي سمع للغائب الذي لم يسمع؟ سواء كان ذلك في حياة النبي ﷺ أو بعد حياته ﷺ ((ليبلغ الشاهد الغائب)) ليست مقصورة على حياة النبي ﷺ نعم هو قالها، وهو في حجة الوداع معهم، لكن الأمر إلى يوم القيامة.
كل من علم حديثًا وحفظه وفهمه، وتلقاه عن أشياخه، عليه أن ينقله إلى الأمة من بعده؛ لأن كل حديث عن النبي ﷺ إنما هو جزء من هذا الدين، وهذه قضية أخرى.
стр. 155
أيضًا النبي ﷺ في الرواية لا يحث على التبليغ فقط، يحث على فهم الأحاديث والعمل بما فيها من أحكام، وإلا فما فائدة جملة ((فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) لماذا يوصي النبي ﷺ بالتمسك بالسنة، يعني بسنته هو وبسنة الخلفاء الراشدين المهديين، والعض عليها بالنواجذ عند الاختلاف وغير الاختلاف ((فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) وكنا خرجنا هذا الحديث قبل ذلك.
أنا لا أحب أن أستعمل أوصافًا شديدة في حق المخالفين، واحد من الذين يجادلون، النبي ﷺ يقول: ((قد تركتكم على المحجة البيضاء أو على البيضاء ليلها كنهارها)) ويجوز ليلها كنهارها على أنها بدل من البيضاء ((لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)) هذا جزء من حديث طويل، أخرجه ابن ماجه في سنته في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة، باب ذكر قول النبي ﷺ "تركتكم على مثل البيضاء، وتحذيره إياهم بأن يتغيروا عما يتركهم عليه".
والله هناك خوف على من يزيغ عن السنة أن يكون من الهالكين، نسأل الله تعالى السلامة لنا ولكل المسلمين، وأن يرد كل شارد إلى الحق ردًّا جميلًا، وأن يعيده إليه عودًا حميدًا، وأن يبصر الأمة بما عليه سلفها الصالح من اعتقاد حجية السنة، وأنها كالقرآن الكريم في التشريع، وأنها المصدر الثاني، وأننا نستمد منها أدلتنا كما نستمد من القرآن الكريم تمامًا.
وأيضًا سبق لنا أن ذكرنا الحديث الذي رواه الحاكم وغيره ((إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ أو وسنتي)) كما في بعض الروايات.
стр. 156
وبذلك ننتهي من الحديث عن قضية تدوين السنة، وأنها لا تشكل شبهة أبدًا يعول عليها أعداء الإسلام، بل ثبت بالأدلة القاطعة أن النبي ﷺ أذن للبعض، أو أذن للمسلمين أن يكتبوا السنة عن النبي ﷺ وذكرنا واستعرضنا الحقائق التي أثبتت ذلك.
مراحل كتابة الحديث
بعد كل هذا الاستعراض نقول: إن مكتبة الحديث أو كتابته مرت بالمراحل التالية: كتابة الأحاديث، وفيها سجلت الأحاديث في هذه المرحلة في كراريس، في صحف؛ يعني الواحد منها اسمه الجزء أو الصحيفة، تمت هذه المرحلة في عصر الصحابة، وأوائل التابعين.
والمرحلة الثانية تدوين الحديث، وهي مرحلة ضمت فيها تلك التسجيلات متفرقة، وتم هذا في أواخر القرن الأول الهجري مع أوائل القرن الثاني، ثم جاء تصنيف الحديث؛ أي المصنفات التي كتبت وفق مناهج متعددة، فمنهم من رتبها على كتب وأبواب، ومنهم من رتبها على مسانيد إلى آخره، وهذه بدأت مع الربع الثاني من القرن الثاني الهجري؛ يعني لم تتأخر.
عندنا أجزاء حديثية وعندنا كتب كثيرة، وموطأ الإمام مالك قلنا: إنه كتب قبل وفاة أبي جعفر المنصور -رحمه الله تعالى- لماذا؟ أبو جعفر المنصور انتهت خلافته سنة ١٥٨ هجرية، والإمام مالك عرض عليه (الموطأ) أثناء خلافته، وأبو جعفر اقترح على الإمام مالك أن يجعل (الموطأ) الأصل لدى كل المسلمين، وأن يحرق كل ما سواه، ولم يقبل ذلك الإمام مالك، وقال له: إن صحابة رسول الله ﷺ قد تفرقوا في الأمصار، وأصبح في بعض البلاد علم لم يكن عند علم أهل البلاد الأخرى وفقًا لتفرق الصحابة في الأمصار، فلم يقبل أن يكون كتابه هو القائد
стр. 157
وحده، وإنما علم أن هناك أحاديث كثيرة خارج دائرة (الموطأ) تناقلها الصحابة إلى البلاد، أو نقلها الصحابة إلى البلاد الذين دخلوها، وأقاموا بها.
في تصنيف الحديث كما قلنا، صنفت الكتب على الأبواب، وعلى المسانيد إلى آخره، وبالتالي نستطيع أن نتأكد من الرد على هذه الشبهة، وأن الحقيقة الساطعة هي أن السنة قد دونت خلال عصر النبي ﷺ والصحابة من بعده، وأوائل التابعين، صحيح أنها في صحف وأجزاء، لكنها على أي حال قد دونت، وأنه قد تلت ذلك مرحلة تالية، وهي مرحلة طبيعية تترتب تلقائيًّا على المرحلة الأول، وهي مرحلة نسميها مرحلة التكوين أو الجمع، وهي ضم هذه الصحائف المتفرقة لتكون مع بعضها يعني نسيجًا في خدمة السنة المطهرة، ثم ندخل بعد ذلك إلى عصر المصنفات، وبالتالي لا يمكن لا عقلًا، ولا واقعًا أن يأمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة، فلا تكون هناك جهود موجودة قبل ذلك، هذا مخالف لسنة الله في تكوين العلوم.
إن المراحل التي يمر بها العلم سبحان الله كنشأة الأطفال تمامًا، جنين ثم يعني حمل، ثم كذا ثم يولد طفلًا رضيعًا صغيرًا إلى أن يكبر.
عمر بن عبد العزيز يمثل مرحلة النضج، مرحلة تدوين السنة في مرحلتها الأخيرة، وحتى كلام عمر بن عبد العزيز يعطي في طياته الدليل على ذلك.
عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- يعلم أن الأمة الإسلامية، أو أن الساحة تمتلئ بكثير من الصحف، هو تولى الخلافة يعني إذا أردنا أن نفهم الظروف التي أدت إلى أمره بجمع السنة، يقول: اجمعوا وليس دونوا أو اكتبوا، "اجمعوا أحاديث الرسول ﷺ فإني خفت دروس العلم وموت العلماء".
