← Тараджим

Тараджим · id 9607

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

محمد خليل المرادي

Полный текст (1 167 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

امام هدى راقت موارد فضله ... وأشرق في أوج المفاخر كالبدر همام أراد الله إظهار ما انطوى ... عليه من الآداب والفضل والفخر فقلد فتوى الشام عهد شبابه ... ولم يأت سن الأربعين من العمري ونيطت به الأحكام حتى بدت له ... بدائع تشريع بحلّ عن الحصر فأجرى يراع الحق فاندهش الورى ... ببحر علوم قد تدفق من صدر وفك عر الأشكال من كل غامض ... بصائب فكر كالمهندة البتر وقلد أجياد النهى بفرائد ... فمن لؤلؤ نضر ومن جوهر نثر فلله منه ماجد قد تقاصرت ... خطا العزم عن أدنى مفاخره الغر لقد لف برد الحلم منه على تقي ... أقام مع الاخلاص في السر والجهر فيا أيها الشهم الذي أوسع الورى ... فضائل في العلياء عاطرة الذكر إليك عقوداً في سطور محامد ... بمدحك قد أصبحن سامية القدر فلا برحت علياك يا خير ماجد ... تقلب أحشاء الحسود على الجمر وله من لي بمعسول المراشف أهيف ... حلو الشمائل عاطر الأنفاس متضرّج الوجنات عنبر خاله ... أسر القلوب بطرفه النعاس لما جلا نور الصباح جبينه ... وزها بغصني قوامه المياس متت طرفي في بديع محاسن ... من وجهه الزاكي بمسك نواس ما بين ورد حيا وعنبر شامة ... وأقاح ثغر في خميلة آس وله عذيري ممن صير القلب طرفه ... أسير غرام للحاظ النواعس وغادرني وقف الصبابة والهوى ... أجود بروحي للظباء الأوانس واعشق مجدول الوشاح إذا انثنى ... بغصني قوام كالمثقف مائس لعلي يوماً أرى من ألفته ... فأسال من خدّيه بلغة قابس وله ومهفهف يزري الغصون قوامه ... ولحاظه منها المنايا ترشق لما رأى أن اللواحظ كلها ... لسوى محاسن وجهه لا ترمق أبدى السلاسل فوق صفحته التي ... أضحى بها ماء الجمال يرقرق فانحاز كل سالماً بفؤاده ... إلا أنا فالقلب مني موثق أقول قوله أضحى بها ماء الجمال يرقرق قد استعملت الشعراء والعرب في كلامهم

стр. 1087

الماء لكل ما يحسن منظره وموقعه ويعظم قدره ومحله فيقال ماء الوجه وماء الحسن وماء النعيم وماء الشباب وغير ذلك فهنا وقع في كلام المترجم ماء الجمال وأحسن ما قيل في ماء الحسن قول ابن المعتز ويكاد البدر يشبهه ... وتكاد الشمس تحكيه كيف لا يخضرّ شاربه ... ومياه الحسن تسقيه ولا بأس بذكر قطرة من ذلك في ضمن هذه الترجمة ليمتلئ الظمآن للأدب من مياه هذه المحاسن التي فيها ماء الفصاحة والبلاغة غير آس فمما ورد من ذلك في ماء الوجه قال أبو تمام وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي ومن ذلك ماء الشعر والكلام قال أبو تمام وكيف ولم يزل للشعر ماء ... عليه يرف ريحان القلوب ومنه ماء الشباب فمن ذلك قول أبي محمد الفياض وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الكرام على الشراب ولثمك وجنتي قمر منير ... يجول بخده ماء الشباب ومنه ماء النضارة والندى والبشر قال بعضهم يجول به ماء النضارة والندى ... كما جال ماء البشر في وجه قادم ومنه ماء الندى والكرم والنوال والجود قال العتابي أأترب من جدب المحل وضنكه ... وكفاك من ماء الندى تكفان وقال البحتري وما أنا الأغرس نعمتك التي ... أفضت لها ماء النوال فأورقا وقال البحتري أيضاً ووجه سال ماء الجود فيه ... على العرنين والخدّ الأسيل ومنه ماء البشاشة قال أبو العتاهية ليالي تدني منك بالقرب مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر ومنه ماء الظرف قال الصاحب ابن عباد وشادن أحسن في اسعافه ... يقطر ماء الظرف من أطرافه ومنه ماء الود قال الشريف الرضي ترقرق ماء الود بيني وبينه ... وطاح القذى عن سلسل الطعم رائق ومنه ماء النعيم قال بعضهم إذا لمع البرق في كفه ... أفاض على الرأس ماء النعيم

стр. 1088

ومنه ماء المنى قال الشريف الرضي فاسمح بفعلك بعد قولك أنه ... لا يحمد الوسمى إلا بالوبى فلعلنا نمتاح إن لم نغترف ... ماء المنى ونعل إن لم ننهل وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ودفن بتربتهم في مرج الدحداح رحمه الله تعالى مصطفى بن مياس ابن علي المعروف بابن مياس الحنبلي البعلي الدمشقي الشيخ الإمام الفقيه النحوي الناسك الورع أخذ الفقه عن الشيخ محمد بن بلبان الصالحي الدمشقي وقرأ في بعض العلوم على الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي مفتي الحنفية بدمشق وغيرها وصارت له بعض وظائف بدمشق منها خطابة جامع التوبة الكائن في محلة العقيبة وكانت وفاته في أواخر صفر سنة إحدى وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى مصطفى البكري ابن كمال الدين بن علي بن كمال الدين بن عبد القادر محيي الدين الصديقي الحنفي الدمشقي البكري الاستاذ الكبير والعارف الرباني الشهير صاحب الكشف والواحد المعدود بألف كان مغترفاً من بحر الولاية مقدماً إلى غاية الفضل والنهاية مستضأ بنور الشريعة رطب اللسان بالتلاوة صاحب العوارف والمعارف والتآليف والتحريرات والآثار التي اشتهرت شرقاً وغرباً وبعد صيتها في الناس عجماً وعرباً أحد أفراد الزمان وصناديد الأجلاء من العلماء الأعلام والأولياء العظام العالم العلامة الأوحد أبو المعارف قطب الدين ولد بدمشق في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وألف وتوفي والده الشيخ كمال الدين وعمره ستة أشهر فنشأ يتيماً موفقاً في حجر ابن عمه المولى أحمد بن كمال الدين بن عبد القادر الصديقي المقدم ذكره وبقي عنده في دارهم الكائنة قرب البيمارستان النوري واشتغل بطلب العلم بدمشق فقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن محيي الدين السليمي الشهير بالمجلد والشيخ محمد أبي المواهب الحنبلي وكان يطالع له الدروس الشيخ محمد بن إبراهيم الدلدكجي ومع ذلك قرأ عليه متن الاستعارات وشرحها للعصام وحضر على الشيخ أبي المواهب المذكور شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر وأخذ أيضاً عن الملا الياس بن إبراهيم الكوراني والمحب محمد بن محمود الحبال وأبي النور عثمان بن الشمعة والشيخ عبد الرحيم الطواقي والعماد إسمعيل بن محمد العجلوني وملا عبد الرحيم بن محمد الكابلي وأجاز له الشيخ محمد بن محمد البديري الدمياطي الشهير بابن الميت وأخذ عنه المسلسل بالأولية ولازم الأستاذ الشيخ عبد

стр. 1089

الغني بن إسمعيل النابلسي وقرأ عليه التدبيرات الألهية والفصوص وعنقاء مغرب ثلاثتها للشيخ الأكبر قدس سره وقرأ عليه مواضع متفرقة من الفتوحات المكية وطرفاً من الفقه وأخذ الطريقة الخلوتية عن الشيخ عبد اللطيف بن حسام الدين الحلبي الخلوتي ولقنه الأسماء وعرفه حقيقة الفرق بين الأسم والمسمى وفي سنة تسع عشرة ومائة وألف سكن إيوان المدرسة الباذرائية ونزل في حجرة بها بقصد الانفراد والاشتغال بالأذكار والأوراد وأذن له شيخه المرقوم بالمبايعة والتخليف سنة عشرين أذناً عاماً فبايع في حياته وكانت تلك أزهر أوقاته وسمعه مرة يقول الجنيد لم يظفر طول عمره إلا بصاحب ونصف فقال له وكم ظفرتم أنتم بمن يوصف بالتمام فقال له أنت إن شاء الله ثم إن شيخه المرقوم دعاه داعي الحق فلبي ثم إن تلامذته توجهوا إلى صاحب الترجمة واجتمعوا عليه وجددوا أخذ البيعة عنه فشاع خبره وذاع أمره وكثر جمع جماعته إلى سنة اثنين وعشرين وفي تاسع عشر محرم وهو يوم الخميس توجه من دمشق الشام إلى زيارة بيت المقدس وهناك أخذ عنه جماعة الطريق ونشر ألوية الأوراد والأذكار وتوجه إلى زيارة الامام العارف سيدي علي ابن عليل العمري وهو على ساحل البحر قرب اسكلة يافا فاتفق إنه اجتمع بالشيخ الامام نجم الدين بن خير الدين الرملي وكان أيضاً قادماً بقصد الزيارة فسمع عليه صاحب الترجمة أول الموطا للامام مالك بن أن من رواية الامام محمد بن الحسن الشيباني بروايته له عن والده الخير الرملي بسنده المعلوم وأجازه بباقيه وبجميع ما يجوز له روايته ثم عاد صاحب الترجمة بعد استيفاء غالب الزيارات إلى زيارة نبي الله السيد موسى الكليم صلى الله على نبينا وعليه وسلم وبعد حضوره للقدس شرع في تصنيف ورد السحر المسمى بالفتح القدسي والكشف الأنسي على ما هو مرتب من الحروف وهو ورد يقرأ في آخر الليل لكل مربد من تلاميذ طريقته وأمر جماعته بقراءته وقد اعترض عليه بعض المخذولين بأن ذلك بدعة في الطريق فعرضه على الامام الشيخ حسن ابن الشيخ علي قره باش في أدرنة فأجاب بأنه لا بأس به وحيث انكم رأيتموه مناسباً فهو المناسب ثم عاد إلى دمشق في شعبان من السنة المرقومة وانتشرت طريقته وخفقت في الاقليم الشامي ألويته وهو فيما بين ذلك مشتغل بالتآليف والزيارات نازلاً في المدرسة الباذرائية كما تقدم غير ملتفت إلى أحوال بني عمه من حب الجاه والمناصب واستقام على ذلك إلى سنة ست وعشرين ففي غرة شعبان منها هم على زيارة بيت المقدس فتوجه إليها ونزل خلوة في المسجد الأقصى وأقام هناك في إقامة الطريق والأذكار ونشر العلم إلى شعبان فعاد إلى دمشق وأقام بها كذلك ثم توجه منها إلى حلب الشهباء ومنها ذهب إلى بغداد إلى زيارة الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وأقام بها نحو شهرين ثم رجع وتوجه إلى زيارة سيدي إبراهيم بن أدهم ثم تنقل بعد ذلك

стр. 1090

للسياحة في البلاد الشامية لأجل زيارة من بها من الأولياء ثم دخل بيت المقدس وعمر به الخلوة التحتانية وهي التي تنسب إليه وبها تقام الأذكار والأوراد ولها تعيين من خبز وأكل على تكية السلطان لمن بها أقام وفي جمادي الثانية سنة تسع وعشرين توجه راجعاً إلى دمشق واجتمع بالسيد محمد ابن مولاي أحمد التافلاتي وكان تقدم اجتماعه به في طرابلس الشام أوقاتاً مفيدة ونزل صاحب الترجمة في حجرة بالمدرسة الباذرائية وفي شهر رمضان عزم عمه محمد أفندي البكري على الحج فتوجه معه لأنه كان يتناول ما يخصه من أملاكهم وخرج معه إلى أن عاد إلى الشام وكان عمه وعده بتزويج ابنته فلم يتيسر ذلك ثم رحل إلى الديار القدسية ووصلها آخر ذي القعدة فتزوج هناك وأرخ زفافه بعضهم بقوله زفت الزاهراء للقمر وأقام هناك غير فارغ ولالاه مشتغلاً بما فيه رضي مولاه إلى أن قدم والي مصر من جهة دمشق لزيارة بيت المقدس وهو الوزير رجب باشا فزار صاحب الترجمة وصار له فيه مزيد الاعتقاد ولما ذهب إلى الديار المصرية اصطحبه معه فدخل مصر وأقام بها مدة وأخذ عنه بها خلق كثيرون أجلهم النجم محمد بن سالم الحفني ثم توجه إلى زيارة القطب العارف سيدي السيد أحمد البدوي قدس الله سره ومن هناك سار إلى دمياط وأقام هناك في جامع البحر وأخذ بها عن علامتها الشمس محمد البديري الشهير بابن الميت وقرأ عليه الكتب الستة والمسلسل بالأولية وبالمصافحة وبلفظ أنا أحبك وأجازه اجازة عامة بسائر مروياته وتأليفاته ثم رجع إلى بلده بيت المقدس على طريق البحر وأقام بها خمسة عشر يوماً ومنها إلى حمص ومنها إلى حماة ونزل في بيت السيد يس القادري الكيلاني شيخ الجادة القادرية بحماة فأخذ عنه الطريقة القادرية ومنها رحل إلى حلب وكان واليها الوزير المقدم ذكره وأخذ عنه بها جماعة منهم الشيخ أحمد بن أحمد خطيب الخسروية الشهير بالبني وفي آخر شهر رجب الحرام توجه إلى دار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية على طريق البر فدخلها في سابع عشري شعبان ونزل مدرسة سورتي مدة وبعدها تنقل في كثير من المدارس والأماكن ومكث بتلك البلاد معتكفاً على التأليف والنظم في السلوك وحقائقه غير مشتغل بأمر من أمور الدنيا ولا توجه فيها إلى أحد من أرباب مناصبها وكان كلما سكن في جهة وشاع خبره فيها وقصده أهلها يرتحل إلى أخرى أبعد ما يكون عنها وهلم جرا وفيها كان يجتمع بالامام الكامل السيد محمد بن أحمد التافلاتي المقدم ذكره وهو شيخه من وجه وتلميذه من آخر فإن صاحب الترجمة كان يقول عنه تارة شيخنا وأخرى محبنا ولم يزل بها مقيماً ينفق من حيث لا يحتسب ولا يصل إليه من أحد شيء أبداً وفي سنة سبع وثلاثين ومائة وألف أخذ العهد العام على جميع طوائف

