Полный текст (394 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
جلد مائة؛ لأنه لم يكن محصنًا، لم يكن قد تزوج، وقال النبي ﷺ لأنيس الأسلمي صحابي جليل: ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها))، غدا أنيس إلى المرأة بمفرده ينفذ أمر النبي ﷺ سيسألها سؤالا هل ما قاله الشاب أو أبوه في شأن زناكي معه ثابت؟ اعترفت المرأة فرجمها لم تقل ولم يقل أحد لا لن نقيم الحد حتى يأتينا الخبر المتواتر عن النبي ﷺ إلى آخره كما نرى.
عشرات الأدلة ساقها الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ونحيل على هذا الموطن في من كتابه: (الحجة في تثبيت الخبر الواحد) وفي الحقيقة أن الشافعي -رحمه الله تعالى- كان عمدة لكل من تكلموا في هذا الأمر.
الأحاديث كثيرة جدا ذكرها الإمام الشافعي وغيره في: العقائد، في الأحكام، في عمل الصحابة في الصحيحين حديث معاذ بن جبل في كتاب: الإيمان عند البخاري ومسلم ((أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن إنك تأتي قومًا أهل كتاب ماذا تطلب منهم: أن يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول الله))، هذه عقيدة ذهب بها رجل واحد، ثم ((فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة))، هذا حكم من الأحكام في العبادات ((فإن هم أطاعوا لذلك، فأخبرهم أن الله تعالى قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)).
عندي الحديث تضمن عقيدة، وتضمن أحكاما شرعية، ثم بقية الحديث بسرعة ((قال وإياك وكرائم أموالهم)) يعني: إذا أخذت الصدقة فلا تأخذها من كرائم الأموال يعني: من أعزها وأنفسها خذها من الوسط إلا إن طابت نفوسهم بأن يعطوك من أكرم الأموال وأنفسها لكن المطلوب شرعًا هو الوسط من الأموال
стр. 247
الذي ليس رديئًا والذي ليس في أعلى درجات الجودة؛ لينتفع به أصحابه إلا أن تطيب نفوسهم كما قلنا: هذا حكم شرعي على كل حال لكن محل الشاهد أن الذي ذهب بالأمر في العقيدة والعبادات ((واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) الذي ذهب بها واحد، وهو معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه.
أيضًا الرسل الذين أرسلهم رسول الله ﷺ إلى ملوك الأرض ورؤسائها يدعوهم إلى الإيمان، قد بعث إلى كسرى عظيم الفرس، وبعث إلى هرقل عظيم الروم، وبعث إلى المقوقس عظيم مصر، وبعث إلى النجاشي عظيم الحبشة إلى آخره بعث إليهم يدعوهم إلى الإسلام لو كانت الحجة لا تقوم بخبر الواحد هل كان النبي ﷺ سيرسل واحدًا فقط؛ ليبلغ دين الله، وهم لم يروا النبي ﷺ ولم يسمعوا منه وتقوم الحجة عليهم بذلك، وإن هم رفضوا أصبحوا كفارًا ودخلوا النار هرقل وكسرى ومن حولهم هل ستقوم عليهم الحجة بخبر الواحد؟ كما يزعم الزاعمون والنبي ﷺ يرسل إليهم واحدًا بالعقيدة إن هم خالفوه وأصروا على طغيانهم سيكونون من أهل النار والعياذ بالله، ما هذا؟ كيف يفهمون الأدلة؟
واضح جدًا بعث رسلا كل واحد بمفرده إلى ملوك الأرض ورؤسائهم يدعوهم إلى الإسلام، وهذا معروف عند علماء الأمة بأنه عام الرسائل في عام سبعة هجرية بعد صلح الحديبية، وبعد أن أمن الناس النبي ﷺ انطلق بالدعوة إلى الآفاق العالمية أو ابتدأ في ذلك إلى آخره.
فالنبي ﷺ بعث رسلا كل واحد بمفرده إلى ملك يدعوه إلى الإسلام، وأرجو أن ننتبه يدعو الملك والأمة واحد فقط، وهذه الدعوة ستقوم بها الحجة عليهم هذا الأهم، بمعنى أنهم ما دام قد علموا بأمر النبي ﷺ إن هم أطاعوا أصبحوا من المؤمنين، وإن أصروا على موقفهم هم لا يزالون كفارًا وسيحاسبون قبل بلوغ الدعوة لم يكونوا من أهل التكليف، أما بعد بلوغ الدعوة فقد أصبحوا من أهل التكليف.
стр. 248
أيضًا النبي ﷺ يبعث أبا بكر، وهو واحد، ويؤمره عليهم في عام الحج في سنة تسعة، والحديث في الصحيحين في الحج من أول أن فرض الله تعالى الحج أرسل أبا بكر وعلمهم الحج وحج بهم إلى آخره.
هؤلاء قوم الصحابة كانوا مع أبي بكر، وأناس من الأعراب كانوا مع أبي بكر، وهو يحج بهم ويؤدي معهم، وتقوم الحجة عليهم بولاية أبي بكر ﵁ عليهم وبفعله أمامهم وهو رجل واحد بعثه النبي ﷺ .
أيضًا من الأدلة التي ذكرها الإمام الشافعي أنه بعث أمراء سرايا، وهذا موجود عند البخاري ومسلم أيضًا في كتاب: المغازي غزوة مؤتة بعث مولاه زيد بن حارثة، وولاه القيادة في أول الأمر، فإن أصيب فجعفر، فإن أصيب فابن رواحة، فهل كان الصحابة ينفذون الأمر؟ وهو لا تقوم عليهم بهم حجة؛ لأنه خبر واحد، ونفذوا أمر النبي ﷺ إن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب فابن رواحة، والثلاثة أصيبوا، وولى المسلمون أمرهم بعد ذلك، أو أسندوا أمرهم إلى خالد بن الوليد -رضي الله تعالى- عنه إلى سيف الله الذي سله الله تعالى على الكفار.
لقد بعث النبي ﷺ في دهر واحد كما يقول الشافعي ﵀ أي: في وقت واحد اثني عشر رسولا إلى اثني عشر ملكا يدعوهم إلى الإسلام، ولم يبعثهم إلا لمن قد بلغتهم الدعوة، وقامت عليهم الحجة بهذا البعث أو بهذا الرسول الذي جاء من عند رسول الله ﷺ يعني: عشرات الأدلة، وسار المسلمون على ذلك بعد هذا استخلفوا أبو بكر، واستخلف أبو بكر عمر، ثم استخلف عمر أهل الشورى؛ ليختاروا واحدًا من بينهم.
والولاة والقضاة يقضون بالأمر بالشرع تنفذ أحكامهم، والناس يسمعون لهم ويطيعون يسمعون لولي الأمر وهو واحد أبو بكر وعمر وإلى يوم القيامة،
стр. 249
ويسمعون للقضاة والحكام وهم واحد حين تنفذ الأحكام، وتقام الحدود ويؤمر الناس بأوامر الشرع وبنواهيه، ويستجيبون لكل ذلك ويقولون: سمعنا وأطعنا بدون تردد، وكل ذلك بأخبار الآحاد.
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عقد كتابًا في صحيحه أنا تركت أدلة كثيرة من التي ذكرها الإمام الشافعي، وأنا قلت: أن الحديث سيحتاج إلى أكثر من ذلك لكن سنكتفي بهذا، والإخوة الذين يتلقون الآن من الممكن أن يرجعوا إلى هذه المصادر؛ ليستكملوا عدتهم للموضوع، ويحيطوه من كل جانب، وما ذكرناه إن شاء الله فيه كفاية بإذن الله رب العالمين، ويفتح الباب لمن أراد أن يبذل مزيدًا من الجهد للتوسع في الأمر.
لاحظنا في أدلة الإمام الشافعي اشتمالها على حجية خبر الآحاد في العقائد، وفي الأحكام، وفي كل أمور الإسلام، وفي السرايا، وفي غير السرايا، وأن الصحابة كلهم انعقد إجماعهم على ذلك واستجابوا وامتثلوا، وأن الأمة كلها كذلك عند البخاري -رحمه الله تعالى- في الباب رقم ٩٥ في جزء ١٣ من كتاب: (فتح الباري) سماه: كتاب: أخبار الآحاد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في: الأذان، وفي الصلاة، وفي الصوم، في الفرائض والأحكام، وقول الله ﵎: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
الأول: ننظر (الكتاب) اسم الكتاب عند البخاري: كتاب أخبار الآحاد، أول باب فيه باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق أي: الثقة يعني الصدوق في هذا السياق الذي نصدقه ونطمئن إلى سلامة خبره في: الأذان والصلاة والصوم والفرائض والعقائد والأحكام، ويستدل البخاري -رحمه الله تعالى- ويقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) هنا يقول هذه طائفة ستتعلم، وتنذر قومها "الطائفة" في لغة العرب تعني الواحد، وتعني الجماعة يعني تنطبق على الواحد، وتنطبق على الجماعة بعكس ما قد يتبادر إلى الأذهان من
стр. 250
أنها تنطبق على الجماعة فقط، ويستدلون على انطباقها على الواحد بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: ٩) بإجماع الأمة ـ وأرجو أن ننتبه إلى ذلك ـ هذا الحكم ينطبق على المتقاتلين حتى لو كانوا واحدًا أمام واحد علينا أن نسعى للصلح بينهما ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) إذن من الممكن أن يكون المتقاتلان رجلين واحد في كل ناحية، ومن الممكن أن يكون أكثر من واحد، لكن لم يبلغوا الجماعة، فالحكم ينطبق عليه مما يدل على أن الطائفة تطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى الجماعة، فحين يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (التوبة: ١٢٢) علينا أن نسمع لهم ونطيع يرجعون إلى قومهم بعد أن يتعلموا، وبعد أن تفقهوا في الدين؛ لينذروا قومهم وليعلموهم أمور دينهم، وعلينا أن نسمع لهم وأن نطيع وهم واحد أو أكثر في إطار خبر الآحاد.
