← Тараджим

Тараджим · id 9607

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

محمد خليل المرادي

Полный текст (1 167 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فنثرت دمعاً في مواقف ذلتي ... من طرفي الجاني بلون العندم لما رآه الطرف أمسك دمعه ... من عادة الكافور إمساك الدم وأنشدني الفاضل الشيخ علي ابن محمد الشمعة مضمناً لذلك بقوله لما بفكري مر طيف خياله ... وأردت أنظر وجنة لم تلثم كادت تسيل لطافة لكنه ... من عادة الكافور إمساك الدم وأنشدني أيضاً الأديب السيد عبد الرحيم اللوجي مضمناً لذلك بقوله لما دنا الآسى ليقصد منيتي ... وأبى الخروج دماء ذاك المعصم ناديته مه يا طبيب فإنه ... من عادة الكافور إمساك الدم وقد ألف صاحبنا الكمال محمد بن محمد الغزي العامري رسالة في ذلك سماها لمعة النور بتضمين من عادة الكافور أكثر فيها من التضمين لهذا المصرع فلتراجع وللمترجم مقتبساً ومكتفياً ومخضر العذار يميس تيها ... وفاتك لحظه للقلب فاتن فقلت له وقد أصمى فؤادي ... وصبر من جفوني الدمع هاتن إلى كم ذا الجفافا كشف قناعا ... عن الخال الذي في الخد ساكن وجد في نظرة تطفي لهيبا ... مقيما في الحشا أبداً وكامن فألوى جيده عني ونادى ... ألم تؤمن فقلت بلى ولكن ومن ذلك تضمين الشيخ عبد الرحمن الموصلي حيث قال وبي ظبي رقيق الطبع أحوى ... شهي الثغر بالالحاظ فاتن رآني مقبلاً يوماً وقلبي ... به قلق ودمع العين هاتن فقال الآن ملت إليك طبعا ... فكن أبداً من الهجران آمن فقلت له أتحلف لي فنادى ... ألم تؤمن فقلت بلى ولكن ومن ذلك تضمين الأديب حسين الحلبي المعروف بابن الجزري أقول لرب حسن قد رماني ... فمن يفاتك الأجفان فاتن مميتي كيف تحييني فنادى ... ألم تؤمن فقلت بلى ولكن ومن ذلك تضمين الشيخ إبراهيم الأكرمي الدمشقي أقول لمن أموت به وأحيا ... مراراً وهو لاهي القلب ساكن أيحيى وصلك الموتى فنادى ... ألم تؤمن فقلت بلى ولكن وللمترجم حيث كان يخدمه الاستاذ عبد الغني النابلسي في رحلة القدس قوله شرفت بالربيع كل الأراضي ... وتباهت به على كل فصل

стр. 37

وغدا زهره يفوح علينا ... حيث كنا بالوصل من غير فصل وقال في القدس أيا صخرة الله فيك الهدى ... ومن قد أتاك غدا أسعدا لقد خصنا الله في زورة ... تذكرنا الحجر الأسعدا وله لا يعيب الشعر إلا جاهل بين البرية ... لا تقول الشعر سهل إنما الشعر سجية ومن ذلك للاستاذ عبد الغني النابلسي حيث قال انظم الشعر وجانب قول من حذر منه ... لا يعيب الشعر إلا كل من يعجز عنه وفي ذلك لي من النظم وهو قولي انظم الشعر ولا تصغ إلى قول جهول ... حبذا شيء أتى فيه حديث عن رسول وهوان من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا ولنا من قصيدة هذا المفرد واقطع الأيام فيه ... تحظ في أنس جزيل وللمترجم ذوو جنة حمراء مذ شاهدتها ... أضحى الفؤاد مولهاً بلهيب فسألت روضة حسن ما هذه ... جورى فقالت لا فقلت نصيبي ولا تخفى النورية فإن من أولى الورد الجوري وأحسن من ذلك قول الملك الأشرف رحمه الله تعالى جارت ورود خدودفي أوجه كالبدورفقلت لما تبدتكوني نصيبي وجوري ومن شعر المترجم قوله وظبي من بني الأتر ... اك إذ ما ماس يسبيني فدع يا عاذلي عذلاً ... فما في القلب يكفيني وقوله دمشق سادت على كل البلاد ولم ... ينكر لذا القول ذو عقل وتمييز من بعض أوصافها في الحسن إن وصفت ... ثلوج كانون في أيام تموز وكأنت وفاته في سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى إبراهيم بن مصطفى الحلبي إبراهيم بن مصطفى بن إبراهيم الحنفي الحلبي المداري نزيل قسطنطينية العلامة الكبير والفهامة الشهير آية الله الكبرى في العلوم العقلية والنقلية ذو التصانيف

стр. 38

الباهرة الذي هو بكل علم خبير كان من أكابر العلماء الفحول وشهرته تغني عن تعريفه ووصفه ولد بحلب وكان مدارياً في الأصل ففتح الله عليه واشتغل في بدايته على أهل بلدته حلب الشهباء وكان رأى رؤيا فقصها على شيخه ومربيه الشيخ صالح المواهبي شيخ القادرية بحلب فأمره بالقراءة في العلوم فتوجه إلى مصر القاهرة واستقام بها سبع سنين مشتغلاً وأتقن فيها المعقولات ثم توجه إلى بلده فسئل عن المنقول فأظهر أنه لم يحققه كما ينبغي فقالوا له احتياجنا إلى المنقول أكثر من احتياجنا إلى المعقول فسافر إلى الحج على طريق الشام وقدم دمشق وأخذ بها عن جماعة فأخذ التصوف عن الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وأخذ عن الشيخ أبي المواهب ابن عبد الباقي مفتي الحنابلة بها والشيخ الياس الكردي نزيلها وقرأ مفصل الزمخشري على الشيخ محمد الحبال وأخذ عن الشهاب أحمد الغزي العامري وتوجه إلى الحج فأخذ عن الجمال عبد الله بن سالم البصري المكي والشيخ أبي طاهر بن إبراهيم الكوراني المدني والشيخ محمد حياه السندي والشيخ محمد بن عبد الله المغربي ثم رجع إلى القاهرة فأخذ المعقولات والمنقولات عن السيد علي الضرير الحنفي وكان معيد درسه وأنتفع به كثيراً وعن الشيخ موسى الحنفي والشيخ سليمان المنصوري مفتي الحنفية وعن الشيخ سالم النفرأوي المالكي والشيخ الدفري والشيخ أحمد الملوى والشهاب الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري والشيخ علي العمادي والشيخ محمد بن سيف والشيخ منصور المنوفي وأذن له المشايخ بالتدريس فاقرأ الدر المختار وهو أول من اقرأه في تلك الديار وأول محشى له فأقرأه في أربع سنوات مع الملازمة التامة وأقرأ الهداية وغيرها وأنتفع به الجل واشتهر بالذكاء والفضيلة وتزاحمت الطلبة على دروسه وصار إماماً ليوسف كنجيه وأنتفع من المذكور بدنيا عريضة وجهات كثيرة إلى أن توفي فآذاه الأمير عثمان الكبير أحد أمراء مصر المعبر عنهم بالصناجق واستخلص جميع ما بيده من الجهات وألزمه بأموال كثيرة فما بقي عنده شيء ففي تلك السنة عزل من طرف المصريين الوزير سليمان باشا العظم من ولاية مصر فأرسلوا للشكاية عليه المترجم مع جماعة فتوجه إلى الدولة العثمانية فما اعتبره واليها وكان رئيس كتابها إذ ذاك الوزير محمد باشا المعروف بالراغب فلما اجتمع به واطلع على غزير فضله وعلمه أخذه إليه وتلمذ له فأقرأه في كثير من العلوم وقابل له النسخ المتعددة منها الفتوحات المكية أتى بأصلها نسخة مؤلفها من قونية وغالب النسخ المقابلة خط المترجم واشتهر إلى أن أعطى الراغب الأطواغ ومنصب مصر فأراد التوجه وأنزل حوائجه في السفينة

стр. 39

فمنعته القدرة الالهية وبقي في القسطنطينية واجتمع بشيخ الاسلام عمة الروم المولى عبد الله الشهير بالايراني وكان إذ ذاك قاضي العساكر فصار عنده مفتشاً ومميزاً وقرأ عليه علماء الروم منهم ولد المذكور شيخ الاسلام المولى محمد أسعد ومنهم كنخد الدولة محمد أمين كاشف المشهور بالمعارف وأحد رؤساء الكتاب ملاحق زاده المولى إسحق قاضي العساكر ولازم من ملاجق زاده المذكور على قاعدة المدرسين الموالي ثم لما صار شيخ الاسلام المولى السيد مرتضى ولد شيخ الاسلام المولى السيد فيض الله الشهيد عرضت عليه مؤلفاته فأعطاه تدريس الدولة وسلك طريق المالي إلى أن وصل إلى موصلة السليمانية فأدركته المنية قبل الأمنية وله حاشية على الدر المختار وشرح جواهر الكلام ونظم السيرة في ثلاثة وستين بيتاً وشرح لغز البهاء العاملي وله رسالة في العروض ورسالة في الوفق ورسالة في المعمى وغير ذلك ودرس في جامع السلطان سليم وفي جامع اياصوفية بمشيخة الحديث وكان مكباً على المطالعة والاقراء ليلاً ونهاراً مع عدم مساعدة سنه وانحطاط مزاجه لاستعمال المكيفات ودائماً دروسه تحضر فيها العلماء وغالب محققي الأزهر تلامذته وأما في بلاد الروم فلا يحصون كثرة توفى رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسعين ومائة وألف ودفن بقسطنطينية جوار سيدي خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري ﵁ إبراهيم بن سعد الدين إبراهيم بن مصطفى بن سعد الدين بن محمد بن حسين بن حسن بن محمد بن أبي بكر بن علي الأكحل المعروف كأسلافه بابن سعد الدين الجبأوي السعدي الشافعي الدمشقي القبيباتي شيخ طائفة بني سعد الدين وخاتمة السلف الصالحين الشيخ الأوحد الصالح العمدة صاحب الحالات العجيبة كان شهماً معتقداً له ثروة زائدة وملأة واسعة لأن إيراد بني سعد في وقته كان من المجمع على كثرته وهو ينفقه باكرام الوافدين واستقام على سجادة المشيخة مدة والناس يتبركون به ويخرجون إلى زيارته بالزأوية في القبيبات وأعطاه الله جاهاً ومالاً ودنيا كما اشتهى وشاع ذكره إلى يومنا هذا والحكام تهابه والأعيان تحترمه وتخرج لزيارته وكان من أكابر الصوفية له الشهامة الزائدة والنعم الطائلة وقد توسع في آلات الاحتشام حد التوسع وكان على طريقة أسلافه في البذل والادرارات والميل إلى الشهرة وعلى كل حال فقد كان خاتمة الأجواد من آل بيتهم وبعده لم يخلفه أحد وامتدحه

стр. 40

الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي بموشح عمل فيه طريقتهم التي ينشدونها في محل الذكر في أوائل ربع الثاني سنة تسع ومائة وألف امتدحه بقصيدة سنية فأدرت ذكرها هنا وهي قوله ركائب شوقي والحداة بهم تحدو ... إلى الحي حيث البان ينفح والرند وحيث رياض الذكر عابقة الشذا ... تروح بأهل الذكر وجدا كما تغدو سقى الله شعب العامرية يا له ... على البعد من شعب وإن كثر البعد فإن لقلبي في مغانيه وقفة ... بها ضج منى البان والعلم الفرد شجاني وميض البرق من جهة الحمى ... وما مسعدي سعدى ولا منخدي نجد فقلت له يا برق رفقاً بمغرم ... إذا غبت يخفى أو ظهرت له يبدو وأنت فسلم يا نسيم وحيهم ... فأخبار أحبأبي بها قدم العهد ولم أنسهم لكن نسوني وإنما ... لنار غرامي من هبوب الصبا وقد وشوقي إليهم كاملاً لم يزل كما ... لأولاد سعد الدين قد كمل السعد مشايخ وقت عطر الكون ذكرهم ... فما العنبر الوردي يعبق ما الورد وفي كل عصر واحد بعد واحد ... بهم تنظم الذكرى ويتسق العقد وقام بإبراهيم بيت مقامهم ... كما قام شكراً لله بالبيت والحمد فطافت به الراجون من بركاته ... مزايا كمال أودع الأب والجد فتى يهدي أسلافه الغر يهتدي ... ولا زالت القصاد تنحوه والوفد له الصدق في الأحوال مثل جدوده ... قديماً وغير الأسد لا تلد الأسد هم القوم سر يا ابن الجبأوي بسيرهم ... وما هو إلا الجذب في الله والوجد ونفحة قدس ندها من يشمه ... فقد هام حتى ما له مثلهم ند وترتعد الأعضاء منه تواجدا ... بأسرار غيب شاهدانه الشهد صفت لك أوقات الصفا يا ابن مصطفى ... ودار بباب الله دار بها السعد وما كل من سمى باسمك مدحنا ... له بل بهذا المدح أنت هو القصد تجلت بذكر الله ذات ستورنا ... ولا سبب إلا المحبة والود فقمنا بها طوراً ونقعد تارة ... على سنن الأشياخ إذ فعلهم رشد وما القصد إلا الذكر في كل حالة ... كما جاء في قرآننا ذلك القصد سلام على السادات من سكنوا جبا ... بنى القطب سعد الدين من لهم المجد ونسل بني شيبان سادة معشر ... بنور هداهم تبرأ الأعين الرمد