стр. 1091

الجان أن لا يؤذوا أحداً من مريديه الذين أخذوا عنه أو عن ذريته بمشهد كان فيه السيد التافلاتي وغيره من المريدين وأفاد هو قدس سره أن إقامته هذه المدة في الديار الرومية كانت لأمور اقتضتها أحكام القدرة الألهية ولما ضاق صدره واشتاق إلى رؤية أهله توجه بمن معه إلى أسكدار في ثالث محرم سنة تسع وثلاثين وسار على طريق البر فدخل حلب الشهباء في صفر ونزل الخسروية مجاوراً للشيخ أحمد البني ثم في ثاني شهر ربيع الأول توجه قاصداً للعراق لزيارة سكانه ووصل إلى بغداد في آخر جمادي الأولى ونزل في التكية القادرية ملازماً ومشاهداً تلك الأنوار والأطوار القادرية ولم يدع مزاراً إلا وزاره ولا ما يتبرك به إلا أحل به قراره وجاءه في أثناء ذلك مكتوب من شيخه الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي يحثه فيه على العود للديار الشامية لأجل والدته فهم على المسير وفي أوائل صفر الخير عزم على العود إلى المنازل الشامية وفي الثاني والعشرين منه وصل إلى الموصل ومنها دخل إلى حلب ونزل في الخسروية في خلوة الشيخ أحمد البني وكان يقيم فيها الأذكار ويحضر ورد السحر ما يفوق على الخمسين بمقدار وفي ثامن شوال توجه منها إلى دمشق فوصلها ونزل في دار الشيخ إسمعيل العجلوني الجراحي وبعد مدة أيام الضيافة نزل حجرته في المدرسة الباذرائية وبعد برهة زار الأستاذ الشيخ عبد الغني فرآه يقرأ في التدبيرات الألهية ولم تطل إقامته بها بل شمر عن ساعد الهمة إلى الأراضي المقدسة ذات الابتسام فرحل متوجهاً إلى أراضي القاع العزيزي وبلاد صفد وفي أوائل ذي الحجة سنة أربعين ومائة وألف ولد له شيخنا السيد محمد كمال الدين وأرخ مولده صاحب الترجمة بقولهن ساعد الهمة إلى الأراضي المقدسة ذات الابتسام فرحل متوجهاً إلى أراضي القاع العزيزي وبلاد صفد وفي أوائل ذي الحجة سنة أربعين ومائة وألف ولد له شيخنا السيد محمد كمال الدين وأرخ مولده صاحب الترجمة بقوله في ليلة الجمعة من أنصافها ... ثالث شعبان أتى غلام وفيه بشرت قبيل ما أتى ... وبعده فسرّني الانعام ختام مسك قد حواه يفتدي ... فأرخوا محمد ختام سنة ١١٤٠ ٧ ٩٢ ١٠٤١ وأقام في القدس المشرفة يتنقل من زيارة إلى أخرى مطرفة وهو في تأليف وتصنيف وارشاد إلى رب العباد إلى أن دخل شوال سنة خمس وأربعين فعزم على الحج المبرور وتوجه مع رفقائه وأجلهم حسن بن الشيخ مقلد الجيوشي شيخ ناحية بني صعب في جبال نابلس إلى منزلة المزيريب ومنها إلى مدينة الرسول فنال أسنى مراد ومأمول ثم إلى مكة المشرفة وقضى مناسك الحج وعاد صحبة الحج الشامي وصحبه إلى القدس الفاضل العالم الشيخ محمد ابن أحمد الحلبي المكتبي ومكث عنده نحو أربعين يوماً وأدخله إلى الخلوات وأفاض عليه كامل الثبات وكان لقنه بعض أسماء الطريق ثم أتمها هناك وأجاز له بالبيعة للغير وأقامه خليفة يدعو إلى الله وفي سنة ثمان وأربعين ومائة وألف سار قاصداً للبلاد الرومية

стр. 1092

فمر على البلاد الصفدية ومنها على دمشق ذات الربوع الندية ووصل لدار السلطنة في رابع عشر جمادي الأولى وأقام فيها يجتمع بالأحباب والخلان خصوصاً السيد التافلاتي المصان ثم توجه منها إلى اسكندرية بحراً فوصلها في ثمانية أيام ومنها ذهب إلى مصر وبعد أن استوفى الزيارات بمصر عزم على المسير إلى الشام فدخل بيت المقدس غرة شهر رمضان وكان له بنت فرآها مريضة ولم تطل اقامتها بل انتقلت إلى الجنة العريضة ولهذه البنية أخبار كثيرة ووقائع في بعض الرحلات شهيرة ولم يزل مقيماً إلى أن دخلت سنة تسع وأربعين فعزم على الحج وفي أثنائها توجه إلى أرض كنانة وصحبه جمع كثير وظهرت كلمته في تلك الأقطار ولما بلغت تلامذته مائة ألف أمر بعدم كتابة أسمائهم وقال هذا شيء لا يدخل تحت عدد ثم حج ورجع إلى دمشق وكان واليها إذ ذاك الوزير الكبير المرحوم سليمن باشا العظمي وحين وصوله إلى دمشق تلقاه وجوه أهلها ونزل قرب الخانقاه السميساطية وبعد أيام تحول إلى الديار البكرية وأقام بها ثمانية أشهر ثم رحل إلى نابلس فمكث بها أحد عشر شهراً وفي شوال سنة اثنتين وخمسين توجه إلى الديار القدسية ولم يزل بها إلى سنة ستين ومائة وألف فسار إلى مصر متنقلاً في البلاد الكنانية والساحل الشامي فوصل مصر واستأجر له الأستاذ الحفناوي داراً قرب الجامع الأزهر عن أمر منه بذلك وعندما وصل إلى قرية الزوابل تلقاه الأستاذ الحفني المذكور ومعه خلائق كثيرون من علماء مصر ووجوه أهلها وأقام هناك وهو مقبل على الارشاد والناس يهرعون إليه مع الازدحام الكثير حتى إنه قل أن يتخلف عن تقبيل يده جليل أو حقير إلى أن دخل شوال سنة إحدى وستين فعزم على الحج وكان قدس سره بجمع الكثرة مشهوراً وكان مصرفه مثل مصرف أكبر من يكون من أرباب الثروة وأهل الدنيا ولم تكن له جهة تعلم يدخل منها ما يفي بأدنى مصرف من مصارفه ولكن بيده مفتاح التوكل لكنز هذا عطاؤنا هذا وقد أخذ الأستاذ المترجم عن الشيخ الامام محمد بن أحمد عقيلة المكي والشهاب أحمد بن محمد النخلي المكي والجمال عبد الله بن سالم البصري المكي والجميع أجازوا له وأخذ الطريقة النقشبندية عن القطب العارف السيد مراد الأزبكي البخاري النقشبندي ولقنه الذكر على منهج السادة النقشبندية ودعا له بدعوات أسرارها سارية في هذه الذرية وأخذ عن الأستاذ النحرير الشيخ محمد بن إبراهيم الدكدكجي وبه تخرج وعلى يديه سلك وأخذ أيضاً عن الأستاذ العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي وكان الأستاذ يثنى عليه كثيراً وعن الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري وعن الشيخ أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي وعن الشيخ مصطفى بن عمر وعن غيرهم وأخذ عنه خلائق كثيرون حتى أخذ عنه سبعة ملوك من طوائف الجان وأسماؤهم محررة في بعض

стр. 1093

مؤلفاته وأخذ عليهم عهوداً عامة وخاصة نفعها خاص وعام وألف مؤلفات نافعة منها الكشف الأنسي والفتح القدسي وشرحه بثلاثة شروح ومنها شرحه على الهمزية وشرحه على ورد الوسائل وشرحه على حزب الامام الشعراني وشرحه على صلاة العارف الشيخ محيي الدين الأكبر والنور الأزهر قدس سره وشرحه على صلاة الأستاذ الشيخ محمد البكري وشرحه على قصيدة المنفرجة لأبي عبد الله النحوي وشرحه على قصيدة الامام أبي حامد الغزالي التي أولها الشدّة أودت بالمهج ... يا رب فعجل بالفرج وشرحه على بيت من تائية ابن الفارض وشرحه على سلاف تريك الشمس الخ للامام الجيلي وله اثنتا عشرة مقامة واثنتا عشرة رحلة وسبعة دواوين شعرية وألفية في التصوف وتسعة أراجيز في علوم الطريقة ورسالة سماها تبريد وقيد الجمر في ترجمة الشيخ مصطفى بن عمرو ومرهم الفؤاد الشجي في ذكر يسير من مآثر شيخنا الدكدكجي والمنهل العذب السائغ لوراده في ذكر صلوات الطريق وأوراده والروضات العرشية على الصلوات المشيشية وكروم عريش التهاني في الكلام على صلوات ابن مشيش الداني وفيض القدوس السلام على صلوات سيدي عبد السلام واللمحات الرافعات غواشي التدشيش عن معاني صلوات ابن مشيش الداني وفيض القدوس السلام على صلوات سيدي عبد السلام واللمحات الرافعات غواشي التدشيش عن معاني صلوات ابن مشيش والورد السحري الذي شاع وذاع وعمت بركاته البقاع وصار ورداً لا يضاهي وحقائقه لا تتناهى شهرته تغنى عن الوصف والتحرير ومعانيه ومزاياه لا تحصيها أقلام النحبير شرحه ثلاثة شروح أحدها سماه الضياء الشمسي على الفتح القدسي في مجلدين ضخمين والثاني رفيع المعاني سماه اللمح الندسي على الفتح القدسي والثالث الذي لكشف أسراره باعث المنح الأنسي على الفتح القدسي ومن مؤلفاته السيوف الحداد في الرد على أهل الزندقة والالحاد والفرق المؤذن بالطرب في الفرق بين العجم والعرب وهذان التأليفان من أعجب العجاب لمن كشف لن النقاب فمن أراد فليراجعهما ففيهما ما تشتهيه القلوب وما تشتاقه من كل مطلوب ومرغوب والوصية الجنية للسالكين في طريق الخلوتية والنصيحة الجنية في معرفة آداب كسوة الخلوتية والحواشي السنية على الوصية الحلبية وبلوغ المرام في خلوتية الشام ونظم القلادة في معرفة كيفية اجلاس المريد على السجادة وبلغت مؤلفاته مائتين واثنين وعشرين مؤلفاً ما بين مجلد وكراستين وأقل وأكثر وكلها لها أسماء تخصها مذكورة في أوائلها وله نظم كثير وقصائد جمة خارجات عن الدواوين تقارب اثني عشر ألف بيت وقد أفرد ترجمته بكتاب ولده شيخنا أبو الفتوح محمد كمال الدين البكري سماه

стр. 1094

التلخيصات البكرية في ترجمة خلاصة البكرية بث فيه بعض مزاياه الجميلة وما كان عليه من الأحوال الجليلة وله من الخلفاء الذين توفي وهو عنهم راض وخلصوا من شوائب العلل الرديئة والأمراض ما ينوف على عشرين خليفة الكل منهم عظيم الأسرار وبالتحقيق نال المنازل الشريفة وعلى كل حال فاستيفاء أحواله يكاد أن يعد من المحال لأن أولياء الله تعالى لا يمكن حصر أوصافهم لما وهبهم الله تعالى من فيض فضله وإنما ذلك قطرة من بحر أو ذرة من بر وقد اطلعت بعد ذلك على جملة من أسماء مؤلفاته منها المقامات في الحقيقة الأولى سماها المقامة الرومية والمدامة الرومية والثانية المقامة العراقية والمدامة الأشرافية والثالثة المقامة الشامية والمدامة الشافعية والرابعة الصمصامة الهندية في المقامة الهندية وهي أعنى هذه المقامات في أعلى مقام البلاغة وأتم نظام الفصاحة ولقد مدح بعضها الفاضل الأديب المرعى الشيخ عبد الله بن مرعي فقال قضت رومية البكريّ أن لا ... تضاهيها مقامات الحريري فهذي درّة الغوّاص تدعى ... وأين الدرّ من نسج الحرير ولقد أجاد سيدي يوسف الحفني حيث قال تقول مقامات الحريريّ إن رأت ... مقامة هذا القطب كالكوكب الدري تضاءل قدري عندها ولطائفي ... وأين ثرى الأقدام من أنفس الدر فهذي لأهل الظرف تبدي ظرائفاً ... وللواصل المشتاق من أعظم السر فكيف ومنشيها فريد زمانه ... أجلّ همام قال نوديت في سري وبلغة المريد ومنتهى موقف السعيد نظماً وألفية في التصوف وكل ذلك في آداب الطريقة العلية ومن تآليفه ﵁ تشييد المكانة لمن حفظ الأمانة وتسلية الأحزان وتصلية الأشجان ورشف قناني الصفا في الكشف عن معاني التصوف والمتصوف والصفا والمدام البكر في بعض أقسام الذكر والثغر البسام فيمن يجهل من نفسه المقام والكأس الرائق في سبب اختلاف الطرائق والتواصي بالصبر والحق امتثالاً لأمر الحق والوارد الطارق واللمح الفارق والهدية الندية للأمة المحمدية والموارد البهية في الحكم الألهية على الحروف المعجمة الشهية وجمع الموارد من كل شارد والكمالات الخواطر على الضمير والخاطر والجواب الشافي واللباب الكافي وجريدة المآرب وخريدة كل سارب شارب وهدية الأحباب فيما للخلوة من الشروط والآداب والكوكب المحمي من اللمس بشرح سلاف تريك الشمس ورسالة الصحبة التي أنتجتها الخدمة والمحبة ورسالة في روضة الوجود ورفع

