– ﷺ : أي ذلك كتبت، فهو كذلك، ففتنة ذلك، فقال: إن محمداً وَكَلَ ذلك إليَّ، فاكتب ما شئت. وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة (١) .
ومما يسأله عنه، هل هذه الحروف السبعة موجودة في المصحف الذي بين أيدي المسلمين؟ أو أنها كانت زمن الرسول – ﷺ ، والخليفتين بعده، وصدرا من خلافة عثمان – ﵃ – ثم لما جمع عثمان الناس على مصحف واحد، تركت الحروف الستة، أو بعضها؟
قال الحافظ: ((قال أبو شامة: وقد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد منها؟
مال ابن الباقلاني إلى الأول، وصرح الطبري وجماعة بالثاني، وهو المعتمد.
وقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن أبي الطاهر بن أبي السرح، قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين: هل هي الأحرف السبعة؟ قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل: هلم، وتعال، وأقبل، أي ذلك قلت أجزاك)) قال: وقال لي ابن وهب مثله.
والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي – ﷺ – وفيه بعض الأحرف التي اختلف فيها من الأحرف السبعة، لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي ﴿تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ﴾ في آخر براءة، وفي غيره بحذف ((من)) .
стр. 1087
وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار في عدة واوات، ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معاً، وأمر النبي – ﷺ – بكتابته لواحد، أو اثنين، [وعلمه بعض الصحابة] ، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم،
فهو مما كانت القراءة جائزة به توسعة على الناس، وتسهيلاً، فلما آل الأمر إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان – ﵁ – وكفَّر بعضهم بعضاً، اختار الصحابة – ﵃ – الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي.
قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار على حرف واحد، كمن اقتصر مما خير فيه على خصلة واحدة؛ لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة، لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة.
قلت: ويدل عليه قوله ﷺ في حديث الباب: ﴿فَاقرَءُواْ مَا تَيَسَرَ مِنهُ﴾ وقال أبو العباس ابن عمار: أصح ما عليه الحذاق: أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها، لا كلها، [فما وافق رسم المصحف من تلك الحروف جازت القراءة به مع التواتر] ، وما خالفه مثل: ((أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج)) ، ومثل: ((إذا جاء فتح الله والنصر)) فهو من تلك القراءات التي تركت، إن صح سندها، ولا يكفي صحة سندها في إثبات كونها قرآناً، ولا سيما والكثير منها مما يحتمل أن يكون من التفسير الذي قرن إلى التنزيل، فصار يظن أنه منه)) (١) .
وقال البغوي في ((شرح السنة)) : ((المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرض على رسول الله – ﷺ ، فأمر عثمان – ﵁ – بنسخه في المصاحف، وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك؛ قطعاً لمادة الخلاف،
стр. 1088
فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ، والمرفوع، كسائر ما نسخ، ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم)) (١) .
قال ابن عبد البر: المصحف الذي بأيدي الناس اليوم هو منها حرف واحد، وعليه أهل العلم.
ثم ذكر عن مالك أنه سئل عمن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب: ((فامضوا إلى ذكر الله؟ فقال: ذلك جائز، قال رسول الله – ﷺ : ((أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرءوا منه ما تيسر)) ، مثل ((تعلمون، ويعلمون، لا أرى في اختلافهم في مثل هذا بأساً.
ثم قال: قال ابن وهب: أخبرني مالك بن أنس، قال: أقرأ عبد الله بن مسعود رجلاً: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ ﴿٤٣﴾ طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فقال ابن مسعود: طعام الفاجر، فقلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟
قال: نعم، أرى ذلك واسعاً.
قال: معناه عندي: أن يقرأ به في غير الصلاة (٢) ، وإنما ذكرنا عن مالك تفسيراً لمعنى الحديث، وإنما لم نجز القراءة به في الصلاة؛ لأن ما عدا مصحف عثمان فلا يقطع عليه، وإنما يجري مجرى السنن، التي نقلها الآحاد، لكن لا يقدم أحد على القطع في رده.
وذكر عن ابن القاسم أنه قال: أرى أن على الإمام أن يمنع من يبيع مصحف ابن مسعود، وأن يضرب من قرأ به، ويمنعه.
стр. 1089
وقد قال مالك: من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود، أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف، لم يصل وراءه.
وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك، إلا قوماً شذوا، لا يعرج عليهم.
وهذا كله يدلك على أن السبعة الأحرف التي أشير إليها في الحديث ليس بأيدي الناس منها إلا حرف زيد بن ثابت الذي جمع عليه عثمان – ﵁ – المصحف.
وذكر بسنده إلى أبي الطاهر، قال: سألت سفيان بن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين، هل تدخل في السبعة الأحرف؟ فقال: لا. وإنما السبعة الأحرف كقولهم: هلم، أقبل، تعال، أي ذلك قلت أجزأك.
قال أبو طاهر: وقاله ابن وهب.
قال أبو بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني المقرئ: معنى قول سفيان هذا أن اختلاف العراقيين، والمدنيين، حرف واحد، من الأحرف السبعة، وبه قال محمد بن جرير الطبري.
وقال أبو جعفر الطحاوي: كانت هذه السبعة للناس في الحروف؛ لعجزهم عن أخذ القرآن على غيرها؛ لأنهم أميين، لا يكتبون إلا القليل منهم، فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له، إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ، إذا كان المعنى متفقاً، فكانوا كذلك حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله – ﷺ – فقرأوا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرأوا بخلافها.
وبان بما ذكرناه أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة
стр. 1090
الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد)) (١) .
فإن قيل: هذه الأحرف أنزلها الله، وعلمها الرسول – ﷺ – الصحابة، فثبتت لديهم من كلام الله، وتركها وعدم الاعتناء بها وحفظها ونقلها يكون تفريطاً من الأمة بما كلفت بحفظه.
قيل: الأمر كذلك أن الله أنزلها قرآناً، والرسول – ﷺ – علمها الصحابة، وحفظهم إياها، ولكن الأمة لم تفرط بحفظها، ولم تضيع ما كلفت به، وإنما جعل الأمر إليها، فخيرت في قراءة القرآن بأي حرف من الأحرف السبعة شاءت، مثل تخييرها في كفارة اليمين بين ثلاثة الأشياء، المذكورة في الآية، إما عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فلو أجمعوا على التكفير بواحدة من الثلاث دون حصر التكفير بأي واحدة من الثلاث شاء المكفر لكان ذلك صواباً، مؤدياً للواجب من حق الله – تعالى -. فكذلك مسألة الأحرف السبعة، فإن الله خيرهم فيها توسعة لهم وتسهيلاً عليهم، فإذا رأت الأمة الاقتصار على حرف واحد، من الأحرف السبعة؛ لأمر أوجب ذلك، من خوف الاختلاف، والكفر الذي قد يكون من بعضهم لبعض بسبب القراءة بالأحرف السبعة، كان الصواب – بل الواجب – هو الاقتصار على حرف واحد منها، مع أمن الاختلاف، والتفرق. وهذا ما أدركه الخليفة الثالث، ووافقه عليه أصحاب الرسول – ﷺ – فكان فيه الخير، والرشد، والهدى، وقد أوضح ذلك الإمام ابن جرير في مقدمة التفسير (٢) .
ومقصد البخاري: قوله: ﴿فَاقرَءُواْ مَا تَيَسَرَ مِنهُ﴾ فأسند القراءة إليهم، مما يدل على أنها فعلهم، ولما فيها من وصف التيسير، فإنهم يختلفون في ذلك،
стр. 1091
فمنهم من ييسر له أكثر مما ييسر لغيره، ولما فيه من اختلاف قراءتهم، فكل واحد منهم قرأ بغير قراءة الآخر، فالاختلاف وصف لقراءتهم، لا للقرآن، وهذا كله يدل على أن ذلك فعلهم، وهو المقصود.