стр. 41

يخصهم عبد الغني بتحية ... تغم وتسليم لهم ما له حد على أمد الأوقات ماهينم الصبا ... فمالت غصون في حدائقها ملد ثم لما شاعت في وقتها نسبها إلى مدحه الشيخ إبراهيم المنتسب لبني سعد الدين الشاغوري المتولي على الجامع الأموي وقال إن الشيخ عبد الغني امتدحني بها ولم يمدح الشيخ إبراهيم الجبأوي القبيباتي فأخبر بعض الناس الاستاذ النابلسي بذلك فألحق البيتين اللذين مطلعهما ما صفت لك أوقات الصفا إلى آخرهما وذكر أن مرادنا بالمدح أنت يا ابن مصطفى وليس مرادنا غيرك وعنى الشيخ إبراهيم الشاغوري وكأنت وفاة صاحب الترجمة في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربتهم رحمه الله تعالى إبراهيم بن سعد الدين إبراهيم المكنى بأبي الوفا بن يوسف بن عبد الباقي بن أبي بكر بن بدر الدين بن حسين بن محمد بن سعيد بن أبي بكر بن إبراهيم بن علي الأكحل ابن الاستاذ الشيخ سعد الدين بن موسى الشيباني الجبأوي المعروف كأسلافه بابن سعد الدين الشاغوري الشيخ المبارك المعتقد المجذوب الخلوتي الناجح التقي السالك كان من كبار المشايخ المعتقدين ومن رؤساء المحافل وصلحاء العالم معتقداً عند الخواص والعوام وله في الروم الرتبة السامية والمقام العالي معظماً مبجلاً نعتقده رؤساء الدولة وأركانها حتى السلطان صاحب الخلافة وله زأوية ومريدون في اسلامبول وخلفاء وتلاميذ كثيرة وقد نشر الطريقة المأخوذة عن أسلافهم الكرام في البلاد العربية والرومية وبالجملة فبنو سعد الدين أشهر من كل مشهور وهم قوم مجاذيب صلحاء يغلب عليهم التغفل في الحركات وهم معروفون بالصلاح وقد خرج منهم جماعة أجلاء وزأويتهم وسجادة خلافتهم مقرها في الميدان في محلة القبيبات بدمشق بها يقيمون التوحيد والاذكار غير أن المترجم وأسلافهم كانوا قاطنين في محلة الشاغور البراني ولهم هناك زأوية وأوقاف وكان المترجم مقيماً هناك ويقيم الأوراد والتوحيد والاذكار مستقيماً على السجادة في الزأوية المذكورة وله مريدون وحفدة وكان يغلب عليه الجذب في حركاته والصلاح وتولي تولية وقف الجامع الشريف الأموي وتولاه مدة سنين عديدة وعزل عنه في أثناء ذلك وعادت إليه وكان مسلماً جميع الوقف وأقلامه لكتابه أولاد الخليفة حسن الكاتب وأقاربهم وأخيه مصطفى الكاتب وأقاربهم واستولوا على جميع الإيراد والأقلام وعينوا للشيخ المقدم في كل يوم مقداراً معلوماً والباقي يتصرفون فيه وجروا على ذلك سنين

стр. 42

وأياماً والشيخ كان لا يعقل ولا يدرك لأمور الخارجية ولا أحوال الأوقاف فيتلاعبون فيه وفي الوقف كيفما شاؤا ويوجرون الأقلام ويستحكرون ويستأجرون ويبيعون ويشترون بالوكالة عنه والحال إن ذلك كله خلاف الواقع وليس يعلم الشيخ بذلك جميعه بل هم المتولون والوكلاء والوقف كناية عنهم ولم يزالوا كذلك إن أن مات المترجم فإذا بهم الله تعالى واضمحل حالهم وخربت دورهم بسبب ذلك وكان الشيخ من الأولياء المغفلين وأرباب الدولة يعتقدونه وذهب للروم مراراً عديدة وإلى مصر وصارت له رتبة الداخل المتعارفة بين الموالي الرومية وكأنت سبباً للعبث والهذيان فيه لأنه كان متغفلاً يجلس على حوانيت القهوة ودابته فوقها رقعة الاعتبار وهيئة المدرسين فيصبر العوام وغيرهم يهزأون به لأجل ذلك وكان ياكل البرش المعجون المشهور ويلبس الأثواب المفتخرة المزينة ويجلس بها على حوانيت الأسواق وعلى كل حال فحظه أكثر من عقله وبالجملة فقد كان من المشايخ المشاهير الصلحاء وبعد لم يخلفه أحد من ذريتهم على زأويتهم وكأنت وفاته بدمشق إبراهيم المعروف فندق زاده إبراهيم بن مصطفى بن محمد المعروف بفندق زاده الحنفي القسطنطيني أحد الموالي الرومية المشهورين بحسن الخط الحادث المعروف بالتعليق كان جده من الوعاظ ووالده من أرباب الدورية وهي الطريق الأوسط في القضاء ولد بقسطنطينية وبها نشأ في كنف والده وأخذ الخط المرقوم عن عبد الباقي عارف قاضي العساكر وأذن له وأجازه بالكتبة المعروفة عند أرباب الخطوط وأتقن الخط ومهر به واشتهر وصار مدرساً على عادتهم وتنقل بالمراتب حتى وصل إلى الثمان ومنها أعطى قضاء القدس وبعده ولي قضاء دمشق الشام وبعده قضاء المدينة المنورة وكان مشهور بالخسة وله بها وقائع مشهورة في الروم وفي الشام لم تصدر من غيره توفى بقسطنطينية سنة خمس ومائة وألف إبراهيم صره أميني إبراهيم بن مصطفى صره اميني زاده السيد الشريف الحنفي القسطنطيني أحد الموالي الرومية كان جده كاتب وقف جامع الوالدة في اسلامبول ووالده من الموالي وتوفي معزولاً عن قضاء ازمير وهو نشاء نجيباً وأخذ الخط المعروف بالتعليق عن

стр. 43

الاستاذ محمد رفيع كاتب زاده قاضي العساكر في الرم ومهر به وقرأ على بعض الشيوخ في الطب وبرع به وصار من حكماء السلطان ولازم على عادتهم وصار مدرساً وتنقل في مراتب التدريس حتى وصل إلى الثمان وأعطى قضاء بلدة حلب الشهباء وكان تزوج بابنة شيخ الاسلام جلبي زاده إسماعيل عاصم مفتي الدولة وأعقب منها وكأنت وفاته في أواسط سنة ثمان وثمانين ومائة وألف إبراهيم بن أشنق إبراهيم الشهير بابن أشنق الحمصي الولي الصالح الشهير كان ﵀ ذا لحية عظيمة ينسج العبا ولا يفتر عن ذكر الله تعالى في فراغه وشغله ويأخذ الحال في حال نسجه فلا يفيق إلا وقد نسح على لحيته في بعض الأوقات فينقض النسج عنها وكان يسقي الماء على ظهره مجاناً وهو مشتغل في الذكر وقد شاع عنه الخبر وذاع من الناس بأنه اجتمع به بعض أهل بلدته في جبل عرفات ولم يكن صحبة الحج وأخبر المذكور أنه حج في بعض السنين وكان الحج إذ ذاك في الشتاء في أيام كوانين وهو في عرفة وإذا بالشيخ إبراهيم المترجم ومعه رجال لا يعرفهم فرآه على حالته التي يعهدها عليه في حمص فسلم عليه واستخبر منه متى كان الخروج فأخبره أنه بهذا اليوم بعد التروية منه وعدم التسليم من الرجل واستخبر منه عن حال ولده فقال له بخير هو وحال الخروج رايته ينزع الثلج عن سطح داره ثم إن الرجل فارقه لحظة فلم يجده بعد ذلك بعد مزيد التعب منه في التفتيش عليه فكتم أمره حتى جاء إلى حمص فأخذ هدية وذهب إلى عنده وذكر له قصته معه فقال له أنت من مشاليم الحج فلم يزل يكثر عليه حتى أخذ العهد منه بأنه لا يقبل الهدية منه إلا بالكتمان عليه وكتم أمره إلى أن مات فأخبر حينئذ بذلك عنه وعلى كل حال فإن صاحب الترجمة كما أخبروا عنه من المجمع على ولايتهم معتقد الخاص والعام وكأنت وفاته في نيف وستين ومائة وألف ودفن باطن حمص في جامع وحشي ثوبان ﵁ في إيوان الجامع المذكور من جهة الشرق رحمه الله تعالى إبراهيم الزبال إبراهيم المعروف بالزبال الدمشقي الولي المستغرق المجذوب ترجمه الاستاذ السيد مصطفى الصديقي في كتابه الذي ترجم فيه من لقيه من الأولياء وقال في

стр. 44

وصفه كان خالي البال موصول الأحبال معلوماً بين الرجال وأخبرت أنه قال اذن ل بالظهور وكان على يد شيخنا الياس الكردي المشهور فإنه كان يتردد عليه إلى القميم فاعتقد الناس فيه الاعتقاد الجسيم وصار يقول ما أشهرني إلا الياس نفعنا الله تعالى بهما وأزال عنا الالتباس ولما حج الشيخ الياس آخر حجته مرض وخرج في رجله أحد عشر خراجة فأخبرني بعض جماعة الشيخ أنه جاء الشيخ إبراهيم إلى تلميذه وخليفته المنلا عباس الكردي وقال له إن شيخكم المنلا مريض وأخبر عن عدد خراجاته وعجز عن المشي فلحته وأوصلته لمحله وهو يوصيك ويقول لك الأمر الذي أوصاك به وهو كذا وكذا لا لستره قال فلما جاء الشيخ همت أن أسأله عن صحة ما أخبر به الشيخ إبراهيم قال فد الشيخ المنلا رجله حالاً وقال كان في رجلي أحد عشر خراجة وأراني محلها فتحققت جميع اذكره وحدثني عنه بعض المترددين عليه أنه قال له شككت هل حصل لي سلوك أو لا فأخذت بيدي عكازاً وغرسته في الأرض وقلت في نفسي اللهم إن كنت مننت علي بالسلوك فاشهدني ذلك في هذا العكاز واخضراره قال وخطوت عنه خطوات ورجعت إليه فرأيته قد نبت في رأسه أوراق خضر فحمدت ربي سبحانه وعلمت أنه حصل لي سلوك ولقد كنت أراه ماشياً خلف الحمير يسوقها وهو غارق في حاله فلا أكلمه وكان يأتي إلى المدرسة الباذرائية يغسل رجليه ويصلي ولا يترك الصلاة ومع ذلك فهو مستغرق مدهوش وله أحوال كثيرة ومناقب شهيرة معلومة للشيخ عبد الرحمن السمان وللملازمين له كبعض الخلان أنتهى ما قاله الصديق بخروفه ولم يذكر تاريخ وفاته إبراهيم بن عاشور إبراهيم بن خليل بن عاشور الشافعي قرأ القرآن على والده وتفقه عليه وأنتفع أتم الأنتفاع واستقام على سنن أبيه يفيد ولا يستنكف أن يستفيد ﵀ رحمة واسعة أبو بكر الجزري أبو بكر إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن عثمان الجزري الأصل الدمشقي المولد الحنفي الشيخ حافظ الدين الأديب الكامل المقري الحافظ كان حسن الصوت صحيح التلأوة والقراءة لطيف الصحبة ولد بدمشق ونشأ بها في حجر والده وكان من المشايخ

стр. 45

الصلحاء قدم هو وأخوه الشيخ محمود الجزري إلى دمشق واستوطناها وكان أبو الثناء محمود عارفاً بالأوفاق والزايجه والسيمياء وغالب هذه العلوم تعاطاها بدمشق وراج أمره بها واستقامت أحواله مع صلاح وتقوى واعتقده الناس وله مناقب غريبة في هذه الأشياء وأما والد المترجم فلم يتعاط هذه الأشياء نبغ له هذا وأخوه الشيخ محمد الكاتب تعان الكتابة وقد أدركته وأما المترجم فقأ القرآن على شيخنا البرهان إبراهيم بن عباس الدمشقي وغيره وتلاه مجوداً وأخذ بعض العلوم وقرأ مقدماتها وحضر دروس الأجلاء كالشيخ الإمام المسند أبي الفتوح أسعد بن عبد الرحمن المجلد وأبي عبد الله محمد بن محمد بن سعد الدين العبوي وقرأ على الأول الفقه وعلى الثاني النحو ونظم الشعر وأم وخطب في جامع الصوفا الكائن بالقرب من محلة سوق صاروجا وولي كتابة بعض الأوقاف وحضر دروس والدي في السليمانية وكان يقرأ لديه العشر من القرآن العظيم اجتمعت به كثيراً وكان يزورني وصحبته وسمعت من أشعاره وسمع مني توفي يوم السبت خامس عشر شعبان سنة ثمان وتسعين ومائة وألف وصلى عليه بالجامع الأموي ودفن بمقبرة مرج الدخداح خارج باب الفراديس ومن شعره ما أنشد من لفظه لنفسه يمدح به بعض الرءساء ويهنيه ببناء مكان ومطلع القصيدة نزهة الروح والفؤاد بناء ... نتهادى في ظله النعماء سيماموئل بروضة أنس ... شاده للمكارم الكرماء هو للسعد طالع ومقر ... للتهاني يدوم منه الثناء بسناء أضاء رونق صرح ... أخجل النيرين منه الصفاء عطر رياه غم قطر دمشق ... حيث فاحت زهوره والشذاه وكذب الرضاب ماء معين ... لفؤاد المشوق منه ارتواء مزريا بالرياض من شعب بو ... وان الذي فيه هامت الشعراء جفه لطف ذي الوقار فأضحى ... روض أمن به أقام البهاء هو صدر الكرام مجد أو فخرا ... أوحد الدهر من له الآراء فاق بالفضل غيره فتراه ... بحر علم تؤمه الفضلآء يا فريد الخصال لا زلت ركنا ... لك يسعى الفخار والعلياء نعم قابلت هلاك فشكرا ... لجزيل العطا ونعم العطاء وحياك الاله أسمى مقام ... ما البدر السما إليه ارتقا ومنه ما قاله معجزاً ومصدراً

стр. 46

أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... ماذا الهيام بأنه وتوجع فأنا الكئيب وأشتكي لك حالتي ... إن كنت مسعد الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... كالقلب حركه الهوى بتولع ولديك منزله الهني ونوره ... في راحتيك وجمره في أضلع وصدرهما وعجزهما الأجلاء من دمشق وأدباؤها فمنهم السيد الماجد العلامة الوالد فقال أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... بالشعب من نحو العذيب ولعلع إني أحن إلى الديار فغردي ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... حمر القنا تدمى بكل مولع رفقا بحالي يا حمامة أنه ... في راحتيك وجمره في أضلعي وقال أبو اللطف شاكر بن مصطفى العمري الدمشقي أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... رفقا بصب بالتوله مولع قل المساعد والنصير على الهوى ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... تحكي نحولي في الهوى وتوجعي وبه عقيلك نزهة وغياضه ... في راحتيك وجمره في أضلع وقال الشاكر بن عمر الحموي أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... هيجة أشواقي ونار تولعي إنا تقاسمنا النضا فغصونه ... مثوى لك ونباته من أدمعي وإذا ادعيت دون ذاك فرطبه ... في راحتيك وجمره في أضلعي وقال الشيخ أبو الحسن علي بن محمد الشمعة الدمشقي أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... قد طاب مغناكي ولذ لمسمعي ورميت في قلبي تباريح الجوى ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... لك معهد يسق بسح الأدمع وظلاله لي موطن وزهوره ... في راحتيك وجره في أضلعي وقال الشيخ سعيد بن أحمد المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... هل أنت من مرأى سعاد بمسمع فلقد تركت موسدا فرش الضنا ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... تلك اليوانع جيدات المطلع ذات النضارة يا حمام لأنه ... في راحتيك وجمره في أضلعي وقال الشيخ نور الدين علي بن خالد الصفدي