أيضًا الله ﵎ يقول في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦) يطلب منا التوقف والتثبت في قبول خبر الفسخ، فسبب التوقف في قبول خبره أنه فاسق، وليس لأنه واحد، والمفهوم من نص الآية أنه لو كان عدلا لقبلنا خبره يعني: لم يقل الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم واحد بنبأ فتبينوا" إنما قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾، فعلة التوقف في خبره هي: فسقه، أما أنه واحد عدل هذا مفهوم الآية، فيقبل خبره.
هذه أدلة من القرآن الكريم بعض الأدلة على أن القرآن والسنة، وعمل النبي ﷺ وعمل الصحابة، وإجماع الأمة كلها تدل على حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به بصرف النظر عما ناقشناه من قضية هل يفيد الظن أو يفيد القطع؟ هذه قضية تتعلق بالثبوت ولا تتعلق بوجوب العمل.
стр. 251
عشرات الأدلة، أصدق ذو اليدين؟ النبي ﷺ خلاص ما دام صدق نصلي ونتم صلاتنا إلى آخره، إذن هذه بعض شبههم التي أثاروها، وهذه بعض الأدلة التي رددنا بها عليهم بعد أن بينا شبههم، أو بعض شبههم التي أثاروها، وعلى ذلك تستطيع أن تقيس بقية الشبه، وهي بصدق الإيمان ليست ضعيفة متهافتة، والباعث عليها هو نوع إما من عدم الفهم، أو سوء القصد تجاه السنة، وتجاه الإسلام، ونسأل الله أن يبرأنا، ونخلص من كل ذلك إلى أننا ندين الله تعالى بأن خبر الآحاد الصحيح والحسن حجة علينا في عقائدنا، وفي أعمالنا، وفي عباداتنا، وفي أحكامنا، وتشريعاتنا، وأنه متى ثبت الخبر وجب العمل به، ولا يسعنا إلا أن نعمل به إلا أن يكون هناك مانع شرعي يمنع من العمل به كالنسخ وما إلى ذلك.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 252
الدرس: ١٤ الرواية باللفظ .
стр. 253
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
الرواية باللفظ
التعريف بالرواية، وأركانها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم عن الرواية بالمعنى وعن الشبهات المثارة حولها.
الرواية بالمعنى ثار حولها كلام أثارته بعض الجهات المعادية للسنة، وسنرد بإذن الله ﵎ على الشبه المثارة حولها،
تعريف الرواية:
الرواية في اللغة: روي من الماء، نقول: روي من الماء يعني: شرب منه، روي على وزن رضي، والمصدر ريًّا ورِيًّا، ونقول: روى وتروَّى وارتوى، كلها بمعنى واحد، والراوية بالتاء المربوطة التي جاءت للمبالغة هي الآنية المزادة التي يجمع فيها الماء، القِربة مثلًا، ونقول: روى الحديث يروي، المصدر رواية، وهناك بالنسبة للشرب كان رَيَّا ورِيًّا، هنا بالنسبة للرواية روى الحديث يرويه روايةً، ويوصَف الرجل يقال: راوية، أيضًا هذه جاءت للمبالغة، الراوية لفلان من الشعراء مثلًا، أو راوية فلان إلى آخره، وروى البعير الماء يعني حمله -حمل الماء- على ظهره.
ثم أطلقت الرواية على كل دابة يستقى بالماء عليها من البعير وغيره، مثل الحمار والبغل والخيل ونحوها، ومن هنا نقول: روى الحديث يعني حمله، ونقله إلى غيره؛ فالرواية تعني أنه قد حمل الحديث، ثم نقله إلى غيره، لو لم ينقله إلى غيره لا يقال عنه: إنه رواه، ولذلك نرى الرواية قد مرت بطورين: طور التحمل، وهو الأخذ من الشيوخ أو عن الشيوخ أولًا، ثم طور الأداء وهو الأداء الحديث إلى غيره، يعني في المرحلة الأولى تحمله عن شيوخه وفي المرحلة الثانية أداه إلى تلاميذه.
стр. 254
والخلاصة: أن المادة "روى" تأتي بمعنى الحمل والنقل، تأتي بمعنى الإسقاء والإرواء من الماء، تأتي بمعنى الشرب من الماء، في اصطلاح المحدثين: هي نقل الحديث وإسناده إلى مَن رواه، نقل الحديث وإسناده يعني: عزوه أو نسبه إلى من رواه، أنا رويت الحديث يعني: تحملته عن شيخي، وإن كان شيخي له سند إلى منتهى الحديث إلى النبي ﷺ مثلًا فأنا أقول أيضًا: شيخ شيخي وشيوخه إلى أن أصل إلى النبي ﷺ فأنا رويت الحديث يعني تحملته، ثم نقلته إلى غيره مع إسناده إلى مَن أخذته عنه، إلى مَن روي عنه الحديث.
لا يقال: إني رويت الحديث لو أني اكتفيت بتحمله فقط أنا لم أؤده إلى غيري، فلا يقال: إني رويته لغيري، ولا يمكن أيضًا رواية الحديث إلا بعد تحمله، فالجناحان -أي: جناحا الرواية- كلاهما يكمل بعضهما للآخر، ولا يمكن أن يقال: إن هناك رواية من غير أن يكون هناك تحمل وأداء.
الرواية في الاصطلاح هي: نقل الحديث وإسناده إلى مَن رواه أو إلى مَن عزي إليه، أو نسب إليه بصيغة من صيغ الأداء المعروفة عند المحدثين.
المحدثون عندهم مبحث مهم جدًّا جدًّا يدل على دقة متناهية في كيفية تحمل الحديث وكيفية أدائه، نحن أهل الحديث -بفضل الله الذين شرفهم الله تعالى بالانتساب لهذه المدرسة- كل شيء عندنا منضبط منظم بخطوات، وكل خطوة عليها أدلتها الشرعية، نحن لا نتلقى أي نوع من أنواع التلقي ولا نؤدي بأي طريقة كانت، لا نحن منضبطون، لنا طرق للتحمل وطرق للأداء، أو هي طرق التحمل والأداء، مبحث من مباحث علوم المصطلح، العلماء حصروا الأداء والتحمل في ثمانية أنواع: السماع من لفظ الشيخ، والقراءة على الشيخ،
стр. 255
والإجازة من الشيخ، والمكاتبة، والوصية، والوجادة والإعلام إلى آخره، وكل طريق من طرق التحمل له ألفاظ يؤدى بها.
فلو أنني مثلًا أعطيت تلميذي كتابي الذي جمعت فيه الأحاديث التي رويتها وقلت له: أجزتك رواية الأحاديث التي في هذا الكتاب عني، هل يجوز له مثلًا أن يقول: سمعت شيخي فلانًا يقول كذا؟ لا، لا يستعمل لفظ السماع هنا؛ لأن التلقي لم يكن بواسطة السماع، يعني: أريد أن أقول: لأن هذا مبحث آخر غير الذي نتكلم فيه الآن إنما له صلة بما نعرفه -يعني: بتعريف الرواية- وهو أن التحمل والأداء مبحث هام جدًّا عند علماء الحديث، وتفصيلاته تؤكد ذلك الانضباط العظيم وتلك الدقة المتناهية، وهذا الحرص الشديد على السنة، وكيفية تلقيها، وحصروها في ثمانية طرق كما ذكرنا، ولكل طريق ألفاظه التي يؤدى بها.
والخلاصة: أن الرواية في اصطلاح المحدثين هي نقل الحديث وإسناده إلى من رواه، أو عزي إليه، ويكون ذلك بصيغة من صيغ الأداء المعروفة عند المحدثين، مثل: حدثنا، أو سمعت، أو أخبرنا، أو أنبأنا، أو أجازنا، أو نحو ذلك من التفصيلات التي يرجع إليها في علم المصطلح.
الرواية لها ركنان: التحمل، والأداء، التحمل: هو أن يأخذ التلميذ الحديث من شيخه، والأداء هو أن يؤدي الشيخ الحديث إلى تلميذه، يعني: عملية تبادلية، يعني: أنا أخذت الحديث من شيخي، فأنا متحمل وشيخي مؤدي، ثم نقلت الحديث إلى تلاميذي فأنا مؤد وتلاميذي متحملون عني، هذان هما الركنان في الرواية. وكما ذكرت منذ قليل فإن مبحث التحمل والأداء جدير بأن ندرسه، وأن نعتني به، وأن نفهمه؛ لأننا سنزداد احترامًا وحبًّا وتقديرًا لمدرسة الحديث وطلابها، وسنلمس عن قرب بالتحام شديد الجهد المبذول في صيانة السنة الشريفة،
стр. 256
وحمايتها من أي دخيل بزيادة، أو نقص، أو تحريف، أو تغيير، أو تبديل، كل ذلك مستحيل في ظل القواعد التي وضعها العلماء لضبط أحوال الرواية، ولضبط أحوال الراوي والمروي، ومن ها مبحث التحمل والأداء الذي أشرنا إليه.
أهمية الرواية، وأقسامها
أهمية الرواية:
هي أنها إحدى الطرق الهامة في تحصيل العلم، يعني: أنا أحصل العلم مثلًا بالقراءة من الكتب، أنا أحصل العلم بسماع الشريط المرئي أو المسموع مثلًا، أنا أحصل العلم عن طريق الحواس: شممت، لمست، تذوقت، رأيت، سمعت، الحواس السليمة، كل هذه من وسائل تحصيل العلم، الرواية واحد من أهم طرق تحصيل العلم، بمعنى: أنك تتلقى الحديث أو العلم، يعني: ليست الرواية مقصورة على رواية الحديث فقط، إنما هي تشمل كل التلقي أو كل صورة من صور التلقي عن الشيوخ، لو أنه مثلًا يشرح لك درسًا في الفقه، أو درسًا في الأصول، أو درسًا في التفسير، أو في مباحث علوم القرآن، أو ما شاكل ذلك، فهذا نوع من التلقي، أنت لو نقلته إلى غيرك فقد تكاملت عناصر الرواية من تحمل ومن أداء.
