Полный текст (394 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تدخل فيما لا يفهمه، إذا كان لا يفهم أن الهجوم على السنة هو هجوم على الإسلام والقرآن، فهذا أمر خطير، كيف لا يدرك العلاقة بين القرآن والسنة؟ وإذا كان يفهم إذن، فهو مخلب القط الذي يوجهه الأعداء ناحية السنة؛ لينالوا من الإسلام ما يريدون أن ينالوه.
أيضًا من الأسباب التي تجعلهم يهاجمون السنة أن السنة تشرع كما يشرع القرآن الكريم، فإبطال السنة يعني تضييع جزء كبير من تشريعات الإسلام، يعني في جوانب الحياة المتعددة، بل إن أكثر التشريعات تستمد من السنة المطهرة، وخصوصًا الأحكام التفصيلية، يعني للمسائل الشرعية، وأيضًا كثير من المسائل لا تجد دليلها إلا في السنة المطهرة، لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم.
هذا أمر مفهوم جدًّا، السنة تشرع كما يشرع القرآن الكريم، وأيضًا من الأسباب تتمة لنقطة السابقة أن أثر السنة المطهرة في التشريع الإسلامي، وأيضًا أثرها في الفقه الإسلامي من لدن عصر النبي -صلى الله عليه وسل م- والصحابة الراشدين حتى عصور أئمة الاجتهاد من أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم، السنة هي زادهم في اجتهادهم كله. السنة زادهم، وماؤهم، وطعامهم، وشرابهم بعد القرآن الكريم يعني إذا قلت مثلًا: ما هي الأصناف التي يدخلها الربا؟ اذهب إلى السنة، ما هي صور البيع الحلال وصور البيع الحرام؟ اذهب إلى السنة.
القرآن قعد القاعدة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) لكن ما هي صور البيع الحلال؟ ما هي صور الربا الحرام؟ ما هي الأمور التي يدخلها الربا والتي لا يدخلها الربا؟ وكيف يكون الربا؟ كل ذلك وغيره، يعني مما يطول المقام بذكره تكلمت عنه السنة المطهرة.
إذًا السنة وأثرها في الفقه وفي استمداد الأدلة من عصر النبي -صلى الله عليه وسل م- وعصر الصحابة وعصر الاجتهاد، وأئمة الاجتهاد، وحتى إلى يوم أن يرث الله الأرض
стр. 107
ومن عليها، السنة هي الزاد في كل هذا، ولن يكون هناك مجتهد لا يتجه إلى السنة ليستمد منها الأدلة على ما يريد أن يقول.
أيضًا الفقه الإسلامي ثروة تشريعية، تشمل كل جوانب الحياة، كما قلنا، والسنة المطهرة لها الدور الأكبر في ذلك.
هذه نقطة مهمة جدًّا أرجو أن ينتبه المستمع الكريم، العمل بالسنة المطهرة -ورب الكعبة- هو الذي أدى إلى حفظ كيان الإسلام، وعدم ذوبانه في الحضارات الأخرى، وأنا هنا أقرأ كلمة قالها الدكتور محمد أسد، ذلك الذي أسلم بعد أن لم يكن مسلمًا، يقول في توضيح هذه المسألة: "لقد كان السنة مفتاحًا لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فلماذا لا تكون مفتاحًا لفهم انحلال الحاضر؟
إن العمل بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسل م- هو عَمِلَ على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وأن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة هي الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما أفيدهشك بعد أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟
إن التعبير الذي يتردد على مسامعنا اليوم كثيرًا لنرجع إلى القرآن الكريم، ولكن يجب ألا نجعل من أنفسنا مستعبدين للسنة، هذا التعبير يكشف بكل بساطة عن جهل بالإسلام، إن الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلًا يريد أن يدخل قصرًا، ولكنه لا يريد أن يستعمل المفتاح الأصلي، الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب. المفتاح للإسلام وبناء الإسلام وقصر الإسلام هو السنة، فهل يمكن أن يدخل أحد القصر بدون أن يستعمل المفتاح؟
ويكشف الرجل السر في محاربة السنة فيقول: "إن الهدف إسقاطها حتى يفقد المسلمون الصورة التطبيقية الحقيقية لحياة رسول الله -صلى الله عليه وسل م- والمسلمون الأوائل، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته".
стр. 108
يعني إن معي الآن كثيرًا من النقول التي تبين مثل هذا الأمر، وكلامًا للدكتور محمد أسد وغيره يبين جملة من المسائل الهامة، يعني نقول: العمل بالسنة المطهرة هو الذي حفظ كيان الإسلام، هو الذي منع الإسلام من أن يذوب في الحضارات الأخرى، وهذا هو سر عداء المستشرقين وغيرهم للسنة، أو هذا على رأس الأسباب أن السنة حفظت كيان الأمة ومنعتها من الذوبان في الحضارات الأخرى.
ماذا نقصد بقولنا: حفظت لنا كيان الأمة؟ يعني جعلت لنا اقتصادًا إسلاميًّا، جعلت لنا أسرة إسلامية، جعلت لنا مجتمعًا إسلاميًّا، له قيمه، له مبادئه، له أسسه التي يقوم عليها، له قوانينه التي تحكمه، ليس مجرد عبادة فحسب بين العبد وربه، إنما منهج حياة كامل، السنة تقوم بدور هاما في ذلك، هم يريدوننا مثلًا أن يكون نساؤنا كنسائهم في كل شيء، في عدم الحجاب، في العلاقات المفتوحة، كما نعلم وكما يعلم الجميع هم يريدوننا في المسائل المالية أن نكون مثلهم، هم يريدون في شكل مجتمعنا أن يكون كمجتمعهم، يبيح الخمر ويبيح الشذوذ، ما الذي يعصمنا من التردي في كل ذلك؟ هي السنة المطهرة.
لذلك كانت الحرب شرسة عليها، هي تبين القرآن وتشرع مع القرآن، وهي تضمنت كثيرًا من الأحكام التي وقفت بالمرصاد لهذه الأفكار الخطيرة التي تضيع كيان الأمة الإسلامية وتذيبها في حضارات الأمم الأخرى خصوصًا في هذا الزمان بالذات؛ لأن الحضارات الأخرى يعني حضارات تفوقت من الجوانب المادية، وأصبحت تملك القوة على فرض أجندتها -كما يقال- أي فرض أهدافها ووسائلها وأخلاقها ومبادئها على الأمم الأخرى إن لم يكن اقتناعًا فبقوة القهر والغلبة. على ضعف أمة الإسلام في واقعها المعاصر هي معصومة من الذوبان، ما السبب؟
على رأس الأسباب السنة المطهرة؛ لذلك تشتد الحملة الشرسة من المستشرقين
стр. 109
الذين يخدمون الأغراض الاستعمارية كما سنبين فيما بعد على السنة المطهرة، وتأثر بأقوالهم فريق من أبناء الإسلام.
أيضًا السنة المطهرة هي مع السيرة، السنة والسيرة، والسيرة جزء من السيرة، العلماني كلاهما متعلق بالنبي ﷺ السنة تتعلق بأقواله، وأفعاله، وتقريراته، إلى آخر ما عرفناها، والسيرة هي التطبيق العملي لحياة النبي ﷺ فإذا أردنا أن نقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسل م- فلا بد من معرفة السنة ومعرفة السيرة.
واقتداؤنا بالنبي -صلى الله عليه وسل م- ليست مسألة ترفيهية أو كمالية أو متروكة لخيارنا، لا، نحن بمقتضى إيماننا لا يجوز لنا أن نقتدي بغير النبي -صلى الله عليه وسل م- وقد حصر الله تعالى قدوتنا وأسوتنا في النبي -صلى الله عليه وسل م- وغير مسموح لأمة الإسلام أن تقتدي بغيره أو أن تمتثل لهدي غير هديه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (الأحزاب: ٢١).
فتطلع المسلمين إلى هذا المثل الأعلى الراقي من حياة النبي -صلى الله عليه وسل م- وقد أمروا أن يتقدوا به، هذا يعصمهم من الجري، ومن الذوبان -كما قلنا من قبل- وهذا هو سر العداء للسنة أيضًا أنها تضمنت الجوانب التطبيقية في حياة النبي -صلى الله عليه وسل م- ويعضدها في ذلك علم السيرة الطاهرة المباركة.
إذن هذا أيضًا من الأسباب التي جعلتهم يوجهون سهامهم المسمومة نحو السنة.
أيضًا نقطة مهمة جدًّا، السنة النبوية من الأسس القوية التي قامت عليها وحدة المسلمين. المسلمون أوطانهم متعددة، وألسنتهم متعددة، وأشكالهم متعددة، وأجناسهم متعددة بفضل من الله تعالى لا توجد دولة من دول العالم إلا وفيها مسلمون بصرف النظر عن قلة العدد أو كثرته، فقد بلغ الإسلام بفضل الله ما بلغ الليل والنهار، ووصل إلى مشارق الأرض ومغاربها، ويعيشون كمسلمين في دول خاصة بهم، ويعيشون أيضًا مع غيرهم من أبناء الديانات الأخرى في الأوطان المتعددة.
стр. 110
كل ذلك والمسلمون جميعًا يأكلون مثل بعضهم، ويلبسون مثل بعضهم، ويتزوجون كما يأمرهم إسلامهم، ويبيعون ويشترون ويكوّنون علاقاتهم الاجتماعية، ويعرفون صلة الرحم، وحقوق الجيران، وكيف يربى الأولاد، وحقوق الزوجة، وكيف يجمعون أموالهم من الحلال الطيب؟ وكيف ينفقونها في الحلال الطيب؟ يا رب العالمين، كل ذلك على تباعد الأوطان، واختلاف الألسنة والألوان، وعلى تعدد اللهجات، وتعدد أشكال، ما بين أسود وأصفر وأبيض ... إلخ ... إلخ.
