← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95992

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (ماجستير)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (394 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

اليوم نتكلم عن قضية جديدة وهي الشبهات التي أثارها من أثارها حول حجية خبر الآحاد وثبوته، أثاروا شبهًا سنستعرضها ونرد عليها. مثلا يقولون: إن العمل بخبر الآحاد إنما هو عمل بالظن، وقد ذم الله ﵎ في كثير من آيات القرآن الكريم الارتكان والاحتكام إلى الظن في كثير من الآيات، من ذلك مثلا قول الله ﵎: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨)، وفي غير ذلك من الآيات التي تدل على أن الظن مذموم، وأنه لا يجب العمل بما يفيد الظن، هذه شبهة. وأيضًا في نفس سورة النجم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ (النجم: ٢٣) وفي الحديث الصحيح: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) وهذا حديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الأدب باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢) ورواه الإمام مسلم أيضا في كتاب: البر والصلة باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش وغيرها، وهذا الحديث من رواية أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- هذه شبهة: أن عملنا بخبر الآحاد يقتضي العمل بالظن والقرآن الكريم ذم الظن، وهنا في الرد عليهم أمران: الأمر الأول: أن القول بأن خبر الآحاد يفيد الظن ليس مجمعًا عليه إنما معظم علماء الأمة على أن، وهذا الحصر لا نبالغ فيه، إذا قلنا: إن معظم علماء الأمة على العمل، أو على أن خبر الآحاد يفيد القطع لا نبالغ وخصوصًا من أبناء المدرسة الحديثية المباركة، بل إننا قلنا في الدرس الماضي: إن مبحث التواتر والآحاد أصلًا ليس مبحثًا حديثيًّا، فالمحدثون معنيون بثبوت صحة الخبر، ومتى ثبتت صحته في ضوء معاييرهم من دراسة الإسناد، ومن دراسة المتن يقطعون بنسبته

стр. 212

للنبي ﷺ ومع ذلك فإنا سنقف وقفة أخرى مع قضية الظن والعمل به، لكننا نرد على القول بأن العمل بخبر الآحاد إنما هو عمل بالظن، والظن مذموم. نقول: إن هذه المقدمة الأولى، وهي أن بخبر الآحاد يقتضي العمل بالظن ليست مسلمة؛ لأن كثيرا من علماء الأمة لم يقولوا بظنية خبر الآحاد في الثبوت، وإنما قالوا بقطعية ثبوته للنبي ﷺ ونحن قد استعرضنا هذه الآراء بإيجاز في الدرس الماضي، هذا جانب. والجانب الآخر: أن الظن قسمان: إذا جاز التعبير هناك ظن مذموم، وهناك ظن غير مذموم أيضا بدلالة الآيات القرآنية. الظن المذموم هو: الظن غير المبني على أدلة كأننا نتوهم، فنستطيع أن نقول إن الظن المذموم في هذه الحالة إنما هو الظن المرادف للوهم أي: الذي لا يعتمد على أدلة، وأيضًا القرآن الكريم اعتبر الظن، ونحن في الدرس الماضي عرفنا الظن، وقلنا في تعريفاته: تعريفات متعددة قالها العلماء منها: أن الظن التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم، وهذا قاله: الفيروزآبادي في (القاموس المحيط) وكأنه تعريف لغوي، وليس تعريفا اصطلاحيًا، الجرجاني في (التعريفات) يقول: إن الظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، يعني ترجيح أحد الاحتمالين كما يقول الأصوليون. إذن الظن هو ترجيح أحد الاحتمالين بناء على قرائن يعني: محمد مسافر أو غير مسافر إذا قلت: إنه مسافر على غلبة الظن، يعني ترجح لدي بقرائن أنه مسافر ليست عندي أدلة أنه قد سافر، فأنا أقولها على سبيل الظن، يعني ترجيح أحد

стр. 213

الاحتمالين على الآخر مع احتمال الرأي الآخر أيضًا، هذا تعريفه، أو ترجيح أحد الاحتمالين أو العمل بالقول الراجح إلى آخر التعريفات التي قالها أهل الأصول. قلنا: إن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، هذا مع أننا لم نسلم -نكررها كثيرا؛ لأننا أبناء المدرسة الحديثية، ومادتنا هذه لأبناء التخصص الحديثي- لا نسلم أبدا بأن خبر الآحاد يفيد الظن، ولكن مع التسليم الجدلي مجاراة لمن يقول بذلك نوضح أن الظن في كل الأحوال ليس مذمومًا، يعني هم اعتمدوا مثلا على الآية التي ذكرناها في سورة النجم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ﴾ (النجم: ٢٣) ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) وعلى مثلها من الآيات وعلى حديث: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) إلى آخره هناك آيات كثيرة اعتمدت الظن كدرجة من درجات العلم من ذلك مثلا قول الله ﵎: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩). وقبل ذلك في سورة البقرة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ٤٤ - ٤٦) وفي سورة المطففين ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ (المطففين:١ - ٤) وفي سورة ص قول الله ﵎: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: ٢٤). إذن هنا الظن كثير من العلماء يقولون أنه استعمل بمعنى: اليقين يعني هو مرادف لليقين بأنه اعتمد على أدلة قطعية، وحتى لو أبقيناه على ظاهره من ترجيح أحد الاحتمالين، فالآيات تدل على أن الظن الراجح الذي اعتمد على القرائن إنما يعمل به ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ (ص: ٢٤) ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ إلى آخر ما ذكرنا من الآيات.

стр. 214

إذن الظن على مراتب منها ما يرادف اليقين كما معنا، ومنها ما هو دون ذلك بناء على الأدلة التي يعتمد عليها الخبر لو أنني قلت إن خبر الآحاد ظني بمعنى: احتمال الخطأ والوهم على الراوي، فإن هذا الاحتمال يجوز بعد التثبت والتأكد من عدالة الراوي، ومقابلة روايته بروايات أقرانه من المحدثين ومن طلاب العلم الذين يتلقون عن المشايخ إذن يصبح الاحتمال بخطئه ووهمه بعد هذا البحث والاستدلال، هذا الاحتمال يصبح ضعيفًا، وبالتالي ينتقل خبر الآحاد من إفادته بالظن إلى إفادة العلم اليقيني ولا سيما إذا احتفت به قرائن تكسبه مزيدا من القوة كما ذكرنا قبل ذلك مثل أن يكون في الصحيحين أو في أحدهما مع العلم بأن الأمة قد تلقت الصحيحين بالقبول كما نعلم جميعًا. أيضًا الظن يستند إلى أدلة قطعية من القرآن الكريم أقصد العمل بالظن يستند إلى أدلة قطعية من القرآن الكريم مثل ماذا مثلا حرمة الدماء وحرمة الأموال مقطوع بهما؛ لأنها ثابتة بالقرآن الكريم وثابتة أيضًا بالأحاديث، لكن الآن أعتمد على القرآن الكريم؛ لأن الجميع مجمع على أنه يفيد القطع في ثبوته نحن نعلم ذلك جيدا، فكل القرآن ثبت بالتواتر، فحين يقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: ١٥١) في أكثر من آية والآيات التي توعدت ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (النساء: ٩٣) إلى آخره كل هذه الآيات بالإضافة إلى الأحاديث أفادت بشكل قطعي أن الدماء محرمة، ومع ذلك حين نقيم الحد على القاتل، فإننا نقيمه بخبر الآحاد بمعنى: أن اثنين من الشهود العدول يشهدان بأن هذا القاتل قد قتل فلانًا، وبالتالي متى ثبتت عدالتهم عند القاضي أو عند الحاكم، فإنه يقتص من الجاني امتثالًا للقرآن الكريم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩) إلى آخر ما نعلم من أدلة.

стр. 215

إذن هذا الذي يقولونه من أن الظن وهم، وأنه لا يعمل به رددنا عليه، وأن العمل بخبر الآحاد معناه العمل بالوهم رددنا عليه بالقرآن الكريم بالإضافة إلى السنة المطهرة بمعنى أن الظن حتى مع القول بأنه ترجيح أحد الاحتمالين، فإنه يجب العمل به. كما قلنا قبل ذلك: إن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها بل كما قلنا: إن القرآن الكريم قد أثبت أمورًا مقطوعًا بها بأدلة ظنية، كما قلنا في تحريم القتل، وفي الاعتداء على الأموال، وفي الاعتداء على الأعراض ونحو ذلك، ولذلك أجمع علماء الأمة على أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، وهذا أمر ذكرناه، نحن هنا فقط نناقش أن الظن ليس معناه الوهم - كما يعني- ينتزعون آية من القرآن الكريم يحاولون أن يحملوا عليها كل معاني الظن الواردة في القرآن الكريم، وفي السنة ثم يقولون: إن خبر الآحاد إذا عملنا به فقد عملنا بالظن، والعمل بالظن مذموم بنص القرآن الكريم. فإننا نرد عليهم بأن الظن المذموم هو المرادف للوهم، وهو الخالي من الأدلة أو حتى من القرائن الترجيحية، وأثبتنا بالأدلة من خلال القرآن الكريم أن هناك آيات كثيرة اعتبرت الظن درجة من درجات العلم، وبنت عليه أحكامًا، وقد ذكرنا هذه الآيات، بل قلنا: إن القرآن الكريم أسس عقوبات بأدلة ظنية على أمور قطع بتحريمها -كما أشرنا. إذن هذا الظن الذي يتكلم عنه المتكلمون هو غير الظن الذي يقوله أهل العلم من أن الظن معناه: أن نسبة الحديث إلى النبي ﷺ يغلب على ظننا أنها ليست قاطعة، ومع ذلك نقول: إنها ليست مسلمة على الأقل عند معظم أهل المدرسة الحديثية.

