← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 95992

الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (ماجستير)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (394 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ونصل إلى مسك الختام في الآيات التي تحث على الطاعة، وقد تركنا غيرها كثيرًا يعني: في التي لا يكاد يذكر البعض سواها، هي قول الله ﵎ في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، الآية التي استدل بها ابن مسعود ﵁ في الحديث الصحيح المشهور المروي عند البخاري ومسلم حين قال: ((لعن الله النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)). ابن مسعود يلعن المرأة النامصة والمتنصمة التي ترقق حواجبها، والتي تضع وشما على وجهها أو على يديها أو على جبهتها كعلامة للتجميل والتزيين، وتظهر بها أمام الناس ليس لزوجها فحسب، والتي تفلج أسنانها، تبردها بمبرد، أو ما شاكل ذلك، وتجعلها متساوية .... الخ، علامات التجميل التي يعرفها يعلمها الذين يفعلون ذلك لعنهم عبد الله بن مسعود، والحديث ورد موصولًا، مرفوعا، وهو صحيح. المرأة لما سمعت عبد الله بن مسعود يلعن قالت: وما لك تلعن؟ يعني: أنت لست تشرع. هي تسأله يعني: هل يوجد أو يملك واحد غير الله تعالى، والنبي ﷺ أن يلعن أو أن يشرع؟ ما لك تلعن، ولعنك هذا كأنه تشريع؟ لأنك تلعن من فعل كذا وكذا، فقال لها: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: والله لقد قرأت ما بين الدفتين، أو ما بين اللوحين تقصد: أنها قرأت المصحف كاملًا، فلم تجد لعن الله النامصة؛ هي تبحث عن هذا الحديث، وكأنها فهمت أن عبد الله بن مسعود يقصد أنه موجود بنصه وفصه في كتاب الله، فقالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين، أو ما بين دفتيه -تقصد: المصحف من أوله إلى آخره- فلم أجد هذا. قال لها: أما إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، ألم تقرئي قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الر َّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، أمر من الله تعالى بأن كل ما يأمرنا به نقول: سمعنا وأطعنا، وأن كل ما ينهانا عنه نجتنبه في طاعة أيضًا مطلقة لرسول الله ﷺ .

стр. 72

بنفس الاختيار الذي ذكرناه في سورة الأحزاب، أية التخيير أيضًا التي في سورة الأحزاب، حتى العلماء يسمونها آية التخيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٨)، يخيرهن رسول الله ﷺ بين هذا الأمر: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٩)، هذه الآيات يسمونها: آيات التخيير؛ لأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يخير أزواجه بين البقاء معه على ما هو عليه، أو بين أن يمتعهن، ويسرحهن يعني: يطلقهن، ويعطهن حقوقهن من متعة وغيرها، وهكذا فالأمر محسوم بالنسبة لأمنا عائشة بدأ بها، وقال لها: ((لا تجيبي حتى تستأمري، أو حتى تستشيري أبويك. قالت: أفيك أستشير يا رسول الله!)) القضية محسومة هذه قدوة حين يكون حكم لله ﵎ أو حكم لرسوله ﷺ فإن المؤمن أبدًا لا ترد على باله أو على عقله قضية الاختيار من أساسها، بل الأمر محسوم لصالح حكم الله تعالى، وحكم رسوله ﷺ . الآيات التي نهت عن مخالفة النبي ﷺ - الآيات التي نهت عن مخالفته ﷺ : إذا جئت إلى سورة النساء، وكنا قد تكلمنا عن آيات المواريث ختمها الله تعالى بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (النساء: ١٣). ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ (النساء: ١٤) هذا هو النهي عن المخالفة ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأحزاب: ٣٦) ويتجاوز حدوده لا

стр. 73

يطبقها، وهي تشريعاته التي حدها الله لعباده يهدده الله تعالى بجهنم، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٤)، انظروا إلى عقاب المخالفين، حتى مهما يقول: إنني أمنت بالله وبرسوله، ثم يوزع الميراث مثلًا بهواه، مخالفا في ذلك حكم الله تعالى، وحكم نبيه ﷺ . وفي سورة النساء أيضًا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥)، مشاققة الرسول ومخالفته كلها شر بلاء ووباء على من يقع فيها، والعياذ بالله. حتى هنا يعني: ذكر الرسول وحده ﷺ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥). وإذا ذهبت إلى سورة الأنفال، الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأنفال: ١٣) هو يتحدث عن الكفار ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: ٤)، تحذير بعقاب شديد، مهين مؤلم لمن وقف موقف المعاندة والمشاققة، والمخالفة لما جاء من عند الله ﵎، وما جاء من عند رسول الله ﷺ . في سورة التوبة: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ٦٣)، نار جهنم خالد فيها وله خزي، وليس خزيا عاديا، إنما هو خزي عظيم والعياذ بالله، كل ذلك من جزاء المخالفين المبتعدين عن هديه ﷺ . في سورة النور: ﴿فَلْ يَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) فليحذر الذين يخالفون عن أمره، يعني: لا ينبغي أن

стр. 74

يصدروا في أي شأن من شئونهم إلا عن أمره ﷺ ، يعني: يردون مورده، ويشربون تشريعه، ولا يبتعدون عن ذلك قيد أنملة. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (النور: ٦٣)، وفسر الفتنة بما شئت: ابتلاء، عذاب، هي كل ذلك من معانيها، خزي في الدنيا، وفي الآخرة، كل ذلك من معاني الفتنة، والعياذ بالله، وقد خصت بالكفر أيضًا. "تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" كل ذلك من جزء ينتظر الذين يخالفون رسول الله ﷺ ، ولا يصدرون عن أمره في كل شأن من شئون حياتهم. إذا انتقلت إلى سورة محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: ٣٢)، مشقاقتهم للرسول لن تضر الله تعالى ولا رسوله ﷺ شيئا، وإنما الخسارة ستعود عليهم، وسيحبط أعمالهم. وأيضًا في سورة الفتح ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٧). وفي سورة المجادلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (المجادلة: ٥)، كبتوا يعني: هزموا، باءوا بالخسران، وبالكبت، وبالضيق، أحاط بهم البلاء والوباء من كل جانب، وضربت عليهم الذلة، كما في الآية أيضًا في سورة المجادَلة أو المجادِلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: ٢٠) هؤلاء من بين الأذلة الذين ألبسهم الله لباس الخزي والندامة، والمذلة والمهانة، والخسران في الدنيا وفي الآخرة. هل بسرعة سريعة نتذكر الآن الجزاء للمخالفين من خلال الآيات التي ذكرت: كبت، ومذلة، وخزي، ونار خالدين فيها، وعذاب عظيم، وأكثر من ذلك: تصيبهم فتنة،

стр. 75

يصيبهم عذاب أليم، تهديد بالعقاب الشديد، بعد كل ما ذكر، فإن الله شديد العقاب، نوله ما تولى، نتركه إلى ما اختار، ونصليه جنهم وساءت مصيرا، كل ذلك من جزء المخالفين، والعياذ بالله ﵎. فانظر إلى الآيات القرآنية التي تنوعت ما بين آيات حثت على الطاعة، وأيضًا تنوعت في أساليبها في الدعوة إلى الطاعة، وما بين آيات حذرت من المخالفة. الأدلة من السنة على وجوب اتباع السنة إذا انتقلت إلى السنة المطهرة لأستدل من خلالها على وجوب اتباع السنة -يعني: الأحاديث الشريفة- فسأجد جملة من الأحاديث، وسأذكر بعضها فقط، يعني: كإشارة إلى غيرها من الأحاديث: في الحديث عند البخاري: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى))، هذا حديث رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب: الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ . كل الأمة يدخلون الجنة إلا من أبى، سماها النبي ﷺ إباء، معصية النبي ﷺ سماها النبي ﷺ إباء، إعراضا، توليا، جحودًا، بعدًا. وأيضًا روى البخاري، ومسلم -رحمهما الله تعالى- من حديث أبي هريرة أيضًا، وهو عند مسلم وغيره، جزء من حديث: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)). هذا رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام، أيضًا باب: الاقتداء بسنة النبي ﷺ ، ورواه مسلم في الحج في سياق طويل، النبي ﷺ يقول: ((أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا. قام رجل فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ يعني: هل يجب علينا الحج في كل عام؟

стр. 76

قال النبي ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم)). النبي ﷺ سكت عن الرجل حتى كررها ثلاث مرات، وكان يحب ﷺ أن ينتبه الرجل إلى أمر هام، وهو أن النبي ﷺ لو كان الحج واجبًا في كل عام سينبه إليه ابتداء من غير سؤال، يعني: لن ينتظر حتى يسأله أحد عن ذلك، لماذا؟ لأن هذا من أنواع البيان، إذا كان واجبًا في كل عام فعليه أن يبينه هل يمكن مثلًا أن يكون واجبا في كل عام، أي يكون الحج واجبا في كل عام، ثم يسكت عنه النبي ﷺ . لنفترض أن أحدًا لم يسأل، ومن القواعد الأصولية: تأخير البيان عن وقت لحاجة لا يجوز. فالنبي ﷺ سكت عن الرجل؛ لعله ينتبه ثلاث مرات، فلما أصر الرجل على سؤاله قال النبي ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، أي: لوجب الحج في كل عام، ولما استطعتم. لو قلت نعم واضحة الدلالة. هذه الجملة في أن النبي ﷺ يشرع، وأنه إذا شرع وجب، ويجب علينا أن نمتثل، ولو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ماذا سيكون شأنكم لو قلت نعم، وأنتم لا تستطيعون؟ إذا كلمة أو جملة "لو قلت نعم" هي تدل على أن النبي ﷺ يشرع، وأن على الأمة أن تقول: سمعنا وأطعنا. أيضًا حديث العرباض بن سارية -رضي الله تعالى عنه- وهو عند الترمذي، وعند أبي داود -رحمهم الله تعالى-: ((صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة زرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، أي: وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين -عليكم بسنتي: الدعوة إلى اتباع السنة، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين- تمسكوا بها، وعضوا علينا بالنواجذ، وإياكم ومحدثات