ومعصومون بحول الله تعالى من أن يذوبوا، لا يوجد مسلم مثلًا مهما كان في أرض يبيح أكل الخنزير، حتى وإن أكله في بلاد تسمح بذلك، لكنه يعتقد أنه حرام، لا يوجد مسلم في بقاع الدنيا يقول إن الخمر حلال، لا يوجد مسلم يأكل بغير أدب الإسلام، يأكل بيمينه، أنا أقول باعتبار ما يجب أن يكون.
إذن هذه الوحدة التي عصمت المسلمين أولًا أقامت صرح الود بينهم والأخوة والتلاحم، وعصمتهم من الزلل، كل ذلك الفضل فيه لله -تعالى- ثم للقرآن والسنة، فهي التي احتوت على المناهج التشريعية التي تعصم الأمة من التفرق، ومن الاختلاف، ومن الجري وراء الأعداء والتشبه بأخلاقهم أو سلوكياتهم إلخ.
كل مسلم في الدنيا يكره الشذوذ وينبذه، كل مسلم في الدنيا حتى وإن وقع من البعض بعض الرذائل، وبعض النقائص وبعض الكبائر، فهم يعلمون أنهم يفعلون محرمًا، غيرهم ينعزل عن قضية الدين بالمرة لا يفكر في حلال، ولا في حرام.
إذن السنة النبوية أولًا هي من الأصل قامت عليها وحدة الأمة، ثم هي بعد حافظت على تلك الوحدة، تأتي على المسلمين عصور ضعف، يتفرقون فيها في
стр. 111
بعض الأمور السياسية وغير السياسية، لكن يبقى أن لحمة البناء الإسلامي واحدة، وهذه حقيقة يدركها القاصي والداني، ويعرفها الأعداء قبل الأصدقاء، وهذا سر من أسرار حربهم الشرسة على الإسلام ككل، وعلى السنة بشكل خاص؛ لأنهم يعلمون أن للسنة دورًا خطيرًا جدًّا في الحفاظ على هوية الأمة، على وحدة الأمة، على كيان الأمة، على ترابط الأمة في أكلها في شربها في لباسها في عاداتها، في تقاليدها في علاقتها إلى آخر ما ذكرناه من صور.
أيضًا أمر خطير آخر، إذا أبعدوا السنة أمكنهم تأويل آيات القرآن الكريم وفق أهوائهم، السنة هي العائق الأكبر والسد المنيع أمام تدخل الأهواء في تأويل القرآن، لماذا؟ ما هو دور السنة في هذه المسألة؟
دورها خطير، فهي التي تبين القرآن، فإذا أراد أحد أن يبين القرآن على غير بيان السنة، فلن نقبله، ثم هي تشرع وتتم القرآن الكريم في التشريع، فإذن لن يستطيع أحد أن يبتعد بالقرآن عن مراميه ومقاصده ومعانيه التي تلقتها الأمة عن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- ووالله لو لم تكن هناك السنة لفتحت الأقاويل المتعددة في تفسير وتأويل آي القرآن الكريم، وللوى كل واحد عنق الحقيقة وعنق الآية على الوجه الذي يريد في فهمه، وهناك محاولات في هذا، ولكنها تبوء بالخسران.
ولذلك كثيرًا ما يتشدق المتشدقون أتريدوننا أن نحكم بفقه الخلفاء الراشدين؟! أنحكم بفقه مضى عليه أربعة عشر قرنًا؟! كلام يعني ماذا نقول في وصفه؟ إن الأمة لها فهمًا أجمعت عليه تلقته عن سيد الخلق -صلى الله عليه وسل م- تلقاه جيل الصحابة، ونقلوه لمن بعدهم، في كل شيء، في
стр. 112
الحدود، في العبادات، في العقائد، في المعاملات في الأخلاق، في التشريع كل ذلك حفظته السنة، تممت القرآن الكريم في التشريع وبينته، وحافظت على القرآن وعلى الإسلام.
إذن أيضًا السنة لها دورها في الحفاظ على القرآن، وعصمته من تدخل الأهواء فيه، ومن تأويله حسب الأغراض أو تفسيره حسب الأغراض، إنما الله عصم الإسلام من ذلك، وعصم القرآن من ذلك بأساليب متعددة، ومن بينها أو على رأسها أيضًا السنة المطهرة الشريفة.
أيضًا من أسباب الهجوم على السنة هو أن كثيرًا من الأعداء هاجموا الإسلام، فعداوتهم للسنة هي عداوة للإسلام؛ يعني هذا أمر أيضًا وجدت فيه أقوال كثيرة من أعداء الإسلام بينوا فيها أن الإسلام هو العقبة الكئود في سيطرة الغرب على العالم، فيحاربونه، وحربهم أيضًا موجهة إلى السنة باعتبارها جزأ من الحرب على الإسلام.
"مرماديوك" يقول: إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها سابقًا بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول؛ لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم؛ لذلك يحاربون الإسلام.
يجب أن نستخدم هذا المبشر "تاكلي" يقول: يجب أن نستخدم القرآن، وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه حتى نقضي عليه تمامًا. يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا.
стр. 113
ويقول يعني "وليم جيفورد": متى يتوارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يندرج في طريق الحضارة الغربية بعيدًا عن محمد وكتابه".
الحرب على الإسلام، وعلى السنة، وعلى القرآن، وألفت الكتب في الهجوم على السنة، والمعركة خطيرة وشرسة، ولذلك لو أردنا أن نعدد العبارات التي تبين عداءهم للإسلام وللقرآن وللسنة، فسيطول بنا المقام جدًّا، لكن أنا أتكلم عن أسباب هجومهم على السنة. قلت أسبابًا كثيرة حتى نفهم طبيعة المعركة، هل نحن نحارب طواحين الهواء؟ هل نفتعل معارك؟ والله هذه كتبهم، وهذه أقوالهم تفصح، وهذه أيضًا أفعالهم تفصح عن مراميهم ومقاصدهم وأهدافهم في الهجوم على السنة.
وأكرر وأختم هذه النقطة بما بدأت به: لو نلاحظ ونستقرئ المعركة عبر التاريخ كله قلت حتى من داخل الإسلام نفسه، حينما تشذ طائفة ما في فهمها عما أجمع عليه المسلمون من أهل السنة والجماعة، فإنهم يتجهون في حربهم على السنة، ولذلك سبحان ربي العظيم هؤلاء جميعًا جمعهم العداء للسنة، والعداء للإسلام، وخططوا ودبروا، وتعاونوا، واستفادوا مما قيل قديمًا ومما قيل حديثًا، يجمعون الأقوال ويلمعونها تجد الشبه الحديثة آثارها المعتزلة قبل، بعضها قالها الخوارج، الشيعة لهم موقف من السنة أيضًا كثير يحاول أن يسير على دربه، التقت الأهداف التقت الأغراض حول العداء للإسلام وللقرآن ولنبي الإسلام -صلى الله عليه وسل م- وللسنة المطهرة، فاندفع الجميع في حربهم على السنة.
ولذلك أنا أقول وأبنائي السامعين الآن أرجو أن يدركوا هذه الحقيقة جيدًا، نرجو أن نقبل على دراسة السنة بروح الجندية، فنحن على ثغر من ثغور الإسلام، يحاول الأعداء أن ينالوا من الإسلام
стр. 114
من قبله حقيقة، يشهد الله أني أقولها بمنتهى الصدق والإخلاص؛ لأن هذا ما أفهمه، ولذلك لا تنبغي أن تكون دراستنا مقتصرة على كونها تريد أن نحصل على شهادة فقط، هذا يعني الأمر ليس مرفوضًا، لكن ينبغي أن تتوجه النية نحو الدفاع عن الإسلام، وأن يعلم كل متخصص في السنة أنه على ثغر من ثغور الإسلام يحاول الأعداء أن ينالوا من الإسلام من قبله، فليكن هو الجندي الأمين الحريص المتيقظ.
وذلك بالعلم وبالفهم، نحن لا نحمل أسلحة، إذا كنا نعبر بتعبير المعركة، فهذه من عندهم، لكننا لا نقصد المعارك يعني أننا سنحمل أسلحة ونقتل، لا والله، هذا لن يكن ولن يكون أبدًا في فهم المسلمين الأسوياء، وإنما المقصود أن نتسلح بالعلم وبالمعرفة، بالفهم الصحيح للسنة وبدورها؛ لكي نرد كيد الكائدين إلى صدورهم، وتبقى المسيرة كما كانت دائمًا نقية واضحة جلية، لا شبهة فيها، ولا غبش، ولا عكارة، ولو يسيرة تؤثر على مسيرتنا.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم بارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 115
الدرس: ٧ شبهة حول تدوين السنة (١) .
стр. 116
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(شبهة حول تدوين السنة (١))
ميدان المعركة مع السنة، ومواطن الهجوم عليها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد.
فنبدأ -بعون من الله ﵎ وتوفيقه- حديثنا عن بعض الشبه التي وجهت إلى السنة المطهرة:
قبل أن نشرع في الدخول على الشبه، نتكلم عن نقطتين مهمتين، النقطة الأولى ما هو ميدان المعركة مع السنة؟ يعني بتوضيح آخر: حين يهاجمون السنة، فهل يقصرون هجومهم على بعض جوانبها دون البعض الآخر؟
أقول: لا، هم يهاجمون كل شيء في السنة، لو استمعنا إلى الدرس الماضي الذي بينا فيه بعض الأسباب التي أدتهم إلى الهجوم على السنة لعرفنا أنهم يريدون القضاء عليها تمامًا، هم لا يريدونها لا يقبلونها؛ لأنهم يعلمون أنهم يهاجمون القرآن والإسلام من خلالها.