стр. 47

أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... ما بين ذات المضى والأجرع أنسيت قولي إذا ضر بي النوى ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... تزهو وتسقى من سحائب أدمعي ولقد حبوتك إذ جعلت أراكه ... في راحتيك وجمره في أضلعي وقال السيد عبد الفتاح بن مصطفى مغيزل الدمشقي أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... أشجاك ما أشجى فقد الأربع إني ليسعدني البكاء من الجوى ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... لك موطن وقتادة في مضجعي وشذاه تحمله الصبا وخضابه ... في راحتيك وجمره في أضلعي وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي الباقي أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... هلا تذكرت اللقا بالأجرع فبحقه عودي بغربي الحمى ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... ماست بك لك ناره في مدمعي ما تعجبين فقد غدت أفنانه ... في راحتيك وجمره في أضلعي وقال الشيخ محيي الدين يحيى بن يحيى العطار الدمشقي أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... هل شمت مثلي من كئيب مولع ذي محنة قد غاب عنه الفه ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... تزهو وتلهى كل صب موجع ومن العجائب كونه هو دائماً ... في راحتيك وجمره في أضلعي وقال الشيخ محمد كمال الدين بن محمد بن محمد الدمشقي الشهير كأسلافه بالغزى الشافعي أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... تشدو بندب الألف بين الأجرع إني المشوق وإن ما بك نابني ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي إنا تقاسمنا الغضا فغصونه ... اللاتي ذهت بعبيرها المتضوع هي طبق ما حكم الغرام بحالتي ... في راحتيك وجمره في أضلعي وقال مخمساً لما برا جسمي السقام وامرضا ... ورأيت من أهواه عني أعرضا ناديت من قلب تصبره انقضى ... أحمامة الوادي بشرقي الغضا إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي فلعل ما بي قد ألم بلينه ... تلحينك المستعذبات فنونه

стр. 48

يكفيك منه الآن ما سيينه ... إنا تقاسمنا الغضا فغصونه في راحتيك وحمره في أضلعي أبو بكر الموروي أبو بكر بن إبراهيم بن عثمان بن إبراهيم الحروري الأصل القسطنطيني المنشأ الحنفي الوزير حسام الدين أحد وزراء الدولة العثمانية الوزير ابن الوزير العالم الفاضل الكبير الأديب الشاعر البارع الكاتب الماهر ولد في حدود الستين ومائة وألف ونشأ بكنف والده وقرأ واشتغل وسمع وأخذ الفنون وقرأ الكتب المعقول والمنقول على أجلاء منهم القاضي عماد الدين إسماعيل بن مصطفى القونوي الحنفي وأكثر من الأخذ عنه وأنتفع به ومهر بالأدب والكتابة وكتب الخط المنسوب وبرع بالترسل والانشاء واكب على المطالعة والاستفادة وتفوق وكان عارفاً باللغة العربية والفارسية ينظم وينثره فيهما والتركيت أيضاً وشعره في غاية الجودة وكان كريم الطبع حسن الأخلاق كاملا كثير الحيا لطيف المذاكرة يحفظ النوادر واللطائف ويوردها في محاضراته ويحب العلماء ويكثر من مجالسة الأدباء ويختلط بالشعراء مع الديانة والعفة والصلاح والتقوى وملازمة العبادات والأوراد وصلوات النوافل والاكثار من المستحبات اجتمعت به بدمشق لما قدمها مع أخيه وبقسطنطينية لما دخلها وصحبته وزرته وزارني وسمعت من شعره وسمع من شعري وبيني وبينه محبة ومودة وكان يزيدني إكراماً وتوقيراً كلما اجتمعت به وهو أفضل من اجتمعت به من الوزراء وأكملهم وكان جده ووالده من الوزراء المشهورين بالرأي والتدبير وجده عثمان أمير الأمراء ووالده ولي الوزارة وصار حاكم البحر واشتهر في الدولة وعلا صيته وأخوه أبو عثمان محمد الوزير بعد أن ولي الوزاره وتنقل بالنيابات ولي نيابة جدة ومشيخة الحرم الشريف المكي وتوفي بمكة سنة تسع وتسعين ومائة وألف وكان من الوزراء الأجلاء كثير النبل والذكاء غزير الفضل والأدب اجتمعت به بدمشق لما ولي نيابة صيدا وكان منصرفاً عن نيابة حلب ولمال اشتهر حسن حال المترجم الوزير حسام الدين بين الناس وأكثروا من الثناء عليه أعطاه الوزارة السلطان الأمجد الأعظم غياث الدولة والدين عبد الحميد خان وولاه حكومة البحر كما كان والده وركب البحر ودخل السواحل والثغور واشتغل بتعاطي أمورها وتنظيم أحوالها ثم ولي نيابة بوسنة وحمدت سيرته بها ولما هجم الكفار الرومية على أطرافها جهز عليهم العساكر والجنود وحرضهم على الجهاد

стр. 49

ونصره الله تعالى عليهم وقتل منهم ألوفاً وأسر أمثالها وعلا شأنه واشتهر وأعطاه الله القبول وشكره الناس ولجوا بالدعاء له وأحبه السلطان وأرسل إليه الأموال الكثيرة والخلع الفاخرة والمراسيم الشريفة أبو بكر باشا أبو بكر باشا ابن إبراهيم الرومي أحد وزراء الدولة العثمانية المشاهير وكان يعرف بالقوجه ومعناه الاختيار الشيخ بالعربية كان من الوزراء المعروفين بالعقل والراي والمعتبرين وصار كمركجياً وأمين دار الضرب ثم صار رئيس الجأويشيه بالديوان السلطاني ومنها خرج بالوزارة ومنصب جدة واستقام بها مدة ثم مصر ثم المورة واغريبوز وثانياً جدة وبوسنه وترخاله وقبرس وصارقبودانا وله من الآثار في قبرس الماء وغيره وقدم دمشق ونزل وهو حاكم البحرين الذين تحت تكلم سلطان الملك العثماني وهما الأبيض والأسود وأخذ السلطانة صفية سلطان واتصل بها وتوفي في جماد سنة ألف ومائة وإحدى وسبعين ودفن في اسلامبول وتربته مخصوصة له وعمى في آخر عمره أبو بكر العلبي أبو بكر بن أحمد بن صلاح الدين المعروف كأسلافه بالعلبي الحنفي القدسي الشيخ العالم الفقيه المحدث المقدام كان زاهداً في الدنيا راغباً في أفعال الخير والصدقات وتولى افتاء الحنفية بالقدس وتوجه لاسلامبول في الديار الرومية فات هناك ولما توجه ودع أحبابه وأقاربه وأشار إليهم أن فيما بعد الاجتماع إن شاء الله في الجنة دار البقاء وكأنت وفاته في اسلامبول في سنة أربع وأربعين ومائة وألف وسيأتي ذكر والده وأقاربه في محلاتهم رحمهم الله تعالى أبو بكر الحلبي أبو بكر بن أحمد بن علي الشافعي القادري الحلبي الشيخ الصالح الورع الزاهد المسلك المرشد مولده بقرية دارة غزة غربي حلب في سنة تسع وتسعين وألف وصحبه شيخه الشيخ محمد هلال وبه أنتفع وعنه أخذ طريق القادرية

стр. 50

وخلفه شيخه المذكور في حياته وهذه الفرقة من هذه الطريقة المباركة يخلفون إذا صدر لهم الإذن بعد تكرار الرؤيا مراراً من يختاره الله تعالى أن يكون خليفة في حياتهم وبعد وفاة شيخه جلس في زأويته لقراءة الأوراد وإقامة الاذكار وأنتفع به الناس وأعقب له ولداً يقال له محمد هلال خلفه والده في حياته وألبسه الاخوان تاج والده بعده أخبر الشيخ عبد الله الشهير بابن شهاب أنه كان صاحب الترجمة يوماً بصحن الجامع الموي بحلب عند العامود وعنده جماعة من أحبابه ثلاثة أو أربعة قال فأتيت إليه وقبلت يده فأخذ يباسطني بالسؤال وإذا برجل من الأشراف جاء ليقبل يد صاحب الترجمة فزجره وصاح به اخرج وابعد ولم يرد قربه منه فعطف الشريف إلى نحو باب الجامع الغربي فاتبعته إلى أن خرج الشريف من الباب وسألته عن ذلك فقال إني محدث حدثاً أكبر أو سهوت وله كرامات ظاهرة وبالجملة فقد كان شيخنا صالحاً معتقداً وكأنت وفاته في نهار الخميس الثاني والعشرين من ربيع الثاني سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف قبل العصرود في بالزأوية المعروف به التي دفن بها شيخه بتعصب من أهله وبعض جهال وكان مرضه نحو خمسة أيام بالحمى وأرخ وفاته السيد عبد الله اليوسفي الحلبي بقوله لصاحب هذا الرمس سر غدا يسرى ... ونور جلي واضح حالة الذكر لذا خصه مولاه أسنى مكانة ... وأسمى مقام ساطع بسنا البشر وكان مع الابرار في جنة البقا ... يلوح بهاتيك المنازل كالبدر فقولوا لابناء الطريق وارخوا ... تهنى بفردوس الجنان أبو بكر أبو بكر بن بهرام أبو بكر بن بهرام الحنفي الدمشقي نزيل قسطنطينية دار الخلافة وأحد الموالي الرومية كان فاضلاً عالماً مفنناً متقناً خصوصاً بالرياضيات فإنه كان بذلك ماهراً جداً وكان يدخل مجالس الصدور واشتهر سنا قدره وسطعت شمس اقباله وأنتظم عقد سعده ولد بدمشق وبعد تحصيل الاستعداد ارتحل إلى قسطنطينية واستوطنها وأنتسب إلى الصدر الأعظم الوزير أحمد باشا الكبرلي المعروف بالفاضل وابنتسابه إليه سلك طريق الموالي ولازم على قاعدتهم من الموالي شيخ محمد عزتي وبعد انفصاله عن مدرسة بأربعين عثماني كقاعدتهم ترقى في المدارس إلى سنة تسع وتسعين في صفر ففيه أعطى رتبة خامسة سليمانية

стр. 51

وفي السنة المذكورة في جمادي الأولى ارتقى إلى أحد المدارس السليمانية وفي سنة إحدى ومائة في جمادي الأولى أعطى قضاء حلب الشهباء مكان خواجه زاده المولى لطف الله وفي سنة اثنين ومائة وألف في جمادي الأولى عزل وصار مكانه قاضياً بحلب المولى إدريس أحد الموالي الرومية ففي السنة المذكورة في جمادي الآخرة كأنت وفاته وكان معتبراً مشتهراً حتى أنه صار معلوماً للسلطان محمد بن إبراهيم خان بسبب همته وتربية الوزير الفاضل المذكور آنفاً وبعده الوزير قره مصطفى باشا المرزيفوتي الشهير وبأمر السلطان المذكور ترجم بالتركيه جفر الاقياجي الكتاب المشهور والآن الذي ألفه في الخزينة السلطانية محفوظ وموضوع رحمه الله تعالى أبو الإسعاد بن أيوب أبو الاسعاد بن أيوب الخلوتي الدمشقي الحنفي نزيل قسطنطينية وأحد المدرسين بها كان من أكابر العلماء المحققين في سائر الفنون حتى كان في علم الابدان غاية لا تدرك ولد بدمشق في سنة ثلاث وخمسين وألف وقرأ العلوم واجتهد في تحصيل المعارف والفنون مدة أعوام وشهور ومن مشايخه العلامة الشيخ إبراهيم الفتال وأجازه الشيخ يحيى الشأوي المغربي وغيرهما ثم ارتحل إلى الروم إلى دار الخلافة واستقام بها إلى أن مات وسلك طريق الموالي بها فلازم من شيخ لاسلام المولى علي ولما كان منفصلاً عن مدرسة بأربعين عثماني في خامس رجب سنة ثمان وتسعين وألف في ابتداء الأحداث أعطى مدرسة رابعة ساري الغلطه ودرس بها وهو أول مدرس درس بها ففي صفر سنة مائة وألف أعطى مدرسة أبهم مكان المولى رجب أحد المدرسين وفي سنة أربع ومائة في ربيع الآخر أعطى مدرسة خاص أوده باشي وفي سنة ستة ومائة وألف في ذي القعدة أعطى مدرسة أولاي خسر وكنخدا مكان المولى بسنوي حسن ففي يوم الجمعة العشرون من الشهر المزبور كأنت وفاته وبسبب اشتغاله بالطلب صار في مارستان أبي الفتح السلطان محمد خان في قسطنطينية رئيس الأطباء وقد أخذ عنه العلوم في تلك الديار خلق كثيرين من الموالي والوعاظ وكتب له والده الاستاذ والكبير وصية مستقلة كما خص

стр. 52

أخا المولى أبا الصفا بوصية خاصة رحمهم الله تعالى أبو بكر القواف أبو بكر بن عبد القادر بن عبد الله المعروف بالقواف الشافعي الدمشقي العالم الإمام الكامل أحد البارعين والمنسريلين بحلة الفضل ولد في سنة ست ومائة وألف واشتغل بطلب العلم على جماعة منهم الشيخ علي كزبر وأنتفع به وكان مفيداً لدرسه ومنهم الشيخ الياس الكردي نزيل دمشق والشيخ محمد أبو المواهب مفتي الحنابلة والشيخ محمد الكامل والشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ محمد العجلوني وغيرهم وروى عنهم جميعهم ما بين السماع والقراءة والاجازة الخاصة والعامة بسائر ما يجوز لهم وعنهم رواية وإجازة بالافتاء والتدريس وأقرأ بالجامع الأموي في النحو وغيره وكان حافظاً لكتاب الله تعالى قرأ الناس عليه بالتجويد وأنتفعوا به وعم بره وفضله وكف في أثناء عمره ثم رد الله له بصره وكأنت وفاته في نهار الاثنين غرة ربيع الثاني سنة سبعين ومائة وألف ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى أبو بكر ابن عراق أبو بكر الشهير بابن عراق الحلبي الفاضل المشهور الشاعر المجيد كان يعاني العطارة في حانوت بالقرب من جامع البهرامية ولد بحلب ونظمه أكثر من أن يحصر وكان حلو المنادمة وله اطلاع على دوأوين المتقدمين وحفظ أشعارهم ومن نظمه قوله إليك يا دهر من انك تحسبني ... أخاف اقتاراً أم أبكي على طلل إني إذا ما رأيت الضيم من جهة ... بسيف أبرى هامة الامل وله غير ذلك وكأنت وفاته في حلب بعد العشرين ومائة وألف وقد ناهز السبعين رحمه الله تعالى أبو بكر الدسوقي أبو بكر بن محمد بن عبد الوهاب بن شرف الدين بن أحمد بن عيسى الدسوقي الدمشقي الشافعي الخلوتي مرشد الدين الشيخ السيد الشريف أحد المشايخ