стр. 77

الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)). هذا رواه الإمام الترمذي في جامعه، وقال عنه: حسن صحيح. ورواه أبو داود أيضًا في كتاب السنة، باب: في لزوم السنة. وأيضًا من الأحاديث الواردة في هذا قوله ﷺ : ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني في عصى الله)) هذا حديث رواه البخاري في كتاب الجهاد، باب: السمع والطاعة. ورواه الإمام مسلم أيضًا في كتاب الإمارة، باب: طاعة الأمراء في غير معصية الله. "من أطاعني فقد أطاع الله" انظروا إلى هذا التلازم بين طاعة الله تعالى، وطاعة النبي ﷺ ، هما شيء واحد، لا يستطيع مسلم أبدًا أن يفصل بينهما، وهذا يغلق الباب أمام أي فهم عقيم يحاول أو يتصور أنه يعني يخالف النبي ﷺ ، ثم هو في نفس الوقت يتصور أنه طائع لله تعالى، لن يكون ذلك أبدًا؛ التلازم بين الطاعتين واضح، وكذلك التلازم بين المعصيتين، فمن عصى الله، أو عصى رسوله فقد عصى الآخر باتفاق أهل العلم على ذلك، لا يخدعن الشيطان أحدنا عن هذا الفهم الذي ينبغي أن نكون عليه. ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله))؛ لأنه هو المبلغ عن الله؛ لأنه هو الذي نقل لنا ما يريده الله تعالى من عباده، أتى لنا بالحنفية السمحة وبالقرآن، والسنة ... إلى آخره. أيضًا من الأحاديث الواردة في ذلك قوله ﷺ : ((إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي))، وهذا حديث رواه الإمام الحاكم في كتاب العلم، في جزء واحد من الطبعة القديمة في ص ٩٣. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 78

الدرس: ٥ حجية السنة (٣) .

стр. 79

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (حجية السنة (٣)) استكمال الأدلة من السنة على وجوب اتباع السنة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه، وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: فنواصل كلامنا عن بقية أدلة السنة الدالة على ضرورة اتباع السنة المطهرة. العلماء أشاروا -ومنهم ابن حزم، ومنهم الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- في كتابه (حجية السنة) - إلى أدلة كثيرة تحتم اتباع السنة المطهرة، منها دليل الإيمان. دليل الإيمان معناه أن كل الآيات، وكل الأحاديث بينت أننا لن ينعقد إيماننا، ولن يتم إلا إذا حكّمنا الرسول -صلى الله عليه وسل م- في كل شأن من شئون حياتنا. مرت بنا هذه الآيات، وهذه الأحاديث في الدرسين الماضيين، لكن لأن العلماء جعلوه دليلًا مستقلًّا وهو دليل الإيمان، فإننا نشير إليه في عجالة، حين يقول الله ﵎ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩) نرى هنا أن الله ﵎ في القرآن الكريم قد علق الإيمان على رد التنازع إلى القرآن وإلى السنة، وكما قلت: نادنا أولًا بصفة الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩). ف الله تعالى يطلب أن نطيع الرسول، وقبل ذلك طلب بنا أن نؤمن بالرسول -صلى الله عليه وسل م- في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (النساء: ١٣٦) وفي قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) فمقتضى ذلك أن نؤمن بالله ورسوله لأن الله ﵎ طلب من الإيمان بذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

стр. 80

وفي آية الأعراف ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨). مقتضى ذلك أن نؤمن بالله وبالرسول، ثم إن الإيمان يقتضي الإيمان التصديق بكل ما جاء به هذا الرسول، إن حدث عكس ذلك؛ يعني هب أن واحدًا مثلًا يزعم أنه آمن بالرسول ثم لم يؤمن ولم يصدق بكل ما جاء به هذا الرسول، هل تسلم له قضية الإيمان هذه؟ لا يمكن؛ لأنه جزء من إيماننا بالرسول -صلى الله عليه وسل م- أن نؤمن وأن نصدق بكل ما جاء به هذا الرسول، من القرآن من السنة، كل ما جاءنا به نصدقه، وإلا فلن يكون هناك مؤمن، بل لن تنسجم قضية الإيمان أصلًا إذا شك أو ارتاب أحدنا في شيء مما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسل م-. إذن هي قضية واضحة جدًّا، أولًا: أن الله علق الإيمان على طاعتنا للرسول -صلى الله عليه وسل م-. وقبل ذلك طلب منا أن نؤمن بالله وبرسوله -صلى الله عليه وسل م- وأنه ينبغي أن يكون في ذهن كل مؤمن أنه لن يكون مؤمنًا حقًّا إلا إذا صدق الرسول في كل ما أخبر به. ولا ينسجم -كما قلنا- أن يتصور أحد أنه مؤمن ثم هو يكذب ببعض ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسل م- إذن كيف تؤمن به؟ وما معنى أنك تؤمن أو مصدق بأنه رسول؟ تصديقك بأنه رسول يعني هو من عند الله ﵎ ويخبر عن الله تعالى. يقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة) وهي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر -عليه رحمة الله- وقد رقم فقراتها، في الفقرة ٢٣٩ وما بعدها يقول الإمام الشافعي ﵀: "فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له أول شيء في خطوات الإيمان، وكل شيء بعده تبع له. فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به -أي بالله تعالى- ولم يؤمن برسوله لم يقع عليه اسم كمال الإيمان حتى يؤمن برسوله معه". لعل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقصد بكمال الإيمان هنا أي: كمال

стр. 81

انعقاده، فإن انعقاده ليس الكمال المعروف المضاد للنقص، بمعنى أن أصل الإيمان موجود، ثم قد يتعرض لشيء من النقص، فلا يكون كاملًا، لا، إنما المقصود بكمال الإيمان هنا؛ أي انعقاد الإيمان؛ أي كمال انعقاده، لن يكون إلا بالإيمان بالله تعالى وبرسوله -صلى الله عليه وسل م-. فانعقاد الإيمان لا يكون إلا بذلك، ومن هنا قلنا قبل، وها نحن نكرر أن الإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسل م- جزء من إيماننا بالله تعالى، والذي يكذب الرسول -صلى الله عليه وسل م- هو في نفس الوقت يكذب الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي أرسله، ومن هنا وجبت طاعة الرسول بمقتضى هذا الإيمان في كل ما يبلغه عن ربه ما دمت قد آمنت بأنه رسول وصدقته واتبعته، فعليك أن تصدق كل ما أخبر به عن الله تعالى، ولا يجوز أبدًا لا في عقل، ولا في واقع، ولا في نقل أن يزعم أحد الإيمان ثم هو يكذب ببعض ما جاء به رسول الله ﷺ . يقول الإمام الشافعي أيضًا في موطن آخر من مواطن رسالته: وكل ما سن -هو هنا تكلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- وكل ما سن يقصد النبي ﷺ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته أي: طاعة الله يعني اتباعنا للنبي -صلى الله عليه وسل م- هي طاعة لله -تعالى-. "وجعل في اتباعه" الضمير في اتباعه يعود إلى النبي -صلى الله عليه وسل م- طاعته تعود على الله تعالى. كلام الشافعي: "وكل ما سن أي النبي -صلى الله عليه وسل م- فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعها أي المعاندة عن السنة معصيته أي: معصية الله التي لم يعذر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسل م- أو سنن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- مخرجًا". يعني: لا عذر لأحد أبدًا في مجانبة السنة وفي معصية الله تعالى المترتبة على معصية

стр. 82

السنة، الله تعالى لم يعذر أحدًا أبدًا لم يقبل عذرا من أحدًا في تخلفه عن طاعة النبي -صلى الله عليه وسل م- وعن امتثال أمره، ولم يجعل لأحد أبدًا من اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسل م- مخرجًا. إذن هذه أقوال تبين أن الإيمان الذي هو دليل من أدلة أهل السنة؛ يعني ترتيبه كالآتي: أولًا: نؤمن بالرسول -صلى الله عليه وسل م- بأنه من عند الله، وإيماننا بهذا الرسول -صلى الله عليه وسل م- يرتب عليه أن نؤمن بصدقه في كل ما أخبره به عن الله وفي وجوب اتباعه. هذه مجموعة من القضايا المتلازمة التي تندمج وتتحد فتصبح قضية واحدة، كل جزئية منها مبنية على الجزئية التي قبلها، أنت صدقت أنه رسول، هذا التصديق يقتضي أن تصدق في كل ما أخبر به عن الله تعالى، وأيضًا يقتضي أن تتبعه في كل ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسل م- وأن تعلم أن اتباعك للنبي -صلى الله عليه وسل م- هو عين الطاعة لله وأن معصية النبي -صلى الله عليه وسل م- هي معصية لله -تعالى-. هذا التلازم لا بد أن يكون واضحًا في ذهن كل مؤمن، ولنعلم أيضًا أن الله لم يقبل عذرًا من أحد من خلقه في مجانبة السنة أو معاندتها أو في عدم اتباعها، وأيضًا لا مخرج لنا إلا باتباع النبي -صلى الله عليه وسل م-. إذن هذا دليل الإيمان الذي لم يخالف فيه أحد من أهل السنة والجماعة، والذين يعلمون أن الإيمان يحتم على أتباعه، وعلى أبنائه أن يصدقوا النبي -صلى الله عليه وسل م- وأن يتبعوه في كل ما جاء به من عند الله ﵎. أيضًا من الأدلة الدالة على وجوب اتباع السنة دليل الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- سماه دليل العصمة، خلاصته أن الأمة أجمعت على عصمته -صلى الله عليه وسل م- عما يخل بالتبليغ. كل الأمة مجمعة على أن الله قد عصمه أن يقع في شيء ما يكون سببًا في خلل التبليغ الذي أرسله الله تعالى به، والذي وضحه في كثير من آيات القرآن الكريم