إذًا الرواية مهمة جدًّا جدًّا؛ لأنها من أهم طرق تحصيل العلم، هناك أناس أميون لا يقرءون ولا يكتبون، لكنهم يسمعون من المشايخ، ويستوعبون جيدًا عن أهل العلم، خصوصًا إذا كان يتقن اللغة العربية مثلًا في الزمان الثالث كان من الممكن أن لا يقرأ ولا يكتب لكنه يفهم اللغة العربية جيدًا بالسليقة، أو بالتعليم عن
стр. 257
طريق السمع، أو ما شاكل ذلك؛ فمن الممكن أن يحصل العلم عن طريق السماع من الشيوخ من غير أن يقرأ في كتاب مثلًا، أو من غير أن يسمع شريطًا وما شاكل ذلك.
إذًا أهمية الرواية في أنها واحدة من طرق تحصيل العلم، وبالنسبة للحديث خاصة فإن الرواية قامت بدور مهمة جدًّا جدًّا في صيانة السنة والحفاظ عليها، وتناقلها عبر الأجيال المتعاقبة من لدن قالها رسول ﷺ إلى أن أودعت بطون الكتب التي نعرفها من كتب السنة، مثل (صحيح البخاري) و (مسلم) وغيرهما من كتب السنة العديدة المشهورة.
إذًا أهميتها بشكل عام هي طريق من طرق تحصيل العلم، وطريق هام جدًّا، وأيضًا هي بالنسبة للسنة بالذات قامت بدور خطير جدًّا في الحفاظ على السنة وفي صيانتها وفي حفظها، إلى أن وصلت إلينا إن شاء الله رب العالمين نقية جلية خالية من كل شبهة بفضل الله تعالى.
الرواية لها أقسام: إما أن تكون متصلة وإما أن تكون منقطعة؛ فالرواية المتصلة هي ما اتصل سندها من أول الراوي إلى منتهى الخبر، لو أنني أتكلم عن الأحاديث النبوية سيكون منتهى الخبر هو خير الخلق ﷺ الذي انتهى إليه الخبر، الرواية المتصلة أن أقول مثلًا: حدثني فلان عن فلان عن فلان إلى أن ينتهي الإسناد إلى رسول الله ﷺ لأننا نقول: إن الرواية تشمل نقل الأخبار كلها؛ فهي لا تقتصر على الأحاديث فقط، فتكون الرواية متصلة هي ما اتصل سندها من أول الراوي الأخير إلى الأعلى الذي انطلق الكلام من عنده سواء كان هذا الكلام حديثًا نبويًّا، أو كان خبرًا آخرَ غير الحديث النبوي. إذًا هذه الرواية المتصلة.
стр. 258
وقد تكون الرواية منقطعة إذا حدث خلل في الإسناد ما بين الراوي الأخير وما بين مصدر الخبر من أعلى، كأن يكون سقط واحد من أول الإسناد، أو من وسط الإسناد، أو سقط اثنان، بالنسبة للحديث سقط الصحابي وهو الذي يسميه العلماء المرسل، فالتابعي يقول: قال رسول الله ﷺ فهذه رواية منقطعة، وأنواع الروايات المنقطعة أنواع كثيرة، نرجع إليها في علوم الحديث، وخلاصتها أن الرواية إما أن تكون متصلة وإما أن تكون منقطعة.
مميزات وخصائص الرواية
إن للرواية في الإسلام مميزات وخصائص تنفرد بها عن كل أنواع الروايات قديمًا وحديثًا، خصائص الرواية التي تميزت بها في الإسلام لا توجد عند أمة من الأمم، لا من قبل ولا من بعدُ؛ فهي خصائص غير مسبوقة وغير ملحوقة، ونقول ذلك بكل الثقة وبكل التواضع وبكل اليقين.
وهذه المميزات للرواية في الإسلام نشير إلى بعضها؛ فنقول مثلًا: الإسلام حرم الكذب في حديث الناس، وأي كاذب ينقل الأخبار مخالفة للواقع فهو آثِم، والكذب من الكبائر الفاحشة: ((ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)) إلى آخر ما نعلمه من تكذيب الحديث دينيًّا. ليس من تحريم الكذب في الحديث دينيًّا، كلمة "دينيًّا" تضيف إليه بعدًا هامًّا، الذين يشمئزون من الكذب لمجرد أنه نقيصة أخلاقية، هذا غير كافٍ في الابتعاد عنه، فقد تضطره الظروف أحيانًا إلى الكذب، أما أن يكون الأمر عقيدةً وعبادةً ويتوقف عليها وتحصل على حسنات، أو تكتسب سيئات -والعياذ بالله- فالمسألة تأخذ بعدًا آخر.
قد يقول قائل: إن الإنسانية كلها تشترك في ذم الكذب، نعم، لكن هناك فرق بين أن يصدر هذا الذم عن عقيدة تحرمه، أو عن فلسفة اجتماعية مثلًا تدعو للصدق
стр. 259
وتنهى عن الكذب، وإلى أنه مجرد فضيلة خلقية إذا تحلى بها صاحبها فقد اكتسب صفة طيبة، وإذا انتهى أو امتنع عنها أو لم توجد فيه فالأمر ليس خطيرًا؛ لأنه ليس عبادة وليس عقيدة، ولا شيء من هذا القبيل، ولا الأمر يتعلق بالجنة أو النار لا من قريب ولا من بعيد، عندنا في الإسلام الرواية أول سمة من سماتها: أن الإسلام حرم الكذب، حرم الكذب في حديث الناس بشكل عام، أن تنقل عني كلامًا لم أقله، وأن تنسب إليَّ ما لم أفعله مثلًا إلى آخره.
والذي يتهم فلانًا بأي نوع من أنواع الاتهامات كذبًا، هناك عقوبات مقررة في الإسلام شرعًا، يعني: المسألة ليست هينة، حين يتهم فلانٌ فلانًا بالزنا مثلًا -والعياذ بالله- إذا لم يأتِ بالدليل على ذلك سنقيم عليه حد القذف إلى آخره.
تفصيلات كثيرة جدًّا تؤكد هذا السمو الذي لا يوجد إلا في الإسلام.
ويشتد الكذب ويفحش إذا كان متعلقًا برسول الله ﷺ يعني: الكذب بشكل عام فاحشة كبيرة لكنه يكون أشد فحشًا وأعظم خطرًا وأنكى على صاحبه إذا كان هذا الكذب متعلقًا برسول الله ﷺ وفي الحديثين من حديث أبي هريرة وغيره من جملة من الصحابة: ((مَن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) والحديث الآخر عند مسلم في مقدمته: ((إنَّ كذبًا علي ليس ككذب على أحد)) نعم، الكذب على النبي ﷺ ليس مثل الكذب على أي أحد من الناس؛ لأن الكذب على النبي ﷺ كذب في التشريع -في الدين- إما بالزيادة منه وإما بالنقص منه، وكلا الأمرين على خطر عظيم.
لذلك اهتم المسلمون جدًّا بالرواية، بقوانينها المتسعة وتفصيلاتها الكثيرة التي تعطينا في النهاية روايةً صادقةً، فالمسلمون عندهم الكذب محرم، ومحرم تدينًا وعبادةً، وليس مجرد انحدار خلقي فحسب، والكذّاب يكتب عند الله كذّابًا،
стр. 260
يعني: يكفي عند الإمام الترمذي في سننه وحسنه: ((إذا كذب العبد ابتعد الملك عنه ميلًا من نتن ما جاء به)) والعياذ بالله، يعني: كأن الكذب تنتج عنه رائحة كريهة، تخرج من فم الكاذب، فيتأذى بها الملك الموكل به، فيبتعد عنه بمسافة ميل، والمسافة هنا ليس المراد منها التقدير الدقيق بالمسافة، وإنما المراد أن الملك يشمئز منه، فيبتعد عنه مسافة كبيرة، قد لا يكون التحديد بالميل مقصودًا لذاته، إنما المقصود أنه يشمئز ويتقزز فينصرف بعيدًا عنه؛ لنتن ما جاء به من الكذب.
هذه الأحاديث والأدلة تبين خطورة الكذب، وكما قلت يشتد الأمر إذا كان الكذب متعلقًا بحديث رسول الله ﷺ ولذلك كان الاهتمام البالغ بتصحيح الأخبار وتصديقها ومطابقتها إلى الواقع.
أيضًا من خصائص الرواية في الإسلام: البحث عن مطابقتها للواقع من عدمه حتى يتبين صدقها من كذبها، ونحن نعلم أن آفة الأخبار هي رواتها، يعني: الخبر في حد ذاته قولٌ يحتمل الصدق والكذب، محمد سافر هذا خبر، أنت تخبر بأنه قد سافر، فمجرد مضمون الخبر مسائلة عادية، لكن ما يترتب على الصدق والكذب أبني حساباتي على أنه مسافر أو على أنه غير مسافر إلى آخره، وأيضًا هل كلامك هذا مطابق للواقع وللاعتقاد، أو ليس مطابقًا للواقع والاعتقاد؟
إذًا لا بد من مطابقة الرواية مع الواقع حتى نتأكد من صدقها أو من كذبها.
أيضًا عندنا الاهتمام بأحوال النقلة، وهذا أمر هام في الإسلام لم يوجد وأظنه لن يوجد عند أمة من الأمم، أحوال النقلة الذين نقلوا لنا الأخبار، وخصوصًا أحاديث النبي ﷺ الاهتمام الذي بذلته الأمة في معرفة أحوالهم لنتأكد من صدقهم في نقل ما أخبرونا به من أحاديث النبي ﷺ هذا جهد أكاد أقول بلا مبالغة فوق طاقة البشر، وإنما هيأ الله الطائفة الجليلة العظيمة من العلماء الذين
стр. 261
قاموا به؛ لأن الله أراد أن ينصر دينه، وأن يعلي رايته، وأن يصون سنة نبيه ﷺ من أي تحريف، أو تغيير، أو تبديل؛ فهيأ هؤلاء العظام ليقوموا بتمحيص الرواية، ومن بينها الاهتمام الشديد بأحوال النقلة.