стр. 1095

الستر والردا عن قول العارف أروم وقد طال المدى وارجورة الأمثال الميدانية في الرتبة الكيانية والمطلب الروي على حزب الامام النووي وله شرح على ورد الشيخ أحمد العسال وشرح على رسالة سيدي الشيخ أرسلان والبسط التام في نظم رسالة السيوطي المقدام وله الدر الفائق في الصلاة على أشرف الخلائق والفيوضات البكرية على الصلوات البكرية والصلاة الهامعة بمحبة الخلفاء الجامعة ونيل نبل وفا على صلوات سيدي على وفا والمدد البكري على صلوات البكري والهبات الأنورية على الصلوات الأكبرية واللمح الندية في الصلوات المهدية والنوافح القريبية الكاشفة عن خصائص الذات المهدية والهدية الندية للأمة المحمدية فيما جاء في فضل الذات المهدية وله ﵁ نظم أحاديث نبوية ومقدمة وأربعون حديثاً وخاتمة سنية والأربعون المورثة الانتباه فيما يقال عند النوم والانتباه وله ﵁ تفريق الهموم وتغريق الغموم في الرحلة الحلبية والحلة الفانية رسوم الهموم والغموم في الرحلة الثانية إلى بلاد الروم والثانية الأنسية في الرحلة القدسية وكشط الصد أو غسل الران في زيارة العراق وما والاها من البلدان والفيض الجليل في أراضي الخليل والنحلة النصرية في الرحلة المصرية وبرء الأسقام في زمزم والمقام ورد الاحسان في الرحلة إلى جبل لبنان ولمع برق المقامات العوال في زيارة سيدي حسن الراعي وولده عبد العال وله ﵁ بهجة الأذكياء في التوسل بالمشهور من الأنبياء والابتهالات السامية والدعوات النامية والورد المسمى بالتوجه الوافي والمنهل الصافي والتوسلات المعظمة بالحروف المعجمة والفيض الوافر والمدد السافر في ورود المسافر والورد الأسنى في التوسل بأسمائه الحسنى وسبيل النجاء الالتجاء في التوسل بحروف الهجاء وأوراد الأيام السبعة ولياليها وقد ترجم ﵁ كثيراً من مشايخه وممن اجتمع عليهم فمن ذلك الكوكب الثاقب فيما لشيخنا من المناقب والثغر الباسم في ترجمة الشيخ قاسم والفتح الطري الجني في بعض مآثر شيخنا الشيخ عبد الغني والصراط القويم في ترجمة الشيخ عبد الكريم والدرر المنتشرات في الحضرات العندية في الغرر المبشرات بالذات العبدية المحمدية وله ديوان الروح والأرواح وله عوارف الجواد التي لم يطرقهن طارق قد أبدع فيه وأغرب وجعله مبنياً على ذكر حاله ووقائعه من ابتدائه إلى انتهائه على طريقة الأجمال هذا ما وقفت عليه ووصل سمعي إليه وله غير ذلك من التآليف التي عز ادراكها على كل كشف وكان ﵁ من أكابر العارفين وأجل الواصلين وقد وقفت له على قصيدة

стр. 1096

فوجدتها فائقة فريدة ضمن فيها البيت المشهور وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تسطعه الأوائل وهي تنبئ عن بعض أحواله وسنى أقواله ولنذكر شيئاً من شعره لأجل التبرك فمنه قوله رحمه الله تعالى صدّ عني فرد التثني لأني ... في هواه ما زال كلي يصبو وتمادى في الهجر يبدي دلالا ... وجواد الوداد لم يك يكبو ليت ذا قبل أن يذيق لماه ... في حماه وقبل شوقي يربو منّ بالوصل ثم أعرض عني ... سلوة قطعه العوائد صعب فتطلبت سلمه دون حرب ... حيث قلبي ما مسه عنه قلب فانثنى نافراً وزاد تجني ... هكذا هكذا الغزال المحب وبهذا تمّ الغرام ووجدي ... ثار والشوق ناره ليس تخبو ولصبري فقدت من فرط كتمي ... ما على فاقد التصبر عتب ولمن قد هويت ذكرت أشدو ... قول صب ذاق النوى وهو خطب ما جزا من يصدّ إلا صدود ... وجزا من يحب إلا يحب وقال مخمساً يا فريد الجمال لا تجف صبا ... صب دمع العيون كالسحب صبا لم يمل قلبه إلى الغير قلبا ... غائباً في الشهود ما زال حبا لمعاني بهاء حسنك يصبو لا وحق الجمال يا نور عيني ... ما حلا غيركم لقلبي وعيني وجلال جلا غياهب غيني ... ووصال الوصال من عين عيني ما جزا من يحب إلا يحب وقال أيضاً ما هبّ من نحوكم نسيم صبا ... إلا وقلب الفتى إليه صبا ولا سرى حادي لأرضكم ... إلا وأذكى بمهجتي لهبا ولا شدا مطرب بقربكم ... إلا براني وجدا بكم إربا ولا دنوتم لناظري زمناً ... إلا ونادى المشوق وأطربا ولا تذكرت عيشة سلفت ... بالخيف إلا وصحت واحربا ولا تحدثت عن وصالكم ... إلا وأجريت أدمعي سحبا لله أيام نزهة شرفت ... في ظل من شرفوا مني وقبا

стр. 1097

أيام كنا مع الحبيب بها ... نطوف نسعى نقضي الذي وجبا نشرب من زمزم الصفا سحراً ... إذ زمزم الشاد بالوفا حقبا يمم إلى حيث من لحاني سرى ... لم يقض من عذله الذي طلبا يا حبذا لوعتي عليك ويا ... هناء قلبي إن صرت فيك هبا ويا سروري ويا مناي ويا ... بشراي إن مت فيك مكتئبا لا نال منك المحبّ مطلبه ... إن كان يوماً إلى السوى ذهبا ولا عيون الغيون ترمقكم ... إن غيركم لمحة لها جذبا آهاً لأيامنا بقربكم ... وطيب وقت لبى به سلبا ومجلس بالصفاء مجتمع ... وأنس عيش كل الهنا جلبا ما كان أحلاه إذ بمنبره ... سامي خطيب السرور قد خطبا عدوا بوصلي فالقلب يقنعه ... وعدو لو بالمطال لي نهبا أفنى بكم يا أهيل كاظمة ... أم للقا ساعة أرى سببا أحبابنا هل لقربكم أجد ... وهل لهجري عن باب فجري نبا إن كان إعراضكم لغفلتنا ... أو أنكم لم تروا لنا أدبا فالنقص فينا والعفو صفوكم ... نرجوه من فضل ذاتكم رغبا أو كان من هفوة معوّقة ... كم من جواد حال المجال كبا وصارم شحذوه ثم نبا ... وكم زناد في الاقتداح خبا غفراً حماة الحمى فعبدكم ... ما نال من غاية الثنا طنبا يا سائق النوق عن مرابعهم ... وشائقاً للدنو نحو خبا بالله إن جزت بالحمى سحراً ... بلغ سلامي أهل الربا وقبا وقل لهم ذلك الكئيب قضى ... وعمره بالبعاد قد قضبا وما قضيتم له مآربه ... وما قضى من وصالكم أربا ثم الصلاة كذا السلام على ... خير نبي عجماً علا عربا والآل والصحب ما بحبهم ... صب التهاني قد ذوّق الضربا وتابع ساد حين شاد بهم ... بيت التداني ونال كل حبا أو مصطفى بانتسابه لكم ... سما استناد أو نسبة حسبا وله غير ذلك من النظام والنثار وفي شهر ربيع الثاني سنة اثنتين وستين ومائة توعك مزاجه بحمى مطبقة وتمرض إلى ليلة الأثنين ثامن عشر الشهر المرقوم فتوفي بعد العشاء الآخرة بفكر صاح وقلب غير لاه ودفن بعد طول منازعة في تربة المجاورين وقبره مشهور

стр. 1098

يزار ويتبرك به ورثاه ولده السيد كمال الدين البكري بقوله هذا مقام القطب مفرد وقته ... أصل الحقيقة فرعها الحد ثاني هو مصطفى البكري سبط محمد ... نجل الصديق الخلوتي الرباني لا زال يسقى تربه من صيب ... هطل يساق برحمة الرضوان وبالجملة فقد كان المترجم ﵀ من أفراد العالم علماً وعملاً وزهداً وورعاً وولاية قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه وتتابعت له الصلاة الغيبية في البلدان إلى تمام عامه برحمة المنان ورثاه كل شعراء عصره فرحمه الله تعالى ونفعنا به آمين. مصطفى الديربي ابن محمد علي الشافعي القاهري الشهير بالديربي الشيخ الامام العالم العلامة الحبر البحر النحرير الفهامة المحقق المدقق أبو البركات زين الدين أخذ عن جملة من الأفاضل منهم على ابن عمر الديربي وصالح بن حسن البهوتي الحنبلي وإبراهيم الشبرخيتي ومنصور الطوخي ومحمد الشرنبابلي وإبراهيم البرماوي وأبو بكر الدلجي وأحمد المرحومي ومحمد الخرشي وعبد الباقي الزرقاني وأحمد الشرفي ومحمد النشرتي ومحمد الأطفيحي ويونس القليوبي وعثمان النجدي وغيرهم وبرع وفضل وساد وأفتى ودرس وتصدر في الجامع الأزهر ووردت عليه الطلبة من الأقطار وأخذ عنه خلق كثيرون وألف مؤلفات عدة وكان فرداً من الأفراد علماً وفقهاً ونبلاً وديانة وصلاحاً وأخذ عنه شيخنا أبو الربيع سليمان بن عمر البجيرمي الشافعي وغيره وكانت وفاته بمصر سنة خمس وخمسين ومائة وألف ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى. مصطفى الأسطواني ابن محمد بن أحمد بن حمد بن حسين بن سليمان المعروف كأسلافه بالاسطواني الحنفي الدمشقي أحد الأفاضل والنبلاء المشاهير ولد في عشري جمادي الأولى سنة أربع وخمسين وألف ونشأ بكنف والده وكان والده من العلماء والفقهاء وتوطن أعواماً من السنين دار السلطنة قسطنطينية وصار اماماً في جامع السلطان أحمد خان وواعظاً في جامع أبي الفتح السلطان محمد خان واشتهر بحسن الوعظ ولطافة التقرير والتعبير ثم نفى إلى جزيرة قبرس بالأمر السلطاني لأمر أوجب ذلك وتوفي بدمشق في محرم سنة اثنتين وسبعين وألف وولده المترجم تبع مسلكه ونهج على طريقته وولي خطابة الجامع الشريف الأموي بعد وفاة إسمعيل بن علي الحائك المفتي والخطيب وباشرهما إلى أن مات وكان أنبل أهل بيتهم وأشهرهم فضلاً وكمالاً وتوفي في سنة خمس وعشرين ومائة وألف رحمه الله تعالى

стр. 1099

ومن مات من أموات المسلمين أجمعين. مصطفى البيري ابن محمد المعروف بابن بيري الحنفي الحلبي البثروني تقدم ذكر أخيه عبد الرحمن وهذا هو الأديب الذي سقى رياض الطروس بمياه براعته فأنبتت في الصحائف أزهار البلاغة والفصاحة واشتهر بالأدب النفيس قدم دمشق مراراً وخالط أدبائها وأفاضلها واشتهر بينهم وكان وحيد أقرانه في زمانه وترجمه السيد الأمين المحبي في ذيل نفحته وقال في وصفه ماجد امتطى بأخمصه فرق الفرقد واتخذ الصهلة والصهوة أنعم المنعم وأفعم المرقد رقى من الفضل أسمى المراقي وأترع دلوه من السؤدد إلى العراقي فخبره قد أخذ من الكمال بالمجامع ومخبره تفتر منه ثغور الأماني في وجوه المطامع وبيني وبين أبيه في قسطنطينية وأنا وإياه عقيداً وداد في بلهنية هنية ذمم لا ترفض وعصم لا تنقض فعهده نقش على صخر ووده نسب ملآن من فخر وأما كماله فقد تجاوز حده منه ما تم لم فإصابته عين فيما أم له فأخطأه ما أمله فلئن أصلته الأيام بنار نوائبها ونفرت عن يده الطولى بذوائبها فلولا السبك ما عرف للتبر صرف ولولا النار ما عرف للعود عرف وولده هذا أرجو له حظاً وافياً وعمراً يكون ما بقي من الكدر صافياً فهو للمعالي ملء نواظرها وللأماني مطمح مناظرها وللدهر فيه عداة نجازها مضمون وآخرها كأولاها من شوائب الزمان مأمون وقد ذكرت له ما تستجليه بكراً وتصقل به روية وفكراً انتهى مقاله فيه وفي أبيه ومن شعره قوله وكتبها إلى الشيخ سعدي العمري الدمشقي وهي أفاتن بالألحاظ أهل الهوى فتكاً ... فقد صال في العشاق صارمها فتكا وكف سهام اللحظ عن مهجتي فقد ... هتكت حجاب الصبر عن صدرها هتكا تركت بقلبي لاعجاً وسلبتني ... هجوعي فهلا تحسن السلب والتركا هواك لقد أجرى دموعي صبابة ... وصدّك نيران الجفا في الحشا أذكى رويدك يا من بالهوى قد أذابني ... وأنهك جسماني بتبريحه نهكا ومذ همت لما شمت بارق ثغره ... لدرّ غدا الياقوت في نظمه سلكا أسرّ الهوى خوف الوشاة ومقلتي ... بدرّ ثنايا الدمع تفضحه ضحكا وفي هتك سرّ العاشقين شواهد ... ولكنّ فيض الدمع أكثرهم هتكا وكان مجال الصبر متسع الحمى ... بحلبة صدري فانثنى ضيقاً ضنكا وشاركني كل الأنام بحبه ... وتوحيده في القلب لا يقبل الشركا وقد زان ورد الخدّ في روض حسنه ... بنقطة خال قد حكى عرفه المسكا