стр. 53

المشهورين المعتقدين ولد بدمشق سنة أربع وعشرين ومائة وألف وقرأ بها القرآن وغيره من العلوم وأخذ الطريقة الخلوتية عن والده وأقام الذكر والتوحيد على عادتهم في زأويتهم المعروفة بهم الكائنة بالقرب من باب جيرون قريب الجامع الأموي واعتقده الناس وكتب التمائم والتعأويز للمرضى وغيرها واحترمه الكبار والصغار وكان مبجلاً معتقداً اجتمعت به مرات بمجلس والدي وغيره وكان يزورني وأنتفعت بدعواته وكان الوالد يجله ويحترمه ولم يزل على حالته هذه إلى أن مات توفي يوم الاثنين سابع عشر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف وصلى عليه بالجامع الأموي وحضرت مع من كان مصلياً عليه ودفن من يومه بمقبرة باب الصغير أبو بكر بن مصطفى باشا أبو بكر بن مصطفى باشا الحنفي القسطنطيني أحد خواجكان الدولة العثمانية وهم باصطلاح الدولة أعان الكتاب وروسائهم كان من أرباب المعارف والكمال والوقار حسن الأخلاق يكتب الخطوط الحسنة كالثلث والنسخي والديواني ماهراً بهم صاحب دراية ومعرفة ولد بقسطنطينية وبها نشأ ودخل السراي السلطانية وصار من علمائها الذين يحدثون السلطان ثم ان السلطان أحمد خان الثالث أخرجه كعادتهم برتبة الخواجكان وأعطاه منصب الموقوفات ثم بعد ذلك صار طغرأى الدولة المعروف بالتوفيعي وأمين الدفتر وكاتب أوجاق البنكجريان ومعناه العسكر الجديد ومثل ذلك من المناصب العالية وكان والده من الوزراء ويعرف بقره كوز مصطفى باشا ومعناه بالعربية أسود العين ولم يزل المترجم على حالته إلى أن مات وكأنت وفاته بقسطنطينية في شعبان سنة إحدى وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى أبو بكر ابن قنصه السيد أبو بكر بن منصور المعروف بابن قنصة الشريف لامه الحنفي الحلبي الفاضل الكامل من المنوه بهم في حلب بين روسائها ولد بها في سنة أربع وثمانين وألف وقرأ على الفضلاء بها وبرع وصار مدرساً صاحب رتبة وكان له لدى الحكام في أموره اقدام نفي وأحلى بسببه مراراً منها في سنة أربع وستين ومائة وألف أجلاه الوزير السيد أحمد باشا مع من ساق من أعيان حلب فاستقام في بلدة

стр. 54

ببلان إلى أن عزل الوزير المذكور من حلب ووليها صاري عبد الرحمن باشا فعاد إليها واستمر الحال إلى أن مات وكأنت وفاته في يوم السبت خامس جمادي الثانية سنة سبع وسبعين ومائة وألف عن ثلاث وتسعين سنة وأعقب ودفن في التربة الأمينية التي مدفون فيها الشيخ أبو يمنى خارج باب قنسرين وقنصة اسم جدته أم والده كأنت من قرية من قرى حلب رحمهم الله تعالى أبو بكر الدراقي أبو بكر المعروف بالدراقي الحمصي كان ورعاً زاهداً نطق بولايته الخاص والعام وكان مشهوراً باستجابة الدعاء وله كرامات كثيرة يطول ذكرها توفي تقريباً في سنة خمسة وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى أبو الذهب محمد بيك أبو الذهب محمد بيك بن عبد الله رئيس الأمراء الكبار بالديار المصرية كان مولى من موالي الأمير علي بيك ثم لما صدر من والي دمشق الوزير عثمان باشا بعض الأمور مع أهل غزة والجاهم في الشكاية عليهم إلى الأمير علي بيك المزبور فعين الأمير علي بيك للركوب على الوزير عثمان باشا والأنتقام منه صاحب الترجمة وجهز معه العساكر الكثيرة والذخائر فتوجه جهة دمشق وكان وصوله إليها يوم الاثنين تاسع عشر صفر سنة خمس وثمانين ومائة وألف وكان معه تسعة صناجق وخمسة من أولاد عمر الظاهر أمير بلدة عكا ومشايخ المنأولة والصفديه أهل البدع والرفض ومعه نحو ثمانين مدفعاً وأربعين ألف مقاتل وكان عثمان باشا لما سمع ما صدر من شكاية أهل غزة وتجهيز العساكر لقتاله من جهة الديار المصرية وكان الأمير علي بيك أرسل لوالدنا مكتوباً يخبره بما صدر من عثمان باشا وانكم إن لم تسلموه نلقاكم بالرجال والأبطال فأخبر والدنا وعثمان باشا الدولة العلية بهذا الأمر فعينت الدولة لقتال العساكر المصري ودفع غائلتهم عن البلاد الشامية والي حلب عبد الرحمن باشا ووالي كليس خليل باشا ووالي طرابلس محمد باشا المزبور وتوفي والدنا في أثناء ذلك قبل وصلو أبي الذهب إلى الشام فلما قدم أبو الذهب بعساكره المار ذكرها ونزل بقرب داريا الكبرى ووصل خبره إلى دمشق خرج للقائه الوزراء الأربع بالعساكر الشامية والأجناد وصارت المعركة في سهل داريا المزبورة وفي أقل من ساعة انكسر العسكر الشامي وفر هارباً كل من خليل باشا وعبد الرحمن باشا

стр. 55

وعساكرهما وقتل منهم شرذمة قليلة وثبت كافل دمشق عثمان باشا وولده محمد باشا والعساكر الشامية وحصل القتال معهم ثلاثة أيام ثم في ليلة الجمعة رابع عشر صفر المزبور ذهب عثمان باشا فاراً مع ولده محمد باشا وصبحة الجمعة ورد مكتوب من أبي الذهب لعلماء دمشق وأعيانها يطلبهم لمواجهته في ذلك اليوم كل من العلامة علي بن صادق الطستاني مدرس الحديث تحت القبة والمولى أسعد بن خليل الصديقي أحد الرؤساء بدمشق الشريف محمد بن أحمد العاني أحد المدرسين بالجامع الأموي وحين وصلوا عنده طلب منهم تسليم دمشق وأنه لا بد له من أخذها على أي حالة وتوعدهم إن خالفوه أنه يحرقها ويأسر جميع أهلها فأمهلوه بالجواب إلى يوم السبت حتى يجتمعوا ويشأوروا أهل دمشق من الأعيان والعلماء والأوجاقات ففي تلك الليلة ليلة السبت هربت الأعيان وعثمان باشا وولده ورئيس اليرلية يوسف أغا ابن جبري ولم يبق في دمشق مقاتل واستولى على الناس الخوف والفزع والقلق وغص الجامع الأموي بأهالي القرى فإنهم نزلوا جميعاً بأهلهم وأمتعتهم ومواشيهم إليه وكان ذهاب الفارين إلى بلدة حماه ففي صبيحة يوم السبت هاجت الضعفا بدمشق وذهبوا إلى العلماء حيث لم يجدوا من يدافع عنهم وتوسلوا بهم أن يواجهوا المترجم ويسلموه الشام ويدفعوا عنهم غائلته فخرج لملاقاته كل من العلامة علي الطاغستاني المار ذكره ومفتي الشافعية بدمشق السيد محمد شريف بن الشمس محمد الغزي العامري وخطيب الجامع الأموي المولى سليمان بن أحمد المحاسني والعلامة خليل بن عبد السلام الكاملي فلاقوا العساكر عند قرية القدم متوجهة لدمشق لأجل القتال فطلبوا منهم المهلة حتى يواجهوا أبا الذهب فلما دخلوا عليه قابلهم بغاية الاكرام فأخبروه بأنه لم يبق في الشام مقاتل وقالوا له إن البلد لمولانا السلطان مصطفى خان فتسلمها أنت واحقن دماء المسلمين وكف عن أموالهم وكان رئيس جند القول مصطفى أغا المطرجي لما فراعيان دمشق وكافلها وصار ما تقدم أغلق باب القلعة الدمشقية وحاصر فسألهم أبو الذهب المترجم عن القلعة فأخبروه بما وقع وطلبوا منه أن يخرج لهم من ينادي في شوارع دمشق بالأمان ورفع القتال ففعل ذلك ثم رفع القتال عن أهل دمشق وصار عسكره ينزل إليها ولا يتعرضون لأحد من أهلها بأذى ثم بعد أيام حاصر القلعة الدمشقية ونصل لها الأطواب من المرج الأخضر وضربها بالقنابر فصارت تنزل القنابر على أهل البلد ولا تصيب القلعة حتى وقع على سقف الجامع الأموي منها واحدة فخرقته وأزعج الناس

стр. 56

لذلك انزعاجاً كلياً فخرج إليه بعض العلماء وأخبروه بما صار وإن هذا الأمر ليس بأمان لأهل دمشق وأخبروه بما فعلت القنابر في البلد واستمر الحال على ذلك إلى يوم الاثنين رابع ربيع الأول هذا لسنة فورد من أورديه كتاب مضمونه أنه كان سبب مجيئنا إلى هذه البلاد الشامية لأجل مقاتلة عثمان باشا فلو خرج لنا لخارج البلدة ما قارشناكم وسبب تعرضنا للقلعة أن بها عثمان باشا وأمواله فلما تحققنا ذهابه وأنه ليس بها رفعنا القتال عنها وما مرادنا بلدتكم ولا اضراركم وأذيتكم وهذه بلدة مولانا السلطان الأعظم مصطفى خان والقلعة أبد الله خلافته إلى يوم الدين ولم يقع من عسكرنا أذية لأحد من أهل الشام فنرجوا أن تبتهلوا بالدعاء لحضرة مولانا السلطان ولنا بالتبعية واذكرونا بالخير والجميل والسلام وطلب الجواب من أعيان دمشق وعلمائها عن ذلك فأجابوه أنه وصل كتابكم وعرفتمونا أن سبب مجيئكم عثمان باشا وقد ذهب وإن البلدة بلدة مولانا السلطان وما مرادنا البلدة والآن إنكم عزمتم على العود إلى مصر فتوجهوا إلى حيث شئتم والسلام وثاني يوم وهو يوم الثلاثاء خاسم ربيع الأول رحل عن دمشق متوجهاً إلى مصر فعند ذلك اجتمع علماء البلدة في دار السعادة وكتبوا لكافل دمشق الوزير عثمان باشا جميع ما صدر وإن أبا الذهب رحل عن دمشق متوجهاً إلى مصر في يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول ورد إلى دمشق كافلها عثمان باشا وولده محمد باشا والقاضي العام بها محمد مكي أفندي بن إبراهيم أفندي والأعيان والأفندية والعساكر التي كأنت فرت وقدم رئيس اليرلية يوسف أغا ابن جبري من جبل الدروز ومعه خمس آلاف درزي وانزلهم في البلدة بأمر من عثمان باشا ثم بعد مدة أيام رفع عثمان باشا يوسف أغا المزبور إلى سجن القلعة وأمر بخنقه فخنق لأنه كان السبب في تقوية الدولة المصرية على العساكر الشامية طمعاً منه في قتل عثمان باشا وصيرورته مكانه كافلاً بدمشق فما قدر الله ذلك وأرجع كيده في نحره فلا قوة إلا بالله ثم لما رجع المترجم ووصل إلى القاهرة وأخبر مولاه علي بيك بما فعل لم يرض بذلك ولامه على تركه الشام بعد الاستيلاء عليها وطرده فصار أبو الذهب من أعدائه فخرج من مصر إلى بلاد الصعيد وجهز عساكر عظيمة ورجع إلى مصر فطرد منها مولاه المزبور واستولى مكانه فخرج هارباً علي بيك بعساكره وجاء إلى عكا ووقع عند عمر الظاهر وطلب منه أن يعينه على قتل أبي الذهب فجهز له عساكر جمة وأرسلها معه وأصحبه زمرة من أولاده وأجناده فخرج وقصد مصر فلما بلغ خبره أبا الذهب خرج من مصر لملاقاته فتلاقى الجمعان وتقاتلا وكان الغالب أبا الذهب فقتل علي بيك المزبور وأكثر في عسكره السفك وإراقة الدماء ومن جملة المقتولين صليبي بن عمر الظاهر وتفرقت عساكر علي بيك والظاهر ايدي سبا ثم رجع أبو الذهب إلى مصر واستقل برياستها ثم في سنة تسع وثمانين ومائة وألف توجه من مصر بالعساكر العظيمة والعدد والعدد قاصداً أجلاء الظاهر ودولته وقتله وقتل أولاده فلما بلغ الظاهر هذا الخبر استعد لمحاصرته ومضاربته وأرسل إلى بلدة يافا أعيان شجعانه الذين كان يسميهم بالفدأوية وأمرهم أن يكونوا بقلعة يافا يحصونها بالأطواب وبقي هو في بلدته عكا قلائل ورأى أنه يطول المر به في المحاصرة لها فأمر باصطناع مدفع عظيم مساحة كلته ذراع وثلث ثم إنه أمر بوضعها في المدفع مع قنطارين من البارود وأبعد معسكره عنه أربعة أميال ثم أمر برمي المدفع المذكور على القلعة فلما قوص هدمها على أهلها فخرج بعض أهاليها وقتل البعض فأمر بالقبض على من خرج سالماً وربطهم بحبل على بعضهم بعضاً ثم جلس على كرسي وأمر بضرب أعناقهم فضربت أعناقهم عن آخرهم وهو جالس ينظر إليهم ثم في ثاني يوم من قتلهم وهدم تلك البلد عجل الله له الموت فمات ثاني اليوم مسموماً بسم أرسله له عمر الظاهر وجعل لمن أدخله عليه خمسة آلاف دينار ثم إن أعيان دوله جوفوه وحملوه ميتاً إلى القاهرة فدفن بالجامع الذي أنشأه تجاه جامع الأزهر وقد أرخ وفاته أديب مصر وشاعرها الشيخ قاسم الملقب بالأديب الشافعي بقولهأنه كان سبب مجيئنا إلى هذه البلاد الشامية لأجل مقاتلة عثمان باشا فلو خرج لنا لخارج البلدة ما قارشناكم وسبب تعرضنا للقلعة أن بها عثمان باشا وأمواله فلما تحققنا ذهابه وأنه ليس بها رفعنا القتال عنها وما مرادنا بلدتكم ولا اضراركم وأذيتكم وهذه بلدة مولانا السلطان الأعظم مصطفى خان والقلعة أبد الله خلافته إلى يوم الدين ولم يقع من عسكرنا أذية لأحد من أهل الشام فنرجوا أن تبتهلوا بالدعاء لحضرة مولانا السلطان ولنا بالتبعية واذكرونا بالخير والجميل والسلام وطلب الجواب من أعيان دمشق وعلمائها عن ذلك فأجابوه أنه وصل كتابكم وعرفتمونا أن سبب مجيئكم عثمان باشا وقد ذهب وإن البلدة بلدة مولانا السلطان وما مرادنا البلدة والآن إنكم عزمتم على العود إلى مصر فتوجهوا إلى حيث شئتم والسلام وثاني يوم وهو يوم الثلاثاء خاسم ربيع الأول رحل عن دمشق متوجهاً إلى مصر فعند ذلك اجتمع علماء البلدة في دار السعادة وكتبوا لكافل دمشق الوزير عثمان باشا جميع ما صدر وإن أبا الذهب رحل عن دمشق متوجهاً إلى مصر في يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول ورد إلى دمشق كافلها عثمان باشا وولده محمد باشا والقاضي العام بها محمد مكي أفندي بن إبراهيم أفندي والأعيان والأفندية والعساكر التي كأنت فرت وقدم رئيس اليرلية يوسف أغا ابن جبري من جبل الدروز ومعه خمس آلاف درزي وانزلهم في البلدة بأمر من عثمان باشا ثم بعد مدة أيام رفع عثمان باشا يوسف أغا المزبور إلى سجن القلعة وأمر بخنقه فخنق لأنه كان السبب في تقوية الدولة المصرية على العساكر الشامية طمعاً منه في قتل عثمان باشا وصيرورته مكانه كافلاً بدمشق فما قدر الله ذلك وأرجع كيده في نحره فلا قوة إلا بالله ثم لما رجع المترجم ووصل إلى القاهرة وأخبر مولاه علي بيك بما فعل لم يرض بذلك ولامه على تركه الشام بعد الاستيلاء عليها وطرده فصار أبو الذهب من أعدائه فخرج من مصر إلى بلاد الصعيد وجهز عساكر عظيمة ورجع إلى مصر فطرد منها مولاه المزبور واستولى مكانه فخرج هارباً علي بيك بعساكره وجاء إلى عكا ووقع عند عمر الظاهر وطلب منه أن يعينه على قتل أبي الذهب فجهز له عساكر جمة وأرسلها معه وأصحبه زمرة من أولاده وأجناده فخرج وقصد مصر فلما بلغ خبره أبا الذهب خرج من مصر