стр. 216

شبهة: أن العمل بخبر الآحاد يقتضي العمل بما ليس لنا به علم أيضًا يقولون: إن العمل بخبر الآحاد يقتضي العمل بما ليس لنا به علم، وهذا مخالف لقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) نقول: هذا مبني على وهمهم أيضًا من أن خبر الآحاد يفيد الظن، والظن ليس درجة من درجات العلم، بل هو وهم. رددنا على هذه، بل إننا نقول: إن العمل بخبر الآحاد هو تمسك بما لنا به علم، وإن عدم العمل بخبر الآحاد هو فعلا يدخل تحت قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦). فقد انعقد إجماع من يعتد به من أهل العلم على حجية خبر الواحد، وعلى وجوب العمل به والإجماع قاطع، فاتباعه -اتباعنا للإجماع الذي انعقد على حجية خبر الآحاد إنما هو إجماع لدليل قاطع لا يكون أبدا- اتباعًا لما ليس لنا به علم، بل العكس هو الصحيح، ولذلك يقول الشوكاني -رحمه الله تعالى- في: (إرشاد الفحول) في جزء ١ ص٢١٢ يقول: "ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه" وهكذا خبر الواحد أيضًا إذا تلقته الأمة بالقبول، ومن هذا القسم أحاديث صحيح البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- هذا كلام الشوكاني. يعني هو يقول: إن الإجماع قد انعقد على العمل بخبر الآحاد، وما دام الإجماع قد انعقد عليه، فإنه قد قطع بصدقهم، وأيضا إذا تلقته الأمة بالقبول كما ذكرنا قبل ذلك، كما في حديث أو أحاديث صحيحي البخاري، ومسلم -رحمهما الله تعالى- إذن العمل بخبر الآحاد ليس اقتفاء لما ليس لنا به علم كما توهموا، وإنما

стр. 217

هو عمل بما تأكد لدينا، وأصبح مقطوعًا به من أنه صادق بإجماع الأمة عليه، وأيضًا بالقرائن الأخرى التي ذكروها والتي أشرنا إليها، هل ينازع أحد في أن القصاص يثبت بشاهدين، هذا انعقد الإجماع عليه هل يجادل أحد؟ في الإجماع على أن الدعاوى في الأعراض تثبت بشاهدين في القذف مثلًا، وفي الزنا بأربعة شهود، وقلنا قبل ذلك: حتى إذا أخذنا بالزنا، فإن أربعة شهود لا يصيرون الخبر متواترًا، وإنما هو أيضا خبر آحاد على ما ناقشناه في قضية العدد الذي أشاروا إليه في قضية ثبوت الخبر المتواتر أو الأعداد المطلوبة في ثبوت الخبر المتواتر. إذن الظن درجة من درجات العلم معمول بها قد يرادف اليقين أحيانا على ما ذهب إليه كثير من المفسرين في تفسير الآيات التي أشرنا إليها، وحتى مع القول بإفادته الظن الراجح، فإنه قد ثبت بالأدلة أننا يجب علينا العمل بما غلب على ظننا. يقول الشاطبي -رحمه الله تعالى- تأكيدا لكلام، يقول: وهذه الظنون المعمول بها في الشريعة أينما وقعت؛ لأنها استندت إلى أصل معلوم فهي من قبيل المعلوم جنسه، فعلى كل تقدير خبر واحد صح سنده، فلابد من استناده إلى أصل في الشريعة القطعية، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقًا، كما أن ظنون الكفار غير مستند إلى شيء، فلابد من ردها. يعني يريد أن يقول: أخبار الآحاد أيضًا استندت إلى أصل في الشريعة قطعي المسائل التي ذكرناها تحريم الدماء والأموال ثبت بأصل قطعي تحريم الربا ثبت بأصل قطعي إلى آخره، فإذن يجب العمل، حتى مع القول بهذه الظنون إذا يعني أسررنا على أنها ظنية فقط، فنقول إن العمل بها واجب، وبالتالي تنهدم حجتهم تماما في أن الآية: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) أو الآيات الواردة في الظن يعني تبعد العمل بخبر الآحاد نقول: هذا قول مردود على أصحابه.

стр. 218

أيضًا من الشبه التي أثاروها في هذا الصدد: الاستناد إلى أحاديث ووقائع وقعت في عصر الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من ذلك مثلا قصة ذي اليدين في الصلاة وقصة عمر -رضي الله تعالى عنه- في استئذان أبي موسى عليه، وقصة أبي بكر في ميراث الجدة هم يزعمون أن الصحابة توقفوا في قبول خبر الآحاد. قصة ذي اليدين مذكورة في الصحيحين ذكرها البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب: أخبار الآحاد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام إلى آخره، ورواه أيضا الإمام مسلم في كتاب: المساجد باب السهو في الصلاة والسجود له، روى مسلم -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر، فسلم ركعتين -يعني: إما أنه كان يصلي الظهر أو يصلي العصر فسلم النبي ﷺ بعد ركعتين يعني: لم يتم الصلاة أربعًا- ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبًا وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس)) يعني: الذين في المقدمة قالوا للرسول ﷺ قصرت الصلاة؟ يسألون النبي ﷺ قصرت الصلاة؟ هذا سؤال لا يوجد فيه أداة الاستفهام هل الصلاة قصرت يا رسول الله بعد أن كنا نصليها أربعًا أصبحنا نصليها ركعتين فقط، فقال الرسول الله ﷺ وقام رجل هو اسمه ذو اليدين فقال يا رسول الله: "أقصرت الصلاة أم نسيت". نقول الصحابة وأدبهم يعني نلفت النظر يعني يقول: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ﷺ كأنه يعطي الاحتمال الأول؛ لأن الصلاة قصرت بتكليف شرعي، ويستبعد النسيان عن النبي ﷺ وهذا من الأدب في خطاب النبي ﷺ ((نظر النبي ﷺ يمينا وشمالا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين. فقام النبي ﷺ أتم الصلاة فصلى ركعتين وسلم، ثم سجد للسهو بعد ذلك)) إذن النبي ﷺ أتم الصلاة بناء على إخبار ذي اليدين بعد أن سأل الصحابة ﵃.

стр. 219

القصة كما هي واضحة أن الذين يشككون في حجية خبر الآحاد يقولون: إن النبي ﷺ لم يقبل خبر ذي اليدين إلا بعد أن سأل الصحابة، ذو اليدين هو: الخرباط بن عمرو السملي يقال له: ذو اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، وفي بعض الأقوال أنه كان قصير اليدين، فسمي بذي اليدين لذلك، وهو صحابي جليل ترجم له العلماء الذين كتبوا في الصحابة منهم: ابن حجر، وابن الأثير وابن عبد البر في كتبه المشهورة في الصحابة. نقول ردًا على حديث ذي اليدين -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ يريد أن يتأكد من صدق الخبر ليس شكا في كلام ذي اليدين، فمن المعلوم أن الصحابة كلهم عدول ثقات يعني: النبي ﷺ هو الذي مدحهم، وأثنى عليهم في الأحاديث النبوية، وأيضًا القرآن الكريم قبل ذلك مدحهم في كثير من الآيات، وهذا أمر آخر نعلمه وثابت بالأدلة، الصحابة -رضوان الله عليهم- كما في قصة ذي اليدين، وهذا منهج تعلموه من النبي ﷺ وكما سيأتي في الرد على قصة عمر في الاستئذان، وعلى قصة أبي بكر ﵁ في ميراث الجدة، الصحابة -رضوان الله عليهم- يعني يؤسسون منهجًا في التحري والتثبت. لكن نريد أن نوضح أن النبي ﷺ لم يشك في صدق ذي اليدين -رضي الله تعالى عنه- إنما فقط يريد أن يعلم الأمة التثبت والتحوط في رواية الأخبار ما هي الدرجة التي وصل إليها الخبر بعد أن تكلم بعض الصحابة في بعض الروايات أن الذي أيد ذا اليدين هو أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- إذن أيضًا الخبر في إطار خبر الآحاد، يعني: لم يصبح بعد متواترًا إنما هو خبر آحاد بثلاثة أو بأقل من ذلك أو بأكثر من ذلك. أيضًا قصة عمر في الاستئذان -رضي الله تعالى عنه- خلاصة الحديث أن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب، والحديث من رواية أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- يقول: كنا في مجلس عند أبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى

стр. 220

وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله ﷺ يقول: ((الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع))، قال أبي بن كعب: وما ذاك قال استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم، فدخلت عليه فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثًا، ثم انصرفت قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك قال استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ قال: فقال الفاروق ﵁: فو الله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا, فقال أبي بن كعب: فو الله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًا قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر, فقلت قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا". هذا الحديث رواه كما قلت البخاري ومسلم في كتاب: الاستئذان عند البخاري في كتاب الاستئذان: باب التسليم والاستئذان ثلاثا. ورواه مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الآداب باب الاستئذان أيضًا قصة أبي بكر ﵁ حين توقف في ميراث الجدة لما سألته أو لما جاءته تسأله حقها في الميراث قال: لا أجد لك في كتاب الله شيئا, ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء. هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب: الفرائض باب في الجدة، ورواه الترمذي في كتاب الفرائض أيضا قال: باب ما جاء في ميراث الجدة وعقب عليه الترمذي -رحمه الله تعالى- فقال: هذا أحسن وأصح, والحديث ورد عند الترمذي بروايتين يقول عن الرواية الأخرى: هذا أحسن وأصح من حديث ابن عيينة يعني يرجح إحدى الروايتين على الأخرى, لكنه على كل حال حكم بالصحة عليهما معًا غير أن إحداهما أصح من الأخرى على ما يقول الترمذي.