عمر بن عبد العزيز يحكم دولة نستطيع أن نعتبرها أنها كانت نصف الكرة
стр. 158
الأرضية الموجودة في ذاك الزمان السالف، من حدود الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، ومن أواسط روسيا شمالًا إلى نيجيريا جنوبًا، هذا من حيث اتساع الدولة.
عمر بن عبد العزيز وجد، وقد أوشك عصر الصحابة أن ينتهي من ناحية الوجود، ومن ناحية التأثير العلمي يعني صحيح أن عصر الصحابة امتد بعد عمر بن عبد العزيز إلى سنة ١١٠ هذا من الناحية التاريخية اتفاقًا، لكن الحقيقة أنه لم يكن قد بقي إلا الواحد بعد الواحد، عصر الصحابة نستطيع أن نقول: انتهى من الناحية السياسية من قيادة الأمة سنة ٦٠ هجرية بموت معاوية ﵁ وبقي تأثيرهم العلمي إلى قرابة نهاية القرن الأول؛ لأنه حين توفي معاوية ﵁ كان جملة من الصحابة لا زالوا أحياء.
منهم خمسة من السبعة المكثرين: ابن عباس وابن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وكان أيضًا هناك جملة من الصحابة الآخرين: عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، وعبد الله بن عمرو بن العاص، موجودون، ولهم نشاطهم العلمي، وهم الأساتذة في العالم الإسلامي كله.
لما انتهت هذه الظروف عمر بحاسته الإيمانية القوية خاف -بعد انتهاء جيل الصحابة- أن يضيع شيء من العلم من السنة علينا أن نجمع الجهود التي سبقت في تدوينها قبل أن تضيع، فكتب إلى علماء الأمصار أنْ اجمعوا حديث رسول الله ﷺ إنه كان يعلم أن المدونات تملأ أرجاء العالم الإسلامي، هو كان يريد أن يضم تلك المدونات المتفرقة أولًا ليكون عنده ديوان واحد في السنة، والأهم لكي يحفظ تلك الجهود التي كانت تملأ العالم الإسلامي.
أما أنه بدأ من فراغ، فهذا ما لا يجوز عقلًا، ولا واقعًا، ولا تقبله فطرة؛ لأنه كان
стр. 159
وصل العلم إلى مرحلة النضج، بل بعد ذلك بقليل ظهرت المصنفات، وحين تظهر المصنفات، فمعنى ذلك أن مراحل الجمع والتدوين قد مرت، بعد عمر بن عبد العزيز بقليل ظهر (الموطأ) والأجزاء الحديثية التي كتبها عبد الله بن المبارك المولود سنة ١١٨ وعبد الرحمن بن مهدي أيضًا، وغيرهم كثير وكثير، الليث بن سعد المولود سنة ٩٧ كتب حتى في تاريخ الرجال؛ يعني ليس في الحديث فقط.
إذن عمر بن عبد العزيز قد اعتمد على مدونات تملأ أرجاء العالم الإسلامي، وأراد أن يجمعها تحت مظلة الدولة حفاظًا على سنة رسول الله ﷺ .
الحديث المتواتر
وننتقل إلى شبهة أخرى أثارها أيضًا أعداء السنة، فنتكلم عن المتواتر والآحاد.
نبدأ فنقول: إن علماء السنة لهم تقسيمات متعددة للحديث، باعتبارات متعددة، لهم تقسيم للحديث باعتبار صحته وضعفه، هذا حديث صحيح أو غير صحيح. التقسيمات بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث ضعيف.
ومعرفة كل قسم بتفصيلاته وبأقسامه موجود في كتب المصطلح، وأعتقد أن السامعين الكرام من طلاب العلم قد تلقوها مرارًا في مواد متعددة، وعلى رأسها مادة مصطلح أو علوم الحديث.
أيضًا هناك تقسيم للحديث باعتبار القبول والرد، والقبول يشمل الصحيح والحسن، والمردود يشمل الضعيف بكل أنواعه، وبكل درجاته، وهناك تقسيمات أخرى،
стр. 160
الذي يعنينا أن هناك تقسيمًا للأحاديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة، نحن نعلم أن البخاري مثلًا -رحمه الله تعالى- وكل كتب السنة أيًّا كان منهجها في تنظيم الأحاديث وتبويبها تروي الأحاديث بسندها إلى رسول الله ﷺ .
البخاري مثلًا، المتوفى سنة ٢٥٦ والمولود سنة ١٩٤ يروي عن النبي ﷺ بأسانيد، بداهة نعلم أن البخاري -رحمه الله تعالى- لم يسمع من النبي ﷺ لأن بينهما قرابة القرنين من الزمان؛ قرنان إلا عشرين سنة أو أقل، بالدقة يعني ١٧ سنة؛ لأن النبي ﷺ مات في أول سنة ١١ هجرية، والبخاري ولد في سنة ١٩٤، فإذا أضفنا أنه لم يدرك مثلًا إلا مع نهاية القرن الثاني سنة ٢٠٠ مثلًا، كأقل سن للتمييز عند المحدثين، فنجد أن بينه وبين النبي ﷺ نجد قرنين إلا أحد عشر عامًا. هذه الفترة كيف غطيت؟ غطيت بالأسانيد، البخاري له شيخ، وهذا الشيخ له شيخ، وهذا الشيخ له شيخ إلى أن يصل الأمر إلى الصحابة، ثم إلى النبي ﷺ .
علماء الحديث -هذا كلام قاله ابن حجر- يعني يقولون: إن القرن يغطيه ثلاثة أجيال في الأعم الأغلب، قد يقل العدد عن هذا وقد يكثر؛ بمعنى أن عدد الرواة بين البخاري ومسلم ست أو سبعة، على الأعم الأغلب؛ لأن البخاري مثلًا ربما صنف كتابه بعد ربع القرن الثالث الهجري، فيكون بينه وبين النبي ﷺ ستة أو سبعة أو خمسة حول هذا العدد.
قد يعلو الإسناد، الإسناد العالي، وهو الذي يقل فيه عدد الرواة بين صاحب الكتاب، وبين النبي ﷺ هناك ثلاثيات للبخاري؛ يعني بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة، وأفردها العلماء بالتأليف أسموها ثلاثيات البخاري، هذه نادرة ولافتة للنظر، وهي حقيقة، لكنها لم تحدث في كل الأحاديث.
المهم أنني أريد أن أقول: إن ما بين صاحب الكتاب -مثلًا كالبخاري الذي
стр. 161
اخترناه كأنموذج وكمثال- وبين النبي ﷺ رجال، هؤلاء الرجال نسميهم سند الحديث، أو نسميهم رجال الحديث، أو نسميهم رواة الحديث، أو نسميهم طريق الحديث، أو نسميهم إسناد الحديث، كل هذه تسميات يقبلها أهل العلم، فالإسناد عبارة عن الرجال الذين رووا الحديث بين آخر راو، وهو صاحب الكتاب، وبين النبي ﷺ .