стр. 1100

من الترك يسطو في القلوب بلحظه ... فلا تسألوا عن حال من يعشق التركا رأى غرب جفني سافكاً بمدامع ... تباري الحيا المدرار فاستوقف النسكا تملك قلباً من تجنيه قد عفا ... فما ضرّه بالوصل لو عمر الملكا ولما جلا لي وجهه بعد بعده ... وطور اصطباري عن محاسنه دكا سبكت بنار العتب فضة خدّه ... فأذهب اكسير الحيا ذلك السبكا فيا مالكاً لم أدّخر عنه مهجتي ... أجبني فدتك النفس لم سمتها الهلكا وإني ألفت الذل فيك وطالما ... بعزة نفسي كنت أستصغر الملكا متى تجل عني ظلمة الصدّ علها ... بصبح وصال تستنير به وشكا هناك ترى قدحي من الحظ عالياً ... وسعدي في أفق العلى جاوز الفلكا همام غدا في ذروة المجد ضارباً ... له خيم العلياء من رفع السمكا ومدّ رواقاً للكمالات فوقه ... وصاغ لها من درّ أوصافه حبكا تبوّأ من بحبوحة الفضل رتبة ... بغير سناها نير الفضل لن يركا إذا رمت تلقى المجد شخصاً ممثلاً ... فشمه تراه لأمراء ولا شكا تودّ الدراري عند بث صفاته ... تطاولها فخراً وتلزمه سدكا متى خطبته المكرمات لنفسها ... وفي فض ختم المجد قد أحرز الصكا فلم يحكه مذ شبّ في الفضل فاضل ... ولكنه عن حسن آدابه استحكى وضوّع عرف الفضل منه بجلق ... فيا فضل ما أنمى ويا عرف ما أذكى ونظم أشتات المعالي اصابة ... بعامل فكر قد أبى الطعنة السلكا وأصبح في روض البديع مغرداً ... بأفنان أفنان تعز بأن تحكى من العمريين الأولى شاع ذكرهم ... وقام مقام الفضل في الليلة الحلكا فمن ذا يجاريه بفضل وسؤدد ... وآدابه تلك التي بهرت تلكا فما الروض غب القطر حرّكه الصبا ... قدوداً زهت من قضب باناته فركا وسوط المثاني والمثالث قد غدا ... برجع الصدا يستنطق العود والجنكا وترجيع عتب من محب بدت له ... بروق الرضا ممن يعاتب فاستشكى ودادك في قلبي لقد ضاع عرفه ... بمدحك لما جال في القلب واحتكا فخذ بكر فكر غادة قد زففتها ... تجرّ حياء ذيل تقصيرها منكا ودم وابق واسلم ما بكى من شجونه ... أخو لوعة في رسم دار أو استبكى فأجابه بقوله أتت والدر أرى الزهر تعترض الفلكا ... وطوق الثريا كاد أن يقطع السلكا

стр. 1101

وقد مدّ جيش الفجر بيض نصوله ... ليوسع أطراف الظلام به فتكا وجنح الدجى قد ضم فضل سواده ... مخافة أن تغشى طلائعه وشكا سوى ما توارى منه في مقل الظبا ... وفي طرر الأصداغ واللمم الحلكى وقد تلت الأنوار آية محوه ... على مسمع الأزهار فابتدرت ضحكا وغنت على الأغصان ورق حمائم ... غناء غريض حرّك العود والجنكا فتاة حذار الناظرين تلفعت ... بمنسوج درّ أحكمت نسجه حبكا يكاد إذا استعرضت باهر حسنها ... على مقل الأفكار أعجزها دركا من العربيات التي من خبائها ... تعير حجاب الشمس إن برزت هتكا ويكسو أثيث الليل فاحم شعرها ... إذا هي أبدت عن ذوائبها سدكا وتبدو دنانير الحيا إن تصوّرت ... بصفحة خدّيها وقد بهرت سبكا سوى أن صحن الخدّ مذرق ماؤه ... يد الحسن ألقت في قرارته مسكا كحيلة أطراف الجفون لحاظها ... تصول بأمثال القواضب أو أنكى سلوا إن جهلتم قدّها بانة اللوا ... وعن فعل عينيها سلو المهج الهلكى فلا قلب إلا وهو فيها معلق ... ولا جسم إلا وهي تنهكه نهكا أتتني وعندي من شواغل حبها ... فصول هوى أجرت سحاب البكا سفكا فقمت لها والعين سكرى بمائها ... سروراً وقد أوجست من وصلها شكا فقلت فدتك الروح هل من إباحة ... لكشف نقاب عن مقبلك الأذكى فقالت إذا آنست من كوكب العلا ... بروق الرضى أحرزت من ختمه الملكا أخي الشيم الغرّ اللواتي عيونها ... تروق كزهر الروض تفركه فركا عذيق ثنيات العلا وجذليها ال ... محكك إن باراه قرن أو احتكا صقيل حسام العزم أروع باسل ... إذا اعتركت خيل المنون بنا عركا هززت قناة الفضل منه بماجد ... وأوسعت صدر المشكلات به شكا بليغ إذا ما المادحون تناوبوا ... فسيح القوافي ينتحي المسلك الضنكا متى اقتحمت آياته كل بارع ... تفك عقود القول أفهامه فكا فكم قلدت سمعاً وكم أسكرت نهى ... وكم زينت طرساً وكم توجت صكا فلله منه لوذعي تقاصرت ... سهام الأماني عن مبالغة دركا وكنت أزكى النفس حتى رأيته ... فكبرت أجلاه وقد خاب من زكى فأنى لأهل الفضل إنكار فضله ... وقد شحنت من درّ آدابه فلكا فما الروضة الغناء باكرها الحيا ... ومدّ رواق الشحب من فوقها حبكا

стр. 1102

وكللها قطر الندى بفرائد ... تودّ العذارى لو نظمن لها سلكا وجرّ الصبا ذيلاً على عذباتها ... وفكك أزهار الكمام وما انفكا فأذرى دموع الطل وافترّ مبسم ... الأقاح فما ندري أأضحك أو أبكى بأبدع من غرّا بدائعه التي ... تحار عيون الفكر في حسنها سبكا فيا ابن الأولى يسمو لهم شرف العلا ... ويرفع من آثارهم فوقه سمكا ومن شيدوا ربع التقى بفضائل ... أقامت بناء المجد من بعد ما دكا ويا سابقاً في حلبة الشعر رحمة ... بأفكار قوم بالكلال غدت ربكى فإن تصاريف القضا عبثت بهم ... وقد بتكتهم عن مطالبهم بتكا وفيك على المعروف والصدق آية ... نفت عن صفا أخلاقك الزور والأفكا وها أنا قد مرّغت وجه اساءتي ... بساحة أعذاري لنيل الرضى منكا فجد وأعر طرف القبول ألوكة ... روت كل معنى راق من لفظها عنكا ولا زلت مخطوباً لكل كريمة ... لها من غواشي المدح ما نافس المسكا مدى الدهر ما بثت بذكرك أسطري ... عبير شذا كالعنبر الرطب أو أذكى وللمترجم زوّد الصب نظرة من لقائك ... واشف مضنى الهوى برشف لمائك وأنقذ المغرم الذي شفه الوج ... د يوصل يذوده عن قلائك إنما الليل من فروعك والصب ... ح غدا يستمدّ من لألائك وكذا المسك ما تضوّع إلا ... حين وافته نفحة من شذائك أنت في الحل من دم سفكته ... في مجال الغرام بيض ظبائك يا فؤاداً أمسى جريحاً بسهمي ... لحظه ثغره شفاء لدائك كف يا لحظه عن الفتك فينا ... إننا في السقام من نظرائك وكذا يا قوامه الغصن من ذا ... أطلع البدر مشرقاً في ذرائك ومنها يا غزالاً إذا رنا سلب الأن ... فس رفقاً على حشا مضنائك أترى ما نفى الكرى عن جفوني ... وشجاني من الهوى برضائك أعذار بدا بخدّيك هذا ... أم لصيد الألباب أضحى شرائك أم حروف الدلال قد خطها الحس ... ن على وجنتيك من املائك أم على البدر هالة قد ترآءت ... لعيون الورى بأفق سمائك أم مشى النمل فوق نور محيا ... حار فيه اللبيب من شعرائك

стр. 1103

بل غدا في البها سلاسل مسك ... فوق جمر تقودنا لهوائك ويك يا قلب كم تعاني التصابي ... أو بلغت طائلاً بمنائك فابتدئ وامتدح سليل المعالي ... إنني في الرشاد من نصحائك كوكب الفضل أحمد ذو الأيادي ... من له في سما الفخار أرائك يا امام الهدى إليك حثثنا ... طرف فكر مناخه بفنائك يا رفيع الذر أو سامي الأراكي ... وعليّ المنار في عليائك فبهذا الوجود والعلم الفر ... د وعين الكمال في فتوائك فقت من قد تسربلوا برد المج ... د وثوب الفخار من آبائك أنت كالشمس رفعة وبهاء ... وكبحر العباب في جدوائك إنّ قسا وأكثما وإياسا ... مثلاً مضرباً غدا لذكائك صمت شهراً بالبر قد خوّلتنا ... منن فيه من ندى نعمائك وابق ما حنّ مغرم لمحب ... وتغني الحمام فوق الأرائك تتمنى الغيد الحسان عقوداً ... نظمت باللآل من انشائك بلغوا في العلا السماك ولكن ... دون ما نلت من علوّ ارتقائك لك عزم حكى الحسام انتضاء ... وبايماضه حكى آرائك سيدي جئت قاصراً حيث أمسى ... كل فضل وسؤدد من حلائك وأتى العيد مؤذناً بالتهاني ... عائداً والسرور في احيائك رافلاً في ثياب عز مقيم ... ونعيم مخلد ببقائك وله قوله بشذا عنبر خال ... ضاع في جمرة خدّك وبما يقضي على الأن ... فس من صعدة قدّك وبما يسطو به طر ... فك من مرهف حدّك وبما يستلب الأل ... باب من ملعب بندك وبما ضلت به الآ ... راء من فاحم جعدك وبما يجنيه كف ال ... وهم من رمان نهدك وبما أودع في في ... ك الشهي من درّ عقدك لا تدعني والهوى يو ... ردني مورد صدّك لا ولا تخلف لمجرو ... ح الهوى ميثاق عهدك يا هلالاته من الحس ... ن ببرد دون بردك

стр. 1104

أنا ما أوليت ودّاً ... مع إني عبد ودّك كم أناديك بما يش ... تق من أحرف حمدك عد بوصل واشف مضنى ال ... قلب في انجاز وعدك وقوله من قصيدة هاج لي برق الحمى ذكر الحمى ... فاستهلّ الدمع من عيني دما مرّبي وهنا فأذكى لاعجاً ... في فؤادي حرّه قد أضرما وانثنى يروى أحاديث الصبا ... منجداً طوراً وطوراً متهما آه من دمع لذكر المنحني ... كلما حركه الوجد همى يا رعي الله عهوداً بالحمى ... نقض الدهر بها ما أبرما وليال منحتنا صفوها ... فانتهبنا العمر فيها جلما ومعان ضرب الحسن على ... عذبات البان منها خيما ورعى دهراً بها قد مرّ لي ... في رباها بالأغاني مغنما حيث غصن العيش فيها يانع ... وبجفن الدهر عن ذاك عمى وسميري شادن لو لاح للبد ... ر اعتراه من محاق سقما ظبي أنس صيغ من لطف ولو ... مرّ بالوهم تشكى الألما نقله من قول سيف الدولة وهو قد جرى من دمعه دمه ... فإلى كم أنت تظلمه ردّ عنه الطرف منك فقد ... جرحته منه أسهمه كيف يسطيع التجلد من ... خطرات الوهم تؤلمه عودا ساحر المقلة مهضوم الحشا ... سمهري القدّ معسول اللما ما تثنى في ثنيات اللوى ... مائلاً إلا أرانا العلما ألف الهجر فلو يخطر بي ... طيفه في سنة ما سلما كتب الحسن على وجنته ... بفتيت المسك خطا أعجما معشر اللوّام إن جزت اللوا ... فقفوا واستنطقوا تلك الدمى ثم لوموا إن قدرتم بعدها ... عاشقاً فيها استلذ الألما وقوله عجباً للعذول كيف لحاني ... ورأى الشوق قائداً بعناني وأتاني من عذله بفنون ... في هوى ذلك الغزال الجاني

стр. 1105

يا عذولاً على الصبابة فيه ... كف عذلي عن طرفه الوسنان لا تلمني فقد علقت بظبي ... سرقت قدّه غصون البان هو نشوان من عصارة خدّي ... هـ ولا من عصير بنت الدنان يمزج الدل بالنفار ويفترّ ... دلالاً عن مثل حب الجمان يالها سبحة تراءى لعيني ... درر سلكها من المرجان قد حمى خدّه بآيات موسى ... فنمى السحر فيه في الأجفان بدر تمّ في كل يوم تراه ... في ازدياد والبدر في النقصان رشأ ما بطرفه من سقام ... ما بجسم المضني الكئيب العاني وقوله أيضاً من عذيري في هوى رشا ... طرفه بالسحر مكتحل ينثني كالغصن من هيف ... بقوام زانه الميل شادن يفترّ عن برد ... ناصع في ضمنه عسل تاه عجباً في خمائله ... فهو من خمر الصبا ثمل ذلتي فيه كعزته ... بكلانا يضرب المثل ومن مقطعاته قوله وكأنما جرم الكواكب قد بدت ... للناظرين على غدير الماء شرر يبدّده النسيم بمدّه ... من فوق وجه ملأة زرقاء وله أيضاً لهفي لماضي عيش تقضي ... والعيش فيه حظ وريق أيام في حينه التصابي ... نقل وراحي غصن وريق وله أيضاً كلما رمت سلوة عن هواه ... جاءناه من حسنه مقبول خط لام العذار مع ألف القدّ ... يصدّ إنني فكيف السبيل مثله قول الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي مقبل الوجه كلما صدّ وافى ... زائراً لي فيعقب النحس سعد يفعل الذنب ثم أحنو عليه ... حيث يأتي بشافع لا يردّ والأصل فيه قول بعضهم وإذا المليح أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع وللأمين المحبي ما يقرب من ذلك وهو قوله