стр. 83

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧)، وأيضًا ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: ٤٨) إلى آخر الأدلة التي تبين مهمة التبليغ للنبي -صلى الله عليه وسل م - لكي يؤدي النبي -صلى الله عليه وسل م- التبليغ على الوجه الذي يرضي الله لا بد أن يكون معصومًا من كل شيء يخل بهذا التبليغ. فهل كان لا يؤمر بالتبليغ بشيء من أحاديثه ثم يقولها هو من عند نفسه؟ يعني هو مبلغ عن الله وإن لم يبلغ فلن يكون قد أدى الرسالة، كما قال الله تعالى ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧) فهل الله لم يأمره بتبليغ بعض الأحاديث ثم هو بلغها؟ أو هو قالها من عند نفسه؟ أتى بها من عند نفسه؟ ما حكمنا على من يقول بذلك؟ أظن الإجابة واضحة، إذن الله عصمه أن يخل بأمانة التبليغ، لا بانتقاص شيء منها، ولا بإضافة شيء إليها، فكل ما قاله النبي -صلى الله عليه وسل م- هو تبليغ عن الله ﵎. إذن: لماذا جعل الله طاعتنا للنبي -صلى الله عليه وسل م- هي طاعة لله ؟ لأن -كما قلنا- هو يقول بأمر الله ويبلغ مراد الله ... إلخ. فهل هناك جملة من الأحاديث النبوية مثلًا بعضها -أيًّا كان الرقم- النبي -صلى الله عليه وسل م- أتى بها من عند نفسه، ولم يكن فيها مبلغًا عن الله تعالى؟ وهل لو قبل عقل ذلك يكون قد أيقن أن النبي -صلى الله عليه وسل م- قام بهمة التبليغ على الوجه الذي يرضي الله ؟ أعتقد أن الإجابة واضحة، لا يمكن أبدًا أن يقبل عقل مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسل م- كما قلت أنقص أو نقص شيئًا من التبليغ أو زاد شيئًا فيه من غير أمر الله تعالى. إذن دليل العصمة هذا من الأدلة القوية على وجوب اتباع السنة، لماذا؟

стр. 84

لأن السنة جزء مما أمر النبي -صلى الله عليه وسل م- بتبليغه، إذا لم نعتقد ذلك، فكأننا نقول بأن النبي -صلى الله عليه وسل م- يحدثنا بشيء لم يؤمر بتبليغه؛ أي يقوله من عند نفسه، وهذه طامة كبرى على من يتردى فيها، والعياذ بالله رب العالمين. هنا نقطة سأوضحها بسرعة، وستكون لها تتمة في مبحث آخر يأتي بعد قليل ما هي هذه النقطة؟ هل معنى ذلك أن النبي ﷺ لا يقول شيئًا باجتهاده أبدًا؟ هل لا بد أن ينتظر الوحي في كل صغيرة وكبيرة قبل أن ينطق؟ أرجو أن نكون على ذكر من السؤال الآن لأن الإجابة ستأتي بعد قليل. السنة وحي من عند الله من الأدلة أيضًا على ضرورة اتباع السنة أنها وحي من عند الله، وما دامت وحيًا فقد وجب اتباعه: أما أن السنة وحي من عند الله ﵎ فهذا أمر قامت عليه أدلة كثيرة من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة: فمن القرآن الكريم قول الله ﵎ في سورة النجم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ (النجم: ١ - ٦) هنا الآيات في مطلع سورة النجم تبين أن النبي -صلى الله عليه وسل م- لا ينطق عن الهوى، وإن هو إلا وحي يوحى، الضمير في "هو" يعود على كل ما نطق به النبي ﷺ . ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ١ - ٣) إذا خصصت كما يحاول البعض في محاولة يائسة لزعم بأن السنة قد لا تكون وحيًا، هو هنا يريد أن يقول: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٤) يعود على القرآن الكريم.

стр. 85

لو قلنا ذلك، هذا تخصيص بدون مخصص، لم يسبق ذكر للقرآن الكريم في الآيات من مطلع السورة حتى يقال: إن الضمير يعود عليه وحده ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ بل إن الآيات في سياقها العام تؤكد أنها دفاع عن النبي -صلى الله عليه وسل م- الله تعالى يقسم بالنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم ﷺ . والتعبير القرآني البليغ العظيم آثر التعبير بقوله تعالى ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ ولم يقل: "ما ضل محمد" التعبير بالصحبة التي تعني الملازمة، وتعني الدراية الكاملة بكل أحواله، القرآن يؤكد أنكم تعرفونه، فقد صحبتموه، وعاش بينكم قبل النبوة أربعين سنة، وجربتم أخلاقه وصدقه وأمانته، ولا يستطيع أحد فيكم أن يزعم أنه كذب في يوم ما، ولو كذبة صغيرة أو بيضاء أو سوداء كما يحاول البعض أن يلون الكذب الآن بألوان متعددة؛ ليجيز بعضها ويمنع بعضها. ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسل م- يقتضي بأن يكون السياق مقصودًا به القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإلا لو قصرناه على القرآن الكريم ما ضل صاحبكم في القرآن، وما شأنه في السنة، لو أراد أحدهم أن يقصر الكلام أو السياق على القرآن الكريم ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ ... ﴾ لو قلنا القرآن فقط إذن السنة أو ما قاله النبي -صلى الله عليه وسل م- من غير القرآن جاء به في ضل وغوى والعياذ بالله، نسأل الله السلامة من هذه الأفهام التي تتعارض مع الإيمان بوضوح. إذن ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ﴾ أي الذي ينطق به قرآنًا كان أو السنة المطهرة. إذن هذا دليل، ونلاحظ أن الآية في مطلع سورة النجم جاءت بأسلوب القصر،

стр. 86

أسلوب القصر معروف عند البلاغيين، هو قصر شيء على شيء، ونفيه عمن عاداه، إذا قلت أنا مثلًا: محمد فاهم. هذه الجملة أثبتت الفهم لمحمد، لكنها لم تنفه عن غيره، فنقول: محمد فاهم وغيره أيضًا فاهم، لكن إذا أردت استعمالًا يثبت الفهم لمحمد، وينفيه عما سوى محمد، فلا بد أن آتي بالكلام في أحد أساليب القصر. القصر أو الحصر كما قلنا: إثبات شيء لشيء، لو قلت في تعريفه إثبات شيء لشيء، وسكت، فهذا ليس بحصر أو ليس بقصر، كل إثبات شيء لشيء يدخل في هذا التعريف، لكن أنا أريد أن أصف شيئًا ما، أو أمرًا ما أو رجلًا ما، أو أي شيء واحد قابل للوصف أصفه بصفة توجد فيه، ولا توجد عند غيره. أنا أريد أن أقول أن هذا الشيء ليس موجودًا عند غيره، فأستعمل أسلوب القصر. أسلوب القصر له أساليب متعددة، يعني كيف آتي بالكلام في أسلوب القصر؟ عن طريق تقديم ما حقه التأخير، يعني أن يأتي المبتدأ مثلًا متأخرًا، والخبر أولًا، ترتيب الجملة نحويًّا أن يأتي المبتدأ أولًا ثم يأتي الخبر ثانيًا، أو أن يأتي المفعول مقدمًا على الفعل والفاعل، أو أن يأتي الفاعل مقدمًا على الفعل، كل هذه من أساليب القصر. إذا لم يكن المانع الذي يمنع من ترتيب الجملة نحويًّا مانعًا آخر فإنها حينئذ تفيد القصر، مثلًا حين يقول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الجاثية: ٣٧) أصل الجملة: الكبرياء له. الكبرياء: مبتدأ. وله: جر ومجرور متعلق بمحذوف خبر، لو قلت أنا: الكبرياء له. من الممكن أن يقول قائل: ولغيره أيضًا. لكننا أردنا أن نحصر صفة الكبرياء لله وأن نقصرها عليه -جل في علاه- فقال القرآن: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ أي أن صفة الكبرياء مقصورة على الله ولا يحق لأحد من الخلق أن يتخلق بها أو أن يتصف بها، وإلا نازع الله تعالى في صفة من أخص صفاته التي لا يجوز لأحد من خلقه أن يتصف بها.