*****
قال: باب قول الله تعالى -: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ .
وقال النبي ﷺ : ((كل مُيَسر لِمَا خُلِقَ لَهُ)) يقال: ميسر: مهيأ.
وقال مجاهد: يسرنا القرآن بلسانك، هونا قراءته عليك.
وقال مطر الوراق: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ قال: ((هل من طالب علم فيعان عليه) .
قال العيني: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي: سهلناه للادكار والاتعاظ.
﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ متعظ، وأصل ((مدكر)) مفتعل من الذكر، قلبت التاء دالاً، ثم أدغمت في الأخرى (١) .
قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره: ولقد سهلنا القرآن، بيناه، وفصلناه للذكر، لمن أراد أن يتذكر، ويعتبر، ويتعظ، وهوناه.
ثم روى عن مجاهد أنه قال: هوناه، وعن ابن زيد، قال: بيناه.
ثم قال: وقال بعضهم: هل من طالب علم، أو خير، فيعان، وهو قريب المعنى مما قلناه)) (٢) .
وقال ابن كثير: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي: سهلنا لفظه، ويسرنا معناه، لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
стр. 1092
لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ ِ (١) وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ ِ (٢) ، وقال مجاهد، يعني: هونا قراءته.
وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن.
وقال الضحاك: عن ابن عباس: ((لولا أن الله يسره على لسان الآدميين، ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ) (٣) .
﴿فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ﴾ استفهام أريد به الحض على التذكر، ولا بد قبل التذكر من التعلم، فالله - تعالى - قد سهل طرق حفظ القرآن، وفهمه، وثمرة ذلك: العمل به، والاتعاظ بمواعظه.
قال ابن كثير: ﴿فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟ (٤) .
وقال القسطلاني: ((ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه، ويروى أن كتب أهل الأديان كالتوراة والإنجيل، لا يتلوها أهلها إلا نظراً، ولا يحفظونها ظاهراً كالقرآن)) (٥) .
وقول مجاهد، تقدم أن ابن جرير رواه بسنده عنه، وقال الحافظ: رواه الفريابي في تفسيره بسنده.
стр. 1093
وقوله: ((هونا قراءته عليك)) لا يريد اختصاص النبي ﷺ بذلك، فإن ظاهر الآية يدل على العموم، ولهذا قال: ﴿فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ﴾ وإنما يريد تهوين قراءته على كل من أقبل عليه صادقاً، ويدخل في ذلك فهم معانيه، فإن الله - تعالى - قد يسرها لمن تدبره.
وقول مطر الوراق، سبق أن ابن جرير رواه بسنده، وقال: إنه قريب المعنى مما قلناه، يعني: فصلناه، وبيناه، لمن أراد الفهم والتذكر، والاتعاظ، وذلك لما في لفظ التيسير مما يدل على التسهيل، والإعانة، وما يدل عليه الاستفهام من إرادة ذلك، والله أعلم. ومقصود البخاري: أن حفظ كتاب الله وفهمه، والتذكر به والاتعاظ، وكذلك تلاوته وقراءته، كل ذلك عمل العبد الذي يطلب من ربه أن يعينه عليه، ويسهله له، وقد وعد بذلك جل وعلا.
أما المفهوم المحفوظ المتلو فهو غير فعل العبد المخلوق، بل هو كلام الله وصفته.
١٧٥- قال: ((حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا يزيد، حدثني مطرف بن عبد الله، عن عمران، قال: قلت: يا رسول الله، فيما يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له)) .
هذا السؤال تكرر لرسول الله ﷺ من عدد من أصحابه، فبين لهم أن الله - تعالى - قد علم أهل الجنة وأهل النار قبل وجودهم، وأنه تعالى قد كتب ذلك في الأزل، ونهاهم ﷺ أن يتكلوا على ذلك الكتاب، ويدعوا العمل.
وكأنه عرض لهم أنه إذا كان أهل الجنة قد عملوا، وكتبوا، وكذلك أهل
стр. 1094
النار، فلا فائدة في العمل، والاجتهاد، فإنه لا بد من حصول المكتوب، فأجابهم عن ذلك بقوله: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) ، يعني: أن الذي كتب من أهل الجنة سوف يهيئ الله له أسباب عمل أهل الجنة، وييسرها له فيعملها، فتكون سبباً لدخوله الجنة. وكذلك الذي كتب من أهل النار، لابد أن يعمل عملاً يستحق به دخول النار، وقد أوضح ذلك النبي – ﷺ – إيضاحا تاما.
ففي سنن أبي داود، والترمذي، أن عمر بن الخطاب – ﵁ – سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذ أَخَذَ رَبُكَ مِن بَنِي آَدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرِيَّتَهُم﴾ ؟ فقال: سمعت رسول الله – ﷺ – سئل عنها فقال: ((إن الله – – خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون)) .
فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله – ﷺ : ((إن الله – – إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار)) (١) .
وفي ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين
стр. 1095
ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء)) (١) .
وفيه أيضاً عن أبي الأسود الدِّئِليّ، قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشي قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟
فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم.
قال: فقال: أفلا يكون ظلماً؟
قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: كل شيء خلق الله، وملك يده، فلا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.
فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا حرز عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله – ﷺ – فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشي قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟
فقال: ((لا، بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم، وتصديق ذلك كتاب الله – : ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَألهَمَها فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ (٢) .
وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج علينا رسول الله – ﷺ – وفي يده كتابان، فقال: ((هل تدرون ما هذان الكتابان؟)) فقلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله، فقال للذي بيده اليمنى: ((هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، وأجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً)) .
стр. 1096
ثم قال للذي في شماله: ((هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، وأجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً)) .
فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله؟ إن كان الأمر قد فرغ منه؟
فقال رسول الله – ﷺ : ((سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل)) .
ثم قال رسول الله – ﷺ – بيديه، فنبذهما، ثم قال: ((فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير)) (١) .
والأحاديث في هذا كثيرة، ففي ذلك أن الله – تعالى – علم أهل الجنة وكتبهم، وأرادهم كوناً من أهلها، وكذلك أهل النار، قبل وجودهم بزمن طويل جداً، وقبل أن يعملوا ما يستحقون عليه دخول الجنة أو النار، وهذا من كمال علم الله – تعالى -، وهو مما يجب الإيمان به، وقد نص الأئمة على كفر من جحده.
قال اللالكائي: ((روي عن مالك بن أنس، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن العنبري: يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا.
وعن سعيد بن جبير: القدرية يهود، وعن الشعبي: القدرية نصارى.
وعن نافع مولى ابن عمر: القدرية يقتلون، وحكى المزني عن الشافعي: أنه كفرهم، وعن إبراهيم بن طهمان: القدرية كفار.
стр. 1097
وعن أحمد بن حنبل مثل قول مالك)) (١) .
وفي هذه الأحاديث بيان أن كل أحد لا بد له من عمل يكون سبباً لدخوله الجنة أو النار.
فالنبي – ﷺ – بين أن الله – تعالى – علم أهل الجنة، وأهل النار، وأنه كتب ذلك ونهى الناس أن يتكلوا على ما سبق في الكتاب عليهم، ويدعوا العمل، كما يفعله الملحدون، وقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فأهل السعادة سوف تتهيأ لهم من الأسباب ما تمكنهم من عمل أهل السعادة.
وكذلك أهل الشقاء، لا بد أن يعملوا الأعمال التي يشقون بها، ويستحقون النار عليها.
فالله – تعالى- يعلم كل شيء على ما هو عليه، وقد جعل لكل شيء سبباً، وجعل العبد قادراً على العمل الذي كتب عليه، فيفعله مختاراً، راغباً غير مجبر عليه، ولا ملزم به.
ولهذا يجب على العبد، مع الإيمان بالقدر: الاجتهاد في العمل، والأخذ بأسباب النجاة، والالتجاء إلى الله – تعالى – بأن ييسر له أسباب السعادة، وأن يعينه عليها.