стр. 57

لملاقاته فتلاقى الجمعان وتقاتلا وكان الغالب أبا الذهب فقتل علي بيك المزبور وأكثر في عسكره السفك وإراقة الدماء ومن جملة المقتولين صليبي بن عمر الظاهر وتفرقت عساكر علي بيك والظاهر ايدي سبا ثم رجع أبو الذهب إلى مصر واستقل برياستها ثم في سنة تسع وثمانين ومائة وألف توجه من مصر بالعساكر العظيمة والعدد والعدد قاصداً أجلاء الظاهر ودولته وقتله وقتل أولاده فلما بلغ الظاهر هذا الخبر استعد لمحاصرته ومضاربته وأرسل إلى بلدة يافا أعيان شجعانه الذين كان يسميهم بالفدأوية وأمرهم أن يكونوا بقلعة يافا يحصونها بالأطواب وبقي هو في بلدته عكا قلائل ورأى أنه يطول المر به في المحاصرة لها فأمر باصطناع مدفع عظيم مساحة كلته ذراع وثلث ثم إنه أمر بوضعها في المدفع مع قنطارين من البارود وأبعد معسكره عنه أربعة أميال ثم أمر برمي المدفع المذكور على القلعة فلما قوص هدمها على أهلها فخرج بعض أهاليها وقتل البعض فأمر بالقبض على من خرج سالماً وربطهم بحبل على بعضهم بعضاً ثم جلس على كرسي وأمر بضرب أعناقهم فضربت أعناقهم عن آخرهم وهو جالس ينظر إليهم ثم في ثاني يوم من قتلهم وهدم تلك البلد عجل الله له الموت فمات ثاني اليوم مسموماً بسم أرسله له عمر الظاهر وجعل لمن أدخله عليه خمسة آلاف دينار ثم إن أعيان دوله جوفوه وحملوه ميتاً إلى القاهرة فدفن بالجامع الذي أنشأه تجاه جامع الأزهر وقد أرخ وفاته أديب مصر وشاعرها الشيخ قاسم الملقب بالأديب الشافعي بقوله ألا فانظروا في الدهر ولا تأمنوا له ... يسالم في بعض ومن شأنه الغدر وإن هو يصفو بعض يوم يرى به ... تباريح أكدار يقل بها الصبر فكم خان من مولى بكت بفراقه ... عيون سماء المجد والغيث والقطر ولا سيما مير اللواء محمد ... وكان له الاسعاد والفتح والنصر فمات على عز ونودي شأنه ... لموتته أرخ به قضى الأمر وجامعه المزبور من أحسن جوامع القاهرة صار للمجأورين بالأزهر به أنتفاع عظيم رحمه الله تعالى أبو السعود الكواكبي أبو السعود بن أحمد بن محمد بن حسن بن أحمد الشهير كأسلافه بالكواكبي الحنفي الحلبي مفتي الحنفية بها وابن مفتيها نجل السراة الصناديد الذي أشرقت سماء الشهباء بكواكب مجدهم وحسبهم وافتخرت بفضائلهم ونسبهم الذين تسنمو أمراً في المعالي

стр. 58

وازدانت بهم الأيام والليالي ولد بحلب في سنة تسعين وألف وبها نشأ وأخذ العلم عن فحول علمائها أجلهم والده أخذ عنه التفسير والمعقولات وأخذ النحو عن الشيخ سليمان النحوي والشيخ عبد الرحمن العادي والفقه عن الشيخ زين الدين أمين الغنوي والحديث عن الشيخ أحمد الشراباتي وبالواسطة والإجازة أخذ عن الشيخ حسن العجيمي المكي وأجازه الشيخ أحمد النخلي وأخذ سائر الفنون من أجلاء العلماء وتولى الافتاء بحلب بعد والده سنة خمس وعشرين ومائة وألف واستمر مفتياً إلى أن توفي وأقرأ التفسير مدة افتائه بالمدرسة الخسروية المشروطة لمفتي حلب قراءة تحقيق والتزم المحاكمة بين ما ناقش به جده العلامة محمد بن حسن الكواكبي مع العلامة عصا والعلامة سعدى جلبي وبين والده وجده فيما تناقشا به وأف في مبدأ غمره لكن لم يسعه عمره فما نظمه في مبدأ عمره وعنوان شبابه رسالة آداب البحث ورسالة الوضع وكتب على منظومة أداب البحث شرحاً مفيداً وباشر تحرير شرح على نظم الرسالة الوضعية فنعته من ذلك شواغل الفتوى ولازم التدريس وتصدى للافادة وأخذ عنه أفاضل حلب وغيرهم جماعة كثيرون وفاق أهل عصره وكان له شعر رقيق وكان ﵀ لطيفاً خلوقاً عفيفاً نظيفاً شريفاً شفوقاً عالماً محققاً مدققاً رئيساً محتشماً علامة مفرداً علماً وزهداً وورعاً ذا حلم ووقار وصلاح حائزاً للأوصاف الحميدة وكأنت وفاته في ثاني رجب سنة سبع وثلاثين ومائة وألف ودفن عند آبائه بالتربة التي بداخل المسجد المعروف الآن بمسجد أبي يجبى وسيأتي ذكر والده أحمد إن شاء الله تعالى في محله وبنو الكواكبي طائفة كبيرة أهل فضل ورياسة ولهم طريقة معروفة اردبيلية تنتهي إلى الاستاذ جدهم الكبير الشيخ صفي الدين والحق اسحق الاردبيلي ولهم سيادة الشرف من جهة المذكور وأما المترجم فكان حائزاً للشرفين فإنه كان شريفاً أيضاً من جهة والدته التي هي الشريفة عفيفة ابنة السيد الحسيب الشريف السيد بهاء الدين النقيب الحلبي المعروف هو وآباؤه ببني الزهرا الذين امتدح جدهم الشريف أبا محمد إبراهيم المنتقل من حران إلى حلب أبو العلا المعري في تاريخه وقصائده وكلهم نقباء في حلب وشرفهم أشهر من كل مشهور والله أعلم أبو السعود بن يحيى المتنبي أبو السعود يحيى بن محيي الدين بن محمد بن يحيى بن عبد الحق أخذ

стр. 59

عن إسماعيل اليازجي وقرأ على الشهاب أحمد الغزي الدمشقي وحضر دروسه بالفقه والحديث وأجازه وقرأ أيضاً على الياس بن إبراهيم الكردي في فنون كثيرة وصحبه في بعض الأسفار وقرأ أيضاً طرفاً من الفرائض على عبد القادر التغلبي وأخذ عنه وقرأ على عثمان بن حموده ولازمه وأنتفع به الشهير بالمتنبي العباسي الشافعي الدمشقي أحد العلماء والأفاضل الذين طلبت مواردهم بالأدب ومهروا بالعلوم واقتبسوا من مشكاة المنطوق والمفهوم الأديب المجيد الشاعر الواعظ قرأ على أشياخ وأخذ عنهم كالاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي والشيخ محمد بن عبد الهادي والشيخ عبد القادر العمري واستجاز من الاستاذ الرباني الشيخ إبراهيم الكوراني نزيل المدينة والشيخ أبي المواهب الحنبلي والشيخ أبي السعود التاجي القبافبي والشيخ محمد الكامل والشيخ عبد الرحمن المجلد والشيخ السيد سلمان القادري الدمشقي وكان من الأدباء المشاهير وجدت له ديواناً نظمه سماه مدائح الحضرات بلسان الاشارات وقد ترجمه السيد محمد الأمين المحبي في ذيل نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه أديب محاسنه سافرة النقب ومعانيه لم تستمع أبدع منها مسامع الحقب فهو سلك السبك متقن الرصف جار في خلائقه على أحسن ما يقال من الوصف جرى في حلبه الشعراء ملء العنان فاعترف له السبق بمزية البيان والبنان فيشف أدبه عن عقد الثريا وتحلى شعره تحلى الروضة الريا وقد اجتمعت به مرات حمدت بها مسرات ومبرات فجعلت حجتي عليه مقصوره واثنيته في فمي غير محصور واستمليته من أشعاره فاخرجها في درج وكأنما اطلع لي منها كواكب مجموعة في برج فكتبت ما راق وطاب وكساه الدهر برداء طرزه فصل خطاب فمنه قوله من قصيدة مطلعها خذا حيث بدر التم طاف بها صرفا ... وأبرزها من خدرها تنجلي كشفا وعوجا بسفح كم سفحت مدامعي ... خليلي فيه والهوى يوجب الحنفا فإن به هيفاء ذات محاسن ... إذا ما بدت عاد الأنام إلى الزلفى فريدة حسن قد تثنت فأخجلت ... بكل قوام مائس قد ثنت عطفا أعارت سناها للبلد ورفا شرقت ... وأهدت لورد الروض من عرفها عرفا وقد عمت الاكوان حسناً فما ترى ... سوى أغيديسيك أو غادة هيفا ووجه غزال قد غزانا بلحظه ... وغازلنا بالطرف والمقلة الوطفا فكل مليح راح يختال في الورى ... بثوب جمال عن محاسنها شفا وهي طويلة وقد تخلص فيها بمدحه لشيخه الاستاذ عبد الغني النابلسي منها

стр. 60

وأوردنا عين الحياة وقد غدت ... شموس الهدى تجلى بمورده الاصفى وفي جنة العرفان كم سال كوثر ... لديه فأسدى من مياه الهدى غرفا ومغرسه النامي بروض علومه ... قطفنا ثمار الفضل من غصنه قطفا وقوله من قصيدة مطلعها نطق عين الوجود وصف ثناكا ... يا حبيبي والبدر يحكي سناكا وجهك الحق والأنام مرائي ... ايما شاهد المحب رآكا وشموس الجمال عنك تبدت ... مشرقات على الورى بضياكا وبروق الحمى بريق ثنايا ... ثغرك الدر حين يبسم فاكا يا رعى الله حضرة جمعتنا ... يا بديع الجمال في مغناكا حيث شمس المدام يجلو محيا ... ك سناها والراح من معناكا ونداماي كل أحور طرف ... لم يكن عرشه سوى مستواكا وسلمى عنها اللثام أماطت ... فمحتنا واثبتتنا هناكا فشهدنا في ذاتنا ذات حسن ... ورشفنا من ثغرنا للملكا وتبدت عروسة الحي تجلى ... من محياك وانجلت بحلاكا وهي في غيبها النزيه ولكن ... شمسها أشرقت بأفق سماكا فعجبا لوحدة قد تدأنت ... مذ تجلت وما حوت اشراكا يا وحيدا في ذاته أنت وتر ... وكثير بمقتضى اشماكا عينت ذاتك الذوات لعيني ... فاجتلينا الوجود في مجلاكا ولعيني كنت الضيا فلهذا ... بك قرت وما رآك سواكا فلذا إن أقل بنك اني ... أنت قد قلته فإني أناكا أو أقل أنني سواك فقولي ... عنك باد لأنني مرآكا حضرات لها بها صورتني ... كيف شاءت وقلبتني يداكا جنة زخرف الشهود رباها ... فنعمنا فيها بطيب لقاكا فالمثاني تتلو المثاني إذا ما ... كنت تصغي بمسمعي لغناكا وفؤادي يهواك في كل قلب ... وعيوني في كل عين تراكا وإذا ما بدا من الحسن مرآ ... ك لعيني سجدت شكراً هناكا يا حبيباً أفنى هواه محبي ... هـ حبذا حبذا الفنا في هواكا أنت أنت الوجود والكل فان ... يا حبيبي لك الهنا ببقاكا مذ تجليت لي بافق سعودي ... شمت عبد الغني بدر حماكا