وهذه أيضًا أمور علمية درسها الطلاب في أكثر من مادة أيضًا في المصطلح، وفي غيره، وفي دراسة الأسانيد، وفي التخريج إلى آخره.
لو أنني مثلًا آخذ الحديث الأول عند البخاري -رحمه الله تعالى- حديث "إنما الأعمال بالنيات" سأجد فيه ستة من الرواة بين البخاري وبين النبي ﷺ البخاري تلقى الحديث عن شيخه الحميدي عبد الله بن الزبير، المتوفى سنة ٢١٩ هجرية؛ يعني هذا شيخه، وهو شيخ مكي، ويقول ابن حجر في شرحه للحديث: إنه أجل شيوخه المكيين. ولأن الوحي نزل في مكة، فبدأ البخاري.
ننظر إلى تنظيم علمائنا لكتبهم، كل شيء فيها مقصود؛ يعني لماذا وضع هذا الحديث في بداية صحيحه؟ قالوا: إنه يريد أن يثبت أنه ألف كتابه مخلصًا لله "إنما الأعمال بالنيات" هذا الحديث الأول، سمعه البخاري من الحميدي، والحميدي من سفيان بن عيينة، هذا رقم ٢، وسفيان بن عيينة من يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد الأنصاري من محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن إبراهيم التيمي سمعه من علقمة بن وقاص الليثي، وعلقمة بن وقاص من عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- وعمر بن الخطاب من النبي ﷺ .
إذن غير البخاري وغير النبي ﷺ ستة، هؤلاء كلهم رجال الإسناد، أو إسناد الحديث، أو سند الحديث أو طريق الحديث، أو رواة الحديث إلى آخره أيًّا كانت التسمية، كل واحد منهم يسمى حلقة من حلقات الإسناد.
стр. 162
الحميدي حلقة، سفيان بن عيينة حلقة، يحيى بن سعيد الأنصاري حلقة، محمد بن إبراهيم التيمي حلقة، علقمة بن وقاص حلقة، عمر بن الخطاب حلقة، ما عدد الرواة في كل حلقة؟ هذا هو موضوع التواتر والآحاد، يعدون الرواة في كل حلقة من حلقات الإسناد، ويقسمون الحديث على أساسها إلى متواتر وإلى آحاد.
إذا أردنا أن نعرف المتواتر والآحاد من حيث اللغة فنقول:
التواتر في اللغة مجيء الواحد إثر الواحد بفترة بينهما، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (المؤمنون: ٤٤) تترى أي: متتابعين رسولًا بعد رسول يعني بينهما فترة؛ يعني كل رسول يأتي بعد فترة من الرسول الذي قبله، بعد مدة.
ذكر بعض اللغويين أن التواتر هو مجيء الشيء بعد الشيء، بعضه في إثر بعض وترًا وترًا أو فردًا فردًا، في إثر بعض، ما الفرق بين هذا التعريف وبين الذي قبله؟ يعني التعريفان يشتركان في أمر، وهو أن التواتر مجيء الشيء بعد الشيء، لكن الاختلاف بينهما: هل لا بد من التراخي بين مجيئهما؟ أو أن التراخي غير مطلوب؟
مجيء الشيء بعد الشيء مباشرة، أم بفترة؟ اللغويون تعددت مناهجهم في هذا، صاحب (القاموس) في مادة وتر يقول: والتواتر التتابع أو مع فترات. فكأنه جمع بين أمرين؛ يعني هذا يجوز أن يطلق عليه التواتر، وأيضًا هذا، إذا كان هناك تتابع أو مع فترات بينهما.
صاحب (الصحاح) الجوهري في مادة وتر أيضًا اعتبر أن التراخي شرط في التواتر حيث قال هذا تعبيره في (الصحاح): "والمواترة المتابعة، ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة، وإلا فهي مداركة ومواصلة".
يعني صاحب (القاموس) اعتبر الأمرين جائزين، التواتر مجيء الشيء بعد
стр. 163
الشيء، سواء مع التتابع أو مع فترة بينهما، اشترط التراخي، وسمى مجيء الشيء بعد الشيء بفترة التواتر، فإن لم تكن هناك فترة سماها مداركة ومواصلة "وإلا فهي مداركة ومواصلة" يعني ليست تواترًا.
الخلاصة بعد هذا أن التواتر هو التتابع مع التراخي أو بدون التراخي على الرأيين معًا، والأول أقوى نظرًا لما قاله صاحب (الصحاح) الأول الذي نقصده الذي هو بعد التراخي. ولعل مما يساعد على هذه القوة، قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (المؤمنون: ٤٤) أي متتابعين رسولًا بعد رسول، بينهما فترة، فلم تكن مدد قريبة في بعض الأحيان، هذا من حيث اللغة.
أما من حيث الاصطلاح، فالتواتر له تعريفات متعددة، وسنذكر له تعريفًا يجمع في طياته الشروط التي اشترطوها في التواتر.
ابن حجر -رحمه الله تعالى- يقول في (نزهة النظر) عن المتواتر: "فإذا جمع هذه الشروط الأربعة، وهي عدد كثير، وأحالت العادة تواطؤهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، ويضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، فهذا هو التواتر".
هذا تعبير وتعريف ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (نزهة النظر)، أما الخطيب البغدادي فيعرفه -رحمه الله تعالى- في كفايته فيقول: "فأما خبر التواتر، فهو ما أخبر به القوم الذين بلغ عددهم حدًّا يعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب منهم محال، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم متعذر، وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب
стр. 164
القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع على صدقه، وأوجب وقوع العلم ضرورة". هذا في (الكفاية) وهو يتكلم عن المتواتر والآحاد.
نلاحظ أن الخطيب ﵀ في تعريفه يركز على عدد الرواة وصفاتهم، ولم يتعرض لبقية الشروط التي ذكرها ابن حجر، وإن كنا نستطيع أن نعتبره قد ضمنها ضمنيًّا بعض الشيء في تعريفه.
أما ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- في مقدمته، فيعرف الحديث المتواتر بأنه عبارة عن "الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه" هذا كلامه.
ومهما يكن من أمر عبارات علمائنا الأجلاء في تعريف التواتر، فإننا نستطيع أن نصوغ منها تعريفًا يحوي في طياته الشروط التي وضعوها للمتواتر، فنقول عنه -أي في تعريف المتواتر-: هو الذي يرويه جمع يستحيل في العقل تواطؤهم على الكذب، أو وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه، ويكون منتهى خبرهم الحس.
هذا التعريف يحمل في طياته الشروط التي لا بد من توافرها في الحديث المتواتر، والتي أشار إليها ابن حجر في الكلام الذي نقلناه عنه فيما سبق.
أول هذه الشروط العدد الكثير، بمعنى أن يجتمع في كل حلقة من حلقات الإسناد عدد كثير من الرواة، وقد ذهبوا في تحديد هذا العدد مذاهب شتى تبعًا لاعتبارات متعددة.