стр. 221

إذن هذه بعض الأدلة النبي ﷺ توقف في ذي اليدين, عمر توقف في حديث الاستئذان, أبو بكر توقف في ميراث الجدة نقول: إن الفهم غير هذا بالمرة عندنا عشرات الأدلة على أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- اعتمدوا على أخبار الآحاد في كثير من الأمور، إنما المسألة هنا أنه كما قلنا مزيد من التحوط والتثبت, لننظر إلى القصتين: القصة الأولى: نبدأ بها أبي بكر ميراث الجدة ليس مذكورًا في القرآن الكريم، ولا هو من الأحاديث المشهورة, وهذا أمر يتعلق بحكم شرعي, فنعطي الجدة نصيبها في الميراث لم يقل بذلك إلا صحابي واحد إذا أراد الصديق ﵁ أن يدعم قول الصحابي بصحابي آخر في هذا الأمر الخطير الذي يندر وقوعه، وهذا حكم سيظل ثابتًا إلى يوم القيامة كل ذلك يعلمه أبو بكر أإذا احتاج إلى تدعيم رأي الصحابي بصحابي آخر قلنا: إنه يشك في الصحابي الأول؟ أهذا فهم؟ لا والله إن الرجل يشعر بالمسئولية تجاه الأحكام الشرعية وأن الأحكام ينبغي التحوط والتثبت منها لأنها أحكام شرعية تستمر إلى يوم القيامة، فأراد أن يدعم قول الصحابي بصحابي آخر، وأيضًا إضافة إلى أنهم يعلموننا التثبت أو التحوط في رواية الأخبار حتى لا نجترئ عليها فيقع بعضنا في الخطأ والوهم أحيانًا. كذلك نفس القصة مع أبي موسى الاستئذان يعني أمر غريب أن تستأذن ثلاث مرات، فإن لم يؤذن لك فارجع، وقد مضت حياة النبي ﷺ ومضت خلافة أبي بكر ومضى جزء أيضًا من خلافة عمر كل ذلك لم يأت فيه موقف احتاجوا فيه إلى هذا الحديث، فلما استأذن أبو موسى ثلاث مرات، ولم يؤذن له رجع، فأراد عمر أن يؤكد نفس الخط الذي التزم به الصحابة، وهو أنهم ينبغي عليهم التثبت والتحوط في قبول الأخبار.

стр. 222

إذن لا عمر شك في خبر أبي موسى، ولا أبو بكر شك في خبر المغيرة بن شعبة الذي روى حديث ميراث الجدة إنما هو مزيد من التحوط ما الدليل على ذلك؟ الدليل على ذلك أدلة كثيرة: أولًا: حين جاء شاهد مع أبي موسى أو مع المغيرة بن شعبة -رضي الله تعالى- عن الجميع لم يتحول الخبر إلى خبر متواتر، بل ظل كما هو كما نعلم جميعًا خبر آحاد، فاثنان خبر آحاد بإجماع أهل العلم حتى بإجماع من يثير الشبه أو من يثيرون تلك الشبه حول حجية خبر الآحاد، أو العمل به أيضا يعلمون أن رواية اثنين لا تحول الخبر إلى خبر متواتر إذن هم اعتمدوا أيضًا على خبر الآحاد. أيضًا نحن عندنا عشرات القصص تثبت أن الصحابة ﵃ في كثير من المواقف اعتمدوا خبر الآحاد حتى لو كان الذي رواه واحدًا فقط. عندنا مثلا يعني عمر في قصة ذهابه إلى الشام، وحين بلغوا أن هناك طاعونًا في الشام وتساءلوا أندخل أم نرجع أو نحجم عن الدخول، فلم يكن الحديث قد بلغهم فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وشهد أن النبي ﷺ قال: ((إذا كان الطاعون بأرض قوم فلا يخرج منهم أحد ولا يدخل إليهم أحد)) معنى الحديث هكذا، الصحابة عملوا على رأسهم عمر، وهذا خبر أتى به واحد، وهو أيضًا يتعلق بحكم شرعي. إنما أحيانا كما هو واضح من السياقات أن القصة نفسها فيها نوع من الطرافة أو من الغرابة التي تحتاج إلى مزيد من التأكيد لأن الأخبار التي نقلها الصحابة، والتي احتاجت إلى تدعيم إنما هي أخبار تتعلق بأحكام شرعية مستمرة إلى يوم القيامة. الصحابة يعلمون أن النبي ﷺ قال: ((نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) هذا

стр. 223

النبي ﷺ يعلم الأمة أننا نعمل بخبر الواحد ((نضر الله عبدا)) قد يكون واحدًا ((سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، وعلى كل نحن سنأتي بعد ذلك إلى مجموعة من الأدلة التي ذكرها العلماء في أن الصحابة ﵃ قد عملوا أو الأدلة على أن أخبار الآحاد يعمل بها في كل أمور الدين من عقائد وغيرها. شبهة: أن خبر الآحاد لا يُعمل به في العقائد من الشبهات التي يثيرونها أن خبر الآحاد لا يعمل به في العقائد؛ لأن العقائد كما يزعمون، وكما يقولون تتضمن الإيمان والكفر، وينبني عليها دخول الناس الجنة أو ذهابهم والعياذ بالله إلى النار، فلابد من أن تعتمد العقائد على أدلة قطعية، وليس على أخبار آحاد. هذا أيضًا قول لا يعتمد على أدلة أيضا وأنا يعني أدخل هذه مع تلك يعني مع القضية الأولى لماذا؟ لأننا سنثبت من خلال عشرات الأدلة أن الصحابة وغيرهم من سلف الأمة الصالح قد عملوا بأخبار الآحاد في العقائد، وفي الأحكام وفي غير ذلك، وسننقل نصوصا عن العلماء هي في نفس الوقت تعتبر ردًا على قضية اتباع الظن وعلى قضية: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) وعلى قضية أن بعض الصحابة رد حديث الآحاد فما دام عندنا عشرات الأدلة أنهم عملوا بها إذن هذه مواقف احتاجت إلى مزيد من التثبت. النبي ﷺ دعا الناس إلى العقائد، وإلى الأحكام وإلى العبادات والأخلاق يعني دعاهم إلى الإسلام بكل جوانبه وبكل تفصيلاته.

стр. 224

كل الأمة تلقت عن النبي ﷺ موقنين بصحتها عالمين يقينا بأن رسول الله ﷺ جاء بها أي: بالعقيدة كما جاء بالصلاة والزكاة جاء بأحاديث التوحيد، وهي عقيدة، وجاء بعذاب القبر أحاديث عذاب القبر ونعيمه، وجاء بأحاديث الشفاعة والحوض والميزان بعض هذه الأمور ثبت تواترها، وبعضها آحاد وكلها عقائد، المتتبع للصحابة رضوان الله عليهم، والأمة من بعدهم أهل السنة والجماعة تلقوا الأخبار كل الأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ بالتسليم وبالقبول من غير تفريق بين متواتر وبين آحاد، ومن غير تفريق أيضا بين ما يتعلق بأمور المعتقد، وما يتعلق بالأحكام العملية يعملون بكل الأحاديث في كل المواضيع طالما ثبتت صحة الحديث عندهم. وهذا الحديث أول الأحاديث في كتاب صحيح الإمام مسلم: لما ظهرت بدعة القدر في البصرة، وكان أول من قال بها: معبد الجهني والحديث يحيى بن يعمر، ومعه رفيق آخر قالوا: ذهبنا إلى حج أو عمرة يقول: لو وفق لنا أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فنسأله عن ذلك فوفق لهم عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه- أنا أذكر هذا الموقف من عبد الله بن عمر يستند للحديث وروايته آحاد، وهو يتكلم عن العقائد، فهذا موقف الصحابة يعني هذا الحديث هو من ضمن الأدلة على حجية خبر الآحاد. ومن ضمن الأدلة على أن الصحابة يعملون بخبر الآحاد ردًا على من زعم أن موقف أبي بكر في ميراث الجدة، وموقف عمر ﵁ يبين أن الصحابة قد توقفوا؛ فعبد الله بن عمر لما جاءه الرجلان يسألانه، فقال لهم: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر" ثم روى الحديث المشهور المعروف عند المحدثين بأنه حديث جبريل ﵇ في أنه سأل

стр. 225

النبي: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد)) إلى آخر الحديث وسأل النبي ﷺ عن الإيمان، وعن الإسلام وعن الإحسان، وعن الساعة وأماراتها إلى آخره. إذن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، اكتفى في هذه المسألة العقدية الكبيرة الخطيرة بالاحتجاج بالسنة مع أنه قد جاءت آيات في إثبات عقيدة القدر في القرآن الكريم كثيرة جدا مما يدل دلالة قاطعة على الأمرين معًا الذين أركز عليهما على أن الصحابة يعملون بخبر الآحاد، وأن الاستدلال بموقف أبي بكر وعمر إنما هو استدلال خاطئ، وأيضا يعملون بهما أو بخبر الآحاد في الأحاديث العقدية؛ لأن أيضا الأحاديث العقدية شبهة أخرى، فنحن نتكلم عن الشبهتين معا بعد أن وضحناهما وذكرنا بعض الأدلة على كل واحدة، لكن نشير إلى أن الصحابة عملوا بأخبار الآحاد في العقائد. بل إنني أقول: الخبر الوارد في حديث الطاعون يعتبر عقيدة هل ندخل أو لا ندخل؟ نؤمن بالقدر أو لا نؤمن بالقدر؟ ماذا يفيد دخولنا؟ وماذا يفيد عدم دخولنا؟ هل هو اعتراض على القدر؟ هل هو كذا؟ ولذلك في بعض الروايات أن رجلا قال لعمر: أتفر من قدر الله، قال نفر من قدر الله إلى قدر الله يعني أين سنذهب نحن تحت قدرة الله وعظمته، ونعيش على أرضه وتحت سمائه، فأين نذهب؟ حتى لو لم ندخل فنحن لم نفر من القدر. إذن هي مسألة عقدية الصحابة كلهم استندوا فيها إلى حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه. الخلاصة في كل ذلك أن الصحابة والأمة كلها -كما سنذكر بعد قليل من