стр. 87

في قوله تعالى فيما نقرأه كل يوم عدة مرات في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: ٥) إياك: ضمير مفعول مقدم. والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، ونعبد الفعل. وأصل الجمل نعبدك. لو قلنا: نعبدك. يقول قائل: ونعبد غيرك، فأراد الله أن ينفي هذا المعنى، فأتى بالآية في أسلوب القصر. أرجو أن يكون معنى القصر وضح من خلال هذه الأمثلة، كيف نقصر كما قلت عن طريق تقديم ما حقه التأخير، عن طريق أسلوب النفي والاستثناء الذي هو معنا الآن: لا فاهم إلا محمد، لا إله إلا الله، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير﴾ (فاطر: ٢٣) ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: ٤٨) هذه كلها أساليب قصر عن طريق النفي والاستثناء. تقديم ما حقه التأخير، والنفي والاستثناء، أيضًا "إنما" إذا تقدمت الجملة تفيد القصر ((إنما الأعمال بالنيات)) أي الأعمال مقصورة على نياتها، لا عمل يقبل من غير نية، إنما الفاهم محمد، حصرت الفهم فيه. وأيضًا من طرق إثبات القصر الجملة معرفة الطرفين يعني أن يكون المبتدأ والخبر كلاهما معرفة "الفاهم محمد" إذا أعربناها ممكن أن نقول: الفاهم: مبتدأ. ومحمد: خبر. إذن هذه جملة معرفة الطرفين، بعكس ما لو قلنا محمد فاهم. الخبر هنا نكرة، فلا تفيد القصر. أنا لا أشرح أسلوب القصر لأنه في مادة البلاغة موضوع يدرس، إنما أنا الآن أوضح وأقرب المعنى لكي تتضح دلالة آية النجم على أن كل ما ينطق به النبي -صلى الله عليه وسل م- وحي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ﴾ يعني: قصر الله تعالى ما ينطق به النبي -صلى الله عليه وسل م- على كونه وحيًا، فلا يوجد في كلامه أبدًا شيء غير وحي، هذا معنى القصر ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ لم يقل مثلًا هذا وحي يوحى، قد يقول هذا وحي عن بعض كلامه، وبعض كلامه ليس وحيًا، لا، ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما دام قلنا إن الضمير في هو يعود على كل ما ينطق به النبي -صلى الله عليه وسل م- أي كل ما نطق به مقصور على كونه وحيًا من عند الله، فهو لا يقول شيئًا غير الوحي.

стр. 88

هذه من الآيات الدالة على أن السنة وحي من عند الله ﵎ نحن نثبت أن السنة وحي؛ لكي نثبت وجوب اتباعها، فنحن ما زلنا مع الأدلة على حجية السنة. أيضًا من الأدلة على كون السنة النبوية وحيًا من عند الله ﵎ ما ورد في أكثر من آية في القرآن الكريم عن الكتاب والحكمة، هذا المعنى ورد في سورة "البقرة ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (البقرة: ١٢٩) وفي سورة آل عمران ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: ١٦٤) وورد في الأحزاب ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤) وورد في سورة الجمعة. إذن الحكمة ذكرت مع الكتاب وعطفت عليه، الكتاب والحكمة في الآيات هذه التي أشرنا إليها، هذا يقتضي أن الحكمة غير الكتاب، لماذا؟ لأنها معطوفة عليه، والعطف يقتضي المغايرة عند أهل النحو، أمر بدهي وواضح وجلي أن العطف يقتضي المغايرة، لا يصلح أن أقول: جاء محمد ومحمد، وأقصد أن محمدًا الثاني هو عين محمد الأول، لا يصلح، ولا يستقيم في الأذهان شيء أبدًا إذا قلنا بهذا الكلام، جاء أحمد وعلي، وعلي هو أحمد، ما هذا؟ هذا عبث في الفهم وفي النطق، ولو كان الأمر كذلك كل واحد يفهم الكلام على ما يريده وعلى ما يقوله، وهذا لا يؤدي إلى ثبات حقيقة من الحقائق أبدًا، وتلك هي السفسطة بعينها، كما عرفوها في تعريفاتهم. إذن ما دام الله تعالى قد عطف الحكمة على الكتاب، فإن الحكمة غير الكتاب ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤) الحكمة غير الكتاب، إذن هذا يقتضي أن نؤكد أن الحكمة ليست هي القرآن

стр. 89

الكريم، إذن هي شيء غير القرآن الكريم بدلالة العطف، ثم هذه الآيات التي أشرنا إليها يكمل معناها بآية أخرى، ولذلك هذا الدليل الذي هو إثبات أن السنة وحي من خلال هذه الآيات إنما أيضًا يكمل بعضها بعضًا، أشرنا إلى أربع آيات في البقرة وآل عمران والأحزاب والجمعة، كلها تبين أن من مهام النبي -صلى الله عليه وسل م- أن يعلم الأمة الكتاب والحكمة، وأن الحكمة بالضرورة هي غير الكتاب لأنها عطفت على الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة. ننتقل إلى آية النساء ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ (النساء: ١١٣) ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (النساء: ١١٣) فالحكمة والكتاب كلاهما نازل من عند الله تعالى. الآيات التي قرأناها: في البقرة، وفي آل عمران، وفي الأحزاب، وفي الجمعة أثبتنا من خلالها أن الحكمة غير الكتاب بدلالة العطف الذي يقتضي المغايرة، ثم أضفنا آية النساء التي أضافت معنى جديدًا، وقد بينت أن الحكمة نازلة من عند الله ﵎ كالكتاب تمامًا الذي هو القرآن. لو اقتصرنا على الآيات الأربع التي أشرنا إليها من غير آية النساء ربما قال قائل: الحكمة غير الكتاب، لا بأس، لكنها ليست من عند الله تعالى، تأتي آية النساء لتوضح في جلاء لا يقبل الجدل أن الحكمة وحي من عند الله ﵎ لأن الله -وتعالى- قال ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٣) إذن مجموع هذه الآيات أثبت أن الحكمة غير الكتاب، وأن الحكمة نازلة من عند الله ﵎ كما نزل الكتاب الكريم، أي كما جاء القرآن الكريم تمامًا.

стр. 90

بقي أن نقول: إن الحكمة هي السنة؛ يعني يقول قائل صدقنا أن الحكمة غير الكتاب، وأن الحكمة نازلة من عند الله ﵎ فهل معنى ذلك أن الحكمة هي السنة؟ نعم، بعدة دلالات، أولًا أفهم الأمة، الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول في (الرسالة) وفي غيرها من الكتب، يقول: "فسمعت من أرضى من أهل العلم يقول إن الحكمة هي السنة" يعني: الذي يرضاه الإمام الشافعي من أهل العلم أجمعوا على أن الحكمة هي السنة. وهناك دليل عقلي في هذه المسألة، لو لم نقل بأن الحكمة هي السنة فبماذا نقول عنها؟ أو بماذا نعرفها؟ أو ما هي؟ لا بد بالضرورة أن تكون الحكمة هي السنة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسل م- لم يأتنا بغير القرآن والسنة. النبي -صلى الله عليه وسل م- جاءنا بالقرآن الكريم فقط، وبالسنة المطهرة فقط، وما دام لم يأتنا بغير هذين فإن الكتاب معروف، ولا بد من حمل الحكمة على كونها السنة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسل م- لم يأت بغير هذين الأمرين، وإذا كان البعض سيتوقف في هذا الفهم، فليدلنا، إذا لم تكن الحكمة هي السنة فماذا تكون؟ ولذلك قلنا إن الأمر حتمي بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسل م- لم يأتنا بغير القرآن والسنة، وفي هذا الأمر نقاط أو مسائل. المسألة الأولى: أن السنة وردت في سياقات في القرآن الكريم مضافة إلى كثير من البشر أنهم قد أتوا الحكمة مما يجعلها في هذه السياقات غير السنة، نعم، إذا قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان: ١٢) فلا يمكن أن نفهم أن الحكمة في هذا السياق هي سنة النبي -صلى الله عليه وسل م-. لقمان كان قبل النبي -صلى الله عليه وسل م-. أيضًا حين يقول الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ٢٦٩) ليكن معنى الحكمة ما يشاء، يكن معنى الحكمة ما يكون، أنا أتكلم عن الآيات التي جاءت

стр. 91

في سياق حديثها عن النبي -صلى الله عليه وسل م- هذا الذي يعنينا، لتكن الحكمة في غير هذه الصياغات، وفي غير هذه السياقات ما يكون، قل عنها ما شئت، هي الإلهام، هي حسن التصرف، هي كذا، كما يعرفونها في الكتب، لكن في الآيات التي قرأناها من آية سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة الأحزاب، وسورة الجمعة مع سورة النساء، كل ذلك واضح في أنه لا يمكن حمل الحكمة هنا على غير السنة المطهرة. إذًا لا يشكل عليَّ أن الحكمة جاءت في سياقات أخرى مرادًا بها غير سنة النبي -صلى الله عليه وسل م- ليكن، والكلمة نستعملها في أكثر من معنى، والسياق هو الذي يحدد المعنى. إذن لا يشتبه علي، ولا يشكل لي مشكلة أن الحكمة جاءت في تعبيرات كثيرة في غير سياقها مع القرآن الكريم لا بأس كل من أتى الله يعني آتاه الله تعالى الحكمة، ليكن فهم الحكمة في شأنه ما يشاء، لكن الآيات التي نزلت على نبينا -صلى الله عليه وسل م- وحفظناها، ووعيناها، وقرأناها، وأصبحت جزءًا من ديننا تقطع بأن الحكمة في هذه السياقات لا بد أن تكون هي السنة. إذن هذه آيات من القرآن الكريم بمجموعها وصلنا إلى أن الحكمة هي السنة، وتكون السنة وحيًا من عند الله ﵎. عندي أيضًا جملة من الأحاديث، مثلًا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي هو قد رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص يحكي: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ فنهتني قريش عن ذلك، وقالت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- بشر، يتكلم في الغضب والرضا". معنى أنهم قالوا ذلك لعبد الله بن عمرو بن العاص يعني: احذر أنت تكتب كل ما يخرج من النبي -صلى الله عليه وسل م- وقد لا يكون بعض هذا أو بعض ما يقوله ليس سنة، انتظر.