حتى نفهم هذا الشرط الأول نحن نعلم جميعًا من خلال دراساتنا المتعددة في مواد كثيرة كالمصطلح وغيره أن الإسناد: عبارة عن الرجال الذين نقلوا لنا الحديث،
стр. 165
مثلًا البخاري يروي عن شيخه، وشيخه يروي عن شيخه إلى أن يصل الأمر إلى النبي ﷺ .
الرجال الذين بين البخاري -رحمه الله تعالى- وبين النبي ﷺ نسميهم إسناد الحديث، نسميهم سند الحديث، نسميهم طريق الحديث، نسميهم رجال الحديث، نسميهم رواة الحديث، أيًّا كان، فهو عبارة عن سلسلة من الإسناد تصل ما بين آخر راو للحديث وما بين النبي ﷺ .
هؤلاء هم الإسناد، وكل واحد منهم يسمى حلقة من حلقات الإسناد، إذا روى البخاري لنا مثلًا حديث "إنما الأعمال بالنيات" وهو أول حديث عنده في صحيحه مثلًا عن شيخه الحميدي، فالبخاري حلقة، والحميدي حلقة، والحميدي يرويه عن سفيان بن عيينة، هذه حلقة أخرى، وسفيان بن عيينة يرويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، هذه حلقة، ويحيى بن سعيد الأنصاري يرويه عن محمد بن إبراهيم التيمي، هذه حلقة، ومحمد بن إبراهيم التيمي يرويه عن علقمة بن وقاص الليثي، هذه حلقة، وعلقمة بن وقاص الليثي يرويه عن الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ثم عمر -رضي الله تعالى عنه- يروي عن النبي ﷺ .
من البخاري إلى عمر ﵃ جميعًا- كل واحد من الرواة يسمى حلقة من حلقات الإسناد، في المتواتر نشترط أن يكون في كل حلقة من حلقات الإسناد يعني عدد كبير، لا بد من توافر هذا العدد في كل حلقة من حلقات الإسناد، وهذا هو الشرط الأول الذي نقول أن يرويه جمع كثير، يجتمع في كل حلقة من حلقات الإسناد.
هذا العدد الكثير ما أقوال العلماء فيه؟ تعددت مذاهبهم، كل واحد نظر باعتبار معين فقال قولًا معينًا، هم يبحثون عن شيء، بالإضافة إلى أن هذا العدد أولًا لا يمكن
стр. 166
أن يتفق على الكذب؛ يعني يحدث بينهم اتفاق، ولا حتى يمكن أن يقع منهم من قبيل المصادفة، هذا وذاك يستحيل، كيف نصل إلى هذا العدد؟
هناك من قال: هذا العدد يكون أربعة قياسًا على شهود الزنا؛ اختاروا شهود الزنا بالذات لأنه أكبر الأعداد الذي تثبت به الحدود، القتل يثبت بشاهدين، القصاص يثبت بشاهدين، وقضايا الأموال أيضًا تثبت بشاهدين، أما الزنا بالذات فلا بد فيه من أربعة، وهذا ثابت بنص القرآن الكريم.
القاضي أبو بكر الباقلاني -رحمه الله تعالى- لم يقنع بهذا العدد في إثبات التواتر، بل قال: "وأتوقف في الخمسة". بعض من قال إن العدد أربعة، يؤيد قوله بأن الخلفاء الأربعة الأئمة الأجلاء العظام أفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي لو قالوا قولًا وأجمعوا عليه، فالقول قولهم.
يعني إذن كونهم أربعة يكفي، وأيضًا أو الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الأربعة لو اجتمعوا على شيء فإن القول قولهم والرأي رأيهم، ومنهم من قال خمسة قياسًا على اللعان، اللعان الرجل الذي يلاعن امرأته يقسم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وفي المرة الخامس أي في القسم الخامس يستنزل لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ومنهم من اشترط سبعة؛ يعني راعى أن هذا العدد قد اشتمل على العدد المطلوب في كل أنواع الشهادات، فيه الأربعة، وفيه الاثنان، وفيه الواحد؛ ويعني إذن العدد ٧ جمع المطلوب في إثبات الشهادات كلها.
منهم من اعتبر أقل العدد للتواتر عشرة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦) ولأنها أول جموع الكثرة، والسيوطي -رحمه الله تعالى- اختار ذلك في كتابه الذي جمع فيه الأحاديث المتواترة، وأسماه (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) وقال فيه: "كل حديث رواه عشرة من الصحابة، فهو متواتر عندنا معشر أهل الحديث".
стр. 167
وهناك من قال: إن المطلوب اثنا عشر مثل نقباء بني إسرائيل ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (المائدة: ١٢) وقيل: عشرون، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: ٦٥) وقيل: أربعون؛ لأن عندها يبعث الأنبياء، وسن الأربعين هي اكتمال العقل والأشد عند الإنسان. وقيل: سبعون، مثل من اختارهم موسى ﵇ لميقات ربه، إلى آخره. وهناك من قال ثلاثمائة مثل أهل بدر.
الصواب من كل ذلك إن شاء الله أننا نضم إلى العدد مسألة أخرى، وهو الشرط الثاني، وهو أن يتحقق الاطمئنان؛ يعني أن يطمئن القلب والعقل معًا إلى أن هذا الجمع يستحيل أن يتواطأ على الكذب لما نعرفه من صفات؛ يعني كيف نقول إنه يستحيل أن يتفقوا على الكذب؟
من معرفتنا لأحوالهم وديانتهم وصدقهم وكذا، وأيضًا من معرفتنا لمضمون الخبر الذي رووه ونقلوه لنا؛ يعني اعتبارات كثيرة من الممكن أن تدخل في اختبار صدقهم وأمانتهم؛ لنتأكد أنهم لا يمكن أبدًا أن يجمعوا على كذب، ولا حتى يقع الكذب بينهم اتفاقًا من قبيل المصادفة كما يقال.
ولذلك نقول: إنه متى توفر هذا الاطمئنان مع العدد، فقد حدث التواتر، قد يختلف الأمر من واقعة إلى واقعة، ومن موقف إلى موقف، ومن خبر إلى خبر، رب خبر نحتاج في تأكيده إلى عشرات، ورب خبر نتأكد من خلاله من أربعة أو خمسة، فمتى توفر الأمران معًا: العدد مع اطمئنان القلب والعقل إلى صدقهم، وإلى عدالتهم، وإلى طهارتهم، وإلى استحالة اتفاقهم على الكذب، وإلى عدم وقوع الكذب منهم، ولو اتفاقًا بأن يكونوا مثلًا ليسوا من أهل بلد واحدة أو ليسوا أصحاب مصلحة واحدة، والخبر يتعلق بمصلحتهم مثلًا، إلى آخره.