والله – تعالى – مع غناه عن الخلق كلهم، خلقهم، وأرسل إليهم الرسل تبين لهم ما يسعدهم، وما فيه شقاؤهم، وهدى عباده المؤمنين لما خلقوا له، وهداهم لما اختُلِف فيه من الحق، فمنَّ عليهم أن حبب إليهم الإيمان، والعمل الصالح، ويسر ذلك لهم، وأعانهم عليه، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم ضده من الكفر والمعاصي، والفسوق، وجعلهم راشدين، وكل ذلك فضل منه
стр. 1098
وكرم من غير استحقاق لهم عليه، فإيجادهم من العدم فضل منه، وإرسال الرسل إليهم تدلهم على الحق فضل منه، وهدايته
لهم فضل منه، وجميع ما ينالون به الخير من قواهم وغيرها بفضله، وكذلك إثابته لهم على أعمالهم الصالحة فضل منه وكرم، وإن كان أوجب ذلك على نفسه، كما حرم على نفسه الظلم، قال تعالى: ﴿كَتبَ رَبُّكُم عَلَى نَفسِهِ الرَّحمَةَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلينَا نَصرُ المُؤمِنينَ﴾ ، فهو واجب بإيجابه ووعده، وهو لا يخلف وعده، وكل ذلك بفضله ومنته، والخلق لا يوجبون على الله شيئاً، ولا يحرمون عليه شيئاً، بل هم أعجز من ذلك، وأقل.
فكل ما يصيب الخلق من النعم فهي من فضل الله، وكرمه، وكل ما يصيبهم من النقم فهي بعدل، وهم يستحقونها جزاء لأعمالهم، ويعفو الله عن كثير.
ولا بد للعبد أن يجمع بين أمر الله وقدره، ووعده، ووعيده؛ لأن من أعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد، معتمداً على القدر، فهو ضال، ومن حاول القيام بالأمر والنهي، وأعرض عن القدر، فهو أيضا ضال، ولهذا أمر الله عباده أن يعبدوه مستعينين به على ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ .
فيعبدون اتباعا لأمره، ويستعينونه إيماناً بالقدر، وذلك أنه لا يقع شيء إلا بعد مشيئته، وهو الخالق لكل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، وإن كانت تقع باختيارهم وقدرتهم، فهو الخالق لها، ولا تقع إلا إذا شاء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالِمينَ﴾ (١) ، وإذا لم يعن الله العبد على الفعل لم يستطعه.
стр. 1099
فمن ظن أنه يطيع الله بلا معونته، كما تزعم القدرية المجوسية فهو جاحد لقدرة الله التامة، ومشيئته الشاملة لكل شيء، وخلقه لكل شيء.
ومن ظن أنه إذا أعين على ما يريد، ويسر له ذلك كان محموداً، محبوباً، سواء وافق ذلك الأمر الشرعي أو خالفه، فقد جحد دين الله وكذب كتبه ورسله، ووعده، ووعيده، واستوجب غضب الله وعقابه، وصار من الذين قال الله عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ (١) .
قوله: ((فيم يعمل العاملون؟)) أي: أعمال العباد، هل قدرها الله عليهم وسبق علم الله بها، وكتابته لها، فهم يعملون في أشياء قضاها الله وفرغ منها، فلا يمكن أن يقع منهم إلا ما قدره، وقضاه؟ وهذا هو الواقع.
أو أنهم يعملون في شيء لم يقدر، ولم يكتب عليهم، بل هو موكول إليهم؟
وذكر هذا الحديث في القدر بلفظ: ((قال رجل: يا رسول الله، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له، أو لما ييسر له)) (٢) .
فقوله: ((فيم يعمل العاملون؟)) مرتب على قول النبي – ﷺ – إنه قد علم أهل الجنة، من أهل النار، فكأنه وقع في نفسه أنه ما دام قد فرغ من ما يصير إليه العباد، وعلم الله أهل السعادة، وأهل الشقاء، قبل وجودهم، فلماذا العمل، والإنسان لا بد أن يصير إلى ما كتب عليه، فهي أمور منتهية، ولابد من حصولها؟
стр. 1100
فأجابه النبي – ﷺ – بما أزال هذا الإشكال بقوله: (كل يعمل لما خلق له)) ، يعني أن أهل الجنة لا بد أن يعملوا أعمالاً يستحقون بها دخول الجنة، وأهل النار لا بد أن يعملوا أعمالاً يستحقون بها دخول النار.
وقد علم الله أن من يكون من أهل الجنة يعمل عملهم، وييسر ذلك له، ويتفضل عليه، فيحبب إليه الإيمان، ويزينه في قلبه، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، ويجعله راشداً مطيعاً مهتدياً، وهذا كله فضل الله ومنته، وهو معنى تيسيره لليسرى، وأما أهل النار فقد علم الله – تعالى – أنهم يكفرون، ويبغضون الإيمان، ويأبونه، ويفعلون ذلك اختياراً منهم، وحباً له، بعكس أهل الإيمان، وهو معنى تيسيرهم للعسرى، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ﴿٥﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴿٦﴾ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴿٨﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴿٩﴾ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ وهو معنى قوله ﷺ : ((كل ميسر لما خلق له)) .
ووجه الاستدلال من الحديث: أن قوله: ((كل ميسر لما خلق له)) يدل على أن العبد له عمل ييسر له فيعمله، فيستحق عليه الجزاء، وذلك الجزاء هو الذي خلق العبد له، إما الجنة وإما النار، فالعبد فاعل على الحقيقة، فهو المؤمن، والمصلي، والعامل، حقيقة، وهو الكافر، والمنافق، والعاصي، والسارق، والزاني، حقيقة، ولذلك استحق العذاب، أو الثواب.
وكذلك هو القارئ إذا قرأ كتاب الله – تعالى -، فالقراءة فعله، وكسبه، وعمله، والمقروء: كتاب الله وصفته الذي تكلم به، وقاله، وأنزله على رسول – ﷺ ، وقد يسر الله القرآن للذكر، فإذا تذكره العبد، وقرأه، وعمل به، فذلك عمله، يضاف إليه، ويجزى عليه.
قال الإمام البخاري ﵀: ((ويقال لمن زعم أني لا أقول: القرآن مكتوب في المصحف، ولكن القرآن بعينه في المصحف، يلزمك أن تقول:
стр. 1101
إن ما ذكره الله في القرآن من الجن، والإنس، والملائكة، والمدائن، ومكة، والمدينة، وغيرها، وإبليس، وفرعون، وجنودهما، والجنة، والنار، عاينتهم بأعيانهم في المصحف؛ لأن فرعون مكتوب فيه، كما أن القرآن مكتوب فيه.
ويلزمك أكثر من ذلك، حين تقول: الله في المصحف، وهذا أمر بيَّن؛ لأنك تضع يديك على هذه الآية، وتراها بعينك: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فلا يشك عاقل بأن الله هو المعبود، وقوله: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ هو قرآن، فالقرآن قول الله – – والقراءة، والكتابة، والحفظ للقرآن، هو فعل المخلوق؛ لقوله: ﴿فَاقرَءُواْ مَا تَيَسَرَ مِنهُ﴾ وقوله: ﴿فَاقرَءُواْ مَا تَيَسَرَ مِنَ القُرآَنِ﴾ .
والقراءة فعل الخلق، وهي طاعة الله، والقرآن ليس هو بطاعة، إنما هو الأمر بالطاعة، ودليله قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (١) ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (٣) ، وقال : ﴿يَأَيُهَا الرَّسُولُ بَلِغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِكَ﴾ ، فلذلك كله مما أمر به، ولذلك قال: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاةَ﴾ ، والصلاة بجملتها طاعة لله، والأمر بالصلاة قرآن، وهو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على اللسان.