стр. 92

إذا كانوا قد قالوا له ذلك، فما الحل؟ هو رفع الأمر إلى النبي ﷺ هو الأستاذ، وهو المعني بالمسألة نرفعها إليه فماذا يقول؟ فرفعوا الأمر إلى النبي ﷺ فقال: ((اكتب فوالذي نفسي بيده، فما خرج مني إلا حق)) اكتب فعل أمر يعني ما خرج مني إلا حق، يعني كل الذي أنطق به حق من عند الله ﵎ هذا واضح حق ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (يونس: ٣٢). فنحن أمة الإسلام ليس لنا من حق إلا ما جاءنا من عند الله فما دام النبي ﷺ لا ينطق إلا بالحق، فهذا الحق له مصدر واحد، وهو الله ﵎ ورسوله ﷺ ولذلك هذا الحديث يقتضي أن نوقن بأن السنة وحي من عند الله ﵎. أيضًا الحديث الذي رواه الإمام أبو داود وغيره من كلام النبي ﷺ عن الحديث المقدام بن معد يكرب أو كرب ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)) أوتيت الكتاب، وهو القرآن، وأوتيت الكتاب هنا "أوتيت" فعل مبني للمجهول تدل على أن هناك من جاء بالقرآن للنبي ﷺ . النبي ﷺ أتي بالقرآن إليه ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)) لم يقل ألا إني جئت بالكتاب مثلًا أو إني أتيت بالكتاب، إنما أوتيت الكتاب ومثله معه. الكتاب معروف، وهو القرآن الكريم، فما هو ذلك المثل الذي معه؟ إنه السنة، وحتمًا لا بد أن تكون السنة، وإذا لم يقتنع البعض بهذا سنطرح عليهم السؤال مرة ثانية، إذا لم يكونوا مصدقين بذلك فليخبرونا ما هو هذا المثل الذي أعطاه الله تعالى لنبيه مثل القرآن الكريم تمامًا، لا شيء غير السنة ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)) هذه المثلية لا تحمل إلا على غير السنة المطهرة. إذن هذه بعض الأدلة على أن السنة وحي من عند الله ﵎ بقي أن أجيب على السؤال الذي أثرته، ولم أجب عليه، هل حين نقول إن السنة وحي من عند

стр. 93

الله ﵎ فيتحتم ألا ينطق بها النبي ﷺ إلا بعد مجيء الوحي إليه؟ بمعنى أنه لا يجتهد أبدًا، ولا يقول قولًا إلا بعد أن يأتيه الوحي في أي صورة من صور الوحي المعروفة؟ نقول: لا، الرسول -صلى الله عليه وسل م- قد يجتهد في بعض الأمور، وعندنا سياقات ومواقف كثيرة تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسل م- تكلم باجتهاده مثلًا قصة المشهورة في غزوة بدر، سواء في الأسرى أو في المكان الذي ينزلون فيه، الحباب بن المنذر، وحين شاور النبي -صلى الله عليه وسل م- أصحابه، وحين جاءته الأخبار أن أهل مكة يستعدون لقتاله قبل أحد بقليل جمع الصحابة وشاورهم. هذا كله يدل على أنه لا يوجد وحي قبل الاستشارة، وإلا لما استشار النبي -صلى الله عليه وسل م- أصحابه في واقعة قال فيها الله تعالى ما يريده من خلقه. نقول: نعم، هناك قسم من السنة قاله النبي -صلى الله عليه وسل م- باجتهاده، لكن هذا القسم من الوحي أيضًا كيف؟ كيف ونحن أقررنا بأنه قد يتكلم قبل مجيء الوحي؟ هو من الوحي لماذا؟ الذي قاله النبي -صلى الله عليه وسل م- باجتهاده واحد من أمرين، إما أن يكون مصيبًا، وإما أن يكون مخطئًا، فالوحي يقره، ولا يتركه، إذا احتاج الأمر إلى تصويب وتصحيح صحح له، وإن كان قد قال الصواب والحسن من أول الأمر انتهت القضية، إذا قلنا مثلًا ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (عبس: ٢) على رأي من يقولون إن الآية عتاب لرسول الله -صلى الله عليه وسل م- نقول: إذن هو اتخذ هذا الموقف قبل مجيء الوحي، فلم يتركه الوحي، وإنما صوب له. أيضًا في قصة أسرى بدر حين شاور أصحابه جاءه الوحي، وهكذا مواقف كثيرة تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسل م- قال بادئ ذي بدء باجتهاده، لكن هذا القسم أيضًا مرده

стр. 94

إلى الوحي باعتبار أن الوحي؛ إما أن يوافقه فيما قاله أو يصحح له إذا كان الأمر يحتاج إلى تصحيح، وبالتالي فإن هذا القسم الاجتهادي، إن صح التعبير أو الذي قاله النبي -صلى الله عليه وسل م- مرده أيضًا إلى الوحي، إما بالإقرار، وإما بالتصحيح على حسب ما يحتاجه الموقف. ونخلص في نهاية هذه النقطة إلى أن السنة كلها وحي من عند الله ﵎ ونعود إلى كلامنا الأول، وهو الكلام عن حجية السنة فنقول: ما دمنا قد أثبتنا أن السنة وحي من عند الله ﵎ فالوحي يتحتم على المتبعين له والمؤمنين به أن ينفذوه، وأن يمتثلوا له، وإلا فلن يكونوا قد آمنوا بما جاء به هذا الرسول الكريم -صلى الله عليه وسل م-. أيضًا من أدلة حجية السنة كما قالها العلماء، فهم الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كل الأدلة الواردة عن الصحابة -رضوان الله عليهم- تبين في جلاء ووضوح لا يقبل أدنى مناقشة في أن السنة يجب اتباعها. مواقف كثيرة جدًّا، سأل فيها الصحابة النبي -صلى الله عليه وسل م- عن حكم من الأحكام الشرعية لماذا اتجهوا إليه، ولم يبحثوا عنه في القرآن الكريم، وينتهي الأمر بعد ذلك؟ كل الأحاديث التي نستشهد بها هنا في الصحيحين أو في أحدهما، حين تأتي أم سليم إلى النبي -صلى الله عليه وسل م-: "يا رسول الله لا حياء في الدين هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت" هذا حديث مروي عن البخاري ومسلم في كتاب الطهارة، وكتاب الغسل؛ يعني المرأة إذا احتملت يجب عليها الغسل؟ لماذا اتجهت أم سليم بالسؤال إلى النبي -صلى الله عليه وسل م-؟ الأمر ليس موجودًا في القرآن ﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؟ (المائدة: ٦) لكن ليس بهذا الوضوح أن الاحتلام أو غير احتلام، ربما يتصور الرجل أو المرأة أنها

стр. 95

إذا احتملت فهي غير جنب، فلا يجب عليها الغسل، لذلك سألت النبي -صلى الله عليه وسل م- عن ذلك، وأجابها النبي -صلى الله عليه وسل م- وبين لها أنها إذا رأت الماء فعليها أن تغتسل أي: إذا تأكدت من الاحتلام بنزول المني فعليها أن تغتسل. أيضًا مثلًا علي بن أبي طالب ﵁ حين يرسل رجلًا للنبي -صلى الله عليه وسل م- يسأله عن المذي يقول: "كنت رجلًا مذاء، وكنت أستحي من النبي -صلى الله عليه وسل م- لمكانة ابنته عنده" يعني هو زوج ابنته، فيستحيي أن يأخذ النبي -صلى الله عليه وسل م- انطباعًا غير جيد أو غير صحيح، فبالتالي كلف من يسأل مكانه عن حكم المذي، وماذا يفعل صاحبه فيه؟ وهناك مواقف أخرى للصحابة تؤكد هذا الأمر أن الصحابة جميعًا قد فهموا أن السنة حجة، وأنه يجب العمل بها، والرجوع إليها في كل شأن من شئون المسلمين. هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم بارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 96

الدرس: ٦ حجية السنة (٤) - دوافع الهجوم على السنة .

стр. 97

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (حجية السنة (٤) - دوافع الهجوم على السنة) فهم الصحابة لمكانة السنة النبوية في التشريع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد: فبعون من الله ﵎ وتوفيقه نكمل الكلام عن بقية الأدلة على حجية السنة المطهرة: ذكرنا الأدلة من القرآن الكريم، وذكرناها من السنة المطهرة، وقلنا: إن هناك دليل الإيمان، وخلاصته أن الإيمان لا يتم، وقد لا ينعقد إلا إذا اعتقد المسلمون حجية السنة، وحكموا الرسول في كل ما شجر بينهم، وهذه قضية أقسم الله تعالى عليها بذاته الشريفة ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: ٦٥) من هذه الآية ومن غيرها من الآيات التي تعلق الإيمان على اتباع النبي ﷺ استنبط العلماء وأخذوا الدليل على حجية السنة، وأسموه دليل الإيمان. مثلًا في سورة النساء -وهذه آيات تعرضنا لها حينما كنا نستعرض الأدلة من القرآن الكريم- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ (النساء: ٥٩) فيعلق القرآن الكريم الإيمان على اتباع السنة، وفي الآية الأخرى يبين أن الإيمان لا يتم، ولا ينعقد إلا إذا حكموا الرسول في كل ما شجر بينهم وهكذا. إذن هناك دليل الإيمان الذي نقول مرة أخرى إن خلاصته أن الإيمان لا يتم، ولا ينعقد إلا إذا حكم المؤمنون رسول الله ﷺ مع الله تعالى في كل شأن من شئون حياتهم، والآيات في هذا واضحة جلية. وأيضًا الأحاديث التي أشرنا إليها مثل ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) كل هذه الأدلة تبين أن الإيمان يحتم على أتباعه وعلى أبنائه، وعلى أصحابه أن يحكموا النبي -صلى الله عليه وسل م- في كل شأن من شئون حياتهم. أيضًا هناك دليل العصمة الذي قلنا أيضًا أن خلاصته أن الأمة أجمعت على عصمته ﷺ عما يخل بالتبليغ يعني عصمه الله أن يقصر في شيء من أمور التبليغ، وهذه أيضًا مسألة ثبتت بالقرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧) والنبي -صلى الله عليه وسل م- في حجة الوداع أشهد الأمة على أنه قد بلغ في خطبته البليغة التي خطبها يوم عرفة: ((اللهم قد بلغت اللهم فاشهد اللهم فاشهد)) بعد أن علم الأمة أنهم مسئولون عنه -صلى الله عليه وسل م- فماذا أنتم قائلون؟ شهدوا أنه قد أدى وبلغ، فالنبي -صلى الله عليه وسل م- قام بالتبليغ. فبما أنه معصوم من الإخلال بأمر من أمور التبليغ، وإلا لو كان هناك إخلال لما