стр. 168
لكن لا بأس أيضًا من أن نعتبر أن كلام السيوطي في هذا الأمر يعتبر أيضًا قيدًا أو رقمًا نرجع إليه، وهو أن متى اجتمع عشرة من الصحابة تحقق التواتر، فكأنهم اطمأنوا إلى رقم العشرة الذي يحدث به التواتر.
يقول الكتاني نقلًا عن كتاب (ظفر الأماني): "والتحقيق الذي ذهب إليه جمع من المحدثين هو أنه لا يشترط للتواتر عدد، وإنما العبرة بحصول العلم القطعي" أي الاطمئنان الذي نقول عنه "فإن رواه جمع غفير، ولا يحصل العلم به لا يكون متواترًا، وإن رواه جمع قليل وحصل العلم الضروري، يكون متواترًا البتة" هذا كلام صاحب يعني الكتاني في (نظم المتناثر) الذي جمع فيه أيضًا الأحاديث المتواترة في مقدمة كتابه.
إذن من الممكن أن نعتبر الرقم الذي ذكره السيوطي -رحمه الله تعالى- في هذا معيارًا نرجع إليه في اعتبار التواتر، وأيضًا من الممكن أن نقول العدد متى اطمأن القلب والعقل إلى صدقهم تحقق التواتر.
أنا أطمئن مثلًا أنه إذا توافر عشرة من الصحابة أصبح الخبر متواترًا، وبالمناسبة فإن هذا هو الذي سار عليه عملهم؛ كل العلماء الذين يجمعون الأحاديث المتواترة ساروا على هذا الأمر، التواتر عادة يبحث في ناحية الصحابي، متى يرويه عشرة من الصحابة عن النبي ﷺ من عشرة طرق سالمة اطمأنوا إلى التواتر؛ لأن بعد الصحابي يرويه عنه جمع، وكل واحد من هذا الجمع يرويه عنه جمع، وتتبع ذلك قد يشق جدًّا، وقد يكون مستحيلًا في بعض الأحيان.
يعني مثلًا قيل في بعض الأقوال: إن حديث "إنما الأعمال بالنيات" سار بالإفراد في حلقات كثيرة؛ يعني: انفرد برواة من طريق صحيح، عن النبي ﷺ عمر بن الخطاب، وانفرد عن عمر علقمة، وانفرد عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي،
стр. 169
وانفرد عن محمد بن إبراهيم التيمي يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم سمعه من يحيى بن سعيد الأنصاري رواة كثيرون جدًّا عدد كبير، قيل في بعض الروايات: إنهم مائتان. وقيل: سبعمائة. إلى آخره.
لكن ما دام نجد أن الحديث قد رواه عشرة من الصحابة اطمأننا إلى تواتره، وكما قلت هذا الذي سار عليه عملهم في أي كتاب، لو رجعنا إلى أي كتاب من الكتب التي جمعت الأحاديث المتواترة، وأنا سأذكر بعضها بإذن الله ﵎ في أثناء كلامنا عن المتواتر والآحاد كفائدة نرجع إليها، فقد تحقق التواتر بإذن الله ﵎.
لما تكلموا عن الأحاديث المتواترة، مثلًا ابن حجر وهو يشرح حديث الحوض يتكلم عن تواتره يقول: "رواه في الصحيحين اثنان وعشرون صحابيًّا" في الصحيحين فقط "وجمعت طرقه فوصلت إلى خمسين صحابي، وبلغني أن بعض المتأخرين اشتغل بجمعه فوصل بهم إلى ثمانين".
وكما قلت: إذا رجعنا إلى أي كتاب من كتب التواتر، فنجدهم يعدون المتواتر متى توفر عشرة من الصحابة على روايته.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 170
الدرس: ١٠ تابع: الحديث المتواتر - حديث الآحاد (١) .
стр. 171
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(تابع: الحديث المتواتر - حديث الآحاد (١))
شروط الحديث المتواتر، وأقسامه، ومؤلفات العلماء فيه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزوجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد.
ففي الدرس الماضي بدأنا كلامنا عن المتواتر والآحاد، ذكرنا تعريف ابن حجر -رحمه الله تعالى- وتعريف البغدادي، وتعريف ابن الصلاح -رحم الله الجميع، ورضي عنهم أجمعين-:
وقلنا: إن هذه التعاريف تحمل في طياتها الشروط التي لا بد من توافرها في الحديث المتواتر، ونجمل هذه الشروط كما ذكرها ابن حجر وغيره فيما يلي:
أول شرط العدد الكثير، وذكرنا مناهج العلماء أو اعتبارات العلماء في قضية العدد، وفي تحديد العدد، ولا نرجع إليها إنما نحيل إليها، ونقول: إن العدد إما أن نقول إنه إذا توفر عشرة من الصحابة بطرق صحيحة عن النبي ﷺ فهذا الحديث متواتر، وهذا أشار إليه السيوطي -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه، ومنها أن نقول: إن العدد إذا حصل الاطمئنان إلى صدقه وإلى عدم وقوع الكذب منه وله اتفاقًا فقد بلغ التواتر أيًّا كان الرقم.
وقلت أيضًا: إن الذي جرى عليه عملهم في مؤلفاتهم سواء وهم يشرحون الأحاديث يعرجون على هذه القضية أو في الكتب التي جمعت الأحاديث المتواترة حين يجمعون عشرة من الصحابة رووا الحديث، فيعدونه في الأحاديث المتواترة.
إذا رجعنا إلى مؤلفاتهم في هذا سنتأكد من ذلك، ونحن بإذن الله سنذكر بعض مؤلفاتهم في التواتر، إذن العدد الكثير.
ثانيًا: أن يطمئن القلب والعقل إلى عدم اتفاقهم على الكذب، وأن الكذب لا يقع منهم، ولو من قبيل المصادفة.
والشرط الثالث: أن يتوافر هذا العدد المطلوب بتلك الصفات؛ أي باطمئنان القلب والعقل لهم في كل حلقة من حلقات الإسناد؛ يعني لو اختل العدد أو اختل اطمئنان القلب والعقل ولو في حلقة واحدة من حلقات الإسناد فقد فقد
стр. 172
الحديث شرط التواتر. نحن عرفنا معنى الإسناد، ومعنى كل حلقة فيه، يريد العلماء في كل حلقة توافر العدد واطمئنان القلب والعقل معهم، وجعلوا ذلك شرطًا ثالثًا من شروط الحديث المتواتر.
الشرط الرابع: أن يكون منتهى خبرهم الحس، ما معنى هذا الشرط؟
منتهى خبرهم يعني: الخبر الذي ينقلونه لنا في النهاية، حلقة سلمت حلقة إلى أن وصل الأمر إلى الخبر الذي ينقلونه، لا بد أن يعتمد هذا الخبر على أداة من أدوات الحس المعتمدة عند أهل العلم، مثلًا يقولون رأينا أو سمعنا أو تذوقنا أو شممنا مثلًا مجرد مثال توضيحي؛ يعني رأيت كتابًا موضوعًا على المنضدة مثلًا فظننته كتاب (الأم) للشافعي، فظننته لا تصلح، لا يكون الخبر متواترًا حتى لو نقله لنا ملايين لأنه ليس منتهى الخبر الآن الاعتماد على الحس.