وهذا الاهتمام إنما هو أمر شرعي، الله تعالى في القرآن الكريم طلب منا أن نتثبت في الرواية وفي قبولها؛ فقال -عز من قائل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحُجُرات: ٦) في قراءة: "فتثبتوا"، فاسق ماذا ننتظر من خبره؟ ربما ترتب على هذا الخبر حرب تقوم، يعني: يصل الأمر بالنسبة للأخبار إلى خطورة شديدة جدًّا كما في هذه الآية وفي سبب نزولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين﴾ فالآية دلت على أننا نتوقف في قبول خبر الفاسق لفسقه.
وهذا فتح الباب أمام العلماء ليبحثوا عن شروط الراوي الذي تقبل روايته بتفصيلات لا يتسع المقام لذكرها، غير أننا نسجل هنا ما نحن بصدده من أن الاهتمام بأحوال النقلة سَبْق إسلامي لم ولن -لم لنفي الماضي، ولن لنفي المستقبل- لم تسبق الأمة إليه ولن تلحق فيه؛ لأن الباعث أصلًا إليه كان تدينًا، كان الغرض من الجهد الفائق هذا هو صيانة الشرع والحفاظ على السنة؛ لأن السنة أحد مصادر التشريع، أو ثاني مصادر التشريع، ثم إنها تبين القرآن الكريم.
أيضًا العلماء وضعوا قواعدَ مقررة اصطلحوا عليها لدراسة السند والمتن، فهذا جعل تمحيص الروايات خصيصة من خصائص الرواية في الإسلام، يعني: حين نقول هذه الرواية صادقة، أو هذه الرواية كاذبة، أو هذه الرواية مطابقة للواقع، أو مخالفة للواقع؛ فإن ذلك يتم ليس بهوى أنفسنا، وليس بما نتذوقه من الأخبار فنقبل ما يريحنا ونرفض -مثلًا- ما يؤلمنا، أو نقبل ما يوافق هوانا إلى آخره كل
стр. 262
ذلك لا، إنما هناك قواعد مقررة هي أيضًا مستنبطة من أدلتها الشرعية، يعني: هذه القواعد حين وضعها العلماء استدلوا على كل قاعدة بالأدلة الشرعية، وفي النهاية أصبح لدينا منهج ضم مجموعة من القواعد لدراسة المتن ولدراسة الإسناد، فإذا سلم لنا الإسناد وسلم لنا المتن، نستطيع أن نقول: إن الرواية صحيحة بإذن الله.
أيضًا من خصائص الرواية: أنها تعلم أن مرجع الأحكام الشرعية في الإسلام هي إلى القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة، فاشتدت العناية بهما اشتدادًا -كما قلت- لم يسبقوا به ولم يُلحقوا فيه؛ فهي جهد، وأكرر السبب في ذلك أنه نبع من حب للدين وحرص عليه وصيانة له، وهو حرص متصل إلى أن أدوا لنا الأمانة ناقية خالصة بإذن الله رب العالمين.
إذًا معرفة الأمة بأن مرجع الأحكام هي إلى القرآن وإلى السنة، جعل الأمة تشتد في العناية بهما، وفي الإسناد المتصل بهما الموصل إليهما حتى يصل الأمر لنا نقيًّا.
أيضًا الإسناد المتصل من أول الراوي إلى النبي ﷺ هذا من خصائص أمة الإسلام، لا يوجد عند أمة غيرنا، بل أنا أقول في كثير من الأحيان بعد أن شرفني الله بالتعمق في دراسة السنة وما يتصل بها في كثير من الأحيان، أتصور أن الهجوم على الصحابة -رضوان الله عليهم- إنما هو نوع من الحسد لهذه الأمة، فلم يوجد عند نبي من الأنبياء جيل اهتم بنقل ما تحمله عن هذا النبي، كما اجتهد الصحابة في ذلك؛ لذلك حسدونا على نعمة الصحابة من بين ما حسدونا عليه، وكان التعبير عن هذا الحدث هو أن يهاجموا الصحابة وأن يشككوا فيهم -بكل أسف- وهيهات أن يصلوا إلى غرضهم، وأمة الإسلام تعرف قدر الصحابة.
لكن على كل حال هذه مسألة استطردت إليها؛ لأبين أن اتصال السند من النبي ﷺ من أعلى إلى رواة الحديث الآخرين الذين وضعوها في الكتب، هذا من خصائص هذه الأمة انفردت بها.
стр. 263
يقول ابن حزم -رحمه الله تعالى-: نَقْل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال. ولننتبه لكلام ابن حزم "مع الاتصال" لأننا ممكن نقول: قال ﷺ يعني: نحن في زمن النبي ﷺ أقف على المنبر أو في أي مناسبة أقول: قال رسول الله ﷺ أنا هنا رفعت الحديث إلى النبي ﷺ لكن أين إسنادي إليه؟ ولذلك هذا أمر آخر يتعلق بكيفية رواية الحديث الآن، وهذا يدرس أيضًا في مادة المصطلح، أنا فقط أنبه، يعني: نقل الثقة عن الثقة، يعني: الذين يقولون لنا لا بد أن يكونوا ثقات، يصل الأمر إلى النبي ﷺ متصلًا من غير انقطاع في السند خص الله به المسلمين دون سائر الملل.
وأما مع الإرسال والإعضال والطرق المشتملة على كذاب أو مجهول الحال، فكثير في نقل اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل الأخرى وأهل البدع والأهواء.
هذا نقل بتصرف من كتاب (الفصل في الملل والنحل) لابن حزم، وقول ابن حزم قول مشهور ونقله كثير من العلماء الذين يعرفون أن الرواية بالإسناد المتصل الذي لا خلل فيه ولا انقطاع بأي صورة من صور الانقطاع لا إرسال ولا أداء ولا انقطاع إلى آخره ولا تعليق، كل ذلك لا يوجد إلا عند النبي ﷺ وفي تتمة قول ابن حزم تكاد تكون هناك أجيال منقطعة ليس جيلًا واحدًا ما بين كثير من الأنبياء وما بين أتباعهم الذين نقلوا لنا أخبارهم بعد ذلك.
وفي هذا الصدد نتحدى أن يأتي الآخرون بحديث متصل الإسناد في كتاب من كتبهم إلى نبيهم الذي يؤمنون به، بدون استثناء لأهل الملل والأديان جميعًا أن يأتوا بأسانيد متصلة من أول صاحب الكتاب الذي بين أيديهم الآن إلى نبيهم الذي يؤمنون به، وينقلون عنه ما ينقلون، هذا لا يوجد إلا في شريعة الإسلام ولنبينا ﷺ ولديننا ولسنة نبينا ﷺ .
إذن، هذه بعض خصائص الرواية في الإسلام الاهتمام بتصحيح الأخبار، وتحريم الكذب تدينًا، التأكد من مطابقة الخبر للواقع وللاعتقاد الاثنين معًا،
стр. 264
يعني: مثلًا الله تعالى في أول آيات سورة "المنافقون": ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون﴾ (المنافقون: ١) هم كاذبون رغم قولهم المطابق للواقع وهو أن النبي ﷺ رسول: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ هذا قول حقيقي، ولذلك قال الله تعالى في جملة اعتراضية للاحتراس: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، ثم عقب فقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون﴾ لماذا هم كاذبون مع اتفاق خبرهم مع الواقع؟ لأنه مخالف لما يعتقدونه، ومعلوم أن أهل النفاق يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر -والعياذ بالله-.
إذن، الاهتمام بتصحيح الأخبار، تحريم الكذب، بيان مدى مطابقتها للواقع من عدمه، الاهتمام بأحوال النقلة، وضع القواعد المقررة لتمحيص الروايات سواء لدارسة الإسناد أو المتن، أيضًا يعلمون أن مرجع الأحكام الشرعية هي إلى القرآن وإلى السنة المطهرة؛ فلذلك اشتدت العناية جدًّا بهما وبكل الطرق الموصلة إليهما من إسناد وغيره.
وقلنا: إن اتصال السند إلى رسول الله ﷺ من غير انقطاع ولا إعضال ولا أي نوع من أنواع الخلل، إنما هو من خصائص هذه الأمة التي تميزت به على غيرها من الأمم.
الأصل في الرواية هو الرواية باللفظ
إن الأصل في الرواية هو الرواية باللفظ:
أرجو أن ننتبه إلى هذه المسألة، يعني: حين ننقل خبرًا من الأخبار فإن الأصل هو أننا ننقلها بلفظها، ضرورة التمسك باللفظ هذه مسألة متفق عليها، وأرجو ألا يخدعنا أحد عن أنفسنا، يعني: حتى الذين أجازوا الرواية بالمعنى -وهي مبحثنا في هذا الدرس- متفقون على أن الأصل هو أن يروي الحديث بلفظه كما هو من غير زيادة ولا نقصان، هذا منهج علمنا إياه الصحابة -رضوان الله عليهم- ووعته الأمة جيدًا وتعاقبت عليه الأجيال في التطبيق العملي.
стр. 265
سأضرب بعض الأمثلة من حرص الصحابة على تحري اللفظ بدقته كما هو، رغم أن التغيير قد لا يؤدي إلى خلل في المعنى، لكنهم يحرصون على أن الأداء في الأصل هو باللفظ كما سمعه، وأنا أرجو أن ننتبه إلى أهمية هذه المسألة، هي تدحض الفرية من أساسها، وهناك من تجاوز، وقال: لا يوجد حديث مروي بلفظه، هذه مبالغة ممقوتة، وسيثبت بالأدلة بطلانها وزيفها، لكن دعنا الآن نقرر أن الأمة كلها متفقة على أن الأصل في الرواية أولًا هو الأداء باللفظ كلما أمكن ذلك، يعني: لا يسع أي واحد من المؤمنين أن يتمكن من أداء اللفظ المنقول عن النبي ﷺ أو الذي سمعه من النبي ﷺ إن كان من الصحابة، ثم يترخص في أن يرويه بالمعنى مع تمكنه من أدائه باللفظ، هذه لم يقل بها أحد من علماء الأمة.