стр. 1106

وأريد أن أبدي شكاية هجره ... فيسدّ منه بكأس موعده فمي وللمترجم في معذر قالوا تعذر فأقلع عنه قلت لهم ... كفوا الملام فقد حلى محاسنه فالبدر ليس له نور يضاء به ... إلا إذا ما سواد الليل قارنه أقول وبالمناسبة تذكرت معنى لطيفاً في العذار وهو قول الأمين المحبي من قصيدة له ستراً لجمال خدوده بعوارض ... قتل النفوس بها وأحيا الأعينا والشمس يمنعها اجتلاها أن ترى ... فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا ثم رأيت الأمين أخذه من قول الأرجاني أيراد صونك بالتبرقع ضلة ... وأرى السفور لمثل حسنك أصونا كالشمس يمنعك اجتلاؤك نورها ... فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا وكان المترجم بدمشق في أحد قدوماته إليها وكان ممن يصحبه ويرافقه الشيخ مصطفى العمري الدمشقي المقدم ذكره ففي أحد الأيام وقف في محلة القباقبية بالقرب من دار العمري المذكور هو وإياه فنظر إلى غلام هناك في حانوت يبيع التتن قده مائل وورد خدوده غير ذابل بحسن راق مجتلاه وفاق نور سنا محياه وله خال يجلس معه في الحانوت وأيضاً على خده خال كفتيت المسك صحيفة الياقوت فقال له المترجم هل تبيعني شيئاً من التتن فقال ولا بأس ووضع له شيئاً من ذلك وفت عليه سحيق مسك كان في ورقة وقال له الغلام هذا المسك من خالي وأراد به خاله الذي هو أخو والدته فعند ذلك طرب المترجم من هذه الموافقة والقضية وأنشد ناظماً هذين البيتين من فكرته السنية فجرت فيهما التورية اللطيفة وهما قوله بحبة مسك قد حباني جؤذر ... وأشجى فؤاداً كان عن حبه خالي وقال ألا لا نحسب المسك من دمي ... لكوني غزالاً إنما المسك من خالي وله في وصف جواد سابق وطرف لجيني الاهاب تخاله ... شهاباً إذا ما انقض في موقف الزحف يسابق برق الأفق حتى إذا رنا ... يسابق في مضمار موقع الطرف وللشيخ جمال الدين بن يوسف الصوفي في جواد وأدهم اللون فاق البرق فانتظره ... فغابت الريح حتى غيبت أثره فواضع رجله حيث انهت يده ... وواضع يده أنى رمى بصره ولابن نباتة كذلك وهو قوله لما ترفع عن ندّ يسابقه ... أضحى يسابق في ميدانه نظره

стр. 1107

وقال المعري في وصف الخيل ولما لم يسابقهن شيء ... من الحيوان سابقن الظلالا وقال أيضاً من أبيات وبالغ تكاد سوابق حملته تغني ... عن الأقدار صوناً وابتذالا وللأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي في سابح وسابح أيان وجهته ... رأيته يا صاح طوع اليد ومن معميات المترجم قوله في أحمد قم يا نديمي نصطبح ساعة ... على غدير ماؤه كالنصار فقد أزاح الظبي تاج الطلا ... ودارها صرفاً كما الجلنار وقوله في مليك أيا نسيماً قد سرى موهناً ... رفقاً بصب خلفوه لقا فناظري مذ لاح برق الحمى ... غض وقلبي ذاب مذ أبرقا وقوله في درويش رب روض قد حللنا دوحه ... وتمتعنا اغتباقاً واصطباحا طاف بالورد علينا شادن ... زاد بالقلب غراماً حين لاحا وقوله في مسلم مذ بدا يثني قواماً مائساً ... قلت والعين بماء تذرف بلماك العذب يا غصن النقا ... جد على مضنى براه الأسف وقوله في أغيد بدر تمّ ينثني من ميد ... بقوام مائس يسبي العذارى أقسمت ألحاظه النجل بان ... تخلع السقم على قلبي شعارا وله غير ذلك وكانت وفاته في سنة ثمان وأربعين ومائة وألف بقسطنطينية رحمه الله تعالى مصطفى السفرجلاني ابن محمد بن عمر بن إبراهيم المعروف بالسفرجلاني الحنفي الدمشقي نزيل قسطنطينية وأحد المدرسين بها آية الله في العلوم العقلية ونادرة الدوران وبهجة وجه الزمان كان من أعاظم الأفاضل عالماً مدققاً كثير الفضل جم الفضائل عجيب المطارحة صاحب نكت ولطائف له الراحة العليا في تحقيق العبارات مع الأدب والحذق والذكاء التام ولد بدمشق وبها نشا وقرأ على أشياخ عصره وبرع وتنبل وأشرق بدره المنير وبزغت شمس معارفه

стр. 1108

وعوارفه وكان مفرط الذكاء والفطنة له جسارة في التكلم والمصادرة مع مهارة في اللغة الفارسية والتركية وناهيك بالعربية غير أن علمه كان أكثر من ديانته والسوداء تمكنت منه لأجل ذلك تظهر في تكلماته ظواهر وخوافيه وارتحل إلى دار الخلافة في الروم قسطنطينية وتصدى للامتحان عند شيخ الاسلام إذ ذاك مفتي الدولة المولى السيد مصطفى ولازمه على قاعدة المدرسين والموالي الرومية وتنقل بالمدارس على طريقتهم ودرس في مدرسة والد المذكور شيخ الاسلام المولى السيد فيض الله الشهيد وأقرأ في جامع السلطان محمد وفي غيره ولزمه الطلاب واشتهر فضله بين أبناء الروم وأخبرت أنه كان يحضر درسه ويجتمع فيه ما ينوف عن المائتين من الرجال وعظم قدره لدى صدور الدولة وعلمائها وكانوا يبجلونه وله عندهم مزيد الرفعة لتحقيقه وتدقيقه وفضله الذي على مثله الخناصر تعقد وكان مع ذلك يذمهم ويتكلم في حقهم ولا يهاب كبيرهم ولا صغيرهم وعلمه ساتر منه كل عيب وتكرر عوده إلى دمشق في أثناء إقامته هناك وآخراً توفي في تلك الديار وحين توفي كان منفصلاً عن رتبة الالتمشلي المتعارفة بينهم وكان ﵀ إذا تكلم أسكت وإذا حاور بكت لم يزل يبدي إلى منزع تعريض واستطالة في طويل وعريض وكان يأكل البرش ويبتلى به في سائر أوقاته ولما كانت العادة في دار السلطنة قسطنطينية في شهر رمضان يدخلون في كل يوم من المدرسين العلماء جملة أنفار لأجل الاقراء في حضرة السلطان للسرايا السلطانية كان المترجم من مشاهير أفاضل المدرسين فأدخل مع البقية فلما كانوا في حضرة السلطان مصطفى خان قرر المترجم وأبدى الافادة ثم تخلص من ذلك وشكا حال أخيه عبد الكريم السفرجلاني وكان في ذلك الوقت محبوساً في دار السلطنة غب قتل والي دمشق وأمير الحاج الوزير أسعد باشا المعظم ونسب في ذلك لبعض أشياء هو خال عنها وتكلم المترجم بالرجاء بإخراج أخيه واستخلاصه من هذه المادة ولم يصدعه في الحضرة السلطانية مرد ولا تخوف وكان له رسائل مفيدة في المنطق والفلسفة والكلام والحكمة وغير ذلك اطلعت على بعضها بخطه وله تحريرات وأشعار وشعره مقبول ونثره حسن ومن شعره ما مدح به المولى خليل الصديقي الدمشقي حين ولي قضاء دمشق وهو قوله إذا بدت الخيام بدار سعدى ... ولاح البدر في أفق التمام وشمت البرق يلمع من ثغور ... كغمز عيون سكان الخيام وفاح عبير ساحتها فبلغ ... سلاماً من متيم مستهام فإن سألت فعرّض بي إليها ... فإن غضبت فأعرض عن مرامي وغالط إن فهمت فنون سحر ... لتصرف وهمها عن إتهام هذا منتحل من قول الوأواء الدمشقي

стр. 1109

بالله بكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه وعرّضا بي وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه فإن تبسم قولا في ملاطفة ... ما ضرّ لو بوصال منك تسعفه وإن بدا لكما في وجهه غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه وقد أنشدني قاضي دمشق المولى العالم الفاضل الماهر السيد محمد طاهر الرومي في المعنى للملك الأشرف وهو من الدوبيت باللطف إذا لقيت من أهواه ... ذكره بما لقيت من بلواه إن أحرده الحديث غالطه به ... أو رق فقل عبدك لا تنساه عودا لاتمام القصيدة المقدمة وتلك فنون سحر بليغ مدح ... لأوحد عصره الفرد الهمام به سعدت دمشق الشام لما ... تولى قاضياً شرع التهامي له فصل الخطاب بسيف عدل ... له فضل له فصل الخصام وحاز المجد بالجدّين فضلا ... هما أفقا الخلافة بانتظام فمطلع شمسها الصدّيق جدّ ... لمغرب بدرها الحسن التمام وحسن الابتد الصدّيق فيها ... كما الحسن التقي حسن الختام سموم للعدا حسا ومعنى ... بنو الصدّيق والحسن الامام لحوم السم في العلماء أضحت ... لآكلها القواتل كالسهام فواعجبا وللأعداء حسن ... فكيف صلوا لكم نار اضطرام كأنّ الله أعدمهم خيالاً ... فكانوا كالفراش لدى الضرام ومن حسد وفرط الغيظ سكرى ... سقوا كأس المنية لا المدام لقد نفذت حكم الشرع فينا ... وبينت الحلال من الحرام كأنّ الله لم يخلقك إلا ... لعلم أو لحلم أو نظام فإنك ماجد أصلاً وفرعاً ... من العلماء أبناء الكرام وغيرك من سما لكن به قد ... سما يسمو سموّا فهو سامي طريق قد حماه العلم ممن ... غدا وغدا لئيماً من طغام سما وحماه من أولاد حام ... أمثل العلم من سام وحام طريق عز مطلبه ولكن ... على غير الخواص من الأنام سيبلغ غاية الإحسان فيه ... وما الإحسان إلا بالتمام

стр. 1110

وللمترجم أيضاً تجنب أن قلاك أخا سفيهاً ... تجنبك العتيق من النعال ومن ذكر له طهر لساناً ... وصورته امح من فكر الخيال وله أيضاً يا نعمة قد أصبحت نقمة ... مذ نالها الكلب على خسته يظن إن الناس حساده ... من يحسد الكلب على نعمته ومن نثره الفائق قوله ملغزاً وكتب به إلى بعض الأفاضل يا صور الكمال ويا غرر الجمال ويا طوالع الاقبال ويا أصحاب مقال أصفى من الزلال وأحلى من السلسال وأبهى من اللآل وأمضى من النصال وأسرى من الخيال ما قولكم فيما فيه يقال إن مشى فهو بشر وإن شئت قلت فهو بشار وإن طال فهي حية تسعى وإن قصر فهو عقرب تلسع وإن رضع بكى وإن فطم قعد عن البكا وله أحوال وأطوار منها إنه رفيع مقام من العيان الأعلام إن مد مدده فالبحر المحيط من رشحاته وأن أطال يده فالكوكب الدري من ملتقطاته ومن كان في خدمته وقام في رسم خدمته فاز بالقدح المعلي وحاز قصب السبق في مضمار العلي وله كلام درى النظام مطابق للمقام وهو كن في المعالي إذا خيرت رفعتنا ... كالرمح يصعد أنبوباً فأنبوبا وله غرة كوجه القمر وطلعة كعين اليقين وجبهة كواسطة العقد وبلغ فيما بلغ حتى بلغ غاية الكرم وأقصى الهمم ونهاية العظم وقصارى الشيم فمن قائل إنه أبو المسك كافور وأخوه سيف الدولة ومن مدعي إنه من بني العباس وأخوه السفاح ومن معتقد أنه ذو القرنين خاض الظلمات وشرب ماء الحيات وبنى السد الذي لو أبصرته لرأيت سداً من حديد سائر فوق الفرات مع إنه عبد رق ما رق يوماً لعتق يسعى لخدمة مولى بذل طاعته ... سعياً على الرأس لا سعياً على القدم ومن أحواله أنه بليغ انشاء إن مد أطناب الأطناب رد المسن إلى اقتبال الشباب وهو للصاحب صاحب وللعماد عماد وله الصابي صابي ولقد أصاب مع إنه مغري بضعف التأليف والتعقيد وممنو بسقطات ما عليها من مزيد إن سكت ألفاً نطق خلفاً وإن أعطى مقولاً حرم معقولاً فهو كصرير باب أو طنين ذباب ومن أحواله إنه صرفي يحول الأصل الواحد إلى أمثال مختلفة لمعان مقصودة لا تحصل إلا بها ويرى إن الأجوف الناقص غير معتل وإنه بصري إن أعرب فمضارع الماضي المشتمل على حرف جازم المجزوم بحذف آخره لديه ليس بفعل ومن أحواله أنه متكلم يسند المعتز لي أعماله خلقاً إلى الباري المصور ويضاهي قلب المؤمن لكنه كافر أن قيل إن هذه الآثار فانية مع بقاء المؤثر الفاعل

стр. 1111

شخوص وأشباح تمرّ وتنقضي ... الكل يفنى والمحرّك باقي فعنده قول هذا القائل كلمة حق أريد بها باطل ومن أحواله إنه فارس ميدان يثير النقع في أرض بارق ويذكر مجر العوالي ومجرى السوابق إذا أبصرت عامله أبصرت عامله أو أفعاله فأفعى له أو أقواله فأقوى له أو أعماله فليس أهلاً أعمى له لكنه يقول إلى حتفي سعى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي ومن أحواله إنه خليع عذار خد مشى فيه الدجى فتحير وبالغ في لثم كافور الترائب حتى لاح فيه وفاح العنبر ونشر مسك الليل على كافور الصباح وستر وجوه هاتيك الملاح مع إنه خصى ألوط من دب وفي بياض النهار يدب يكمل بالنقصان ويغبر في وجوه الحسان ويخسف الأقمار ويولج الليل في النهار ومن أحواله إنه رفيق رقيق طبع يسير في روضة يطلب للضيق منها مخرجاً لترقرق مائها الصافي تحت ظلها الضافي كطرة صبح تحت أذيال الدجى يتكسر النهر فيها على صفحات الحدائق ونثر لازوردي البنفسج على لجين الماء الرائق وفيها يقول لم لا أهيم إلى الرياض وحسنها ... وأقيم منها تحت ظل ضافي والزهر يلقاني بثغر باسم ... والماء يلقاني بقلب صافي مع إنه غريب قد أخذت منه الغربة بنصيب حتى غدا أخا جوع وليس بصائم وعرياناً وليس بمحرم بحال أرق من الشكوى وأوجى من النوى وليس له من كثرة الترداد ملل لقوله أنا الغريق فما خوفي من البلل وقد كان هجر العراق وله إلى الشرق اشتياق هجر العراق تطرباً وتغرباً ... كيما يفوز من العلا بقرابه والسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه وما ذاك إلا لتتلقاه الملوك بأيدي القبول وهذا غاية الفوز ونهاية الوصول فكتب إليه الجواب بقوله ن والقلم وما يسطرون ما هاروت ونفثه وبحثه عما يفرق به وحثه يلعب بالعقول من البيان وبيانه للعيان فإنه صعب المركب ممنع المفرد والمركب ودون افتراع بكره وصدق سن بكره تخيلات وعرة المسلك شامخة العرنين عن أن تسلك بل دون مناله خرط القتاد وتفتت أكباد وتقطع أكتاد إلا لمن ذلل الله له جوامح أزمته وأودعه سجية برمته وأوسعه ما يعجز ومنحه ما يطنب به ويوجز فتعلق شأوه بمناط الأثير بمحسنات البديع من النظيم والنثير وقد وجم عن ادراكه كثير من الفحول وجم عن منهج الفضل لا يحول ولله در من مد إليه باعه فاقتاده ونقد سوانحه بفكرته الوقادة واقتطف من باكورة الفصاحة نضيرها واهتصر من البلاغة غضيرها من إذا شبب أطرب وإذا