стр. 61

شاخصاً للوجود إن شام برقا ... من سماء الشهود طار لذاكا وقال مخمساً إن من في حماه قتلى أباحاكم محبوه اتلفت أرواحاوشذاه لما به الروض فاحا غرد الطير في الرياض وناحا ... وشكا العشق والغرام وباحا وجه حق بدا فلم يبق غيرافاجتلى حسنه ولا تخش ضيراعن ثناه تثنى العوالم خيرا ونسيم الشمال أهدى سحيرا ... من شذا المسك عرفه الفياحا بدر تم فيه المتيم هاماإذ تجلى بجلوسنا الظلاماقد شربنا من راحتيه مداما واجتلينا على الندى والنداما ... بكردن في راسها الشيب لاحا خرمة الذات تلك ذات النعيمفاسقينيها من حادث وقديمهي أم الأفراح برء السقيم بنت كرم تجلى لكل كريم ... وسنا نورها كسا الأقداحا كعبة الحسن كم إليها سعيناوالي قدس ذاها قد سزيناوسنا وجهها يضىء لدينا كلما أظلم الظلام علينا ... اقتبسنا من نورها مصباحا أقبلت تنجلي بسلمى وليلىوأمالت معاطف الغصن ميلاخمرة للعديم تمنح نيلا أشرقت في الكؤس كالشمس ليلا ... فحسبنا أن المساء صباحا وله ومليح أدار كأس سلاف ... واحمرار الخدود للكاس كاسي فأراج الخيال يقطف وردا ... من رياض الخدود بالاختلاس فأرانا لآلئا فوق ورد ... وأسال العقيق حول الآس وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول الأمير المنجكي ﵀ لقد زارني من بعد عام مودعا ... وطوق الدجى قد صار في راحة الفجر فأخجلته بالعتب حتى رأيته ... يزيح الثريا بالهلال عن البدر وله لو لم يكن راعها فكر تصورها ... من واله وثنتها مقلة الأمل ما قابلت نصف بدر بابن ليلته ... وألقت الزهو فوق الشمس من حجل وفي المعنى قول أبي جعفر محمد من شعراء الدمية قلت هبيني منك تقبيلة ... يا منية القلب وياقوتها فأغمضت من عينها موخرا ... ورصعت بالدر ياقوتها ومثله قول الأديب الألمعي إبراهيم السفرجلاني الدمشقي وهو

стр. 62

نظر البنفسج في الشقيق مؤثراً ... فارتاع حتى انهل ماء جهاله فغدا يرصع دره ياقوته ... ويزيح أنجم بدره بهلاله ومنه ما جادت به قريحتي السقيمة وهو قولي حين آن الفراق فاضت دموعي ... وهمى دمعه بخد أنيق فأسلت العقيق فوق لجين ... واسال اللجين فوق العقيق ويقرب منه قول الأديب المفنن الشيخ سعيد السمان الدمشقي حيث قال لولا الحياء وعفتي يا موردي كأس الردى ... لأعدت ياقوت الشفاه وإن أبيت زبرجدا وهو مأخوذ من قول بعض الأندلسيين وهو والله لولا أن يقال تغيرا ... وصبا وإن كان التصأبي أجدرا لأعدت تفاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبر ومن معشرات المترجم قوله جاء بالحق من أنار الدياجى ... فهدانا بنوره الوهاج جل من بالجمال فيه تجلى ... واجتباه لقربه والتناجي جرد العزم فهو خير نبي ... من أولى العزم واضح المنهاج جدد الدين بعد ما فرقته ... عصبة بين زائغ ومداجى جوده عمر الوجود وجدوا ... هـ بحار والخلق كالأمواج جحدته عيون قوم فأطفا ... إذ رمى الله نورها بالعجاج جمع المر بين حق وخلق ... وانطوى الكل فيه بالاندارج جبرائيل الأمين منه يناجي ... بطور الفؤاد وهو المناجي جال في لجة الغيوب وأسرى ... ورأى الله ليلة المعراج جد بعفو يا خير من بذل الجو ... د لعبد ما زال للفضل راجي وله غير ذلك من الشعر المعجب ذكر له منه الأمين في ذيل نفحته كثيراً وكأنت وفاته يوم الأربعاء ثاني عشر صفر سنة تسع وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح وفرغ بمرض موته وظائفه بمال وأوصى منها بجانب لطلبة العلم بدمشق رحمه الله تعالى أبو الصفا المفتي أبو الصفا بن أحمد بن أيوب العدوي الحنفي الصالحي الدمشقي الخلوتي الشيخ الإمام الصدر الرئيس العلامة العالم الفاضل البارع المحتشم الفقيه المفسر النحوي

стр. 63

كان مفنناً بالعلوم من القائمين اناء الليل وأطراف النهار والمجتهدين في الأسحار وكان والده استاذاً كبيراً وشيخاً شهيراً جامع بين الولاية والعلم وتوفي في صفر سنة إحدى وسبعين وألف وخلف من الأولاد الذكور خمسة وتوفوا بعد المترجم أبو السعود وأبو الاسعاد وإبراهيم وإسماعيل ذكرنا ترجمة كل منهم في محله وكان له ولد سادس اسمه محمد وكان من فضلاء وقته أديباً مطبوعاً حسن المعاشرة خفيف الروح مع صلاح وتقوى وعبادة وتوفي بعد والده بسنة وكان صار شيخاً بعده فلم تطل مدته وأما المترجم فولد بدمشق في سنة خمس وأربعين وألف ونشأ بها واشتغل بطلب العلم على العارف والده المذكور وقرأ عليه في بعض العلوم وأخذ عنه طريق الخلوتية وأجازه وكتب إليه وصيته وفي وصيته إليه يقول له يا أبا الصفا ستنال المقام العالي والوفا فلا تتكبر ولا تتجبر وقرأ على الشيخ إبراهيم الفتال الدمشقي والشيخ محمود الكردي نزيل دمشق والشيخ المنلا محمد أمين اللاري أحد أعلام الدهر وغيرهم من مشايخ دمشق والروم وبرع وتفوق وصارت له فضيلة علم ودرس بالمدرسة العذرأوية وترقى إلى معالي المناصب فولى قضاء قارا إلى أن مات على طريق التأبيد وولى افتاء الحنفية بدمشق بعد وفاة الشيخ إسماعيل الحايك المفتي واستمر مفتياً إلى أن مات وفتأويه متدأولة مرغوبة وكان يتولى نيابة الحكم في محكمة الباب وحج وجأور وولى بمكة المدرسة المرادية لأمر كان وظهر قدره ونمت حرمته وسما صيته وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها ولم يزل كذلك إلى أن مات وبالجملة فقد كان صدراً جليلاً عالماً فاضلاً وكأنت وفاته في عصر يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجة سنة عشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح والعدوى نسبة إلى عدي بن مسافر الصحأبي ﵁ وأصل أجداده من البقاع العزيز ناحية من نواحي دمشق والله أعلم أبو السعود الخلوتي أبو السعود بن أيوب وتقدم ذكر أخيه أبي الصفا الحنفي الدمشقي الخلوتي الشيخ الكبير المسلك الفاضل الأوحد كان شيخاً مبجلاً عابداً متنسكاً أديباً ولد بدمشق في سنة اثنين وأربعين بعد الألف ونشا في كنف والده وأخذ عنه الطريق وفي وصيته لأولاده يقول يا أبا السعود الطريقة إليك تعود وقد أخذ أيضاً عن السيد العارف بالله تعالى محمد غازي الحلبي الخلوتي الشيخ إخلاص وجلس على سجادة المشيخة وكان أخاه الشيخ إبراهيم كبر سنه فانعزل عن المخالطة وعهد للمترجم

стр. 64

في المشيخة وتوفي بعده في سنة خمس عشرة مائة وألف ثم المترجم بايع واشتهر وأقام عهدهم بالتوحيد والذكر في محلهم بالجامع الأموي وترجمه محمد الأمين المحبي في نفحته وقال في وصفه واسطه عقدهم المقتني وغصن روضتهم المجتني وعبير ذكرهم المردد ولسان حالهم المجدد يروقك محتلاه ومحله يهزا بالبدر معتلاه كرم فرعاً وأصلاً وشرف جنساً وفصلاً وله فضل أضحى تاجاً لراس المناقب وأدب تتوقد به نجوم الليل الثواقب وبيني وبينه موالاة محققه وعهود موثقه وثناء كمائمه عن أزكى من الزهر غب القطر مفتقه ورأيت له أشعاراً في الذروة من الانطباع ثأويه لها في كل قلب بلطف موقعها خلوة في زأوية وقد أثبت منها قصيدة شطريها سينية ابن الفارض فناصفها شطر الحسن كما تناصف حسن الخد بالعارض وهي قوله قف بالديار وحي الابع الرسا ... مخاطب لرسيس الشوق مقتبسا واسترجع القول يا ذا الراي مختبرا ... ونادها فعساها أن تجيب عسى وإن أجنك ليل من توحشها ... فلا تكن آيسالا كان من أيسا خذ من زناد الجوى ناراً مشعشعة ... فأشعل من الشوق في ظلمائها قبسا يا هل درى النفر الغادون عن كلف ... موله هائم كاس الغرام حسا تراه مستصحب الافكار ذا حرق ... يبيت جنح الليالي يرقب الغلسا فإن بكى في قفار خلتها لحجا ... ما شامها ناظر الاهمى وجشا وإن خبت ناره هاج الغرام به ... وإن تنفس عادت كلها ببسا فذو المحاسن لا تحصى محاسنه ... إذا رآه عذول حاسد خنسا ومن أبيت فلا فقد لوحشته ... وبارع الحسن لم أعدم به أنسا قد زارني والدجى يربد من خنس ... وحسن إشراقه بالشهب قد حرسا فالزهر ترمقه عجباً برونقه ... والزهر يبسم عن وجه الدجى علبسا وابتز قلبي قسرا قلت مظلمة ... فحسبي الله ممن قد جنى وقسا حيرتني فأنا المحتار وآ اسفي ... يا حاكم الحب هذا القلب لم حبسا زرعت باللحظ ورداً فوق وجنته ... فأثمرت منه لي في ناظري أسى إن رمت أقطف منه عطر رائحة ... حفا لطرفي أن يحبني الذي غرسا وإن أبى فالاقاحي منه لي عوض ... أوردته القلب حيث الحب فيه رسا جعلت راس مالي مذ ربحت به ... من عوض الثغر عن درفا بخسا إن صال صل عذاريه فلا حرج ... إن عاد منه صحيح الجسم منتكسا

стр. 65

فهذه سنة للعشق واجبة ... ان يجن لسعا وأما يجتني لعسا كم بات طوع يدي والوصل يجمعنا ... لم يخطر السوء في قلبي ولا هجا وزاد في عفة إذ كان ذائقة ... في بردتيه التقى لا يعرف الدنسا تلك لليالي التي أعددت من عمري ... يا ليتها بقيت والدهر ما نكسا ويا سقى الله أياماً لنا سلفت ... مع الأحبة كأنت كلها عرسا لم يحل للعين شيء بعد بعدهم ... وما صبى دونها صب الجوى ونسا ولا شممت نسيماً استلذ به ... والقلب مذ آنس لتذكار ما أنسا يا جنة فارقتها النفس مكرهة ... ابقي لصبك في نيل المنى نفسا وحق موثق عهد لا انفكاك له ... لولا التاسي بدار الخلد مت أسى ولم يذكر الأمين له سوى هذا التشطير وكأنت وفاته في ليلة الجمعة رابع عشر رجب سنة عشرة ومائة وألف ودفن بتربتهم برمج الدحداح بالقرب من والده وحضر جنازته أهالي دمشق وأعيانها وخلق كثيرون رحمه الله تعالى أبو الفتح العجلوني أبو الفتح بن محمد بن خليل بن عبد الغني الشافعي العجلوني الأصل الدمشقي المولد الشيخ العالم الفاضل المتقن المحقق كان أحد الشيوخ الأعلام الأفاضل الفقهاء سهل الأخلاق طيب العشرة حسن المطارحة له ديانة واحتيط له بدمشق يوم السبت رابع رمضان سنة ثمان وعشرين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده واشتغل بالطلب على جماعة منهم والده والشيخ إسماعيل العجلوني والشيخ محمد البقاعي والشيخ علي كزبر والشيخ محمد الخمسي المغربي نزيل دمشق ومهر وبرع ثم في شعبان سنة سبع وخمسين صرف عنان الهمة نحو مصر فارتحل إليها وأقام هناك مدة سنين مشتغلاً بالتحصيل والدروس اشتغالاً تاماً على قايتباي والشيخ إسماعيل الغنيمي والشيخ سليمان الزيات والشيخ عطية الاجهوري والشيخ خليل المالكي والشيخ محمد الحفنأوي وأخيه الشيخ يوسف والشيخ حسن المدابغي صاحب الحواشي والشيخ علي الصعيدي والشيخ عمر الطحلأوي والشيخ أحمد الجوهري والشيخ علي الحفنأوي والشيخ أحمد الملوي والشيخ أحمد الاشبولي والشيخ أحمد الدمنهوري والشيخ أحمد المغربي البناني والشيخ عبد الله الشبرأوي والشيخ عيسى البرأوي والشيخ محمد الدفري وغيرهم وأخذ عن الاستاذ السيد الشيخ مصطفى الصديقي وحصل على ما حصل من الفضل والاتقان وعاد لدمشق في سنة أربع وستين

стр. 66

وقرأ في الأموي بالسنة المذكورة ولازم التدريس والاقراء والافادة ولزمه الطلبة لللأنتفاع والاستفادة وأقرأ من كتب النحو والصرف والمعاني والمنطق والاصول والحديث وغيرهما في مجالس عامة وخاصة وأنتفع به خلق وأخذ عنه جم غفير وكنت قرأت عليه شيئاً من النحو وكان يقيم الذكر في الجمعات في الجامع الأموي في المشهد المعروف ببني السفر جلاني وطريقته الطريقة الشاذلية المزطارية وهو أخذها عن جماعة منهم والده عن الاستاذ الشيخ محمد المغربي المزطاري إلى أخر السند وكذلك عن الشيخ إبراهيم كرامة الاسكندراني وتنافس هو وخليفة المزطاري الذي هو من بني السفرجلاني بخصوص ذلك وأرادوا أخذ المشهد لأجل ذلك ووقع بينهم ما وقع من الحصام والجدال واستقر الحال على أن ابن الشيخ عبد الرزاق السفرجلاني خليفة المرطاري يكون في المشهد الكائن بالقرب من باب البريد المعروف بمشهد الحرمين وأن يكون المترجم في المشهد الثاني الذي كان يقيم به الذكر الشيخ عبد الرزاق المذكور وصار لكل تلاميذ ومريدون وصار للمترجم تدريس البخاري في مدرسة الوزير إسماعيل باشا العظيم وكان قبل ذلك له بها وظيفة حفاظة الكتب وكان والدي أحدث له في وقف السنانية عشرة دارهم عثمانية في كل يوم وكان يجله ويحترمه وبالجملة فقد كان أحد مشاهير الافاضل بدمشق ولم يزل على حاله إلى أن تبرأ الدار الآخرة وكأنت وفاته في ليلة الجمعة تاسع عشر شوال سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف ودفن من اليوم في تربة باب الصغير وسيأتي ذكر والده محمد في محله رحمهما الله تعالى أبو المكارم بن حبيب أبو المكارم محمد بن مصطفى بن حبيب الشيخ الفاضل الأوحد الملقب بالدده الحنفي الارضرومي السيد الشريف نزيل دار السلطنة قسطنطينية وقاضيها وأحد علمائها الاعلام الافاضل قدم دار السلطنة في دولة المرحوم المولى شيخ الاسلام فيض الله المفتي بالدولة العثمانية وأدخله الطريق وسلكه وترقى بالرتب حتى صار قاضياً في الغلطة خارج قسطنطينية ثم ولى قضاء البلدة المذكورة بعد مدة واشتهر وتفوق ونهض للمعالي وتسنم ذراها وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها وعظم شأنه وقدره واتسعت دائرته وكل ذلك لتقرب شيخ الاسلام المذكور للحضرة السلطانية ونفوذ كلمته وإقبال الملك عليه وكان المترجم مع هذا فاضلاً