أقول: أضرب بعض الأمثلة، عندي حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ وهو في الصحيحين: ((بني الإسلام على خمس)) هذا مثلًا موجود في (صحيح البخاري) كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، وموجود عند الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه النظام، ونص الشاهد الذي أستشهد به الآن هو ورد في رواية مسلم، ابن عمر ﵁ ينقل عن النبي ﷺ قال: ((بني الإسلام على خمسة -يعني: على خمسة أركان- على أن وحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج)) فقال رجل: "الحج وصيام
стр. 266
رمضان" يعني ابن عمر ينقل الحديث بتقديم الصيام على الحج؛ فقال الرجل يعقب أو كأنه يعيد الحديث حتى يتأكد من حفظه فقال: "الحج وصيام رمضان" فقال له ابن عمر: لا "صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ .
هنا لا يوجد تغيير في الكلمة مجرد الترتيب، هل ذكر الحج أولًا، أو ذكر الصيام أولًا؟ فرواية ابن عمر: ((صيام رمضان والحج)) فقال الرجل: "الحج وصيام رمضان" يعني: عكس المسألة قدم الحج على الصيام، هناك تغيير في المعنى ومع ذلك لم يقبل ابن عمر وقال: لا ((صيام رمضان والحج)) هكذا سمعته من رسول الله ﷺ هذا موقف ابن عمر، هل انفرد به ابن عمر من بين الصحابة؟ لا.
مثال آخر: حديث البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنهما-: ((إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)) هذا رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب فضل مَن بات على الوضوء، ورواه في أماكن أخرى من صحيحه، محل الشاهد في الجملة الأخيرة: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)) البراء يقول: فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت: ((اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت)) قلت: "ورسولك الذي أرسلت" فقال النبي ﷺ : ((لا، ونبيك الذي أرسلت)) يعني: البراء وهو يراجعها مرة ثانية مع النبي ﷺ حتى تأكد من حفظها قال: "ورسولك الذي أرسلت" فأبدل لفظ "النبي" وجاء بلفظ "الرسول"، النبي ﷺ قال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت)).
النبي ﷺ يعلمهم التمسك باللفظ، وحتى شراح الحديث التفتوا إلى فائدة جليلة جدًّا في: ((ونبيك الذي أرسلت)) هذه العبارة جمعت له بين النبوة والرسالة: ((ونبيك الذي أرسلت)) فكلمة: ((أرسلت)) أفادت الرسالة، ((ونبيك)) أفادة النبوة، بعكس العبارة الأولى "ورسولك الذي أرسلت"، ربما اقتصرت على الرسالة فقط. هذا مثال آخر، والأستاذ فيه هو النبي ﷺ الذي يعلم الصحابة الحرص على أداء اللفظ كما هو.
مثال ثالث: حديث الاستخارة، وهو حديث مشهور: ((إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين)) الأول هو من رواية مجموعة من الصحابة.
стр. 267
رواية جابر: ((كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير فريضة، ثم ليقل ... )) إلخ، يصل إلى جملة -يعني: محل الشاهد-: ((اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه)).
في حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود جاء بلفظ واحد: ((عاقبة أمري))، حديث ابن مسعود عند الطبراني: ((في ديني ودنياي)) من غير شك، هنا في الرواية لما شك الراوي أي اللفظين قال ﷺ أتى بالوجهين معًا، هذا الحديث رواه البخاري في مواطن كثيرة ومن بينها في كتاب الدعوات باب الدعاء عند الاستخارة، انظروا حين شك الراوي في اللفظ الذي سمعه أتى باللفظين معًا، مع أن أحدهم كان يكفي، ومع أنه قد وردت روايات بالجزم في اللفظ المستعمل، إنما قال: يقل: ((اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وعاجله فاقدره لي)) كل ذلك يدل على ضرورة التمسك باللفظ.
إذن، نحن نقرر هذه القاعدة ونحن مطمئنون، وهذا ليس كلامي وإنما هو كلام أهل العلم، الكل مجمع على ضرورة الأداء باللفظ أولًا كلما أمكن ذلك، ولذلك هم يقولون عن حكم الرواية بالمعنى أنها رخصة -ليست عزيمة- عند الضرورة -عند الاحتياج- انظروا إلى هذه الدقة حين أعطوا لها حكمًا شرعيًّا، قالوا: إنها رخصة، كلمة "رخصة" يعني: ليست هي الأصل، ليست هي العزيمة المطلوبة شرعًا، إنما الأصل هو الأداء باللفظ وإذا تعذر أو تعثر لأي سبب لنسيان، أو لشك، أو لبعد عن المصادر إلى آخره، فيستعمل المعنى، ووضعوا لها شروطًا سنشير إليها بعد قليل.
стр. 268
هناك أدلة شرعية حثت على ضرورة الحفاظ على اللفظ، من ذلك قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بروايات متعددة عن ابن مسعود وعن زيد بن ثابت وغيرهم -رضي الله عن الجميع- وقال الترمذي عن رواية ابن مسعود: إنها حسنة صحيح، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع: ((نضر الله امرأً سمع مقالتي، فأداها كما سمعها)) هذا محل الشاهد: ((فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)) وفي رواية: ((فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) إلى آخره.
أيضًا النبي ﷺ حين يقول الصحابي: "كان يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعملنا السورة من القرآن" وكذلك من حديث ابن مسعود في التشهد: "يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، ومر بنا حديث البراء بن عازب: لا لم يكن النبي ﷺ أن يقول: "ورسولك الذي أرسلت" وإنما قال: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت)) ﷺ هذه أدلة على ضرورة الأداء باللفظ كلما أمكن ذلك.
وفي التمسك باللفظ وردت روايات متعددة، الخطيب البغدادي في (الكفاية في علم الرواية) عدة أبواب متوالية تبين أن منهج الأمة هو الحفاظ على اللفظ عند إمكان ذلك، فقد روى الخطيب بسنده إلى أبي جعفر محمد بن علي -رحمه الله تعالى- قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمع من رسول الله ﷺ لا يزيد فيه ولا ينقص". يعني: هنا ينقل لنا قاعدة عن الصحابة، هو منهج، لم ينفرد به البعض حتى نقول: إنها أمثلة قليلة مثلًا، أو مواقف شخصية، أو تحوط زائد من بعض الصحابة، لا، إنما كان هذا منهجًا عامًّا عند جميع الصحابة، ما دام يمكن الأداء باللفظ كما هو.
стр. 269
وعندنا روايات وأنا أحس المستمع الكريم الآن وهو يقرأ في مصادرنا في السنة -يعني: في البخاري، في مسلم، في غيرهما، من كتب السنة- ويجمع الأحاديث التي وردت بروايات متعددة عن جملة من الصحابة، سيجد كثيرًا منها قد اتفق في اللفظ، وحتى لو اختلف سيختلف في حرف أو اثنين، لا يؤثر، يعني: نستطيع أن نجزم معه بأن أيضًا الرواية باللفظ كما هي، حتى يرد على الشبهة من أساسها أن الرواية بالمعنى أفسدت أو كذا أبدًا، يعني: كثير من روايات الحديث المتعددة التي نُقلت لنا عن جملة من الصحابة إنما وردت بروايات متعددة واللفظ فيها واحد.
أيضًا روى الخطيب -رحمه الله تعالى- بسنده إلى محمد بن علي أيضًا ﵁ قال: "كان ابن عمر ﵄ إذا سمع الحديث لم يزد فيه ولم ينقص منه ولم يجاوزه ولم يقصر عنه". وأورد الخطيب في هذا المعنى روايات كثيرة عن عمر وابن مسعود وأبي أمامة وزيد بن أرقم، وأورد قول عمر ﵁: "من سمع حديثًا فحدث به كما سمع، فقد سلِمَ".
بل إن الخطيب -رحمه الله تعالى- وضع عناوينَ لجملة من الأبواب تؤكد مثل هذا الأمر، مثلًا يقول: باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجبًا، يعني: هذا الواجب، باب ذكر الرواية عمن لم يجز تقديم كلمة على كلمة، باب ذكر الرواية عمن لم يجد زيادة حرف واحد ولا حذفه وإن كان لا يغير المعنى، ساق كمثال لهذا الأمر -زيادة حرف واحد- حديث أنس بن مالك رواه بسنده: ((نَهَى رسول الله عن الدباء والمزفت أن ينتبذ فيه)) فقيل لسفيان: "أن ينبذَ فيه" يعني: يعصر فيه، نهى عن آنية الدباء والمزفت التي فيها نوع من القاري مزفتة، والدباء آنية تُصنَع من اليقطين، يعني: كانت الفواكه الجامدة، أو كذا، أو آنية يصنعونها يشربون فيها، فالدباء والمزفت نوع من أنواع الأواني فنهى ﷺ أن ينتبذ فيه، فالذي
стр. 270
سمع من سفيان يقول: "أن ينبذ فيه" يعني: يعصر فيه، يعني: بدل "ينتبذ" "ينبذ فيه" فقال سفيان: لا، هكذا قاله لنا الزهري ((أن ينتبذ فيه)).
وأيضًا من أبواب عند الخطيب باب ذكر الرواية عمن لم يجز إبدال حرف بحرف وإن كانت صورتهما واحدة، وباب الرواية عمن لم يجز تقديم حرف على حرف إلى آخره. بل إن بعضهم من شدة التمسك بالرواية باللفظ كان يروي الرواية بلحنها -بخطئها- وهو يعلم أنها فيها خطأ، لكن لم يجز لنفسه أن يغير هذه الرواية، ينبه على الخطأ لكنه يترك الرواية كما هي، فمثلًا كان يروي "حوث" بدل "حيث"، أو "لغيت" بدل "لغوت"، أو "عوثاء السفر" بدل و"عثاء"، وكتب المصطلح ضربت أمثلة لهذا.