إذن ما داموا لا يريدون السنة فلم يتركوا شيئًا منها بدون هجوم، كيف؟ هاجموا الصحابة الذين نقولها لنا، وهم يعملون أن الصحابة -رضوان الله عليهم- شهودنا على هذا الدين ونقلته لنا، إن أحدًا من الأمة بعد جيل الصحابة لم يلتق بالنبي ﷺ ولم ير النبي ﷺ ولم يسمع من النبي ﷺ والواسطة بين الأمة من بعد جيل الصحابة إلى يوم القيامة هم الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين نقلوا لنا الحديث والقرآن والسنة، والغزوات إلخ، إلخ.
إذن ليصبوا جام غضبهم وهجومهم الشرس على الصحابة، بعضهم بالاسم والتفصيل، وكثير منهم بالعموم، بالاسم والتفصيل مثل أبي هريرة رواية الإسلام ﵁ أنهم يعلمون أن الهجوم على أبي هريرة هو هجوم على السنة، كما سنوضحه في حينه.
أنا فقط في هذه النقطة أبين أنهم لم يتركوا شيئًا من السنة إلا وهاجموها، الصحابة، دواوين السنة والتشكيك فيها، (صحيح البخاري) وإثارة المشكلات حوله، وحول بعض أحاديثه، (مسند الإمام أحمد) وإثارة المشكلات حول بعض أحاديثه، الأجيال والعلماء الكبار الذين رووا السنة بعد جيل الصحابة، هناك علماء
стр. 117
نسميهم أركان الرواية، عمد الرواية، الذين قاموا بدور كبير في صيانة السنة وروايتها وتناقلها ... إلخ، مثل الإمام الزهري وغيره، يشككون فيه.
أيضًا يهاجمون تدوين السنة شككوا في حجية السنة، وأثاروا بعض الشبهات المتعلقة بها، ونحن سنرد على ذلك وفق لنقاط المنهج ومسائله بإذن الله ﵎.
أيضًا أثاروا مشكلات كثيرة حول كثير من الأحاديث النبوية المتعلقة بالطب وبغير الطب حديث الذبابة، حيث فقء موسى لِعَيْن ملك الموت، حديث سحر النبي ﷺ أحاديث لا تعد ولا تحصى، بل إن الكتب تنزل إلى الأسواق، وهم يحملون وجهة نظرهم، بعضهم يقول ينقي البخاري ومسلم من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، تخيلوا: الأمة أجمعت على تلقي البخاري ومسلم بالقبول، ثم يأتي من يجادل أو يثير هذه القضية ويعتبر نفسه غيورًا على السنة، ويريد تنقيتها مما علق بها من الأحاديث الضعيفة.
يعني الخلاصة في هذه المسألة أنهم لم يتركوا صغيرة، ولا كبيرة، ولا شاردة، ولا واردة تتعلق بالسنة إلا وهاجموها بضراوة وبشراسة، وأكرر: لأن الغرض هو القضاء على السنة هو القضاء على الإسلام، وبالتالي حدة المعركة تنسجم مع مقدار حقدهم الذي تمتلئ به قلوبهم على الإسلام وأهله، وعلى مصادره الشرعية التي يستمد منها أدلته على كل صغيرة وكبيرة من أمور الدين، هذا جانب.
معنى كلمة "شبهة" ومدلولاتها
أما النقطة الثانية التي أود أن أتحدث عنها فهي معنى الشبهة، ما المراد بالشبهة التي سندرسها ونرد عليها؟ الشبهة لها مدلول لغوي، ولها مدلول اصطلاحي. ومدلولها اللغوي سنرجع إليه في قواميس اللغة، فابن منظور -رحمه الله تعالى- في (لسان العرب) يقول، في جزء أربعة ص ٢٨٩: وعلي أي طبق كانت من الممكن الرجوع إلى مادة شبه الشين والباء والهاء، الشين والهاء والباء كما يقول أيضًا صاحب (معجم مقاييس اللغة) هي لها معنيان
стр. 118
أصليان أو أصيلان، المعنى الأول أنها تدل على التماثل، هي كلمة تسوية وكلمة تمثيل، هذا شبه فلان أو شبه فلان يعني أنه مثله، فهما متشبهان ومتساويان، هذا معنى من معانيها.
وأيضًا تعني المشكلات، هذا الأمر مشتبه فيه أو مشبه عليه، يعني هناك مشكلة في فهمه، يقول ابن منظور: والفتنة إذا أقبلت شبهت على القوم، وأرتهم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها، ويركبوا متنها، يقصد يركبون متن الفتنة. يعني معنى كلامه يفعلون ما لا يحل، وإذا أدبرت وانقضت بان أمرهم، فعلم من دخل فيها أنه كان على الحق.
إذن الفتنة نوع من التلبيس شبهت على القوم، وزينت لهم أنهم على الحق، فإذا دخلوا فيها انحرفوا ووقعوا في أخطاء كثيرة، وبعد أن تنكشف هذه الفتنة يكتشفون أنهم كانوا على خطأ، لكن لا ينفع الندم في هذه الحالة.
وشبه الأمر عليه أي: اختلط عليه حتى التبس بغيره، والشبهة هي الالتباس، وأمور مشتبة ومشبهة يعني مشكلة، يعني يصعب فهمها والمعاني كلها تتقارب لنصل إلى أصلين من أصول الكلمة أو من معاني الكلمة، معنى التلبيس معنى الخلط، معنى الالتباس عدم الوضوح، هذا المعنى، وأيضًا معنى التشابه والتماثل.
وابن فارس -رحمه الله تعالى- في (معجم مقياس اللغة) يقول: الشين والباء والهاء أصل واحد، يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال: هذا شبه وشبه وشبيه؛ يعني يماثله. والشبه من الجواهر هو الذي يشبه الذهب. والمشبهات من الأمور: المشكلات. واشتبه الأمران: إذا أشكلا. نفس كلام ابن فارس هو كلام ابن منظور في (لسان العرب) المعنيان الأصليان أو الأصيلان، وهما الاشتباه والالتباس، ومعنى المماثلة والمشابهة.
стр. 119
إذن هذا معنى الكلمة في الأصل، المعنى الثاني، وهو معنى الاشتباه والالتباس هو الذي سنسير عليه لأنه هو الذي له صلة بما نحن فيه من الكلام عن الشبه الموجهة إلى السنة المطهرة.
تعريف الشبهة في الاصطلاح: يقولون ما التبس أمره، فلا يدرى أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل.
وهذا الالتباس يشمل كل الأمور قد يصل إلى بعض الأمور، نقول: هي في الاصطلاح أو في الشرع ما التبس وجه الصواب فيه فلم يدر الخطأ من الصواب، وجه الحل من الحرمة، والشبهة على كل كال تجمع على شبه، وهكذا نرى أن الكلمة لها معنيان أصليان وكثير من المعاني الأخرى، والمعنى الثاني بمعنى الإشكال والخلط والتلبيس هو الذي سنسير حوله في كلامنا هذا.
وهذا المعنى قد ورد في مجموعة من الآيات التي في القرآن الكريم، مثلًا: بمعنى المشابهة؛ أي المثل قول الله ﵎: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (البقرة: ٢٥) أي: متماثلًا.
أيضًا في سورة البقرة، وقوم موسى يجادلونه في أمر البقرة ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (البقرة: ٧٠) الاشتباه هنا بمعنى الخلط، وبمعنى الالتباس؛ أي لا ندري ما البقرة المراد ذبحها، وأيضًا بمعنى الأول، كل ذلك في سورة البقرة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ١١٨) المشابهة هنا معناها: تشابهت قلوبهم مع قلوب الذين كانوا من قبلهم جميعًا قالوا قولًا واحد تشابهوا فيه في العمى والضلال والتكذيب
стр. 120
للأنبياء والبعد عن الحق، هذا وجه الشبه الذي جمع بين الأولين وبين الآخرين في موقفهم من رسل الله -عليهم جميعًا أفضل الصلاة وأتم التسليم-.
في سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧) إذًا المتشابه في القرآن له تفسيرات متعددة، هو الذي لا يعلم تأويله إلا الله، هذا معنى، وقد اختاره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في "الفتح" في كتاب التفسير، هل هو المتشابه الذي يحمل وجوهًا متعددة من الفهم والتأويل والتفسير؟ هذا أمر ممكن، هل هو المتشابه الذي قد تعيا بعض العقول على فهمه فعليها أن تفوض أمر فهمه إلى الله تعالى؟
كل ذلك وارد، لكن المقصود لا يعلم تأويله إلا الله كما ذكرت الآية، لكن على كل حال هذه الآية يعني تبين أن المتشابه بمعنى الاشتباه الذي هو الالتباس على بعض الأفهام أن تفهم المراد عنه.
ووردت المادة في القرآن الكريم في آيات كثيرة ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (الأنعام: ٩٩) وفي الآية الأخرى ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (الأنعام: ١٤١) والآيتان هنا بمعنى التماثل ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (الزمر: ٢٣) أي هنا أيضًا بمعنى التماثل يعني يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والبلاغة والتناسق لا تعارض فيه، ولا تناقض إلخ.
أيضًا جاءت مادة شبه في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة بالمعنيين أيضًا، فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧) ثم قال رسول الله ﷺ بعد أن تلا هذه
стр. 121
الآية آية آل عمران ((رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)) أي الذين يتتبعون المتشابه احذروهم، فهؤلاء الذين هم سماهم الله.