стр. 67

عارفاً وله من الاثار كتاب السياسة والاحكام مفيد جداً ورسالة في الفقه ورسالة في المولد النبوي وأشعار بالفارسية والتركية وغير ذلك ولما قتل فيض الله المفتي المذكور وأظلمهم ديجورهم وذبلت من رياض الدولة زهورهم وجفت من مسالك الاقبال نهورهم نفى المترجم بالأمر السلطاني إلى بلدة بروسا واستقام بها إلى أن مات نحو ثلاثين سنة وكأنت وفاته بها سنة ست وأربعين ومائة وألف ودده بفتح الدالين وهاء بعدهما لفظة فارسية معناها الشيخ أبو المواهب الحنلي أبو المواهب بن عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم بن عمر بن محمد الحنبلي البعلي الدمشقي الشهير جده بابن البدر ثم بابن فقيه فصه مفتي الحنابلة بدمشق القطب الرباني الهيكل الصمداني الولي الخاشع التقي النوراني شيخ القرآ والمحدثين فريد العصر وواحد الدهر كان إماماً عاملاً ملا حجة خبراً قطباً خاشعاً محدثاً ناسكاً تقياً فاضلاً علامة فقيهاً محرراً ورعاً زاهداً آية من آيات الله صالحاً عابداً غوا صافي العلوم بحراً لا يدرك غوره وكوكب بها على فلك التقى دوره ولد بدمشق في رجب سنة أربع وأربعين وألف ونشأ بها في صيانة ورفاهية وطواعية في كنف والده وقرأ القرآن العظيم وحفظه وجود على والده ختمة للسبع من طريق الشاطبية وختمه للعشر من طريق الطيبه والدرة وقرأ عليه الشاطبية مع مطالعة شروحها وأخذ العلم عن جماعة كثيرين من دمشق ومصر والحرمين وأفرد لهم ثبتاً ذكر تراجمهم فيه فمن علماء دمشق النجم الغزي العامري حضر دروسه في صحيح البخاري في بقعة الحديث في الأشهر الثلاثة مدة مديدة وقرأ عليه الفية المصطلح وأجازه إجازة خاصة وحضر دروسه في المدرسة الشامية في شرح جمع الجوامع في الاصول ومنهم الشيخ محمد الخباز المعروف بالبطنيني والشيخ إبراهيم الفتال والشيخ إسماعيل النابلسي والد الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ زين العابدين الغزي العامري قرأ عليه في الفرائض والحساب والمنلا محمود الكردي نزيل دمشق والعارف الشيخ أيوب الخلوتي والشيخ رمضان العكاري محمد بن كما الدين الحسني المعروف بابن حمزة والشيخ محمد المحاسني ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي ورمضان بن موسى العطفي ورجب بن حسين الحموي الميداني وعلى بن إبراهيم القبردي وأجازه الشيخ محمد بن سليمان المغربي والشيخ

стр. 68

يحيى الشأوي الجزائري المالكي المغربي وأخذ عن الشيخ عيسى الجعفري نزيل المدينة المنورة والشيخ أحمد القشاشي المدني والشيخ محمد بن علان البكري والشيخ غرس الدين الخليلي وإبراهيم بن حسن الكوراني وغيرهم وارتحل إلى مصر في سنة اثنين وسبعين وألف وأخذ فيها عن جماعة منهم الشيخ الشمس محمد البابلي والشيخ علي الشبراملسي والشيخ سلطان المزاحي والشيخ عبد السلام اللاقاني وعبد الباقي بن محمد الزرقاني ومحمد بن قاسم البقري ومحمد بن أحمد البهوتي وغيرهم ومات أبوه في غيبته بمصر ثم عاد إلى دمشق وجلس للتدريس مكان والده في محراب الشافعية بين العشائين وبكرة النهار لاقراء الدروس الخاصة فقرأ بين العشائين الصحيحين والجامعين الكبير والصغير للسيوطي والشفا ورياض الصالحين للنووي وتهذيب الاخلاق لابن مسكويه واتحاف البرره بمنقب العشرة للمحب الطبري وغيرهما من كتب الحديث والوعظ وأخذ عنه الحديث والقرآت والفرائض والفقه ومصطلح الحديث والنحو والمعاني والبياني أمم لا يحصون عدداً وأنتفع الناس به طبقة بعد طبقة وألحق الأحفاد بالأجداد ولم ير مثله جلداً على الطاعة مثابراً عليها وله من التآليف رسالة تتعلق بقوله تعالى مالك لا تأمنا على يوسف ورسالة في قوله تعالى فبدت لهما ورسالة في تعملون في جميع القرآن بالخطاب والغيبة ورسالة في فواعد القراءة من طريق الطيبة وله بعض كتابة على صحيح البخاري بنى بها على كتابة لوالده عليه لم نكمل وغير ذلك من التحريرات المفيدة وكان يسقي به الغيث حتى استقى به في سنة ثمان ومائة وألف فكان الناس قد قحطوا من المطر فصاموا ثلاثة أيام وخرجوا في اليوم الرابع إلى المصلى صاما فتقدم صاحب الترجمة وصلى بالناس اماماً بعد طلوع الشمس ثم نصب له كرسي في وسط المصلى فرقى عليه وخطب خطبة الاستسقام وشرع في الدعاء وارتفع الضجيج والابتهال إلى الله تعالى وكثر بكاء الخلق وكان الفلاحون قد أحضروا جانباً كثيراً من البقر والمعز والغنم وأمسك المترجم بلحيته وبكى وقال إلهي لا تفضح هذه الشيبة بين عبادك فخرج في الحال من جهة المغرب سحاب أسود بعد أن كأنت الشمس نقية من أول الشتاء لم ير في السماء غيم ولم ينزل إلى الأرض قطرة ماء ثم تفرق الناس ورجعوا فلما أذن المغرب تلك الليلة انفتحت أبواب السماء بماء منهمر ودام المطر ثلاثة أيام بلياليها غزيراً كثيراً وفرج الله الكربة بفضله عن عباده وله كرامات كثيرة وصدقات سرية على طلبة العلم والصالحين وكسبه من الحلال الصرف في التجارة مع التزام العقود الصحيحة حتى في سنة خمس عشرة ومائة وألف كان والياً بدمشق محمد باشا ابن كرد بيرم فأرسل إليه من طرف الدولة العلية أن يضبط بعلبك والعائد منها ويرسله إلى طرفهم لكونها كأنت في يد شيخ الاسلام المولى فيض الله مفتي الدولة العثمانية فحين قتل صارت للخزينة السلطانية العائد منها حتى الحرير وغيره وكان لما وصل إليه الحرير طرحه على التجار بدمشق وأرسلوا منه جانباً إلى أخ الشيخ أبي المواهب صاحب الترجمة وهو الشيخ سليمان فذهب جماعة إلى عند المترجم وترجوا منه برفع هذه الظلمة عنهم فأرسل ورقة مع خادمه ابن القيسني إلى الباشا فلما وصل إليه هدده فهرب من وجهه فلما ذهب كان حاضراً في مجلس الباشا أحد أعيان جند دمشق وهو محمد أغا الترجمان وباش جأويش وغيرهما فأخبروه بمقام الشيخ وعرفوه بحاله من النسك والعلم والعبادة والولاية فلما تحقق ذلك وكان مراده أن يأخذ من الشيخ مالاً لما سمع بخبره من مزبد الثروة أرسل خبرا لا أحد يتعدى على التجار ثم إن التجار وقعوا على الشيخ مرة ثانية فأرسل ورقة أخرى إلى الباشا وذكر أن الرعية لا تحمل الظلم أما أن ترفع هذه المظلمة وأما نهاجر من هذه البلدة والجمعة لا تنعقد عندكم وأيضاً الحرير للسلطان لا لك وزاد على ذلك في الورقة فلما وصلت إليه ترك مراده ورفع الرمية بعدما علم بمقام الشيخ وإن الرعية تقوم عليه إذا فعل ذلك أنتهى وكان المترجم رحمه الله تعالى لا يخاف في الله لومة لائم ولا يهاب الوزراء ولا غيرهم وأصيب بولده الشيخ عبد الجليل قبل وفاته بسبع سنوات فصبر واحتسب ثم بولده الشيخ مصطفى وكان شاباً فصبر واحتسب ولم يزل على حالته الحسنة وطريقته المثلى إلى أن اختار الله له الدار الباقية وكأنت وفاته في عصر يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شوال سنة ست وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح ﵁ ونفعنا ببركاته وسيأتي ذكر ولده عبد الجليل وحفيده محمد إن شاء الله تعالى ونسبته إلى فصه وهي قرية ببعلبك عن دمشق نحو فرسخ لأن أحد أجداده كان خطيباً بها فلهذا اشتهر بذلك وأجداده كلهم حنابلهالصرف في التجارة مع التزام العقود الصحيحة حتى في سنة خمس

стр. 69

عشرة ومائة وألف كان والياً بدمشق محمد باشا ابن كرد بيرم فأرسل إليه من طرف الدولة العلية أن يضبط بعلبك والعائد منها ويرسله إلى طرفهم لكونها كأنت في يد شيخ الاسلام المولى فيض الله مفتي الدولة العثمانية فحين قتل صارت للخزينة السلطانية العائد منها حتى الحرير وغيره وكان لما وصل إليه الحرير طرحه على التجار بدمشق وأرسلوا منه جانباً إلى أخ الشيخ أبي المواهب صاحب الترجمة وهو الشيخ سليمان فذهب جماعة إلى عند المترجم وترجوا منه برفع هذه الظلمة عنهم فأرسل ورقة مع خادمه ابن القيسني إلى الباشا فلما وصل إليه هدده فهرب من وجهه فلما ذهب كان حاضراً في مجلس الباشا أحد أعيان جند دمشق وهو محمد أغا الترجمان وباش جأويش وغيرهما فأخبروه بمقام الشيخ وعرفوه بحاله من النسك والعلم والعبادة والولاية فلما تحقق ذلك وكان مراده أن يأخذ من الشيخ مالاً لما سمع بخبره من مزبد الثروة أرسل خبرا لا أحد يتعدى على التجار ثم إن التجار وقعوا على الشيخ مرة ثانية فأرسل ورقة أخرى إلى الباشا وذكر أن الرعية لا تحمل الظلم أما أن ترفع هذه المظلمة وأما نهاجر من هذه البلدة والجمعة لا تنعقد عندكم وأيضاً الحرير للسلطان لا لك وزاد على ذلك في الورقة فلما وصلت إليه ترك مراده ورفع الرمية بعدما علم بمقام الشيخ وإن الرعية تقوم عليه إذا فعل ذلك أنتهى وكان المترجم رحمه الله تعالى لا يخاف في الله لومة لائم ولا يهاب الوزراء ولا غيرهم وأصيب بولده الشيخ عبد الجليل قبل وفاته بسبع سنوات فصبر واحتسب ثم بولده الشيخ مصطفى وكان شاباً فصبر واحتسب ولم يزل على حالته الحسنة وطريقته المثلى إلى أن اختار الله له الدار الباقية وكأنت وفاته في عصر يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شوال سنة ست وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح ﵁ ونفعنا ببركاته وسيأتي ذكر ولده عبد الجليل وحفيده محمد إن شاء الله تعالى ونسبته إلى فصه وهي قرية ببعلبك عن دمشق نحو فرسخ لأن أحد أجداده كان خطيباً بها فلهذا اشتهر بذلك وأجداده كلهم حنابله السيد أبو المواهب العرضي السيد أبو المواهب الحلبي سبط العرضي الحنفي نزيل قسطنطينية وأحد المدرسين بها ولد بحلب ونشأ بها ثم رحل إلى قسطنطينية دار الملك بعد تحصيل الاستعداد ولازم من المولى يحيى ابن حكيم باشى السلطان محمد المولى صالح الحلبي قاضي العساكر ولازم على قاعدتهم وعزل عن مدرسة بأربعين عثمانياً وبعده أنتسب إلى المولى

стр. 70

السيد فتح الله ابن شيخ الاسلام المولى فيض الله الشهيد وتشرف بخدمته وصار مكة وبجباله ففي سنة ست ومائة وألف في ذي الحجة أعطى مدرسة سراي الغلطة وفي سنة ثمان ومائة في ذي القعدة أعطى مدرسة يارحصار وفي سنة عشرة ومائة في صفر صارت له مدرسة الداخل المعارفة بين الموالي وفي اثني عشرة أعطى مدرسه سليمان صوباشي وفي سنة أربعة عشر في محرم صار له انعام بثاني مدرسة شيخ الاسلام المولى زكريا مكان هادي زاده المولى فيض الله مرتبة موصلة الصحن وفي سنة خمسة عشر في ربيع الثاني بسبب واقعة ادرنه وقتل شيخ الاسلام وما جرى نزلت رتبته وصارت له مدرسة بهرانية برتبة الداخل وفي سنة سبعة عشر في رمضان أعطى عن محلول اركه زاده المولى بليغ مصطفى مدرسة حافظ باشا وفي سنة عشرين في صفر صار له انعام مدرسة خديجة سلطان ومن مكاتباته قوله بمينا بمن جعل الارواح جنوداً مجنده فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ان شوقي إلى سدى شوق الروضى إلى النسيم وتشوقي لاخباره تشوق الصحة من الجسم السقيم وانه قد استنفد جلدي واحتوى على جميع خلدي وجرح جوار حي وجنح على جوانحي ولو أنني كاتب شوقي إليك لما ابقيت في الارض قرطاساً ولا قلماً والذي جعل الدهر تارات وأودع التنائي الغم والتلداني المسرات لتكاد أنفاسي تحرق بالوجد قرطاسي وأكثر ما أكابد لتذكري تلك الليالي والأيام التي لا أشك في أنها كأنت أضغاث أحلام ليلى لم نحذر حزون قطيعة ولم نمش إلا في سهول وصال فلا أكابد ما كابد من الكرب واتمثل لها بقول شاعر العرب حالت لبعدكم أيامنا فغدت ... سوداً وكأنت بكم بيضاً ليالينا إذ جانب العيش طلق من تالفنا ... ومورد الانس صاف من تصافينا إن الزمان الذي قد كان يضحكنا ... انسا بقربكم قد عاد يبكينا وقد كان من مدة ورد على منه كتاب منطو على أنف كلام وخطاب فسرت به سرور من عاد غائبه إليه ودخل حبيبه من غير وعد عليه وهذا سروري من ملاقاة خطه فكيف سروري إن لقيت جماله وجعلته أنيسي وسميري وجليسي ونديم ضميري وقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباً بخير كتاب جاء من خير صاحب وفي خامس عشر شوال يوم الجمعة سنة إحدى وعشرين ومائة وألف كأنت وفاته وكان مشهوراً بالعلوم والمعارف لطيفاً حسن الالفة رحمه الله تعالى