стр. 226

أقوالهم- أن العمل بخبر الآحاد في العقائد وفي غيره أمر مجمع عليه إنما كنا نتكلم عن الصحابة؛ لأن الذين أثاروا الشبه حاولوا أن يستندوا إلى موقف أبي بكر وعمر ﵄ في قصة الاستئذان وميراث الجدة على أن الصحابة لا يعملون بخبر الآحاد، وقلنا: إن هذا أمر مردود عليهم. أما من ناحية أن سلف الأمة كلهم ساروا على العمل بخبر الآحاد في العقائد وغيرها، فأكثر من أن تحصى، يعني عبد الله بن أحمد في زوائده يروي الحديث بإسناده أن شريكة قال حدثني أبو معمر حدثني عباد بن عوام قال قدم علينا شريك فسألناه عن الحديث: ((إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان)) إلى آخره قال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن، وبأن الصلوات خمس، وبحج البيت، وبصوم رمضان فما نعرف الله تعالى إلا بهذه الأحاديث، انظروا إلى الكلام الذي يكتب بماء الذهب يعني كيف تفرق بين العقيد وبين غيرها، هؤلاء القوم الذين تقول إن الخبر الآحاد يعني خبرهم أو خبر الآحاد الوارد عنهم لا يعمل بهم في العقائد عملنا بأحاديثهم في الصلاة وفي حج البيت يعني: في الأحكام وبصوم رمضان، فكيف نفرق بين هذه وبين العقيدة؟. أيضًا يعني البزدوي يقول نقلا عن بعض أهل الحديث في: أصوله في جزء ١ ص١٥٤: إن خبر الآحاد يفيد علم اليقين معللين بذلك، وقد وردت آحاد في أحكام الآخرة مثل: عذاب القبر، ورؤية الله تعالى بالأبصار، ولا حظ لذلك إلا العلم. وأبو الحسن الأشعري -رحمه الله تعالى- في (الإبانة) يقول: وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله تعالى إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة، ولا ولدا إلى آخره، يقول أبو الحسن

стр. 227

الأشعري، وندين بأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ . يقول أبو مظفر السمعاني ﵀: وقد أثبت هو يعني: يثبت إفادة خبر الواحد بالعين بكلام نفيس قال -رحمه الله تعالى- شغلا أو اشتغالًا بالرد على من زعموا أن خبر الآحاد لا يعمل به يقول: ينقل رأيهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم، وهذا رأي شغب به المبتدعة في رد الأخبار، ويرد عليهم، ويقول: إن صح الخبر عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات، والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول عامة أهل الحديث، والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولابد من نقله بالتواتر؛ لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول واستطرد الرجل -رحمه الله تعالى- في كلامه هذا ذكر فيه مجموعة من الأدلة على أن خبر الآحاد يعمل به في العقائد، وفي الأحكام، وفي كل أمور الشرع، ولا تفرقة بين هذا وذاك، وجعل الرجل يذكر أدلة كثيرة على هذا. مثلا النبي ﷺ بعث أبا بكر ينادي في موكب الحج بمنى ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة أليست هذه عقيدة، وهذا حديث أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير يعني من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - النبي ﷺ ((بعث معاذا إلى اليمن)) أريد أن أبين أن عمل الصحابة جرى على قبول خبر الواحد في العقائد،

стр. 228

وفي الأحكام وفي التشريعات، وتضافرت عشرات الأدلة على إثبات هذه الحقيقة، وأنه لا ينازع في ذلك إلا كما قال أبو مظفر السمعاني: إلا بعض من يريد أن يضيع السنة، وأيضًا بعض الناس خدع بأقوالهم إما لأنه لم يطلع على الأدلة، أو أنه لم يفهم أو لم يشك في نية هؤلاء القوم في محاولة وضعهم للسنة. إذن الخلاصة من هذا القول أن الشبه التي أثيرت حول ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) أو العمل بالظن أو بعض المواقف من الصحابة ﵃، أو محاولة التفريق بين العقائد وبين الأحكام في ثبوت الأدلة، وأن العقائد لا تثبت إلا بالأدلة المتواترة. كل هذه الشبه التي أثاروها مردود عليها بعشرات الأدلة، وليس بدليل واحد وأيضًا بعمل الصحابة وبأقوال الأمة بسلوك الأمة -رضي الله تعالى عنهم- أجمعين يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في إفادة خبر الواحد عنده نقل ذلك عن الأئمة: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وهذا كلامه في: (الصواعق المرسلة) أو (مقتضى الصواعق المرسلة) وابن خويز منداد في كتاب (أصول الفقه) يعني يقول ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا واحد أو اثنان يقول: يقع من هذا الضرب أيضًا العلم الضروري نص على ذلك مالك. وقال أحمد في حديث الرؤية: "نعلم أنها حق، ونقطع على العلم بها" وأيضا ابن القيم في كلام آخر: يقول الصحابة ﵃ تلقوا أحاديث الصفات بالقبول عن النبي ﷺ وأخذوها على سبيل القطع واليقين من اعتقاد رؤية الرب، ومن تكليم الله تعالى، ومن ندائه يوم القيامة لعباده بالصبر إلى آخره، ومن نزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة، ومما ورد في ضحكه وفرحه إلى آخره، وإمساك

стр. 229

السماوات على أصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له كل ذلك أحاديث الصفات، وهي عقيدة والرؤية إلى آخره كل ذلك اعتقد الصحابة ﵃ مقتضاها، وآمنوا بها، بل إن الأمة كلها تلقتها بالقبول لم ينازع في ذلك أحد لا نعلم بين السلف في ذلك نزاع، وحتى الذي جرى بين الخلف من تأويل للحديث هذا أمر يتعلق بفهم النص، وليس بالتوقف مع النص أو بالتردد فيه فهم حتى لا يشتبه الأمر يعني من يؤول أحاديث الصفات ويصرفها عن ظاهرها هو لم يرد الحديث؛ لأنه قد ثبتت عنده صحته، فهو عمل به غير أن هذا فهم يحاول به أن يدرك تنزيه الله تعالى مع أننا نقول: إن مذهب السلف في ذلك أسلم وأحكم وأعلم بإذن الله ﵎. إذن هذه النقول التي حاولنا أن نجتزئ على بعضها؛ لأن الإطالة فيها كثيرة جدا نقول: حجية خبر الآحاد ولزوم العمل به في أمور الدين كله أمر انعقد عليه إجماع سلف الأمة كما ذكرنا. يقول ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في (جامع بيان العلم): "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصا في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له، ولا يناظر فيه" هذا كلامه في (جامع بيان العلم) في جزء ٢ ص٩٦. وقال في كتابه (التمهيد) عن العلماء وموقفهم: "وكلهم يدين بخبر الواحد إن عد في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرع ً اودينًا في معتقده على ذلك جميع أهل السنة" هذا في التمهيد جزء١ ص٨. شيخ الإسلام ابن تيمية يعلق على كلام ابن عبد البر فقال: "قلت هذا الإجماع قلت -أي القائل ابن تيمية-: هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في

стр. 230

الاعتقادات يؤيد قول من يقول إنه يوجب العلم، وإلا فيما لا يفيد علما ولا عملا كيف يجعل شرعًا ودينًا يوالى عليه". إذن الخبر المقطوع بصحته تلقته الأمة بالقبول هو خبر آحاد أو خبر متواتر حجة في العقائد، وفي الأحكام، وليس من قبيل الظن، وليس من قبيل أننا نقف ما ليس لنا به علم إلى آخر الشبه التي أثاروها. مر بنا في الدرس الماضي أقوال العلماء في خبر الآحاد، ونزاعهم أو اجتهادهم ليس نزاعًا في الحقيقة حول إفادته للقطع أو للظن بما يغني عن ذكره، لكن نحن هنا معنيون بذكر الأدلة القاطعة من إجماع الأمة -كما قلت- على العمل بخبر الآحاد نثبت به جملة من المسائل، نثبت أن العمل بخبر الآحاد واجب، وهذه قضية قررناها، نثبت أن الصحابة يقبلون خبر الآحاد على عكس من شكك، وأن القصص التي ذكروها إنما كانت لمزيد من التثبت؛ لأن ظروفها التي أحاطت بها تدعو إلى ذلك، وأيضا فإن الخبر بعد مجيء شاهد لم يصبح خبرا متواترًا، وإنما هو خبر آحاد أيضا، وضممنا إلى ذلك بعض الأدلة في أن الصحابة عملوا بخبر الآحاد في العقائد، وفي غيرها، وذكرنا بعض أقوال الأمة أو علماء الأمة على أن الإجماع قد انعقد على حجية خبر الآحاد، وعلى وجوب العمل به في العقائد، وفي الأحكام، وفي غير ذلك هذا وبالله التوفيق. هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 231

الدرس: ١٣ حديث الآحاد (٤) .