وكل هذه الأمور تبين أن الأمة متفقة على أن الأصل في الرواية إنما هو الرواية باللفظ، لكن الرواية بالمعنى رخصة ينتقل إليها إذا احتجنا لذلك.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 271
الدرس: ١٥ الرواية بالمعنى .
стр. 272
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
الرواية بالمعنى
تعريف الرواية بالمعنى، وبيان شروط ها وما يُستثني من جوازها
الرواية بالمعنى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
تعريفها: هي أن يؤدي الراوي الحديث بألفاظ من عنده، كلًّا أو بعضًا، مع المحافظة على المعنى بحيث لا يزيد فيه شيئًا ولا ينقص منه شيئًا، ولا يحرِّف ولا يبدل ولا يغير.
إذا نظرنا إلى هذا التعريف نجده قد احتوى على مجموعة من الأمور جدير بنا أن نعرفها:
١ - أن يؤدي الراوي الحديث بألفاظ من عنده.
٢ - إما بعض الحديث إما كل الحديث.
٣ - مع المحافظة على المعنى. وهذا أمر مهم جدًّا.
٤ - بحيث لا يزيد فيه شيئًا ولا ينقص منه شيئًا، قد لا تحدث الزيادة ولا يحدث النقصان، لكن يحدث تغيير وتبديل، ولذلك يأتي أيضًا "ولا يحرف ولا يبدل ولا يغير".
هذا تعريفها، وقد تضمنت التعريف جملةً من الأمور التي ينبغي على الراوي بالمعنى أن يلاحظها، وسنبحثها في نقاط مستقلة بإذن الله.
أقوله إن هذه المناقشة للرواية بالمعنى كانت قبل عصر التدوين، أما بعد عصر التدوين فقد انتهت الحاجة إليها؛ لأن الرواية قبل التدوين كانت تعتمد على المشافهة بنسبة كبيرة في الأخذ والرد والتلقي والتحمل والأداء بين الرواة من شيوخ وتلاميذ في كل مكان وفي كل زمان، أما بعد تدوين السنة وأصبحت
стр. 273
السنة الآن معروفة بمصادرها الصحيحة، وعلى درجات متفاوتة في الصحة وفي غيرها، هذا أمر مقرر عند العلماء، لكن السنة الآن مدونة في بطون الكتب بفضل الله .
فلا يجوز لأحد أن يروي الآن بالمعنى ما دام يمكن الرجوع إلى المصدر الذي تأخذ منه فلا بد من العودة إليه.
وهذا يجرني إلى أن أسمح لنفسي بأن أقول رأيًا في حكم الرواية بالمعنى الآن، أنا حين ذكرت آراء العلماء في الرواية بالمعنى لم أشأ أن أضع لنفسي رأيًا ولا يجوز، فأنا طالب علم وأنقل عن المشايخ العلم، إنما بالنسبة لهذه النقطة بالذات بدأت الكلام حتى أصل إليها؛ لأن هذا النقاش فعلًا في الرواية بالمعنى كان قبل التدوين، الآن هل يجوز لنا أن نروي بالمعنى؟
أقول: لا، هذه القضية الآن لا ينبغي أن تكون مثارة، إنما هي أثيرت لأن جزءًا من السنة نقل لنا بالمعنى، ولكنها دونت وأصبحت موجودة في بطون الكتب، لماذا لا ينبغي أن تكون مثارة؟ لأن السنة قد دُونت، مثلًا: أنا خطيب أخطب الجمعة، أو أنا أؤلف كتابًا، أو أكتب مقالًا، أو أي شيء يقتضي أن أستدل بأحاديث، ما هي الصعوبة في أن أعود إلى المصادر لأنقل منها الحديث بنصه وفصه ولفظه بدون زيادة أو نقصان؟ كان من الممكن أن نناقش قضية الرواية بالمعنى -كما قلنا- لو كنا في عصر المشافهة قبل عصر التدوين التام، أما الآن فالذي يريد حديثًا يرجع إلى بطون الكتب ويأخذ الحديث.
وما أيسر الحصول الآن على الأحاديث، يعني: التذييلات والاسطوانات والفهارس، يعني: في محاضرات سابقة ودروس سابقة قلنا: إن الحافظ من علماء أمتنا القدامى ﵏ حين كان يقول مثلًا عن حديث رواه البخاري لا بد أن يكون حافظًا للبخاري، رواه
стр. 274
الإمام أحمد يكون حافظًا لـ (مسند الإمام أحمد) وهكذا، وإلا فكيف يحصل عليه لم تكن هناك اسطوانات للحاسب الآلي كما هي موجودة الآن، لم تكن هناك فهارس للكتب إلى آخره، كان الحافظ يعتمد على ذاكرته.
أما الآن -الحمد لله- يسر الله على أبناء العصر بتيسيرات لا حصر لها، كل المطلوب بعض الهمة اليسيرة في البحث عن الحديث بلفظه؛ حتى لا تقع تحت طائلة الكذب على رسول الله ﷺ .
وأنا أرجو أن أنقل هذا الإحساس لإخواني وأبنائي من أهل الدعوة ومن أهل العلم حين نقول: قال رسول الله ﷺ هذا دين يجب اتباعه، وما حاجتك الآن إلى الرواية بالمعنى، كما قلت الكتب في مصادرها الآن.
أيضًا هناك شرط اشترطوه وهي: البراعة في النحو، وفي البلاغة، وفي الفصاحة، وهذا يكاد يكون مفقودًا عند كثير من أبناء العصر، فأنا لا أبيح الرواية بالمعنى لقوم لم يتقووا جيدًا ولم يدرسوا اللغة جيدًا بفصاحتها وبلاغتها وتركيباتها ومفرداتها إلى آخره، ولم يدرسوا النحو لكي يضبطوا الكلمات من ناحية الإعراب ضبطًا دقيقًا، فلا أفتح الباب خصوصًا مع سهولة الحصول على الأحاديث بنصها.
كانت هذه استطرادة.
لكن نرجع لنلخص الشروط التي وضعوها للرواية بالمعنى للجمهور الذي أجازها: أن لا تجوز إلا لعالم بالألفاظ ومقاصدها، أن يكون بارعًا في النحو والصرف والأدب والبلاغة، أن يكون قادرًا على أن يؤدي الحديث خاليًا من اللحن ومن الركاكة ومن الضعف، أن يكون خبيرًا بما يحيل المعاني، وأن يكون بصيرًا بمقدار التفاوت بينها، وأن يوضح ما يدل على أنه قد روى الحديث بالمعنى، حتى لا يخدع
стр. 275
السامع، وحتى لا يظن السامع أنه قد أداه بلفظه فيأخذ من ورائه بدون تردد خصوصًا إذا كان الذي ألقى الحديث أحد الشيوخ، أو عالمًا كبيرًا، أو كذا، يعني ربما يخدع في البعض.
أيضًا قلنا: إن هذا الأمر كان قبل عصر التدوين، أما بعد عصر التدوين فقد انتهى الأمر، أو أغلق الباب.
مسألة جديدة الذين أجازوا الرواية بالمعنى استثنوا منها أمورًا وأحوالًا:
أولًا: الأحاديث المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته لا تجوز روايتها بالمعنى؛ لأنها توقيفية، ولا يجوز التغيير فيها ولا التبديل، يعني: مثلًا بعض الكتاب حتى لو لم نشق عن قلب صادق ومخلص ويحب ربه ويحب نبيه ﷺ ويحب الدين ويدافع عنه في بعض كتاباتهم مثلًا وهو يتكلم عن إتقان الله الصانع في كونه كله يقول: المهندس الأعظم، المخطط البارع، لا، هذا لا يجوز إطلاق هذا على الله فما بالك لو استعملتها في أحاديث بالمعنى وغيرت أو استعملت وأنت تظن أنك على حق لا، هذه أسماء وصفات توقيفية لا يجوز لنا أن نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه في القرآن الكريم أو في أحاديث سيد المرسلين ﷺ .
أيضًا من الأحاديث المستثناة من جواز الرواية بالمعنى أحاديث العبادات كأحاديث التشهد مثلًا، وكأحاديث الأذكار، وكأحاديث الآداب، يعني: مثلًا أذكار الصباح، أذكار المساء، آداب الطعام، آداب اللباس، آداب النوم، الأذكار التي تقال عند كل هذه المواقف والمناسبات، التشهد في العبادة، هل يجوز لي أن آتي بتشهد من عندي مثلًا، حتى لو احتوى على أصدق الألفاظ وأقواها في الثناء على الله تعالى وعلى النبي ﷺ لا؛ لأنها عبادات قصدت بذاتها وبألفاظها، فلا يجوز لنا أن نغير فيها أو أن نبدل، وإنما نأتي بها على ألفاظها.
أيضًا من الأحاديث التي لم يسمح العلماء بأن تروَى بالمعنى: أحاديث جوامع الكلمة منه ﷺ أي: التي وصفت بأنها من جوامع كلمه، وهذه أشار إليها كثير من
стр. 276
العلماء وضربوا لنا أمثلةً مثل قوله ﷺ : ((الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة))، ((كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد))، ((كل شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل))، ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) عبارات تكتب بماء الذهب احتوت على فوائد جميلة ودروس عظيمة، وهي مقصودة بذاتها وبحروفها وبألفاظها، فلا يجوز لنا أن نغير أو أن نبدل، ولنفترض أن أحدنا إذا نسي صيغة من الصيغ التي يتعبد بها فليتوقف عن استعمال النص، لكن لا تجوز له الرواية بالمعنى.
أيضًا الأحاديث المتواترة المشهورة: ((مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، ((بشِر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)) إلى آخره، هذه أيضًا أحاديث فيها تواتر، وفيها جوامع كلم ولا تروَى إلا بألفاظها.