стр. 1112

أعرب أغرب وإذا تكلم أصمى الأغراض وأظهر بون ما بين الجواهر والأعراض وإذا أجاب حير وإذا استرسل على أي حال لم يتغير فهو نسيج وحده في حله وعقده فلقد شنف سمعي وقرط وأودع ما يروق وما فرط فأقبلت عليه بكلي لا ببعضي وتصديت إليه بابرامي ونقضي فيالك فاضلاً تقف الآراء عند تخيلاته وتتحير العقول بكنه استعمالاته وإليك ألقي بالمقاليد في طارف الكمال والتليد وأنا أقسم بمن أودعك ما أودعك ومنحك ما حلى به طرفك ومسمعك لأنت النابغة بل النادرة والنكتة التي للافهام متبادرة فأعيذ مرأى ذاتك وأحمى بديع صفاتك ما هذه القلائد المنتثرة والفوائد المنتشرة التي أتيت بها بالعجاب وأبرزتها للعيان من دون حجاب وأفرغتها في قالب الاختراع وافترعت بها هضاب البلاغة أي افتراع وضمنتها نكات هي عن سواك بمعزل وأنزلتها في القلوب أرفع منزل وأفحمت وأوجزت وأفعمت وأنجزت ورتجت المغفل وفتحت المقفل وتحاميت التعقيد والغرابة وتحاشيت التنافر واغرابه وجئتنا سائلاً وأوردت بحر الأدب سائلاً عن شيء يضع ويرفع ويضر وينفع ويجري على وفق الارادة من سعادة إلى شقاوة ومن شقاوة إلى سعادة فلا شك إنه اطلع على اللوح المحفوظ وعلم كل معنى ملفوظ وشارك باريه بالتصوير وأعانه على توقيع التدبير حجبه ظاهرة البرهان تراه كل حين هو في شأن فإذا التجئ إليه والتفت الأنامل عليه ابتدر بالحس لما في الخاطر مبيناً وأراك ما حصل في المخيلة يقيناً له صوت يسمع ولا يفهم كأنه أبكم ولسانه إذا جز تكلم وأتى بالكلام المحكم وأعرب وأعجم يجري مع كل عدو وحميم ويجاري كل كريم ولئيم وإذا وشى ترك العقول حيارى وترى الناس من أجله سكارى وما هم بسكارى إذا قام في مقام الافتخار وشق من ذلك الميدان الغبار قال وضح النهار لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبجدّي علوت لا بجدودي وإذا انساب في مهمات الأمور أظهر ما تكنه النفوس وما تخفيه الصدور فيا طالما خاض الظلم وظلم وظلم وعجيب أن تعبه في الراحة منوط وأمره دائر بين المهمل والمنقوط يأخذ من كل من قصده باليمين إن كان يصدق أو يمين له تقلب الأحوال في الأدبار والأقبال مع إنه فارغ من الأشغال لا يقر في أطواره على حال كريم شحيح سقيم صحيح أشغل من ذات النحيين وأفضى من حجام ساباط دعى في النسب لا يعرف له أم ولا أب يستأثر بنقل الأخبار إذا نأت الديار من الديار ينكس الأعلام وله اليد الطولى في النقض والابرام أغاليطه كثيرة وسقطاته شهيرة لم يزل في نحيب ودمعه في صبيب حتى إذا بلغ الغرض جف وأعرض وقال بلغ السيل الربى والشوط الأنتها

стр. 1113

فنهجه قويم إلا أن مشيه غير مستقيم يخطر مثل السرطان إن شاء ألف بين الأنس والجان عارف بأنواع المدح والهجاء وبمواقع معارك الهيجاء علي المقدار حديد شبا المنقار يجمع بين الضدين بل بين الأمرين المختلفين تطيعه كل ملة ويفرق بين المعلول والعلة فأما الملة اليهودية فهو حبرها في تفصيل قضاياها والمرجع إليه في نسخ أحكامها ومزاياها وأما المسيحية فله فيها الباع الطويل وهو المعين على ما فيها من التغيير والتبديل وأما المحمدية فعنها يترجم وعلى مواردها يدل ويعلم ضئيل الجسم عالي النفس يروى حديث العشق عن أنس يحصى حسنات الأنام ومساويهم ويحتاج إلى عبيدهم ومواليهم تراه قيماً غير ذي عوج مستكناً غير ذي هوج يعلم الناس السحر ويظهر عجائبه في البر والبحر ليس له حاسة بصيرة ولا ذوقية ولا سمعية أوله مثل آخره وآخره مثل أوله تتهاداه الركبان من مكان إلى مكان يطأ النواعم وهو على رأسه قائم يحفظ من النسيان ويخبر عما يكون وكان إن قلم ظفره انشبه وإذا انتسب أو صل إلى أول الخلق نسبه يضرب أسداساً بأخماس وأخماساً بأسداس فيجعل الثلاثة مئيناً والمئين آلافاً بل يضاعفها إلى ما فوق ذلك أضعافاً اجرأ من ليث مع إن الشعرة لا تدعه يذهب إلى حيث خدم وخدم حتى صار أشهر من نار على علم يجمع بين المشرقين في خطوة وله في قيد كل شبر كبوة ومن العجب إنه ينطق بالضاد على بكمه ويمد المدود بفمه فإذا ذوى عوده وافت سعوده وإذا عب أتى بما أحب وإذا خاض للبحر لجه أقام أقوى دليل وأقوم حجه فيجعل الحديث الضعيف مسلسلاً والمطلق مقيداً والعجز صدراً والكامل شطراً والمفهوم محسوساً والرئيس مرؤساً وله أطوار منها اللبيب يحار منها ما عنه اشتهر في البدو والحضر أنه يدع الصافي ويكرع الكدر ومنها إن له النهى والأمر مع أنه لم يزل في قبضة الأسر والقهر ومنها إنه كسيح إلا أنه يسعى سعي الصحيح ومنها إنه شديد البطش آثاره في الأرض ولدى العرش على أنه شخن لفلسفة لا يحتمل على رأسه دقة ورب امرئ تزدريه العيون ... ويأتيك بالأمر من فصه ومنها إنه رفيع المقام إلا أنه مبتذل بين الخاص والعام ومنها إنه مؤنث مذكر إذا المرء في حاله تفكر ومنها إنه يريض نفسه في مرضاة الكبير والصغير وتحامى مسه البشير النذير ومنها إنه زاهد في ذوات الذوائب راغب في الفحول الأجانب ومنها إنه إذا شق العصا أطاع ربه وما عصى قروي الربع مدني الطبع يألف مجاني الربا في ابان شبابه حتى يرى أكلها متشابهاً وغير متشابه فإذا غنى العندليب وصفق النهر يرقص في الحلل النضرة لدى الزهر فهو في كل معنى يهيم ولا شك إنه من أصحاب الرقيم أخذ

стр. 1114

النقشبندية عن الأساتذة وأتقن أحكام الأحكام عن الجهابذة فإذا تخيل الرسوم بكى ولا يجديه كثرة البكا حركته قسرية أما مسلسلة وأما دورية كشاف الحقائق منقح الدقائق يضرب يميناً وشمالاً فيحرم حراماً ويحل حلالاً حتى إذا بلغ نهاية خط الأستوا قال فألقت عصاها واستقر بها النوى فهو قائم على كل نفس بما كسبت إن سكنت أو اضطربت يختبط الظلماء حتى إذا نقع الظما اضطر إلى الماء فإذا نسبوه لمذهب الأشعري وجم وصد عن التحديث وألجم ثم اعتزى إلى المشائين وطوراً إلى الرياضيين وأخرى للصوريين يثبت المنزلة بين المنزلتين ويقول بالرؤيا بالعين وهو للتناسخ سبب ولا عجب ويقر بالتجسيم ويذهب إلى زخرف الحكيم ويقول العالم قديم مع إنه ينطق بحدوث الصفات وإعادة الرسوم الدراسات وينتسب إلى النظامية إذ يقولون إن الأعراض جسوم وهو يعتقد إنها أشياء في حالها تقوم فآثاره في الطور وعليها الفلك يدور له خادمان لا يخلو منهما انسان جامد واجب الاشتقاق صعب مر المذاق خبير بطي الدفاتر على رأسه تدور الدوائر يحل الرموز ويستخرج ما في الكنوز وهو ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ويشار إليه بالبنان في تواضعه إذا نقص اكتمل وإذا جير عليه اعتدل وإذا تكلم جمع بين الأروى والنعام أو سكت احترم المشعر الحرام ماهر بالتحرير جدلي بالتقرير لم يزل الحديد قائماً على رأسه حتى يقده إلى أضراسه فينشط من عقده وقد أثر الحديد في جسده يطرف في المنادمة ويبيح بالمنى دمه رشحاتها تتلقاها الصدور وتقيدها في رق منشور يتصفح من الأوراق بطونها ويملي عن قلبه شروحها ومتونها ومعربها وملحونها فإذا اخترع أبدع وإن هز عامله رصع ووشع وإذا أخذ في التحديث فمن البحر اغترافه وحازت قصب السبق أوصافه فهو طبيب مغرم بالتركيب إلا أنه تارة يخطي وطوراً يصيب فإذا رفعته الأيدي حملته ما لا يطيق وإن وضعته زجته في مسالك الضيق كله سواء في الخلقة مفرد الرقة تتفجر من قلبه ينابيع الحكمة فيعرف من أراده حده ورسمه إن شاء أسهب وأطنب وإن شاء اقتصر واختصر يمشي على استحياء ميت بين الأحياء فإذا أنشأ أحكم الانشاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فعلم الحرف يؤخذ منه والتصرف فيه يروى عنه وعلم الكاف ألقى إليه بالمقاليد وصيره من جملة العبيد فإذا بالسواد تعمم وأخذ يتكلم نسج حبراً وجرى في كل فن بما جرى ورد المشيب شباباً وخلد المحاسن أحقاباً وجاد بكف سائل لا تنقطع منه الرسائل فلو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله وله في كل مقام مقال وفي كل مقال مقام لم يدع فكرة إلا نقدها أو انتقدها

стр. 1115

أو اعتقدها وربما طلب منه المراد فعثر ويقل ذلك منه بل يكثر يزين الصفحات الغرر كما تزين الجباه بالطرر والعيون بالحور والخدود بالعذار الأخضر وله عين صادية وريقة مسكية وذابل عامل وعامل ذابل تلقاه إن بان عذاره بدت أعذاره يحجل بالأدهم فيريك انسلال الأرقم فإذا استقبل مهب الهوى أقلع عما إليه هوى وإذا ضرب على قرنه ومات أحيا العظام الرفات يتولى تقاليد الملوك مع إنه فقير صعلوك ويطبع الأشكال على منوال وغير منوال لم يزل من تكليم موسى على وجل ومن القاء الواحد في خجل وله المنشآت المشحونة بالبدائع التي ذكرها شائع ذائع فلو أقسم أنه من القرآن لما حنث في الايمان فإذا اشتد القر وتجهم وجه العبد والحر وأنشد أصبح البرد شديداً فاعلمي ... بات زيد ساهراً لم ينم يحامي عن اللمس أو أن يشار إليه بالأنامل الخمس مع سلبه الاختيار ما دام الفلك الدوار فطالما قال وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى أما واسطار سطرن سطراً أنف في الماء واست في السماء إذا تذكرته أقبل عليك وقبل بالخضوع راحتيك وإذا أغضيت عنه قلاك ونسى ما هناك وادعى العجز عن النهوض عن القيام بالسنن والفروض يقبل الرشوى وليس هو من أمة الدعوى إذا سرى دب دبيب الكرى ربته الأيدي حتى مهر وأتى بما به فأصمت به مواقع أغراضها وذبت بشباته عن أعراضها فإذا ارتفع انتصب وإذا انتصب ارتفع وإذا طال وصف القلم والله بذلك أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وللمترجم في الهجو يا ابن الذي في قعره علل ... وأمه للأنام تفتعل وفيك حقاً ليضرب المثل ... أبوك ثوم وأمك البصل وكان أحد بحار دمشق ويعرف بابن شحاده وعد المترجم بشيء من العود ثم ماطله به فأرسل للمترجم بعض أصحابه شيئاً من العود وكان اسم المرسل سعيداً فنظم هذين البيتين مبكتاً على ابن شحاده وهما قوله وعود قد وعدنا فيه ممن ... يخالف وعده والخلف عاده فعوّضنا بعود من سعيد ... غنينا فيه عن عود الشحاده وله غير ذلك أشياء كثيرة وكانت وفاته بقسطنطينية في صفر سنة تسع وسبعين ومائة وألف وأكبر أولاده محمد جاد الله كان بدمشق أحد المدرسين بها وكان ذا عفة وحياء وسكون وخصاله التي كان منطوياً عليها لم تكن في أبيه وتوفي بدمشق في سنة احدى وتسعين ومائة وألف ومن الاتفاق إن والده ولد بدمشق وتوفي بقسطنطينية وهو ولد بقسطنطينية وتوفي