стр. 98

بلغ، ولما شهدت له الأمة، وكان يكون هناك تقصير في الرسالة ذاتها، وهذا أمر خطير، فالنبي -صلى الله عليه وسل م- لم يخل بشيء من التبليغ، وما دام الأمر كذلك، فإنه قد بلغ أحاديثه بناء على تكليف الله ﵎ له بالتبليغ، فهل يقول هذه الأحاديث من عند نفسه أو هي من عند الله ﵎؟ إذن هي من عند الله ﵎ إما ابتداء بمعنى أنه لا يقول إلا بعد أن يأتيه الوحي، وإما انتهاء بمعنى أنه يقولها باجتهاده ثم يأتيه الوحي إما مصححًا، وإما مقرًّا، يصحح الوحي إن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح، ويقره إن كان الأمر لا يحتاج إلى تصحيح. وأيضًا قلنا تمسك الصحابة -رضوان الله عليهم- بالسنة حتى في الأمور التي تحدث بعيدًا عنهم، وكنا قد توقفنا عند هذه النقطة، وذكرنا بعض مواقف الصحابة التي، يعرضون الأمر على النبي -صلى الله عليه وسل م- لأنهم يعلمون أنه يشرع كما يشرع الله تعالى، ذكرنا قصة أم سليم في غسل الجنابة، وذكرنا قصة علي ﵁ في المذي. أيضًا قصة عبد الله بن عمر ﵁ في طلاق الحائق لما طلق امرأته، وهي حائض وأبوه عمر -رضي الله تعالى عنه- رفع الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسل م- فقال له ((مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تتطهر ... )) يعني الحديث طويل، لكن محل الشاهد أن عمر -رضي الله تعالى عنه- رد الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسل م- ليعلم منه الحكم الشرعي الصحيح. أيضًا النبي ﷺ ((لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)) هذا أمر منه -صلى الله عليه وسل م- والمؤمنون صاروا وانقسموا إلى فريقين في فهم الحديث، هناك من صلى في الطريق مخافة أن يخرج الوقت عن وقته المحدد أو أن تخرج الصلاة عن وقتها المحدد شرعًا، فصلوا في الطريق؛ لأنهم فهموا أن النبي -صلى الله عليه وسل م- لا يريد إخراج الوقت عن وقته المحدد، وإنما يريد منهم الإسراع للذهاب إلى ديار بني قريظة، وفريق أجرى

стр. 99

الحديث على ظاهره، ولم يصل إلا في بني قريظة، فرفعوا الأمر إلى النبي -صلى الله عليه وسل م- فأقر كلًّا من الفريقين على فهمه. وأيضًا الرجل الذي ولاه النبي -صلى الله عليه وسل م- قيادة بعث من بعوثه -صلى الله عليه وسل م- فكان يصلي به ويختم قراءته بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١) ولما رجعوا أخبروا النبي -صلى الله عليه وسل م- هذا أمر جديد، يقرأ في الصلاة الفاتحة ثم يقرأ ما شاء الله له أن يقرأ من القرآن، ثم يختم قراءته بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: ((سلوه لأي شيء يفعل ذلك؟)) فقال الرجل: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال له النبي -صلى الله عليه وسل م-: ((بلغوه أن الله يحبه)). هذه كلها مواقف وغيرها عشرات وعشرات، كلما حدث للصحابة أمر من أمور دينهم أو من أمور دنياهم أسرعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسل م- ليسألوه لأنهم يعلمون أن قوله وفعله حجة، وأن ما يأمرهم به عليهم أن يسمعوا له وأن يطيعوا في الصلاة ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) في الحج ((خذوا عني مناسككم)) في البيع، في الشراء، في النكاح، في معاملة الأهل في البيت في تربية الأولاد، كل ذلك يتعلمونه من النبي -صلى الله عليه وسل م-. إذن الصحابة يعلمون أن السنة حجة، وأنهم لا بد أن يرجعوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسل م- في كل أمر من أمورهم. أيضًا من الأدلة التي قالها العلماء على حجية السنة أنه يستحيل لا نقول يتعذر فقط، بل يستحيل إقامة الشرع من خلال القرآن الكريم وحده، والموضوعات التي تكلمنا فيها قبل ذلك من بيان علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة تؤكد ما كررناه مرارًا من أن فهم القرآن يتوقف على السنة، وأنه لولا السنة لما فهمنا القرآن الكريم.

стр. 100

إذن هناك أدلة كثيرة جدًّا على حجية السنة، الأدلة من القرآن الكريم، الأدلة من السنة المطهرة، دليل الإيمان، دليل العصمة، تمسك الصحابة وفهمهم للسنة ولدورها، وأن النبي -صلى الله عليه وسل م- لا بد أن يتبع في كل ما يأمر به، وفي كل ما ينهى عنه، وأيضًا تعذر العمل بالقرآن الكريم وحده، بل استحالة ذلك، وأيضًا السنة وحي من عند الله ﵎ وما دامت وحيًا فقد وجب اتباعها. إجماع الأمة على حجية السنة وبعد كل ذلك نقول: دليل الإجماع: أجمعت الأمة سلفًا وخلفًا قديمًا وحديثًا بإجماع أهل السنة والجماعة أن السنة حجة من حجج الله على خلقه، وأنه يجب عليهم أن يستجيبوا لها وأن يعملوا بها. الشوكاني -رحمه الله تعالى- يذكر الإجماع، وليس الشوكاني وحده هو الذي تكلم عن الإجماع في السنة، بل كل العلماء، الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- وله كتاب رائع جدًّا عظيم في حجية السنة المطهرة، يقول في أول أبواب هذا الكتاب: "الباب الأول في بيان أن حجية السنة ضرورة دينية، وأنه لم يقع فيها خلاف بين المسلمين قاطبة. اعلم أنه لا شك، ولا نزاع في أن صحة الاستدلال بحديث يروى عن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- على عقيدة دينية أو حكم شرعي تتوقف على أمرين: الأول: ثبوت أن السنة من حيث صدورها عن النبي -صلى الله عليه وسل م- حجة، وأصل من أصول التشريع. ثانيًا: ثبوت أن هذا الحديث قد صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- بطريق من طرق الرواية المعتمدة" يعني الشيخ يقول صحة الاستدلال بحديث تتوقف على أمرين:

стр. 101

الأمر الأول: أن نعلم أن السنة الصادرة عن النبي -صلى الله عليه وسل م- حجة، وأصل من أصول التشريع. الأمر الثاني: أن نتأكد النبي -صلى الله عليه وسل م- قال هذا الحديث، حتى نقول عنه إنه حديث صحيح، فإذا ثبتت نسبة الحديث، وهذا هو عمل علماء الحديث حين يقولون أن هذا حديث صحيح، وهذا كذا يعني معناها أنه ثبتت نسبته للنبي -صلى الله عليه وسل م-. فنحن نريد أن نتأكد من أمرين: الأمر الأول: أن السنة حجة. والأمر الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسل م- قد قال هذا الحديث. طبعا محل الشاهد في كلامنا الآن هو الأمر الأول، وهو حجية السنة بعد التثبت من صدورها عن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- فهل وقع فيه خلاف؟ لا شك أن من العلماء من أنكر حجيتها في نواح خاصة، كمن أنكر استقلالها بالتشريع، ولم ير الاحتجاج بها فيما ليس فيه قرآن، وكمن يرى أنها لا تنسخ القرآن وغير ذلك. يقول: ولا كلام لنا في هذه المسائل، وإنما كلامنا في ثبوت حجية السنة في الجملة، فهل من العلماء من نازع في ذلك، وقال: إنه لا يحتج بشيء منها بحال؟ لا نجد في كتب الغزالي والآمدي والبزدوي، وجميع من اتبع طرقهم في التأليف من الأصوليين تصريحًا، ولا تلويحًا بأن في هذه المسألة خلافًا، وهم الذين استقصوا كتب السابقين ومذاهبهم، وتتبعوا الاختلافات حتى الشاذة منها، واعتنوا بالرد عليها أشد الاعتناء، بل نجدهم في هذه المسألة لا يهتمون بإقامة دليل عليها، وكل ما فعله بعضهم أنه ذكر بحث العصمة قبل مباحث السنة على سبيل الإشارة إلخ.