الاعتماد على الحس يفيد مزيدًا من اليقين، مثلًا لو قال عشرة من طلاب العلم: رأينا الكتاب موضوعًا على المنضدة، وقرأنا عنوان الكتاب، واسمه، إذن نعتمد هنا على الحس على القراءة بالعين، وقرأنا اسم الكتاب فوجدناه كتاب (الأم) للإمام الشافعي.
رأينا جوالًا أبيض فظنناه مملوءًا بالسكر لا، إنما فتذوقناه فوجدناه سكرًا أو ملحًا مثلًا هذا يعتمد على الحس، وهكذا. رأينا مثلًا زجاجة أو آنية بها ماء أو بها سائل، فظنناه ماء، لا، لا يصلح، إنما فشربناه فوجدناه ماء اعتمد هنا على التذوق، وهكذا.
إذن لا بد من أن يعتمد خبرهم على الحس، وكما لاحظنا من خلال الأمثلة التي ذكرناها، فإن الحس هنا يكسب الخبر مزيدًا من التوثيق، ومزيدًا من اليقين حتى يقبله العقل والقلب معًا.
هناك شرط ذكره ابن حجر، وهو أن يفيد الخبر اليقين أو القطع لدى سامعه؛ يعني أنت بمجرد أن تسمعه يتأكد لديك صدق الخبر ويقين مضمونه، يعني أن
стр. 173
مضمونه متيقن مائة في المائة، أيًّا كان مضمون الخبر يعني يخبرون بحديث يخبرون بأي أمر من الأمور، سافر محمد مثلًا، هذا خبر قاله عشرة، فأصبح خبرًا متواترًا.
الشرط الخامس: أن قلبك كمستمع يتأكد ويتيقن من هذا الأمر. هذا معنى قولهم يفيد اليقين لدى سامعه.
كثير من العلماء يقول: إن هذه نتيجة، وليست شرطًا؛ يعني لا ينبغي أن نعتبره شرطًا من شروط التواتر، بل هو نتيجة للتواتر؛ يعني أنا إذا توفر العدد المطلوب في كل حلقة واطمأن القلب والعقل إلى صدقهم، وتوافر ذلك في كل حلقة من حلقات الإسناد، وكان منتهى خبرهم الحس، فإن النتيجة الحتمية المترتبة على ذلك هي أن نتأكد، وأن نثق، وأن نتيقن، وأن نقطع بصدق الخبر؛ يعني أي مستمع يسمع بهذا.
فإذن هو نتيجة، وليس شرطًا، وبالتالي فإننا في النهاية نقول: إن شروط المتواتر أربعة، هي: أن يتوافر العدد في كل حلقة، وناقشنا فضيلة العدد، وأيضًا أن يطمئن القلب والعقل إلى وقوع الخبر يعني إلى صدقهم وأمانتهم، وهذا الشرط الثاني، هذا له صلة بمواصفات العدد يعني ليس العدد فقط.
لنفترض مثلًا أن مجموعة من الناس أجمعوا على خبر هم أصحاب مصلحة فيه، كأن يخبروا عن من يتحاربون فقال فريق: إنا قتلنا من الفريق الآخر مائة مثلًا. هذا القول قد يقوله ملايين، لكنهم أصحاب مصلحة فيه، فهنا العقل والقلب لا يطمئنان أبدًا إلى صدق خبرهم، مهما كان عددهم، لماذا؟ لأنهم تطرق الشك إلى مضمون الخبر من كونهم أصحاب مصلحة فيه، وهكذا.
أيضًا الشرط الثالث كما قلنا أن يتوافر العدد في كل حلقة من حلقات الإسناد، وأن يعتمد الخبر في نهايته على الحس، ولا يعتمد على شيء من غير الحس.
стр. 174
هذه هي شروط الحديث المتواتر، نقول بعد ذلك انتقالًا إلى نقطة جديدة، إذا أصبح الخبر متواترًا ما الدرجة التي يفيدها من العلم؟ يعني توفرت هذه الشروط في أي خبر من الأخبار، بصرف النظر عن كون هذا الخبر حديثًا أو ليس حديثًا، كما ذكرنا قبل، يعني مثلًا إذا قالوا لنا: محمد سافر. إذا قالوا لنا: إن أمريكا فعلت كذا وكذا. إذا قالوا لنا: إن أول شهر ذي الحجة يوم كذا. أيًّا كان الخبر ما درجة العلم التي تقع في خاطري أو في عقلي نتيجة هذا الخبر؟
هو أولًا خبر متيقن؛ يعني مقطوع بصدقه يقينًا، وأنا هنا يعني أشير في إيجاز حتى تتضح المسألة؛ لأني سأحتاجها في قضية المتواتر، وسأحتاجها في قضية الآحاد، وسأحتاجها وأنا أرد الشبه عن حديث الآحاد؛ لأن هذه الشبه دراستها والرد عليها وتفنيدها هو الغرض الأساسي من إثارة هذا الموضوع، ونحن في مادة تتعلق بالدفاع عن السنة المطهرة.
المتواتر، إذا أصبح الخبر متواترًا أفاد القطع كما قلنا، ما معنى القطع؟ يعني أن السامع قد تيقن بأن الخبر صحيح، بالنسبة للأحاديث النبوية إذا كان الحديث متواترًا قطعنا بأن النبي ﷺ قاله، هذا معنى القطع يعني قطعنا بأن النبي ﷺ قاله، وأن نسبة هذا الحديث إلى النبي ﷺ نسبة يقينية مقطوع بها.
هذا القطع وصلنا إليه عن طريق تواتر الخبر، بعد أن يتواتر الخبر لا نحتاج إلى أدلة أخرى؛ لأن القطع في مسألة ما نصل إليه بوسائل كثيرة، مثلًا إذا قلنا: إن السماء فوقنا، وإن الأرض تحتنا، هذه قضية مقطوع بها، مبنية على المشاهدة، نحن نشاهد السماء فوقنا، والأرض تحتنا، فنحن وصلنا إلى القطع هنا عن طريق المشاهدة.
أيضًا إذا قلت: إن الواحد نصف الاثنين، هذه مسألة بدهية، وصلنا إليها بالقطع بها، لا نجادل ولا نماري فيها بالبداهة.