ما معنى هذا المتشابه؟ وما المراد به؟ وهل هذا الفهم الصحيح؟ إلخ، يعني يدخلون بنا إلى مشاكل، ولا يفضون الأمر إلى الله مع أن القرآن الكريم لا يناقض بعضه بعضًا أبدًا، ولا يعارض بعضه بعضًا، والمحكمات تضمنت كل الأحكام التي من الممكن أن يحتاج إليها البشر في كل شأن من شئون حياتهم.
هؤلاء الذين يتتبعون المتشابه من القرآن ويريدون أن يضربوا القرآن ببعض، ويحاولون أن يثبتوا أن بين القرآن اعتراضًا أو تضادًّا أو ما شاكل ذلك، هؤلاء في قلوبهم زيغ، وهؤلاء الذين سمى الله تعالى أي في قلوبهم زيغ، وبعدًا عن الحق، واستجابة للهوى وللشيطان، كل هؤلاء علينا أن نحذرهم وأن نبتعد عنهم، فلا نحاكيهم، ولا نكون منهم أبدًا.
أيضًا في حديث النعمان بن بشير ﵁ وهو في الصحيحين يعني هذا الحديث الذي ذكرناه من معنى آية آل عمران، رواه البخاري في كتاب التفسير باب منه آيات محكمات، روى البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين، وكذلك رواه الإمام مسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات. حديث النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي ﷺ قال: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثيرًا من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) إلى آخر الحديث.
المشتبهات في هذا الحديث معناها واضح، يعني ليست هي بواضحة الحل أو الحرمة، فلهذا لا يعرفه كثير من الناس، ولا يعرفون حكمها، والنبي ﷺ قال:
стр. 122
((لا يعلمهن كثير من الناس)) والمهم أن الكلمة هنا بالمعنى الذي نتكلم عنه، وهو معنى الاشتباه والخلط والالتباس الذي يريد البعض بالنسبة لبعض الآيات أو بعض الأحاديث أن يقع فيها.
إذن الخلاصة أن مادة شبه لها معنى المماثلة، ولها معنى الخلط أو الالتباس أو الإشكال في الفهم؛ يعني تحتاج إلى جهد في الفهم وما إلى ذلك، كل ذلك من معاني الكلمة، وهذا هو المعنى المراد الذي نتكلم عنه، معنى الشبهة.
إذن الشبه التي يثيرونها حول السنة وفقًا لما تكلمنا عن مدلول الشبه في اللغة والاصطلاح، أنه يثيرون بعض الإشكالات حول السنة؛ ليثيروا أو ليوجدوا نوعًا من الالتباس والخلط في الفهم، وكأن السنة غير واضحة وغير جلية وما ذلك إلا لما علق بها من إشكالات يريدون أن يقولوا ذلك ليزهدوا الناس في السنة؛ وليبعدوهم عنها وليمنعوهم من الاقتداء والانقياد بحكمها. هذا معنى الشبه.
شبهة حول تدوين السنة
وننتقل الآن إلى أول الشبه التي نتكلم عنها -بإذن الله ﵎ هذه الشبهة يعدها العلماء تحت عنوان تدوين السنة، ما الذي أثاره الأعداء حول قضية تدوين السنة؟ ننطلق في معالجة هذه المسألة من رواية رواها الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه تعليقًا، يعني رواية معلقة، يقول فيها: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا".
стр. 123
هذه الرواية رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب العلم رواية معلقة، يعني من غير سند، قال: وكتب عمر بن عبد العزيز. من غير أن يذكر الإسناد إلى عمر بن عبد العزيز، وعمر بن العزيز -رحمه الله تعالى- ورضي الله تعالى عنه توفي سنة ١٠١هـ، والبخاري ولد سنة ١٩٤هـ، فبين البخاري وعمر بن عبد العزيز قريب من خمس وتسعين سنة بين وفاة عمر بن عبد العزيز ومولد البخاري. إذن هو لم يسمع من عمر بن عبد العزيز.
إذا روى الراوي الرواية من غير إسناد يعني حذف الإسناد كله، هذه تسمى رواية معلقة، طبعًا هناك كلام للعلماء، وأعتقد أن الدارس الكريم الذي يسمعني الآن قد علم حكم المعلقات عند البخاري، هي ليست من أصول الكتاب على كل حال، حين نقول: أجمعت الأمة على تلقي البخاري بالقبول، وأن كل ما فيه صحيح، فهم يقصدون الأحاديث المسندة أي: التي لها إسناد، التي هي أصول الكتاب، أما الروايات المعلقة فيقولون: ما ورد فيه بصيغة الجزم يعني ليس بصيغة التمرير، كمثل الرواية هنا، فهي رواية صحيحة.
وابن حجر -رحمه الله تعالى- قد تكفل ببيان إسناد الروايات التي أوردها البخاري معلقة في كتاب له سماه (تغليق التعليق) لا أريد أن أبتعد عن موضوع الأصلي الذي أتكلم فيه، وإنما أردت أن أعلق على هذه الفائدة ما معنى الرواية المعلقة خصوصًا الرواية التي معنا من هذا النوع، وهي رواية معلقة يقول فيها البخاري ﵀ هو: "كتب عمر بن عبد العزيز .. " إلى آخر الرواية.
كتب إلى أحد علماء الأمة الكبار أبو بكر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه فإني خفت اندراس العلم" يعني ضياعه، اندرست الآثار يعني زالت، فإني خفت دروس العلم هناك الدرس بمعنى المذاكرة، يدرسون العلم يذاكرونه، لكن اندرس العلم أو درس العلم معناها ضياع العلم وانتهاؤه،
стр. 124
"ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا".
هذه الرواية وغيرها أيضًا كما سيأتي عرضا أثناء الشرح استند إليها من يريد أن يهاجم السنة، ما وجه استناده لها؟
يقولون: إن هذه الرواية تفيد أن السنة المطهرة لم تدون إلا في مطلع القرن الثاني الهجري؛ لأن أول من أمر بتدوينها هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- وكما ذكرنا فهو قد تولى الخلافة سنة ٩٩ هـ وتوفي رحمه سنة ١٠١ هـ يعني مع نهاية القرن الأول الهجري، ومعنى ذلك من وجهة نظره هؤلاء الشانئين أن السنة قد تأخر تدوينها قرنًا كاملًا أو قرابة القرن.
تعلقهم بهذه الرواية واضح؛ لأنهم يتصورن أن هذه الرواية تخدمهم في أغراضهم من الهجوم على السنة والتشكيك فيها، يطرحون سؤالًا فيقول: إن السنة إذا كانت قد تأخر تدوينها إلى مطلع القرن الثاني الهجري، فأين كانت طوال القرن الأول الهجري كله؟ أين السنة منذ أن قالها النبي ﷺ إلى أن أمر عمر بن عبد العزيز ﵁ بتدوينها؟
نقول لهم: محفوظة في الصدور مثلًا قالوا لك: إن الحفظ خوان، ونحن لا نأمن الحفظ؛ لأنه قد يطرأ عليه النسيان، وكما يقول أسلافنا ﵏ آفة العلم النسيان، وقد يطرأ عليها الوهم أو الخطأ، وكل ذلك يؤدي إلى احتمال الزيادة والنقصان، والتغيير والتبديل إلى آخره.
وكأنهم وقعوا على كنز ثمين يوجهون من خلاله سهامًا يعني إلى السنة، يعني نقول في الرد على هذه الشبهة، وهي تحتاج إلى رد تفصيلي، سنحاول أن نختصره بقدر الإمكان بإذن الله ﵎.
стр. 125
هي لم تكن محفوظة في الصدور فقط، وإنما كانت محفوظة في الصحف أيضًا؛ يعني محفوظة في الصدور وفي السطور، في الكتابة، كيف؟
دعونا نبدأ المسألة من أولها، فنجزم أولًا بصحة هذه الرواية، بصحة رواية عمر بن عبد العزيز التي صدرنا بها كلامنا، والتي تفيد أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- هو أول من أمر بكتابة السنة، نجزم بصحتها؛ لأنها وردت في أوثق مصادرنا، وأصحها بعد كتاب الله تعالى ألا وهو (صحيح البخاري).
لكن عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- حين أمر بكتابة السنة، فإنه لم يبدأ ذلك من فراغ، وإنه اعتمد على تلك الأصول المكتوبة التي نقول بلا أدنى مبالغة كانت تملأ أرجاء العالم الإسلامي كله من خلال روح علمية نشطة وثابة، أشعلها الإسلام في أتباعه من خلال القرآن الكريم الذي حث على طلب العلم وكرم العلماء، وبين أنهم الطائفة التي تخشى الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩) ومن خلال جملة وافرة من أحاديث النبي ﷺ دعت إلى العلم عمومًا، ودعت إلى الاهتمام بالسنة خصوصًا، وكانت الدافع الأول لصحابة وللأمة كلها على الاهتمام بالعلوم الشرعية وغير الشرعية، وأيضًا الاهتمام بالسنة على وجه خاص.
ويكفي أن النبي ﷺ يدعو بنضارة الوجه فيما رواه الترمذي في كتاب العلم لمن روى حديثًا عنه ﷺ ((نضر الله امرأ سمع منا حدي ثًا فأداه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)) وللحديث نصوص متعددة.
وفي حجة الوداع، وهذا في الصحيحين ((ليبلغ الشاهد الغائب)) المهم هذه الروح العلمية النشطة التي أشعلها الإسلام في أتباعه من خلال مصدريه القرآن والسنة ملأت قلوب الصحابة والمؤمنين بحب العلم، فأصبحوا يتقربون إلى الله تعالى بأن
стр. 126
يزدادوا في كل يوم علمًا، وقطعًا فإن أشرف العلوم وخيرها ما كان متعلقًا بالقرآن الكريم وبالسنة المطهرة، ولذلك نشطوا -كما قلت- في الاهتمام بالسنة.