стр. 102

يعني الرجل يقول: لم يحدث خلاف أبدًا بين علماء الأمة، ولم ينقل أحد من الذين اهتموا بتتبع المسألة بأنه قد حدث نزاع في حجية السنة. ويقول الشيخ: "وليت شعري كيف يتصور أن يكون نزاع في هذه المسألة بين المسلمين، وأن يأتي رجل في رأسه عقل، ويقول أنا مسلم ثم ينازع في حجية السنة بجملتها، مع أن ذلك مما يترتب عليه عدم اعترافه بالدين الإسلامي كله من أوله إلى آخره". إلى آخر ما قال الرجل. هو ينقل هنا الإجماع على أن السنة حجة، وأن الأمة كلها قد أجمعت على ضرورة اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسل م- إذا كان وجد في بعض الأقوال أن هناك من نازع مثلًا في أن السنة لا تنسخ القرآن، لا ينبغي أن توظف هذه الأقوال على أنها اعتراض على حجية السنة، فما قصد واحد من علماء الأمة في من توقفوا في بعض هذه التفصيلات ما قصد أبدًا أن يتكلم عن حجية السنة، فالكل مجمع بأن السنة حجة لا بد من اتباعها، هذا أمر قرر. والإمام الشوكاني يؤكد القضية أيضًا، ويقول -رحمه الله تعالى-: "إن ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام". هذا أمر أيضًا بالإضافة إلى الإجماع يقول: إن استقلال السنة بالتشريع وثبوت حجيتها ضرورة دينية، يعني معلوم من الدين بالضرورة من خلال الأدلة التي ذكرناها من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة. ذكرنا كل هذه الأقوال، وللإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتابه (الرسالة) أقوال جميلة جدًّا نحيل عليها في الفقرات ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٩٤ في النسخة المرقمة، تحقيق الشيخ أحمد شاكر -عليه رحمة الله تعالى ورضوانه- إذن كل هذه أدلة على حجية السنة المطهرة.

стр. 103

دوافع الهجوم على السنة وإثارة الشبه حولها نطرح سؤالًا أراه هامًّا جدًّا: لماذا يهاجمون السنة؟ ولماذا هذه الحرب الضروس الشرسة على السنة؟ ولماذا كلما وجد -سواء من أبناء الإسلام الذين تبنوا أفكارًا خاطئة، فأصبحوا خارج الدائرة الإسلامية الصحيحة- لماذا يكون هدفهم السنة؟ ولماذا كل فرقة من فرق: المعتزلة، الخوارج، هكذا، كل من يقف من الإسلام موقفًا في أي جزئية من جزئياته يكون همه الأول موجهًا ناحية السنة المطهرة؟ ثم جئنا إلى المحدثين من المستشرقين، ومن العلمانيين، ومن كل من يسير على دربهم وفي طريقهم، الكل يتجه ناحية السنة؟ لأن السنة هي خط الدفاع الأول عن الإسلام بإيجاز شديد، وسنحاول أن نوضح هذه الفكرة في نقاط محددة. حتى يسهل استيعابها بإذن الله رب العالمين، إذا جعلت الموضوع الذي أتكلم فيه الآن تحت هذا العنوان: لماذا يهاجمون السنة؟ فسأقول: هناك جملة من الأسباب: أولًا: لأنها هي التي تبينا لقرآن الكريم وتوضحه، وهذا أمر قررنا له دروسًا وتكلمنا فيه بالتفصيل، وأنه لولا السنة لما فهمنا القرآن، ولاستعجم علينا القرآن، فلا نستطيع أن نفهمه، ولا أن نطبقه. كلمة "استعجم علينا القرآن" استعمالها شيخنا العلامة الشيخ محمد أبو شهبة -عليه رحمة الله تعالى- في كتابه الماتع (دفاع عن السنة) قال وهو يبين غرض المحاربين للسنة أنهم يقصدون تضييع القرآن، لأنه لولا السنة لما فهمنا القرآن الكريم، ولما طبقناه، فبالتالي هذا هدفهم أن يعطلوا القرآن عن التطبيق، أمر خطير جدًّا.

стр. 104

مع ملاحظة أن أدلة الشرع قامت ودلت على أن القرآن الكريم نزل ليعمل به، القرآن الكريم لم ينزل لكي نتلوه فقط، ولا لكي نحفظه فقط، مع الإقرار بأهمية التلاوة، وأهمية الحفظ، فحفظ القرآن وتلاوة القرآن وردت فيها أحاديث كثيرة، هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، لكن صلتنا بالقرآن الكريم لا تتوقف عند قراءته فقط أو عند حفظه فقط، أن الذين يفهمون أن لو كانت القضية قضية حفظ القرآن فقط وتلاوته فقط فإن أحدًا من أعداء الإسلام لن ينازع في ذلك، اقرءوه كما شئتم، واملئوا الدنيا دموعًا وأنتم تقرءونه، في الصلاة وفي غير الصلاة، لا حرج عليكم في ذلك. أما أن ينزل القرآن إلى حياة المؤمن ليقود حركته في كل جوانب حياته، فمن هنا يأتي الصدام وتأتي المعركة إذا جاز التعبير، ونحن -يشهد الله- لا نفتعل معارك، ولا نريد أن ندخل في معارك مع أحد، وإنما نريد أن نفهم ديننا على الوجه الذي يرضي ربنا . فالقرآن الكريم جاءت عشرات الأدلة لتبين لنا أن القرآن الكريم نزل ليعمل به، وأنه لن يكون حجة لأهله إلا إذا عملوا به، والأحاديث في الصحيحين نجدها في كتاب فضائل القرآن وغيره عند البخاري ومسلم ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب)) إلى آخر الحديث، محل الشاهد: "ويعمل به". الحديث الآخر: ((يؤتى يوم القيام بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة: البقرة وآل عمران. تحاجان كأنهما غمامتان)) ((كأنهما غيابتان)) الروايات متعددة ((تحاجان عن صاحبهما)) يعني: تدافعان، تجادلان عن صاحبهما، ماذا سيقولان؟ أمر معروف حفظنا، وقرأنا وعلمنا وتعلمنا، وطبق أحكامنا.

стр. 105

وكان من المعلوم من منهج الصحابة في التعامل مع القرآن الكريم أن أحدهم كان إذا حفظ عشر آيات لا يتجاوزها حتى يعمل بما فيها من أحكام؛ لأنهم يعلمون أن القرآن الكريم نزل ليعمل به، إذًا هي معركة المصحف، ومعركة الإسلام أن تهاجم السنة. الهجوم على السنة هجوم على القرآن، هجوم على الإسلام؛ لأن الإسلام في نهاية الأمر عبارة عن قرآن وسنة، نستمد كل أحكامنا، وكل أدلتنا على أي مسألة من مسائل شرعنا في العقيدة، في التشريع، في الأخلاق، في العبادات، في المعاملات، في الأسرة، في الاقتصاد، كل ذلك وغيره نستمد أدلته من قرآن ربنا، ومن سنة نبينا ﷺ . إذن تتوجه الحملة والهجمة الشرسة على السنة؛ لأنه لو فرض نجحت الحملة، فبالتالي سيصبح القرآن نصًّا مقدسًا، نعم لن يتغير، ولن يتبدل، لكنه سيعطل عن العمل، وهذا معنى قول شيخنا "استعجم القرآن" أي: أصبح فهمه مشكلة، وبالتالي سيكون تطبيقه مشكلة أشد؛ لأننا لن نفهمه حتى نطبق هذا إذن أول غرض هي تبين القرآن وتوضحه، القرآن نزل ليعمل به. إذا استعجم القرآن واستبعدت السنة، فماذا بقي من الإسلام؟ ضاع الإسلام، والأعداء الذين يتربصون بالإسلام وأهله الدوائر يعلمون هذه الحقيقة جيدًا، يعلمون أن الهجوم على السنة هو هجوم على القرآن وعلى الإسلام، حتى وإن ألبسوا كلامهم أثواب الغيرة على السنة، هناك من ألف الكتب يهاجم السنة، ويهاجم رواتها ويهاجم كل شيء يتعلق بها، ثم هو يقول في نهاية كلامه أو في نهايته أنه كتب هذا الكلام دفاعًا عن السنة ودفاعًا عن الإسلام. لا أدري هو حاله، ومن على شاكلته يدور بين أمرين، إما أنه لا يفهم وتلك مصيبة، وإما أنه يفهم ويدبر ويخطط والمصيبة حين أذن أعظم، أما إذا كان لا يفهم، فلماذا

стр. 106

تدخل فيما لا يفهمه، إذا كان لا يفهم أن الهجوم على السنة هو هجوم على الإسلام والقرآن، فهذا أمر خطير، كيف لا يدرك العلاقة بين القرآن والسنة؟ وإذا كان يفهم إذن، فهو مخلب القط الذي يوجهه الأعداء ناحية السنة؛ لينالوا من الإسلام ما يريدون أن ينالوه. أيضًا من الأسباب التي تجعلهم يهاجمون السنة أن السنة تشرع كما يشرع القرآن الكريم، فإبطال السنة يعني تضييع جزء كبير من تشريعات الإسلام، يعني في جوانب الحياة المتعددة، بل إن أكثر التشريعات تستمد من السنة المطهرة، وخصوصًا الأحكام التفصيلية، يعني للمسائل الشرعية، وأيضًا كثير من المسائل لا تجد دليلها إلا في السنة المطهرة، لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم. هذا أمر مفهوم جدًّا، السنة تشرع كما يشرع القرآن الكريم، وأيضًا من الأسباب تتمة لنقطة السابقة أن أثر السنة المطهرة في التشريع الإسلامي، وأيضًا أثرها في الفقه الإسلامي من لدن عصر النبي -صلى الله عليه وسل م- والصحابة الراشدين حتى عصور أئمة الاجتهاد من أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم، السنة هي زادهم في اجتهادهم كله. السنة زادهم، وماؤهم، وطعامهم، وشرابهم بعد القرآن الكريم يعني إذا قلت مثلًا: ما هي الأصناف التي يدخلها الربا؟ اذهب إلى السنة، ما هي صور البيع الحلال وصور البيع الحرام؟ اذهب إلى السنة. القرآن قعد القاعدة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) لكن ما هي صور البيع الحلال؟ ما هي صور الربا الحرام؟ ما هي الأمور التي يدخلها الربا والتي لا يدخلها الربا؟ وكيف يكون الربا؟ كل ذلك وغيره، يعني مما يطول المقام بذكره تكلمت عنه السنة المطهرة. إذًا السنة وأثرها في الفقه وفي استمداد الأدلة من عصر النبي -صلى الله عليه وسل م- وعصر الصحابة وعصر الاجتهاد، وأئمة الاجتهاد، وحتى إلى يوم أن يرث الله الأرض