стр. 175
أيضًا قد نصل إلى القطع بعد نظر واستدلال؛ يعني نستدل على مسألة ما، وبعد الاستدلال قطعنا بمضمون الخبر، كان الخبر قبل هذه الأدلة احتماليًّا؛ يعني نعم أو لا سيان، أو ترجيح أحدهم على الآخر، لكننا لم نصل إلى القطع، سأضرب مثالًا وأرجو أيضًا أن نكون على ذكر منه؛ لأنني أيضًا سأحتاجه في قضية خبر الآحاد، مثلًا، من الأمثلة الواضحة لهذا نظريات هذه الهندسة، مثلًا إذا أخذنا نظرية من النظريات، مثلًا نظرية "فيثاغورس" في المثلث القائم الزاوية "المربع المنشأ على الوتر يساوي مجموع المربعين المنشأين على الضلعين على الآخرين".
هناك نظريات هندسية كثيرة، ومعظم السامعين الآن قد درسوا شيئًا من الهندسة "المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا" هذه نظرية، كيف نصل إلى اليقين فيها؟ هل هي حقيقة أو غير حقيقة؟ المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا إذا كانت أضلاعه متساوية فزواياه متساوية، يعلموننا في الهندسة مثلًا هذا الترتيب، رأس النظرية يقولون مثلًا الفرض أي: الأمر المفترض الذي يحتاج إلى إثبات، ويكتبون رأس النظرية: المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا.
المطلوب إثبات ذلك، المطلوب إثبات رأس النظرية هذه، البرهان هو هذه الأدلة بما أن وبما أن، لو أننا كلنا نتذكر الآن دراستنا للهندسة، سنجدهم أنهم كانوا يعلموننا إثبات صدق النظرية بهذه الطريقة: الفرض، المطلوب، البرهان. والبرهان بما أن، وبما أن وبما أن، أصل إلى رقم ٤، وهي النتيجة.
إذن النتيجة أن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا، كانت هذه النتيجة نظرية، مجرد فرض، مجرد احتمال قبل أن أستدل عليها، فلما استدللت عليها أصبحت قضية يقينية مقطوعًا بها، كيف وصلت إلى هذا اليقين والقطع؟
عن طريق النظر والاستدلال، هذه أمور تدرس في علم المنطق والبحث والنظر
стр. 176
والاستدلال، أنا أشير إليها لارتباطها بما نحن فيه؛ يعني أنا أصل إلى القطع في مسألة ما، في خبر ما، بطرق بهذه الطرق التي أشرت إليها وبغيرها، كما قلت بالمشاهدة والنظر بالفطرة والبداهة أو بالبداهة، بتواتر الخبر، بالنظر والاستدلال، لكن المحصلة في النهاية هي أن أصبح مضمون الخبر يقينيًّا ومقطوعًا به.
نحن نقول: إن القرآن ثبت بالتواتر يعني: رواه جمع عن جمع، أصبح كل حرف من حروف القرآن يقينيًّا، لا يستطيع أحد أن يماري أبدًا في أمر ولو حرف، لن أقول كلمة أو آية، ولو حرف واحد، ولذلك قال علماؤنا، إن منكر حرف واحد من حروف القرآن كافر؛ لأنه أنكر التواتر.
إذن التواتر أفادني العلم الضروري، العلم الضروري يعني العلم الذي بمجرد أن يتوافر الخبر لا أحتاج بعده إلى أن أستدل بأدلة أخرى، أنا عندي فقط أن أثبت أن هذا الخبر نقل إلينا بالتواتر، محمد سافر نقل إلي بالشروط التي ذكرناها: جمع عن جمع، يستحيل كذا إلى آخره التي ذكرناها، متى تواتر الخبر، فأنا لا أحتاج بعد ذلك إلى أدلة أخرى لأثبت أن محمدًا قد سافر، وإنما قضية سفره أصبحت قضية يقينية مقطوعًا بها لا يماري فيها إلا مجادل.
سيكون بحثي في المتواتر أن أثبت أنه متواتر فقط، فإذا ثبت لدي التواتر بالشروط التي ذكرناها أصبح الخبر يقينيًّا.
إذن هذه أهم النقاط التي أتكلم فيها في الخبر المتواتر تعريفه لغة واصطلاحًا، شرح هذا التعريف وهو المتضمن لشروط التواتر، ثم نتيجة العلم المترتبة على هذا التواتر، أنا عندي بعض النقاط الأخرى في التواتر، مثلًا الحديث المتواتر له قسمان؛ التواتر اللفظي، والتواتر المعنوي، والتواتر اللفظي هو: ما تواتر لفظه ومعناه؛ بمعنى أن الرواة جميعًا قد اتفقوا على لفظ واحد؛ يعني رووه باللفظ والمعنى معًا، ليس بالمعنى فقط، فألفاظهم جميعًا اتفقت.
стр. 177
يضربون مثالًا مشهورًا لهذا الحديث المتواتر لفظًا ومعنى حديث ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) هذا الحديث يعني بعض العلماء الذين عدوا الصحابة الذين رووه، بعضهم وصل به إلى أكثر من تسعين صحابيا، أو مائة صحابي، مثل الزبيدي في (لقط اللآلئ المتناثرة) لكن محل الكلام هنا أنه متواتر لفظًا ومعنًى.
عندي تواتر معنى؛ يعني الحديث متواتر، لكن ألفاظه ليست واحدة، أوضح مثال لهذا أحاديث الحوض، أحاديث الحوض متواترة؛ يعني متيقنون أن الحوض موجود، وأن النبي ﷺ أخبر به، وأن أحاديثه بلغت حد التواتر، وكما قلت إن ابن حجر -رحمه الله تعالى- أشار إلى أن بعض المتأخرين عني بجمع طرقه، فوصلت إلى ثمانين صحابيًّا.
أيًّا ما كان الأمر، لو أنا نظرت إلى روايات حديث الحوض، سأجدها روايات متعددة، مثلًا بعضها يقول "حوضي مسيرة شهر" يعني مساحته مسيرة شهر، بعضها يقول "ما بين مكة مثلًا إلى صنعاء" أو "ما بين أذرح إلى أذرعات" إلى آخره، يعني ذكر مدنًا متعددة لبيان المسافة أو مساحة الحوض أنا لن أنتقل إلى شرح حديث الحوض أنا أضربه مثالًا للتواتر الذي يعني ورد بالمعنى روايات كثير جدًّا وردت في مساحة الحوض، كلها تؤكد أن الحوض موجود، وهذا هو القدر الذي نقوله: إن الحوض يقيني أو إن خبر الحوض خبر متواتر، لكن بألفاظ متعددة.
عندي أيضًا تواتر ثبت فيما يسميه العلماء بتعدد الواقعة، يعني هناك وقائع متعددة فيها أمر مثل قدرًا مشتركًا بينها جميعًا، يضربون مثالًا لهذا يقولون مثلًا أحاديث رفع اليدين في الدعاء، بعض العلماء يقول إنه قد ورد في أكثر من مائة واقعة، أن النبي ﷺ كان يرفع يده، وهو مثلًا في الاستسقاء، وهو يدعو على
стр. 178
رعل وذكوان في قصة بئر معونة أو الرجيع، وهو يستنصر الله في بدر، وهو في البناء الذي بنوه له لكي يمكث فيه النبي ﷺ يدعو ويتضرع إلى ربه.