والقراءة والحفظ والكتابة مخلوق، وما قرئ، وحفظ، وكتب، ليس
стр. 1102
بمخلوق، ومن الدليل عليه: أن الناس يكتبون ((الله)) ويحفظونه، ويدعونه، فالدعاء والحفظ والكتابة من الناس مخلوق، ولا شك فيه، والخالق الله بصفته)) (١)
١٧٦- قال: ((حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندور، حدثنا شعبة، عن منصور والأعمش، سمعا سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي – ﵁ – عن النبي – ﷺ – أنه كان في جنازة، فأخذ عوداً فجعل ينكت في الأرض، فقال: ((ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من الجنة، أو من النار)) قالوا: ألا نتكل؟ قال: ((اعملوا، فكل
ميسر، ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ﴿٥﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴿٦﴾ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الآية)) .
((أنه كان في جنازة)) قال الأزهري: ((قال أبو العباس: الجنازة بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت، وقال الليث: الإنسان الميت، والشيء الذي قد ثقل على قوم، واغتموا به، هو جنازة، عن الأصمعي: الجنازة – بالكسر – هو الميت نفسه)) (٢) .
وفي ((المصباح)) : ((جنزت الشيء، أجنزه – من باب ضرب -: سترته، ومنه اشتقاق الجنازة، وهي بالفتح والكسر، والكسر أفصح، وقال الأصمعي وابن
стр. 1103
الأعرابي: بالكسر: الميت نفسه، وبالفتح: السرير، وروى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت نفسه)) (١) .
((فأخذ عوداً فجعل ينكت في الأرض)) أي: يضرب فيها بذلك العود، ويكون ذلك عادة من فعل المفكر المهموم.
((فقال: ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من الجنة أو من النار)) الخطاب وإن كان موجهاً إلى الحاضرين، فالمقصود به عموم الخلق من الإنس والجن.
ومعنى كتابة مقعده: أن الله علم مصيره، ومستقره في الجنة أو في النار، وكتبه، وذلك قبل وجوده، كما سبقت الإشارة إليه.
((قالوا: ألا نتكل؟)) أي: ندع العمل اعتماداً على ما كتب لنا، وقدر، فإننا لا بد صائرين إليه، فلا يكون في العمل تغيير لما كتب، وهذا الإشكال يعرض لكثير من الناس، وقد أزاله رسول الله – ﷺ – بقوله: ((اعملوا فكل ميسر)) أي: ميسر لما خلق له من الجنة أو النار، فإن كان العبد خلق للجنة والسعادة، فسوف يهيئ الله له من أسباب السعادة، وييسرها له ويسهلها عليه، حتى يتمكن من العمل الذي يكون سبباً لذلك، وإن كان من أهل الشقاء، فلا بد أن يقيّض له من الأسباب ما يتمكن به من العمل للشقاء.
فالله – تعالى – لا يظلم أحداً، وقد حرم الظلم على نفسه – تعالى – وجعله بين عباده محرماً، ولكن لكمال قدرته خلق العبد فاعلاً مختاراً، فإما
стр. 1104
أن يختار طريق الهدى، أو طريق الردى، وكل واحد من الفريقين يجد نفسه غير مدفوع إلى ذلك، بل يفعله عن رغبة منه، واختيار، ولو حيل بينه وبين ما يريده لربما قاتل من يحاول أن يصده عن مراده، والله – تعالى – ييسر للعبد من العمل ما يستحق به ما كتب عليه وقدر، قبل أن يخلق، ولهذا قرأ النبي – ﷺ – قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ﴿٥﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴿٦﴾ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴿٨﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴿٩﴾ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .
وتقدم وجه الدلالة من الحديث لمراد البخاري في الحديث الذي قبله، وهو أن التيسير يدل على أن العبد الذي يسر له العمل عامل حقيقة، ويدخل في ذلك قراءة القرآن، فهي عمل القارئ، وأما المقروء فهو كتاب الله – تعالى – كما سبق.
قال ابن المنير: ((ما ذكره البخاري في هذا الباب راجع إلى ما تقدم من وصف القراءة بالتيسير، وهذا يدل على أنها فعل [العبد] ، ويشهد [له] قوله: كل ميسر لما خلق له، ومما خلق له التلاوة، والله أعلم)) (١) .
قوله: ((ومما خلق له التلاوة)) يعني: أنها عمل الإنسان الذي يترتب عليه مصيره الذي كتب له، كما مر في الحديث.
ذكر شيخ الإسلام أن الجهمية افترقت على ثلاث فرق، فرقة تقول: القرآن مخلوق، وفرقة تقول: كلام الله، وتسكت، وفرقة تقول: ألفاظنا
стр. 1105
وتلاوتنا للقرآن مخلوقة.
وحقيقة قول هؤلاء: أن القرآن الذي نزل به جبريل على محمد مخلوق لم يتكلم الله به، وشبهتهم: أن أفعالنا وأصواتنا مخلوقة، ونحن إنما نقرؤه بحركاتنا وأصواتنا.
ثم قابل هؤلاء قوم أرادوا رد باطلهم، فوقعوا في باطل آخر، حيث قالوا: تلاوتنا للقرآن غير مخلوقة، وألفاظنا به غير مخلوقة (١) ؛ لأن هذا هو القرآن، وهو غير مخلوق.
ولم يفرقوا بين الاسم المطلق، والاسم المقيد بالدلالة، فأنكر الإمام أحمد على هؤلاء وبَدّعهم، وأحمد وسائر الأئمة ينكرون أن يكون شيء من كلام الله مخلوقاً، حروفه أو معانيه، وينكرون أن يكون القرآن المنزل ليس هو كلام الله، كما ينكرون على من يجعل شيئاً من أفعال العباد أو أصواتهم غير مخلوق.
وكلام أحمد في مسألة التلاوة، والقراءة، والإيمان، من نمط واحد، منع إطلاق القول بأن ذلك مخلوق؛ لأنه يتضمن القول بأن من صفات الله ما هو مخلوق، ولما فيه من الذريعة، ومنع أيضاً إطلاق القول بأنه غير مخلوق؛ لما فيه من البدعة والضلال.
وذلك أن التلاوة، والقراءة، واللفظ، قد يراد به مصدر: تلا يتلو تلاوة، وقرأ يقرأ، قراءة، ولفظ، يلفظ، لفظاً، ومسمى المصدر هو فعل العبد، وحركاته، وذلك مخلوق، ليس هو القول المسموع المتلو.
وقد يراد بالتلاوة، والقراءة، واللفظ: المتلو، المقروء، المتلفظ به، وهو المسموع، وهذا هو كلام الله – تعالى – ليس بمخلوق.
стр. 1106
وقد يراد مجموع الأمرين، فلا يجوز إطلاق القول بأنه مخلوق، ولا نفي الخلق عن الجميع (١) .
*****
قال: ((باب قول الله -تعالى -: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ .
أي: ليس الأمر، كما قال المكذبون لرسول الله – ﷺ – أن ما يقوله شعر، أو كهانة، أو أساطير الأولين اكتتبها، ليس الأمر كذلك، بل هو قرآن مجيد)) قال البغوي: كريم، شريف، كثير الخير، ليس كما زعم المشركون، أنه شعر، أو كهانة.
﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ قرأ نافع بالرفع، على أنه نعت للقرآن، فإن القرآن محفوظ من التبديل والتغيير، والتحريف؛ قال الله – تعالى -: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقرأ الباقون بالجر، على أنه نعت للوح، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، ومنه تنسخ الكتب، محفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه، والنقصان)) (٢) .
و ((المجيد)) الكريم، واسع الخير، كثير الصفات الحميدة.
قال ابن القيم: ((المجد مستلزم للعظمة، والسعة والجلال، كما يدل عليه موضوعه في اللغة، فهو دال على صفات العظمة والجلال)) (٣) .
والقرآن عظيم، واسع المعاني، كثير الخير، وفيه الهدى والنور، وهو جليل القدر؛ إذ هو كلام رب العالمين.