стр. 71

أبو الوفا بن عبد الصمد بن محمد بن عمر بن سعد الدين بن تقي الدين الشهير كأسلافه بالعلمي الشافعي القدسي هو من بيت الولاية والصلاح لهم الرتبة العلية في القدس وخرج منهم علماء وصلحاء كثيرون وكان المترجم شيخنا كبيراً صالحاً مرشداً من الأخيار حسن الأخلاق صافي السريرة بشوشاً عالماً عابداً عاملاً زاهداً وافر الحرمة مقبول الكلمة مجللاً عند خاصة الناس وعامتهم وكان ذا رأي سديد وفعل رشيد جارياً على مناهج الصوفية ولد في سنة اثنين وخمسين وألف وأدرك جده الاستاذ القطب سيدي محمد العلمي وحفظ عليه القرآن المجيد وقد لبس خرقة الصوفية من أخيه الشيخ عمر العلمي وتلقن منه الذكر وصار شيخنا معظماً وكان بركة زمانه وشيخ الشيوخ بالقدس وكبير الصوفية وله هذه الأبيات في الساعة التي تصنعها الافرنج للأوقات وتحمل مع الانسان لله ساعة انس قد حوت طرفا ... تمشي على عجل في خدمة السعدا تقضي لنا مدة الهجران دورتها ... لطفاً وتدنى قدوم الحبان وعدا دامت بعروتك الوثقاء وصلتها ... محبوة الصدر ما سحت يداك ندا ومن ذلك للأديب الأمير منجك الدمشقي لقد شبهت بالفلك اعتباراً ... لما قد كان من أمر مديري ولكن ذاك منتضح هلالاً ... ومستور هلالي في ضميري وله فيها أيضاً وساعت بلسان الحال قائلة ... لما تشل في أجزائها الفلك الناس تحسب ساعاتي وما عملوا ... بأن أعمارهم تمضي وما ملكوا وكأنت وفاة المترجم في سنة تسع ومائة وألف ودفن بالقدس بتربة مأمن الله وسيأتي ذكر قريبه أحمد وأولاده فيض الله ومحمد ومصطفى في محلاتهم وتقدم ذكر قريبه أبو بكر وعلى كل حال فبنوا العلمي في القدس شهر من كل مشهور وهم بيت ولاية وصلاح وكراماتهم ظاهرة وأحاديث فضائلهم متواترة ورثى المترجم الاستاذ عبد الغني النابلسي الدمشقي بقوله يا دهر ابن أبو الوفا ... وأبو المكارم والصفا ابن الهمام ابن الهمام ابن الإمام المقتفي ... أجداده الشم الانوف وهم من الداء الشفا أهل العلوم ذوي التقى ... والمجد ليس لهم خفا سل قدسهم عنهم وسل أكناف مروة والصفا ... وسل الخليل وأهله وسل الكريم لتعرفا

стр. 72

لله در مهذب ... في القدس كان الارأفا من سادة ملىء الملا كرما بهم وتعففا ... وتقدموا حلما وقد فاقوا هدى وتصوفا يا أيها الوادي المقد ... س إن ركنك قد عفا ابن الذي أخلاقه كأنت أرق والطفا ... ابن الذي أوصافه كالروض شمأله هفا يا قدس مالك لا تنو ... ح تلبها وتلهفا أرضيت عن قرب الاكا رم بالتباعد والجفا ... لا شك قلبك صخرة فاللين منك قد أنتفى والعهد بالاقصى دنا ... بمن لديه تألفا والجسم في قلب القنا ديل استنار وما انطفى ... والكاس يسكب دمعه وبسكب مدمعه اكتفى والطوردك وإنما ... برق التقرب رفرفا يا للفتى العلمي بل شيخ الشيوخ تعرفا ... نور تالق ساعة بين المعالم واختفى وبنوه أنجم أفقه ... عند الكبير تخلفا فيض الهدى فمحمد ثم المقدم مصطفى ... لا زال كوكب سعدهم بالقدس يشرق لا خفا ولهم عن الماضي هنا ... عوض بمن قد خلفا يا أهل ذكر الله لا يكن الفعال تأسفا ... كوني معاني الرسم ان رفع المجيد المصحفا قلم العناية مثبت ... في القدس منكم احرفا وصحائفا منشورة في الناس لن تتخلفا ... وحوادث الدنيا لها أيد تسل المرهفا طوراً وطوراً ترعوي ... فتربك برا مسعفا ما الدهر إلا هكذا منه الجميع على شفا ... سألتني الأوقات في زمن بكم قد أسلفا أيام لذه جمعنا ... بمجالس ملئت وفا ما بال طرفك باكيا ما بال قلبك مدنفا ... فأجبت كيف وأرخى مات التقي أبو الوفا رحم المهيمن روحه ... ولديه أحسن موقفا وحباه من غرف الجنا ن ومنها أن يغرفا ... ما هب عرف صبا وما نغم البلابل شنفا أوقال عبد للغني ... حسبي ومن حسبي كفى أبو يزيد الحنفي أبو يزيد بن يوسف الحنفي القسطنطيني الأيوبي الكاتب المنشي كان والده كنخدا المولى محمد القريمي قاضي العساكر في الدولة ونشأ المترجم وأخذ الخطوط ومهر بالتعليق منها وأخذه عن الاستاذ محمد رفيع كاتب زاده قاضي العساكر وتفوق بالخط المزبور وكأنت وفاته سنة إحدى وسنين ومائة وألف والايوبي نسبة لمحلة أبي

стр. 73

أيوب خالد الانصاري خارج سورة قسطنطينية رحمه الله تعالى ورحم من مات من المسلمين أبو يزيد الحلبي أبو يزيد الحلبي العابد المجتهد في العبادة المبارك الدين العفيف الصالح كان يربي الأطفال في مسجد بمحلة المشارقة من رآه أحبه يتبارك به الناس ويأخذون منه التمائم فيجدون بركتها وكف بصره قبل وفاته فانقطع في داره وكان عليه من الجلالة والنور والوقار ما يدهش المتأمل فقير في زي غني ووجهه كأنه المصباح وقد أخبر من يعتقد صدقه قال كنت لا أعرف الشيخ أبا يزيد فذهبت في جنازة أحد المجاذيب فأراني بعض الناس الشيخ أبا يزيد في الجنازة وكان كف بصره فبادرت لتقبيل يده فلما قبلت يده قال لي أنت السيد محمد الذي هو ساكن في دكان الشيخ محمد البني فقلت له نعم وقضيت من ذلك العجب وقد أخبرت عن صاحب الترجمة أنه لم ينزع قميصه نحو اثنتي عشرة سنة نفعنا الله سبحانه بعباده الصالحين وكأنت وفاته في سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف وله من العمر مائة وخمس سنين ودفن في مدفن ولي الله المعروف بالشيخ سري الدين خارج محلة المشارقة رحمه الله تعالى وأموات المسلمين أحمد الرسمي أحمد بن إبراهيم بن أحمد الرسمي الكريدي الحنفي شهاب الدين أبو الكمال المولى العالم الرئيس الصدر الفاضل الأديب الكاتب البارع المنشي اللغوي أحد أعيان دار السلطنة وروسائها المشهورين ولد بجزيرة رسمو المعروفة بكريد الجزيرة الكبيرة التي وسط البحر الأبيض سنة ست ومائة وألف وقرأ القرآن وغيره واشتغل بتحصيل العلوم والانشاء والخط والأدب ودخل قسطنطينية سنة سبع وأربعين ومائة وألف وقرأ بها على أبي عبد الله الحسين بن محمد الميمي البصري وأبي النجاح أحمد ابن علي المنيني الدمشقي وغيرهم وأخذ التفسير والفقه واللغة والنحو والمنطق والمعاني والبيان والأدب والشعر وتفوق واتقن الانشاء وحسن الترسل واللغة وحفظ الأمثال والشواهد والأغلب من أشعار العرب ووقائعهم وكان حريصاً على تحصيل فائدة مهتماً بجمع الفوائد العلمية والمسائل الأدبية ويكتب الخط المنسوب ويضبط الألفاظ والمسائل التي يثبتها في أجزائه وصاهر المولى الأديب

стр. 74

زين الدين مصطفى بن محمد رئيس الكتاب وأنتسب إليه فجعله من أعيان الكتاب وأقبل بكليته عليه ورسم له أن يكون من روسائهم وولي بعض المناصب ككتابة الصدر الوزير الأعظم ثم صار رئيس الجأويشية وانعقدت عليه أمور الدولة وفوضت إليه في أيام السلطان أبو التأييد والظفر نظام الدين مصطفى خان في المعسكر السلطاني وكان هو مع من كان في المعسكر السلطاني أيام الغزا والجهاد على الكفار الروسية وحمدت سيرته بين أعيان الدولة وكان الوزراء والأمراء والحكام ينقادون إلى كلامه ويستشيرونه في أمور الدولة وترتيب العساكر وتقليد المناصب واستقام على هذه الحالة قدر خمس سنين ثم بعد وقوع الصلح بين المسلمين والكفار وانقضاء الأمر ورجوع الوزراء والأمراء وأعيان الكتاب صحبة المعسكر السلطاني واللواء الشريف إلى دار السلطنة قسطنطينية صار محاسب الأموال السلطانية وثاني وكلاء بيت المال والروزنامجية الكبيرة وأمين المطبخ السلطاني اجتمعت به في دار السلطنة في جمادي الثانية سنة سبع وسبعين ومائة وألف وسمعت من فوائده وصحبته واطلعني على آثاره منها حديقة الروساء ومنها خميلة الكبراء تشتمل الأولى على تراجم روساء الكتاب في دولة العثمانية والثانية تشتمل على تراجم الخواص والمقربين روساء خدام الحرم السلطاني الأمراء السود والحبشان وسمعت من أشعاره ونثاره الكثير وكان بينه وبين والدي محبة ومودة وله أخذ عن الجد العارف محمد بهاء الدين المرادي الحسيني وكنت أسمع خبره من الوالد وغيره قبل الاجتماع وكان الوالد يراسله ويكاتبه واجتمع به بقسطنطينية وكان خبيراً بالأمور بصيراً بأعقابها له رأي ووفرة عقل وقوة ذكاء وقريحة غير قرية وفضل لا ينكر وأدب غض وحسن ترسل في الألسن الثلاث ولا يكتب إلا جيداً مع حسن الخط والضبط والأعيان والكتاب تتنافس بتحريراته ورسائله وفي آخر أمره ضعف بصره وقل نظره وقويت علي الأمراض والهرم ومات ولده الأديب النجيب عمار الكاتب في حياته فتأسف عليه وحزن لفقده وكدر مصابه توفى وأنا بدار السلطنة في ليلة الأحد ثالث شوال سنة سبع وتسعين ومائة وألف ودفن بمقبرة اسكدار ومن نثره هذه المقامة سماها الزلالية البشارية فيما جرى بين ركبان الجاديه تشتمل على أمثال كثيرة وهي هذه حركني الشوق إلى التنقل يوماً من الأيام مع رفيقي بشار بن بسام أخذا بقول بعض أصحاب الأمالي لا يصلح النفس إذ كأنت مصرفة إلا التنقل من حال إلى حال فنزلنا نحر النهار على عادة الهوز بطفطاف الراموز فأجلنا

стр. 75

الأنظار إلى مستعام فارغ عن زحام أنذال الأنام فإذا بشادن قد أشرق الورد من نسرين وجناته واهتز غصن البان من لطف حركاته له رواء وشاهد أحلى شفونا من الفارد يروي الرحال ويشفيهم بمبتسم كابن الغمام وريق كابنة العنب فأشار إلينا بلمحة مغناطيسية ولحظة داهشة مخفيه كأن الثريا علقت في جبينه وفي خده الشعري وفي جيده القمر فانحدرنا نحوه كالماء إلى قراره والغريب إلى جاره وداره فحملنا على قارب نظيف لطيف خال عن الخليط والوصيف فقدم لنا الترحيب والترجيب على ديدن الأديب الأريب ثم أخذ يفحص عن المنصب والمشرب والمذهب والمرغب فنلنا سقاطاً من حديث كأنه جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع فتعجبت من فصاحة لهجته أكثر مما تعجبت من طلأوة بهجته فاستكشفت عن أصله وعترته وعن اسمه وكنيته فقال أسمى زلال بن بلال وأرومتي كريمة الأعمام والأخوال وكنيتي أبو الحسن على الاجمال ثم خاض يتكلم بمنطق تتناثر به اللآلي من الاصداف وتضن بسلاسته الباهرات في مجراها على الرجاف ألذ من الصهباء بالماء ذكره وأحسن من بشر تلقاه معدم قائلاً بأني كنت من أبناء بعض التجار متلمذاً بثروة أي علي الادباء الأخيار فتوفي والدي وذهب المال والنشب تحت كل كوكب فصادني هوى بعض الغزلان بحكم الصبا المنعوت بوصف بعض رنا ظبياً وغنا عندليباً ولا شقائقا ومشى قضيباً فصار ما صار مما لست أذكره فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر وقادني المجون والخلاعة إلى هذه الصناعة والاجتهاد أربح بضاعه لكنني لا آلف إلا أصحاب البراعة والبراعه فقال له بشار يا قرة الابصار وخيرة الشمس والأقمار لا أظنك إلا شريف النجار بمدلول إذا عذبت العيون طابت الأنهار فأدمت على هذه الشارة والشيار يكفيك مقلب الليل والنهار ومسير الجواري على البحار عن معأونة الموالي والأنصار إن البطالة والكسل أحلى مذاقاً من عسل الناس في هوساتهم والدب يرقص في الجبل أما القناعة والعمل يدنى المطالب والأمل ملك كسرى تغن عنه كسرة وعن البحر اجتراء بالوثل فقال نعم إذا المرء لم يستأنف المجد نفسه فلا خير فيما أورثته جدوده ثم شرع يشمر عن ساعدين مثل اللجين ويحل أزرار اللبات عن الأجرام الزاهرات كالبدر من حيث التفت رايته يهدي إلى عينيك نوراً ثاقباً فقال لي بشار ملمي إلى خلوقة الدثار لا تعجبوا من بلى غلالته قد زرا زراره على القمر فجلوبه
следующие страницы →