стр. 232

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر حديث الآحاد (٤) الدليل علي حجية خبر الآحاد من العقائد والعبادات الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: فنختم الكلام عن خبر الآحاد، وفي يقيني أن الكلام عنه يحتاج إلى أكثر من ذلك؛ لأنه من الأمور الهامة جدا في قضية السنة سواء من ناحية الاحتجاج بها أو من ناحية من أثاروا الشبه حولها، ذكرنا مرارًا أن أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من أحاديث السنة هي: أحاديث آحاد، ولذلك فإن الذين يشككون في حجية خبر الآحاد نقطع بأنهم يريدون تضييع الدين، وتضييع الإسلام؛ لأن القرآن الكريم لا نستطيع أن نفهمه إلا في ضوء السنة، وهذا أمر كررناه كثيرا، والسنة معظمها آحاد لو نشك في أحاديث الآحاد ولا نعمل به لن نفهم القرآن، فضاع القرآن وضاعت السنة، وبالتالي ضاع الإسلام، وهذا هدفهم الذي يسعون إلى تحقيقه، والعياذ بالله ولن يتمكنوا من ذلك أبدًا. الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه- في كتابه الماتع العظيم كتاب: (الرسالة) عقد فصلا عظيما تحت عنوان: "الحجة في تثبيت خبر الواحد" يبدأ من ص ٤٠١ في الطبعة التي حققها العلامة الشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله تعالى- ووضع لها أو لفقراتها أرقامًا من الفقرة ١١٠١. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر أو دلالة فيه أو إجماع. يعني إذا قال قائل: اذكر لنا الحجة في تثبيت خبر الواحد أي في ثبوته، وفي وجوب العمل به بنص خبر أو دلالة في خبر تدل على ذلك إن لم يكن بالنص القاطع أو إجماع انعقد على هذا، سرد كثيرا من الأدلة، فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن

стр. 233

عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ((نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، ((ثلاث لا يغُل، ويجوز أيضا لا يغَل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) يعني لا يغُل بهذا الضبط بفتح الياء مع ضم العين هو من: الغُل أو الغَل الحقد أو من الخيانة إذا أخذناها من الغَلول يبقى من الغل اللي هو الحقد أو الغلول وهي الخيانة، الحديث يعني رواه الإمام الشافعي بإسناده كما نرى، وهو رواه الترمذي في كتاب: العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ورواه أبو داود في كتاب: (العلم) باب نشر العلم ورواه غيرهم أيضا، وفي روايات متعددة عن بعض الصحابة زيد بن ثابت عبد الله بن مسعود عن حديث زيد بن ثابت قال: حديث حسن وعن حديث عبد الله بن مسعود قال: إنه حسن صحيح إلى آخره، بعد أن ذكر الشافعي -رحمه الله تعالى- الحديث يبين وجه الدلالة فيه يقول: "فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالتهم، وحفظها وأدائها امرأ يؤديها والامرؤ واحد. ننتبه إلى كلام الشافعي: نضر الله امرأ إذا هو يتكلم عن امرئ، والامرؤ واحد، فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأً يؤديها، والامرؤ واحد دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه. يعني حين يقول: يعني بلغ عني مثلا ((نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها)) إذن النبي ﷺ هنا يأمر من تقوم الحجة به عند الناس بأن يؤدي الحديث، أداؤه للحديث أصبح ملزمًا لمن تلقى عنه الحديث ما دام لا يشك في صدقه.

стр. 234

لأنه يؤدى عنه حلال وحرام يجتنب، حلال يفعل وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا، وعقيدة وعبادة إلى آخره، يؤدي كل ما يتلقاه عن النبي ﷺ بمجرد أن أدى من سمع فقد أصبح حجة على من تلقى، ووجب عليه العمل بما تلقى، وهذا الذي تلقاه إنما هو خبر واحد، ودل الحديث أيضًا على أنه ـ هذا كلام الشافعي، لكنه فائدة إضافية بالإضافة إلى دلالتها على حجية خبر الواحد ـ يعني واحد النبي ﷺ كلف واحدا هو ليس واحد بذاته إنما كلمة: امرؤ التي قال: ((نضر الله امرأ)) تنطبق على الواحد إذن هذا الواحد سيحمل الحديث عن النبي ﷺ وسيؤديه إلى غيره، وهذا الغير بصرف النظر عن كونه واحدًا أو أكثر، أصبح ما أدي إليه من حديث حجة عليه إن كان في العقائد عليه أن يعمل به إن كان في العبادات عليه أن يعمل به، ولا يملك أن يتوقف ما دام قد وصل إليه النقل بطريق صحيح. ودل الحديث على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظًا لكنه لا يكون فيه فقيها، وأيضا في الحديث أمر رسول الله ﷺ بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين ـ إن شاء الله لازم ـ هذا هو الدليل الأول وتعليق الإمام الشافعي عليه أو وتوضيحه له وشرحه له، النبي ﷺ يأمر امرأً يقول يؤده عنا يبقى عليه أن يؤدي، وحين يؤدي إلى غيره هذا الغير أصبح ملزمًا بما أدي إليه من نصوص الأحاديث سواء دلت على عقيدة، أو على عبادات، أو على أحكام، أو على أي جانب من جوانب التشريعات الإلهية. ينتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى دليل آخر يقول: أخبرنا سفيان قال أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن رافع يخبر عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ : ((لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نهيت عنه أو أمرت به، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه))، هذا حديث ورد بصيغ متعددة ورواه أيضا أبو داود في كتاب السنة: باب في لزوم السنة، وأيضا رواه

стр. 235

الترمذي وابن ماجه وغيره في كتب السنة، قال ابن عيينة يعني الإمام البخاري يروي رواية لهذا الحديث مرسلة أخرى يقول: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله ﷺ وإعلامهم أنه لازم له، وإن لم يجدوا له نص حكم في كتاب الله يعني: الإمام الشافعي يوضح أيضًا هذا "وفي هذا تثبيت" ما معنى كلمة: تثبيت في كلام الشافعي؟ أي: دليل قاطع على الخبر يعني: عن وجوب العمل بالخبر عن رسول الله ﷺ تثبيت وتأكيد، وقطع بوجوب العمل به، دليل حتى هو اختار هذا العنوان للباب كله: الحجة في تثبيت خبر الواحد، لما قال النبي ﷺ : ((لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته إلى آخره يقول: لا ندري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه)) ما معنى الحديث؟ يقول النبي ﷺ يخبرهم أن الحديث عن رسول الله ﷺ لازم لهم حتى إن لم يجدوا له نص حكم في كتاب الله. وينتقل إلى دليل آخر: أخبرنا مالك هذا كلام الشافعي ﵀ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: ((أن رجلا قبل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجدا شديدا يعني: حزن الوجد هنا بمعنى: الحزن والألم- فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة -أم المؤمنين ﵂ فأخبرتها فقالت أم سلمة: إن رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها، فأخبرته فزاده ذلك شرا وقال الرجل: لسنا مثل رسول الله ﷺ يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله ﷺ عندها، فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرا، وقال لسنا مثل رسول الله -صلى عليه وسلم- يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله ﷺ وقال: والله إني لأتقاكم لله، ولأعلمكم بحدوده)) ﷺ .

стр. 236

الحديث في (مسند الإمام أحمد) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار: أن الأنصاري أخبر عطاء أنه قبل امرأته إلى آخره، الهيثمي في (مجمع الزوائد) جز٣ ص١٦٦ حكم على هذا الحديث بأن رجاله رجال الصحيح هذا الحديث، ومضمونه ورد في الصحيحين عند البخاري -رحمه الله تعالى-، وعند الإمام مسلم من حديث عمر بن أبي سلمة أنه سأل الرسول ﷺ : ((أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله ﷺ سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن الرسول ﷺ يصنع ذلك، فقال يا رسول قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال رسول الله ﷺ والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له)). هذا في كتاب الصيام باب: المباشرة للصائم عند كل من البخاري ومسلم، إذن هو حديث صحيح بماذا يعلق عليه الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول في ذكر قول النبي ﷺ : ((ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك)) دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي ﷺ إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لمن أخبرت، انظر لاستدلال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- بهذا الأمر أو بهذا الحديث أن النبي ﷺ قال لأم سلم: ((ألا أخبرتيها)) هل كان النبي ﷺ يطلب من أم سلمة أن تخبرها؟ وخبر أم سلمة ليس ملزما، وليس حجة، ولا يقوم به الدليل، أو لا تقوم به الحجة عند المرأة التي تقولها له. هذا لا يقول به عاقل النبي ﷺ لا يأمر أن تخبر إلا إذا كان خبرها حجة يلزم من تلقاه بأن يعمل بمضمونه؛ لأنه خبره حجة نقلت عن رسول الله ﷺ .