стр. 1107
قوله: ﴿وَالطُّورِ ﴿١﴾ وَكِتَابٍ مَّسطُورٍ﴾ ، قال قتادة: مكتوب)) .
قال ابن كثير – ﵀: ((يقسم تعالى بمخلوقاته، الدالة على قدرته العظيمة، أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع
له عنهم، فالطور هو: الجبل، الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلَّم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر، لا يسمى طوراً، وإنما يقال له: جبل.
﴿وَكِتَابٍ مَّسطُورٍ﴾ قال قتادة: مكتوب، قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة، التي تقرأ على الناس، جهاراً، ولهذا قال: ﴿فِي رَقٍ مَّنشُورٍ﴾ (١) .
قال البخاري – ﵀: ((وقال إسحاق بن إبراهيم: فأما الأوعية، فمن يشك في خلقها؟ قال الله – تعالى -: ﴿وَكِتَابٍ مَّسطُورٍ ﴿٢﴾ فِي رَقٍ مَّنشُورٍ﴾ ، وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ ذكر أنه يحفظ، ويسطر. قال: ﴿وَمَا يَسطُرُونَ﴾ .
ثم روى عن قتادة قال: ﴿وَالطُّورِ ﴿١﴾ وَكِتَابٍ مَّسطُورٍ﴾ قال: المسطور: المكتوب، ﴿فِي رَقٍ مَّنشُورٍ﴾ : وهو الكتاب، وروى عن مجاهد: (كتاب مسطور) : وصحف مكتوبة، (في فِي رَقٍ مَّنشُورٍ) : في صحف)) (٢) .
((قال أبو عبد الله: فأما المداد، والرق، ونحوه، فإنه خلق، كما أنك تكتب ((الله)) ، فالله في ذاته هو الخالق، وخطك واكتسابك من فعلك خلق؛ لأن كل شيء، دون الله، صفة، وهو خلق، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ
стр. 1108
شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيراً﴾ وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌ حَكِيم﴾ ، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ (١) .
قوله: ﴿يَسطُرُونَ﴾ : يخطون)) .
تفسير لقوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال ابن كثير: ﴿وَالقَلَمِ﴾ الظاهر أنه جنس القلم، الذي يكتب به، كقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ، فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه، على ما أنعم به عليهم، من تعليم الكتابة، التي بها تنال العلوم.
ولهذا قال: ﴿وَمَا يَسطُرُونَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني: وما يكتبون، وقال أبو الضحى: عن ابن عباس ﴿وَمَا يَسطُرُونَ﴾ أي: وما يعملون، وقال السدي: ﴿وَمَا يَسطُرُونَ﴾ يعني: الملائكة، وما تكتب من عمل العباد)) (٢) .
قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتِابِ﴾ : جملة الكتاب وأصله)) .
قال ابن كثير: ((قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتِابِ لَدَينَا لَعَلِيٌ حَكِيمُ﴾ يبين شرفه، في الملأ الأعلى، ليشرفه ويعظمه، ويتبعه أهل الأرض، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن: ﴿فِي أُمِّ الْكِتِابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس، ومجاهد ﴿لَدَينَا﴾ أي: عندنا، قاله قتادة وغيره، ﴿لَعَلِيٌ﴾ أي: ذو مكانة عظيمة، وشرف، وفضل، قاله قتادة.
﴿حَكِيمٌ﴾ أي: محكم، بريء من اللبس والزيغ، وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله)) (٣) .
стр. 1109
(( ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ : ما يتكلم من شيء إلا كتب عليه. وقال ابن عباس: يكتب الخير والشر)) .
قال الله – تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿١٦﴾ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١) . قال ابن كثير:: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يعني: الملائكة، أقرب إلى الإنسان، من حبل وريده، ومن تأوله على العلم؛ فإنما فر لئلا يلزم حلول، أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه، فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، كما قال في المحتضر: ﴿وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِنكُم وَلَكِن لاَّ تُبصِرُونَ﴾ ، يعني: ملائكته، وكما قال: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فالملائكة نزلت بالذكر، وهو القرآن، بإذن الله – – وكذلك الملائكة، أقرب إلى الإنسان من حبل وريده، بإقدار الله لهم على ذلك.
﴿إِذ يَتَلَقَّى المُتَلَقّيَانِ﴾ يعني: الملكين، اللذين يكتبان عمل الإنسان.
﴿عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِمَالِ قَعِيدُ﴾ أي: واحد عن يمينه، والآخر عن شماله، مترصد لما يقوله أو يفعله.
﴿مَّا يَلفِظُ﴾ أي: ابن آدم ﴿مِن قَولٍ﴾ أي: ما يتكلم بكلمة، ﴿إِلاَّ لَدَيهِ رَقِيبُ عَتِيدُ﴾ إلا ولها من يراقبها، معتد لذلك فيكتبها، ولا يترك له كلمة، ولا حركة إلا كتبها)) (٢) .
وقول ابن عباس، يفيد أنهما لا يكتبان إلا لحسنات والسيئات، وظاهر
стр. 1110
الآية أنهما يكتبان، كل ما نطق به الإنسان أو عمله؛ لأنه قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ .
قال مجاهد: الذي يكتب الحسنات عن يمينه، والذي يكتب السيئات عن شماله.
وقال أيضاً: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه، وملك عن يساره.
قال: ((فأما الذي عن يمينه، فيكتب الخير، وأما الذي عن يساره، فيكتب الشر)) .
وقال قتادة: تلا الحسن: ﴿عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِمَالِ قَعِيدُ﴾ فقال: يا ابن آدم، بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك، فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك، فيحفظ سيئاتك، فاعمل بما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت، طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فيقال لك: ﴿اقرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفسِكَ اليَومَ عَلَيكَ حَسِيباً﴾ ، عدل والله فيك من جعلك، حسيب نفسك)) (١) .
(( ﴿يحرِّفُونَ﴾ : يُزيلون: وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله ولكنهم يحرفونه: يتأولونه على غير تأويله)) .
قال الحافظ: ((لم أر هذا موصولاً من كلام ابن عباس، من وجه ثابت، مع أن الذي قبله، من كلامه، وكذا الذي بعده، وهو قوله: ((دراستهم: تلاوتهم)) ، وما بعده، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم، وتقدم في باب قوله
стр. 1111
﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فِي شَأنٍ﴾ عن ابن عباس، ما يخالف ما ذكر هنا، وهو تفسير ﴿يحرِّفُونَ﴾ بقوله: يزيلون.
وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن، في قوله: ﴿يحرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ قال: يقلبون ويغيرون.
وقال الراغب: ((التحريف: الإمالة، وتحريف الكلام: أن يجعله على حرف من الاحتمال، بحيث يمكن حمله على وجهين، فأكثر)) (١) .
وقال: ((صرح كثير من أصحابنا، بأن اليهود، والنصارى بدلوا التوراة، والإنجيل.
وذكر بعض الشراح، أن في هذه المسألة، أربعة أقوال:
أحدها: أنها بدلت كلها، وينبغي حمل هذا الإطلاق على أكثرها؛ لأن الآيات والأخبار الكثيرة، تدل على بقاء شيء منها
لم يبدل، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ (٢) ، ومنه قصة رجم اليهوديين، وفيها وجود آية الرجم، في التوراة، ويؤيد ذلك، قوله تعالى:
﴿قُل فَأَتُوْ بِالتَّورَاةِ فَاتلُوهَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ .
الثاني: أن التبديل وقع في معظمها، وأدلة ذلك كثيرة، وينبغي حمل القول الأول عليه.
الثالث: وقع التبديل في اليسير منهما، ومعظمهما باق على حاله، قال: ونصره الشيخ تقي الدين ابن تيمية في الجواب الصحيح.
стр. 1112
الرابع: ((إنما وقع التبديل والتغيير، في المعاني، لا في الألفاظ، وهو ما ذكره البخاري هنا)) (١) .