وحين نتكلم ونقول: إن التدوين في السنة بدأ في عصر النبي ﷺ مبكرًا جدًّا، بل بإذن منه ﷺ شخصيًّا، فإننا لن نعتسف الأدلة أبدًا وصولًا إلى تلك الغاية، ولكننا لا نقول أو لن نقول في هذا الشأن قولًا إلا وسنؤيده بالدليل القوي المستمد من أوثق المصادر بإذن الله، ومن آكدها وأصحها.
على كل نبدأ فنقول: أول العهد في أمر الكتابة كان هو نهي النبي ﷺ عن الكتابة، يعني نهى المسلمين أن يكتبوا شيئًا غير القرآن، وهذا النهي ورد في قوله ﷺ ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) هذا حديث رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم.
هذا أول الأمرين من النبي ﷺ أن نهى عن الكتابة، هذا النهي النبوي كان وراءه جملة من الأسباب، نجملها على الوجه التالي:
أولًا: نهاهم عن الكتابة مخافة اختلاط شيء بالقرآن الكريم، فالقرآن الكريم كان شديدًا عليهم، صحيح هم أهل فصاحة وبلاغة، وأهل تذوق عالٍ وراقٍ، لكن ذلك لا يمنع أن القرآن كان جديدًا لم يتعودوا بعد على أسلوبه، ولم تشربه قلوبهم بعد، صحيح يتذوقونه ويفهمونه، لكنهم لا يستطيعون أن يقتربوا من ساحته، فلذلك يحتاجون إلى أن ينفردوا بالقرآن، وأن ينفرد القرآن بهم، ولا يختلط بشيء آخر مخافة أن يختلط بالقرآن، فلو سمح النبي ﷺ لهم بكتابة شيء غير القرآن مع القرآن، فربما أدى ذلك إلى نوع من الالتباس والاشتباه، فيدخل في القرآن الكريم ما ليس منه.
стр. 127
أيضًا لا ننسى أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع، وهو لفظه ومعناه من عند الله ﵎ فلا بد أن تتوجه همة المسلمين أولًا إلى العناية به وحفظه وتدوينه؛ لذلك لم يرد النبي ﷺ أن يشركهم أو يشرك مع القرآن غيره حتى لا يحدث التباس كما ذكرنا في السبب الأول، وحتى لا تبتعد الهمم عن القرآن الكريم.
أيضًا قلة أدوات الكتابة، وضم إليها أيضًا قلة عدد الكاتبين في ذاك الزمان، نحن لا زلنا بيئة أمية يعني النبي ﵊ يقول ((نحن أمة أمية لا تكتب ولا تحسب)) هذه البيئة الأمية أدوات الكتابة فيها قليلة، وعدد الكاتبين فيها قليل، في ذاك الزمان، هذا جعل النبي ﷺ يستفيد بهم في تدوين القرآن الكريم أولًا، ولم يشأ ﷺ أن يوزع الجهود، وهي قليلة بين القرآن الكريم وغيره.
أنا أقول هذه الأسباب وأود أن لا نأخذ سببًا بمعزل عن الأسباب الأخرى، يعني النبي ﷺ أراد أن لا يختلط شيء بالقرآن، ولا يكتبوا شيئًا مع القرآن في صحيفة واحدة فيختلط هذا بذاك، أيضًا أرادهم أن تتوجه همتهم إلى القرآن الكريم في المقام الأول. أيضًا قلة أدوات الكتابة مع مع قلة عدد الكاتبين يجعلنا نستثمر هذه القلة في ميدانها الأول، وكأنه فقه الأولويات، وكأنه ترتيب الأمور حسب أهميتها، فلتتوجه الهمم أولًا إلى القرآن الكريم، ولا تتوزع الجهود وهي أصلًا قليلة، لا تتوزع على القرآن الكريم وغيره، فيضيع هذا وذاك.
أيضًا من بين الأسباب التي جعلت النبي ﷺ ينهى في أول الأمر عن كتابة شيء غير القرآن حتى لا يركن المسلمون إلى الكتابة ويتركوا الحفظ؛ لأن البيئة بيئة أمية، لكن الله رزقها حافظة واعية يعني نادرة في قوة حفظها، وفي استيعابها رغم أنهم لا يعرفون القراءة والكتابة في الأعم الأغلب. هذا أمر عجيب في هذه الأمة، أن نتصور أن بعض مثلًا رواة الأشعار يحفظون أكثر قرأت مثلًا ١٨٠٠٠ بيت شعر، رقم مهول،
стр. 128
والأنساب وغير الأنساب، هذا أمر لا يجادل فيه أحد، حبا الله هذه الأمة بملكة الحفظ التي لا يقترب من ساحتها أبدًا أحد من الأمم غير أمة العرب المباركة.
إذًا النبي ﷺ أراد أن يستثمر هذه القدرة عند الأمة، وهي ملكة الحفظ، وألا ينصرف من الحفظ إلى الكتابة حتى لا تضعف هذه الملكة، فأمر بعدم كتابة شيء غير القرآن.
هذه بإيجاز أهم أسباب النهي عن كتابة شيء غير القرآن في أول الأمر -أي في أول الإسلام- بعد الهجرة، وهناك من العلماء من أضاف أسبابًا أخرى، لكننا وقفنا عند أهمها الذي ذكره العلماء.
هذه العوامل التي أدت إلى الخوف زال الخوف بعد برهة، كيف؟ بتتابع نزول آي القرآن الكريم، وتعامل الناس معه أصبحوا يتذوقونه، وأصبحوا يدركون الفرق بين وبين أي كلام آخر يأتي على أي لسان، فالسبب الأول في النهي عن الكتابة، وهو مخافة أن يلتبس شيء من القرآن الكريم زال، وانتهى بتعود الأمة على القرآن بحفظ كثير له معايشتهم لمعانيه ولبلاغته ولفصاحته، فاكتسبوا ملكة قوية خصوصًا أنهم في الأصل أهل فصاحة وبلاغة، اكتسبوا ملكة قوية يستطيعون أن يفرقوا بها بين القرآن وبين أي كلام آخر، مهما حاول البعض أن يمتحنهم بالخلط في ذلك الأمر.
وأيضًا همة المسلمين إذا كنا نريدها أن تتوجه إلى القرآن الكريم فقد توجهت ولله الحمد والمنة، وأيضًا نريدها بعد ذلك أن تتوجه نحو السنة؛ لأننا لا نستطيع أن نفهم الإسلام إلا من خلال القرآن والسنة فلذلك أيضًا زال سبب الخوف الذي كان يعني سببًا في أن يمنع بعض المسلمين من كتابة شيء غير القرآن.
وأيضًا بمرور الوقت وتتابع الأزمان، قلة الكتابة، وقلة أدوات الكتابة انتهى، كيف؟ درب كثير من المسلمين على القراءة؛ يعني دين يدعو إلى العلم، ويتعبد
стр. 129
الله بأمور كثيرة في هذا الدين، ومن بينها يتعبد بالعلم؛ يعني نطلب العلم مرضاة لله ﵎ يعني ولذلك حرم علينا أن نكتم العلم، يعني قضية العلم في الإسلام لها حديث آخر، لكن أنا أريد أن أقول: إن الأمة أقبلت على العلم فزال سبب من الأسباب التي ذكرناها، وهي قلة أدوات الكتابة، وقلة الكاتبين.
ويكفي يكفي أن نعلم أن النبي ﷺ جعل فداء الأسير من مشركي قريش في بدر أن يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة؛ يعني هو حدد مبلغًا من المال لكل أسير، والذي لا يكون معه مال، ولكن معه القراءة والكتابة يستطيع أن يعلم عشرة من المسلمين، يعني أنا لم أقف على مصادر ذكرت عدد الكاتبين من هؤلاء الأسرى، لكن أنا أحيانًا أتخيل، هم كانوا سبعين أسيرًا لو أن عشرة منهم علموا المسلمين، وفقًا لهذا الشرط سيعلمون مائة، ثم هذه المائة بعد ذلك تنطلق لتعلم غيرها من المسلمين، وهكذا قام في المجتمع حركة علمية نشطة لا تتوقف عند حد، وثمارها نعيشها حتى اليوم.
المهم أن هذه الأسباب زالت التي أدت إلى النهي عن الكتابة في أول الأمر، ثم كان الإذن النبوي الكريم بعد ذلك بالكتابة.
إذن فالنبي ﷺ نهى عن الكتابة في أول الأمر للأسباب التي ذكرناها، ثم لما زالت الأسباب أذن النبي ﷺ بالكتابة، هذا الإذن تمثل في جملة من الأدلة، يعني أنا لم أشرح الآن كيف زالت هذه الأسباب؛ لأن هذا أمر طويل وله تفصيلات كثيرة، إنما المهم أن أسباب النهي عن الكتابة زالت، فكان آخر الأمرين من النبي ﷺ هو الإذن بالكتابة، هل هناك أدلة على الإذن بالكتابة؟
نعم، روى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بسنده إلى عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول ﷺ أريد حفظه. فنهتني قريش
стр. 130
فقالوا: "إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول ﷺ ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا". فأمسكت عن الكتاب -يقصد الكتابة يعني، أمسكت يعني امتنعت- فامتنعت عن الكتاب أي عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق)) الحديث سنستدل به على قضية أخرى بعد أن نشرع في الغوص في المسألة، لكن الآن نستدل به على أن النبي ﷺ أذن في الكتابة بعد النهي عنها.