стр. 1116

بدمشق رحمهما الله تعالى. مصطفى بن سوار ابن مصطفى المعروف بابن سوار الشافعي الدمشقي شيخ المحيا النبوي بدمشق الشيخ الامام العالم الفقيه القدوة المعتقد الصالح الناجح تقدم ذكر ولده سليمان وقريبه أحمد وكان المترجم أحد العلماء الأخيار ولد في سنة اثنتين وسبعين وألف وقرأ العلم على جماعة من الشيوخ منهم السيد حسن المنير والشيخ أبو المواهب الحنبلي والشيخ نجم الدين الفرضي والشيخ إبراهيم الفتال والشيخ عبد الكريم الغزي الدمشقي أخذ عنه الفقه ولازم دروسه بالمدرسة الشامية البرانية وبرع في الفقه والعلوم وكان ملازماً على خدمة المحيا كعادة أسلافه ليلة الأثنين وليلة الجمعة بمشهد الجامع الأموي وليلة الجمعة بجامع البزوري وولي تدريس مدرسة الوزير إسمعيل باشا العظم التي أنشأها بسوق الخياطين بالقرب من المحكمة وكان ديناً صيناً خيراً وللناس فيه محبة عظيمة واعتقاد وافر لما كان منطوياً عليه من خصال الخير وكف اللسان عن اللغو والغيبة ومحبة الفقراء وسعة الصدر والايثار والزهد وكرم الأخلاق ولطف الشمائل وسلامة الطاعات من الرياء ولم يزل على حالته الحسنة وطريقته المثلى إلى أن توفي وكانت وفاته في شوال سنة أربع وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة سلفه قبر عاتكة رحمه الله تعالى. مصطفى العلمي ابن محمد بن أحمد المعروف بالعلمي والصلاحي الحنفي القدسي خطيب المسجد الأقصى وامام الصخرة المشرفة بالقدس الشيخ الفاضل الفقيه كان جميل الصورة حسن الصوت قرأ القرآن وقرأ الفقه على والده وعلى الشيخ محمد السروري والشيخ محمد المغربي في عدة متون وسافر المترجم بإذن والده إلى مصر ومكث هو وأخوه بالأزهر وأخذ الفقه وغيره على المشايخ ولازم دروس الأجلاء الفحول ولما جاءه خبر والده بموته جاء هو وأخوه إلى القدس ودرس بها في الأقصى واستقام إلى أن مات ولما كان بمصر استقام سنوات وكان يحضر دروس الاسقاطي الشيخ مصطفى وهو يؤثره على سائر تلامذته ثم اصطحب مع الشيخ أحمد السفط أحد تلامذة المذكور واختص به وتزوج بأخته وكانت وفاته بالقدس في سنة احدى وسبعين ومائة وألف ودفن بمقبرة مأمن الله عن يمين البركة هناك وكان أخوه توفي قبله بمدة سنين قليلة رحمهما الله تعالى. مصطفى الموستاري ابن يوسف بن مراد الحنفي الموستاري الرومي الشيخ العالم الفاضل النحرير له من التآليف

стр. 1117

حاشية على المرآة في الأصول لمنلا خسر وتوفي سنة عشرة ومائة وألف رحمهما الله تعالى. مصطفى أريب ابن علي بن محمد المتخلص بأريب الحنفي الحلبي الأصل الاسلامبولي المولد الرومي أحد الموالي الرومية أرباب المعارف السنية والده من حلب وارتحل للروم وأقام بدار الخلافة وكان من أقارب قاضي عسكر يحيى أفندي بن صالح الحلبي رئيس الأطباء في دولة السلطان محمد خان وسلك طريق القضاة وولد له المترجم سنة تسعين وألف ولازم على قاعدتهم بالتدريس من شيخ الاسلام السيد علي أفندي البشمقجي وتنقل بالمدارس إلى السليمانية فمنها أعطى قضاء الغلطة أحد البلاد الثمانية وبعدها أعطى قضاء دمشق أحد البلاد الأربعة فوليها سنة ست وخمسين ومائة وألف وكانت سيرته حسنة وفي أيامه توفي كافل دمشق الوزير سليمن باشا العظمى وكان أديباً عالماً جسوراً مقداماً في الأمور ثم ولي قضاء المدينة المنورة سنة احدى وستين وتوفي قاضياً بها في محرم سنة اثنتين وستين ومائة وألف ودفن بالبقيع رحمه الله تعالى. مصطفى الشرواني ابن يوسف بن إبراهيم الزهري الشرواني المدني الحنفي الفاضل الكامل العالم البارع الأوحد المفنن ولد بالمدينة المنورة سنة ثمان وثمانين وألف ونشأ بها وأخذ في طلب العلم وقرأ على والده الجمال يوسف وعلى عمه علي أفندي وتعلم عليه اللسان الفارسي وأخذ عن الجمال عبد الله بن سالم البصري المكي الحديث وغيره وأخذ عن غيرهما ونبل وفضل وصارت له مشاركة في العلوم ودرس في المسجد النبوي وتولى مدرسة محمد أغا القزلار شيخ الحرم ودرس بها وانتفعت به الأفاضل وتولى نيابة القضاء وسلك بها أحسن مسلك وتولى مشيخة الخطباء والأئمة بالحرم الشريف النبوي وكان محمود السيرة سالم السريرة ميمون الحركات والسكنات ثم إنه أراد التوجه للروم من الطريق المصري فتوفي بمصر في سنة أربع وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى وإيانا. مصطفى كيلاني ابن يوسف بن عبد اللطيف بن حسين بن مسلم مير ابن فتح الله بن محمد الخوجكي الكيلاني الشافعي الخلوتي الحلبي الشيخ المعمر الخير المسلك الصالح ولد في حلب في حدود سنة خمس وأربعين وألف ورحل مع والده صغير السن إلى دمشق وقدم إليها وأخذ طريق الخلوتية عن الأستاذ الكبير الشيخ أيوب الخلوتي الدمشقي ثم توجه إلى بيت المقدس والحج وجاور

стр. 1118

بمكة وعاد لمصر واستقام في هذه السياحة مع والده تسع سنين ولقى الأفاضل والعارفين وأخذ عنهم وشملته بركاتهم كالأستاذ الشيخ محمد بن محمد البخشي الحلبي وغيره ثم قدم حلب واجتمع بالولي المشهور الشيخ أبي بكر الخريزاتي صاحب المزار المشهور بمحلة ساحة بزة وقريباً من عرصة الفراني وقرأ القرآن على العارف الشيخ إسمعيل دره وقرأ بعض المقدمات الفقهية والعربية على أفاضل بلدته واستقام في زاويتهم المعروفة بزاوية النسيمي للارشاد وتلاوة الأوراد والاشتغال بالخلوة والتسليك ورحل إلى الروم وبغداد وإيران والهند وزار سيدنا آدم ﵇ وله سياحة طويلة عجيبة ذكرها في بهجته وتزوج باثنتين وعشرين زوجة ببلدته وسياحته ورزق عدة بنين ماتوا في حياته ما عدا ذكرين وبنتاً واحدة أحد الولدين السيد محمد أبو الوفا توفي بعده والده بعشر سنين والثاني خليفته الكامل الشيخ السيد محمد أبو الصفا خلفه ليلة وفاته وكانت وفاة المترجم محموماً في يوم الخميس السابع والعشرين من رجب سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف عن مائة وثمان سنين ولم ينقطع عن الزاوية المذكورة إلا ليلة وفاته رحمه الله تعالى آمين. مصطفى المعروف بنعيما الحنفي الحلبي نزيل قسطنطينية وأحد خواجكان ديوان السلطان الأديب العارف المنشئ الكاتب المؤرخ الشاعر الشهير ارتحل لدار الخلافة والملك في الروم قسطنطينية العظمى وصار من تربدارية سراية السلطان ثم بعد ذلك انتسب إلى الوزير أحمد باشا القلائلي وخدمه وصار عنده كاتب ديوانه وفي سنة عشرة ومائة وألف في جمادي الأولى تولى الوزير المذكور الصدارة الكبرى فوجه على المترجم محاسبة أناطولي وفي سنة إحدى وعشرين صار تشريفتحي الدولة العثمانية ورؤي لائقاً للخدمة المرقومة وصار كاتباً لوقائع الدول المعبر عنه بينهم بوقعه نويس وفي سنة خمس وعشرين في رجبها صار دفتر أميني الدولة وهذا المنصب من المناصب المعلومة بين خواجه كان الدولة وفي سنة ست وعشرين أعطى منصب باش محاسبه ثم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين لما ذهبت العساكر الاسلامية من طرف الدولة العثمانية بعد الفتح والظفر في أواخرها صار المترجم عند رئيس العسكر دفتر أميني أيضاً ومن آثاره تبييض تاريخ ابن شارح المنار وذيل عليه أيضاً بمقدار وهو الآن مشهور بتاريخ نعيما وكان له بالتركية شعر جيد يعرفه أولوا الفهم بذلك اللسان ولم أر له في العربية شيئاً وكانت وفاته خلال سنة ثمان وعشرين ومائة وألف في قلعة باليه بادره رحمه الله تعالى رحمة واسعة ورحم من مات من المسلمين أجمعين آمين.

стр. 1119

مصطفى الشيباني الصالحي الدمشقي أحد المجاذيب الغارقين في التجليات الالهية ومسطع لوامع البركات الربانية وترجمه الأستاذ الصديقي وقال التغالبة فخذ من بني شيبة والسعدية فمن بني شيبة سدنة باب الكعبة وقد انقسموا إلى سبعة أفخاذ ولكل من بني تغلب والسعدية كرامات للسلف بقية للخلف فبنى تغلب لهم الدوسة وهي المشي بالدواب على ظهور الناس من غير ارتياب أخبرني الشيخ تقي الدين طلب بعض الولاة رؤية رسول الله ﷺ تلك الليلة ولجده الكبير الشيباني أقول ومراده المترجم قال الصديقي وقول رسول الله ﷺ له لا تخف ولقد عاينت ذلك منه لما امتحنه سليمن باشا والي الشام وكنت في جملة المتفرجين على هذا الاكرام وانفتاح الأقفال له لما أغلقوا في وجهه الباب وحصل للناس وصحبته الشيخ عبد الرحمن الجقمقي وامتدوا على وجوههما ومشيا في تلك البقعة وقال الشيخ مصطفى هذا الامتحان لي ورجع ولبنى سعد الدين ذلك ولهم رد الالوق ودر الحليب المعوق حتى إن المرأة التي انقطع حليبها أو قل متى أمر أحدهم يده فوق الثياب على صدرها يعود الحليب بانسكاب وكان الشيخ عبد القادر التغلبي يقصد لاشتهاره بهذا الأمر المعلوم ولما أتيت من البيت المقدس في الخطرة الأولى جاءني الشيخ مصطفى مسلماً علي مع بعض خلان وكان الشيخ أحمد بن كسبة الحلبي فتح بابه للوراد بعد إغلاقه فسرت لزيارته وصحبت الشيخ مصطفى لأعدمن ارفاقه وقد ترجمت المذكور في السيوف الحداد في أعناق أهل الزندق والالحاد وأخبرني الشيخ مصطفى بن عمر أن الشيخ أحمد أخبره قال جاءني ابن تغلب مع جماعة وبقي بعد ذهابهم وهكذا كان فقال لي كلمة أنا مطروب بها إلى الآن وهي قوله بعدما كشف لي عن بطنه انظر إلى بطني فرأيت بطنه كبيراً يشير إلى الاتساع وعدم القلق وتحمل الخلق قال وقلت له الناس يقولون عنك أنك شعال في مكة لما يرون على ثيابك من الأدهان وما علموا أنك شعال قناديل عرش الرحمن والذي تأخذه من أوساخهم الدنيوية تضعه في تلك القناديل العرشية لترقى هممهم إلى هاتيك المراتب السنية وهم يظنون أنك تأخذها على غير هذه الكيفية وما معنى هذا الكلام قال فدمعت عيناه وطلب مني وأنا جالس عند مرقد سيدي يحيى الحصور ﵇ مصرية فقلت له إن الناس يزعمون أنك تكاشف وإذا كنت كذلك فلم تطلب منير مصرية وأنت تعلم مني أني غير حامل لها فذهب ولم يعاودني وكان يراني أحياناً على البعد فينادي سيد سيد فأقف له فلما يحققني يقول روح ما هو أنت ويتركني وكنت نذرت لأصحاب النوبة سبع مصريات ونسيتها فوقف علي وطلب مني مصرية وكان في ذلك

стр. 1120

الوقت عندي فدفعتها له وطلب أخرى فدفعتها له فلما أخذ السبعة انصرف ولم أفق إلا بعد ذهابه إنه أخذ النذر وأخبرني بعض الناس عنه أنه اجتمع به في بستان قال فرأيت الزرع منه ما هو مترعرع حسن ومنه ما هو غير ذلك فصرت أقول هذا أحسن من هذا فقال كله مليح لأنه فعله فأيقظني ونبهني وكان حلو الكلام وهكذا المجاذيب الكرام ولهذا الشيخ مصطفى كرامات مثبتة عند عامة أهل الشام وخاصتم ﵁ انتهى ما قاله الصديقي ملخصاً وكانت وفاة المترجم يوم الخميس عاشر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف ودفن بسفح قاسيون بصالحية دمشق وقبره معروف رحمه الله تعالى وحضر جنازته خلق كثيرون وما دفن إلا قبل الغروب للازدحام انتهى موسى المحاسني ابن أسعد بن يحيى بن أبي الصفا بن أحمد المعروف كأسلافه بالمحاسني الحنفي الدمشقي أحد الشيوخ الأعلام الذين ازدهت بهم دمشق الشام كان عالماً محققاً غواصاً متضلعاً فاضلاً علامة فقيهاً له في العلوم والفنون اطلاع تام سيما الفقه والمعاني والبيان والأدب إماماً هماماً مورداً سنداً عارفاً بارعاً أديباً على قدم محمدي في الصلاح ملازماً للتقوى والاقراء والافادة ولد بدمشق وبها نشأ واشتغل بالقراءة والأخذ عن الشيوخ فقرأ على الشيخ أبي المواهب الحنبلي والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي والشيخ عبد الرحيم الكابلي الهندي نزيل دمشق والشيخ محمد الكاملي وعلى والده العالم الصالح الشيخ علي الكاملي وعلى والده الشيخ أسعد المحاسني والشيخ الياس الكردي وغير هؤلاء من أقرانهم ومهر بالعلوم وأحرز منطوقها والمفهوم وتصدى للاقراء والدروس ولازمته الطلبة واشتهر فضله ونبله وكان يقرأ في الجامع الأموي صبيحة غالب الجمعة بالقرب من الحصور ﵇ حذاء المقصورة ويوم السبت يقرئ في المدرسة الفتحية في البخارى ويوم الاثنين في العمرية بالصالحية وكان في عنفوان شبابه ذهب للديار الرومية إلى قسطنطينية فلم يبلغ أمانيه بل شتمه بعض الجهال فأداه ذلك إلى اختلال عقله وحجاه وعاد إلى وطنه في هذه الحالة ثم ظهرت فيه بعد صدور ذلك لكنه في لسانه وكان شيخه الشيخ الياس نهاه عن الذهاب وقال له المقصود يحصل في هذه الدار وكان مع ذلك عجيب التقرير لم ير نظيره في الانتقالات عند الدرس إلى علوم شتى وقد كان بذلك فريد عصره وأقرانه وأعطى رتبة الخارج المتعارفة بين الموالي ونظم متن التنوير في الفقه ثم شرحه ونظم أيضاً متن التلخيص في المعاني ثم شرحه وكلا الكتابين مفيدان وبعد أن قدم من الروم حصلت له معيشة جزئية وكان إذا جلس لديه غلام لا ينظر إليه ولا يقريه زهداً منه وكان يقرأ بين