стр. 107

ومن عليها، السنة هي الزاد في كل هذا، ولن يكون هناك مجتهد لا يتجه إلى السنة ليستمد منها الأدلة على ما يريد أن يقول. أيضًا الفقه الإسلامي ثروة تشريعية، تشمل كل جوانب الحياة، كما قلنا، والسنة المطهرة لها الدور الأكبر في ذلك. هذه نقطة مهمة جدًّا أرجو أن ينتبه المستمع الكريم، العمل بالسنة المطهرة -ورب الكعبة- هو الذي أدى إلى حفظ كيان الإسلام، وعدم ذوبانه في الحضارات الأخرى، وأنا هنا أقرأ كلمة قالها الدكتور محمد أسد، ذلك الذي أسلم بعد أن لم يكن مسلمًا، يقول في توضيح هذه المسألة: "لقد كان السنة مفتاحًا لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فلماذا لا تكون مفتاحًا لفهم انحلال الحاضر؟ إن العمل بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسل م- هو عَمِلَ على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وأن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة هي الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما أفيدهشك بعد أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ إن التعبير الذي يتردد على مسامعنا اليوم كثيرًا لنرجع إلى القرآن الكريم، ولكن يجب ألا نجعل من أنفسنا مستعبدين للسنة، هذا التعبير يكشف بكل بساطة عن جهل بالإسلام، إن الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلًا يريد أن يدخل قصرًا، ولكنه لا يريد أن يستعمل المفتاح الأصلي، الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب. المفتاح للإسلام وبناء الإسلام وقصر الإسلام هو السنة، فهل يمكن أن يدخل أحد القصر بدون أن يستعمل المفتاح؟ ويكشف الرجل السر في محاربة السنة فيقول: "إن الهدف إسقاطها حتى يفقد المسلمون الصورة التطبيقية الحقيقية لحياة رسول الله -صلى الله عليه وسل م- والمسلمون الأوائل، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته".

стр. 108

يعني إن معي الآن كثيرًا من النقول التي تبين مثل هذا الأمر، وكلامًا للدكتور محمد أسد وغيره يبين جملة من المسائل الهامة، يعني نقول: العمل بالسنة المطهرة هو الذي حفظ كيان الإسلام، هو الذي منع الإسلام من أن يذوب في الحضارات الأخرى، وهذا هو سر عداء المستشرقين وغيرهم للسنة، أو هذا على رأس الأسباب أن السنة حفظت كيان الأمة ومنعتها من الذوبان في الحضارات الأخرى. ماذا نقصد بقولنا: حفظت لنا كيان الأمة؟ يعني جعلت لنا اقتصادًا إسلاميًّا، جعلت لنا أسرة إسلامية، جعلت لنا مجتمعًا إسلاميًّا، له قيمه، له مبادئه، له أسسه التي يقوم عليها، له قوانينه التي تحكمه، ليس مجرد عبادة فحسب بين العبد وربه، إنما منهج حياة كامل، السنة تقوم بدور هاما في ذلك، هم يريدوننا مثلًا أن يكون نساؤنا كنسائهم في كل شيء، في عدم الحجاب، في العلاقات المفتوحة، كما نعلم وكما يعلم الجميع هم يريدوننا في المسائل المالية أن نكون مثلهم، هم يريدون في شكل مجتمعنا أن يكون كمجتمعهم، يبيح الخمر ويبيح الشذوذ، ما الذي يعصمنا من التردي في كل ذلك؟ هي السنة المطهرة. لذلك كانت الحرب شرسة عليها، هي تبين القرآن وتشرع مع القرآن، وهي تضمنت كثيرًا من الأحكام التي وقفت بالمرصاد لهذه الأفكار الخطيرة التي تضيع كيان الأمة الإسلامية وتذيبها في حضارات الأمم الأخرى خصوصًا في هذا الزمان بالذات؛ لأن الحضارات الأخرى يعني حضارات تفوقت من الجوانب المادية، وأصبحت تملك القوة على فرض أجندتها -كما يقال- أي فرض أهدافها ووسائلها وأخلاقها ومبادئها على الأمم الأخرى إن لم يكن اقتناعًا فبقوة القهر والغلبة. على ضعف أمة الإسلام في واقعها المعاصر هي معصومة من الذوبان، ما السبب؟ على رأس الأسباب السنة المطهرة؛ لذلك تشتد الحملة الشرسة من المستشرقين

стр. 109

الذين يخدمون الأغراض الاستعمارية كما سنبين فيما بعد على السنة المطهرة، وتأثر بأقوالهم فريق من أبناء الإسلام. أيضًا السنة المطهرة هي مع السيرة، السنة والسيرة، والسيرة جزء من السيرة، العلماني كلاهما متعلق بالنبي ﷺ السنة تتعلق بأقواله، وأفعاله، وتقريراته، إلى آخر ما عرفناها، والسيرة هي التطبيق العملي لحياة النبي ﷺ فإذا أردنا أن نقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسل م- فلا بد من معرفة السنة ومعرفة السيرة. واقتداؤنا بالنبي -صلى الله عليه وسل م- ليست مسألة ترفيهية أو كمالية أو متروكة لخيارنا، لا، نحن بمقتضى إيماننا لا يجوز لنا أن نقتدي بغير النبي -صلى الله عليه وسل م- وقد حصر الله تعالى قدوتنا وأسوتنا في النبي -صلى الله عليه وسل م- وغير مسموح لأمة الإسلام أن تقتدي بغيره أو أن تمتثل لهدي غير هديه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (الأحزاب: ٢١). فتطلع المسلمين إلى هذا المثل الأعلى الراقي من حياة النبي -صلى الله عليه وسل م- وقد أمروا أن يتقدوا به، هذا يعصمهم من الجري، ومن الذوبان -كما قلنا من قبل- وهذا هو سر العداء للسنة أيضًا أنها تضمنت الجوانب التطبيقية في حياة النبي -صلى الله عليه وسل م- ويعضدها في ذلك علم السيرة الطاهرة المباركة. إذن هذا أيضًا من الأسباب التي جعلتهم يوجهون سهامهم المسمومة نحو السنة. أيضًا نقطة مهمة جدًّا، السنة النبوية من الأسس القوية التي قامت عليها وحدة المسلمين. المسلمون أوطانهم متعددة، وألسنتهم متعددة، وأشكالهم متعددة، وأجناسهم متعددة بفضل من الله تعالى لا توجد دولة من دول العالم إلا وفيها مسلمون بصرف النظر عن قلة العدد أو كثرته، فقد بلغ الإسلام بفضل الله ما بلغ الليل والنهار، ووصل إلى مشارق الأرض ومغاربها، ويعيشون كمسلمين في دول خاصة بهم، ويعيشون أيضًا مع غيرهم من أبناء الديانات الأخرى في الأوطان المتعددة.

стр. 110

كل ذلك والمسلمون جميعًا يأكلون مثل بعضهم، ويلبسون مثل بعضهم، ويتزوجون كما يأمرهم إسلامهم، ويبيعون ويشترون ويكوّنون علاقاتهم الاجتماعية، ويعرفون صلة الرحم، وحقوق الجيران، وكيف يربى الأولاد، وحقوق الزوجة، وكيف يجمعون أموالهم من الحلال الطيب؟ وكيف ينفقونها في الحلال الطيب؟ يا رب العالمين، كل ذلك على تباعد الأوطان، واختلاف الألسنة والألوان، وعلى تعدد اللهجات، وتعدد أشكال، ما بين أسود وأصفر وأبيض ... إلخ ... إلخ. ومعصومون بحول الله تعالى من أن يذوبوا، لا يوجد مسلم مثلًا مهما كان في أرض يبيح أكل الخنزير، حتى وإن أكله في بلاد تسمح بذلك، لكنه يعتقد أنه حرام، لا يوجد مسلم في بقاع الدنيا يقول إن الخمر حلال، لا يوجد مسلم يأكل بغير أدب الإسلام، يأكل بيمينه، أنا أقول باعتبار ما يجب أن يكون. إذن هذه الوحدة التي عصمت المسلمين أولًا أقامت صرح الود بينهم والأخوة والتلاحم، وعصمتهم من الزلل، كل ذلك الفضل فيه لله -تعالى- ثم للقرآن والسنة، فهي التي احتوت على المناهج التشريعية التي تعصم الأمة من التفرق، ومن الاختلاف، ومن الجري وراء الأعداء والتشبه بأخلاقهم أو سلوكياتهم إلخ. كل مسلم في الدنيا يكره الشذوذ وينبذه، كل مسلم في الدنيا حتى وإن وقع من البعض بعض الرذائل، وبعض النقائص وبعض الكبائر، فهم يعلمون أنهم يفعلون محرمًا، غيرهم ينعزل عن قضية الدين بالمرة لا يفكر في حلال، ولا في حرام. إذن السنة النبوية أولًا هي من الأصل قامت عليها وحدة الأمة، ثم هي بعد حافظت على تلك الوحدة، تأتي على المسلمين عصور ضعف، يتفرقون فيها في
следующие страницы →