والصحيح: أن التبديل والتحريف، وقع في كثير من ألفاظهما، ومعانيهما، كما قال الله – تعالى - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿يحرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ (٣) .
قال شيخ الإسلام: ((علماء المسلمين، وعلماء أهل الكتاب، متفقون على وقوع التحريف في معاني وتفسير الكتب السابقة، وإن كانت كل طائفة تزعم أن الأخرى هي التي حرفت المعاني.
وأما ألفاظ الكتب، فقد ذهبت طائفة من علماء المسلمين إلى أن ألفاظهما لم تبدل، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكتاب.
وذهب كثير من علماء المسلمين، وأهل الكتاب إلى إنه بدل بعض ألفاظها.
وهذا هو المشهور عن كثير من علماء المسلمين وقاله أيضاً كثير من علماء أهل الكتاب، حتى في صلب المسيح، ذهبت طائفة من النصارى إلى أنه لم يصلب، وإنما صلب الذي شبه بالمسيح، كما أخبر به القرآن، فإنه لما ألقي شبهه على المصلوب، ظنوا أنه هو المسيح، أو تعمدوا الكذب.
ثم هؤلاء، منهم: الذين يقولون: إن في ألفاظ الكتب ما هو مبدل.
стр. 1113
ومنهم: من يجعل المبدل من التوراة والإنجيل كثيراً منهما، وربما جعل بعضهم المبدل أكثرهما، لا سيما الإنجيل، فإن الطعن فيه أكثر، وأظهر منه في التوراة.
ومن هؤلاء، من يسرف، حتى يقول: إنه لا حرمة لشيء منهما، بل يجوز الاستنجاء بهما.
ومنهم من يقول: الذي بدلت ألفاظه، قليل منهما، وهذا أظهر، والتبديل في الإنجيل أظهر، بل كثير من الناس يقول: هذه الأناجيل ليس فيها من كلام الله، إلا القليل، والإنجيل الذي هو كلام الله ليس هو هذه الأناجيل.
والصحيح: أن هذه التوراة، والإنجيل، الذي بأيدي أهل الكتاب، فيه ما هو حكم الله، وإن كان قد بدل وغيِّر بعض ألفاظهما؛ لقول الله – تعالى -:: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ﴾ (١) فعلم: أن التوراة التي
كانت موجودة، بعد خراب بيت المقدس، بعد مجيء بختنصر، وبعد مبعث المسيح، وبعد مبعث محمد – ﷺ – فيها حكم الله.
والتوراة التي كانت عند يهود المدينة، على عهد رسول الله – ﷺ ، وإن قيل: إنه غيِّر بعض ألفاظها بعد مبعثه، فلا نشهد على كل نسخة في العالم بمثل ذلك، فإن هذا غير معلوم لنا، وهو متعذر، بل يمكن تغيير كثير من النسخ، وإشاعة ذلك عند الاتباع، حتى لا يوجد عند كثير من الناس إلا ما غُيِّر، ومع هذا فكثير من نسخ التوراة والإنجيل متفقة في الغالب، وإنما تختلف في اليسير من ألفاظها.
стр. 1114
فتبديل ألفاظ اليسير من النسخ، بعد مبعث الرسول ﷺ – ممكن، لا يمكن أحدٌ أن يجزم بنفيه، ولا يقدر أحد من اليهود، والنصارى، أن يشهد بأن كل نسخة في العالم من الكتابين، متفقة الألفاظ؛ إذ لا سبيل إلى علم ذلك.
وذلك أن اليهود قبل مبعث النبي – ﷺ – وعلى عهده، وبعده، منتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، وعندهم نسخ كثيرة من التوراة.
وكذلك النصارى، ولم يتمكن أحد من جمع هذه النسخ وتبديلها، ولو كان هذا ممكناً، وواقعاً، لكان من الوقائع العظيمة، التي تتوافر الدواعي على نقلها.
ومثل التوراة، الإنجيل، قال الله – تعالى -: ﴿وَليَحكُم أَهلُ الإِنجِيلِ بِما أَنَزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ (١) فعلم، أن في الإنجيل حكماً، أنزله الله – تعالى – لكن الحكم من باب الأمر والنهي، ولا يمتنع أن يكون التغيير والتبديل في باب الإخبار، وهو الذي وقع فيه التبديل لفظاً.
وأما الأحكام التي في التوراة، فما يكاد أحد يدعي التبديل في ألفاظها (٢) .
وبهذا يتبين: أن ما ذكره البخاري- ﵀ – أحد أقوال العلماء، وهو أن ألفاظ كتب الله السابقة للقرآن، لم تغير ولم تبدل، وإنما حرفت معانيها، وأولت على غير تأويلها، فيكون معنى التحريف، الذي ذكره الله – تعالى – عنهم: هو تحريف المعاني، وصرفها عن مراد الله بها، إلى ما تهوى نفوسهم، وما يريدون حسب رغباتهم.
стр. 1115
ولكن يبقى أن يقال: هل التوراة والإنجيل التي بأيدي اليهود، والنصارى، هي التي أنزل الله على موسى وعيسى، لم يذهب منهما شيء ولم يزد عليهما شيء؟ هذا الذي لا يستطيع أحد أن يجزم به، فالصحيح: أنه حصل في ألفاظهما التبديل والتغيير، وأن بعض ألفاظها أزيل، ووضع بدله غيره، لا كما يقول البخاري – ﵀.
فإن كانت التوراة هذه، الموجودة اليوم بأيدي الناس، فلا شك في تغيير وتبديل بعض ألفاظها حسب الترجمة العربية.
فقد جاء في الإصحاح التاسع عشر، من سفر التكوين، من التوراة، قوله: ((صعد لوط من زغر، وسكن في الجبل، وابنتاه معه، إذ خاف من المقام في زغر، وسكن في مغارة هو وابنتاه معه، فقالت الكبيرة للصغيرة، أبونا شيخ، وإنسان، ليس في الأرض للدخول علينا كسبيل كل الأرض، تعالي نسقي أبانا خمراً وننضجع معه، ونبقي من أبينا نسلاً، فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة)) (١) إلى آخر الكلام، وهو باطل قطعاً، وقد نزه الله نبيه لوطاً – ﵇ _ أن يقع على ابنتيه، فتحبلان منه، وإنما هذا من وضع اليهود أعداء الله – تعالى -.
فقوله: ((وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله – )) غير مسلم، بل بدل بعض ألفاظها، كما سبق في كلام شيخ الإسلام أنه الصحيح.
((قال الزركشي: اغتر بعض المتأخرين، بما قاله البخاري، فقال: إن في تحريف التوراة خلافاً، هل هو في اللفظ والمعنى، أو في المعنى فقط؟ ومال إلى الثاني، ورأى جواز مطالعتها، وهو قول باطل، ولا خلاف أنهم حرفوا، وبدلوا،
стр. 1116
والاشتغال بنظرها، وكتابتها، لا يجوز بالإجماع، وقد غضب النبي – ﷺ – حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال: ((لو كان موسى حياً، ما وسعه إلا اتباعي)) ولولا أنه معصية ما غضب.
ونظَّر الحافظ بهذا الكلام، وقال: ((الظاهر: أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال: الأولى، التفرقة بين من لم يتمكن، ويصر من غير الراسخين في الإيمان، فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخين، فيجوز لهم، ولا سيما عند الاحتجاج، ويدل على ذلك نقل الأئمة قديماً وحديثاً من التوراة)) (١) .
وتحريف معانيها وتفسيرها بغير المراد، فهذا ظاهر جداً، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وكثير من آيات القرآن صريحة في هذا، وهو مراد البخاري بقوله: ((ولكنهم يحرفونه: ويتأولونه عن غير تأويله)) أي: يحرفون معانيه، ويفسرونه بما لم يرده المتكلم، اتباعاً لأهوائهم.