رفع اليدين في الدعاء لم يأت من رواية واحدة بالتواتر إنما عندي عشرات الوقائع، وكلها تقول إن النبي ﷺ كان يدعو فيها فيرفع يديه، هذه الوقائع المتعددة وصلت حد التواتر، دعاء في الاستسقاء، دعاء في الحرب، دعاء على قوم كادوا ضد المسلمين إلى آخره، هنا دعاء الواقعة مختلفة، لكن القدر المشترك بينها أنه كان يرفع يديه في هذا الدعاء، هذا أيضًا يسمونه التواتر بتعدد الواقعة.
إذن التواتر له قسمان، متواتر لفظي، ومتواتر معنوي، أيضًا التواتر موجود بكثرة الأغلب في أحاديث السنة أنها أحاديث آحاد، ولذلك كانت قضية حديث الآحاد وحجيتها يعني قضية مهمة جدًّا، وهي من أخطر المسائل التي أثارها أعداء السنة كشبهة يحاولون أن يقضوا بها على السنة تمامًا أو أن يفقدوا المسلمين العمل بها تحت حجة أنها آحاد وليست متواترة.
أنا أذكر فقط بعض المعلومات عن الحديث المتواتر حتى أنتقل إلى حديث الآحاد.
بعض العلماء كابن الصلاح مثلًا قال: إن الحديث المتواتر عزيز؛ يعني نادر في السنة، لكن إذا نظرنا إلى الكتب التي جمعت الأحاديث المتواترة، نجدها كثيرة بعضها أكثر من مائتين حديث، لكن أيضًا في النهاية سيبقى أن الحديث الآحاد هو عمدة السنة، وهو الأغلب فيها، ولكن ليس التواتر نادرًا إلى الحد الذي عبر عنه بعضهم بأنه نادر جدًّا إلى درجة القلة الغريبة، لكن كما قلت هو موجود بإذن الله ﵎.
وهناك بعض الكتب التي ألفها العلماء في الحديث المتواتر، ونحن نقولها تمامًا للفائدة، لمن أراد أن يقتني مرجعًا أو أكثر في مسألة الأحاديث المتواترة، هناك السيوطي له (الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة) ثم (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) وهذان الكتابان أشار إليهما الكتاني في (نظم المتناثر في الحديث المتواتر) لأبي الفيض جعفر بن الحسن الكتاني، وكتاب السيوطي موجود على كل حال.
стр. 179
وأيضًا (البرهان) الزركشي ألف قبل السيوطي كتابًا في الأحاديث المتواترة، أشار إليه السخاوي في (فتح المغيث) عندي (اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن علي بن طولون الحنفي الدمشقي الصالحي. وعندي أيضًا (لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لأبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري.
الكتب موجودة كثيرة، مطبوعة، وهي اقتناؤها لا يكلف جهدًا، ولا حتى مالًا لأنها كلها تقع في مجلد واحد؛ يعني أقصد أي كتاب مؤلف في الأحاديث المتواترة، في الأعم الأغلب هو في جزء واحد، فاقتناؤه ليس صعبًا، ويعني من الأفضل أن يكون في مكتبة كل عالم من أهل العلم، لا أقول من الأفضل، بل لعله من الأوجب، وخصوصًا أهل العلم خاصة، ولأهل الحديث على وجه الخصوص أن يكون في مكتبتهم بعض الكتب، إن لم يكن كل الكتب المتعلقة بالأحاديث المتواترة.
وعادة أصحاب هذه الكتب يذكرون الحديث المتواتر، ويذكرون الأدلة على تواتره وذلك بذكر من رواه من الصحابة، وبعضهم يزيد فائدة مثل صاحب (لقط اللآلئ المتناثرة) فيقول مثلًا رواية أبي هريرة في البخاري، رواية أنس في الصحيحين، وهكذا، يعني يعطيني مزيدًا من الفائدة ببيان رواية كل صحابي، وأين توجد في كتب السنة.
عندنا أحاديث كثيرة، نذكر بعضها كأمثلة مثلًا، ذكرنا حديث ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) كمثال للمتواتر الذي فيه التواتر اللفظي والمعنوي معًا، وكثير من العلماء ذكره كمثال لهذا.
أيضًا ((الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)) وفي بعض الروايات ((رؤيا المؤمن)) هذا رواه عشرة من الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر،
стр. 180
وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، والعباس بن عبد المطلب، وسمرة بن جندب، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وعوف بن مالك الأشجعي. وقد رواه الشيخان رحمهما الله تعالى من طريق: أبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وعباد، وغيرهم. وروايات بقية الصحابة موجودة في كتب السنن المختلفة.
((المرء مع من أحب)) هذا حديث أيضًا أورده الكتاني في (نظم المتناثر) وبين أنه ورد عن خمسة عشر نفسًا من الصحابة منهم: جابر وابن مسعود وأنس وأبو ذر وأبو موسى الأشعري. ((لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا)) هذا رواه زهاء خمسة عشر من الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن الزبير، وابن مسعود وأبو هريرة، وعائشة، وأنس، وعبد الله بن عمرو. وقد أخرجه الشيخان من رواية: أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وابن مسعود وابن الزبير إلى آخره.
((من غشنا فليس منا)) أيضًا هذا حديث متواتر، وفي رواية ((من غش فليس منا)) أحاديث التواتر أو المتواترة كثيرة، على كل حال، وأركز على مسألتين أو في قضية الحديث المتواتر مسألة ثبوت التواتر ومسألة الدرجة التي يفيدها التواتر من العلم.
حديث الآحاد: أقسامه، وشروطه
الآن أنتقل إلى حديث الآحاد:
حديث الآحاد، من ناحية اللغة الآحاد جمع أحد، والأحد بمعنى الواحد، وهذا النوع حديث الآحاد هو النوع الثاني لتقسيم الحديث باعتبار عدد رواته في كل حلقة، ذكرنا أن للعلماء تقسيمات متعددة للحديث باعتبارات متعددة، منها تقسيم الحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة من حلقات الإسناد، وقلنا: التواتر والآحاد، وتكلمنا عن المتواتر.
الآحاد هو القسم الثاني من أقسام الحديث باعتبار عدد الرواة، وتعدد الطرق.
يعرفه العلماء في الاصطلاح فيقولون: "الآحاد هو ما فقد شرطًا من شروط التواتر" وأنا هنا يعني أشير إلى أهمية التعريف لمسألة مهمة، بعض العلماء يتصور أن حديث الآحاد معناه رواية واحد عن واحد من أول السند إلى منتهاه، هذا فهم
следующие страницы →