أيضًا كُتُب النبي ﷺ التي أرسلها إلى أي جهة إلى الملوك إلى الرؤساء إلى غيرهم يدعوهم إلى الإسلام، لا يجوز لأحد أبدًا أن يروي بالمعنى؛ لأن هذه الألفاظ مقصودة فيه العبادات، يعني: النبي ﷺ كتب كتابًا في الصدقات وأرسله اليمن، لو أحدنا غير بعض الألفاظ ربما غير المعنى، ربما غير المقادير، حين بعث النبي ﷺ رسائل إلى ملوك الأرض ورؤسائها يدعوهم إلى الإسلام، فلا يجوز لنا أن نغير من هذه الكتب التي أرسلها، حين وقع النبي ﷺ معاهدات مع اليهود الذين كانوا يساكنونه في المدينة، يعني: وضع فيها القواعد المنظمة لأمر المجتمع هل يجوز لنا أن نغير أو نبدل؛ لأن هذا التغيير وهذا التبديل قد يؤدي إلى فساد المعنى، أو اختلال الشروط، أو تطبيقها بطريقة خطأ أو فهمها بطريقة خطأ، كل ذلك لا بد من أدائه باللفظ.
أيضًا الأحاديث التي فيها مخاطبة كل قوم بلغتهم، مثل الحديث الذي عند مسلم مثلًا: ((ليس امبر امصيام في سفر)) هل يجوز لي وأنا أرويه أن أقول: ((ليس من البر الصيام في السفر)) لا، لماذا؟ لأن من ضمن الدروس المستفادة من الحديث أن
стр. 277
النبي ﷺ استعمل هذه اللغة؛ فهي جائزة وأنها من الفوائد الدعوية أنه يجوز لنا أن نخاطب بعض الناس الذي يجهلون العربية، أو الذين يدخلونها، أو حتى من أرباب العربية لكنهم ليسوا على اللغة الأم لغة قريش، لأوضح لهم المعنى، فالخطاب بهذه اللغة مقصود، فلا يجوز تغييره حتى لو أتينا بالمعنى كاملًا.
إذن، الذين تكلموا على أن الرواية بالمعنى جائزة قالوا: إنها رخصة، وقالوا: إن ذلك كان قبل عصر التدوين، واستثنوا روايات، لا يجوز لنا أن نرويها إلا باللفظ، ولا تجوز روايتها بالمعنى.
الشبهات التي أثيرت حول الرواية بالمعنى
الشبهات التي أثارها البعض حول الرواية بالمعنى:
لقد أثاروا شبهًا كثيرةً رد عليها العلماء، من هذه الشبه قولهم: أن الأحاديث كلها رويت بالمعنى، ولا نكاد نطمئن إلى حديث واحد قد ورد بلفظه كما هو عن النبي ﷺ . الحقيقة مشايخنا الكرام جزاهم الله خيرًا ردوا على هذه الفِرية بأدلة كثيرة؛ فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة ﵀ في رده على كتاب (أضواء على السنة النبوية)، والدكتور صبحي الصالح في (علوم الحديث)، وكثير من العلماء، والدكتور مسفر الدميني في كتابه عن (مقاييس النقد عند المحدثين)، والدكتور مصطفى الأعظمي في (منهج النقد عند المحدثين) ردوا على هذه الفرية وعلى غيرها من الفريات التي أثاروها.
وخلاصة أقوالهم مثلًا قضية أن "لا يوجد حديث روي باللفظ" نقول: هذا زعم يرده اتفاق الروايات على ألفاظ أحاديث كثيرة جدًّا، مما يؤكد أن النقلة جميعًا قد نقلوه بلفظه، ورووه بكلماته كما هي، يعني: مجرد بعض الأمثلة نضربها مثلًا: ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار))، ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق))،
стр. 278
((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... )) وإن كان هناك بعض الألفاظ اليسيرة في هذا الحديث: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت)).
مستعد أن أذكر عشرات الأحاديث حيثما قلبت روايتها المتعددة، فأنت أمام لفظ واحد قد اجتمع الرواة جميعًا عليه، مما يدحض هذه الفرية من أساسها وهي أن الأحاديث قد رويت كلها بالمعنى بدون اللفظ، وهو يقول هذه الكلمة ليشكك فيها، فأي لفظ أعتمد، وأي كذا، وأي حكم آخذ، يعني: كما يريدون أن يثيروا الشبهات حول السنة من رواء هذا الكلام.
وأنا كما قلت أنتهج الفرصة لأنبه الآن أبنائي السامعين وأطلب منهم حسن المعايشة للسنة واتساع هذه المعايشة، نقرأ في مصادرنا، الحمد لله التي اجتهد العلماء جزاهم الله خيرًا في تركها لنا ستجد لن أقول حديثًا واحدًا ولا عشرات الأحاديث، ولا أبالغ إذا قلت مئات الأحاديث قد اشتركت في اللفظ، وحين اختلفت اختلفت اختلافًا يسيرًا لا يكاد يُذكر، ولا نستطيع مع هذا الخلاف اليسير أن نقول: إن هناك خللًا في الأداء باللفظ، ولذلك نجد علماءَنا قد اصطلحوا على ألفاظ تؤدي هذه الأغراض حين نقارن بين الروايات، هل رواه بمثله؟ هل رواه بمعناه؟ هل رواه بنحوه؟ هل رواه مختصرًا؟ هل رواه جزءًا من حديث؟ كل هذه عبارات اصطلح عليها العلماء ووضعوها للمقارنة بين الروايات؛ ليميزوا بين الراوي الذي أورد الحديث بلفظه، أو الذي لم يورد الحديث بلفظه.
إذن، الأدلة من خلال السنة نفسها ترد على هذه الفرية.
أيضًا كثير من الروايات الطويلة تكاد تكون رويت بألفاظها مع طولها، وخير مثال لهذا حديث بَدْء الوحي الذي روته أمنا عائشة -رضي الله تعالى عنها- وذكرت فيها قصة بدء الوحي حين كان النبي ﷺ يخلو بغار حراء، وأول الحديث: ((أول ما بدئ
стр. 279
رسول الله من الوحي الرؤية الصادقة -أو الصالحة- فكان لا يرى رؤيًا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) إلى آخر الحديث، وهو في الصحيحين وفي غيرهما، ويكاد يجمع الرواة على لفظه.
إذن، الإتيان بالأحاديث بألفاظها لم يقتصر فقط على الأحاديث القصيرة التي يسهل حفظها أو استيعابها، ومنها العشرات بل المئات، وإنما أيضًا وجد اتحاد الألفاظ أو مع تفاوت يسير جدًّا لا يخل برأس القضية من أنها رويت باللفظ ولم ترو بالمعنى في أحاديث طويلة كثيرة جدًّا، والذي يراجع أحاديث الشفاعة وصفة الجنة والنار وما إلى ذلك يجد الأمثلة التطبيقية على هذا كثيرة.
أيضًا مما يثيرونه من شبه: أن الرواية بالمعنى تتعارض مع الحث على الأداء باللفظ، كما في الحديث الذي أشرنا إليه من قول النبي ﷺ : ((نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فأداها كما سمعها ... )) إلى آخر الحديث، الرد نحن ذكرناه أثناء تعرضنا لهذه المسألة، ونحن نتكلم عن الأمور المتعددة المتعلقة بالرواية، لكننا نشير إليه على كل حال، نقول: لا ننسى ما ذكرناه من أمور هامة تتعلق بهذه القضية مثل أن أهل العلم جميعًا متفقون على أن الأصل في الرواية إنما هو الرواية باللفظ، حتى الذين أجازوا الرواية بالمعنى بشروط مع هذا الرأي، ونستطيع أن نقول: لا يسع عالم أن يتمكن من أداء الحديث بلفظه، ثم ينتقل إلى الرواية بمعناه، لا يقبلون منه ذلك. هذه نقطة ترد على هذه الفرية.
أيضًا مما يرد عليها: أنهم قالوا: إن الرواية بالمعنى رخصة وليست عزيمة، كما في العبادات بشكل عام، الرخص يلجأ إليها عند الضرورة، فمثلًا المسافر يجوز له أن يقصر الظهر والعصر مثلًا، وأن يجمع بينهما، على تعدد في آراء المذاهب في ذلك، فهل يجوز لغير المسافر أن يفعل ذلك؟ لا، مثلًا المسافر يفطر في رمضان إذا أراد، لكن المقيم بدون عذر لا يفطر، وهكذا. إذًا هذه رخصة تستعمل.
стр. 280
أيضًا قالوا: إن الرواية بالمعنى كانت قبل عصر التدوين، أما بعد عصر التدوين فكأنهم الآن يقولون: إنها غير جائزة في زماننا هذا، إذا فهمنا هذه القضايا، نقول: إن هذا لا يتعارض مع حديث: ((نضر الله امرأً))، وأيضًا إن حديث: ((نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فأداه كما سمعه)) هو حث -يعني: فهم الحديث هو حث- على الرواية باللفظ، لكنه لا يغلق الباب، ليس فيه نهي عن الرواية بالمعنى، وليس فيه ما يدل على أن الذي يروي بالمعنى إنما هو آثم إن لم يفعل ذلك، فالحديث يُفهم على بابه أنه حث على الالتزام باللفظ، لكنه لا يؤثم الرواية بالمعنى، وحثه على الرواية باللفظ -كما قلنا- هذه قضية اتفق عليه أهل العلم حتى مَن قالوا بجواز الرواية بالمعنى.
أيضًا من الشبه التي أثاروها أن الرواية بالمعنى أضرت بالدين -أعوذ بالله- كلام يدل على عدم صلة صاحبه بقضايا الاجتهاد في الأمة المسلمة، الصواب أن نقول: إنها أثرت الدين وكانت سببًا في تعدد الآراء الفقهية، فأعطت الأمة السعة في الأحكام الشرعية، يعني هناك من اعتمد رواية للحديث فأخذ بالحكم المستفاد من الرواية، وهناك من اعتمد رواية أخرى فأخذ بالحكم المستفاد من الرواية، وسنضرب بعض الأمثلة، لكن على كل الخلاصة أن الرواية بالمعنى أضافت إلى الدين ولم تضر بالدين، يضرب المتضرر أو القائل بأن الرواية بالمعنى أضرت الدين يضرب مثالًا بحديث التشهد الذي نقوله في الصلاة، وأنه ورد بألفاظ متعددة؛ منها حديث ابن مسعود، ومنها حديث ابن عباس ﵄ وغير ذلك، ماذا قال العلماء في ذلك؟
في (المغني) مع الشرح ال كبير ينقل عن الإمام أحمد يقول: "تشهد عبد الله أعجب إلي -تشهد عبد الله بن مسعود يعني الصيغة التي رواها عبد الله بن مسعود أعجب إلي- وإن تشهد بغيره جائز" إذًا المسألة لم تؤدِ إلى ضرر بالدين، وعلماء الأمة
стр. 281
فهموا على أن هذه سعة قد يرجح لفظًا على لفظ لكنه لم يؤثم المخالف، ولم يقل بابتداعه، ولم يقل بخطئه، ليس بالبدعة، ولم يقل شيئًا من هذا.