ونرجو أن ننتبه أن هذا الإذن كان بعد النهي، بدليل أن عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب هذه القصة، وهذه الرواية رواه الإمام أحمد كما قلنا في (المسند) في جزء ٢ صفحة ١٦٢ ورواها أيضًا في مواطن أخرى متعددة -رحمه الله تعالى- في مسنده عبد الله بن عمرو بن العاص أسلم سنة ثمان للهجرة، إذن فهذا الأمر النبوي الكريم من الأمور المتأخرة بعد سنة ٨ للهجرة.
أيضًا في فتح مكة النبي ﷺ خطب، والرواية عند الإمام البخاري في كتاب العلم في باب كتابة العلم، ورواها الإمام مسلم في كتاب الحج باب تحريم مكة صيدها وشجرها، تقول الرواية: "لما فتح الله تعالى مكة للمسلمين خطب النبي ﷺ قام يخطب يعني فرحًا بنعمة الله بفتح مكة ودخولها في الإسلام، وتحدثًا بنعمة الله عليه، فقام رجل من أهل اليمن اسمه أبو شاة، وقال: يا رسول الله اكتبوا لي. فقال: ((اكتبوا لأبي فلان)) يقصد أبا شاة.
هذه الرواية كما قلت موجودة عن البخاري ومسلم فيها أن أبا شاة وأيضًا في فتح مكة سنة ٨ في رمضان، يعني قال: النبي ﷺ خطب، واشتكى له الرجل في بعض الروايات أنه اشتكى له؛ يعني ضعف الحفظ، وكذا وطلب منه أن يكتبوا له، فالنبي ﷺ أذن وقال: ((اكتبوا لأبي شاة)) ضم هذا الدليل مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أيضًا الذي كان بعد سنة ٨ لأن عبد الله أسلم سنة ٨ ﵁ وعن أبيه.
стр. 131
أيضًا عند البخاري في الرواية السابقة: ((اكتبوا لأبي شاة)) زيادة عن الوليد بن مسلم قال: قلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا؟ كأنه يسأل الأوزاعي ما معنى قوله ((اكتبوا لأبي شاة)) يعني ماذا يكتبون، وكيف يفهمون الأمر؟
فالأوزاعي يقول: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ يعني سيكتبون لأبي شاة هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ .
أيضًا روى الإمام الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- قال من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: "كان رجل يشهد حديث النبي ﷺ فلا يحفظه، فيسألني، فأحدثه، فشكى قلة حفظه إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "استعن على حفظك بيمينك" هذا توجيه من النبي ﷺ للرجل أن يستعين بيمينه يعني يستعين بالكتابة، وهذا درس مهم جدًّا، فتدوين العلم وكتابته من الأسباب القوية جدًّا في الحفاظ على العلم، يعني لو أنك مثلًا أي علم تعلمته عرضة أن تنساه خصوصًا في هذا الزمان، ذاكرة الحفظ قلّت وضعفت والشواغل كثيرة أن تبقي شيئًا من العلم أو حتى الذي تبقى تحفظه بحفظ الله تعالى له بالوسائل العلمية، فهذا مما يساعد على الحفظ، أقصد أن أقول الكتابة من أهم الوسائل على حفظ العلم الشريف.
النبي ﵊ الرجل شكا له قلة الحفظ أو ضعف الحفظ فقال له: "استعن على حفظ بيمينك" يعني قوِّ حفظك باستعمال الكتابة؛ لأن الكتابة تثبت العلم وتحفره في أعماق الذاكرة، فلا يتفلت بإذن الله ﵎.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم بارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 132
الدرس: ٨ شبهة حول تدوين السنة (٢) .
стр. 133
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(شبهة حول تدوين السنة (٢))
الأحاديث الدالة على الإذن بتدوين الحديث والحث عليه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فبعون من الله ﵎ وتوفيقه كنا قد بدأنا الكلام عن شبهة تدوين السنة، وخلاصتها أن الأعداء يقولون: إن تدوين السنة قد تأخر إلى مطلع القرن الثاني الهجري أثناء خلافة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه ورحمه الله تعالى- لأنه هو الذي أمر بتدوين السنة، وقد ذكرنا الرواية الدالة على ذلك، وهي موجودة في (صحيح البخاري) فأين كانت السنة المطهرة طوال القرن الأول الهجري كله؟.
ويثيرون وفقًا لهذا بعض الشكوك في السنة تعرضت للزيادة والنقصان والتحريف أو التغيير والتبديل وما شاكل ذلك، وهذا اقتضانا أن نذكر أدلة؛ يعني قلنا: إن أول الأمر من النبي ﷺ أنه نهى عن كتابة السنة، وهذا حديث صحيح موجود في (صحيح الإمام مسلم) من رواية أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- وذكرناه أيضًا في الدرس الماضي، واقتصرنا على حديث أبي سعيد؛ لأنه أصح الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة.
هناك أدلة أخرى قد تكلم العلماء حولها -لا داعي للدخول في تفصيلاتها- وإنما يكفينا حديث أبي سعيد ﵁ فهو واضح في الدلالة على النهي عن كتابة السنة في أول الأمر، ثم بعد ذلك أذن النبي ﷺ في الكتابة، وهذا الإذن له أدلة كثيرة، وهناك قرائن تبين أن هذه الأدلة كانت في آخر حياة النبي ﷺ .
من هذه الأدلة كما ذكرنا حديث: ((اكتبوا لأبي شاة)) فها هو النبي ﷺ يأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- في الكتابة، وكان ذلك بعد إسلام عبد الله الذي أسلم في السنة الثامنة للهجرة، وحديث أبي شاة كان في فتح مكة أي في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة.
والخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- روى في كتاب (تقييد العلم) قال بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: كان رجل يشهد حديث النبي ﷺ فلا يحفظه، فيسألني، فأحدثه، فشكا قلة حفظه إلى رسول الله ﷺ فقال له النبي ﷺ : "استعن على حفظك بيمينك" أي: استعن بالكتابة لتساعدك على الحفظ؛ لأن الكتاب من أقوى الوسائل في حفظ العلم.
والمهم أن هذه أدلة وغيرها أيضًا موجود، ولا نطيل في ذكر الأدلة إنما نبين أن هناك أدلة نهت عن الكتابة كما في حديث أبي سعيد، وأدلة حثت أو سمحت بالكتابة، العلماء -رحمهم الله تعالى- تعددت أقوالهم في الجمع بين هذه الأحاديث، بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن.
هناك من قال: إن العلاقة هي العموم والخصوص، بمعنى أن قوي الحفظ لا يسمح له بالكتابة، فحديث النهي يحمل عليه، أحاديث النهي كلها تحمل على من يعني له حافظة قوية يستطيع أن يحفظ، فلا يهدرها، ولا يضيعها بالكتابة، وتتعود ذاكرته على النسيان؛ لأنه لا يعوده على الحفظ، وبالتالي فإن أحاديث النهي محمولة على قوي الحفظ، وأحاديث الإذن محمولة على ضعيف الحفظ ما دام لا يحفظ جيدًا فليستعن بيمينه، وليكتب حتى لا يضيع منه العلم، ولا يختلط لديه العلم.
стр. 134
وهناك من قال: إن النهي منصب على ما إذا اجتمع القرآن والسنة في صحيفة واحدة يعني النهي موجه إلى من يكتب القرآن، ويكتب الأحاديث النبوية في صحيفة واحدة مخافة أن تختلط الأحاديث النبوية بالقرآن الكريم، ولكن من يؤمن منه هذا الخلط، ولا يقع في ذلك اللبس، فلا بأس أن يكتب خصوصًا إذا كتب الحديث في صحيفة، وكتب القرآن في صحيفة أي: أن كل واحد منهما كان في صحيفة مستقلة.
وهناك من قال: إن أحاديث الإذن ناسخة لحديث النهي، واستعان على ذلك بأن أحاديث الإذن بها قرائن تساعد على أن ذلك كان آخر الأمرين من النبي ﷺ لأن حديث أبي شاة كان في فتح مكة؛ ولأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- كان بعد إسلام عبد الله، في السنة الثامنة، والروايات كثيرة في أنه أسلم قبل الفتح وهاجر للنبي ﷺ .
ومن المحتمل أن يكون هذا الحديث كان بعد إسلامه بمدة، يعني من الممكن أن نتوقعه في السنة التاسعة أو في السنة العاشرة بعدما تعود على الكتابة، وعلى أن يسجل كل شيء يسمعه من النبي ﷺ وأيًّا ما كانت العلاقة بين أحاديث الإذن وأحاديث النهي فإن الصحابة الكرام تلقفوا هذا الإذن النبوي الكريم بالكتابة، وشرع كثير منهم في كتابة الحديث الشريف.
ونحن هنا سنسوق جملة من الصحف التي كتب فيها الصحابة، ولن نذكر يعني واحدًا من الصحابة كتب إلا بالدليل الصحيح من خلال المصادر أو السنة النبوية المطهرة يعني كتب السنة وكتب السيرة، وما إلى ذلك، فلكي نبين أن السنة المطهرة بدئ في تدوينها من عصر النبي ﷺ أي في حياته، وبإذن منه ﷺ .
وقد أشرنا إلى بعض الأحاديث الواردة في الإذن.
стр. 135
الصحابة الكاتبون، وصحف تم تدوينها في عهد الرسول
فمن الصحابة الكاتبين الإمام علي ﵁ وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة.