قال ابن القيم: ((التأويل: تفعيل من آل يؤول إلى كذا: إذا صار إليه، فالتأويل التصيير، وأولته تأويلاً: إذا صيرته إليه)) (٢) .
وتسمى عاقبة الشيء تأويلاً؛ لأن الأمر يصير إليها، وكذلك حقيقة الشيء المخبر به، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ (٣) .
وعند المتأخرين، التأويل هو: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه، إلى ما هو أخفى منه؛ لدليل يقترن بذلك، والدليل قد يكون عقلياً، وقد
стр. 1117
يكون شرعياً، ويسمى التفسير تأويلاً.
قوله: (( ﴿دراستهم﴾ : تلاوتهم)) .
قال الحافظ: وصله ابن أبي حاتم، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (١) .
وهذا جزء من قوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ (٢) .
وفي ((اللسان)) : ((درست الكتاب، أدرسه، درساً، أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه عليَّ)) (٣) ، والمقصود أن الدراسة هي التلاوة، وهي فعل التالي.
قوله: (( ﴿واعية﴾ : حافظة)) .
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلَنَاكُم فِي الجَارِيَةِ ﴿١١﴾ لِنَجعَلَهَا لَكُم تَذكِرةً وَتَعَيِهَا أًذُنُ وَاعِيَةُ﴾ والجارية هي: السفينة، التي صنعها نبي الله نوح – ﷺ – وهو أبو البشر الثاني، لأن الله – تعالى – يقول: ﴿وَجَعَلنَا ذُرِيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ﴾ فتكون السفينة، تذكرة لما وقع لقوم نوح، لما عصوا رسولهم، فيبتعد المتذكر عن معصية الله؛ لئلا يصيبه ما أصابهم، وهذه العظة والتذكرة تعيها الأذن الواعية، المتيقظة، المتنبهة.
ومراده: أن الحفظ والفهم فعل العبد الذي يقرأ، ويحفظ، ويفهم.
قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ﴾ : يعني: أهل مكة ومن بلغ هذا القرآن، فهو له نذير)) .
стр. 1118
الوحي من الله – تعالى – وهو: الإعلام بخفية، والإنذار فعل الرسول – ﷺ وإنذاره بالقرآن: أن يقرأه على الناس، وقراءته هي فعله، وهو وفعله مخلوق، وهذا وجه الاستدلال من الآية.
((ومن بلغ)) أي: من بلغه هذا القرآن، فهو له نذير، والذي يبلغه، يسمعه من المبلغ له بصوت ذلك المبلغ، والصوت من فعل المبلغ، وهو مخلوق، والقرآن المبلغ بالصوت كلام الله – تعالى – غير مخلوق.
وقد أكثر البخاري – ﵀ – من الاستدلال لهذه المسألة، لأنه قد بلي بمن يقول: القراءة هي المقروء، ونسب إليه، أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق.
وهو برئ من ذلك.
قال الحافظ: ((هذا الذي ذكره البخاري، هو قول ابن عباس، رواه ابن أبي حاتم عنه، وقال: أخرج ابن أبي حاتم في كتاب ((الرد على الجهمية)) ، عن عبد الله بن داود الخرسي قال: ما في القرآن آية أشد على أصحاب جهم من هذه الآية
﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ ، فمن بلغه القرآن، فكأنما سمعه من الله – تعالى -)) (١) .
******
١٧٧- قال: ((وقال لي خليفة بن خياط: حدثنا معتمر، سمعت أبي، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي – ﷺ – قال: ((لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده: غلبت – أو قال: سبقت – رحمتي غضبي. فهو عنده فوق العرش)) .
١٧٨- ((حدثني محمد بن أبي غالب، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا
стр. 1119
معتمر، سمعت أبي يقول: حدثنا قتادة، أن أبا رافع حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش)) .
الكتابة هي: إثبات الكلام المكتوب، في محل الكتابة، والله سبحانه، كتب ذلك الكتاب في شيء تثبت فيه الكتابة، ويثبت الكلام في ذلك الشيء بالكتابة، سواء كان اللوح المحفوظ أو غيره، فالمقصود إثبات الكتابة للكلام، وأن كون الكلام في الكتاب، ليس ككون الماء في الإناء، والعرض بالجوهر، والرجل في البيت، بل هو قسم غير هذا، وهو معقول يدركه الناس، ويفهمون معنى كون الكلام في الكتاب ، وهذا الحديث تقدم شرحه، وغرضه من الطريق الأخرى، تصريح أبي رافع وقتادة بالتحديث، فيزول احتمال التدليس.
وقوله: ((قبل أن يخلق الخلق)) لا يعارض قوله في الرواية قبلها: ((لما قضى)) ؛ لأنه يجوز أن يراد بالخلق: التقدير والفراغ منه، وهو غير الإيجاد، ومعلوم أن خلق الله - تعالى - لا نهاية له.
وتبين أن مقصود البخاري ﵀ بهذا الباب، أن يبين معنى كون القرآن في المصحف؛ أنه مكتوب مسطور فيه، مثل ما أن اسم الله في المصحف، فإن القرآن كلام الله، والكلام يقوم بالمتكلم صفة له، قال شيخ الإسلام: ليس معنى قول السلف: القرآن كلام الله، منه بدأ، ومنه خرج، أنه فارق ذاته، وحل في غيره، فإن كلام المخلوق إذا تكلم به، لا يفارق ذاته، ويحل بغيره، فكيف يكون كلام الله؟ قال تعالى: ﴿كَبُرَت كَلِمَةً تَخرُجُ مِن أَفوَاهِم إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ .
стр. 1120
فقد أخبر، أن الكلمة تخرج من أفواهم، ومع هذا فلم تفارق ذاتهم (١) .
فالقرآن كلام الله، ويحفظ في القلوب، كما يحفظ الكلام، ومذكور بالألسنة كما يذكر الكلام بالألسنة، وهو مكتوب في المصاحف، والأوراق، كما أن الكلام يكتب في الكتاب والورق.
والكلام هو مجموع اللفظ والمعنى، فاللفظ يطابق المعنى ويدل عليه.
ولا يجوز أن يقال: إن القرآن محفوظ، كما أن الله معلوم، وهو متلو، كما أن الله مذكور، ومكتوب، كما أن الرسول مكتوب، فهذا خطأ، وضلال.
فليس وجود الأعين القائمة بأنفسها، كوجود العبارة الدالة على المعنى المطابق لها، والفرق ظاهر بين قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ ، وبين قوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ فإن القرآن، لم ينزل على نبي قبل محمد ﷺ وإنما الذي في زبر الأولين ذكره، والخبر عنه، كما أن محمداًً ﷺ مكتوب عندهم في التوراة، والإنجيل فالله ورسوله معلوم بالقلوب، مذكور بالألسنة مكتوب في المصحف، كما أن القرآن معلوم لأهل الكتاب قبلنا، مكتوب عندهم، وذلك ذكره والخبر عنه.
ولكن الذي في المصحف عندنا، هو نفس القرآن.
ولهذا يجب أن يفرق بين قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبرِ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَّسطُورٍ ﴿٢﴾ فِي رَقٍ مَّنشُورٍ﴾ فإن كون الأعمال
стр. 1121
في الزبر، مثل كون القرآن، والرسول محمد ﷺ في زبر الأولين.
وأما الكتاب المسطور في الرق المنشور، فهو كما يكتب الكلام نفسه في الكتاب.
فأين هذا من هذا؟
وذلك أن كل شيء له في الوجود أربع مراتب: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في الكتاب.
والكلام وجوده في اللسان، وليس بينه وبين المحل المكتوب فيه، مرتبة أخرى، بل نفس الكلام يثبت في الكتاب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً ﴿٢﴾ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَو نَزَلنَا عَلَيَكَ كِتَابَاً فِي قِرطَاسٍ﴾ .
وليس في المصحف من الأعيان إلا ذكرها، ووصفها، والخبر عنها.