стр. 237

الدليل علي حجية خبر الواحد من عمل الصحابة أيضًا من الأدلة التي استدل بها الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ما رواه بسنده قال: أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: ((بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة)) هذا حديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب: الصلاة باب التوجه نحو القبلة حيث كان، وأخرجهم في مواطن أخرى من صحيحه أيضًا تزيد على العشرة حقيقة، وأنا أتتبع تخريجه، أحاديث" تحويل القبلة" رواه الإمام مسلم أيضًا في كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، وأحاديث تحويل القبلة وردت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، وعن البراء بن عازب، وعن غيرهما من الصحابة، مثلا من رواية البراء بن عازب في حديث ابن عمر أنهم كانوا يصلون الفجر في قباء فآتاهم آت، فأخبرهم أن النبي ﷺ أنزل عليه الليلة قرآن يخبرهم أنه قد تم تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، فبادروا وهم في الصلاة يعني: استجابوا لأمر النبي ﵊. إذن هذا فعل الصحابة، وهذا إجماعهم على حجية خبر الواحد والعمل به تتمة المسائل في خبر الآحاد، وكذا متكاملة الشبه، والرد عليها، وإثبات حجيتها، ووجوب العمل بها كلها مسائل متكاملة، والأدلة تدل على مجموع ذلك، وبالمناسبة فإن قصة تحويل القبلة عجيبة في إثبات هذا الأمر هي فيها دروس كثيرة جدا لا ننتقل إليها لكن في الصحيحين أنهم يصلون في مسجد تحويل القبلة تم في ديار بني سلمة، والنبي ﷺ يزورهم، ثم انظر إلى الصحابة رضوان الله عليهم، واستجابتهم

стр. 238

وإلى سرعة تلبيتهم، وهم يصلون في مسجد بني حارثة مر عليهم صحابي قال: أشهد أني صليت مع رسول الله ﷺ العصر فصلى نحو الكعبة، الصحابة وهم في الصلاة استداروا ١٨٠ درجة -كما يقول أهل الهندسة- من ناحية الشمال بيت المقدس بالنسبة للمدينة المنورة في الشمال، والكعبة المشرفة في الجنوب، والمدينة تقع بين الاثنين هم كانوا يتجهون نحو الشمال إلى بيت المقدس، لم يترددوا كان من الممكن ننتظر حتى نفرغ من الصلاة، ثم نسأل ما الخبر، وأيضا في هذه الحالة كانوا سيكونون قد عملوا بخبر الواحد، لكنهم ـ ننظر إلى سرعة التلبية ـ أتاهم صحابي مر عليهم حتى كأنهم لم يتبينوا من هو؛ لأنهم مشغولون بصلاتهم، يخبرهم يشهد على نفسه أنه قد صلى العصر مع النبي ﷺ في مسجده فصلى في مسجده أو في ديار بني سلمة؛ لأن تحويل القبلة مختلف فيه هل تم في صلاة الظهر أو في صلاة العصر، هو كان يقينا في ديار بني سلمة، فإن كان في الظهر، فالرجل الذي شهد بعد أن عاد النبي ﷺ إلى المسجد النبوي وصلى العصر. أيًا ما كان الأمر تكرر مرتين: في مسجد بني حارثة تحولوا وهم في الصلاة، وعند الفجر لما وصل الخبر إلى قباء في الفجر نفس القضية. وهذا في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄: ((يصلون الفجر أو الغداة في قباء فأتاهم آت فأخبرهم أنه قد أنزل الليلة - أي الليلة الماضية - على رسول الله ﷺ قرآن يأمر بتحويل القبلة للكعبة كأنه يشير إلى آيات البقرة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (البقرة: ١٤٤) إلى آخره فتحول الصحابة أيضًا وهم في الصلاة)) ١٨٠ مرة ثانية إذن سرعة تلبية، قبول لخبر الواحد في الأحكام وفي العبادات، والمعاملات بدون تردد لم ينتظروا حتى يتثبتوا ويقولوا من الذي جاء بالخبر إلى آخره.

стр. 239

وهذا يرد على من زعم أن موقف أبي بكر، وموقف عمر في قضية الاستئذان، وميراث الجدة يدل على أن الصحابة لا يعملون بخبر الواحد ها هي القصص المتعددة تبين أنهم كانوا يسارعون إلى تلبية أمر النبي ﷺ بصرف النظر عن كونه واحدًا أو متواتر أو آحاد. يعلق الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- على قضية تحويل القبلة فيقول: "وأهل قباءٍ أو قباءَ يعني يجوز التنوين، وكذا على خلاف في صرفها أو عدم صرفها، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها". نريد أن نتنبه إلى كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- الذي يكتب بماء الذهب، هم كانوا على قبلة وهي بيت المقدس، الله تعالى فرض عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم به عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله ﷺ ، ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة، فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة النبي ﷺ سماعًا من رسول الله، ولا بخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي ﷺ أو أنه حدثوا عنه عن تحويل القبلة. كلام الشافعي أفكاره الرئيسة كالآتي: أهل قباء هم أهل سابقة من الأنصار، ومن الفكر يعني أهل سابقة وأهل فكر، هذه واحدة لو كان خبر الآحاد عندهم يتوقفون فيه كانوا قد توقفوا إذن فعلهم حتى بذاته حجة؛ لأنهم أهل سابقة وأهل فقه هذه مسألة. ثانيًا: كانوا على قبلة فرضها الله عليهم، فرض الله عليهم استقبالها، لم يكونوا من قبل أنفسهم إنما هذه قبلة فرضها الله عليهم لا يجوز التحول عنها إلا بدليل آخر، هذه ليست لعبًا إنها عبادة وطاعة لله، نحن على قبلة إلى بيت

стр. 240

المقدس بأمر الله ليس بأهوائنا، ولا من قبل أنفسنا ـ هذه اثنين لم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة لا يمكن أن يتركوا قبلة الله تعالى هو الذي تعبدهم بها إلى قبلة أخرى بدون دليل تقوم به الحجة عليهم ـ هذه ثلاثة ـ. أربعة: هم لم يلقوا رسول الله ﷺ الذين كانوا في مسجد بني حارثة لكن الشافعي يتكلم عن الذين كانوا في قباء، ما معنى أنهم لم يلقوا رسول الله ﷺ ؟ يعني هم لم يسمعوا من فيه الشريف مباشرة الأمر بتحويل القبلة، ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه من قرآن لو كان الأمر كذلك بأنهم سمعوا من النبي ﷺ وسمعوا القرآن سيكونون مستقبلين للقبلة بكتاب الله وسنة النبي ﷺ سماعًا من رسول الله، لكن هذا لم يحدث. ننظر إلى كلمة بعد ذلك، ولا بخبر العامة يعني لم ينتقل لديهم الخبر بخبر العامة، خبر العامة في كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- المقصود به: الخبر المتواتر هو يعبر عن الخبر المتواتر بخبر العامة أي: الذي رواه كثير وبخبر الآحاد يعبر عنه بأنه: خبر الخاصة أحيانا، ولا بخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد فقط هو خبر الآحاد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، وهو استقبال القبلة التي ببيت المقدس، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي ﷺ أنه أحدث عليهم من تحويل القبلة، ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله ـ هذا كلام الشافعي ـ بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق. خمسة: من الأفكار الرئيسة التي يستدل بها الشافعي الأول هم: ١ - أهل قباء أهل سابقة من الأنصار. ٢ - أهل فقه، أهل علم، أيضا القبلة التي كانوا عليها بفضل الله.

стр. 241

٣ - لا يتركون هذه القبلة إلا بأمر من الله آخر، أو بأمر من النبي ﷺ . ٤ - هم لم يسمعوا النبي ﷺ مباشرة، ولم يسمعوا القرآن الذي أنزل عليه. ٥ - الذي نقل الخبر إليهم لم يكن خبر عامة، وإنما خبر واحد هو عندهم من أهل الصدق. ٦ - لم يكونوا ليفعلوا ذلك إلا لأنهم يعلمون أن الحجة تثبت بمثله عليهم إذا كان من أهل الصدق، ولا ليحدثوا أيضًا مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثًا. ٧ - هل يقبلون أن يفعلوا هذا الأمر العظيم؟ وهو تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة إلا أنهم يملكون الدليل على أنه يجوز لهم أو يجب عليهم أن يفعلوا ذلك، أيضًا لم يقابلوا النبي ﷺ لو فعلوا ذلك، وكان الخبر الواحد لا تقوم به حجة، فحين يقابلون النبي ﷺ سيقول لهم كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به الحجة من سماعكم مني مباشرة، أو خبر عامة أو خبر متواتر، أو أكثر من خبر واحد عني، انظر إلى كلام الشافعي الكلام الدقيق العظيم: لو كانوا فعلوا وخبر الواحد ليس حجة عندهم لكان النبي ﷺ قد أقام عليهم الحجة كيف تتحولون عن قبلة كنتم عليها، وليس لكم أن تتركوها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة؟. وهذا العلم من سماعكم مني أو من خبر عامة أو على الأقل يرويه أكثر من واحد إن لم يصل إلى درجة التواتر لكن الذي جاءهم به واحد هذا دليل الإمام الشافعي يفصل ويوضح في أدلته أنه يبين أن الصحابة إجماع ـ لاحظوا أن هذا إجماع من الصحابة تكرر في مسجد بني حارثة، وفي مسجد قباء، وقبل كان النبي ﷺ يصلي بهم في ديار بني سلمة، وتحول بهم وهو في الصلاة، قد يقولون

стр. 242

في هذا الأمر: الأول إن هذا فعل للنبي ﷺ وهم يقتدون به، لكن بمجرد أن نقل الخبر، وهم لم يروا ناقل الخبر، ولم يأتهم أكثر من واحد، ولم يأتهم خبر العامة كما قال الشافعي، ومع ذلك التزموا ولو لم يكن خبر الواحد حجة عندهم تقوم به الحجة عليهم في أمور عظيمة خطيرة: تحويل القبلة، وغيرها في العقائد، لكان رسول الله قد حاججهم على ذلك، ولكن ذلك لم يحدث، فدل على أن الجميع متفق على وجوب العمل بخبر الواحد. هذه قضية مهمة، ولا ينبغي لكم أن تسمحوا أبدًا ـ نحن لا نقاتل بالسيوف نقاتل بالعلم بالأدلة ـ حين أقول: لا تسمحوا لا أقصد أننا سنحارب إننا نبين بالأدلة أن خبر الواحد حجة هذه قضية ثابتة بالقرآن والسنة نحن لم نتعرض لأدلة القرآن بعد لكن الإمام الشافعي يسوق أخبارًا، وهي موجودة في الصحيحين وأمامي الآن، وأنا أقرأ عشرات النقول من علماء الأمة، وقد أشرنا إلى بعضها سواء في قضية ثبوت خبر الواحد أو درجة العلم لم ينازع أحد في وجوب العمل بخبر الواحد أبدًا، ولا بالشبهات، ولا بالترهات التي أثارها البعض. قصة تحريم شرب الخمر دليل على حجية خبر الواحد أيضا يسوق الإمام الشافعي دليلا آخر من فعل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ففي قصة: شرب الخمر لما حرمها الله تعالى الإمام الشافعي يقول: أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: ((كنت أسقي أبا طلحة، وأبا عبيدة بن الجرح، وابن الجراح، وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر، فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت)). هذا الحديث أيضا مروي في الصحيحين في تحريم الخمر، وفي الحدود في حد شارب الخمر إلى آخره يذكرون الأدلة عند البخاري، وعند مسلم ـ رحمهما الله تعالى.