يعني بإيجاز الشيعة كانوا يشيعون أن النبي ﷺ اختص عليًّا -رضي الله تعالى عنه- ببعض العلم ببعض الأحاديث، ببعض الأمور، لم يعطها لبقية الصحابة، فأبو جحيفة يسأل عليًّا ﵁ ويقول: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله. كتاب الله هذا عند الجميع لمن أراد أن يقتنيه من المسلمين، لا مشكلة في هذا، إذن ليس هناك تمييز لعلي ﵁ بذلك، أو فهم أعطيه رجل مسلم بمعنى: أنه لو أن رجلًا مسلمًا كان أكثر فهمًا للنصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ومن هؤلاء الذين اختصهم الله بمزيد من الفهم علي -رضي الله تعالى عنه- يعني اختصه الله تعالى بفهم وهو أحد كبار علماء الأمة بإجماع كل أهل السنة والجماعة على ذلك، فأيضًا هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس في ذلك تمييز له "أو ما في هذه الصحيفة" وهذا محل الشاهد، "قلت" أبو جحيفة يسأل "وما في هذه الصحيفة؟ " قال علي ﵁: "العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
يعني فيها العقل أي الدية؛ يعني فيها الأحاديث الدالة على الدية، وفيها أحكام الأسير وفكاك الأسير، وفيها حكم قتل المسلم بالكافر، ووردت روايات متعددة بموضوع الأحاديث التي كانت في صحيفة علي ﵁ ولسنا هنا بصدد حصر الموضوعات التي كانت موجودة في الصحيفة، فهذا ليس الأهم في موضوعنا
стр. 136
الآن إنما هو معه صحيفة بها جملة من الأحاديث المتعلقة بمجموعة من الموضوعات الإسلامية.
إذن هي صحيفة كبيرة، وهي بها مجموعة من الأحاديث النبوية المتعلقة بعدة موضوعات، مع أن الصحيفة في لغة العرب تعني الكتاب يعني الألفاظ المتداولة الآن في الثقافة العادية الآن الصحيفة قد تعني الجريدة التي نقرؤها صباح كل يوم في أي دولة كانت، لا، الصحيفة في لغة العرب تعني الكتاب؛ يعني أن عليًّا كان عنده كتاب فيه جملة من الأحاديث النبوية الشريفة، ولا ننسى أن الدليل على ذلك ورد في (صحيح البخاري) -رحمه الله تعالى- فقد رواه البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم.
والمقصود كما قلنا أن الصحيفة بها هذه الأحاديث المتعلقة بهذه الموضوعات وبغيرها كما وردت بذلك روايات متعددة.
وأرجو من المستمع الكريم أن يحصي الصحائف التي كتبت في عصر النبي ﷺ وبإذن منه حتى نثبت بالأدلة من غير تعسف أن السنة المطهرة بدئ في تدوينها في حياة النبي ﷺ .
أيضًا من الصحابة الكاتبين عبد الله بن عمرو بن العاص، ومنذ قليل كنا نتكلم عن الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بأنه كان يكتب كل شيء، هذا دليل على الكتابة والنبي ﷺ علم بذلك، وأذن له "كنت أكتب كل شيء أسمعه من النبي ﷺ فنهتني قريش" يعني وقالوا: "إن رسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا".
ومعنى اعتراض قريش أنهم خافوا أن يكون بعض ما يقوله النبي ﷺ ليس بالكتابة؛ لأنه مثلًا من أقواله البشرية يعني ليست من الوحي، أو ما شاكل ذلك، ربما فهموا ذلك، فالنبي ﷺ بين لعبد الله ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق)).
стр. 137
الحديث يحمل الدليل على الأمرين معًا على أن السنة كلها وحي من عند الله ((ما خرج مني إلا حق))، وأقسم النبي ﷺ على ذلك، والحق هو الذي جاءه من عند الله. والأمر الثاني: جواز الإذن بالكتابة أو جواز الكتابة ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق)) إذن عندي الآن صحيفة علي، وصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وكتابة عبد الله أثمرت صحيفة مشهورة اسمها صحيفة عبد الله أو هو أسماها الصادقة، وكانت قريبة جدًّا إلى قلبه.
وتلميذه مجاهد يقول: دخلت عليه أي على عبد الله بن عمرو بن العاص فتناولت صحيفة تحت رأسه، فتمنع عليه يعني كأنه أبى أن يعطيه إياها، فقلت: "تمنعني شيئًا من كتبك؟ " فقال: "هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه فيها أحد" كان يعتز بها؛ لأنها سماعه من النبي ﷺ ليس بينه وبين النبي ﷺ أحد، فإذا سلم لي كتاب الله، وهذه الصحيفة، والوهط فلا أبالي.
يعني عبد الله خاف الصحيفة أن يعيطها لتلميذه، فقال: "هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه فيها أحد، فإذا سلم لي كتاب الله، وهذه الصحيفة والوهط، فما أبالي ما كانت عليه الدنيا" هذا يعني رواه الإمام الدارمي وغيره في كتاب العلم، باب من رخص في كتابة العلم. والوهط يعني الحديقة، كانت لعمرو بن العاص ﵁ بالطائف، وآلت من بعده لابنه عبد الله.
ومن هذه الصحيفة ما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده إلى أبي سبرة أنه قال: كان عبيد الله بن زياد يسأل عن الحوض، حوض محمد ﷺ وكان يكذب به، بعدما سأل أبا برزة والبراء بن عازب وعائد بن عمرو، ويكذب به، فقلت له: ألا أحدثك في شفاء هذا؟ إن أباك بعث معي بمال إلى معاوية. "أباك" يقصد زياد بن أبيه، والد عبيد الله بن زياد بعث بمال إلى أبي سبرة إلى معاوية -رضي الله تعالى عنه- فلقيت
стр. 138
عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثني بما سمع من رسول الله ﷺ وأملى علي، فكتبته بيدي، فلم أزد حرفًا، ولم أنقص حرفًا.
حدثني أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش، ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤمن الخائن ويخون الأمين)) وقال: ((ألا إن موعدكم حوض عرضه وطوله واحد، وهو كما بين أيلة ومكة، وهو مسيرة شهر، فيه مثل النجوم أباريق)) "فيه مثل النجوم أباريق" يعني يقصد أن أكوابه وكيزانه عدد نجوم السماء ((وشرابه أشد بياضًا من الفضة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا)) فقال عبيد الله: ما سمعت في الحوض حديثًا أثبت من هذا، فصدق به وأخذ الصحيفةفحبسها عنده.
إذن يعني جئنا بحديث من أحاديث الصحيفة لنبين أن الصحيفة موجودة، وأنها روى منها عبد الله بن عمرو بن العاص، وكتب عنه بعض تلاميذه، وهذا الحديث موجود عند الإمام أحمد.
والحديث تضمن فقرات يعني موجودة في كثير من الصحيح من المصادر ((إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش)) هذا ورد في الصحيح، وأيضًا أحاديث الحوض صحيحة وكثيرة جدًّا، بل إن ابن حجر -رحمه الله تعالى- وغيره في الفتح أشاروا إلى أن أحاديث الحوض متواترة.
يقول ابن حجر: جمعت طرقها فبلغت بها أكثر من خمسين صحابيًّا وبلغني أن بعض المتأخرين اشتغل بجمعها فوصل إلى أكثر من ثمانين صحابيًّا. والمهم أن هذه الصحيفة.
وابن الأثير يقول في (أسد الغابة) عن هذه الصحيفة: "إن عدتها ألف حديث" يعني صحيفة واحدة بها ألف حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ضم هذه
стр. 139
الصحيفة، فصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- بها ألف حديث، ضمها إلى صحيفة علي ﵁ وبها أحاديث كثيرة متعلقة بجملة من الموضوعات؛ لنعرف أن كثيرًا من السنة قد جمع أو قد كتب في حياة النبي ﷺ .
أيضًا من الصحابة الكاتبين أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- ورغم أنه كان لا يعرف الكتابة، هو لم يكن كاتبًا إلا أنه كان يستكتب لنفسه؛ يعني يطلب من الآخرين أن يكتبوا له، بفضل من الله ﵎ وكأن الله أراد أن يبقي لنا دليلًا من الأدلة المادية القوية على كتابة السنة في مرحلة مبكرة جدًّا حفظ لنا صحيفة من صحف أبي هريرة، رواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه.
وهذه الصحيفة الآن طبعت وحققت بأكثر من تحقيق، موجودة في الأسواق، سمعها همام من شيخه أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أبو هريرة متوفى سنة تسعة وخمسين أو ثمانية وخمسين أو سبعة وخمسين، على خلاف بين الأقوال في سنة وفاته، وهناك من رجح أنها سنة تسع وخمسين للهجرة، المقصود من ذكر سنة وفاة أبي هريرة أن نثبت أن همامًا سمعها من شيخه قبل وفاته، وإلا لما كان قد رواها عنه، يعني هذه الصحيفة كتبت في القرن الأول، كتبها همام بن منبه عن شيخه أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
هذه الصحيفة تعتبر من الأدلة اليقينية على أن السنة المطهرة قد شرع في تدوينها منذ مرحلة مبكرة جدًّا، وترد على الذين يزعمون أن السنة قد تأخر تدوينها، ويستدلون على ذلك برواية عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- وهي في ذات الوقت تعتبر وثيقة تاريخية هامة جدًّا لأنها وصلت إلينا كاملة رواها عن همام رواة كثيرون، يعني أستاذنا الأستاذ الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- تتبع سلسلة رواتها فقال: "وقد رواها عن همام رواة كثيرون آخرهم معمر بن راشد، ثم عبد الرزاق عن معمر
стр. 140
بن راشد، ثم آخر من رواها عن عبد الرزاق إسحاق الدبري ثم آخر من رواها عن إسحاق تلميذه أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠ هجرية.
هذه الصحيفة رواها كاملة في مسنده الإمام أحمد بن حنبل ﵁ كاملة في أثناء مسند أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وأيضًا أخرج صاحبا الصحيحين بعض أحاديثها، الإمام أحمد كما قلنا يعني ذكرها أو رواها كاملة في مسنده، وهي ١٣٨ حديثا، محققة، ومطبوعة كما ذكرنا.
من أحاديث هذه الصحيفة ما رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بسنده إلى همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله لهم فاختلفوا فيه، وهدانا الله إليه ثم كنا فيه تبعًا، فاليهود غدًا والنصارى بعد غد)).
نذكر أيضًا بعض الأحاديث من أحاديث الصحيفة لنثبت وجودها، وكما قلنا هذه الصحيفة لها أكثر من تحقيق موجود في السوق، الدكتور رفعت فوزي حققها الدكتور محمد حميد الله حققها على أكثر من نسخة، وسجل ذلك في بداية كلامه، والتحقيقات موجودة في الأسواق، في المكتبات الإسلامية المعروفة.
هذه الصحيفة كما قلنا كتبت في القرن الأول الهجري، سواء كتبت، في الأغلب أنها كتبت بعد عصر النبي ﷺ لكنها كتبت في عصر الصحابة، وبيقين كتبت في القرن الأول الهجري، وقبل وفاة أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
العلماء يستدلون بهذه الصحيفة على أمر آخر، وهو أن الصحيحين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر معروف، فإن صاحبي الصحيحين -رحمهما الله تعالى- لم يلتزما بجمع كل الأحاديث الصحيح، وإنما التزما فقط بأنهما لن يضعا حديثًا في كتابيهما إلا إذا كان صحيحًا.
стр. 141
الصحيفة ثمانية وثلاثون ومائة حديث، وبإسناد واحد الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إذن درجتها في الصحة واحدة؛ لأن إسنادها واحد، ومع ذلك أخرج البخاري ومسلم بعضها، ولم يخرجا كل أحاديثها؛ ليدل ذلك على أنهما لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، لكن أيضًا ضم هذه الصحيفة إلى الصحائف التي تكلمنا عنها لعلي ولعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما.
أيضًا من الصحابة الكاتبين عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله تعالى عنه- المتوفى بالكوفة سنة ٨٧ هجرية، لقد كتب كتابًا إلى عمرو بن عبيد الله بن معمر القرشي، أمير فارس، عندما وجهه عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنهما- إلى حرب الأزارقة، وقد قرأ هذا الكتاب سالم أبو النضر مولى عمرو وكاتبه، وقد حدث بما فيه من أحاديث، وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه بعضها.
ومن أحاديث هذه الصحيفة ما رواه البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر، مولى عمرو بن عبد الله، وكان كاتبًا له، كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته أن الرسول ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس. ثم قام في الناس فقال: ((أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ثم قال: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) هذا الحديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الجهاد، باب الصبر على القتال. ورواه أيضًا في مواطن أخرى من صحيحه؛ ليدل على أن هذه الصحيفة كتبت أيضًا بها جملة من الأحاديث النبوية.
стр. 142
والخليفة الأول أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- كتب شيئًا من السنة أيضًا، فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر بها الله ورسوله ﷺ : "من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه". وتفاصيل مقادير الزكاة طويلة، وهذا أيضًا رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل. والمهم أنها صحيفة، كتبها أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- لأنس بن مالك، رضي الله تعالى عن الجميع.
ومن الصحابة الكاتبين أبو رافع مولى رسول الله ﷺ وكان له كتاب، جمع فيه بعض الأحاديث عن النبي ﷺ ودفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي، أحد التابعين الأجلاء، وأحد الفقهاء السبعة، ورواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك، لا شريك لك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، ولا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك)) ثم يقرأ. يعني يقرأ الفاتحة، ويقرأ القرآن. هذا رواه الإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وحتى بها بعض الزيادات الأخرى التي لم يذكرها هنا.
وكان أنس -رضي الله تعالى عنه- من الصحابة الكاتبين، وقد قابله عتبان بن مالك، فكتب عنه أنس حديث زيارة النبي ﷺ له، نص الحديث عند مسلم -رحمه الله تعالى- فيما رواه بسنده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك ﵃ أجمعين- رواية ثلاثة من الصحابة عن بعضهم، من لطائف الإسناد هنا.
стр. 143
قال أنس: قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك. يعني أريد أن أسمعه منك، وأن ترويه لي قال أي عتبان: "أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله ﷺ أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي" يعني: عتبان أصابه في بصره بعض المرض، فلا يستطيع أن يستمر على صلاة الجماعة في المسجد بشكل مستمر، فأراد أن يتخذ لنفسه في بيته مسجدًا، وأن هذا المسجد يشرف بصلاة رسول الله ﷺ فطلب من النبي العظيم ﷺ أن يأتيه إلى منزله، وأن يصلي في مكانه؛ ليتخذه مصلى له بعد ذلك، وصلى عنده النبي ﷺ وتم هذا الأمر.
هو حديث طويل، وفي آخره محل الشاهد فيه، قال أنس ﵁: "فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه فكتبه" هذا رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.
كان الناس إذا أكثروا على أنس بن مالك ﵁ طلبًا للسماع يلقي إليهم كتبًا ويقول: هذه كتب سمعتها من رسول الله ﷺ وكان يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب. هذا النص "قيدوا العلم بالكتاب" ورد مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ وورد موقوفًا على كثير من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وأنس وغيرهم، وقد استعرض ذلك كله الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- في كتابه (تقييد العلم).
والمهم أن أنسًا كتب الحديث، وأنه كانت عنده كتب أخرى يلقيها إلى طلابه، ويقول لهم: "هذه كتب سمعتها من رسول الله ﷺ " وكان يوصي أبناءه بأن يستعينوا بالكتابة "قيدوا العلم بالكتاب" أي: احفظوه وسجلوه ودونوه لكي لا يضيع، قيدوا العلم بالكتاب هذا ورد مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ وهناك مناقشات للعلماء في درجته،
стр. 144
وأيضًا ورد موقوفًا على كثير من الصحابة، وهذا الورود يدل على أنها أصبحت قاعدة علمية عندهم أن يقيدوا العلم بالكتاب، وأن يحافظوا عليه من ضياعه بالتسجيل بين دفتي الصحائف حتى لا يضيع.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: الصحابي الجليل سعد بن عبادة، وقد روى الترمذي -رحمه الله تعالى- قال ربيعة: وأخبرني ابن سعد بن عبادة قال: وجدنا في كتاب سعد "أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد" وهذا رواه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد.
وابن حجر في (تهذيب التهذيب) يجزم بأن سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- كان من كتاب الجاهلية، ونص ابن حجر في ذلك نقلًا عن ابن سعد، وهذا كلام ابن حجر عن سعد بن عبادة: "كان في الجاهلية يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي، وكان من أحسن ذلك يقال له الكامل".
إذن سعد له كتاب كتبه عن النبي ﷺ أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد، وقضية القضاء باليمين والشاهد قضية فقهية معروفة، ولها أدلتها، ولها مناقشاتها في كتب الحديث والفقه معًا.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: سمرة بن جندب -رضي الله تعالى عنه- قد جمع أحاديث كثيرة في صحف عنده، ورثها عنه ابنه سليمان، ورواها عنه، وهي كما يقول أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- في مقدمة تحقيقه لـ (فتح الباري) طبعة كانت طبعتها الأهرام في السبعينات يقول: "وهي على ما يظن الرسالة التي بعثها سمرة إلى بنيه، ومن أحاديثها: "بسم الله الرحمن الرحيم من سمرة بن جندب إلى بنيه، إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نصلي كل ليلة بعد المكتوبة ما قل أو كثر، ونجعله وترًا".
стр. 145
قال ابن سيرين عن هذه الصحيفة: "في رسالة سمرة بن جندب إلى بنيه علم كثير" كلام ابن سيرين هذا ذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب) وهو يترجم لسمرة بن جندب -رحمه الله تعالى-.
وقد قال أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- عن هذه الصحيفة: وصلت هذه الرسالة كاملة إلى الحسن البصري، المتوفى سنة مائة وعشر للهجرة، وكان يعتمد عليها في روايته، ويبيح نسخها لمن يشاء، ويستمع إلى من يرغب في قراءتها عليه، وجاء في كتاب (العلل ومعرفة الرجال) لأحمد بن حنبل عن ابن عوف قال: "وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه".
والإمام النسائي -رحمه الله تعالى- روى في كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، ورواه الترمذي أيضًا في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة من أحاديث صحيفة سمرة هذه عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)).
أيضًا من الصحابة الكاتبين: عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وكان عند كريب مولى ابن عباس كتب كثيرة من كتب ابن عباس، ولقد تعددت الروايات وذكر عدد منها أن كريبًا حمل من عند ابن عباس حمل بعير من الكتب، نتصور حمل بعير في ذاك الزمان من الكتب يعني مكتبة ضخمة جدًّا بمقاييس ذاك الزمان السالف، خصوصًا مع قلة أدوات الكتابة، وقلة الكاتبين، فكون واحد من الصحابة ﵃ يعني عنده مكتبة حمل بعير من الكتب، هذه مكتبة ضخمة جدًّا أكثر من ضخمة.
وكان علي بن عبد الله بن عباس يبعث إلى كريب إذا أراد كتابًا من كتب أبيه، فيبعث كريب إلى علي بما يريد، فينسخها ثم يردها إلى كريب مرة ثانية، وكأن
следующие страницы →