ونقل ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الفتح) عن الإمام الشافعي حين أخذ بحديث ابن عباس في التشهد، قال: "لما رأيته واسعًا -يعني: ألفاظه واسعة فيها معاني كثيرة- وسمعته عن ابن عباس ﵄ صحيحًا -يعني: يقصد الشافعي ﵀ أن يقول: هو روى هذا الحديث بأسانيد صحيحة عن ابن عباس فثبت صحته، يعني: لما رأيته رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس ﵄ صحيحًا- كان عندي أجمع، وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح".
إذن، هذان عالمان جليلان من أصحاب المذاهب المتبعة، ومن أهل القدوة في أهل الإسلام، الإمام الشافعي والإمام أحمد -رحمهما الله تعالى ورحم سائر علمائنا الأماجد الأماثل على مدار التاريخ كله- الإمام أحمد مال إلى تشهد عبد الله، والإمام الشافعي مال إلى تشهد ابن عباس وكلاهما أباح أن لكل مسلم أن يستعمل اللفظ الآخر ما دام قد ورد ذلك صحيحًا، فأي ضرر مثلته الرواية بالمعنى؟
أيضًا يضرب مثالًا آخر بحديث المرأة التي جاءت تهَب نفسها للنبي ﷺ والحديث في الصحيحين من رواية سهل بن سعد الساعدي ﵁ يروي لنا: أن امرأة جاءت تهب نفسها للنبي ﷺ قالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، والمهم أن النبي ﷺ لم يقطع في أمرها بشيء حتى طال الوقت؛ فقام صحابي جليل مؤدب محترم يقول: "يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها" فالنبي ﷺ سأله: ((ما معك؟)) يعني: ماذا ستدفع من صداق، الحديث طويل وبعد مراجعات، قال: ((زوجتكها على ما معك من القرآن)) يعني: كان صداقها القرآن، والنبي ﷺ زوجها للرجل على أن يحفظها ما يحفظ من كتاب الله تعالى.
стр. 282
ما محل الشاهد في هذا الحديث؟
محل الشاهد أن اللفظ الذي استعمله النبي ﷺ قد تعددت فيه الروايات: ((أمكنكتها)) يعني: من التمكن، ((أنكحتكها))، ((ملكتكها))، ((زوجتك إياها بما معك من القرآن الكريم)). هذه الألفاظ المتعددة هم يقولون: مؤكد أن النبي ﷺ قد استعمل لفظًا واحدًا خصوصًا أن الواقعة لم تتعدد، يعني: قصة المرأة الواهبة قصة واحدة، فالأغلب أن النبي ﷺ قد استعمل لفظًا واحدًا وتعددت ألفاظ الرواة في التعبير عنه، لا بأس هذا ولد ضررًا كما يقولون أبدًا، كل الذي في الأمر أن العلماء ناقشوا ما هو اللفظ الذي يجوز به تزويج المرأة للرجل.
هل إذا قال لها: "ملكتكها" مثلًا يجوز النكاح بلفظ التمليك، أو لا يجوز؟ عند بعض العلماء جاز وعند بعض العلماء لم يجز، أنا قلت: أثرت الدين وسببًا في تعدد الآراء الفقهية التي تحمل سعة للمسلمين، واستعملت عبارة "قل" قلت: سببًا في تعدد الآراء الفقهية ولم أقل: في تعارض الآراء الفقهية، أو فالتعدد ليس دائمًا شيئًا سيئًا، لا بالعكس هو تعدد تنوع وليس تعدد تضاد، فهذا ثراء وهذه سعة من الله ﵎ على عباده.
إذن، المسألة لم تضر بالدين أبدًا، وليأتِ لنا الذين يزعمون ذلك بأي حديث تسببت تعدد الرواية فيه في خلل في المعنى، أو فساد في التطبيق، ولن يستطيعوا أبدًا أن يأتوا بمثال واحد على ذلك، وإنما هي عبارات يفخمونها، ويجازفون من غير أدلة علمية حين يزعم أحدهم أنه لا يوجد حديث واحد روي بلفظه. أنا لا أميل أبدًا إلى استعمال عبارات شديدة، لكن هذا بصر واحد لم يتعامل مع كتب السنة، هذا رأي واحد لم يقرأ البخاري كاملًا، أو لم يقرأ مسلمًا، أو لم يرَ الحديث الوارد عن جملة من الصحابة وقد اتفقوا على اللفظ إلى آخره.
إذن، لم تضر بالدين في شيء.
стр. 283
أيضًا النبي ﷺ هو نفسه الذي كان في كثير من الأحيان يجيب على السؤال الواحد بإجابات متعددة، فلم لم يكن في الأمر روايات بالمعنى، إنما كان الأمر متعلقًا بالنبي ﷺ هو يوسع لهم في أمور الدين، وأيضًا قد يكون ذلك لمراعاة الأشخاص، أو الأزمنة، أو الأمكنة، أو ما نحو ذلك، نضرب أمثلة أو مجرد مثال: النبي ﷺ سئل عن أي العمل أفضل؟ قال: ((الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله)) مرة ثانية مثلًا: ((أن تطعم الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) إلى آخره: أي الإسلام خير؟ أي الإسلام أفضل؟ هو هنا الذي عدد الإجابات، والعلماء حين نظروا في هذه المسألة استنتجوا استنتاجات متعددة كلها محتملة ورائعة وعظيمة، قالوا: هذا من باب التيسير على الأمة، قالوا: هذا أيضًا من باب مسايرة الوحي، بمعنى أن الوحي كلما أخبره بشيء أخبر به.
التيسير على الأمة أيضًا له أشكال متعددة، يعني: لا يخبرها بالأمور الواحدة أو المتعددة في حديث واحد وفي سياق واحد حتى يسهل عليها أن تستوعبه، لو ذكر لهم مثلًا كل صفات الفضل في الإيمان قد تطول، لو ذكر لهم الكبائر في سياق واحد قد تطول، لو ذكر لهم مثلًا مكارم الأخلاق في سياق واحد قد تطول، فإذًا هذا من باب مسايرة الوحي، ومن باب التخفيف على الأمة، ومن باب مراعاة الأزمنة والأشخاص والأحوال، بمعنى: مثلًا لو كنا في بيئة بخيلة مثلًا، أو مع شخص بخيل، أو في زمن فيه مجاعة، يعني: أقصد أن تكون مراعاة الأشخاص، أو الأزمنة، أو الأمكنة مثلًا أفضل الأعمال إطعام الطعام، الرجل البخيل نحثه على ذلك، البيئة المحتاجة نشيع هذا الأمر فيها، أيضًا لو كان مسافرًا وانقطع زاده أيضًا إطعام الطعام في حقه وهكذا.
بيئة نزل العدو بأرضها أفضل الأعمال بالنسبة لها الجهاد، قوم يقصرون في الصلاة فأفضل الأعمال لهم الصلاة لوقتها، أو يؤخرونها عن وقتها وهكذا، مع
стр. 284
اشتراك الجميع في نهاية الأمر أن كل هذه الأعمال تشترك في كونها من أفضل الأعمال عند الله ﵎.
إذًا الأمر حتى كان من النبي ﷺ هو الذي يعدد الروايات وليس النقلة لحكم شرعية كثيرة، وإذا كان بعض النحاة لم يستدل به في النحو تحت دعوى أن الحديث قد روي بالمعنى وليس بالضرورة هو لفظ النبي ﷺ فإن العلماء قد ردوا عليه؛ الدكتور صبحي الصالح ﵀ يرى أن النحاة واللغويين الذين وقفوا هذا الموقف أخطئوا خطأً جسيمًا على حد تعبيره؛ لأن الذين أولًا رووا بالمعنى هم الفصحاء البلغاء من الصحابة ومن بعدهم، وثانيًا النحاة استشهدوا بأشعار لم تصب في صدق نسبتها، وفي تحري ألفاظها كما فعل بالأحاديث النبوية، يعني: ينسبونها إلى أي شعر ونحن لسنا متأكدين من هذه النسبة، وأحيانًا قصائد تروى بألفاظ متعددة ولم نتأكد، يعني: لم يبذل فيها ما بذل في الأحاديث النبوية من التأكد من صحة السند ومن صحة المتن، ومع ذلك استدلوا بها، وعند الأحاديث وقف بعض -النحاة كلهم لم يقفوا هذا، وقف البعض- منهم هذا الموقف مما جعل بعض الناس يقول: إن الرواية بالمعنى أضرت وجعلت الحديث لا يستدل به، فالعيب ليس عيب الحديث وإنما عيب النحاة، وكما قلت الذي يستعمله الحديث يصبح أصلًا لغويًّا يجب على الأمة كلها أن تعمل به في لغتها وفي كل أمورها.
هذه بعض أهم الشبهات المثارة حول الرواية بالمعنى أنها أضرت بالدين، أنها تتعارض مع حديث: ((نضَّر الله امرأً))، أن بعض العلماء أخذ موقف من الاستدلال بالنحو، أن الأحاديث كلها رويت بالمعنى، كل ذلك رددنا عليه بإيجاز.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 285
الدرس: ١٦ الرد على دعوى اهتمام المحدثين بنقد السند دون المتن .
следующие страницы →