стр. 243

القصة واضحة أنس بن مالك هو: ابن أم سليم، وأم سليم كانت زوجًا لأبي طلحة -رضي الله تعالى عنه- الأنصاري، يعني نتصور المشهد كأنه جلسة عائلية، أبو طلحة جالس مع بعض أصحابه: أبو عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب -رضي الله عن الجميع- يشربون شرابا من فضيخ الفضيخ: يعني هو: البسر نوع من التمر يعني مشدوخ: مفرغ من النوى وصنع خمرا، ومن تمر أيضا، فجاءهم آت في بعض الروايات: ((نادى في المدينة مناد إن الله قد حرم الخمر)) أبو طلحة ورفاقه يشربون كان من الممكن أن يقولوا: قم يا أنس انظر ما الخبر، ومن الذي يقول: إن الخمر قد حرمت، لاحظ أنهم يشربونها؛ لأنها لم تحرم إذن هي لهذه اللحظة حلال، وما كان للصحابة رضوان الله عليهم أن يفعلوا أمرًا قد حرمه الله، إذن هم يشربونها؛ لأنها لم تكن حرمت، وفي جلسة فيها صداقة كان من الممكن أن يقولوا: انظر يا أنس ما الخبر؟ من الذي يقول؟ هل هو ثقة؟ هذا كلام لم يحدث بالمرة، إنما قم يا أنس إلى هذه الجرار أي: جمع جرة الأواني المصنوعة من فخار أو غيره التي يصنعون فيها الخمر، قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا يعني: حجر كأنه إناء منقور من وسطه يتوضأ منه، ويدق فيه يقولون في وصفه: هو حجر منقور: مفرغ من وسطه كأنه مثل: الهون الذين يطحنون فيه مثلا الكحل، أو أي مادة يريدون أن يطحنوها هو الآن مصنوع من النحاس أو ما شاكل ذلك، لكن في القديم كان مصنوعًا من الحجارة مفرغ من داخله يدقون فيه ما يريدون أن يدقوه، وقد يضعون فيه ماء؛ ليتوضئوا منه، هذا هو المهراس قام أنس، فأخذ المهراس وضرب الجرار بالمهراس حتى تكسرت. يعلق الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- على هذه الرواية فيقول: "وهؤلاء أي: أبو طلحة وأبو عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب ﵃ جميعا، وهؤلاء في العلم والمكان من النبي ﷺ وتقدم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عار".

стр. 244

أيضًا أريد أن أضع أرقامًا لمزيد من التوضيح، هذه واحدة، هؤلاء صحابة كرام لهم منزلة سامية عالية في العلم، وفي القرب من النبي ﷺ ويكفي أن فيه مثلا أبا عبيدة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأبو طلحة، وأبي بن كعب الذي أمر النبي ﷺ أن يقرأ القرآن عليهم إلى آخره، ويقول الشافعي أيضًا، وقد كان الشراب عندهم حلالا يشربونه، فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة وهو مالك الجرار بكسر الجرار، ولم يقل لا هو ولا هم ولا واحد منهم: نحن على تحليلها أي: على حلها الخمر حتى نلقى رسول الله ﷺ مع قربه منا. يعني لم ينقل عن واحد منهم، ولا عنهم مجتمعين أنهم قالوا: سنظل نشربها حتى نلقى الرسول ﷺ ونسمعه منه، ولقاؤه ليس بعيدا نحن نسكن في نفس البلد التي هو فيها، وليس هذا فحسب، بل بيننا وبينه خطوات المدينة لم تكن كبيرة في ذاك الزمان، أو يأتينا خبر عامة يعني أو أن ينقل الأمر بخبر متواتر يعني لم يقولوا: سنظل نشرب حتى نلقى الرسول ﷺ ونسمع منه، ولم يقولوا: لم نمتنع؛ لأن الخبر لم يأتنا كخبر عامة أي: خبر متواتر وإنما خبر حال، وإنما مباشرة، كسروا الجرار وامتنعوا عن الشرب. يقول الشافعي ﵀: "وذلك لأنهم لا يهرقون حلالا إهراقه سرف، وليسوا من أهله" يعني: لو أن الخمر حلال وأراقوها بدون التثبت لكانوا قد أراقوا مالًا حلالا، وإراقة الحلال سرف لا يقع فيه مثل هؤلاء الأجلاء من الصحابة. أيضًا هم لم يقولوا: أن الرسول ﷺ أخبرهم أو أننا لن ندع حتى يخبرنا ونسمع منه أيضا لم ينقل أن النبي ﷺ نهاهم، لماذا فعلتم ذلك؟ ولم ينقل إليكم خبر مني ـ كما قلنا في القصة السابقة في تحويل القبلة ـ إنما يعلمون أن الحجة تقوم عليهم بهذا

стр. 245

الخبر الذي ليس بخبر عامة على حد تعبير الشافعي -رحمه الله تعالى- والذي يدل على تحريم الخمر، ولم حتى يستفصلوا أو يفسروا أو يتلكئوا أو يتأخروا، لن نقول حتى يلقوا النبي ﷺ حتى يتأكدوا من المخبر؟ وماذا يقول؟ ما دام سمعوا وعلموا أن الخبر أسند للنبي ﷺ وتأكد إليهم صدقه بدون تردد أراقوا الخمر. لقد كان هذا شأن الصحابة -رضوان الله عليهم- في كل شأن من شئون حياتهم كما نرى مر بنا في تحويل القبلة، مر بنا في قصة الخمر في مواقف كثيرة بمجرد أن يبلغهم الخبر عن النبي ﷺ يقولون: سمعنا وأطعنا، مر بهم في قضية الطاعون، والعياذ بالله ـ وقانا الله جميعا ووقى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ـ بمجرد أن أخبرهم المخبر، وهو عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه لا يدخل أحد ولا يخرج أحد امتثلوا، وعشرات الأدلة تدل على ذلك، وكل هذا بخبر واحد وليس بخبر عامة. أيضًا يستدل الشافعي -رحمه الله تعالى- بالحديث الذي هو معروف عند المحدثين بأنه حديث: العسيف، أو كان ابني عسيفا عند هذا فزنى بامرأته، فهذا في الصحيحين في كتاب: الحدود باب حد الزنا عند البخاري، وعند مسلم ـ رحمهما الله تعالى ـ من رواية أبي هريرة وأبي زيد الجهني، يقول الصحابي: ((إن ابني كان عسيفا عند هذا، فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني مائة شاة ووليدة، فافتديت ابني بمائة شاة ووليدة. حتى جاء النبي ﷺ ... )) يعني: سأل بعض الناس ماذا أفعل؟ وقد زنى ابنه بامرأة الصحابي الذي كان يعمل عنده أو بامرأة الرجل الذي كان يعمل عنده؟ أخبره من أخبره أن من الممكن أن يفتدي نفسه بجريمة الزنا بأن يتصدق بمائة شاة وبوليدة، يعني: فتاة جارية أمة حديثة السن صغيرة، رفع الأمر إلى النبي ﷺ طبعا أبطل هذا الحكم؛ لأن الولد عليه

стр. 246

جلد مائة؛ لأنه لم يكن محصنًا، لم يكن قد تزوج، وقال النبي ﷺ لأنيس الأسلمي صحابي جليل: ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها))، غدا أنيس إلى المرأة بمفرده ينفذ أمر النبي ﷺ سيسألها سؤالا هل ما قاله الشاب أو أبوه في شأن زناكي معه ثابت؟ اعترفت المرأة فرجمها لم تقل ولم يقل أحد لا لن نقيم الحد حتى يأتينا الخبر المتواتر عن النبي ﷺ إلى آخره كما نرى. عشرات الأدلة ساقها الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ونحيل على هذا الموطن في من كتابه: (الحجة في تثبيت الخبر الواحد) وفي الحقيقة أن الشافعي -رحمه الله تعالى- كان عمدة لكل من تكلموا في هذا الأمر. الأحاديث كثيرة جدا ذكرها الإمام الشافعي وغيره في: العقائد، في الأحكام، في عمل الصحابة في الصحيحين حديث معاذ بن جبل في كتاب: الإيمان عند البخاري ومسلم ((أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن إنك تأتي قومًا أهل كتاب ماذا تطلب منهم: أن يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول الله))، هذه عقيدة ذهب بها رجل واحد، ثم ((فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة))، هذا حكم من الأحكام في العبادات ((فإن هم أطاعوا لذلك، فأخبرهم أن الله تعالى قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)). عندي الحديث تضمن عقيدة، وتضمن أحكاما شرعية، ثم بقية الحديث بسرعة ((قال وإياك وكرائم أموالهم)) يعني: إذا أخذت الصدقة فلا تأخذها من كرائم الأموال يعني: من أعزها وأنفسها خذها من الوسط إلا إن طابت نفوسهم بأن يعطوك من أكرم الأموال وأنفسها لكن المطلوب شرعًا هو الوسط من الأموال