والكلام في الكتاب، ليس هو فيه، كما تكون الصفة بالموصوف، والعرض بالجوهر، والجسم بالمكان، وما هو بمنزله الدليل على المدلول، كالمخلوق الدال على الخالق. بل هو قسم آخر، معقول بنفسه، والناس بفطرهم يفهمون معنى كون كلام الله في المصحف، وأن كلامه الذي قام به لم يفارق ذاته ويحل في غيره، ويعلمون أن الذي في المصحف ليس مجرد دليل على معنى قائم في نفس الله، بل الذي في المصحف كلام الله، مطابق للفظه، ولفظه مطابق لمعناه، ومعناه مطابق لما في الخارج، وهو كلام الله حقيقة لا مجازاً.
وهذه مسألة عظيمة، ضل فيها طوائف من الناس، والبخاري ﵀ ممن ابتلي فيها بمن لم يفهم الحق فيها؛ فارتكب شططاً، ونسب البخاري فيها
стр. 1122
إلى الباطل، ولهذا أكثر من البيان لها كما سبق، ومنشأ الاختلاف فيها، يعود إلى أصلين (١) .
أحدهما: مسألة تكلم الله - تعالى - بالقرآن، وغيره.
والثاني: تكلم العباد بكلام الله، وقد حاولت بيان الحق، في كلا المسألتين فيما سبق، قدر ما أوتيت من بيان، والله المستعان.
*****
قال: باب قول الله - تعالى -: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ﴾ .
يريد ﵀ بهذا الباب بيان أن الله - تعالى - هو الخالق لكل شيء، وحده لا شريك له في ذلك، فيدخل فيه: أعمال العباد وأفعالهم، والآية نص فيه: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ﴾ سواء كانت ((ما)) موصولة أو مصدرية، فعلى التقديرين، فالآية دالة على أن أفعال العباد مخلوقة؛ لأن آلهتهم التي يعبدونها صارت على شكل معين، وهيئة خاصة بعملهم وصنعهم.
وقد أطالوا الكلام في إعراب ((ما)) في هذه الآية، وادعى بعضهم إجماع أهل السنة على أنها مصدرية، وشنعوا على المعتزلة، في دعواهم: أنها موصولة، ظانين أنها إذا كانت موصولة، صارت دليلاً على أن العباد يخلقون أفعالهم.
والصواب، أنها موصولة، وأنها لا تدل على أن العباد يخلقون أفعالهم، كما زعم القدرية من المعتزلة.
قال الإمام ابن جرير: ((وفي قوله: ((وما تعملون)) وجهان: أحدهما: أن يكون ((ما)) بمعنى المصدر، فيكون معنى الكلام حينئذ: والله خلقكم وعملكم.
стр. 1123
والآخر: أن يكون بمعنى ((الذي)) فيكون معنى الكلام حينئذ: والله خلقكم والذي تعملونه، وذكر عن قتادة أنه قال: والله خلقكم وما تعملون بأيديكم (١) ، فهذا يدل على أنها موصولة عنده.
وقال شيخ الإسلام: قال الله – تعالى -: ﴿قَالَ أَتَعبُدُونَ مَا تَنحِتُونُ ﴿٩٥﴾ وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ﴾ ((فما)) بمعنى ((الذي)) ، ومن جعلها مصدرية، فقد غلط، ولكن إذا خلق [الله] المنحوت، كما خلق المصنوع، والملبوس، والمبني، دل على أنه خالق كل صانع وصنعته (٢) .
والمعنى: أن الآية فيها التصريح، بأن أصنامهم من مخلوقات الله، وإن كان شكلها، ووضعها، على صفة معينة من صنعهم، فإن الله هو الذي أقدرهم على ذلك، ويسر لهم أسبابه، ولهذا أخبر تعالى بأنه هو الذي خلق الفُلْك، وهي مصنوعة لبني آدم، قال تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٤) وهذه كلها مصنوعة لبني آدم، وهذا يبين وجه دلالة الآية، المترجم بها، على أن الله هو خالق أفعال بني آدم، فهم وأفعالهم من خلق الله – تعالى -. وإن كانت ((ما)) في الآية موصولة، فلا داعي للتعسف والتكلف لجعلها مصدرية، حتى لا يكون فيها متعلق للقدرية المعتزلة، القائلين بأن العبد يخلق فعله بنفسه، فهذا قول ظاهر البطلان، وكل باطل لا يؤيده كتاب الله – تعالى -، بل يدل على بطلانه.
стр. 1124
فقد ضل من أخرج أفعال العباد عن مخلوقات الله – تعالى -، كما ضل من قابلهم، وقال: إن العباد مجبورون على أعمالهم، فلا اختيار لهم ولا قدرة.
والحق وسط بين هاتين الضلالتين، وهو أن الله – تعالى – خلق العباد، وخلق لهم قدرة واختياراً بهما يفعلون ما يريدون فعله، ويتركون ما يريدون تركه.
وسبب الضلال في هذه المسألة: عدم التفريق بين خلق الله ومخلوقه.
((فخلق الله: صفته التي يخلق بها الخلق، وأما مخلوقه فهو أثر الصفة، وهو مفعوله، وخلق الله – تعالى – لمخلوقاته، ليس هو نفس مخلوقاته، بل خلقه فعله المتصف به، ومخلوقاته مفعولاته التي يفعلها ويوجدها إذا شاء، وأفعال العباد مخلوقه له تعالى كسائر المخلوقات، ومن جملة مفعولاته، وليست هي نفس فعل الرب، بل هي نفس فعل العبد، فالكذب والظلم، ونحوهما من القبائح، يتصف بها من كانت فعلاً له، قائمة به، ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له؛ لأنه – تعالى – جعلها صفة لغيره، كما أنه – تعالى – لا يتصف بما خلقه في غيره، من الطعوم، والألوان، والروائح، والأشكال، وغير ذلك.
فإذا خلق الإنسان أبيض، أو أسود، لم يكن ذلك اللون وصفاً له، وكذلك إذا خلق هذا الشيء مُرّاً، أو حلواً، أو على صورة قبيحة مذمومة، لم يكن تعالى متصفاً بذلك، بل المتصف بها من قامت به وفعلها (١) .
وقال أيضاً: ((القرآن دل على أن مفعولات العباد، الخارجه عن أنفسهم، مصنوعة لهم، وما كان مصنوعاً لهم، فهو من فعلهم، ومقدورهم بالضرورة، والاتفاق.
стр. 1125
قال الله – تعالى – لنوح – ﵇: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَيَصنَعُ الْفُلْكَ﴾ (٢) ، وقد أخبر – تعالى – أن الفلك مخلوقة من مخلوقاته، مع كونها مصنوعة لبني آدم، وجعلها، من آياته، فقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿أ َلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ (٥) ، وقال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعبُدُونَ مَا تَنحِتُونُ ﴿٩٥﴾ وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ﴾ . فجعل الأصنام معمولة لهم، وأخبر أنه خالقهم، وخالق معمولهم، فإن ((ما)) ها هنا بمعنى الذي، والمراد: خلق ما يعملونه من الأصنام، وإذا كان خالقاً للمعمول، وفيه أثر فعلهم، دل على أنه خالق لأفعال العباد.
وأما قول من قال: إن ((ما)) مصدرية فضعيف جداً (٦) .
وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعبُدُونَ مَا تَنحِتُونُ ﴿٩٥﴾ وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ﴾ تنبيه لعبَّاد الأصنام، على فساد ما صاروا إليه من عبادتها، مع نحتهم إياها بأيديهم، فكيف تعبدون أصناماً تعملونها بأيديكم؟ والله خالقكم وما تعملونه، فأوجدكم، بعد أن لم تكونوا شيئاً، وخلق لكم ما تصلح به حياتكم، وخلق ما تنحتونه، فهو الخالق لكل شيء، فالواجب عليكم أن تعبدوه، وحده لا شريك له، فهو المتفرد بالخلق، والمالك لكل شيء، فمن