стр. 1121

العشاءين الجامع الصغير وكان ينظم الشعر فمن ذلك ما قاله مجيباً الشيخ سعدي العمري عن أبيات أرسلها إليه بقوله حلت محل سواد العين والحور ... هيفاء تلعب بالألباب والفكر ذات الوشاح التي أضحت فرائده ... ما قد حوى ثغرها من خالص الدرر وغازلتنا فعدنا من لطائفها ... نجني معارف حاكت يانع الثمر في روض أنس وثغر الزهر مبتسم ... وقد أمنا به من مظهر الغير والريح تعبث بالأغصان مذ صدحت ... ورق الرياض بنشر طيب عطر تحكي لطافة مولانا وسيدنا ... من فاق أهل العلا بالمنظر النضر خليلنا الفاضل النحرير من لمعت ... أنوار فكرته في مبدا النظر فتى القريض قوافيه إليه أتت ... تجرّ أذيالها بالتيه والخفر وتطلب العفو من مولى عوائده ... جلت عن العدّ والاحصا بمنحصر منها إن خط الطرس خلت الدرّ قد نظمت ... أفراده وغدا بالوشى كالحبر وفي الأصول هو النجم الذي هديت ... به الأفاضل في بدو وفي حضر والعذر انّ هموماً طاردت فكري ... فأطول الليل عندي غاية القصر ودم بأوفر عيش كلما صدحت ... حمامة في ظلال الدوح ذي الزهر وقد انتقد على المترجم في شعره فأجاب الشيخ سعدي المذكور ومرتجلاً بقوله وذي حسد قد عاب شعرك قائلاً ... به ركة حاشاه من طعن طاعن فقلت له دع ما ادعيت فإنما ... لحظت من الأبيات بيت المحاسن وفي المعنى أنشد ممتدحاً بني محاسن الشيخ محمد بن عبد الرحمن الغزي مفتي الشافعية بدمشق بقوله إذا افتخر الأنام بأرض شام ... وعدّوا دورها في المساكن أقول مفاخراً قولاً بديعاً ... محاسن شامنا بيت المحاسن قلت وخرج منهم علماء ورؤساء وخطباء وجدهم من جهة الأمهات عالم وقته الشيخ حسن بن محمد البوريني الدمشقي المتوفي في ثالث عشر جمادي الأولى سنة أربع وعشرين وألف وكان عالماً متضلعاً متطلعاً فرد وقته في الفنون كلها وألف التآليف البديعة كحاشية البيضاوي والحاشية على كتاب المطول وشرح ديوان ابن الفارض وغير ذلك ولصاحب الترجمة مخمساً بيتي الإمام السنوسي بقوله لا تشك نازلة وقدّر ما جرى ... فنعيم دارك مشبه طيف الكرى

стр. 1122

كم من ملوك تحت أطباق الثرى ... كم جاهل يملك داراً وقرى وعالم يسكن بيتاً بالكرى كشف الهموم عن الفؤاد دورانه ... آيات صدق أوضحت برهانه ببلاغة كالدرّ زان حسانه ... لما قرأنا قوله سبحانه نحن قسمنا بينهم زال المرا وله تخميس بيتي الوزير لسان الدين بن الخطيب بقوله يا زائراً من فاق كل العالم ... وسما إلى أوج العلا بمكارم نادى الرسول بدر قول الناظم ... يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له أغلاق بشفاعة عظمى حباك تكرّما ... وغدوت ختم المرسلين مقدّما ولقد أتى بالذكر مدحك محكماً ... أيروم مخلوق ثناءك بعدما أثنى على أخلاقك الخلاق وله راثياً الشيخ إسمعيل العجلوني بقصيدة مطلعها ليس يغترّ بالزمان خليل ... فالأماني شموسهن أفول ونفوس الأنام في غمرات ... والمنايا كؤسها تنقيل إن كست أنكست وإن هي يوما ... ان حلت انحلت كفاك القيل والمرائي أعراضها ليس تبقى ... بزمانين عن قليل تزول كم امام قد غرّ بالعيش فيها ... والمنايا بساحتيه نزول كل نفس تذوق كأس ممات ... ليس تفدى ولا يراد بديل منها فاعتبر أيها اللبيب بقوم ... قد قضوا نحبهم بهم تمثيل كالإمام الهمام مفرد عصر ... لعلوم شتى كذاك الأصول عالم عامل تقيّ نقيّ ... ومبراً عما يقول الجهول سيبويه الزمان نحواً وصرفاً ... وبياناً كالسعد حين يقول أشرقت شمسه بأنواع لطف ... فاستنارت منازل وطاول كوثر العلم شرحه للبخاري ... وعليه للطالب التعويل وله غيره مآثر شتى ... وعليها من فيض علم قبول ومنها فهنياً لمن ثوى بضريح ... فيه روح وفيه ظل ظليل

стр. 1123

قدّس الله روحه وحباه ... في جنان الفردوس طاب المقيل وكساه فيه ملابس خضر ... وبهذا الفخار جرّت ذيول وكان المترجم وقع بينه وبين الشيخ إبراهيم السعدي الشاعوري متولي الجامع الأموي مشاجرة من جهة وظيفة تولية المدرسة اليحياوية لدى قاضي القضاة بدمشق المولى على خطيب زاده أدت تلك الخصومة إلى الابتلاء بداء الفالج فاستقام المترجم في ذلك مدة شهرين وتوفي وكانت وفاته في محرم يوم السبت سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى موسى الخاشقجي الحنفي المعروف بالخاشقجي التركماني الميداني الدمشقي الخلوتي كان فاضلاً ناسكاً شيخاً مداوماً على قيام الليل وصيام نهار الخميس والاثنين وله أوراد مواظب عليها أخذ الفقه والحديث وطرفاً من النحو عن الشيخ يونس التركماني الخلوتي الحنفي وصحب الأستاذ السيد محمد العباسي الصالحي الخلوتي وتعبد وأم بمسجد هناك قبلي الحقلة وكانت وفاته في جمادي الأولى سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة التركمان رحمه الله تعالى حرف النون ناصر الدين الشافعي الدمشقي الشيخ الصالح المتنسك الفقيه كان حافظاً لكتاب الله تعالى أخذ الفقه وقرأه على حسن بن محمد المنير وقرأ طرفاً من النحو على حمزة بن يوسف الدومي الحنبلي وغيرهما وصار إماماً في جامع التوبة الكائن في محلة العقيبة ولم يزل على حالته إلى أن مات وكانت وفاته أواخر شوال سنة عشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى نعمان البشمقجي ابن عبد الله بن علي بن محمد بن حسين المعروف كأسلافه بابن البشمقجي الحنفي القسطنطيني السيد الشريف أحد صدور الموالي والراقين للمراتب السامية والمعالي الهمام الأجل المعظم المحتشم الحسيب النسيب الكامل الفطن تقدم ذكر والده مفتي الدولة العثمانية وشيخ الإسلام وجده المفتي وولد المترجم سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف ونبغ من تلك الدوحة الوارفة الظلال من المجد والشرف ونشأ في بحبوبة ذلك السودد وقرأ في مبادي أمره ولازم على عادتهم ودخل طريق التدريس ولم يزل يترقى في المراتب على المعتاد حتى

стр. 1124

ولي قضاء حلب فورد إليها وبعد العز أعطى قضاء مصر وذلك سنة سبع وثمانين ومائة وألف فارتحل إليها ثم في تلك الأيام صار مفتياً بالدولة العثمانية قريبه مصطفى بن محمد الدري فأعطاه رتبة قضاء مكة المكرمة ترفيعاً لمقامه وقدره ولما ارتحلت لدار السلطنة قسطنطينية سنة اثنتين وتسعين ومائة اجتمعت به أي المترجم في داره ثم شرفني بالزيارة لداري وحصل بيني وبينه كمال المحبة والاتحاد لمودة سابقة لأن أسلافه من معتقدي الجد الأستاذ الشيخ محمد مراد بن علي البخاري قدس سره وبينهم محبة ورابطة وثيقة العرى ونحن وإياهم من ذلك العهد القديم متحابون مستقيمون على الصداقة والوداد وكان ﵀ كلما اجتمعت به ودارت بيننا أكواب المطارحة والمسامرة يثني على الأسلاف ويمدح ويرتع في رياض أوصافهم ويمرح وكنت أشاهد منه محبة ما شابها رياء ولا محاباة ولما قدر الله تعالى وارتحلت ثانياً لدار السلطنة المذكورة سنة سبع وتسعين بعد المائة اجتمعت به وكان منفصلاً عن قضاء دار السلطنة قسطنطينية وكان ولي القضاء بها قبل العام هذا بثلاث سنين واجتهد في تنظيم أسعار البلدة المذكورة مع التفحص التام على البيع والشراء لأجل رخص الأسعار وإزالة المحتكرين وغيرهم فحمدت الناس قيامه في ذلك وأحكامه وشكرت صنيعه ووصل خبره للسلطان والوزير الصدر السلحدار محمد باشا وألبسه الخلعة السمور بالديوان السلطاني تكريماً له وتوقيراً وحين اجتمعت به رأيت من الملاطفة ما زاد عن الحد وكان جسوراً غيوراً نبيهاً نبيلاً عارفاً ببعض الفنون معتقداً للأولياء والصلحاء حسن الملاطفة والعشرة ولم يزل على حالته إلى أن مات وكانت وفاته مطعوناً وأنا في دار السلطنة المذكورة في ليلة الجمعة رابع عشري رمضان سنة سبع وتسعين ومائة وألف ودفن بالتربة التي خارج باب أدرنة بالقرب من قبر شيخ الإسلام مصطفى ابن محمد الدري رحمهما الله تعالى نعمان الحنفي الخواجكان ابن محمد الحنفي الادرنوي نزيل قسطنطينية المعروف بالخواجكان ورئيس الكتاب في الدولة العثمانية كان عارفاً أديباً كاتباً متقناً ماهراً بالخطوط وتوقيع المناشير السلطانية والأوامر الخاقانية مع مراعاة القوانين المطابقة للشريعة قدم دار السلطنة قسطنطينية وأخذ بها الخطوط والكتابة عن الأستاذ عبد الله يدي قللي الكاتب المقدم ذكره وغيره وبرع في الأقلام جميعاً وأتقنها بأنواعها على طرائقها وسلك طريق الكتاب في الديوان العثماني واشتهر أمره وصار كاتب الديوان المذكور وتذكرجي ثاني ثم صار كاتب أوجاق العسكر الجديد توفرت حرمته وعلا قدره وازداد وجاهة حتى صار رئيس الكتاب إلى أن مات وكانت وفاته يوم الثلاثاء عاشر شوال سنة ثمانين ومائة وألف والادرنوي نسبة إلى

стр. 1125

أدرنة بفتح الألف وسكون الدال المهملة وفتح الراء المهملة أيضاً ونون وهاء بلدة عظيمة ﵀ نعمة الفتال الشافعي الحلبي الشيخ الفاضل البحاث ولد بحلب ونشأ بها واشتغل بطلب العلم على من بها من الأفاضل وأخذ عن أبي السعود الكواكبي وغيره واجتهد في تحصيل الكمال إلى أن بلغ المحل العالي بين كل الرجال وكانت له اليد الطولى في معرفة العلوم العقلية والنقلية ودرس بجامع حلب واستفاد وأفاد وانتفع به جملة من الطلبة من أهل حلب والواردين عليها وكانت وفاته بها بعد الخمسين ومائة وألف عن ثمانين سنة تقريباً رحمه الله تعالى نوح شيخ زاده ابن عبد الله بن حسين المعروف بشيخ زاده الحنفي القسطنطيني أحد رؤساء الدولة وأعيان كتابها المعروفين بالخواجكان ولد بقسطنطينية دار السلطنة العثمانية ونشأ بكنف والده رئيس الكتاب المار ذكره في محله وقرأ القرآن وغيره من المقدمات وأخذ الخط عن والده المذكور ومهر وبرع بأنواعه وبالإنشاء والترسل وحصل الكمالات والمعارف وولي المناصب الرفيعة كأمانة الدفتر السلطاني وصار رئيس الكتاب بالوكالة وغير ذلك وفاق على ذويه في زمن السلطان محمود خان واشتهر بين رؤساء الدولة وكانت وفاته سنة إحدى وخمسين ومائة وألف رحمه الله تعالى نور الدين الأسدي ابن علي الأسدي الصفدي نزيل دمشق الشيخ الصالح الدين السمح توفي بدمشق يوم الأحد حادي عشر شوال سنة سبع ومائة وألف رحمه الله تعالى حرف الهاء ليس فيه أحد حرف الواو ليس فيه أحد حرف اللام ألف ليس فيه أحد حرف الياء التحتية يحيى البري ابن إبراهيم بن أحمد المدني الحنفي الشهير بالبري الشيخ الفاضل العالم الكامل أبو زكريا
следующие страницы →