стр. 247

الذي ليس رديئًا والذي ليس في أعلى درجات الجودة؛ لينتفع به أصحابه إلا أن تطيب نفوسهم كما قلنا: هذا حكم شرعي على كل حال لكن محل الشاهد أن الذي ذهب بالأمر في العقيدة والعبادات ((واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) الذي ذهب بها واحد، وهو معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه. أيضًا الرسل الذين أرسلهم رسول الله ﷺ إلى ملوك الأرض ورؤسائها يدعوهم إلى الإيمان، قد بعث إلى كسرى عظيم الفرس، وبعث إلى هرقل عظيم الروم، وبعث إلى المقوقس عظيم مصر، وبعث إلى النجاشي عظيم الحبشة إلى آخره بعث إليهم يدعوهم إلى الإسلام لو كانت الحجة لا تقوم بخبر الواحد هل كان النبي ﷺ سيرسل واحدًا فقط؛ ليبلغ دين الله، وهم لم يروا النبي ﷺ ولم يسمعوا منه وتقوم الحجة عليهم بذلك، وإن هم رفضوا أصبحوا كفارًا ودخلوا النار هرقل وكسرى ومن حولهم هل ستقوم عليهم الحجة بخبر الواحد؟ كما يزعم الزاعمون والنبي ﷺ يرسل إليهم واحدًا بالعقيدة إن هم خالفوه وأصروا على طغيانهم سيكونون من أهل النار والعياذ بالله، ما هذا؟ كيف يفهمون الأدلة؟ واضح جدًا بعث رسلا كل واحد بمفرده إلى ملوك الأرض ورؤسائهم يدعوهم إلى الإسلام، وهذا معروف عند علماء الأمة بأنه عام الرسائل في عام سبعة هجرية بعد صلح الحديبية، وبعد أن أمن الناس النبي ﷺ انطلق بالدعوة إلى الآفاق العالمية أو ابتدأ في ذلك إلى آخره. فالنبي ﷺ بعث رسلا كل واحد بمفرده إلى ملك يدعوه إلى الإسلام، وأرجو أن ننتبه يدعو الملك والأمة واحد فقط، وهذه الدعوة ستقوم بها الحجة عليهم هذا الأهم، بمعنى أنهم ما دام قد علموا بأمر النبي ﷺ إن هم أطاعوا أصبحوا من المؤمنين، وإن أصروا على موقفهم هم لا يزالون كفارًا وسيحاسبون قبل بلوغ الدعوة لم يكونوا من أهل التكليف، أما بعد بلوغ الدعوة فقد أصبحوا من أهل التكليف.

стр. 248

أيضًا النبي ﷺ يبعث أبا بكر، وهو واحد، ويؤمره عليهم في عام الحج في سنة تسعة، والحديث في الصحيحين في الحج من أول أن فرض الله تعالى الحج أرسل أبا بكر وعلمهم الحج وحج بهم إلى آخره. هؤلاء قوم الصحابة كانوا مع أبي بكر، وأناس من الأعراب كانوا مع أبي بكر، وهو يحج بهم ويؤدي معهم، وتقوم الحجة عليهم بولاية أبي بكر ﵁ عليهم وبفعله أمامهم وهو رجل واحد بعثه النبي ﷺ . أيضًا من الأدلة التي ذكرها الإمام الشافعي أنه بعث أمراء سرايا، وهذا موجود عند البخاري ومسلم أيضًا في كتاب: المغازي غزوة مؤتة بعث مولاه زيد بن حارثة، وولاه القيادة في أول الأمر، فإن أصيب فجعفر، فإن أصيب فابن رواحة، فهل كان الصحابة ينفذون الأمر؟ وهو لا تقوم عليهم بهم حجة؛ لأنه خبر واحد، ونفذوا أمر النبي ﷺ إن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب فابن رواحة، والثلاثة أصيبوا، وولى المسلمون أمرهم بعد ذلك، أو أسندوا أمرهم إلى خالد بن الوليد -رضي الله تعالى- عنه إلى سيف الله الذي سله الله تعالى على الكفار. لقد بعث النبي ﷺ في دهر واحد كما يقول الشافعي ﵀ أي: في وقت واحد اثني عشر رسولا إلى اثني عشر ملكا يدعوهم إلى الإسلام، ولم يبعثهم إلا لمن قد بلغتهم الدعوة، وقامت عليهم الحجة بهذا البعث أو بهذا الرسول الذي جاء من عند رسول الله ﷺ يعني: عشرات الأدلة، وسار المسلمون على ذلك بعد هذا استخلفوا أبو بكر، واستخلف أبو بكر عمر، ثم استخلف عمر أهل الشورى؛ ليختاروا واحدًا من بينهم. والولاة والقضاة يقضون بالأمر بالشرع تنفذ أحكامهم، والناس يسمعون لهم ويطيعون يسمعون لولي الأمر وهو واحد أبو بكر وعمر وإلى يوم القيامة،

стр. 249

ويسمعون للقضاة والحكام وهم واحد حين تنفذ الأحكام، وتقام الحدود ويؤمر الناس بأوامر الشرع وبنواهيه، ويستجيبون لكل ذلك ويقولون: سمعنا وأطعنا بدون تردد، وكل ذلك بأخبار الآحاد. الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عقد كتابًا في صحيحه أنا تركت أدلة كثيرة من التي ذكرها الإمام الشافعي، وأنا قلت: أن الحديث سيحتاج إلى أكثر من ذلك لكن سنكتفي بهذا، والإخوة الذين يتلقون الآن من الممكن أن يرجعوا إلى هذه المصادر؛ ليستكملوا عدتهم للموضوع، ويحيطوه من كل جانب، وما ذكرناه إن شاء الله فيه كفاية بإذن الله رب العالمين، ويفتح الباب لمن أراد أن يبذل مزيدًا من الجهد للتوسع في الأمر. لاحظنا في أدلة الإمام الشافعي اشتمالها على حجية خبر الآحاد في العقائد، وفي الأحكام، وفي كل أمور الإسلام، وفي السرايا، وفي غير السرايا، وأن الصحابة كلهم انعقد إجماعهم على ذلك واستجابوا وامتثلوا، وأن الأمة كلها كذلك عند البخاري -رحمه الله تعالى- في الباب رقم ٩٥ في جزء ١٣ من كتاب: (فتح الباري) سماه: كتاب: أخبار الآحاد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في: الأذان، وفي الصلاة، وفي الصوم، في الفرائض والأحكام، وقول الله ﵎: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢). الأول: ننظر (الكتاب) اسم الكتاب عند البخاري: كتاب أخبار الآحاد، أول باب فيه باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق أي: الثقة يعني الصدوق في هذا السياق الذي نصدقه ونطمئن إلى سلامة خبره في: الأذان والصلاة والصوم والفرائض والعقائد والأحكام، ويستدل البخاري -رحمه الله تعالى- ويقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) هنا يقول هذه طائفة ستتعلم، وتنذر قومها "الطائفة" في لغة العرب تعني الواحد، وتعني الجماعة يعني تنطبق على الواحد، وتنطبق على الجماعة بعكس ما قد يتبادر إلى الأذهان من

стр. 250

أنها تنطبق على الجماعة فقط، ويستدلون على انطباقها على الواحد بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: ٩) بإجماع الأمة ـ وأرجو أن ننتبه إلى ذلك ـ هذا الحكم ينطبق على المتقاتلين حتى لو كانوا واحدًا أمام واحد علينا أن نسعى للصلح بينهما ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) إذن من الممكن أن يكون المتقاتلان رجلين واحد في كل ناحية، ومن الممكن أن يكون أكثر من واحد، لكن لم يبلغوا الجماعة، فالحكم ينطبق عليه مما يدل على أن الطائفة تطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى الجماعة، فحين يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (التوبة: ١٢٢) علينا أن نسمع لهم ونطيع يرجعون إلى قومهم بعد أن يتعلموا، وبعد أن تفقهوا في الدين؛ لينذروا قومهم وليعلموهم أمور دينهم، وعلينا أن نسمع لهم وأن نطيع وهم واحد أو أكثر في إطار خبر الآحاد. أيضًا الله ﵎ يقول في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦) يطلب منا التوقف والتثبت في قبول خبر الفسخ، فسبب التوقف في قبول خبره أنه فاسق، وليس لأنه واحد، والمفهوم من نص الآية أنه لو كان عدلا لقبلنا خبره يعني: لم يقل الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم واحد بنبأ فتبينوا" إنما قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾، فعلة التوقف في خبره هي: فسقه، أما أنه واحد عدل هذا مفهوم الآية، فيقبل خبره. هذه أدلة من القرآن الكريم بعض الأدلة على أن القرآن والسنة، وعمل النبي ﷺ وعمل الصحابة، وإجماع الأمة كلها تدل على حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به بصرف النظر عما ناقشناه من قضية هل يفيد الظن أو يفيد القطع؟ هذه قضية تتعلق بالثبوت ولا تتعلق بوجوب العمل.
следующие страницы →